← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

العظيم، ذلك أن استحقاق العذاب لا يتحقق إلا عند توافر أسبابه، وانتفاء موانعه، وقد دلّ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] على أن أسبابه لم تتحقق؛ إذ يفسر الكتاب السابق بأنه تعالى لا يعاقب على أمر إلا بعد أن يتقدمه نهي، والقوم لم يتلقوا قبل هذه الواقعة نهيًا، وقصارى ما تدل عليه الآية: أن أخذ الفداء في هذه الواقعة بالغ في مخالفة ما هو الأولى إلى درجة ما لم يمنع من العقوبة عليه إلا عدم تقدم النهي عنه. وأما واقعة عتابه على إعراضه عن الأعمى، فهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢]. والآية الكريمة تضمنت عتابه ﵊ على إعراضه عن ابن أم مكتوم، ولم تدل قط على أنه أخطا في تقرير حكم شرعي؛ إذ الحكم الشرعي في مثل هذا مقرر من قبل، وهو أن لقاء الناس بطلاقة وجه، والإقبال على من يسائل، موكولان له ﵊, يأخذ بهما حسب ما تقتضيه الحال، ولكنه ﷺ كان يخاطب وجهاء مشركي قريش، وهو يرجو أن يجيبوا دعوته، وبينما هو مجد في دعوته، أخذ ابن أم مكتوم يجاذبه الحديث، ويسائله التعليم، فكان من رسول ال ﷺ أن أعرض عنه، وكره منه أن يقطع مواصلته الدعوة لأولئك المشركين، حتى بدا أثر الكراهة في وجهه، فعتابه ﵊ كان على أمر فعله ابتغاء الخير، وحرصا على انتشار الدعوة، ولكن الله تعالى أراد أن يريه أن إقباله على نفس مستقيمة على الطريقة، حريصةٍ على أن تتفقه في دين الله، خيرٌ من إقباله على تلك النفوس الطافحة بالشرك، المصرة على باطلها، وأراد الله أن يذكره بهذا العتاب: أن واجبه دعوة أهل الكفر إلى الإِسلام، وليس عليه أن يدخلوا فيه،

стр. 1227

حتى لا يبلغ في دعوتهم أن يشتغل بها عن مجاملة ضعفاء المسلمين، وحفظ قلوبهم من أن تعبث بها أصابع الشيطان. ومن حكمة هذه الآية: الدلالة على أن الخطأ في الاجتهاد معفو عنه. * رجوعه عن اجتهاد باجتهاد: قال كاتب المقال: (ورجع هو عن اجتهاد باجتهاد بمجرد النظر والتجربة، فقال: "هممت أن أنهى عن الغِيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئاً"، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي"). أورد الكاتب حديثين مستشهداً بهما على أن النبي ﷺ يرجع عن اجتهاد باجتهاد. أما حديث الغيلة، فقد ورد في الصحيح على نحو ما ذكره الكاتب، غير أنه فسر الغيلة بإرضاع المرأة ولدها وهي حامل، وهو تفسير ابن السِّكيت، أما الإمام مالك، فقد فسرها بوطء المرأة وهي مرضع، وتابع مالكًا على هذا التفسير الأصمعيُّ وغيره من أهل اللغة، ومالك أدرى بتفسير الحديث من ابن السكيت، ولا سيما تفسيراً وافقه عليه علماء اللغة، ويؤيده ما جاء في الصحيح: أن رجلاً قال للنبي- ﷺ : إني أعزل عن امرأتي، فقال: "لم تفعل ذلك؟ "، فقال: إني أشفق على ولدها، فقال ﵊: "لو كان ذلك ضارًا، ضر فارس والروم (١) ". ومما يزيدنا ثقة بضعف حمل الغيلة في هذا الحديث على إرضاع المرأة وهي حامل: أن الأطباء ما زالوا يقولون:

стр. 1228

إن لبن المرأة يتغير أيام الحمل تغيراً يؤثر في صحة الرضيع، أما وطء المرأة وهي مرضع، فقد سألنا عنه بعض الأطباء في هذا العصر، فكانوا يجيبون بأنهم لا يعرفون لضرره وجهًا، وحملُ كلام رسول الله ﷺ على معنى لا شبهة فيه، أرجحُ من حمله على معنى تحوم عليه شبهة. عرضت واقعة الغيلة للنبي ﷺ ، ولم ينزل فيها وحي خاص، ولكن أمامه قواعد شرعية، منها: قاعدة: "الضرر يزال"، والشأن في تقرير حكم هذه الواقعة الرجوع إلى ما يقوله أهل التجارب من نحو الأطباء؛ لأن الضرر في مثلها لا يدرك بقوة الفكر ووفور العقل، وكان شائعًا عند العرب أن في الغيلة ضررا على الرضيع، ولهذا جرت عادة المستطيعين منهم أن يتخذوا لأولادهم مراضع، وسبق إلى ظن النبي ﷺ أن ما شاع عند العرب من ضرر الغيلة قد يكون واقعاً، وبدا له أن ينهى عنها, إشفاقًا على الرضعاء، ثم نظر ﵊ إلى أمتين من غير العرب، وهما الفرس والروم يصنعون الغيلة، ولا تضر أولادهم؛ إذ لو ظهر منها ضرر، لتنبه له أطباؤهم، وعرفه أهل التجارب منهم، وشاع أمره فيما بينهم، وهذا ما عدل بالنبي ﷺ عن النهي عنها إلى العود بها إلى أصل الإباحة، وقد دلّ ﵊ على أنه لم يتكلم في الغيلة عن وحي، وإنما تكلم فيها على رعاية المضار والمصالح التي يؤخذ فيها بأقوال أهل التجارب؛ إذ قال: "ثم ذكرت أو نظرت أن فارس والروم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئاً". وقد أريناك أن النبي ﷺ قد يفعل شيئاً يظنه الأَولى، ثم يتبين له أنه خلاف الأَولى، وقد يقول قولًا يبنيه على ظن، ثم يتبين له أن الواقع على خلاف ما ظنه، ووقوع أشياء معدودة من هذا النوع لا تمس الرسالة بشيء، فإنها - على

стр. 1229

قلتها - معروفة عند علماء الشريعة، ولا يبنون عليها شيئاً أكثر من أنها تزيد الناس تذكرة ببشرية الرسول، وتحميهم من أن يتجاوزوا به مقام الرسالة إلى مقام الربوبية. وإذا استدل بها بعضهم على أنه يجتهد في تقرير الأحكام، فقد أريناك أن القائلين باجتهاده مجمعون على أن اجتهاده هو والوحي على سواء. وأما حديث: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت"، فأصله أن النبي ﷺ أحرم بحج، أو بحج وعمرة، وساق الهدي، وأصحابه أحرموا كذلك، ولم يسوقوا هدايا، فلما قدموا مكة، وطافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، أمر النبي ﷺ ﵊ الصحابة أن يحلوا من إحرامهم بعمل العمرة، وقال لهم: أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية، فأهلّوا بالحج، ولكنه ﵊ بقي محرمًا، وقال لهم: "فلولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله". وشق على الصحابة أن يحلوا وهو محرم، وترددوا في الإحلال، فقال ﵊ تطييبًا لخواطرهم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي". أورد كاتب المقال هذا الحديث شاهداً على أنه ﵊ يرجع عن اجتهاده باجتهاد، ولم يبين ما هو الاجتهاد الذي رجع عنه، وليس في الحديث ما يدعو إلى فهمه على هذا المعنى، ذلك أنه ﷺ كان مخيراً بين أن يسوق الهدي، وأن لا يسوق، فسوقه الهدي كان من قبيل الأخذ بأحد أمرين جائزين، واختيار أحد أمرين جائزين لا يعد اجتهاداً في تقرير حكم شرعي، فقد يفعله من لم يبلغ رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولهذا نرى المنكرين

стр. 1230

لاجتهاد النبي ﷺ في الأحكام الشرعية كابن حزم يسلمون أنه ﵊ قد يختار أحد وجهين أجازهما الشارع، ويقولون: لا مانع من أن يختار غير الأولى منهما، ولكنه لا يقر على ذلك. فإذا كان سوقه للهدي من قبيل اختيار العمل بأحد الجائزين، فإذا عرض حال يستدعي اختيار الجائز الآخر، وهو عدم سوق الهدي، كان له أن يختاره، ولا يعد هذا الاختيار اجتهاداً في تقرير حكم شرعي، فعدم سوقه الهدي حيث ينبني عليه موافقة أصحابه، وانشراح صدورهم لفعل ما يأمرهم به من الإحلال، يصح اختياره بدل سوق الهدي، فمعنى "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي": لو كان هذا الوقت الذي ظهر فيه تحرج أصحابه من اختلاف حالهم عن حاله هو الوقت الذي كان قد أحرم فيه، لاختار عدم سوق الهدي. * قضاؤه ﵊ -: ما زال كاتب المقال يتحدث عما قام به النبي ﷺ بحق بشريته، حتى قال: "وكان يحكم في الحوادث الجزئية التي ترفع إليه، ويعتمد في حكمه على البينات، وحجج الخصوم، ويقول: لعل أحدكم ألحن بحجته، فإنما أنا بشر". جعل الكاتب قضاء النبي ﷺ مما قام به بحق بشريته، ونحن نعلم أن الله أمره بأن يحكم في الحوادث التي ترفع إليه، وأمره ان يحكم بين الناس بما أنزله عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولكونه ﵊ يحكم بما أنزله الله وأراه الله، كان عدم الرضا بحكمه خروجاً عن شرع الله، ونكثاً لليد من عروة

