وأذكر أني كنت في الآستانة سنة ١٢٣١ نازلاً بدار المرحوم خالي الشيخ محمد المكي بن عزوز أستاذ علم الحديث بدار الفنون، فعاد من الدرس يوماً، وأخبرني أنه كان مع طائفة من المدرسين في غرفة ناظر المدرسة، فجرى ذكر هذه الآية الكريمة، فنسب بعض الحاضرين إلى سليمان ﵇ العلم بفن الطيران، فقال له الناظر - وكان من الأتراك المؤمنين المستنيرين بهدى الله -: "تلك معجزة".
أما الذين أنكروا أن يكون للنبي- ﷺ معجزة غير القرآن، فشبهتهم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
وليس في هاتين الآيتين ما يثير إشكالاً؛ فإن كفار قريش كانوا يقترحون على النبي ﷺ آيات يصفونها، وإنما يقترحونها على وجه التعنت؛ مثل: الآيات التي حكاها الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
وذكر تعالى في جوابهم: أنه لا يرسل هذه الآيات التي اقترحوها تعنتاً؛ حيث علم أنهم سيلاقونها بالتكذيب، ودل على هذا: بأن قوماً يماثلونهم في طبائعهم النفسية قد أرسلت لهم آيات من جنس الآيات التي يقترحها
стр. 1157
المشركون، وكانوا مطبوعين على التعنت، فتلقوها بالتكذيب، فقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. فهذه الآية تفهم على معنى أن الأولين قد كذبوا بآيات من جنس الآيات التي اقترحها هؤلاء الآخرون، فكان تكذيبهم كأنموذج لتكذيب أمثالهم المتعنتين من كفار قريش للآيات التي اقترحوها لو وقعت.
وأما الآية الثانية، فإن كفار قريش قالوا على وجه التعنت أيضاً: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠]. ولما كان المقصود من إنزال الآيات: توجيه النفوس إلى الإيمان بصدق الرسول من طريق الاستدلال، كان الأمر في اختيار الآيات يرجع إلى مشيئته تعالى؛ إذ هو العالم بما يوافق حكمة الدعوة، ويكفي في دلالة النفوس غير المتعنتة على أن دعوة الرسول حق، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وقد أراهم آيات كافية في الدلالة على أن محمداً رسول حق، فلو كان قصدهم الوصول إلى الحق، لاكتفوا بها، ولما كان القرآن الحكيم أعظم هذه الآيات وأوضحها دلالة، وأبقاها نصب أعينهم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
وخلاصة هذه الكلمة: أن من دلائل النبوة خوارقَ عادات جرت على يد النبي ﷺ ، وقد اشتملت كتب السنة الصحيحة على نصيب منها، ولو سلمنا أن حديث كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر، فإن مجموعها قد بلغ هذا الحد بلا ريب.
стр. 1158
من آداب خطب النبي ﵊ - (١)
للدعوة إلى الإصلاح طرق، ومن أقرب هذه الطرق نجاحاً، وأبلغها أثرًا: الخطابة، ولهذا شرعت في يوم الجمعة من كل أسبوع، وفي يومي عيد الفطر وعيد الأضحى من كل سنة، بل في كل وقت يقتضي الحال فيه تذكير الناس بحكمة، أو أمرهم بمعروف، أو نهيهم عن منكر، وكان النبي ﵊ ينهض للخطابة عند كل أمر هام، وكتبُ الحديث والسيرة عامرة بأنباء وقائع يقوم فيها خطيبًا، فيأمر أو ينهى، أو يزيح أوهاماً علقت ببعض الأذهان.
ولقد كانت خطبه ﵊ مُثلاً عليا، يحق على كل داع إلى الإصلاح أن يقتدي بها، ويقتبس من آدابها، ويسوس النفوس بمثل أساليبها.
يحرص ﵊ أن تطرق مواعظه آذان المستمعين متمايزة الحروف، مفصلة الكلمات، فكان يلقي الخطبة قائماً، رافعًا بها صوته، وإنما يخطب على مكان مرتفع، ولذلك اتخذ المنبر في مسجده بالمدينة.
ويحرص على أن تقع الموعظة في قرارات النفوس، فكان يلقي الخطبة
стр. 1159
بألفاظ مأنوسة، وتأليف محكم، ومعان بارزة في صور بارعة، فانظروا إلى قوله في بعض خطبه: "من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا، فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"، وهكذا ترون خطبه مصوغة بألفاظ مألوفة، ومعان قريبة المأخذ، وهي - مع سهولة ألفاظها، وقرب معانيها من أذهان الجمهور - قد حازت في مراقي البلاغة الأمد الأسمى.
وربما أعاد الجملة، فنطق في ثلاث مرات، يدل على أنها موضع اهتمام، ويخشى أن تمر على أذهان المستمعين دون أن تستقر في نفوسهم، كما قال في خطبة التشريق: "ألا لا تظالموا"، وكررها مرتين بعد الأولى.
ولم يكن ﵊ يلتزم السجع في خطبه، وإنما يأخذ فيها بطريقة الترسل، إلا أن يجيء السجع عفوًا، وذلك أن السجع الملتزم لا يخلو من تكلف تفقد به صور المعاني جانبًا من الوضوح، وإن شئت مثلاً يشهد بأن خطبه لم تنسج على منوال السجع، فإليك قوله في إحدى خطبه: "فليأخذ العبد عن نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت".
وقد أولع أكثر الناس منذ عهد بعيد بتسجيع الخطب، إما لقصر باعهم في البيان، وإما لأنه الأسلوب الذي تلذّه الأذواق لتلك العهود، وقد تحولت الأذواق اليوم - فيما يظهر - إلى استحسان الكلام المرسل، وإيثاره على السجع؛ حيث يبرز المعاني في صور تصل إلى القلوب عندما تصل الكلم إلى الآذان. ولم يكن ﵊ ليطيلَ الخطب، يخشى على الناس الملل، فلا ينتفعون بالموعظة انتفاعهم بها وهم يصغون إليها بإقبال ونشاط،
стр. 1160
وكان يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من فقهه".
وكانت خطبه - مع قصرها - ممتعة بالحكمة والموعظة الحسنة، إذ تجيء حافلة بجوامع الكلم، والجمل التي تجري على الألسنة مجرى الأمثال إيجازاً وبلاغة.
وقد يطيل الخطبة في غير يوم الجمعة متى اقتضى الحال الإطالة، روى أبو سعيد الخدري: "أن النبي ﷺ خطب بعد العصر، ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف".
وكان يفتتح الخطبة بحمد الله، والثناء عليه، ويصلهما بالتشهد، ويقول: "أما بعد" متنقلًا بها إلى حكمة أو موعظة، وقد يدع الخطبة العامة، ويتجه في أثنائها إلى إرشاد شخص بعينه متى خشي فوات الفرصة. جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال ﵊: "صليت يا فلان؟ "، فقال: لا، فقال: "قم فاركع"، ثم عاد إلى الخطبة.
وقد يستعين ﵊ في تثبيت المعنى بالإرشاد بيده إشاره مناسبة للمعنى كما قال في إحدى خطبه: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، وروي أنه كان يشير بأصبعه السبابة عند ذكر الله تعالى ودعائه.
فالإشارة باليد لا تنافي وقار الخطيب متى استعملت في أثناء الخطبة استعمالاً مناسباً للمعنى. ومما يجعل للخطبة أثرًا بليغًا في النفوس: أن يكون الخطيب مخلصًا في وعظه، حريصاً على أن يأتي بثمرات طيبة من المسارعة إلى الخير، والإقلاع عن الشر، وقد يظهر لهذا الإخلاص أمارات في وجه الخطيب أو صوته؛ كاشتداد الغضب عند الإنذار، وورد في الصحيح: أنه
стр. 1161
- ﵊: "كان إذا خطب، احمرت عيناه، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش بها.
والناس يعرفون الغضب المتصنَّع، والبكاء الذي لم تبعثه خشية، فينبغي للخطيب أن يترك نفسه على فطرتها، ولا يهزها إلى مظهر الخشوع والغضب هزًا؛ ليري الناس أنه حريص على إصلاحهم. ومن شواهد الرياء أن يأمرهم بالخير وينسى نفسه.
وكان ﵊ ينظر إلى حال القوم يوم الخطبة، فيلقيها على مقتضى حالهم، فيأمر بمعروف أخلُّوا به، أو يحذر من مكروه اقتربوا منه، وجرى على هذا الخلفاء الراشدون، والخطباء المصلحون. وهذا منذر بن سعيد قاضي قرطبة رأى الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أسرف في تشييد المباني وزخرفتها؛ كما صنع في بناء "الزهراء"، فاتجه بخطبته إلى هذا الغرض، وأنكر فيها الإسراف في البناء والزخرفة، وإنفاق الأموال في غير مصلحة.
