من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه.
ومن مقاومتهم له: تعنتهم في اقتراح المعجزات. قال الله تعالى فيما قصه عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] (١).
ومما قاوموا به الدعوة: تعاقدهم علي بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف: أن لا يبايعوهم، ولا ينكحوهم، ولا يكلِّموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة علَّقوها في سقف الكعبة، واستمروا على هذه المقاطعة نحو ثلاث سنين، حتى رجع بعضهم عن هذا التعاقد، فعادوا إلى نقضه (٢).
ومن أشد ما قاوموا به الدعوة: بسط أيديهم إلى المستضعفين من أصحاب رسول الله ﷺ يسومونهم العذاب، مثل: عمار بن ياسر، وأُمه، وبلال بن رباح، بل وصلت أذيتهم إلى رسول الله ﷺ ، فوضعوا على ظهره سَلَى جزور (٣) وهو يصلي عند البيت، حتى جاءت فاطمة ﵂، فطرحته عنه، وبلغ من أذية أهل الطائف له عندما ذهب إلى دعوتهم: أن
стр. 1122
أغروا به سفهاءهم يسبونه، ويرمونه بالحجارة.
وكانوا - مع هذا - يوردون على الرسالة شبهاً؛ كقولهم فيما قصه الله عنهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] (١)، وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٢).
وما زال رسول الله ﷺ يلاقي أذاهم بالصبر، ويدفع شبههم بالحجة، ويأتيهم بالآيات البينات، وينبههم إلى ما في القرآن من إعجاز، إلى أن أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعلاء كلمته، وإتمام نعمته على رسوله، فهيأ له أمر الهجرة إلى المدينة المنورة.
* حياتها بالمدينة:
لبث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين، يدعو إلى الإسلام، ويخرج إلى القبائل في المواسم، حتى جاء الموسم الذي أراد الله تعالى أن يكون بدء عهد جديد للدعوة، فخرج -صلوات الله عليه- لدعوة القبائل، شأنه في كل موسم، فلقى ستة من الخزرج، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه، وقبلوا ما عرضه عليهم، وانصرفوا إلى قومهم، ودعوا إلى الإسلام، وفي العام القابل وافى منهم اثنا عشر رجلاً، فلقوا النبي ﷺ بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه على الإسلام، وبعث معهم مصعب بن عمير، وعمرو بن أم مكتوم، يعلمانهم القرآن، ويفقهانهم في
стр. 1123
الدين، فأسلم على أيديهم خلق كثير.
ثم عاد مصعب بن عمير في الموسم بعد إلى مكة في جماعة من المسلمين مع حجاج قومهم أهل الشرك، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فلقيهم رسول الله ﷺ -صلوات الله عليه- بالعقبة، وبايعوه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يقوموا في الله لا تأخدهم لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم عليهم، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة (١)، وتلك بيعة العقبة الثانية.
وأذن رسول الله ﷺ للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالاً يتبع بعضهم بعضاً، ثم لحق بهم رسول الله ﷺ ، وكان أول ما فعله من وسائل النهوض بالدعوة: أن بني المسجد الشريف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب بينه وبين اليهود كتاب موادعة، ونهى عن إقامة المسلم بين المشركين، وجعلت الهجرة من أرض الشرك إلى المدينة فريضة، فكثر عدد المسلمين، وأصبح للدعوة حماة يقومون على نشرها، ويدافعون كل خصم يقف في سبيلها، وناسب وقتئذ أن يأذن الله لهم بجهاد عدوهم، فنزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
استقر النبي ﷺ بالمدينة، وقام بدعوة اليهود، فأسلم بعض أحبارهم؛ مثل: عبد الله بن سلام، وفريق من غير الأحبار؛ مثل: ثعلبة بن سعية، وأسيد
стр. 1124
ابن سعية؛ ولقي من غير هؤلاء الذين أسلموا أشد العداوة، والتقلب في التعنت والمكر، فاشتدوا في مجادلته، وهو يرد عليهم بالحجة، والقرآن المجيد يؤيده، كما قالوا له في بعض مجادلاتهم: ألست تزعم أنك تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ قال: "بلى، ولكنكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم"، قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].
وكانوا يقترحون عليه بعض الآيات تعنتاً؛ كما اقترحوا عليه إنزال كتاب من السماء يقرؤونه، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
وكان بعض أحبارهم يوجهون إليه أسئلة بقصد الإعنات؛ كما سألوه عن الروح، فنزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
واتخذوا في وسائل مقاومة الدعوة هجاء النبي ﷺ ؛ كما صنع كعب ابن الأشرف؛ إذ كان يهجو رسول الله ﷺ ، ويشبب بنساء المسلمين، واتصلوا بكفار قريش وغيرهم يحرضونهم على قتال رسول الله ﷺ ، ومنهم من يبذل في ذلك أموالاً؛ كأبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق؛ إذ كان يؤدي رسول الله ﷺ ، وأعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله - صلوات الله عليه وسلم -.
стр. 1125
ولم يستطيعوا أن يكتموا عداوتهم لرسول الله ﷺ ، ويكفّوا أذاهم عنه، فوقعوا في نقض العهد، والجهر بالسوء من القول، وموالاة المحاربين؛ كما يظهر ذلك بالنظر في أسباب واقعة بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير.
وكان للدعوة في المدينة أثر في فريق من اليهود (١) وغيرهم آمنوا بحق، وطائفة من اليهود، ومن الأوس والخزرج أسلموا بظاهرهم، وبقيت قلوبهم على الكفر، وهم المنافقون، وكان في اكتفاء النبي ﷺ من هؤلاء المنافقين بالإِسلام الظاهر، مع معرفته لحال كثير منهم، حكم بالغة، منها: أن اتصالهم بالنبي ﷺ والمؤمنين وسيلة لاطلاعهم على سيرته وسيرة أصحابه، ومشاهدتهم من آيات الرسالة ما لم يشهده غيرهم من المخالفين، فيكون ذلك من أسباب انتقالهم من النفاق إلى الإيمان، وكذلك يكون حال أبنائهم الذين ينشؤون مع المؤمنين، ويقومون بشعائر الإسلام، ويأخذون بآدابه.
ومن حكمة الداعي - صلوات الله عليه - في قبول صنف المنافقين، ومعاملتهم بمقتضى ظاهر حالهم: فتح الطريق لكل من يريد الإسلام، ولو أخرجهم النبي ﷺ من المسلمين، أو عاقبهم على ما يعلم من سرهم، لأحجم بعض من تميل نفسه إلى الإسلام مخافة أن يشتبه حاله على المسلمين، ولوجد المخالفون سبيلاً إلى أن يرموا المسلمين بالقسوة، وعدم رعاية العهد،
стр. 1126
وإن كانوا يعلمون حال أولئك المنافقين.
* انتشار الإسلام بالجزيرة:
ما زال الناس يدخلون في الإسلام فرادى، أو جماعات قليلة ممن يشهدون مجلس رسول الله ﷺ ، ويقوم لهم من محادثاته، أو سماع القرآن آيات على صدق نبوته، إلى أن فتحت مكة، ودانت له قريش، وأسلمت ثقيف، فانتشر الإسلام في بلاد العرب انتشارًا شاملًا سريعاً، فأقبلت وفود العرب تضرب إلى رسول الله - صلوات الله عليه - من كل ناحية، وذلك ما أشار إليه القرآن المجيد بقوله تعالى في سورة النصر: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢].