стр. 1231

الإِسلام، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فقضاءُ رسول الله - صلوات الله عليه - شطر من المهمة التي أرسل من أجلها، وهو طريق من طرق إبلاغه شريعة الله - جل شأنه -. قال الكاتب: ويقول: "لعل أحدكم ألحن بحجته، فإنما أنا بشر"، وأصل هذا الحديث كما جاء في الصحيح (١): "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذن منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من نار". ولإيضاح معنى الحديث نقول: إن الله تعالى أرسل محمداً ﷺ لتكون سيرته المثل الأكمل في كل ناحية من نواحي الحياة الفردية أو الاجتماعية أو السياسية، ومما يدخل في ناحية السياسة: القضاء، وقد أمده الله في هذه الناحية- زيادة على ما فطر عليه من رصانة العقل وثقوب الفكر- بالأحكام والآداب التي تجعل قضاءه عادلًا، وموضع قدوة الحكام الراشدين من بعده. ومما أمده الله به: أن جعل قضاءه على نحو ما يسمعه من الخصمين، وما يقيمونه من البينات، وما يلفظون به من أيمان، ولم يأخذ في صحة حكمه أن يكون الإقرار أو البينات أو الأيمان صادقة مطابقة للواقع؛ فإن بناء كل حكم على ما كان مطابقاً للواقع- وإن تيسر للنبي- ﷺ لا يتيسر لحكام ليس بينهم وبين الخالق - جل شأنه - صلة الوحي، وذلك معنى قوله -عليه

стр. 1232

الصلاة والسلام -: "فلعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع". والقضاء - على ما يقتضيه الإقرار أو البينات أو الأيمان - حكم مطابق لما أمر الله أن يحكم به، فلو كان الإقرار في باطن الأمر كاذباً، أو البينات مزورة، أو الأيمان حانثة، كان حكم النبي ﷺ مصيباً ما دامت وسائل القضاء من الإقرار ونحوه قد استوفت شروطها المعتد بها في نظر الشارع. وإنما يظهر خطأ الاجتهاد في تقرير حكم شرعي لم يوح إليه به، أو إجراء حكم على غير الوجه الذي وضعه الشارع الحكيم، وهذا ما اختلف العلماء في وقوعه، وأجمعوا على أنه متى وقع لا يقر عليه. قال كاتب المقال: "وكان يكل الجهاد إلى أمرائه وقضاته دون أن يقيدهم بالرجوع إليه". كان الكاتب يتحدث عن اجتهاد النبي ﷺ ، ويأخذ في حديثه كل مأخذ، ولا ندري ما موقع هذه الجملة التي تتعلّق بحال أصحابه عند غيبتهم وبعدهم عن موطن الوحي! حشرها هاهنا، ثم عاد إلى ما كان بصدده من اجتهاد النبي ﷺ حتى انتهى إلى الغاية التي وضع من أجلها المقال. يكل الجهاد إلى أمرائه وقضاته دون أن يقيدهم بالرجوع إليه؛ لأنه يكله إلى رجال تفقهوا في الدين بما سمعوا من القرآن الحكيم، وتلقوه من السنَّة المطهرة، وكانوا من مقاصد الشريعة على بصيرة، فهو على ثقة من أن أولئك الرجال سيسيرون في إمارتهم وقضائهم ونورُ علمهم وإيمانهم يسعى بين أيديهم، فإذا عرض لهم أمر لم يكن لديهم فيه كتاب أو سنة، تصرفوا فيه على

стр. 1233

مقتضى اجتهادهم، وكثيراً ما كانوا يخبرون النبي ﷺ بما اجتهدوا، فإما أن يراهم مصيبين، فيقرهم، وإما أن يراهم قد أخطؤوا، فينبههم إلى وجه خطئهم، ومن شواهد هذا: قصة خالد بن الوليد إذ بعثه النبي ﷺ إلى بني جذيمة، وجعل فريق منهم يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يفهم خالد أنهم يريدون الإِسلام، وتعجل فأذن في قتلهم، وخالفه قوم فلم يقتلوا من كان تحت أيديهم من الأسرى، حتى قدموا على رسول الله ﷺ ، وذكروا له ذلك، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد - مرتين" (١). ويدلنا على أنهم كانوا إذا أشكل عليهم أمر، وكان في إمكانهم تأخير الفصل فيه إلى استرشاد النبي ﷺ ، فعلوا: قصة الصحابة الذي رقوا بسورة الفاتحة سيد حي من أحياء العرب، فشفي، فأتاهم أهل الحي بقطيع من الشاء جُعلًا على الرقية، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فلما عادوا، سألوه، فأذن لهم في أخذها (٢). وكان ﷺ يزود الأمراء أو الوفود بوصايا فقهية، ويوجه إليهم بكتب تشتمل على أحكام شرعية؛ كالكتاب الذي أرسله إلى أمراء اليمن، وهو كتاب يشتمل على أحكام في الزكاة والديات والطلاق والعتاق، وغير ذلك (٣). قال كاتب المقال: "وكان يسارع أحياناً إلى الجواب عما يسأل عنه من غير أن ينتظر الوحي، وأحيانا ينتظر أمر الله، ويقول: لم ينزل علي فيه شيء؛ كما في حادثه المرأة التي جادلت زوجها، وكما في حادثة الرجل الذي قذف

стр. 1234

زوجته، فقد نزل القرآن بتشريع كفارة الظهار، وشهادات اللعان. جاء الكاتب بهذا التقسيم وهو يتحدث عن اجتهاد النبي ﷺ ، وإنما يريد: أن ما أجاب عنه بسرعة يكون صادراً عن اجتهاد، والصواب أن فتاوى النبي ﷺ تروى لنا دون أن ينقل عنه أو عن الصحابي الراوي للفتوى أنها صدرت عن اجتهاد، أو عن وحي، وقد ثبت بالدليل القاطع أنه ﷺ كان يوحى إليه، ولم يقم دليل قاطع على أنه كان يجتهد في تقرير الأحكام الشرعية من نحو الإيجاب والتحليل والتحريم، وشاهد هذا: أن الوحي مجمع عليه، لا ينكره إلا جاحد بآيات الله، وأما اجتهاده ﵊ في تقرير حكم شرعي على النحو الذي وصفنا، فموضع اختلاف بين كبار أهل العلم، وثبت بالبحث أن الأحكام التي وقع في أذهان بعض العلماء أنها صدرت عن اجتهاد ليست بكثير، فإذا أجاب النبي ﷺ -عليه الصلاة السلام - سائلًا عن حكم شرعي، حُمل على أنه كان عن وحي، حتى يقوم الدليل على أنه كان عن اجتهاد. وسرعة الجواب ليست بدليل على أن الفتوى صادرة عن اجتهاد، فقد يسأل ﵊ عن أمر كان قد أبلغه من قبل؛ كما نزلت الصلوات الخمس بمكة مبينة، ثم سأل سائل بالمدينة عن أوقاتها وأوائلها وأواخرها، فأجابه عن ذلك بطريق عملي. وقد يستند في إفتائه إلى النصوص العامة؛ كما سئل عن قتل شخص يتشبه بالنساء، فقال: "إني نهيت عن قتل المصلين"، والاستدلال بالعام على بعض الحوادث من قبيل تطبيق النصوص الشرعية، وليس من الاجتهاد في شيء. ثم إن للوحي طرقاً، منها: أن يقذف الملَك في روعه ما أراد الله إيحاءه إليه، ولا يستطيع الكاتب أن يقدر المدة التي ينزل فيها الوحي، ويبين لنا كيف

стр. 1235

تكون أطول من مدة النظر في تحصيل حكم شرعي بطريق الاجتهاد، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": "ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع، فقد وَهِم". وكيف تدل سرعة الجواب على أن الفتوى صادرة عن اجتهاد، ونحن نجده ﵊ يجيب عقب السؤال في كثير من المسائل التي شأنها أن تكون عن وحي؛ كالمسائل المتعلقة بأحوال يوم القيامة، أو المقام في الدار الآخرة، وهذه جزئيات لا يجد المجتهدون طريقاً من الطرق التي يألفها الناس موصلاً إليها. قال كاتب المقال: "ولعل الأمر فيما ينزل به الوحي، وفيما لا ينزل، وفيما يجتهد فيه الرسول، وفيما لا يجتهد، راجع إلى الفصل بين الشؤون التي تتعلّق بأساس الدعوة، أو بالجانب الخلقي، أو بالعبادة، وبين ما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأزمنة والأشخاص". ذكر الكاتب فيما سلف أن هناك أموراً ينزل فيها الوحي، وأمورا يجتهد فيها النبي ﷺ ، وقصد في هذه الجمل أن يضع ضابطًا للأمور التي ينزل فيها الوحي، ولا يجتهد فيها النبي ﷺ ، والأمور التي يجتهد فيها، ولا ينزل فيها الوحي، فادعى أن ما ينزل فيه الوحي، ولا يجتهد فيه النبي ﷺ : الشؤون المتعلقة بأساس الدعوة، أو بالجانب الخلقي، أو بالعبادة، وما يجتهد فيه الرسول - صلوات الله عليه - ولا ينزل فيه الوحي: ما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأزمنة والأشخاص. أما أن الوحي لا ينزل إلا في أساس الدعوة، والجانب الخلقي، والعبادات، فقد قال الكاتب في صدر مقاله: "فلما تمت الهجرة، دخلت الدعوة في عهد