وشأن الخطب التي تلقى على طبقات من الناس متفاوتة في العلم والفهم: أن لا يتعرض الخطيب فيها إلى المسائل التي قد يتعثر فهمها على كثير منهم، أو يتناولونها على غير وجهها، وكانت خطب النبي ﷺ جارية على هذا الشأن؛ بحيث يستوي في فهمها الطبقات المختلفة دون أن يجدوا فيها ما ينبو عنه الفكر، أو يحار فيه العقل. وكان الصحابة ﵃ يراعون هذا الأدب الحكيم، فقد روى البخاري: أن عمر بن الخطاب أراد أن يخطب أيام الحج في أمر عرض له، فقال له عبد الرحمن بن عوف: "لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطيروا بها كل
стр. 1162
مطار، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك، وينزلوها على وجهها".
وطالما حاد أكثر الناس بالخطب عن سيرتها في عهد النبوة، فبعد أن كان الخطيب يصور المعاني بفكره، ويكسوها ألفاظاً من عنده، ثم يلقيها مقبلاً على الناس ببصره؛ كما كان يفعل النبي ﷺ والخلفاء من بعده، صار الخطيب يبحث عن خطبة صدرت عن قريحة غير قريحته، وكتبت بقلم غير قلمه، فيقف ممسكاً لها بيده، مقلباً فيها وجهه. ولا مرية أن الخطبة التي
تصدر من قلب الخطيب، مصوغة في عبارات من صنعه، هي أجدى نفعاً،
وأعظم في النفوس أثراً، من خطبة يستعيرها من غيره.
стр. 1163
في الهجرة بركة (١)
هاجر النبي ﷺ وأصحابه الخيار من مكة إلى المدينة، فظهرت بركة هذه الهجرة من المهاجرين أنفسهم، وفي البلاد التي هاجروا إليها، وفي انتشار الدين الذي هاجروا من أجل التمكن من الدعوة إليه.
أما أثر بركة الهجرة في المهاجرين أنفسهم، فلأنهم بعد أن كانوا يلاقون في مكة أذى كثيراً، أصبحوا في أمن وسلامة، ثم إن الهجرة ألبستهم ثوب عزة بعد أن كانوا مستضعفين، ورفعت منازلهم عند الله درجات، وجعلت لهم لسان صدق في الآخرين، وقد سمّى الله تعالى الصحابة الذين فرّوا بدينهم إلى المدينة بالمهاجرين، وصار هذا اللقب أشرف لقب يدعون به بعد الإيمان.
وأما أثر بركة الهجرة في البلاد التي هاجروا إليها، فإن فضل مكة كان معروفاً عند العرب من قبل بعثة الرسول ﷺ ، وجاءها الفضل من جهة أن الله اختارها لأن يقام فيها بيته المحرم، وأمر رسوله إبراهيم ﵇ ببناء ذلك البيت، ودعوة الناس إلى حجّه، والتقرب إلى الله بالطّواف به، وقد ازداد هذا الفضل بميلاد النبي - صلوات الله عليه - ونشأته فيها، ثم نزول
стр. 1164
القرآن في أرجائها.
وأما المدينة فلم تكن معروفة قبل الإِسلام بشيء من الفضل على غيرها من البلاد، وإنما أحرزت فضلاً بهجرة النبي ﷺ وأصحابه المؤمنين بحق، وبهجرة الوحي معهم إلى ربوعها، حتى أكمل الله الدين وأتم عليهم النعمة.
وأما أثر بركة الهجرة في انتشار الإِسلام، وإعلاء كلمته، فلأن الإِسلام كان بمكة في شيء من الخمول، ولم يكن الجهاد قد شرع؛ إذ لم تتهيأ أسبابه، أما بعد الهجرة إلى المدينة، فقد نزلت آيات في القتال؛ كقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
فإذا احتفلنا بذكرى الهجرة الشريفة، فإنما نحتفل بذكرى اليوم الذي ابتدأت فيه الهداية تسير سيرها الحثيث في الشرق والغرب، وذهبت فيه العزّة تمد ظلالها على كل جماعة تنادي بأرفع صوت: "حي على الصلاة، حي على الفلاح".
стр. 1165
العظمة (١)
نود من صميم أفئدتنا أن نفرغ بأقلامنا ومحاضراتنا للعمل على رقي شعوبنا، وإصلاح شؤوننا، ونود من صميم أفئدتنا أن نقضي صباحنا ومساءنا في البحث عن وسائل خلاصنا من أذى السلطة الغربية عن أوطاننا، ولكن نفرًا جلسوا على رأس الفتنة وهي نائمة، وجلسوا يهمزونها بنزق وغرور، ولو صرفنا النظر عن ناحيتهم، وتركنا حبلهم على غاربهم، لهبطوا بكثير من شبابنا في خسار يهتز له قلب عدوهم شماتاً وفرحاً، والنفوس التي تتزحزح عن الإيمان قيد شعرة تبعد عن مراقي الفلاح سبعين خريفاً.
فلا بد إذن من أن نكون على مرقبة من دعايتهم، وننفق ساعات في التنبيه على أغلاطهم؛ لعلهم ينصاعون إلى رشدهم، أو لعل الأمة تحذر عاقبة هذا الذي يبدو على أفواههم.
ننسى ولا ننسى كاتباً صنع في العظمة مقالاً لا أصفه في مقامي هذا إلا أنه خواطر لم تبلغ من أدب البحث سؤلها.
стр. 1166
تحدث الكاتب عن العظمة، وعبادة الناس لها، ورجع يناقش في أن يكون لرسول الله ﷺ عظمة، وتعلق في إنكار هذا بعلَّة أن محمداً - صلوات الله عليه - لم يكن ملكاً، ولا غنياً، ولا فيلسوفاً، ولا فاتحاً عظيماً، ولا مخترعاً أو مكتشفاً، ثم قال: من يبتغي عظمة محمد، فإنما هي كلمة واحدة جاء بها، وهي: "لا إله إلا الله".
ثم جعل يضع كلمة "لا إله إلا الله" ذات اليمين وذات الشمال، ويضعها على جانب البطلان مرة، وعلى جانب الصحة مرة أخرى، وقال: إن العلم والعقل سيقضيان في شأنها، فإما أن تكون باطلًا، وإما أن تكون حقاً، وأورد خلال هذا وعقبه كلمات مختلفاً ألوانها، وقد اخترنا أن نسوق إليكم قطعًا من هذا المقال، وننقدها بين أيديكم، لعلنا نزيح عن ذوي الفطر النقية سوء أثرها.
وحقيق علينا أن نفتح البحث بكلمة في مبنى العظمة حتى ندخل نقد المقال على بينة.
تضاف العظمة إلى الإنسان، فيرادفها: التجبر، والخُيلاء، وهذا المعنى لا يحوم على نفس رسول الله ﷺ يقيناً، ولا ينزل بساحته في حال، وقد يراد من العظمة: الجلال الذي هو أثر سمو القدر، وبلوغ المنزلة الكبرى في خصال الشرف، وهذا المعنى يتحقق في أكمل الخليقة، فقد كان جلاله يبهر العيون، ويذيب القلوب.
وقد يقصد من العظمة: عِظَم القدر، والتناهي في خصال السؤدد والكمال، ورسول الله ﷺ أوسع الناس في هذه العظمة مجالاً، وأبعدهم فيها أمداً، وأرسخهم فيها قدماً.
стр. 1167
فلا جناح على من ينفي عن رسول الله ﷺ العظمة قاصداً معنى التجبر والأبهة، أما من ينفي عنه العظمة -يقصد الجلال، ويقصد بلوغه في الكمال الأمد الأقصى-، فقد تنكَّب عن الحقيقة جانباً.
ولنأخذ - بعد هذا - في عرض القطع الموعودة على أسماعكم، وانظروا ماذا ترون.
قال صاحب المقال: "اليوم يذكر الناس مولد محمد ﷺ ، ولا يذكر الناس محمداً إلا اتجهوا في البحث عن عظمته، ودرجته بين العظماء".
يريد صاحب المقال من الناس "الذين يذكرون محمداً ﷺ ، فيبحثون عن عظمته" القوم المسلمين، فإنه وصل هذه الفقرة بالحديث عن إيمان الناس بالعظمة، وافتتانهم بها، وعبادتهم لها في صور من العبادات، يرمز بهذا إلى حال المسلمين في إيمانهم بعظمته - صلوات الله عليه -، ونظرهم إلى مقامه الكريم بعين التوقير والإجلال. والناس الذين يذكرون محمداً -صلوات الله عليه -، فيتجهون إلى البحث عن عظمته صنفان: مؤمنون برسالته، وغير مؤمنين.