أقبلت الوفود، فمنهم من يفدون وهم مسلمون؛ كوفد مراد، ووفد بني عبس، ووفد صداء، ووفد محارب، ووفد خولان، ووفد بني أسد، ووفد فزارة، ووفد نجيب، ووفد بني سعد، ووفد كندة، ومنهم من يدخلون في الإسلام عند ملاقاتهم لرسول الله ﷺ ؛ كوفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة، ووفد طي، ووفد بني زبيد، ووفد الأزد.
وكان لإسلام رؤساء هذه القبائل أثر كبير في إسلام من عداهم من العامة، ففي السيرة: أن ضمام بن ثعلبة قدم موفدًا من بني سعد بن بكر، فأسلم، وعاد إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فما بقي في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امراة إلا مسلماً.
كان هؤلاء الوفود يدينون بالإسلام، ويعودون إلى قومهم، وهم من أشد الدعاة إليه.
ومن وسائل انتشار الدعوة: أولئك الرجال الذين كان رسول الله ﷺ -
стр. 1127
يبعثهم إلى القبائل للدعوة إلى الدين الحق؛ مثل: خالد بن الوليد، وممن أسلم على يده: بنو الحارث بن كعب، ومثل علي بن أبي طالب، وممن أسلم على يده: همدان. وبعث رسول الله ﷺ كتباً مع رسل إلى ملوك العرب، فبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد الله ملكي عمان؛ وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي ملك اليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، والمهاجر بن أمية إلى الحارث بن عبد كلال ملك اليمن، وشجاع بن وهب إلى الحارث بن شمر الغساني ملك تخوم الشام، وأسلم من هؤلاء في ذلك العهد ملك البحرين، وملك عمان.
انتشر الإسلام في الجزيرة، فلم ينتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن دخل عبدة الأوثان من العرب في الإسلام، وأقر اليهود والنصارى والمجوس حين رضوا بإعطاء الجزية.
انتشر الإسلام في الجزيرة، وظهر على الأديان كلها، ولكنه لم يكن قد دخل في قلوب كل من قالوا: إنَّا مسلمون، بل منهم من دخلوا في الإسلام لباعث غير الإيمان، فلما ذاع نبأ وفاة النبي ﷺ في أنحاء الجزيرة العربية، رفع المضللون رؤوسهم، ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الإعراب، وأخذ الذين دخلوا في الإسلام بدائع غير الإيمان يعودون إلى جاهليتهم، وأصبح العرب ثلاث طوائف:
طائفة استمرت على إسلامها الخالص، وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على إسلامها كذلك، إلا أنها جحدت الزكاة على زعم أنها خاصة بزمن النبي ﷺ ، وهؤلاء كثير، ولكنهم أقل من الطائفة الأولى عددًا.
وثالثة الطوائف خرجت عن الإسلام، وجاهرت بالردة، وهي قليلة
стр. 1128
بالنسبة إلى جاحدي الزكاة.
وقد قام أبو بكر الصديق ﵁ بقتال المرتدين وجاحدي فريضة الزكاة، فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، وامتدت ظلال الأمن والهداية في اليمين والشمال.
стр. 1129
قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة (١)
بُعث الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - بالدعوة إلى الإصلاح الذي تصل به الأفراد والأمم إلى الحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة العظمى في الأخرى، ونواحي هذا الإصلاح ترجع إلى العقائد والأخلاق، والعبادات المقربة إلى الله ﷻ ، والمعاملات الجارية بين الناس.
وهناك ناحية أخرى هي: تنقية النفوس من المزاعم الباطلة، والتعلق بالعادات المستهجنة، قد اتجهت إليها دعوة الرسول الذي نحتفل بذكرى ميلاده في هذه الليلة المباركة، وهذه الناحية هي التي نقصد أن نلقي فيها كلمتنا الموجزة:
بُعث رسول الله ﷺ ، فوجد العرب في ظلمات من الجهالة، ومن هذه الظلمات: ظلمة التخيلات الزرية، والعادات الممقوتة، فأقبل ينبه على بطلان هذه التخيلات، وقبح ما ابتني عليها من العادات، حتى نبذها المسلمون بحق، وبمثل هذا كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وبسط الحديث عن هذه المزاعم والعادات يستدعي مقاماً أوسع من
стр. 1130
هذا المقام، فنكتفي بأن نسوق إلى حضراتكم طائفة منها على سبيل التمثيل، وندع استيفاء البحث عنها إلى فرصة أخرى.
وإذا تحدثت في هذه الكلمة عن العرب، فلأنهم أول أمة تلقت هذه الدعوة الإصلاحية الشاملة، ووقعت منها موقع الدواء الناجع من العلل المزمنة.
ومن حديثي عن العرب، يعرف أثر دعوته ﵊ في تخليص سائر البشر من التخيلات الضارة، والسمو بها إلى المنزلة العليا في البحث والتفكير؛ فإن الأمم غير العربية لم تكن في تعلقها بالأوهام وانحطاطها في العادات بأقل ولا أحقر من الأمة العربية قبل الإسلام، كما أنها كانت تضاهيها في بطلان عقائدها، واعوجاج سيرتها.
ولعلك لا تجد زعماً باطلاً في العرب إلا وجدته بنفسه، أو وجدت ما يضاهيه في غير العرب، وإذا حط الشرك والاعتقاد بإلهية المخلوق رحاله في قوم، فهنالك ترى البصائر في ظلمة، وهنالك يبيض التخيل ويفرخ، وهنالك تسمع وترى من الأباطيل والخرافات ما يدلك على أن أشخاصاً أو جماعات يعدون في الناس، وهم لا يشبهون الناس إلا بأن أصواتهم تشتمل على حروف متمايزة.
كان العرب يتشاءمون بكثير من الأشياء؛ نحو: الغراب، والبومة، أو مرور الطير من ناحية الشمال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن التشاؤم بإطلاق، فقال: "لا طيرة"، ونبه على أن وجوه الخير والشر إنما تعرف من طريق الشرع أو العقل. ومن سوء عواقب التشاؤم بهذه المخلوقات أنها قد تصد الرجل عن وجهة لو مضى فيها، لنال خيراً كثيراً أو قليلاً.
стр. 1131
ومن المحزن أن ينهى رسول الله ﷺ -عن التشاؤم، ويزيحه من طريق العاملين المجدين، ويضع عقيدة التوكل على الخالق مكانه، ثم لا يلبث وباؤه الخبيث أن يعود، ويتفشى في نفوس كثير من جماعات المسلمين، فهذا يتشاءم بمن يعوده وهو مريض في يوم الأربعاء، وذاك يتشاءم بتناول سكتتين أو مقراض من يد صديق له، بل لا يزال كثير من الناس يتشاءمون بما كان الجاهلية يتشاءمون به من نحو: رؤية البوم والغراب. والبصائر المشرقة بنور الحكمة لا يحوم عليها التطير في حال.
وكان العرب في جاهليتهم يستقسمون بالأزلام؛ ذلك أنهم كانوا يتخذون ثلاثة أقداح يكتبون على واحد منها: (افعل)، وعلى الثاني: (لا تفعل)، ويتركون الثالث غُفلًا، فإذا أراد أحدهم أمرًا يهمه؛ من نحو سفر، أو نكاح، أو تجارة، أجال هذه الأقداح، فإن خرج له قدح الأمر، فعل، وإن خرج له قدح النهي، ترك، وإن خرج له القدح الغفل، أجال الأقداح مرة ثانية. ومن أثر هذا التخيل الفاسد: أن الرجل قد يترك العمل وفيه خير كثير، أو يقدم على عمل وفيه شر عظيم. وكان هذا التخيل مما تناولته الدعوة المحمدية، وجاء النهي عنه في القرآن المجيد، ووضعت السنة الغراء مكانه الاستخارة الشرعية والاستشارة.