стр. 1236

جديد تكونت به للمسلمين وحدة اقتضت معاملات ونظماً اجتماعية تمتاز بها عن سائر الجماعات، ومنذ ذلك الحين اتجه الوحي إلى جهة أخرى تسير مع مقتضيات الحالة الجديدة، وتلبي مطالب هذه الأمة الناشئة"، وكنا فهمنا من تلك العبارة: أن الكاتب معترف بأن الوحي ينزل في غير أساس الدعوة، والجانب الخلقي والعبادات. أفلا تشعر أيها القارئ بأن ما قاله هنا ينافر ما قاله في صدر المقال، ولا يلتئم به؟ فالأمر إما أن يكون في المقال عبارات لا يأخذ بعضها برقاب بعض، وإما أن يكون فيه رجوع عن رأي برأي. أشار الكاتب هنا إلى أن الوحي لا ينزل فيما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأحوال، ووضْعه لهذا القسم في مقابلة أساس الدعوة والجانب الخلقي والعبادات، ظاهر في أنه أراد منه: المعاملات، وشؤون الاجتماع، ولا ندري ماذا يصنع الكاتب في آيات كثيرة نزلت في المعاملات والجنايات؛ كالرهن، وتحريم الربا، وجلد الزاني والقاذف، وقطع يد السارق، وثبوت الحق بشهادة رجلين، أو رجل وامراتين، ويضاف إلى هذا أحاديث كثيرة وردت في المعاملات وشؤون الاجتماع، وليس في الرواية, "ولا ما يحيط بها ما يدل على أنها صادرة عن اجتهاد. وأشار الكاتب هنا أيضاً إلى أن النبي ﷺ لا يجتهد إلا فيما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأحوال، ولا يجتهد فيما يرجع إلى أساس الدعوة والجانب الخلقي والعبادات، وقد نسي الكاتب أنه أورد أحاديث في العبادات مستشهدًا بها على اجتهاد النبي ﷺ ؛ مثل: إفتاء المرأة في الحج لأبيها، وإفتائه السائل عن قُبلة الصائم، وإفتائه السائل عن أجر من باشر امرأته.

стр. 1237

خص كاتب المقال في الجمل السابقة اجتهاد النبي ﷺ بما تختلف فيه المصلحة باختلاف الأحوال، وخص الوحي بالشؤون المتعلقة بأساس الدعوة والجانب الخلقي والعبادة، ثم قال: "وقد حدد الفقهاء مواضع الاجتهاد، ومواضع النص". إيراد الكاتب لهذه الجملة عقب ذكره لما ينزل به الوحي وما لا ينزل، وما يجتهد فيه النبي -صلوات الله عليه -، وما لا يجتهد، ظاهر في أنه يريد من النص: الوحي، ومعنى هذا: أن الفقهاء حددوا مواضع الوحي، ومواضع الاجتهاد. وهل حدد الفقهاء مواضع الوحي؟ ليس من المعقول أن يحدد الفقهاء وهم يبحثون عن الأحكام الشرعية مواضع الوحي، فهم لا يختلفون في أن الوحي يرد في العقائد، والجانب الخلقي، والعبادات، وفي كل ناحية من نواحي الحياة. وهل حدد الفقهاء مواضع الاجتهاد؟ لا نعرف للاجتهاد في الأحكام الشرعية مواضع محددة سوى ما يذكره علماء الأصول في كتاب القياس من نحو قولهم: إن القياس لا يجري في الأسباب والحدود والكفارات والرخص، على اختلاف بينهم فيما كان من هذا القبيل. وكيفما كان تحديدهم لمواضع الاجتهاد، فإنه لا يجدي الكاتب في هذا المقام نفعاً؛ لأن الذي يهمه أن تكون مواضع الوحي محدودة حتى يمكنه متى وجد حديثاً شرعياً أن يقول: هذا صادر عن اجتهاد؛ لأنه خارج عن المواضع المحدودة للوحي.

стр. 1238

* شخصياته الأربع: قال كاتب المقال: "نستطيع بعد هذا أن نستخلص للنبي ﷺ شخصيات متعددة: شخصية الرسول، وشخصية الإمام العام، وشخصية المفتي، وشخصية القاضي". قال شهاب الدين القرافي في كتاب "الفروق"، وكتاب "الأحكام" في الفرق بين الفتاوى والأحكام: إن النبي ﷺ يتصرف بالتبليغ، وبالفتوى، وبالقضاء، وبالإمامة، وفرق بين الأربعة في التعريف، فقال: الرسالة: أن يوصل إلى الناس ما أمره الله تعالى بإبلاغه، والفتوى: إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تعالى، فهو كالمترجم عن الله ، والقضاء: إلزام من قبله ﷺ بحسب ما نتج من الأسباب والحجاج، والإمامة: ولاية أمر السياسة العامة في الناس، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد. وحقق العلامة ابن الشاط في "حواشيه على الفروق" هذا التقسيم، فقال: إن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه، وإما أن يكون تصرفه بتنفيذه، فان تصرف فيه بتعريفه، فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى، وتصرفه هو الرسالة، وإلا، فهو المفتي، وتصرفه هو الفتوى، وإن كان تصرفه فيه بتنفيذه، فإما أن يكون تنفيذه ذلك بفصل وقضاء، فهو القاضي، وتصرفه هو القضاء، وإن لم يكن بفصل وقضاء، فهو الإمام، وتصرفه الإمامة. وسترى فيما يأتي الفرق بين قصد الكاتب ووجهته من ذكر هذا التقسيم، وقصد هؤلاء العلماء ووجهتهم.

стр. 1239

* رسالته: قال كاتب المقال: "فهو بشخصية الرسول مبلغ عن الله، لا يخرج فيما أوحى إليه عن حدود ما أمر به، أو نهى عنه، والمسلمون مكلفون به كما تلقوه عنه في عمومه أو خصوصه، وفي دوامه أو توقيته، وهذا يغلب فيما هو من العقائد وأصول الأخلاق والعبادات، ولا يعد النبي ﷺ بذلك فقيهاً، وإنما هو أعلى شأناً، وأجل مكانة من الفقيه". ذهب الكاتب في الجمل السابقة إلى أن ما ينزل به الوحي، ولا يجتهد فيه النبي ﷺ راجع إلى الشؤون التي تتعلّق بأساس الدعوة، أو الجانب الخلقي، أو العبادة، وعاد هنا فجعل ما ينزل به الوحى يغلب فيما هو من العقائد، وأصول الأخلاق، والعبادات، فهل يعد مثل هذا تخاذلاً في الإنشاء، أو هو رجوع عن رأي برأي؟ يقول كاتب المقال: إنه ﵊ بشخصيته مبلغاً أعلى شأنًا، وأجل مكانة من الفقيه، ونحن نرى اجتهاده ﵊ في استنباط حكم شرعي متى وقع، فإنما هو مستمد من نصوص الوحي أو أصوله، فهو ﵊ لم ينزل عند اجتهاده عن مرتبة التبليغ، ومن هنا نقول كما قال أهل العلم من قبلنا: إن أوامره تتبع على الوجه الذي وردت فيه من وجوب أو ندب، لا فرق بين ما يكون صادراً عن وحي، وما يكون صادراً عن اجتهاد. * إمامته: قال صاحب المقال: "وهو بشخصيته الإمام الأعظم رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم، يعمل على تركيز أمته، وطبعها بطابع تتميز به عن سائر