فأما الذين أشربوا في قلبهم الإيمان بأنه رسول الله حقاً، فإنهم يرفعون مقامه الأسمى عن أن يعقدوا بينه وبين العظماء -في نظر كاتب المقال- مقارنة ومقايسة، والميزان الذي يحمل في إحدى كفتيه النبوة والرسالة، تبقى كفته الأخرى طائشة إلا أن تحمل فيه سيرة نبي أو رسول.
وإنما ينظر المؤمنون في سيرة محمد - صلوات الله عليه -؛ ليزدادوا إيماناً فوق إيمانهم، أو ليكون لهم فيها أسوة حسنة، أو ليلقوا الارتياح الذي تلقاه النفوس الزكية تجتلي شيئاً من مظاهر الكمال والعظمة.
стр. 1168
وأما من لم يهتدوا بدلائل، فإنهم يتجهون للبحث عن عظمته ودرجته بين العظماء، ولا نشك في أن الذين يدخلون البحث عن طريقه الحر لا ينصرفون عنه إلا وقد شهدوا من سيرة المصطفى - صلوات الله عليه - عظمة فائقة.
قال الفيلسوف (تومس كارليل) في كتاب "الأبطال": "وظنّي أنه لو أتيح للعرب بدل محمد قيصرٌ من القياصرة بتاجه وصولجانه، لما كان مصيبًا من طاعاتهم مقدار ما ناله محمد في ثوبه المرقع بيده، فكذلك تكون العظمة، وكذلك تكون الأبطال".
فالصنفان من المؤمنين وغير المؤمنين يبحثان عن عظمة محمد -صلوات الله عليه-، غير أن المؤمنين يبحثون عن وجوه عظمته؛ ليزدادوا إيمانًا، أو ليظفروا بموضع قوة، أو ليسلكوا قلوبهم في لذة، وغير المؤمنين يبحثون عن وجوه عظمته؛ ليتعرفوا عظمته ودرجته بين العظماء.
قال صاحب المقال: "ذلك بأن الناس ما برحوا منذ القدم يؤمنون بعظمة العظماء، ويعبدون في صور من العبادات، شتى مظاهر العظمة التي تخيلوها".
يؤمن القوم المسلمون بعظمة محمد - صلوات الله عليه -، ولا يكادون يتعدون بإيمانهم مقامه الذي شهدت به آثاره، ورسمت الآيات البيّنات حدوده، فهم ما برحوا يتهجدون بكتاب الله، ويتلون فيما يتهجدون أمثال قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١].
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والسنة الصحيحة مملوءة بالأحاديث التي تعلم المسلمين أن لا يغلوا
стр. 1169
في عظمته، وأن لا يبالغوا في تعظيمه ساحة ما يسمى عبادة، فهم يدرسون فيما صحت روايته مثالَ قوله ﷺ وهو يتحدث عن عثمان بن مظعون -: "أما هو، فقد جاءه اليقين، والله! إني لأرجو له الخير، وما أدري والله وأنا رسول الله ما يُفعل بي".
فالناس يتخيلون لمحمد - صلوات الله عليه - عظمة غير العظمة التي يَسَّره الله لها، وخلع عليه رداءها، فذكر العظمة المتخيلة وعبادتها غير لائق بمقام الحديث عن عظمة رسول الله، واتجاه الناس إلى البحث عنها عندما يذكر مولده الكريم.
وإن وجد في الناس من يكبو في غلو، أو تصدر عنه كلمات جامعة عن السبيل، فهذا لا يسيغ لكاتب المقال أن يطلق القول في الذين يؤمنون بأن لمحمد - صلوات الله عليه - عظمة؛ فإن السواد الأعظم من المسلمين يشهدون بعظمة رسول الله ﷺ على النحو الذي سنلقي إليكم حديثه بعد قليل، وما كانوا يعبدونه في أي صورة من صور العبادات، ولعل الكاتب اشتهى أن يرمي المسلمين بشأن أهل ملة أخرى، فلم يتحرج من أن يذكر بحث الناس عن عظمة رسول الله ﷺ ، ويلصق به على وجه التعليل الحديث عن إيمانهم بالعظمة المتخيلة، وعبادتهم لمظاهرها في صور من العبادات.
ذكر صاحب المقال أن هذه العبادة المتخيلة على أشكال متباينة، وقال: "فلكلٍّ في فهمها مذهبه، وله ما يهديه إليه الخيال، فللحكم ونفاذ الكلمة عظمةٌ يؤمن بها الملوك والحكام، ويعبدها الأذلاء والطامعون، وللغنى عظمة يؤمن بها الأغنياء، ويعبدها أشياعهم وأتباعهم، وللعلماء عظمة، ولها أيضاً عبادها، وللجمال عظمة يؤمن بها الغواني، وتهوي الجباه لها سجداً، وللصّ
стр. 1170
الفاتك عظمة تخشع لجلالتها قلوب الملتفين من حوله، وبقيت بعد ذلك عظمة يؤمن بها أهل النبوغ في كل فن، وفي كل صفة، ولكل منها عبادها".
من ينازع المسلمين في أن لمحمد - صلوات الله عليه - عظمة لا سبيل له في البحث إلا أن يستبين المعنى الذي يسميه المسلمون عظمة، ويقيم الدليل على أنه خارج عن حد العظمة الصادقة؟.
وهل استبان كاتب المقال المعنى الذي يسميه المسلمون عظمة عندما يُذكر محمد - صلوات الله عليه -، ثم أقام الدليل على أنه ليس بعظمة؟!
كاتب المقال سرد أمثلة يتخيلها بعض الناس عظمة؛ كجمال الغواني، واللصوصية، ولم يستبن معنى العظمة في نظر المسلمين حين يضيفونها إلى المصطفى - صلوات الله عليه -.
والحقيقة أن الناس الذين يذكرون محمداً ﷺ ، إنما يتجهون إلى البحث عن العظمة التي هي فخامة القدر، وبلوغ المنزلة الباهرة في الشرف والكمال. فعدُّ كاتبِ المقال اللصوصية، وجمال الغواني في مظاهر العظمة، وهو يتحدث عن العظمة التي يتجه إليها الناس عندما يذكر المصطفى - صلوات الله عليه - تظاهرٌ بذوق غير مألوف، وغفلة أو تغافل عن معنى العظمة التي تتجه إليها أنظار الباحثين عن سيرة نبي عظيم كسيرة محمد ﵊.
قال صاحب المقال: "لعل أحداً لا يستطيع أن يحدد ذلك المعنى المبهم المضطرب الذي يسميه الناس عظمة، ولكنه -على ذلك- لم يزل منذ القدم فتنة الناس كلهم، يتخذونه غاية يعملون لها، ويحسبونه ميزانًا يزنون به بين الرجال".
إذا فسدت أذواق فريق من الناس، فضلُّوا عن حقيقة العظمة الصادقة
стр. 1171
حتى أصبحوا يتخيلونها في الخصال الدّنيئة كاللصوصية، فإن الناس الذين يبحثون عن عظمة رسول الله ﷺ ، إنما يذهبون إلى وجوه السيادة والكمال، والفرق بين ما يعدّ كمالًا وشرفًا في الإنسان، وبين ما لا يدخل في هذا القبيل، سهل المأخذ، وما هو من الباحث المنصف ببعيد.
توصف الأشياء بالفضل، فيقال: هذا السيف أفضل من ذلك السيف، وهذه اللؤلؤة أفضل من تلك، وهذا الإنسان أفضل من ذلك الإنسان، ووجوه الفضل بين هذه الأنواع الثلاثة مختلفة. والمعروف لدى أهل العلم أن الفضل في كل شيء زيادته فيما هو كمال فيه، وكل شيء يكمل بالوصف الذي يمتاز به، ويراد منه، فكمال السيف في صرامته، وكمال اللؤلؤة في إضاءتها وصفائها، وكمال الإنسان في علمه الصحيح، وعمله الحكيم، ومنطقه البليغ.
فالعظمة التي يسمو بها قدر الإنسان بين العقلاء، وتوجُّه الناس إلى البحث عنها عند ذكر محمد - صلوات الله عليه - هي العظمة القائمة على الحكمة، وفصل الخطاب.
وإذا التبس الحال على بعض الناس، فحسب شيئاً من الآراء الباطلة علماً صحيحاً، أو تخيل بعض الأعمال المكروهة عملاً مستقيماً. أو عدَّ بعض الهذيان قولًا بليغاً، فقد وضعت النظم المنطقية، وفتحت بعض المناظر لكشف مثل هذا الالتباس.