وإبطال الشريعة للأزلام يجري حكمه في كل ما يتخذ وسيلة للاطلاع على عواقب الأمور من غير طرقه الشرعية أو العلمية؛ مثل: الاستخارة بالمصحف، أو السبحة، ونحوها، فكل هذا ما عدا الاستخارة الشرعية بدعة لا يجوز التعلق بها.
وكان للعرب غلو في الاعتقاد بتصرف الجن في نفع الناس وضرهم،
стр. 1132
وتعرضهم في الفلوات لمن يمر بها، ومن هنا جاء اسم الغول والسعلاة، وذهب بهم هذا الغلو إلى مزاعم باطلة، وعادات منبوذة؛ كزعمهم في بعض الحيوان أنها نوع من الجن، أو من مراكب الجن، مثل: القنفذ، والأرنب، والظبي، والنعام، وزعموا أن الجن قالوا في أشعارهم:
وكل المطايا قد ركبن فلم نجد ... ألذ وأشهى من ركوب الأرانب
وللعرب في الجاهلية رقية يعالجون بها من اعتقدوا أن به مساً من الجن، تسمى: "النشرة"، وقد سئل عنها النبي ﷺ ، فقال: "هي من عمل الشيطان". وكذلك ترى القرآن والسنة يحاربان إسراف العرب في الاعتقاد بالجن، وينبهان على ما نشأ عن هذا الإسراف من المزاعم الباطلة؛ كما قال تعالى في نفي أن يكون الجن يعلمون الغيب: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. وقال ﷺ في إبطال ما يتخيلونه من الغول: "لا صفر، ولا غول".
ومما يؤسف له أشد الأسف: أن تعود الجماعات غير المهذبة إلى الاكثار من الحديث عن تصرفات الجن، ويتخذوا لمعالجتها أمثال ما كان في عهد الجاهلية؛ كهذا الصنيع الذي يسمونه: "الزّار".
وما كنا لنجد سلفنا الذين تهذبت نفوسهم ببعثة الرسول الأكرم - صلوات الله عليه - ما نجده في أزمنة متأخرة من المزاعم المتعلقة بالجن؛ كزعم اتخاذ زوجات منهم، أو رواية أحاديث نبوية عن بعضهم.
ومن مزاعمهم الفاسدة: أنهم كانوا إذا أجدبوا، وحبس عنهم المطر، عمدوا إلى نوعين من الشجر يقال لهما: السلع والعشر، فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النار، وأصعدوها في جبل وعر يستشفعون
стр. 1133
بها، وإلى هذا يشير الشاعر بقوله:
أجاعل أنت بيقوراً مسلعة ... دريعة لك بين الله والمطر
وقد أبطلت الدعوة المحمدية هذه العادة المنكرة، ووضعت مكانها صلاة الاستسقاء التي هي عبادة لله خالصة.
ومن البلاء: أن ترى أقواماً من العامة في بعض البلاد يتخذون للاستسقاء وسائل تشبه ما يفعله الجاهلية؛ كالخروج ببعض الأناشيد وآلات الطرب، ونحو ذلك من البدع التي لم يضعها الشارع الحكيم وسائل للاستقاء.
ولنسق إلى حضراتكم مثلاً آخر من المزاعم التي حاربها الرسول ﵊، هو: اعتقادهم بنفع خرزات أو أحجار أو أعضاء بعض الحيوان، فكانوا يعلقونها على أنفسهم لأغراض مختلفة؛ مثل: اجتلاب المحبة، أو المنع من الحمل، أو السلو عن الحب، أو الحفظ من مس الجن. وقد نهى رسول الله ﷺ عن تعليق ما يماثل هذا من التمائم، فقال: "من يعلق تميمة، فلا أتم الله له"، وامتنع ﵊ من مبايعة شخص كانت عليه تميمة، فأدخل الرجل يده فقطعها، فبايعه عند ذلك النبي ﷺ ، وقال: "من علق تميمة، فقد أشرك"، وقال: "من علق شيئاً، وكل إليه".
وهذه الأحاديث - وإن وردت في تمائم الجاهلية -، فإن السلف الصالح لم يعرفوا بتعليق التمائم، وإنما كانوا يستشفون بالقرآن الكريم على وجه الرقية كما ثبت في السنة.
وإذا نظرتم إلى هذه المزاعم والعادات التي أبطلتها الدعوة المحمدية، وجدتم بعضها أثراً من آثار عقيدة الشرك، وبعضها إنما هو أثر الجهل
стр. 1134
وضعف الفكر.
فمن مزاعمهم التي هي وليدة الشرك: أخذ الغلام لسنه إذا سقطت، ورميها في وجه الشمس عندما تطلع، وقوله: يا شمس! أبدلينا سناً أحسن منها. وهذا أثر من آثار الاعتقاد بإلهية الشمس.
ومن المحزن أنا نرى هذه العادة الوثنية بعد أن طردها التوحيد، ونفاها من الأرض، ترجع وتنتشر بين الجماعات الجاهلة ككثير من مزاعم الجاهلية وعاداتهم.
ومن المزاعم الناشئة عن الجهل وضعف الفكر: أن الواحد منهم إذا أراد السفر، عقد خيطًا بشجرة على اعتقاد أنه متى أحدثت امرأته بعده أمرًا منكرًا، انحل ذلك الخيط. وفي هذا الزعم الساقط ضرر كبير على صلة الزوجية، وعلى عرض المرأة؛ فإن الخيوط التي تعقد في الأشجار، معرضة للحل أو الانحلال في كل وقت.
فالحق أن من وقف على هذه الأوهام والخرافات التي كان العرب وغير العرب منغمسين في أرجاسها، ازداد علماً بعظمة رسول الله ﷺ ، وفضل بعثته في إصلاح العقول، وتهيئة الأفكار للبحث في العلوم، والسير بها إلى غايات سامية.
стр. 1135
البلاغة النبوية (١)
يقصد كل خطيب أو شاعر ناحية من نواحي كمال الرسول الأعظم - صلوات الله عليه -، فيصفها، ويذكِّر الناس بها؛ ليزدادوا إيمانًا بأنه ﵊ قد بلغ الغاية التي لا تدرك إلا بعناية إلهية خاصة، وليتخذها طلاب السيادة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، المثل الأعلى يتأسون به، ويسيرون في ضوئه.
ومن أعظم ما يبهر العقول من خصال كماله ﷺ : خصلة فصاحته وبلاغته.
لا يدعو رسول الله إلا إلى حق، ولا ينطق إلا بحكمة، وأعطي مع هذه العصمة أسمى ما يمكن أن يصل إليه البشر من فصاحة وحسن بيان؛ فإن الحكمة التي تلقى في أسلوب بليغ، تنفذ إلى القلوب قبل أن تنفذ إليها الحكمة التي تلقى في عبارة غير بليغة، وإن الحق ليعتمد على الحجة، ولكن حسن البيان يسعد الحجة في جعل الحق أقرب إلى النفوس، وأنفذ في القلوب، وقد طلب موسى ﵇ من الله تعالى أن يرسل معه
стр. 1136
أخاه هارون؛ ليشد أزره بفصاحة لسانه، وحسن بيانه، فقال: وأرسل معي أخي هارون ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤].