стр. 1240

الأمم. ويلحق بذلك كل ما ورد عنه مما يتعلق باللباس والأزياء، والتشبه بقوم، ومخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وما إلى ذلك مما لا يمس ناحية من العقيدة، ولا يعقل فيه معنى التعبد، وإنما هو في الشؤون الاجتماعية البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال، وينزع إليها الزعماء والقادة في القديم والحديث، والأمر فيها راجع إلى ما تراه الأمم، وتقدر فيه قوميتها ومصلحتها وسيادتها". إمامة النبي ﷺ تقررت بالوحي، فالوحي هو الذي أنشاها، واستمر يمدها بأوامر ونواه حتى قامت على قدم راسخ، وأصبحت المثل الأكمل الذي أقامه الله للأئمة من بعده، وأمرهم بأن يكونوا على آثاره مقتدين. وكان الوحي ينزل في كثير من التصرفات العائدة إلى الإمامة؛ كإعداد القوة، وإعلان الحرب، والدعوة إلى الخروج إليها، والإذن في التخلف عنها، وأخذ البيعة على المناصرة فيها، والأخذ فيها بالحذر والحزم، والزجر عن الفرار من مواقعها، ومعاملة الأسرى، وإعطاء الأمان للمحاربين، وتقرير السلم، وعقد المعاهدات، وقسمة الغنائم، وضرب الجزية، وعقاب الذين يقطعون السبيل وشمعون في الأرض فساداً، والأخذ بالشورى. فإمامة النبي ﷺ وليدة الوحي، وهي - وإن كانت تصرفاً "في الشؤون الاجتماعية التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال"- قد رسم لها الشارع محجة غير الطرق التي تمشي فيها أمم لا دينية، فيعترضها من الأشواك والعثرات ما يعوقها عن إدارك الغاية المنشودة من الأمن وسعادة الحياة. فإمامة النبي ﷺ خلافة عن الله فيما اختاره لسياسة الأمم، ومن هنا كان جزاء الذين يخرجون عليها عذاب الهون في الدار الآخرة، ولولا أنهم خرجوا

стр. 1241

على سياسة رسم الوحي دائرتها، وفرض على الناس طاعتها، ما كان جزاء من يخالفها إلا جزاء من يخالف سلطانًا تقوم سياسته على آراء لا تتصل بالوحي في أصل ولا فرع، وهو عقوبة السلطان، أما عقوبة الله، فإنما يستحقها من كان لله عليه حجة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُول﴾ [الإسراء: ١٥]. وسمَّى كاتب المقال النبي ﷺ في هذه الجمل: رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم؛ ليقرر في نفس القارئ أن ما يصدر عنه بصفة الإمامة لا علاقة له بالرسالة، وإنما هو بمنزلة ما يصدر عن غيره من الزعماء والقادة في القديم والحديث. وقال كاتب المقال في هذه الجمل: "يعمل على تركيز أمته، وطبعها بطابع تتميز به عن سائر الأمم"، وهذا كلام صحيح متى فهمنا أن أمته كل من دخلوا في دينه من العرب والعجم، وأن ما يقوله لتركيزها وطبعها بطابع تتميز به عن غيرها من الأمم، لا يختص بخطابه قوم دون قوم، ولا عنصر دون عنصر، ذلك أن ما يقوله في هذا الصدد إما أن يكون عن وحي، وإما أن يكون عن اجتهاد يتصل بالوحي. وقال الكاتب في هذه الجمل: "ويلحق بذلك كل ما ورد عنه مما يتعلق باللباس والأزياء والتشبه بقوم، ومخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين". ترك الشارع أمر اللباس إلى العادات، ولكن التشريع دخل في اللباس من بعض الجهات؛ كان يكون طاهرًا نظيفاً ساترًا لما يجب أو يحسن ستره، ولا أظن أحداً يستطيع أن يقول: إن نهي النبي ﷺ عن لبس الحرير والذهب إنما هو من قبيل ما يصدر عنه بصفته رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم، فقد

стр. 1242

قال ﵊: "حُرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي"، ولا شبهة في أن الذي حرم لباسهما هو الله تعالى، وقال: "ومن لبس الحرير، في الدنيا، فلن يلبسه في الآخرة"، وإن لم يكن مثل هذا الحديث وحياً، فمن أين علم النبي ﷺ أن من لبس الحرير في الدنيا لا يلبسه في الآخرة؟ يقول كاتب المقال في هذه الجمل: "إن كل ما ورد عنه مما يتعلق بالتشبه بقوم، ومخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين، صادر عنه ﷺ بصفته رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم". ونقول: وردت أحاديث في النهي عن التشبه بالمخالفين، ويلغت هذه الأحاديث أن تقررت بها قاعدة يرجع إليها الفقهاء في بعض ما يتجدد من الحوادت العائدة إلى هذا القبيل. وكل أحد يتفقه في هذه الأحاديث، ويبحث عن أسرارها، يرى رأي الحق: أن شريعة الإِسلام تكره للمسلمين أن يتشبهوا بغيرهم من أهل الملل والمذاهب الأخرى، ولا يرتاب في أن النهي عن هذا التشبه داخل في دائرة أحكامها. والأحاديث الواردة في كراهة التشبه بالمخالفين نوعان: أولهما: أحاديث وردت في النهي عن أشياء تشتمل على وجوه من الفساد، ويقول فيها ﵊: هذا من فعل المشركين، أو اليهود - مثلاً -, أو يقول فيها: وخالفوا اليهود أو المجوس. فالمقتضي الأول للنهي عنها: هو ما في الفعل من مفسدة، والإخبار بأنها من أفعال أهل ملة باطلة يراد منه: زيادة التنفير منه، وتكيد كراهة الشارع له، ومثال هذا: قوله ﵊: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى

стр. 1243

الجاهلية"، فالنياحة والندبة عند المصيبة هي المعبر عنها بدعوى الجاهلية. والنياحة والندبة ينهى عنها ولو لم تكن من شأن الجاهلية، ولكن النبي ﷺ أضافها إلى الجاهلية؛ لزيادة التنفير منها, حيث إن المتقين يتحامون أن يتشبهوا بالضالين والمبتدعين، وقد ورد هذا النوع في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ثانيهما: أحاديث وردت في النهي عن التشبه بالمشركين، أو غيرهم من أهل الملل الباطلة في أشياء لا يظهر فيها وجه مفسدة، ولا وجه مصلحة، فيكون المقتضي للنهي هو مجرد التشبه، ويساق مثلاً لهذا حديث: كان رسول الله ﷺ -إذا أَتبع جنازة، لم يقعد حتى توضع في اللحد، فتعرض له حبر (١)، فقال: هكذا نصنع يا محمد، فجلس رسول الله ﷺ وقال: "خالفوهم (٢) ". ومن حقق النظر فيما يترتب على نفس التشبه بالمخالفين من آثار، ودخل إلى هذا التحقيق من باب دراسة علم النفس، أدرك وهو على بصيرة أن النهي عنه يقوم على مراعاة مفاسد هي من نوع المفاسد التي تشتد عناية الشارع بإزالتها، ومن ذا الذي يرى شخصا يترك زياً من أزياء إخوانه المسلمين، ويتزيا بزي يهودي أو نصراني، ولا يتبادر إلى ذهنه أنه ضعيف الإيمان, أو منحل العقيدة؟! يقول كاتب المقال في هذه الجمل: "وما إلى ذلك مما لا يمس ناحية العقيدة، ولا يعقل فيه معنى التعبد، وإنما هو في الشؤون الاجتماعية البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور ... إلخ".

стр. 1244

إذا ورد عن النبي ﷺ حديث يتضمن أمراً أو نهياً، حُمل أمره أو نهيه على أنه شريعة، سواء أكان الأمر أو النهي فيما يعقل فيه معنى التعبد، أم كان في الشؤون الاجتماعية، فإذا ورد حديث يتضمن النهي عن لباس أو زي، أو يتضمن النهي عن التشبه بقوم في زي أو عادة، إلى غير هذا من الشؤون الاجتماعية، عد هذا الأمر أو النهي في الأحكام الشرعية، ولا نبحث عن مصدر هذا الحكم: أهو الوحي، أم الاجتهاد؟. وتصرف النبي ﷺ بصفة الإمامة لا يخرج عن أنه تصرف يرتبط بالشريعة، فإنه تصرف في شؤون أذن له الشارع في التصرف فيها على حسب المصلحة، فتصرفه مستند إلى إذن من الشارع، ومقيد بالمصلحة الملائمة لمقاصد الشارع في الإصلاح، وهو بعد هذا تحت رعاية منزل الوحي، فإن جاء التصرف على الوجه الأولى، أقره، وإن جاء على غير الوجه الأولى، نبهه لما هو الأولى. أما تصرفات الزعماء والقادة في الشؤون الاجتماعية، فإنما تستند إلى آراء بشرية بحتة، وكثيراً ما تخطئ في تقدير المصلحة، ويبقى خطؤها بلاء على الناس إلى أمد بعيد، فما كان لنا أن نسمي إمامة رسول الله ﷺ زعامة، ونلحقها بقبيل زعامات لا تستضيء بحكمة الله، ولا تبالي في سياستها أن تقع فيما لا يوافق هداه. * تصرفه بالفتوى: قال كاتب المقال: "وهو بشخصية المفتي إما مجيب بلسان الوحي، فليس له اجتهاد في ذلك إلا في تطبيق النصوص على جزئيات الحوادث، وإما فقيه يجتهد ويقدر ويلاحظ أحوال السائلين، فيجيبهم بما يراه، كما يفعل سائر المجتهدين، وبالطرق التي يأتيها الناس في استنباط المجهولات، وقد علم له