على أن من الخصال والأعمال ما لا يختلف أولو الأحلام في كماله وحكمته، ومن هنالك رأينا كثيراً ممن لم يهتدوا بنبوة محمد - صلوات الله عليه - يشهدون بعلو شأنه، ويذكرون عظمته بمنتهى الإعجاب.
جرى ذكر (لوثر) لدى الفيلسوف (فولتير)، فقال: "إنه لا يستحق أن
стр. 1172
يكون صانع أحذية عند محمد".
وقال الفيلسوف (توماس كارليل) في كتاب "الأبطال": "أتبين في محمد عقلاً راجحاً عظيماً، وعيناً بصيرة، وفؤاداً صادقاً، ورجلاً قوياً عبقرياً".
قال صاحب المقال: "لولا أن الناس قد فتنوا بدين العظمة، وعبادة العظماء، لما ساغ إذا ذكرت رسل الله، ومحمد خاصة، أن يبحث باحث في أنهم من العظماء، فذلك بحث ليس له موضع في مقام التحدث عن رجال النبوة والرسالة، والدعوة الخالصة إلى الله".
لو أراد صاحب المقال أن يخوض البحث في سيرة أهل العلم، لشرح معنى العظمة، ثم أقبل على الناس يبين لهم كيف لم يتحقق هذا المعنى في رسل الله، أو في محمد خاصة، وقد عرفتموه بأنه لم يزد على أن ذكر أن هناك عظمة متخيلة، وساق عليها أمثلة بعضها يدخل في حد العظمة؛ كالعلم، وبعضها لا يتصل بأسباب العظمة؛ كاللصوصية، ثم قال: إن معنى العظمة مبهم مضطرب، ليس في استطاعة أحد أن يحده، ووثب من هنا إلى دعوى أنه لا يسوغ لباحث أن يبحث في أن رسل الله، ومحمدًا خاصة من العظماء، وزعم أن هذا البحث ليس له موضع في مقام التحدث عن رجال النبوة والرسالة والدعوة إلى الله.
لنتساءل عن العظمة التي يحاول كاتب المقال أن ينفيها عن رسل الله، وعن محمد ﷺ خاصة.
لا يصح تأويل هذه العظمة بمعنى: التجبر والخيلاء؛ إذ لم يبحث باحث في أن محمداً - صلوات الله عليه - من العظماء، ويعني: العظماء الجبارين المتكبرين، فكاتب المقال ينفي عن رسول الله ﷺ العظمة التي يتجه
стр. 1173
إليها الناس حين يذكرون مولده الكريم، وما كان ليخفى عن كاتب المقال أن العظمة التي يتجه إليها الناس في ذلك الحين إنما هي البلوغ في خصال الكمال وعظم القدر مرتبة قصوى.
قال صاحب المقال: "وما أبعدَ رسلَ الله الداعين إليه، وما أبعدَ محمداً خاصة، من أن يبالوا بتلك العظمة التي يعبد الناس، ومن أن يبالوا أكانوا عند الناس في مقام العظماء، أم دون ذلك".
لا تبالي رسلُ الله - ومحمد خاصة - بالعظمة التي تُتخيل في نحو اللصوصية، أما العظمة التي تتمثل في خصلة من خصال الشرف؛ كالعلم والشجاعة، فعظمة داخلةٌ في هداية الرسل ﵈، وقد سمعتم كاتب المقال يذكر في مظاهر العظمة: العلم، وهذا المظهر مما عني به الإِسلام جهد العناية، فلا يليق برجل فتح بصره في القرآن - ولو قليلاً- أن يزعم أن محمداً - صلوات الله عليه - لا يبالي بعظمة العلم، ففي التنزيل الحكيم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ولتجدن محمداً ﷺ عظيماً في علمه، وما علمه النافع إلا مظهر من مظاهر عظمته البالغ حد الإعجاز.
قال صاحب المقال: "ومحمد هو الذي أبى للناس إلا أن يكونوا سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وإلا أن يكونوا على قدم المساواة، فكلهم لآدم، وآدم خلق من تراب، وأبى أن يكون في الناس عظماء وغير عظماء، وسواء فيهم من تزدريه الأعين، ومن يروق مناظره، وسواء فيهم السوقة والملوك".
ما كان لكاتب المقال أن يجلس للفصل في العظمة قبل أن يولي وجهه
стр. 1174
شطر العظمة، يقول: إن محمداً أبى للناس إلا أن يكونوا سواسية، وإلا أن يكونوا على قدم المساواة، وسواء فيهم السوقة والملوك، وهذا القول لا يتصل بالعظمة التي يتجه الناس إلى البحث عنها عندما يذكر المصطفى -صلوات الله عليه- ولا يقوم دليل أو شبه دليل على أنه ﵇ لا يبالي بالعظمة الداخلة في حدود الشرف والكمال، بل كان - صلوات الله عليه - يجل هذه العظمة، ويدعو إلى التنافس في مثل هذه العظمة، وإنما كان ليمقت العظمة التي هي الزهو والأبهة، وهي التي كان ينهى عنها، وينذر سوء عاقبتها.
فمن الافتراءات على الإِسلام: أن يقول قائل: إن النبي ﷺ يأبى للناس أن يكون فيهم عظماء على معنى: أنه يكره أن تكون فيهم العظمة التي يمتاز بها بعض الرجال، ويسميهم الناس من أجلها عظماء، فصاحب المقال نفسه يذكر في مظاهر العظمة: العلم، والنبوغ في الفنون والصنائع، أفيصح بعد هذا أن يزعم أن رسول الله ﵊ يأبى للناس أن يكون فيهم عظماء؛ أي: بالغون في العلم مراتب سامية، أو نابغون في بعض الفنون والصنائع؟!.
لا يزعم هذا إلا من يجهد فكره بحشر حجج يطمع في أن يغير حقيقة الإِسلام، ويعرضها في صورة خالية من كل حكمة وعظمة.
نعم، جاء الإِسلام ليجعل الناس على قدم المساواة، ويجعل الملوك والسوقة في مستوى واحد، ومعنى هذا، أن يتمتع الناس بالحرية في نفوسهم وأموالهم، وأعراضهم وسائر حقوقهم، وأن يكون السوقة والملوك في نظر السلطة القضائية أو التنفيذية على السواء، وليس من المعقول أن تحمل المساواة في الإِسلام على معنى عدم التمايز بالعظمة التي تدرك بنحو العلم
стр. 1175
النافع، والعمل الجلل، والخلق الكريم. فالإِسلام ليس هو الدين الذي يرضى لمعتنقه أن يكون كعجوز في محرابها بيدها سبحة، بل هو الدين الذي يسير بأوليائه في سبيل العزة والسيادة والعظمة، وقد جرت سنة الله بأن يكون الناس في هذا السبيل على درجات متفاوتة.
يسوق كاتب المقال حديث: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" مستشهدًا به على أن محمداً ﵊ يأبى أن يكون في الناس عظماء، والحديث إنما ورد في مقام النهي عن العظمة التي هي بمعنى الفخر والكبرياء، وذلك لم يرده كاتب المقال؛ لأنه يجعل مدار حديثه على العظمة التي يبحث عنها الناس عند ذكر محمد ﵊، لقد عرفتم وجوه هذه العظمة، ومن تفقه في التقوى، عرف أنها الوسيلة الكبرى للعظمة الصادقة؛ فإنها بذل الإنسان جهده وسعيه في طرق الفلاح، ومن تقوى الرجل الذي رزق ألمعية متوقدة، وهمة سامية: أن يقتحم الأخطار، ويقذف بنفسه في معالي الأمور، فإذا هو في جلال وعظمة، وإن لم يجد الزهو والكبر إلى نفسه منفذاً.
قال صاحب المقال: "لم يكن محمد بن عبد الله يؤمن بتلك العظمة الأرضية التي يؤمن الناس بها، وهي ذل للنفوس العالية، وشرك بالله رب العالمين".
لا نفتأ نذكر أن كاتب المقال يتحدث عن العظمة التي يتجه الناس إلى البحث عنها عندما يذكر محمد - صلوات الله عليه -. والناس لا يتجهون عندما يذكر محمد إلا إلى العظمة القائمة على معالي الأمور، وعظمة هذا شأنها، عظمة يأذن بها الله، ويدعو إليها رسله، وسموها بعد هذا أرضية إن شئتم، أو سماوية،
стр. 1176
وليست هذه العظمة ذلاً للنفوس العالية، ولا شركاً بالله رب العالمين، وإنما ذلك شأن العظمة بمعنى: الكبرياء أو الأبهة، وهذا المعنى لا يتجه الناس إلى البحث عنه عندما يذكر المصطفى - صلوات الله عليه -.