لفصاحة رسول الله وحسن بيانه بعد الفيض الإلهي أسباب، منها: أنه قرشي، وقريش أفصح العرب لساناً، وأبرعها بيانًا، وأنه نشأ في بني سعد؛ حيث استرضع فيهم، وبنو سعد من أرقى قبائل العرب فصاحة، وبذلك جمع الرسول الأكرم بين جزالة كلام البادية، ورونق كلام الحاضرة.
ولنزول القرآن الكريم عليه، وهو البالغ مرتبة الإعجاز، أثر كبير في سمو فصاحته، رأى رسول الله ﷺ سحابة في يوم دجن، فقال لمن كان في الحضرة: "كيف ترون بواسقها؟ " (١)، قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها! قال: "كيف ترون قواعدها؟ " (٢)، قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها! قال: "كيف ترون رحاها؟ " (٣)، قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها! قال: "كيف ترون جونها؟ " (٤)، قالوا: ما أحسنه وأشد سواده! قال: "كيف ترون بريقها، أخفياً أو وميضاً، أم يشق شقًا؟ "، قالوا: بل يشق شقاً، فقال: "الحيا" (٥). فقال رجل: يا رسول الله! ما أفصحك! ما رأينا الذي هو أعرب منك، قال: "حق لي؛ فإنما أُنزل القرآن على بلسان عربي مبين".
ولسعة العلم بلهجات العرب دخل كبير في إحراز المرتبة العليا في
стр. 1137
الفصاحة، وقد أطلع الله الرسول الأكمل على لهجات العرب، فكانت موضوعة أمامه يتناول منها ما يشاء، ومن الوارد في كتب الحديث والسيرة بروايات ثابتة متعددة: أنه كان يخاطب الوفود، ويراسل القبائل بلهجاتهم، حتى كان بعض الصحابة يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله (١). وقد جمع الرواة من هذا الباب شواهد كثيرة.
ومن ينظر فيما روي عنه من الخطب والرسائل والمحاورات والفتاوى، وما يلقيه في أثنائها من الحكم، وما يورده فيها من الأمثال والاستعارات، يرى في ذلك من وجوه البلاغة وحسن البيان ما لم يره، ولن يرأه قد تأتى لأحد البلغاء من غيره.
ووصف الجاحظ فصاحة النبي ﷺ وبلاغته في فصل ممتع، ثم قال: "ولعل بعض من يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلام، يظن أنا تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره، كلا، والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء! لا يظن هذا إلا من ضل سعيه، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم".
والحق أن فصاحة رسول الله ﷺ وروعة بيانه لا يدركها إلا من تردد بنظره على الحديث الشريف، ودخل في كل باب من أبوابه؛ إذ يرى الكلام الذي يصدر عفوًا دون أن يكون للتصنع فيه أثر، ويمر فيما يقرأ على جمل تهتز لروعتها القلوب، ومن لم يسعده الحال أن يطالع كتب الحديث، فلينظر في كتب غريب الحديث، فإنه يطلع في أقرب وقت على جانب عظيم من
стр. 1138
الألفاظ النبوية البالغة منتهى الفصاحة وحكمة الأسلوب.
وفي الناس من تسمو حكمته في بعض نواحي الحياة، وتقتصر في بعض، أما رسول الله ﷺ فيلقي الحكمة في النواحي المختلفة من شؤون الحياة الفردية أو الاجتماعية، فترد في أعلى طبقة من سمو اللفظ وحسن التصوير، فهو الذي يتكلم في الحقوق مثلاً، فيقول: "ولا يجني على المرء إلا يده". ويتكلم في سياسة الحرب، فيقول: "الحرب خدعة". ويحذر من الخروج عن جماعة المسلمين فيقول: "من خالف الجماعة، فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه". ومن الظلم فيقول: "الظلم ظلمات يوم القيامة". ويشير إلى أن شأن المؤمن أن يكون نبيهاً حازماً، فيقول: "لا يلدغ المؤمن من جُحر مرتين".
لبلاغته ﷺ مظاهر شتى، ومن أوضح مظاهرها: الأمثال التي يضربها لإخراج المعاني في صورة المحسوسات، أو إخراج المحسوسات الخفية في صورة المحسوسات الجلية.
انظروا إلى قوله في موقع بعثته من بعثات الأنبياء قبله: "إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي مثل رجل بني داراً، فأكملها وأحسنها إلا موضعَ لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا موضع تلك اللبنة". وإلى قوله في محو الصلوات للآثام: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم، يغتسل منه خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ ". وإلى قوله فيما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الإخاء والتراحم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
стр. 1139
وهكذا نرى في تشابيهه واستعاراته سهولة مأخذ، وبعداً عن التصنع، وإبداعاً في إعطاء المعنى صورة تجعله أوضح ما تكون، أو تزيد النفوس ترغيباً فيه، أو تنفيرًا منه، فانظروا إلى قوله يصف الشريعة الغراء: "قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". وقوله يدل على شدة عزمه وثباته على الدعوة: "والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته".
وفي الناس من إذا خطب في الجمهور، رأيته في درجة عالية من حسن البيان، فإن عرض له حديث مع بعض الأفراد، أو حديث في معان قريبة التناول، رأيته قد انحط إلى درجة دون الدرجة الأولى، أما حديث رسول الله ﷺ مع الأفراد، أو في المعاني السهلة الفهم، فإنه لا ينزل عن مرتبة بلاغته العليا.
يقول ﷺ في بعض خطبه: "من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا، فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
وهذا طرز فصاحته في المعاني التي تجري على الألسنة كثيراً؛ كقوله في الاستعداد للسفر: "إني على جناح سفر"، وقوله في معنى الموت على الفراش: "من مات حتف أنفه (١) في سبيل الله، فهو شهيد"، وهذه الكلمة من الكلمات التي لم تعرف في حديث قبل حديث رسول الله (٢)، وقد عقد
стр. 1140
ابن دريد في كتاب "المجتبى" باباً للألفاظ التي سمعت من النبي ﷺ ، ولم تسمع من أحد قبله.
وبالنظر في أحاديثه ﵊ تجده ينحو في كلامه وخطبه ومراسلاته نحو الإيجاز، فهو الغالب في أقواله، وربما خطب فأطنب.
قال أبو سعيد الخدري: خطب النبي ﷺ بعد العصر خطبة قال فيها: "ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون" قال: ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف (١).
ومن متعمات الفصاحة: أن لا يعجل الرجل بالكلام، بل يلقي الكلمات مفصلة حتى تقع في الذهن كأنها عقد جيد تنسيقه، وكان ﷺ يلقي الكلام مفصلاً، قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكن كان إذا تكلم بكلام، بيَّنه، فيحفظه من يجلس إليه.
وقالت أم معبد تصف حديث رسول الله ﷺ : حلو المنطق؛ كأن منطقه خرزات نُظِمن.
سمت بلاغة رسول الله ﷺ إلى الذروة، ولكنها لم تبلغ حد الإعجاز الذي هو خاص بالقرآن المجيد، والفرق بين بلاغة الحديث وبلاغة القرآن لا يخفى على ذوي الفطر السليمة، لا سيما الذين دربوا فنون البلاغة،
стр. 1141
وقلبوا أنظارهم في أساليبها المختلفة، وعرفوا كيف يضعون كل كلام بليغ في مرتبته.
وهذا التفاوت الواضح بين القرآن والحديث من أصدق الشواهد على أن القرآن الكريم كتاب نزل من السماء، لا أنه من صنع النبي ﷺ كما يزعم من يجحدون بآيات الله.