стр. 1245

من هذا النوع كثير". سبق لكاتب المقال أن قال في حديثه عن اجتهاد النبي ﷺ : وكان يسارع أحياناً إلى الجواب عما يسأل عنه، وأحياناً ينتظر الوحي. وكان قصده هنالك: أن الفتاوى التي تصدر عن سرعة هي من قبيل الاجتهاد، فيكون مراده من تقسيم الفتاوى هنا إلى: ما يجيب عنه بلسان الوحي، وما يجيب عنه باجتهاد: أن ما يجيب عنه بلسان الوحي: ما كان ينتظر فيه الوحي، وما يجيب عنه باجتهاد: ما يجيب عنه بسرعة، وقد نبهنا فيما سبق لعدم دلالة السرعة في الجواب على أن الفتوى كانت عن اجتهاد. وقد علم له ﵊ من نوع الفتاوى في الأحكام الشرعية كثيرة، ولكنا لا نستطيع أن نضع أيدينا على فتوى في حكم شرعي، ونقول ونحن على حجة: هذه فتوى أجاب فيها بما يراه كما يفعل سائر المجتهدين. * تصرفه بالقضاء: قال كاتب المقال: "وهو بشخصية القاضي حكم بين المتخاصمين، يسمع دعاواهم، ويتعرف الحق بما يسمع من شهادة الشهود، وما يرى من وجوه التثبت، ويقدر ظروف القضية وأحوال المتقاضين؛ كما يفعل سائر القضاء، وأحكامه في هذه الدائرة لا عموم لها في الأشخاص ولا في الأحوال، كما يقول علماء الأصول، فليس لها صفة التشريع العام". يتوجه النظر في القضاء إلى ناحيتين: أولاهما: الوسائل التي تتقدم الحكم؛ من نحو: البينات، والأيمان، وتزكية الشهود، والطعن في البينات، وضرب الآجال والأعذار، وبعث الحكمين.

стр. 1246

ثانيتهما: الأحكام التي يرجع إليها القاضي في الفصل بين المتخاصمين؛ كاستحقاق الشريك للشفعة، والأم للحضانة، ووجوب نفقة الرجل على أبيه، وبطلان بيع ما فيه غرر، ونكاح الشغار، وصحة البيع بمعاطاة، والنكاح على أن يكون الصداق منافع. أما وسائل الحكم، فمنها ما قرره القرآن الكريم؛ كقبول شهادة عدلين، أو رجل وامرأتين، وعدم قبول الشهادة على الزنا متى كان الشهود أدنى من أربعة، ومنها ما قررته السنة؛ كمطالبة المدعي بالبينة، والمدعى عليه باليمين متى أنكر، وقبول شهادة عدل مع اليمين. وما ثبت بالقرآن أو السنة من أمثال هذه المقدمات التي ينبني عليها القضاء يعد شرعاً دائماً لا يسوغ لأحد من القضاة إهماله إلا إذا فقد الوصف الذي راعاه الشارع عند تقرير الحكم. وأما الأحكام التي يأخذ بها النبي ﷺ في قضائه، فإما مقررة بالقرآن الكريم؛ كجملة من أحكام النكاح والطلاق، والنفقات والوصية والمواريث، أو أحكام الجنايات؛ كحد السارق والقاذف والزاني والقاتل، وأحكام المعاملات؛ كالرهن وإنظار المعسر ورد الربا، وإما مقرر بالسَّنة، وأمثلة هذه الأحكام غير المنصوص عليها في القرآن مبثوثة في كتب السنة. فالأحكام التي يفصل بها النبي ﷺ بين الخصوم، لا بد أن تكون متلقاة من الشارع، إما على طريق النص بوجه خاص أو عام، وإما على طريق الاجتهاد المستمد من الوحي. فإذا قضى النبي ﷺ في نازلة، فالحكم الذي يفصل به القضية شريعة دائمة، إلا أن يكون مربوطاً بسبب أو صفة، فإذا زال السبب، أو فقلت الصفة،

стр. 1247

صح للمجتهد أن يرجع بالواقعة المتجددة إلى نصوص أو أصول أخرى، ويقرر لها حكماً يلائم مقاصد الشارع في الإصلاح. فالقاضي يسمع الدعاوى، ويسمع شهادة الشهود، ويتثبت في الدعاوى والشهادات، ويقدر ظروف القضية وأحوال المتقاضين، وله عمل آخر بعد هذا هو تطبيق الحكم الذي قرره الشارع لأمثال هذه القضية، فإذا رفعت إليه قضية ادعى فيها أحد على آخر أنه باع له ثمراً قبل بدو صلاحه، أو باع له ما ليس عنده، سمع القاضي الدعوى، وسمع شهادة الشهود بأنه باع له ثمراً لم يبد صلاحه، أو باع له شيئاً لا يملكه، وتثبت في الدعوى والشهادة، فكان كل منهما مستوفيا لما يشترطه القضاء، ونظر إلى ظروف القضية، وأحوال المتقاضين ما شاء أن ينظر، ولكن هذا كله لا يكفيه في إصدار حكم عادل إلا بعد أن يرجع إلى حكم الشريعة في مثل هذا البيع من صحة أو بطلان، ولا يكون قاضياً عادلاً في نظر الإِسلام إلا أن يجري في فصل القضية على هذا الحكم. أما المسألة الأصولية التي أشار إليها الكاتب مستشهداً بها على أن أحكامه ﵊ في دائرة القضاء غير عامة، فقد سيقت على وجه غير الوجه الذي ينبغي أن تساق عليه. ذلك أن الأصوليين لا يختلفون في أن أحكامه ﵊ ولو كانت على أشخاص معينين، هي عامة؛ أي: يجب اتباعها في كل قضية تشابه القضية التي قضى فيها ﵊, وإنما الخلاف في طريق عمومها، فقال بعضهم: هي عامة بالصيغة التي صدرت منه ﷺ ، وهذا القول معدود في الأقوال الضعيفة بينهم. وقال آخرون: هي عامة بمعناها لا بصيغتها؛ أي: إن حكمه - صلوات الله عليه - في قضية يكون شرعاً متبعاً في كل قضية

стр. 1248

من صنف القضية التي حكم فيها، فلو رفع إليه شريك قضية طالباً الشفعة، فقضى له بها، علمنا أن كل شريك مستحق للشفعة، فمن لم يحكم من القضاة للشريك بالشفعة، كان حاكمًا بغير شريعة الإِسلام، فهؤلاء ينكرون أن يكون الحكم عاماً بالصيغة، ويقولون: إن قضايا الأعيان لا عموم لها في الأشخاص، ولكنهم يتمسكون بأن الحكم عام من جهة ارتباطه بسبب أو وصف، فمتى وجد الوصف أو السبب في أي شخص، أو في أي وقت، لزم الحكم لا محالة. وهذا الذي قرره الراسخون في علم الشريعة يجري في الفتاوى والأقضية على سواء، وإن شئت أن نعرض عليك نصوصاً لبعض هؤلاء المحققين صاغوها في هذا البحث، فإليك بعض نصوصهم: قال إمام الحرمين في كتاب "البرهان": "إذا خصَّ رسول الله ﷺ واحداً من أمته بخطاب، فهذا مما عده الأصوليون من مسائل الخلاف"، وبعد أن حكى الخلاف قال: "والقول هذا عندي مردود إلى كلام وجيز، فإن وقع النظر في مقتضى اللفظ، فلا شك أنه للتخصيص، وإن وقع فيما استمر الشرع عليه، فلا شك أن خطاب رسول الله ﷺ وإن كان مختصاً بآحاد الأمة، فإن الكافة يلزمون في مقتضاه ما يلتزمه المخاطب، وكذلك القول فيما خص به أهل عصره، وكون الناس شَرْعا في الشرع، استبانة ذلك من عهد الصحابة ومن بعدهم، لا شك فيه، وكون مقتضى اللفظ مختصًا بالمخاطب من جهة اللسان لا شك فيه، فلا معنى لعد هذه المسألة من المختلفات، والشقان جميعاً متفق عليهما". فانظر كيف جعل الحكم الشرعي الذي يتضمنه خطابه ﷺ لواحد حكماً عاماً باتفاق.