ولا ننسى أن كاتب المقال قد ذكر في مظاهر العظمة: العلم، والنبوغ في فن أو صناعة، ومن ذا يستطيع أن يقول أو يتصور أن العلم والنبوغ في الفن أو الصناعة ذلّ للنفوس العالية، وشرك بالله رب العالمين؟!
كلا، ليس العلم والنبوغ في فن أو صناعة ذلاً للنفوس العالية، وشركاً بالله رب العالمين. وهذا شأن كل عظمة تقوم على شرف وخير.
قال صاحب المقال: "من كان يريد من عبَّاد الملْك وعظمته أن يضع محمداً بين عظماء الملوك، فما كان محمد ملكاً، ولا رضي أن يكون ملكاً، فإن أصر العائدون من أشباه العلماء على أن يعدُّوه مع الملوك، فهل يستطيعون أن يعدوا مملكة محمد إلا تلك الجزيرة الصغيرة جزيرة العرب؟ وأين جزيرة العرب من ملك الأقاصرة والأكاسرة؟ وأين ملك تلك الجزيرة بين ملوك الإمبراطوريات العظمى الذين بسطوا أيديهم فوق مشارق الأرض ومغاربها، وبحورها وجزائرها؟! ".
الناس في واد، والكاتب في واد، يرى الناس أن رسول الله ﷺ جاء بعقائد وآداب وشريعة، وإن هذه العقائد والآداب والشريعة هي سبيل الله الذي قام ﵊ يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
وكانت بعثته تتناول القيام على هذه الآداب والنظم الاجتماعية، وحمل الناس عليها بالقضاء والتنفيذ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
стр. 1177
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
جاء الرسول ﵊ بآداب ونظم اجتماعية، وكان يسوس الناس بهذه الآداب والنظم، ومن يدبر شؤون أمة، ويجري عليها قانون شريعة، فهو ولي أمرها، وبيده مقاليد سياستها، وهذه حقيقة جلية جلاء الشمس في رونق الضحى، ولكن كاتب المقال يرغب في أن تكون الأذهان خالية من هذه الحقيقة، فما كان إلا أن جاء إلى كلمة عهدها الناس محفوفة بالأبهة والزينة، وهي كلمة (ملك)، وأخذ يدعي أن أشباه العلماء يعدون رسول الله ﷺ ملكاً، ونحن لا نعلم في العلماء أو أشباه العلماء من قال: إنه كان ملكاً، أو أطلق عليه اسم ملك. بل كان الناس يتحامون بهذا الاسم خلفاءه الراشدين.
وإنما كانوا يذكرون تلك الحقيقة الثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، وهي أن محمداً - صلوات الله عليه - مبعوث بشريعته، وأنه كان يقوم على تنفيذ هذه الشريعة.
ذهب كاتب المقال ينفي عن رسول الله ﷺ عظمة الحكم؛ بعلة أنه لم يكن له سلطان إلا على تلك الجزيرة الصغيرة جزيرة العرب. يقول هذا، كأنه لا يدري أن العظمة التي يتجه الناس إلى البحث عنها في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إنما هي العظمة التي تطمح إليها همم الفضلاء، وتجلها قلوب الحكماء.
يعلم الناس أن محمداً - صلوات الله عليه - لم يقم ليشيد ملكاً، ولم
стр. 1178
يخطر على باله أن ينافس الملوك في عظمتها الأرضية، ولكن بعثه الله بالدين القيم، والشريعة الوسطى، وجعله القائم على هذه الشريعة لعهد نزول الوحي، وبعد أن تناسق عقدها، وتكاملت نجوم هدايتها، التحق ﵇ بالرفيق الأعلى، وقد أورث القوم المسلمين شريعة قيمة، وسياسة رشيدة، فكانت دولتهم ذات عظمة تتضاءل أمامها كل عظمة.
أراد الله تعالى أن تكون حياة رسوله الأكرم بمقدار ما تدرك الهداية غايتها، وتملك الأمة قوة تحمي الدعوة من خصومها، واتفق أن جمعت الهداية أمرها، وبلغت القوة الكافية نصابها، يوم أصبحت راية الإِسلام تخفق على ربوع تلك (الجزيرة العربية) يوم نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وإذا خطر على بال أحد أن يضع بين محمد - صلوات الله عليه -، وبين بعض الملوك مقايسة، فإنه يذهب إليها من طريق العدل والمساواة، وينظر فيها من ناحية إخلاص الرعية، وما تحمله لولي أمرها من حسن الطاعة، مع رعاية بيئة الأمة وطبائعها، وتقدير السبيل الذي سلكها والي الأمر حتى أصبحت مقاليد أمة من الناس في قبضته.
فليبحث كاتب المقال هل يجد في تاريخ العالم رجلاً قام في أمة كهذه الأمة العربية في صعوبة مراسها، واختلاف قبائلها، وكثرة زعمائها، قام وليس بيده سلاح يفوق سلاحها، ولا جند أعرف بفن الحرب من رجالها، ولا مال أوفر مما في أيدي زعمائها. فجاهدها، وأخذها من جميع أطرافها في بضع سنين، ثم سار بها في خطة عدل ومساواة تشبه خطة سيدنا محمد الذي يقول:
стр. 1179
"وأيْم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها". ثم هو بعد ذلك يملأ العيون جلالًا، وتلقي إليه القلوب بالمودة وحسن الطاعة. إلى مثل هذا ينظر الذين يعدون في وجود عظمة الرسول ﵊ حكمه العادل، وسياسته الحكيمة، وهم أكيس من أن ينظروا إلى سعة المملكة، وكثرة الجنود.
قال صاحب المقال: "ومن كان يريد أن يضع محمداً بين عظماء أهل المال والغنى، فما كان فيهم إلا فقيراً مقلاً".
إن الذين يتجهون إلى البحث عن عظمة محمد ﷺ ، لا يعدون المال في مظاهر العظمة. وليس المال إلا وسيلة، إما إلى خير، وإما إلى شر، ولو أوتي رجل سعة من المال، فركض به في شهواته، ولم ينفقه إلا في لذة أو زينة، لكان البائسُ الفقير الذي يزيد عليه بمثقال من علم أو فضل أقربَ منه إلى العظمة.
وإذا لم يكن المصطفى - صلوات الله عليه - في ثروة وأموال تحف به في كل وقت، فإن الحال التي تمر عليه، وهو في كفاف من العيش، لا تختلف عن حاله يوم تنساق إليه الأموال ركامًا، فهو في حالتي كفافه ويساره يمثل الصبر والسكينة، والزهد والسخاء.
فالذين يبحثون عن عظمة رسول الله ﷺ يجدونها في حال كفافه بمقدار ما يجدونها في حال يساره، شبرًا بشبر، وذراعاً بذراع. ولا يخدش الفقر والإقلال في عظمة الرجل إذا نهضت به الحكمة والعزم والإخلاص، وأرغم أنوف الطغاة أو الأغنياء الذين يمشون في الأرض مرحاً.
قال صاحب المقال: "ومن كان يريد أن يضعه بين القواد الفاتحين،
стр. 1180
فإنما بلده مكة، وهي أكبر ما فتح محمد من البلاد".
يتجه أولو الأبصار إلى البحث عن عظمة رسول الله ﷺ ، ولا يخطر لهم على بال أن يوازنوا بينه وبين الفاتحين في عدد ما فتحوا من المدن أو الممالك، وإذا عدوا فتح مكة من مواقفه الشريفة، ومظاهر عظمته السامية، فلأنه عاقبة جهاد وصبر وثبات، ولأنه الفتح الذي أخذ به الإِسلام مهيباً به، وقطعت به الدعوة إلى الحق شوطاً واسعاً. والذي يفتح مدينة، فيملؤها إيماناً بعد شرك، وعدلاً بعد جور، وإصلاحًا بعد فساد، تكون عظمته في قلوب سراة الناس وحكمائهم فوق عظمة من يفتح المشرق أو المغرب، وهو يحمل في نفسه غطرسة، وفي يده إرهاقاً.
قال صاحب المقال: "ومن كان يريد أن يعده من كبار الفلاسفة والمخترعين والمكتشفين، فقد كان محمد أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وما كان بمخترع ولا مكتشف".
الاختراع والاكتشاف مما يناله الناس بالذكاء والمثابرة على البحث، وإنما جاء محمد - صلوات الله عليه - بحكمة وقفت دونها أنظار الأذكياء، وتخبطت في البحث عنها عقول الفلاسفة، وهي هذه الحقائق والآداب والنظم التي هي قوام الحياة الراقية، وملاك السعادة الخالدة، هذه هي العلوم التي اختار الله لها محمداً، فألقاها على الناس دروساً زكية، وليس من زينتها سيرة غراء، ولا يضره بعد هذا العلم وهذه السيرة أن لا يخترع من الحديد غواصة، أو لا يستكشف أثراً كان تحت الأرض غائباً.