وقد أجاز كثير من المحدثين رواية الحديث النبوي بالمعنى، ولو التزم جميع الرواة نقل الأحاديث باللفظ كما نطق بها ﷺ ، لعرفنا من فصاحته، وبراعة بيانه أكثر مما عرفنا.
وهذه الخصلة من خصال كماله ﷺ ، وهي الفصاحة، وحسن البيان، تدخل فيما يطلب الاقتداء به فيها؛ فإن دراسة علوم البلاغة، ومطالعة منشآت البلغاء، والتمرين على الخطابة والتحري، كل ذلك مما ينهض بالناشئين إلى أن يكونوا فصحاء بلغاء، حتى إذا تصدوا لبيان حق، أو دعوة إلى خير، استطاعوا أن يسترعوا الأسماع، ويأخذوا بالقلوب.
стр. 1142
الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية (١)
أيها السادة!
نحتفل الليلة بذكرى قصة خطيرة، كان لها أثر عظيم في إصلاح العالم، وإخراجه من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، ومن الهمجية القاتمة إلى المدنية الزاهرة، وهذه القصة هي هجرة الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - من مكة المكرمة إلى طيبة الغراء.
بُعث رسول الله ﷺ بين مشركي قريش، وقد ملئت صدورهم غواية، ولبسوا من تقليد آبائهم الضالين سرابيل غليظة خشنة، فقام يدعو إلى نبذ عبادة الأوثان، والعود إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي التوحيد الخالص، ويهديهم سبيل العمل الصالح. فقاموا في وجه هذه الدعوة الصادقة يصدون عن سبيلها، ويبالغون في إيذاء من يتقبلها، فكانت مناوأتهم لها، وبذل الجهد في صرف الناس عن قبولها، من أسباب قلة انتشار الإسلام وظهوره أيام مقامه ﷺ بأرض مكة، والآذان التي تألف دعوة الحق لأول ما تطرقها، أو الفطر السليمة التي تعرف من لهجة صاحبها أنه محق، ليس بكثير.
стр. 1143
وما زال المشركون يحاولون أن يطفئوا نور هذه الدعوة النبوية، ويبسطون ألسنتهم وأيديهم في إيذاء معتنقها، أو المتقبل لها، حتى وفق الله تعالى وفوداً من الأوس والخزرج لقبولها، ومبايعة النبي ﵊ على أن يكونوا أنصاره إلى الله، وعند هذا أذن الله لنبيه الكريم وأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة.
لم يرض النبي ﷺ أن يهاجر قبل أصحابه، ويدعهم يقاسون عذاب المشركين ألواناً، بل أمرهم بالهجرة قبله، فهاجروا فرادى وأرسالًا، ونبهت لهجرتهم المشركون لما ينويه النبي الأعظم من التحول إلى المدينة، وخافوا أن يعظم هنالك أمره، وتسري دعوته في القبائل، ويقضي على وثنيتهم، فائتمر المشركون به ذلك الائتمار المشار إليه بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، واستقر رأيهم على قتله، فما كان إلا أن تخلص ﵊ من مكة مهاجراً، ودخل المدينة آمناً.
ويين خروجه من مكة، ودخوله المدينة، فروق واضحة: خرج ﵊ من مكة في سواد الليل مختفياً، ودخل المدينة في بياض النهار متجلياً، وخرج من مكة وأهلها يحملون له العدواة والبغضاء، ودخل المدينة وقد استقبله المهاجرون والأنصار بقلوب ملئت سروراً بمقدمه، وابتهاجًا بلقائه، وخرج من مكة ومَنْ حوله يفكرون كيف يصلون إلى قتله، والقضاء على دعوته، ودخل المدينة ومَنْ حوله يتنافسون في الاحتفاء به، والقرب من مجلسه، وقد هيؤوا أنفسهم لفدائه بكل ما يعز عليهم.
أما فضل هذه الهجرة المباركة، فإنها آتت ثمراً طيباً، وأفاضت على
стр. 1144
العالم خيرات تنفد الأيام ولا ينفد الحديث عنها.
فالهجرة هيأت للإسلام أن تكون له حكومة ذات سلطان غالب، وكلمة فوق كل كلمة.
والهجرة مكنت الحكومة الإسلامية أن تقضي بشرع الله الحكيم، ويالسلطان الغالب يقهر الأعداء، ويالشرع الحكيم يعيش الناس في أمن وسعادة، وكذلك كان شأن النبي ﷺ بعد الهجرة؛ فقد كان من القوة وتأييد الله تعالى له أن أصبحت الجزيرة العربية في بضع سنين طوع يمينه، وموضع نفاذ أمره، وأصبحت الأمة بما شرعه الله من أحكام المعاملات والجنايات، وبما أنار به النفوس من الحكم السامية، تتمتع بسياسة عادلة، وحياة زاهرة.
وإذا شئتم مثلاً واضحاً لما جاءت به الهجرة من الخير العظيم، فانظروا كيف خرج النبي ﷺ من مكة مهاجرًا، وكيف دخلها فاتحًا، فما ذلك الفتح المبين إلا وليد الهجرة التي نحتفل بذكراها هذه الليلة، وبفتح مكة انكسرت شوكة خصوم الإسلام في الجزيرة، وأقبل العرب على الدخول في الدين أفواجًا، حتى تألفت أمة مسلمة رفعت راية سيادة في أقصى الشرق، وأخرى في أقصى الغرب.
وانظروا إلى القرآن المجيد إذ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيه الكريم من النصر والتأييد، تجدوه ابتدأ بنصره وقت الهجرة، وعطف على ذلك ما اتصل بالهجرة من ظهوره على أعدائه، وبلوغ رسالته غايتها؛ من اعتلاء ذكر الحق، وانحطاط الباطل، فقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
стр. 1145
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وما أصدق نظرَ عمر بن الخطاب إذ جعل سنة الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام، وقال: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها".
فإذا احتفلنا بذكرى الهجرة النبوية المباركة، فإنما نحتفل بذكرى الأساس الذي قامت عليه عزّة الإسلام وسيادته، بل نحتفل بذكرى اليوم الذي خرج فيه كوكب الإصلاح من سراره، وألقى أشعته على العالم شرقاً وغرباً، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1146
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (١)
هذه الآية الكريمة من جوامع الكلم التي تحمل تحت ألفاظها القليلة معاني جميلة غزيرة؛ فقد أرشدت إلى الاقتداء برسول الله - صلوات الله وسلامه عليه -، وأومات إلى أنه أقوم الخليفة منهجاً، وأشرفهم حالاً، وأطيبهم كلماً، وأفضلهم أعمالاً.
وإذا نظرنا إلى ما كان عليه من صفات الشرف وأفعال الحمد، وجدناها على قسمين: قسم لا يدخل في الأمر بالاقتداء به فيه، إما لكونه غير داخل في اختيار الإنسان، وإنما هو موهبة من الخالق -جلَّ شأنه-؛ كجمال طلعته، وشرف نسبه، ويراعة بيانه، وإما لكونه معدوداً في خصائصه؛ كجمعه بين تسع زوجات، وإما لكونه عائداً إلى أمر الجبلَّة أو العادة، ولم يظهر فيه معنى التشريع؛ نحو: جلوسه، أو وقوفه في بعض الأمكنة، وتناوله لبعض المطعومات، وامتناعه من تناول بعضها؛ كما امتنع من أكل الضب، وقال: "ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". ففعْله ﵊ لما كان من هذا القبيل - وإن دل على الإباحة - لا يدخل فيما يطلب التأسي فيه، ولا يتناوله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
стр. 1147
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].فالمقصود في الآية: التأسي به ﷺ في الأحوال والأفعال الاختيارية غير الجبلية والعادية، وغير ما قام الدليل الواضح على أنه من خصائصه.