стр. 1249

وقال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى: أنه لا يختص بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة". وأخذ في الاستدلال على عموم الشريعة حتى قال: "الثالث: إجماع العلماء المتقدمين على ذلك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولذلك صَيَّروا أفعال رسول الله ﷺ حجة للجميع في أمثالها، وحاولوا فيما وقع من الأحكام على قضايا معينة، وليس لها صيغ عامة، أن تجري على العموم، إما بالقياس، أو بالرد إلى الصيغة، أو تجري على العموم المعنوي، أو غير ذلك من المحاولات؛ بحيث لا يكون الحكم على الخصوص في النازلة الأولى مختصًا بها، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقرر الحكم في مخصوص، ليكون عاماً في الناس، وتقرير حجة الإجماع لا يحتاج إلى مزيد؛ لوضوحه عند من زاول أحكام الشريعة". فحمل الأحكام في الأحاديث الواردة في قضايا معينة على العموم هو الحق لا شبهة فيه، وهو العقيدة المعروفة عند أهل العلم، حتى من ينكرون القياس منهم، ويبالغون في إنكاره من أهل الظاهر، وهذا ابن حزم، وهو من أشد خصوم القائلين بالقياس، يقول بعموم الحكم في قضايا الأعيان، وإليك بعض ما يقول في كتاب "الأحكام": "فإن اعترضوا (أي: أصحاب القياس) بأحاديث وردت في أناس بأعيانهم، فليس ذلك مما ظنوا، ولكن جميع تلك الأحاديث فيها أحكام وأصول توجب الأخذ بذلك الحكم في أنواع تلك الأحوال اتباعاً للفظ الحكم

стр. 1250

المعلق على المعنى المحكوم فيه". ثم قال: "وقد بينا أن رسول الله ﷺ لم يبعث ليحكم على أهل عصره فقط، لكن على كل من يأتي إلى يوم القيامة". ثم قال: "كل خطاب منه ﷺ لواحد فيما يفتيه فيه، ويعلمه إياه، هو خطاب لجميع الأمة إلى يوم القيامة، وتعليم منه ﵊ لكل من يأتي إلى انقضاء الدنيا". ثم قال: "ومما يبين قولنا قوله ﷺ لأبي بردة في الأضحية بعنَاق جذعة: "تجزئك، ولا تجزئ أحداً بعدك"، فبين ﷺ أن هذا الحكم خصوصي لأبي بردة، ولو كان فتياه لواحد لا يكون فتيا في نوع تلك الحال، لما احتاج ﵊ إلى بيان تخصيصه، ومثله قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ولا فرق في عموم أحكامه ﵊ بين أن يقول الراوي: قضى لفلان على فلان بكذا، وأن يأتي بصيغة عموم نحو: "قضى رسول الله ﷺ ألا يقتل الوالد بولده (١) "، و"قضى أن الحامل إذا قتلت عمداً، لم تقتل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها"، و"قضى باليمين مع الشاهد". هذا ما يقرره علماء الإِسلام في قضايا الأعيان من أنها عامة بحكمها، وأدلتهم في هذا قاطعة، ومما يعززها قوله ﷺ : "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة، إلا قولي لمئة امرأة"، وهذا من الأحاديث التي ألزم

стр. 1251

الدارقطني الشيخين بإخراجها؛ لثبوته على شرطهما. وإذا قالوا: إن الحكم في الواقعة جزئي لا يتعدى إلى أمثالها من الوقائع، فللمجتهد أن ينظر في واقعة صدر فيها حكم مجتهد من قبل، فإنما يريدون: حكم من قد يخطئون، ولا ينبهون من قبل الشارع لخطئهم، أما إذا حكم رسول الله ﷺ في واقعة، فليس لمجتهد بعده أن يعيد النظر في أمثالها إلا من جهة التحقق من الأسباب والشروط التي وقع عليها قضاؤه، وهذا أمر جرى عليه علماء الإِسلام باتفاق، ودليله واضح لا تحوم عليه شبهة، قال ابن حزم في كتاب "الأحكام": "اتفق العلماء على أن القرآن، وما حكم به رسول الله ﷺ ، أو قاله، أو فعله، أو أقره وقد علمه- مواضع لوجود أحكام النوازل". * ماذا يترتب على الشخصيات الأربع ؟ قال كاتب المقال: "هذه شخصيات أربع صارت إليه ﷺ وأثراً من آثار تلك الهجرة الميمونة، وإنا لنلمح هذه الشخصيات في جميع ما أثر عنه، ودوِّن في الكتب، ومنه ما تظهر الشخصية التي صدر عنها دون أن يخالف فيه أحد، ومنه ما تخفى شخصيته خفاء تتفاوت الأنظار، وتختلف الآراء في تقديره". ذكرنا سابقاً أن بعض الأصوليين نبهوا لهذه الجهات الأربع في تصرفه ﵊ ونذكر هنا: أنهم أشاروا إلى أن من تصرفاته ﵊ ما اتفق العلماء على الجهة التي يرجع إليها من الإمامة أو الفتوى أو القضاء، ومنه ما اختلفت فيه الآراء والأنظار. قال الشهاب القرافي: "إن تصرفه ﵊ ينقسم أربعة أقسام: قسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالإمامة؛ كالإقطاع، وإقامة الحدود،

стр. 1252

وإرسال الجيوش، ونحوها. وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء؛ كإلزام أداء الدين، وتسليم الودائع، وفسخ الأنكحة، ونحو ذلك. وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالفتيا, كإبلاغ الصلاة وإقامتها، وإقامة المناسك، ونحوها. وقسم وقع منه ﵊ متردداً بين هذه الأقسام، فاختلف العلماء فيه على أنحاء". وذكر لهذا القسم المختلف فيه أمثلة، منها: قوله ﵊: "من أحيا أرضًا ميتة، فهي له"، وقوله: "من قتل قتيلاً، فله سلبه". فقول الكاتب: ومنه ما تظهر الشخصية التي صدر عنها ... إلخ يشابه هذا التقسيم الذي نقلناه عن القرافي، غير أن القرافي يجعل الفتوى والتبليغ - من جهة ما يترتب عليهما من الآثار - متساويين، ولهذا نراه عندما جعل الأقسام أربعة، اكتفى بذكر الفتوى عن التبليغ، وقد قال في أثناء بحث هذا التقسيم: "وأما تصرفه ﵊ بالفتوى أو الرسالة والتبليغ، فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين". قال كاتب المقال: "ولو أننا تتبعنا المروي عن رسول الله ﷺ ، وأعطيناه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، ولم نخلط بعضه ببعض، ورتبنا على كل منها آثاره، وأعطيناه حقه، لسهل على المسلمين أن يتفاهموا فيما شجر بينهم من خلاف، ولتصافح المتخالفون، ولما رمى أحد سواه بالكفر والزندقة، ولعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريع خاص أو مؤقت لهم أن

стр. 1253

يتصرفوا فيه بما تقضي به المصلحة، وبما توحي به الظروف والأحوال". يريد الكاتب أن يضع في ذهن القارئ أن علماء الإِسلام لم يتتبعوا المروي عن رسول الله ﷺ ، ولم يعطوه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، وخلطوا بعضه ببعض، فنقول له: قد قلت في صدر مقالك تذكر عناية المسلمين بأقوال النبي ﷺ وأفعاله وتصرفاته: "دونوها، وشرحوها، وضبطوا ألفاظها، وألفوا المعاجم في شرح غريبها، واهتموا بتفهم أسرارها، وتبين أغراضها، حتى كان من آثار ذلك أن نشأت علوم خاصة تعرف بعلوم السنة". وكيف يشرحون أقواله وأفعاله وتصرفاته، ويهتمون بتفهم أسرارها وتبين أغراضها، وهم لم يعطوها نظرة فاحصة يتميز بين تلك الشخصيات، ويخلطون بعضها ببعض؟ ينسب الكاتب إلى المسلمين أنهم لم يتتبعوا المروي عن رسول الله ﷺ ولم يعطوه نظرة فاحصة ... إلخ ما قال، وكذلك قال الدكتور زكي مبارك في مقاله المشار إليه فيما سلف: "إن شخصية النبي ﷺ لم تدرس حق الدراسة إلى اليوم في البيئات الإِسلامية؛ لأن المسلمين يجعلونه رسولاً في جميع الأحوال". والحق أن علماء السلف قد تتبعوا المروي عن النبي ﷺ ، وأعطوه نظرة فاحصة، وميزوا ما كان صادراً عن تبليغ، وما كان صادراً عن فتوى، وما كان صادراً عن قضاء، وما كان صادراً عن الإمامة، ورتبوا على كل منها آثاره، غير أن آثار الإفتاء هي آثار التبليغ، فما كان صادراً عن إفتاء أو تبليغ، فهو شريعة دائمة، وينفذ على النحو الذي ورد عن رسول الله ﷺ ،

стр. 1254

سواء أكان الإفتاء عن وحي، أم عن اجتهاد. وما كان صادراً عن صفة الإمامة يصير الحق فيه إلى الإمام؛ أي: إن الله تعالى قد جعل ذلك إلى الإمام؛ ليجري فيه على ما تراءى له من المصلحة، فليس لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام؛ كإحياء الموات، وحوز القاتل سلبَ القتيل في الحرب على مذهب من يرى أن النبي ﷺ تصرف في ذلك بصفة الإمامة. وما تصرف فيه النبي ﷺ بالقضاء، فإنما هو تنفيذ لحكم شرعي على وجه الإلزام، وقالوا: ليس لأحد أن يقدم على مثل ما حكم فيه النبي ﷺ إلا بحكم حاكم، ومعنى هذا: أنه لا يجوز لأحد يدعي حقاً على شخص أن يقدم على أخذ حقه من ذلك الشخص بقوة، وإن سبق أن كان رسول الله ﷺ قد حكم بمثل ذلك الحق لمثله، يقولون هذا وهم لا يريدون أن حق المدعي لا يثبت شرعاً إلا باجتهاد يتجدد من القاضي في الواقعة التي هي من نوع ما حكم فيه النبي ﷺ ، وإنما ينحون نحواً آخر هو: أن إطلاق أيدي مدعي الحقوق ينتزعونها من أيدي المستولين عليها، يفضي إلى فتنة واختلال أمر، ويفتح للبغاة باب انتزاع الأموال من أيدي أربابها بدعوى أنها حقوق لهم. وما أدق عبارة ابن الشاط التي سقناها إليك من قبل؛ إذ جعل القضاء والإمامة من قبيل تنفيذ الحكم الشرعي، والفتوى من قبيل تعريف الحكم الشرعي. يقول الكاتب: "لو أعطينا المروي عن رسول الله ﷺ نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، لما رمى أحد سواه بالكفر والزندقة". يرى الكاتب أن عدم إعطاء المروي عن رسول الله ﷺ نظرة تتمايز بها

