← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ملاحظات على مولد النبي ﷺ - (١) نشر الأستاذ علي عبد الرازق في جريدة "الأخبار" يوم المولد الشريف مقالاً عنوانه: مولد النبي ﷺ (٢)، واطلعت على هذا المقال، ولا حظت فيه أشياء

стр. 1262

أردت أن أنبه القارئ عليها لتتم الفائدة المقصودة من المقال، واخترت أن أنقل العبارة التي أبدي عليها الملاحظة بنصها, ليشاركنا القارئ في النظر فيها، ونكون للأستاذ صاحب المقال من المنصفين. قال الأستاذ في صدر مقاله: "قد يلاحظ بعض الباحثين أن ميلاد محمد ﷺ قد تم على وفق السنن الطبيعية التي بني الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة بين جميع البشر، فلم يقترن ميلاده بالمعجزات الصادعة التي اقترن بها ميلاد عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى وعيسى ﵈". أراد الأستاذ من بعض الملاحظين: نفسَه؛ فإنه حكم في هذه الدعوى الخطيرة في أسلوب جديد, ليقبل الناس على سماعها، وإن لم يعقبها بدليل معقول. حُفّ ﷺ في مولده إلى بعثته بألطاف إلهية، وهذا المظهر المشمول بالعناية كافِ في سماع دعوى الرسالة. على أن المحئثين رووا أحاديث منها ما هو صحيح فيما وقع قبل الرسالة من إرهاصات، وإذا لم تتواتر، فلعدم الحاجة الملحة إلى روايتها بالتواتر. فالمدار على أن يكون دليل صدق الرسالة قاطعا، وهو المعجزة المقارنة للدعوى.

стр. 1263

قال الأستاذ: "هنالك روايات آحاد تروى عن إرهاصات صحبت مولد محمد ﵇, وسواء أصحّت هذه الروايات كلها، أو بعضها، أو لم يصح شيء منها، فإنها لم تبلغ من قوة السند، ولا من قوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى". المدققون في فهم عبارات المؤلفين يرون أن الأستاذ تكلم على الأحاديث التي رويت في إرهاصات مولد محمد ﵇، وذكر لها ثلاثة احتمالات: إما أن تصح كلها، أو يصح بعضها، أو لم يصح منها شيء، وربط هذه الاحتمالات الثلاثة بأنها لم تبلغ في قوة السند وقوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى، مع أنه على الاحتمال الثالث، وهو أنه لم يصح منها شيء، لا يقال: إنها لم تبلغ في قوة السند ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى. قال الأستاذ: "وإذا نحن جاوزنا فترة الميلاد إلى ما بعدها من أطوار حياة محمد كلها، وجدنا أن حياته كانت أيضاً في هذه الأطوار تسير على وفق السنن الطبيعية التي بني الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة البشرية، فلم تقترن بالمعجزات الصادعة التي اقترنت بها حياة عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى وعيسى" .. ثم ذكر الأستاذ ما قصه القرآن الكريم من معجزات موسى وعيسى ﵉، وقال: "لم يجيء محمد أصحابه بمثل تلك المعجزات الصادعة التي تدهش العقول، وترج القلوب، وتزعج النفوس". ذكر القرآن معجزة انشقاق القمر في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢].

стр. 1264

فالتعبير بالفعل الماضي في قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وتعقيبه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، دليل على أن المراد: ما روي في الصحيح من انشقاق القمر عندما سأل المشركون النبي ﷺ آية على صدقه في دعوى الرسالة. وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء. وقال السبكي: انشقاق القمر متواتر لا يجوز إنكاره .. وذكر القرآن معجزة الإسراء المشار إليها بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ومعجزة المعراج الثابتة في الصحيح المشار إليها بقوله تعالى: ﴿كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]. وفي الصحيح معجزات وقعت بمحضر الصحابة؛ كتكثير الماء القليل، حتى قال النووي: "وتكثير الماء بلغ مرتبة التواتر"، وتكثير الطعام، وغير ذلك، وعبّر عنها الإمام البخاري بعلامات النبوة، وعبر غيره بآيات النبوة. والمعجزات تثبت بصحة السند، وصلاح القدرة الإلهية لها، ولا يكفي في نفيها استبعاد الذهن لها, إذ هي خارقة للعادة، فلا بد أن يستبعدها الذهن أول بدء، فإذا تأمل في صحة سندها، وصلاح القدرة لها، اعترف بها. قال الأستاذ: "وقد طالبه قومه، وألحوا عليه في الطلب بأن يأتيهم بمثل ما جاء به الرسل من قبله من تلك المعجزات، فكان ﵇ يدفعهم