نتأسى به ﵊ فيما كان يتقرب به إلى الخالق من العبادات، وهذا يقتضي البحث عن العبادات التي كان يؤديها تقرباً إلى الخالق تعالى؛ مثل: الصلوات، والصيام، والحج، والأذكار؛ حتى نتبين كيفيتها، وأوقاتها، ومبلغ اجتهاده في القيام بها، وبهذا يسلم الرجل من أن ينحدر في البدع، أو يضع العبادة في غير وقتها، أو يقع في حرج التنطع (١) في الدين.
فالبدع إنما دخلت في الدين على أيدي قوم لم يدرسوا سيرة النبي ﷺ دراسة تكسبهم تمييز فاسد العبادات من صحيحها.
ويتأسى به - صلوات الله وسلامه عليه - في احتماله لما كان يصيبه من صروف الأقدار، وتلقيه لها بصبر تتزلزل الجبال الرواسي ولا يتزلزل، وقد اقتدى به المستقيمون من المؤمنين في هذا الخلق العظيم، فيتلقون الخطوب من نحو: فَقْد المال، أو موت الولد بمتانة عزم، ورسوخ في الصبر، وقد عرفت أستاذاً في تونس يقال له: الشيخ محمد بن عيسى، توفي له ولده الوحيد البالغ سن العشرين، فتركه مسجًّى في المنزل، وجاء على عادته لإقراء درس في الأصول بين المغرب والعشاء (٢)، وبعد أن أتم الدرس، قال للطلاب: إن أخاكم فلاناً قد توفي، وغداً صباحاً تشيع جنازته.
стр. 1148
ويتأسى به ﵊ في احتماله لما كان يلاقيه في سبيل الدعوة إلى الحق من العناء والمكاره؛ كما لاقى من المشركين في مكة أذى كثيراً، ولم يفلَّ ذلك من عزمه فتيلًا. وانظر ماذا ناله في واقعة أحد؛ من شج وجهه، وكسر رباعيته، وجرح شفته السفلى، حتى صلّى الظهر من الجراح التي أصابته قاعداً، ومن الغد نادى بطلب العدو، وقال: "لا يخرج معنا إلا أحد حضر بالأمس". ودرسُ هذه الناحية من سيرته السنية، يرفع همم علماء الدين ودعاة الإصلاح عن التملق لأولي الأمر، ومجاراة أهوائهم الجامحة عن قصد السبيل؛ إذ يجعل رضا الله، وظهور الحق والفضيلة، هما الغاية التي يعملون لها في حياتهم، فلا ييالون سوء العذاب، أو العزل من المناصب الذي ينذرهم به المستبدون الظالمون.
غضب أحد أمراء تونس على أحد علمائها، فقال له: عزلتك من الإمامة والفتوى والتدريس، فقال له العالم: بقيت لي وظيفة لا تستطيع أن تعزلني منها أنت ولا غيرك، هي مكانتي العلمية، وهذه المكانة أعزّ لدي من كل وظيفة.
وظهر لرئيس محكمة أهلية في عهد وزارة (نوبار باشا) الأرمني كشفُ وجه امرأة من المخدَّرات، فامتنعت عن الإسفار؛ محتجة بعدم إباحته في الشريعة الغراء، واستفتى الشيخ محمد العباسي المهدي شيخ الأزهر والمفتي الأكبر لذلك العهد، فأفتى بعدم الجواز، وشدد في المسألة، فسعى (نوبار باشا) في عزل الشيخ المهدي قائلاً: إن الشيخ أصبح عقبة أمام القضاة معارضاً لأحكام القضاء، ولما فهم الشيخ المهدي أن مساعي (نوبار باشا) قد أصبح لها أثر، استقال من مشيخة الأزهر والفتوى في مجلس واحد
стр. 1149
غير آسف عليهما (١).
ويتأسى به ﵊ في صلته بالأفراد والجماعات، ومعاملته لهم؛ من نحو: الرفق بهم، والإحسان إليهم، ودعوتهم إلى الحق، وإرشادهم إلى وجوه الخير، وسبل السعادة، ومعاقبة الجناة على قدر جناياتهم، ودرس هذه الناحية من سيرته الطاهرة يفتح أمام الناظر الطريق التي يتوسل بها إلى امتلاك قلوب فضلاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وتباين مواطنهم، بل يفتح أمامه الطرق التي تعرف بها كيف يسوس النفوس الواقعة في أسر الشهوات، ويعيدها إلى سيرة الطهر والعفاف؛ إذ يجد الناظر في حكمة أساليب دعوته، وحسن معاملته حتى لخصوم دينه، معالم لا ينجح صاحب دعوة صادقة إلا أن يهتدي بها.
ويتأسى به - صلوات الله عليه - في احتماله الأذى من الناس، ومقابلته بالعفو، وهو قادر على مقابلته بالانتقام. ومن درس هذه الناحية في السيرة، عرف أن لحلمه وعفوه ﵊ مواضع، ولأخذه بالحزم مواضع. وقد أشارت عائشة ﵂ إلى ذلك بقولها:
"وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله " وفي. رواية: "إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ".
وصفوة المقال: أن هذه الآية أرشدت إلى التأسي بأفضل الخليقة - صلوات الله وسلامه عليه-، وهذا يقتضي البحث عن سيرته، وفي البحث عن سيرته مرقاة إلى معرفة خصال الشرف الإنساني، وصالح الأعمال التي يعرج بها الإنسان إلى الحياة الطيبة في الأولى والآخرة.
стр. 1150
الهجرة مبدأ التأريخ العام في الإسلام (١)
كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب ﵁ كتاباً يقول فيه: "إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ". فجمع عمر الناس يستطلع رأيهم فيما يكون به التأريخ" فقال بعضهم: أَرَّخ بالمبعث، وقال بعضهم: أرخ بالهجرة، فقال عمر: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرّخوا بها".
يقول عمر بن الخطاب: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل"، وهذا إشارة منه إلى المزية التي استحقت بها الهجرة أن تكون مبدأ التأريخ العام في الإسلام، فإن الدعوة إلى الإسلام كانت تلاقي في مكة معارضة، وعقبات توضع في سبيلها، وأخذت بعد الهجرة حريتها كاملة، ولم يستطع أحد أو جماعة الوقوف في طريقها، وكانت الدعوة بمكة تسير في طريق النجاح رويداً رويداً، وأخذت بعد الهجرة تنتشر بسرعة، فلم يمض عليها عشر سنين حتى عمت الجزيرة، وانضوى إلى الإسلام ملوكها ورؤساؤها وقبائلها فوجاً عقب فوج، وكان المشركون يبسطون ألسنتهم وأيديهم إلى المسلمين بالأذى، بالهجرة تخلصوا من ذلك الأذى، وأصبحوا في أمن ليس لذي قوة عليهم من سبيل.
стр. 1151
وكانت الدعوة في مكة تتدرَّع بالصبر واحتمال المكروه من أولئك الطغاة، أما بعد الهجرة، فقد رفعت الدعوة رأسها، وأذن للقائمين بها أن يجردوا الحسام في وجه كل من يناوئها ويروم إطفاء نورها.
فبالهجرة ظهر الإسلام في ثوب عزته الضافية، وتمكن من أن يفيض على العالم هداية ورحمة.