стр. 1255

هذه الشخصيات، هو السبب في رمي الأشخاص بالكفر والزندقة، والواقع أن الرمي بالكفر والزندقة قد ينشأ عن الضعف في العلم، وقد ينشأ عن هوى وضغن في النفس، وقد يقضي به الرسوخ في العلم، وقوة البصر بالحد الفاصل بين الإيمان والكفر، فالرمي بالكفر والزندقة قد يكون ظلماً، وقد يكون حقاً، وقد نظر العلماء فيما يسميه الكاتب: "شخصيات الرسول"، وميزوا ما كان صادراً عن كل شخصية منها، وما زال الناس يرمون الأشخاص بالكفر والزندقة، مرة بالحق، ومرة بالباطل، وإذا أراد الكاتب من إلقاء نظرة على المروي عن رسول الله ﷺ تمييزاً لتلك الشخصيات غير تمييز أهل العلم، وترتيب آثار غير الآثار التي رتبوها عليها، فما يدرينا أن باب الرمي بالكفر والزندقة سيغلق، أو سيفتح بجانبه باب آخر أو أبواب؟. وقال كاتب المقال في هذه الجمل: "لو ميزنا ما كان صادراً عن كل شخصية، لعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريع خاص أو مؤقت لهم أن يتصرفوا فيه بما تقضي به المصلحة". لعلك أيها القارئ الكريم تذكر أن الكاتب قال في حديثه عما يصدر عنه ﵊ بشخصية الرسول: "والمسلمون مكلفون به كما تلقوه عنه في عمومه أو خصوصه، وفي دوامه أو توقيته"، ولكنه هنا رتب معرفة ما هو شرع دائم عام، وما هو تشريع خاص أو مؤقت على تمييز ما كان صادراً عن كل شخصية! وظاهر من كلامه هنا أنه يريد بالشرع الدائم: ما كان صادراً عن وحي، ولهذا قال: لا سبيل إلى مخالفته، أو الخروج عنه، ويريد بما هو تشريع خاص أو مؤقت: ما كان صادراً عن الإمامة أو الفتوى أو القضاء؛ لأن

стр. 1256

التصرف بالشخصيات الثلاثة في رأيه من قبيل الاجتهاد الذي قام به بحق بشريته، وهو على ما قاله قد يجتهد، ويسكت عنه الوحي فلا يتعرض له بتصويب، ولا تخطئة، فلغيره من الناس أن يتصرفوا فيما اجتهد فيه بما تقضي به المصلحة، وبما توحي به الظروف والأحوال. والصواب ما حررناه فيما سلف من أن النبي ﷺ إذا أمر بشيء، أو نهى عن شيء، أو قال: هذا حلال، أو هذا حرام، سواء كان هذا القول صادراً على وجه التبليغ أو الفتوى أو القضاء، فهو شرع دائم عام ما دامت أسباب الحكم قائمة، وشروطه متوفرة، فإن فقد السبب أو الشرط الذي ربط به الحكم، صار مناط الحكم واقعة أخرى، فيصبح للمجتهد الراسخ في أصول الشريعة، المتفقه في مقاصدها أن يستنبط للواقعة حكماً يناسبها، وقد حدثناك عن الإمامة، وأريناك وجه ارتباطها بالشريعة، وأن التصرف بها تنفيذ للسياسة التي رسم الوحي حدودها، وأقام قواعدها. ورأى كاتب المقال في هذه الجمل أن إعطاء المروي عن رسول الله ﷺ نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، يسهل على المسلمين أن يتفاهموا فيما شجر بينهم من خلاف، ثم قال: "لو فعلنا ذلك، لما أبقينا على أسباب هذا الخلاف والتناكر بين أفراد الأمة وطوائفها، ولرجعنا إلى كلمة سواء في العبادات والمعاملات، والآداب والنظم الاجتماعية، وسائر شؤون الحياة، ولانتفع الناس بشرع الله ودينه، ولكنّا كما يريد خير أمة أخرجت للناس". ادعى الكاتب أن التمييز بين الشخصيات الأربع يقضي على أسباب

стр. 1257

الخلاف والتناكر بين أفراد الأمة وطوائفها، ويرجع بها إلى كلمة سواء في العبادات وسائر شؤون الحياة، ونحن نقول: قد فعل أهل العلم ذلك، ونظروا في المروي عن رسول الله ﷺ ، وميزوا على ضوء العلم الراسخ ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، ورتبوا على كل شخصية أثرها، ولم يقضوا بما فعلوا على أسباب الخلاف والتناكر، ولم يرجعوا إلى كلمة سواء في العبادات والمعاملات، ذلك أن أسباب الخلاف في الأصول والفروع لا تنحصر في عدم تمييز نواحي تصرفه ﵊، وقد بحث الفقهاء عن أسباب الخلاف، وكشفوا عنها الغطاء، فذكروا أشياء غير عدم تمييز ما كان صادراً عن كل شخصية من تلك الشخصيات؛ كالاشتراك الواقع في الألفاظ، واختلاف الرواية, ودعوى النسخ، وتعدد الصفات المحتملة لأن تكون علة مناسبة للحكم. ولو ذكر لنا الكاتب في صراحة وتفصيل وجوه تمييز ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، لعلنا نرى الرمي بالكفر والزندقة: كيف شمر أذياله، ولاذ بالفرار، ونرى الناس على تفاوت أنظارهم، واختلاف مذاهبهم يتصافحون، ويُجمعون في كل مسألة تعرض لهم على قول واحد. ولكن الذي فعله الكاتب هو أنه أقبل يخوض في اجتهاد النبي ﷺ ، وقال: إنه اجتهد بحق بشريته، وأخذ يقول: إنه يرجع إلى اجتهاد غيره، وإنه يرجع عن اجتهاد باجتهاد، وإن الوحي يأتي بخلاف اجتهاده، وقد يسكت فلا يعرض له بتخطئة ولا تصويب، وإنه يحكم بين الناس، وقال: "إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم، ... إلخ". جمع هذه الأشياء، وضم بعضها إلى بعض؛ ليؤكد أن النبي ﷺ كان

стр. 1258

يخطئ في الاجتهاد، ولم يقل للناس عندما تحدث عن خطأ اجتهاده: إنه لا يقر على الخطأ. وبعد أن وضع في أذهان قراء مقاله أن النبي ﵊ يخطئ في الاجتهاد، تخلص إلى أن له أربع شخصيات: الرسالة، والفتوى، والإمامة، والقضاء، وذكر أن إمامته من قبيل رياسة المسلمين، وزعامة قوميتهم، فهو يعمل من ناحية هذه الشخصية لطبع المسلمين بطابع يمتازون به على غيرهم من الأمم كما يفعل سائر الزعماء والقواد، ورأيتم كيف حاول أن يفتح في هذه الناحية بابًا لإخراج جانب كبير من أحكام الشريعة، وذكر أن القضاء وما يجيب عنه بسرعة من الفتاوى إنما هو عن اجتهاد. ثم إن الكاتب ذكر النبي ﷺ بشخصية الرسول المبلغ عن الله، وقال هنالك: إن المسلمين مكلفون بما بلغه كما تلقوه عنه في عمومه وخصومه، وفي دوامه وتوقيته، ثم ذكره بشخصية الإمام، وشخصية المفتي، وشخصية القاضي، ولم يقل كما قال في شخصية التبليغ: والمسلمون مكلفون بما صدر عنه في حال الإمامة أو الفتوى أو القضاء، بل دلّ على أن هذه الوظائف جاءت من ناحية اجتهاده الذي قام به بحق بشريته، وقد رأيتموه كيف قال عند حديثه عن اجتهاده ﵊: "كما هو الشأن في المجتهدين والحكام"، وقال عند حديثه عن إمامته: "إنما هو في الشؤون البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال، وينزع إليها الزعماء والقادة في القديم والحديث". وقال عند حديثه عن إفتائه ﵊: "كما يفعل سائر المجتهدين، وبالطرق التي يألفها الناس في استنباط المجهولات"، وقال عند حديثه عن قضائه ﵊: "كما يفعل سائر القضاة".