وإذا اعترف الناس للفيلسوف الكاشف عن شيء من غوامض الطبائع المادية بالعظمة، فإن عظمة من يكشف عن الحقائق العقلية والفضائل النفسية
стр. 1181
والصلات الأدبية والقواعد العمرانية أسنى مطلعاً، وأجلى مظهراً.
وتمادى صاحب المقال يخوض في لهو، ويجادل بعنف، ثم عاد فقال: "من كان يبتغي عظمة محمد، فإنما هي كلمة واحدة جاء بها محمد، وفيها كل عظمة يلتمسها الباحثون: لا إله إلا الله".
عظمة المصطفى - صلوات الله عليه - في كلمة واحدة جاء بها، وهي لا إله إلا الله!!!.
إن صاحب المقال يحاول أن يريكم القمر الزاهر في شكل درهم، فدعوه يتحدث عن كرم الخليقة كيف يشاء، واتجهوا في البحث عن عظمة الرسول الأكرم إلى سيرته المشهودة في القرآن والأخبار الثابتة.
من يبتغي عظمة الرجل بحق، فليبحث عنها في ناحية عقله وعلمه، وخلقه وإخلاصه، وعزمه وعمله وحسن بيانه، ولقد كان محمد - صلوات الله عليه- راجح العقل، غزير العلم، عظيم الخلق، خالص الإرادة، صادق العزم، جليل العمل، رائع البيان.
أما رجحان عقله، فمن دلائله - بعد اختصاص الله له بالرسالة -: أنه نشأ بين قوم يعبدون الأصنام، يتنافسون في مظاهر الأبهة والخيلاء، ينحطون في شهواتهم إلى المنزلة السفلى، فلم يكن لهذه البيئة المظلمة من أثر في نفس محمد ﷺ قليل أو كثير، فانتبذ بين هذه الظلمات المتراكمة مكاناً يخلو فيه بنفسه، ويقدح فيه زناد فكره، ويناجي فيه ربه، فإذا نور النبوة يتلألأ بين جنبيه، وحكمة الله تتدفق بين شفتيه.
وأما علمه، فهو ما يزكي النفوس، وينقي الأبصار، ويرفع الأمم إلى ذروة العز والشرف، حتى تحرز الحياة الطيبة في الأولى، والسعادة الباقية في
стр. 1182
الأخرى. ومن يتدبر القرآن والأحاديث الثابتة حتى يتفقه فيما انطويا عليه من حقائق وحكم وآداب، يلف رأسه حياء من أن ينفي عن المصطفى ﷺ عظمة العلم تحت اسم الفلسفة، متكئًا على أنه كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب. وقد خرج من بين يدي محمد ﷺ رجال عظماء، ولم يتلقوا من العلم غير ما كانوا يتلقونه في مجلسه من حكمته، فكانوا منبع علم وأدب، وأدركوا في حصافة الرأي وقوة الحجة الأمد الأقصى.
وأما خلقه، فهذه السيرة المستفيضة في القرآن، وعلى ألسنة الرواة وأقلامهم تنطق وتلوح بأنه كان ﷺ المثل الأعلى في كل خلق كريم، وبَسْطُ القول في هذا الصدد لا يغني فيه سفر، فضلاً عن محاضرة.
وأما إخلاصه، فقد كان صافي السريرة، لا يبغي إلا هدياً، ولا ينوي إلا إصلاحاً، والإخلاص روح العظمة، وقطب مدارها. وأقرب شاهد على إخلاصه في دعوته: أنه لم يحد عن سبيل الزهد في هذه الحياة قيد أنملة. فعيشه يوم كان يتعبد في غار حراء كعيشه يوم أظلت رايته البلاد العربية، وأطلت على ممالك قيصر من ناحية تبوك.
وأما صدق عزيمته، فقد قام ﷺ يدعو إلى العدل ودين الحق، ويلقى من الطغاة والطغام أذى كثيراً، فيضرب عنه صفحًا أو عفواً، ويمضي في سبيل الدعوة، لا يأخذه يأس، ولا يقعد به ملل، ولا يثنيه جزع، وقد ظهر دين الله، وعلت حكمته بهذا العزم الذي تخمد النار ولا يخمد، وينام المشرفي ولا ينام.
وأما عمله، فتهجد وصيام، وتشريع وقضاء، ووعظ وإرشاد، وسياسة وجهاد، وهل من سيرة تبتغى لعظمة يرضى عنها الله، ويسعد بها البشر،
стр. 1183
غير هذه السيرة؟!.
وهل يستطيع كاتب المقال أن يدلنا على رجل كان ناسكا مخلصاً، ومشرعاً حكيماً، وقاضياً عادلاً، ومرشداً ناصحاً، وواعظاً بليغاً، وسياسياً أميناً، ومجاهداً مصلحاً، وفاتحاً ظافراً، وسيداً تذوب في محبته القلوب، غير المصطفى ﵊؟.
وأما حسن بيانه، فقد أحرز ﵊ من خصلتي الفصاحة والبلاغة الغاية التي ليس وراءها لمخلوق غاية، فانظروا إن شئتم إلى مخاطباته وخطبه، وما يضربه من الأمثال، وينطق به من جوامع الكلم، تجدوا جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وسهولة المأخذ، إلى رفعة الأسلوب، إلى حكمة المعنى.
عظمة انتظمت من هذه المزايا العالية، فبلغت حد الاعجاز، وكل درة في عقد حياة محمد ﵊ معجزة.
وأذكر بهذه المناسبة بيتين ينسبان إلى صاحبنا الأستاذ محمد حبيب العبيدي مفتي الموصل لهذا العهد، وهما:
سيد الرسل ومن بعثته ... كست الكون بهاء وفخارا
قم إلى النور الذي جئت به ... أفترضى أن يصير النور نارا؟!
وكان أحد فضلاء الشام قد اقترح عليَّ تشطيرهما، فكان التشطير:
"سيد الرسل ومن بعثته" ... سطعت فانقلب الليل نهارا
سُلبت أمتك العز وكم ... "كست الكون بهاء وفخارا"
"قم إلى النور الذي جئت به" ... والورى في غسق الجهل حيارى
стр. 1184
تلق نار الغيِّ تسطو حوله ... "أفترضى أن يصير النور نارا"
هذه منتهى المحاضرة، وندع دفع ما وسوس كاتب المقال في حكمة التوحيد إلى فرصة أخرى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
стр. 1185
الهجرة وشخصيات الرسول ﷺ - (١)
وقع في يدي الجزء الصادر في ٣٠ مارس سنة ١٩٤٢ من مجلة "الرسالة"، فأخذت أقلب صفحاته، حتى أتيت على عنوان كلمة استوقف نظري، والعنوان هو: "التشريع الإِسلامي الدائم والمؤقت"، فقرأت ما كتب تحته، فإذا هو الجمل التالية:
"كتب صديقي الأستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت مقالاً في عدد "الرسالة" الممتاز تحت عنوان: "الهجرة وشخصيات الرسول"، وليس المهم في هذا المقال تقسيم شخصيات الرسول، فذلك أمر يعرفه كل العلماء، وإنما المهم والجديد في هذا المقال: ما جاء فيه من توزيع أحكام الشريعة الإِسلامية على تلك الشخصيات، ومن جعل التشريع الدائم والمؤقت تابعاً لهذه الاعتبارات، وهذا أمر جديد لم يظهر إلا في عصرنا، وإذا أمكن الاتفاق عليه بيننا، أمكن حل مشاكلنا التشريعية، وزالت أكبر عقبة في سبيل وضع تشريع إسلامي يفي بحاجات المسلمين في هذا العصر، ولا يمكن أحداً أن يوجه إليه أي طعن.
стр. 1186
"وخلاصة ما يرمي إليه المقال (يعني: مقال الشيخ شلتوت): أن الذي يعد شرعاً دائمًا: هو ما يرجع إلى شخصيات الرسول من العقائد، وأصول الأخلاق، والعبادات، وما عدا ذلك مما يرجع إلى شخصية الإمام أو المفتي أو القاضي، فليس بشرع دائم، وإنما هو شرع مؤقت يمكن أن يتأثر بالاجتهاد، وأن يترك العمل به لسبب من الأسباب". والتوقيع "عالم".
قرأت هذه الكلمة، فدعتني بإلحاح إلى أن أطلع على مقال الأستاذ محمود شلتوت عضو جماعة كبار العلماء، ووكيل كلية الشريعة؛ لأتبين أمر هذا الذي يعزوه إليه كاتب تلك الكلمة، فأحضرت ذلك المقال المنشور تحت عنوان: "الهجرة وشخصيات الرسول"، وقرأته قراءة خالي الذهن مما قيل فيه، فما لبثت أن لاقتني جمل صيغت في قالب ذي وجهين، وأطلَّت عليَّ آراء قلت لما لمحتها: أما وجدت هذه الآراء وادياً غير هذا الوادي، أو عهداً غير هذا العهد؟ وأمسكت بالقلم ناقداً لها بعدل، مناقشاً لها بإنصاف.