ومن مآخذ العبرة في قصة الهجرة: أن الداعي إلى الاصلاح متى أوتي حكمة بالغة، وإخلاصاً نقياً، وعزماً صارماً، هيأ الله لدعوته بيئة طيبة فتتقبلها، وزينها في قلوب قوم لم يلبثوا أن يسيروا بها في البلاد، ويطرقوا بها الآذان، فتسيغها الفطر السليمة، والعقول التي تقدر الحجج حق قدرها.
стр. 1152
المعجزات الكونية (١)
نحتفل بذكرى مولد أفضل الخليفة محمد ﷺ ، وقد جرت عادة المحتفلين بهذه الذكرى الطيبة أن يتحدثوا عن سيرته الزاهرة، أو دلائل صدق رسالته الشاملة الخالدة، أو عما أفاضته على العالم من هداية وإصلاح، ولو كان في وقت سعة، لأرسلنا القول في كل ناحية من هذه النواحي الثلاث، فنزداد يقينًا بأن سيرة محمد ﷺ أكمل من كل سيرة، وأن دلائل نبوته أوفر من دلائل كل نبوة، وأن آثار دعوته أوسع مدى من آثار كل دعوة، فأكتفي بكلمة موجزة أخص بها ناحية من نواحي دلائل رسالته، وهي آيات نبوته الكونية، فأقول:
ترجع دلائل رسالة المصطفى - صلوات الله عليه - إلى أربعة وجوه: القرآن المجيد - وبشارة الرسل والأنبياء من قبله ببعثته - وسيرته البالغة في الكمال حداً تقف دونه سيرة كل عظيم - وخوارق عادات هي من جنس المعجزات على صدق الرسالة من وجوه كثيرة.
ومن هذه الوجوه: ما يوجد في بعض آياته؛ كإخباره عن أمور مستقبلة، ووقوعه على نحو ما أخبر به.
стр. 1153
ومنها: ما يوجد في كل سورة، أو ما يكون بمقدار سورة، وهو بيانه البديع، وأسلوبه الرائع، ونظمه الحكيم.
وأما بشارات الأنبياء، فقد أخبرت التوراة والإنجيل بمجيء رسول عظيم، ووصفت هذا الرسول العظيم بصفات لا تنطبق إلا على حال محمد - صلوات الله عليه -، ونبه لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وأما سيرته، فقد بلغت من الكمال حداً لا تبلغه سيرة من يطلب الكمال بنفسه، ولو فاق الناس عبقرية، وقضى في تلقي الحكمة العشرات من السنين، وإلى هذا يشير حسان ﵁ بقوله:
لو لم تكن فيه آيات مبينةٌ ... كانت بديهته تأتيك بالخبر
وأما دلائل نبوته من خوارق العادات، فقد ورد منها في الأحاديث الصحيحة وقائع كثيرة؛ كنبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكثير الطعام القليل، وإشباعه نحواً من سبعين أو ثمانين رجلاً. وانشقاق القمر حتى رآه المشركون بمكة رأي العين، وحنين الجذع الذي كان يخطب عليه عندما اتخذه ﵊ منبراً.
وقد ظهر في هذا العصر إنكار هذا النوع من دلائل النبوة، وممن سبق إلى إنكاره طائفة القاديانية اللاهورية؛ فإنا نرى زعيمهم محمد علي الذي ألَّف ترجمة القرآن إلى اللغة الإنكليزية، يأتي إلى كل معجزة يقصها الله تعالى في أنباء الرسل ﵈ ويعلق عليها بآخر الصحيفة متأولاً لها على وجه يخرجها عن أن تكون معجزة. ونحا بعض الكاتبين في مصر
стр. 1154
هذا النحو من تأويل آيات المعجزات، وخف على آخرين أن يتكلموا في الدين بآراء لا تمت إلى أصوله الصحيحة بصلة، فأنكروا الأحاديث المتضمنة لبعض خوارق من عادات جرت على يد النبي ﷺ دون أن ينقدوها بقوانين علم الحديث، أو قوانين المنطق السليم.
ولمنكري المعجزات وخوارق العادات شبهتان:
إحداهما: أن الله تعالى وضع هذا الكون على سنن لا تتبدل، وربط أسبابه بمسبباته ربطاً لا يتغير، وربما استشهدوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].
ويرد هذا: بأن الذي خلق الأسباب والمسببات، وعقد بينهما رابطة السببية والمسببية، هو الفعال لما يريد فله أن ينزع من بعض الأسباب وجه سببيتها؛ كأن ينزع من النار حرارتها التي كانت سبباً في الإحراق، وله أن يخلق سبباً آخر يخفى عن أعين الناس، ويظهر له مثل أثر السبب المعروف في العادة؛ كأن يخلق في العصا ما يكون سبباً لانقلابها ثعباناً، كما خلق في ماء الرجل ما يكون سبباً لتحول ذلك الماء حيواناً.
وإذا لم ير الفيلسوف سبباً تخلف عن سببه، أو لم ير سبباً لم يترتب عليه مسببه، فعدم رؤيته لذلك لا يدل على عدم إمكانه، فتخلف المسببات عن أسبابها الظاهرة، أو وجود المسببات مع فقدان أسبابها، هو في مرتبة الإمكان لا محالة، وإذا كان ممكناً في نفسه، وورد الخبر الصادق بوقوعه، أصبح الاعتقاد به ضربة لازب، ولم يكن لمنكره من الأدلة النظرية ولي ولا نصير.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، فحق لا غبار عليه،
стр. 1155
وسنن الله منها ما عرفه الناس، ومنها ما لم يعرفوه، وإذا وقعت واقعة غريبة عند تحدي النبي لقومه، فهي جارية على سنة، ولكنها سنة خفية لا يعلمها البشر، ولا يستطيعون أن يأتوا بمثلها، ومن هنا كانت هذه الواقعة الغريبة علامة على أن هذا الداعي مبلغ عن الله.
وأخرى الشبهتين: أن العلوم في هذا العهد قد كشفت عن أسرار أمور كانت تُظن من خوارق العادات، فلو بلغ العلم بصاحبه أن يأتي بأشياء هي من أمثال ما كان يعد خارقًا للعادة، لم يبق ذلك الذي صدر على وجه التحدي معجزة.
وتدفع هذه الشبهة: بأن من معجزات الرسل ﵈ ما لم يصل إليه العلم، ولن يصل؛ كإحياء الموتى وإبراء الأكمه، ونبع الماء الحقيقي من بين أصابم الإنسان، وإذا وجد من المعجزات التي جرت على أيدي الرسل ما يمكن الوصول إلى مثله من طريق الفن؛ كما يدعى من الإخبار عن بعض الأشياء الغائبة، وكما ظهر من قطع المسافة البعيدة في وقت قريب، فإن أمثال هذه الأشياء نجدها قد صدرت عن الرسول مضمومة إلى معجزة أخرى لا يصل إليها العلم. ثم إن الفرق بين ما وقع عند التحدي، وما وقع من طريق الفن: أن الأول وقع بإذن الله من غير أن يكون للرسول فيه عمل، أما الثاني، فإنما يقع بعد اتخاذ الوسائل الفنية.
هذا هو الفرق بين ما كان معجزة، وما كان أثر حركة فنية، فما يذكره الله تعالى في كتابه الحكيم من هذا النوع من المعجزات إنما هو أمر واقع بإذنه تعالى من غير أن يكون للرسول فيه أثر؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
стр. 1156
وأذكر أني كنت في الآستانة سنة ١٢٣١ نازلاً بدار المرحوم خالي الشيخ محمد المكي بن عزوز أستاذ علم الحديث بدار الفنون، فعاد من الدرس يوماً، وأخبرني أنه كان مع طائفة من المدرسين في غرفة ناظر المدرسة، فجرى ذكر هذه الآية الكريمة، فنسب بعض الحاضرين إلى سليمان ﵇ العلم بفن الطيران، فقال له الناظر - وكان من الأتراك المؤمنين المستنيرين بهدى الله -: "تلك معجزة".