стр. 1259

فالمسلمون إذاً غير مكلفين بما أفتى به، أو قضى به كما تلقوه عنه، ومن هنا قال صديقه العالم في الكلمة التي صدرنا بها هذا البحث: "وخلاصة ما يرمي إليه المقال (يعني مقال الشيخ محمود شلتوت): أن الذي يعد شرعاً دائمًا هو ما يرجع إلى شخصيات الرسول من العقائد وأصول الأخلاق والعبادات، وما عدا ذلك مما يرجع إلى شخصيات الإمام، أو المفتي، أو القاضي، فليس بشرع دائم، وإنما هو شرع مؤقت يمكن أن يتأثر بالاجتهاد، وأن يترك العمل به لسبب من الأسباب". أحكام الوقائع الواردة في الكتاب والسنة دائمة ما دامت الواقعة على الوصف الذي تعلق به الحكم، أما ما لم يدل عليه لفظ قرآن أو حديث، فذلك موضع الاجتهاد، والرجوع إلى ما تقتضيه أصول الشريعة والقواعد المستمدة من نصوصها. ولم يأت صديق الشيخ شلتوت ولو بشبهة على هذا الغرض الذي كان أصْرح فيه من غيره، وهو أن الشرع الدائم ما يرجع إلى العقائد والأخلاق والعبادات، وما عدا ذلك، فإنما هو شرع مؤقت يمكن ترك العمل به لسبب من الأسباب. وما رأي صديق الشيخ في آيات القرآن المجيد التي نزلت في إقامة الحدود، وأحكام المعاملات؟ أهي من قبيل الشرع الدائم، أو من قبيل الشرع المؤقت؟ فإن قال: هي من قبيل الشرع الدائم، قلنا: لماذا لا تكون أحكام المعاملات التي تجيء في حديث رسول الله ﷺ شرعاً دائماً، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟ فإن قال: لأنه يجتهد، قلنا: قد أقمنا الدليل على أنه لا يقرر حكماً شرعياً عن اجتهاد خطأ،

стр. 1260

ويقر على هذا الخطأ. وإن قال: إن تلك الآيات من قبيل الشرع المؤقت، قلنا له: لم يقل منزل القرآن، وهو علام الغيوب، أو من وكل إليه بيان القرآن، وهو الرسول الأمين: إنها أحكام مؤقتة، وعموم الشريعة وخلودها يقتضي أنها دائمة، وعلى ذلك انعقد إجماع المسلمين بعد أن فحصوا عن أسرارها، واستبانوا حكمتها. وقد اعترف صديق الشيخ في مقاله بأن تقسيم التشريع إلى دائم ومؤقت "أمر جديد لم يظهر إلا في عصرنا"، وإذا صرفنا النظر عن الأهواء الطائشة، والأذواق السقيمة، والنفوس المتسرعة إلى التقليد في غير رشد، لم يعترضنا في التشريع الإِسلامي مشاكل، ولم تقم أمامنا عقبة كبيرة ولا صغيرة في سبيل العمل لسد حاجات المسلمين في هذا العصر، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

стр. 1261

ملاحظات على مولد النبي ﷺ - (١) نشر الأستاذ علي عبد الرازق في جريدة "الأخبار" يوم المولد الشريف مقالاً عنوانه: مولد النبي ﷺ (٢)، واطلعت على هذا المقال، ولا حظت فيه أشياء

стр. 1262

أردت أن أنبه القارئ عليها لتتم الفائدة المقصودة من المقال، واخترت أن أنقل العبارة التي أبدي عليها الملاحظة بنصها, ليشاركنا القارئ في النظر فيها، ونكون للأستاذ صاحب المقال من المنصفين. قال الأستاذ في صدر مقاله: "قد يلاحظ بعض الباحثين أن ميلاد محمد ﷺ قد تم على وفق السنن الطبيعية التي بني الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة بين جميع البشر، فلم يقترن ميلاده بالمعجزات الصادعة التي اقترن بها ميلاد عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى وعيسى ﵈". أراد الأستاذ من بعض الملاحظين: نفسَه؛ فإنه حكم في هذه الدعوى الخطيرة في أسلوب جديد, ليقبل الناس على سماعها، وإن لم يعقبها بدليل معقول. حُفّ ﷺ في مولده إلى بعثته بألطاف إلهية، وهذا المظهر المشمول بالعناية كافِ في سماع دعوى الرسالة. على أن المحئثين رووا أحاديث منها ما هو صحيح فيما وقع قبل الرسالة من إرهاصات، وإذا لم تتواتر، فلعدم الحاجة الملحة إلى روايتها بالتواتر. فالمدار على أن يكون دليل صدق الرسالة قاطعا، وهو المعجزة المقارنة للدعوى.

стр. 1263

قال الأستاذ: "هنالك روايات آحاد تروى عن إرهاصات صحبت مولد محمد ﵇, وسواء أصحّت هذه الروايات كلها، أو بعضها، أو لم يصح شيء منها، فإنها لم تبلغ من قوة السند، ولا من قوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى". المدققون في فهم عبارات المؤلفين يرون أن الأستاذ تكلم على الأحاديث التي رويت في إرهاصات مولد محمد ﵇، وذكر لها ثلاثة احتمالات: إما أن تصح كلها، أو يصح بعضها، أو لم يصح منها شيء، وربط هذه الاحتمالات الثلاثة بأنها لم تبلغ في قوة السند وقوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى، مع أنه على الاحتمال الثالث، وهو أنه لم يصح منها شيء، لا يقال: إنها لم تبلغ في قوة السند ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى. قال الأستاذ: "وإذا نحن جاوزنا فترة الميلاد إلى ما بعدها من أطوار حياة محمد كلها، وجدنا أن حياته كانت أيضاً في هذه الأطوار تسير على وفق السنن الطبيعية التي بني الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة البشرية، فلم تقترن بالمعجزات الصادعة التي اقترنت بها حياة عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى وعيسى" .. ثم ذكر الأستاذ ما قصه القرآن الكريم من معجزات موسى وعيسى ﵉، وقال: "لم يجيء محمد أصحابه بمثل تلك المعجزات الصادعة التي تدهش العقول، وترج القلوب، وتزعج النفوس". ذكر القرآن معجزة انشقاق القمر في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢].

стр. 1264

فالتعبير بالفعل الماضي في قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وتعقيبه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، دليل على أن المراد: ما روي في الصحيح من انشقاق القمر عندما سأل المشركون النبي ﷺ آية على صدقه في دعوى الرسالة. وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء. وقال السبكي: انشقاق القمر متواتر لا يجوز إنكاره .. وذكر القرآن معجزة الإسراء المشار إليها بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ومعجزة المعراج الثابتة في الصحيح المشار إليها بقوله تعالى: ﴿كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]. وفي الصحيح معجزات وقعت بمحضر الصحابة؛ كتكثير الماء القليل، حتى قال النووي: "وتكثير الماء بلغ مرتبة التواتر"، وتكثير الطعام، وغير ذلك، وعبّر عنها الإمام البخاري بعلامات النبوة، وعبر غيره بآيات النبوة. والمعجزات تثبت بصحة السند، وصلاح القدرة الإلهية لها، ولا يكفي في نفيها استبعاد الذهن لها, إذ هي خارقة للعادة، فلا بد أن يستبعدها الذهن أول بدء، فإذا تأمل في صحة سندها، وصلاح القدرة لها، اعترف بها. قال الأستاذ: "وقد طالبه قومه، وألحوا عليه في الطلب بأن يأتيهم بمثل ما جاء به الرسل من قبله من تلك المعجزات، فكان ﵇ يدفعهم

стр. 1265

بالحجة البسيطة الواضحة التي لا تكد العقل، ولا تخفي على أي ناظر". ثم أورد الأستاذ ثلاث آيات: الأولى قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. والآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقد اطلع على هذه الآيات، وتلاها حقَّ تلاوتها المحدثون الذين رووا أحاديث المعجزات؛ كالبخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن, والأئمة؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعيُّ، وأحمد بن حنبل، ورأوها لا تنافي إجراء المعجزات على يد النبي ﷺ ، وقصارى ما تدل عليه: أن النبي ﷺ لا يملك المعجزات، وأن الله هو الذي يجريها على أيدي الرسل ﵈ عندما يرى إجراءها مناسبًا لعظمته، وعلم أن الحال يقتضي إجراءها، لا بمجرد اقتراح المشتركين؛ فإن منهم من يقترح المعجزات، وفيه جفاء طبيعة، وعدم استعداد للإيمان بها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]. ودل بالآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ على أنهم يقسمون، ولا يراعون للأيمان عهداً، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقال الأستاذ: "هكذا كان في مولده وفي حياته مستقيماً على قواعد البشرية، منسجماً مع أنظمة الطبيعة، خاضعاً لسنن الكون". كان محمد ﷺ في ميلاده وحياته كلها كما قال الأستاذ، وهذا لا ينافي أن الله يصونه بألطافه، ويكرمه بالمعجزات؛ ليعلم أنه رسول من الله، فيبطل
следующие страницы →