وسأرسلك - بتوفيق الله تعالى - الطريقة التي اخترتها لنفسي في مناقشة ما يبدو لي أنه جدير بالمناقشة، فأنقل عبارات كاتب المقال بأعيانها؛ لأسير أنا والقارئ في النقد جنباً لجنب، ولا أظلم صاحب المقال، ولا أظلم الحق أو العلم.
* اتجاه الوحي بمكة:
ذكر كاتب المقال: "أن الوحي كان له اتجاهان: اتجاه قبل الهجرة، واتجاه بعدها، وأن النبي ﷺ كان يساير الوحي في هذين الاتجاهين، ويحتفظ بما يؤدي إلى الغاية منهما، وابتدأ بالحديث عن اتجاه الوحي في مكة، ثم
стр. 1187
اتجاه النبي ﵊ فيها، فقال:
كان الوحي يدور أولاً حول تحديد الدعوة، وبيان الغرض منها، ولفت الأنظار إلى أدلتها، وذكر ما ينفع فيها من قصص الأولين، وعبر الماضين، وتسلية الرسول، وتحري عوامل القوة الروحية في نفسه، وتعويده عدم الاكتراث بما يجابه به من الإيذاء والتكذيب والاضطهاد، وقد اتجه النبي ﷺ إلى هذه الناحية في تفكيره وأعماله وأقواله وسائر تصرفاته، يبلغ الدعوة، ويعالج الصبر على الإيذاء في سبيلها، ويحاول جمع القلوب حولها، ويرسم للناس دائرتها، ويركز أصولها في النفوس، ويعمل على إيجاد بيئة إسلامية صالحة لما يرد عليها فيما بعد من مبادئ التشريع".
تحدث الكاتب عن اتجاه الوحي بمكة، وذكر أنه كان يدور حول تحديد الدعوة، وحدثنا عن اتجاه النبي ﷺ ، وذكر أنه كان يرسم دائرة الدعوة، ولم يفصح الكاتب هنا عن وجه تحديدها، أو رسم دائرتها، وستمر بنا جمل من مقاله تلوح إلى حدود وظيفة الرسول السماوية، وتجعلها في دائرة أضيق من دائرتها، وسنناقشها برفق، وندفع شبهتها بحجَّة.
قال الكاتب: "إن الوحي في مكة كان يدور حول تحديد الدعوة، وبيان الغرض منها، ولفت الأنظار إلى أدلتها". وهذه الجمل تخيل إلى القارئ أن الوحي في مكة وقف دون شرع الأحكام العملية، وأن مبادئ التشريع إنما تناولها الوحي بالمدينة، والواقع أن الوحي بمكة قد شرع أحكامًا ترجع إلى العبادات، وأخرى إلى العادات أو المعاملات: شرعت هنالك الصلوات الخمس، ونزل الوحي فيما يحل ويحرم من المطعومات، ووردت آيات وأحاديث في الأمر بأعمال صالحة؛ كسد حاجات الفقراء، وأخرى في النهي
стр. 1188
عن أعمال خاسرة؛ كالظلم، وقتل النفس، والزنا، وما يشبه الزنا، والسرقة والنهب، ونقص الكيل والميزان، والإسراف في الإنفاق، والتصرف في مال اليتيم بغير حق.
وكانت المعاملات من نحو النكاح والعتق والبيع والإجارة والهبة تقع من العرب على وجوه، فإذا صحت الرواية بأن شيئاً منها وقع من النبي ﷺ ، أو من غيره من الصحابة بمكة، وهو يعلم، عدَّ الوجه الذي وقعت عليه تقريراً من الشارع، وساغ لمن يبحث في تاريخ التشريع أن بدخله في حساب المشروعات المكية، ونرى علماء الشريعة يستشهدون بأحاديث مكية على طائفة من أحكام المعاملات، كما استشهدوا على صحة عقد نكاح غير البالغة بعقد النبي ﷺ على عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، واستشهدوا على صحة عمل المسلم لغير المسلم على وجه الإجارة دون أن يتخذه خادماً في منزله الخاص، بصنع خباب الصحابي سيفاً للعاص بن وائل.
ونزل الوحي في مكة بأوامر ونواه تم تفصيل ما أمرت به أو نهت عنه في المدينة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقولى تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] , وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقد تنزل آيات في نحو الوعيد أو الوعد أو الامتنان، متضمنة بطريق الاقتضاء أحكاماً شرعية يقصد إليها المجتهدون بالاستنباط، ويذكرونها في
стр. 1189
مآخذ الأحكام، وقد اشتمل الوحي بمكة على طائفة من الأحكام الواردة على هذا الوجه من الدلالة؛ كما يستنبط عدم مؤاخذة الرجل بجريرة قريب من نحو والد أو ولد من قوله تعالى فيما نزل بمكة: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
ونبهت الآيات المكية على قواعد يرجع إليها المجتهدون في تقرير أحكام كثير من الوقائع، كقاعدة: سد الذرائع المنبه لها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقاعدة: العفو عما يقال أو يفعل تحت إكراه، المنبَّه لها بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقاعدة: الضرورات تبح المحظورات المنبَّه لها بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
ولو تمسكنا بكل آية قال فيها طائفة من أهل العلم: إنها نزلت بمكة، وخالفهم فيها آخرون، لجمعنا أحكاماً كثيرة، وأصولاً غير ما ذكرنا.
والأئمة الذين يرون أن شرع من قبلنا -الذي يقصه علينا القرآن، أو الحديث الصحيح- شرع لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه، يجدون في قصص الأنبياء التي نزلت بمكة أحكاماً وأصولاً ترجع طائفة منها إلى المعاملات، وشؤون الاجتماع، وسياسة القضاء.
ويستبين من هذا: أن الوحي بمكة لم يمض عهده إلا وقد قطع شوطاً واسعاً فيما جاء له من التعبد والتشريع، فلا يحسن من المتحدث عن ذلك العهد أن يصرف النظر عما بناه الوحي فيه من أحكام وأصول، ولا ينبه له في حديثه عن سيرة الدعوة.
стр. 1190
ذكر الكاتب أن للوحي اتجاهاً، وللنبي ﷺ اتجاهاً، وجعل من آثار اتجاه النبي ﵊ العمل على إيجاد بيئة إسلامية صالحة لما يرد عليها بعد من مبادئ التشريع، والواقع أن للوحي في هذا العمل فضل الآمر به، وهذا علي بن أبي طالب ﵁ قد قال: "لما أمر الله نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى"، وذكر كيف كانوا يأتون مجالس العرب (١).
وكان ﵊ ينتظر بالهجرة من مكة إلى المدينة إذن الله فيها، ولم يقدم عليها حتى جاءه الوحي، وهذا ابن عباس كانه قد قال: "بُعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أُمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين (٢) ". وهذه عائشة ﵂ تقول: "تجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك؛ فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: "وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ " قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وقالت: "ولما جاء النبي ﷺ إلى أبي بكر في نحر الظهيرة متقنعاً، ودخل عليه، قال له: "فإني قد أُذن لي في الخروج (٣) "، وقد صرح النبي ﷺ أن الله أمره بالهجرة إلى المدينة، أو بسكناها إذ قال: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة" (٤).
стр. 1191
* اتجاه الوحي بالمدينة:
قال كاتب المقال: "لما تمت الهجرة، دخلت الدعوة في عهد جديد تكونت به للمسلمين وحدة اقتضت معاملات ونظماً اجتماعية تمتاز بها عن سائر الجماعات".
"وبعد ذلك الحين اتجه الوحي إلى جهة أخرى تسير مع مقتضيات الحالة الجديدة، وتلبي مطالب هذه الأمة الناشئة، واتجه النبي ﷺ هذا الاتجاه نفسه، فأضيف بذلك إلى وظيفته في التبليغ وظائف أخرى، فكان إماماً للمسلمين، يسوسهم، ويرعى دولتهم، وينظم شؤونهم، وكان مفتياً يجيبهم عما يسألون، ويعلمهم ما يجهلون، وكان قاضياً يفصل في خصوماتهم، ويقضي بينهم معتمدًا على ما يظهر به الحق من البينات والأدلة".