أما الذين أنكروا أن يكون للنبي- ﷺ معجزة غير القرآن، فشبهتهم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
وليس في هاتين الآيتين ما يثير إشكالاً؛ فإن كفار قريش كانوا يقترحون على النبي ﷺ آيات يصفونها، وإنما يقترحونها على وجه التعنت؛ مثل: الآيات التي حكاها الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
وذكر تعالى في جوابهم: أنه لا يرسل هذه الآيات التي اقترحوها تعنتاً؛ حيث علم أنهم سيلاقونها بالتكذيب، ودل على هذا: بأن قوماً يماثلونهم في طبائعهم النفسية قد أرسلت لهم آيات من جنس الآيات التي يقترحها
стр. 1157
المشركون، وكانوا مطبوعين على التعنت، فتلقوها بالتكذيب، فقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. فهذه الآية تفهم على معنى أن الأولين قد كذبوا بآيات من جنس الآيات التي اقترحها هؤلاء الآخرون، فكان تكذيبهم كأنموذج لتكذيب أمثالهم المتعنتين من كفار قريش للآيات التي اقترحوها لو وقعت.
وأما الآية الثانية، فإن كفار قريش قالوا على وجه التعنت أيضاً: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠]. ولما كان المقصود من إنزال الآيات: توجيه النفوس إلى الإيمان بصدق الرسول من طريق الاستدلال، كان الأمر في اختيار الآيات يرجع إلى مشيئته تعالى؛ إذ هو العالم بما يوافق حكمة الدعوة، ويكفي في دلالة النفوس غير المتعنتة على أن دعوة الرسول حق، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وقد أراهم آيات كافية في الدلالة على أن محمداً رسول حق، فلو كان قصدهم الوصول إلى الحق، لاكتفوا بها، ولما كان القرآن الحكيم أعظم هذه الآيات وأوضحها دلالة، وأبقاها نصب أعينهم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
وخلاصة هذه الكلمة: أن من دلائل النبوة خوارقَ عادات جرت على يد النبي ﷺ ، وقد اشتملت كتب السنة الصحيحة على نصيب منها، ولو سلمنا أن حديث كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر، فإن مجموعها قد بلغ هذا الحد بلا ريب.
стр. 1158
من آداب خطب النبي ﵊ - (١)
للدعوة إلى الإصلاح طرق، ومن أقرب هذه الطرق نجاحاً، وأبلغها أثرًا: الخطابة، ولهذا شرعت في يوم الجمعة من كل أسبوع، وفي يومي عيد الفطر وعيد الأضحى من كل سنة، بل في كل وقت يقتضي الحال فيه تذكير الناس بحكمة، أو أمرهم بمعروف، أو نهيهم عن منكر، وكان النبي ﵊ ينهض للخطابة عند كل أمر هام، وكتبُ الحديث والسيرة عامرة بأنباء وقائع يقوم فيها خطيبًا، فيأمر أو ينهى، أو يزيح أوهاماً علقت ببعض الأذهان.
ولقد كانت خطبه ﵊ مُثلاً عليا، يحق على كل داع إلى الإصلاح أن يقتدي بها، ويقتبس من آدابها، ويسوس النفوس بمثل أساليبها.
يحرص ﵊ أن تطرق مواعظه آذان المستمعين متمايزة الحروف، مفصلة الكلمات، فكان يلقي الخطبة قائماً، رافعًا بها صوته، وإنما يخطب على مكان مرتفع، ولذلك اتخذ المنبر في مسجده بالمدينة.
ويحرص على أن تقع الموعظة في قرارات النفوس، فكان يلقي الخطبة
стр. 1159
بألفاظ مأنوسة، وتأليف محكم، ومعان بارزة في صور بارعة، فانظروا إلى قوله في بعض خطبه: "من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا، فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"، وهكذا ترون خطبه مصوغة بألفاظ مألوفة، ومعان قريبة المأخذ، وهي - مع سهولة ألفاظها، وقرب معانيها من أذهان الجمهور - قد حازت في مراقي البلاغة الأمد الأسمى.
وربما أعاد الجملة، فنطق في ثلاث مرات، يدل على أنها موضع اهتمام، ويخشى أن تمر على أذهان المستمعين دون أن تستقر في نفوسهم، كما قال في خطبة التشريق: "ألا لا تظالموا"، وكررها مرتين بعد الأولى.
ولم يكن ﵊ يلتزم السجع في خطبه، وإنما يأخذ فيها بطريقة الترسل، إلا أن يجيء السجع عفوًا، وذلك أن السجع الملتزم لا يخلو من تكلف تفقد به صور المعاني جانبًا من الوضوح، وإن شئت مثلاً يشهد بأن خطبه لم تنسج على منوال السجع، فإليك قوله في إحدى خطبه: "فليأخذ العبد عن نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت".
وقد أولع أكثر الناس منذ عهد بعيد بتسجيع الخطب، إما لقصر باعهم في البيان، وإما لأنه الأسلوب الذي تلذّه الأذواق لتلك العهود، وقد تحولت الأذواق اليوم - فيما يظهر - إلى استحسان الكلام المرسل، وإيثاره على السجع؛ حيث يبرز المعاني في صور تصل إلى القلوب عندما تصل الكلم إلى الآذان. ولم يكن ﵊ ليطيلَ الخطب، يخشى على الناس الملل، فلا ينتفعون بالموعظة انتفاعهم بها وهم يصغون إليها بإقبال ونشاط،
стр. 1160
وكان يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من فقهه".
وكانت خطبه - مع قصرها - ممتعة بالحكمة والموعظة الحسنة، إذ تجيء حافلة بجوامع الكلم، والجمل التي تجري على الألسنة مجرى الأمثال إيجازاً وبلاغة.
وقد يطيل الخطبة في غير يوم الجمعة متى اقتضى الحال الإطالة، روى أبو سعيد الخدري: "أن النبي ﷺ خطب بعد العصر، ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف".
وكان يفتتح الخطبة بحمد الله، والثناء عليه، ويصلهما بالتشهد، ويقول: "أما بعد" متنقلًا بها إلى حكمة أو موعظة، وقد يدع الخطبة العامة، ويتجه في أثنائها إلى إرشاد شخص بعينه متى خشي فوات الفرصة. جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال ﵊: "صليت يا فلان؟ "، فقال: لا، فقال: "قم فاركع"، ثم عاد إلى الخطبة.
وقد يستعين ﵊ في تثبيت المعنى بالإرشاد بيده إشاره مناسبة للمعنى كما قال في إحدى خطبه: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، وروي أنه كان يشير بأصبعه السبابة عند ذكر الله تعالى ودعائه.
فالإشارة باليد لا تنافي وقار الخطيب متى استعملت في أثناء الخطبة استعمالاً مناسباً للمعنى. ومما يجعل للخطبة أثرًا بليغًا في النفوس: أن يكون الخطيب مخلصًا في وعظه، حريصاً على أن يأتي بثمرات طيبة من المسارعة إلى الخير، والإقلاع عن الشر، وقد يظهر لهذا الإخلاص أمارات في وجه الخطيب أو صوته؛ كاشتداد الغضب عند الإنذار، وورد في الصحيح: أنه