ذكر الكاتب العهد الجديد الذي تكونت به للمسلمين وحدة معاملات، ونظم اجتماعية، ووصف الوحي بأنه اتجه إلى جهة تسير مع مقتضيات هذه الحالة الجديدة، ثم وصف النبي ﷺ بأنه اتجه هذا الاتجاه نفسه، وتخلص من هذا إلى أنه قد أضيف إلى وظيفته في التبليغ وظائف أخرى هي: الإمامة والفتوى والقضاء، وإليك ما نفهمه من تلبية الجهة التي اتجه إليها الوحي لمطالب هذه الأمة الناشئة:
أراد الله تعالى أن يهدي الناس - أينما وجدوا ومتى وجدوا - طريق الحق والإصلاح، وأن تكون هدايتهم بطريق رسالة عامة، لباسها الحكمة، وزينتها البلاغة، ونصيرها الحجة، واصطفى لهذه الرسالة محمداً ﷺ ، وأخذ يمده بالوحي الفينة بعد الفينة، إلى أن تكامل الدين، وانتظمت الشريعة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، وكان من حكمة الوحي
стр. 1192
أن يلقن الناس أحكام العبادات والمعاملات وشؤون الاجتماع رويداً رويداً؛ ليخف عليهم أمرها، ويسهل عليهم حفظها، فيصلحوا بها سير حياتهم، ويسوسوا بها غيرهم من الجماعات ما استطاعوا السبيل إلى إبلاغها وإنفاذها، وكان من حكمة الوحي: أن اتخذ من حالة الأمة الناشئة لذلك العهد أسباباً لورود الأحكام التي جاء بها؛ لتكون شريعة عامة خالدة، فإذا لبّى الوحي مطالب هذه الأمة الناشئة، فقد لبَّاها بتشريع ذي نصوص وأصول يقصد منها إصلاح حال كل أمة أينما وجدت، ومتى وجدت.
ثم إن الكاتب إذ ذكر اتجاه النبي ﷺ في مقابلة اتجاه الوحي يريد: الاتجاه الذي يصدر عنه "بحق بشريته"، وقد انتقل من ذكره اتجاه النبي ﵊ في المدينة بطريق حرف الترتيب والتعقيب إلى أنه أضيف له وظائف أخرى، ولا ندري: أيريد الكاتب أن هذه الوظائف أضيفت إليه من اتجاهه خاصة، أو يريد: أنها أضيفت إليه من اتجاهه واتجاه الوحي؟ فإنه يقول: "فأضيف بذلك إلى وظيفته في التبليغ وظائف أخرى"، فاسم الإشارة في قوله: "بذلك" ظاهر في عوده إلى اتجاه النبي ﵊ وحده، ومحتمل لأن يعود إلى اتجاهه واتجاه الوحي بحمل ما يشار به إلى المفرد على أنه مشار به إلى اثنين، أما جعل هذه الوظائف صادرة من اتجاهه وحده، فغير معقول، والقرآن شاهد بأنه تولى الإمامة والقضاء بوحي؛ على ما نحدثك به من بعد، وليست الفتوى إلا تعريفًا للحكم الشرعي، فهي ظاهرة في معنى التبليغ المأمور به في مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
وإذا أراد الكاتب أن هذه الوظائف أضيفت إلى النبي ﷺ من اتجاهه
стр. 1193
خاصة، فقد التقى من قريب بمن حاول أن يقصر مهمة الرسول السماوية على البلاإ دون التنفيذ، وقال: "إن عمله السماوي لا يتجاوز حدود البلاع المجرد من كل معاني السلطان" (١).
ومن الحق أن تكون هذه الوظائف الثلاث موصولة بالاتجاهين على معنى: أن الوحي اتجه إليها اتجاه تشريع، والنبي ﷺ اتجه إليها اتجاه الفاهم لنصوص الوحي ومقاصده، والمنفذ لها بحق.
قال كاتب المقال: "وقد صدرت عنه ﷺ في جو هذه الحياة الجديدة أقوال وأفعال وتصرفات مختلفة، عني بها المسلمون عناية فائقة هي مضرب الأمثال في عناية الأمم بتاريخ عظمائها، وتتبع آثارهم، دوَّنوها، وشرحوها، وضبطوا ألفاظها، وألَّفوا المعاجم في شرح غريبها، واهتموا بتفهم أسرارها، وتبين أغراضها، حتى كان من آثار ذلك: أن نشأت علوم خاصة تعرف "بعلوم السنَّة"؛ من رواية ودراية، وتجريح وتعديل، وناسخ ومنسوخ، وغير ذلك".
يقول الكاتب: إن المسلمين عنوا بما صدر عن النبي ﷺ في جو تلك الحياة الجديدة، والمعروف أن المسلمين عنوا بما صدر عنه في حياته قبل الهجرة وبعدها، وكتب السنّة عامرة بأقوال وأفعال صدرت منه ﵊ بمكة قبل الهجرة، وهذه الأقوال والأفعال داخلة فيما دوَّنوه، وشرحوه، وضبطوا ألفاظه، واهتموا بتفهم أسراره، وتبين أغراضه، ولا يغيب عن أحد تتبعَ السيرة في مواردها الصحيحة: أن كثيراً من أقواله ﵊، وأفعاله بمكة كان لها أثر كبير في بناء عظمته، وتثبيت رسالته،
стр. 1194
وتأسيس شريعته، فالواقع أن علوم السنة ناشئة عن تدوين ما صدر في حياته بمكة والمدينة.
قال كاتب المقال: "يهم الناظر في التشريع الإِسلامي أن يعرف هل كان النبي ﷺ في كل ما يروى عنه من هذه الأقوال وتلك الأفعال والتصرفات مصدرًا عن الوحي، ناطقًا بلسانه، أو كان له - إلى جانب الوحي - فيها تفكير ونظر واجتهاد؟ ذلك ما نريد معالجته في هذا البحث".
قد عالج علماء الإِسلام هذه الناحية من السيرة، وأسهبوا فيها القول حتى بلغوا الغاية، ورأيناهم قد قسموا أقواله وأفعاله إلى ما كان صادراً عنه من حيث إنه رسول يوحى إليه، وما كان صادراً عنه من ناحية أنه بشر يفكر ويجتهد، وسنتناول هذه المسألة فيما بعد بتفصيل حتى تستبين وجهة نظر العلماء فيها، ويتضح الفرق بين معالجتهم لها، ومعالجة كاتب المقال.
قال كاتب المقال: "يرى بعض العلماء أن النبي ﷺ مبلِّغ عن الله فقط، تنحصر مهمته في تبليغ الوحي، وما يتصل به من بيان على الوجه الذي ضمنه الله بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩].
ويرون أن صفة الرسالة فيه غلبت على صفة البشرية، وأنه ﵊ تمحض في استعداده لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة، معتمدين في ذلك على ما فهموا من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، بعد قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ".
لا ندري مَن هؤلاء العلماء الذين يرون أن النبي ﷺ مبلّغ عن الله فقط، وأنه تمحض في استعداده لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة؛ فإن علماء الإِسلام مجمعون على أن من أقواله وأفعاله ما لم يصدر عن وحي، وسنقيم على هذا
стр. 1195
شواهد من بعد.
وهذا الذي نسبه كاتب المقال إلى بعض العلماء، قد نسبه الدكتور زكي مبارك إلى المسلمين، فقال في مقال نشر في مجلة "الرسالة" (١): "إن المسلمين يجعلونه رسولاً في جميع الأحوال، فهو لا يتقدم ولا يتأخر إلا بوحي من الله، ولا يأخذ ولا يدع إلا بإشارة من جبريل، ومعنى ذلك: أن شخصية محمد في جميع نواحيها شخصية نبوية لا إنسانية".
قال كاتب المقال: "رأوا هذا، ورتبوا عليه أن كل ما أثر عن النبي ﷺ شريعة من الله رب العالمين، لها صفة الدوام والبقاء إلى يوم الدين، والناس مخاطبون بها في كل زمان ومكان، لا يجوز لهم أن يحيدوا عنها، قيد شعرة، ومن حاد عنها أو سوغ لنفسه أن يتصرف فيها، فذلك خارج على شريعة الله، مخالف عن أمر الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين".
من المحتمل أن توجد طائفة من العلماء يقولون: إن كل ما أثر عن النبي ﷺ شريعة من الله رب العالمين، وليس من المحتمل أن توجد طائفة من العلماء يجعلون كل ما أثر عنه ﵊ من قبيل ما لا يجوز للناس أن يحيدوا عنه قيد شعرة، ويحكمون على من حاد عنه بأنه خارج عن شريعة الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين.
أفلا يعلم هؤلاء العلماء أن في الشريعة واجبات ومندوبات ومباحات، وأن المندوبات والمباحات لا يصح أن يقال فيمن تركها: إنه خارج على شريعة الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين؟!