стр. 1265

بالحجة البسيطة الواضحة التي لا تكد العقل، ولا تخفي على أي ناظر". ثم أورد الأستاذ ثلاث آيات: الأولى قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. والآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقد اطلع على هذه الآيات، وتلاها حقَّ تلاوتها المحدثون الذين رووا أحاديث المعجزات؛ كالبخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن, والأئمة؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعيُّ، وأحمد بن حنبل، ورأوها لا تنافي إجراء المعجزات على يد النبي ﷺ ، وقصارى ما تدل عليه: أن النبي ﷺ لا يملك المعجزات، وأن الله هو الذي يجريها على أيدي الرسل ﵈ عندما يرى إجراءها مناسبًا لعظمته، وعلم أن الحال يقتضي إجراءها، لا بمجرد اقتراح المشتركين؛ فإن منهم من يقترح المعجزات، وفيه جفاء طبيعة، وعدم استعداد للإيمان بها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]. ودل بالآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ على أنهم يقسمون، ولا يراعون للأيمان عهداً، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقال الأستاذ: "هكذا كان في مولده وفي حياته مستقيماً على قواعد البشرية، منسجماً مع أنظمة الطبيعة، خاضعاً لسنن الكون". كان محمد ﷺ في ميلاده وحياته كلها كما قال الأستاذ، وهذا لا ينافي أن الله يصونه بألطافه، ويكرمه بالمعجزات؛ ليعلم أنه رسول من الله، فيبطل

стр. 1266

انحراف الناس عن البشرية إلى جانب البهيمية، وانسجامهم مع دواير الطبيعة غير الفطرية، وخضوعهم لمن لا يتعظ بسنن الله الكونية. قال الأستاذ: "فالصلاة كتاب على المؤمنين موقوت، ولكن ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا". الآية أصلها: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فذكر الأستاذ السبب الثاني للقصر من الصلاة، وهو خوف فتنة الذين كفروا، وتركَ السبب الأول لقصرها، وهو الضرب في الأرض؛ أعني: السفر إلى بلد آخر. قال الأستاذ: "والصيام مكتوب على المسلمين، ولكن على الذين يطيقونه فدية طعام مساكين". لا أعلم أحداً من المسلمين يقول: إن يطيقونه بمعنى: يستطيعونه، وتبقى عنده الآية باقية على حكمها. وأكثر العلماء على أن الآية منسوخة بالآية بعدها؛ أعني: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. كما روى الإمام البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أصحاب النبي ﷺ ذلك، ومن لا يقول بنسخ الآية يفسر يطيقونه على وجه يلتئم بما هو مقرر في الشريعة من أن صيام رمضان فرض على كل مسلم ومسلمة، إلا من استثنتهم الشريعة ناظرة إلى المشقة التي تلحقهم بالصيام. ذكر الأستاذ هنا الصلاة والصيام والحج، ولم يذكر الزكاة؛ لأنه لا يراها من الدين، فقال في كتابه "الإِسلام وأصول الحكم"، وهو يتحدث عن الزكاة والجزية والغنائم: "ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات

стр. 1267

الحكومة على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلاً فحسب". والزكاة وردت في القرآن غالباً مع الصلاة، والفقهاء يجعلون للزكاة بابا مستقلاً، ويذكرون الجزية والغنائم في باب الجهاد. وعلماء الإِسلام المنبثون في الشرق الغرب من عهد النبوة إلى عصرنا هذا المجتهدون يستندون في تقرير الأحكام العملية إلى الكتاب، أو السنّة، أو الأصول المستمدة منهما، والتابعون لمذهب إمام يعرفون أن إمامهم يستند في الأحكام العملية إلى الأصول الثلاثة. فالمجتهدون وتابعوهم يعلمون أن الأحكام تستند إلى الشريعة نصاً، أو استنباطاً، والمرجع في أمور الدين إلى علمائه الذين يدرسونه بحق، ويخلصون لله في دراسته. وليذكر لنا الأستاذ واحداً من العلماء قال: إن الخلافة والقضاء ونحوهما ليست من الدين في شيء. واقتصر الأستاذ في ذكر مطالب الشريعة على الصلاة والصيام والحج، ولم يذكر أحكام المعاملات؛ لأنه أخرج الأحكام العملية من نظر الوحي، فقال في كتابه "الإِسلام وأصول الحكم": "والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، نرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة". وقد كتبنا في رد هذا الرأي وما قبله في كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم".

стр. 1268

واستدل الأستاذ بالآيات القرآنية، ولم يذكر أن القرآن معجزة؛ لأنه بسبيل نفي المعجزة عن النبي ﷺ ، وقد أجمع المسلمون على أنه معجز للخلق كافة، وقد صرح القرآن نفسه بأنه معجز، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وتحدث الأستاذ من المنهج الجديد، وقال: "بطلت الحاجة إلى المعجزات، وقام مقامها حكم العقل، وسلطان العلم والنظر، وبذلك تمت الآية الكبرى لمحمد بن عبد الله". إن الإِسلام انتشر، وقبلته الطبائع البشرية الشافعية، وهم يطالعون في كتب الأئمة المحدثين والفقهاء والمتكلمين معجزات النبي ﷺ ، والأحكام التي جاء بها، فلا تزيدهم إلا إيماناً واطمئناناً. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، قد يراد بالآيات: الزلازل، والرعد القاصف، والبرق الخاطف؛ لأنه يذكر بحوادث الساعة، وقد يراد بالآيات: المعجزات؛ لأنه ينشأ عن مشاهدتها إنذار بأن عذاب الله في الآخرة لمن لم يذعن بها.

стр. 1269

تحية المقام النبوي ومناجاة الرسول ﷺ - (١) " من قصيدة ألقاها أمام المقام النبوي سنة ١٣٣١ هـ" أُحَيِّيكَ والآماقُ تُرْسِلُ مَدْمَعا ... كأَنّيَ أَخدو بالسَّلامِ مُوَدِّعا (٢) وما أَذمُعُ البُشْرى تَلوحُ بِوَجْنَةٍ ... سِوى ثَغْرِ صَبًّ بالوِصالِ تَمتَّعا وَقَفْتُ بِمَغنًى كانَ يا أشْرَفَ الوَرى ... لِطَلْعَتِكَ الحُسْنى مَصيفًا ومَرْبَعا (٣) فَذا مَوْقِفٌ لا مَسْتُ فيهِ بأَخْمُصي ... أَجَلَّ مِنَ الدُّرِّ النَّضيدِ وأرْفَعا (٤) وذلِكَ مَرْقًى كُنْتَ تَصْدَعُ فَوْقَهُ ... بِما حازَ في أقْصى البَلاغَةِ مَوْقِعا وذاكَ مُصَلًّى طالَما قُمْتَ قانِتًا ... بِهِ، وَيقومُ الصَّحْبُ خَلْفَكَ خُشَّعا (٥) وذي حُجْرةٌ كانَ الأمينُ يَؤُمُّها ... بِوَحْيٍ فَكانَتْ للشَّريعَةِ مَنْبَعا

стр. 1270

وَأرْوَعُ ما شَق الْفُؤادَ بِحَسْرَةٍ ... وَهاجَ بهِ الأشْجانَ حَتى تَقطَّعا تَخاذُلُ حالِ المُسْلِمينَ وما أتى ... مِنَ الخَظْبِ في أرْجائهِمْ وَتَجمَّعا وما شأْنُنا إلَّا كَعِقْدٍ تَناثَرَتْ ... جَواهِرُهُ في سَطْحِ أحدَبَ أَنْزَعا (١) فَهذا يُحاذي في قَضاياهُ نزعةً ... تَخُطُّ وَراءَ الحَقِّ للنّاسِ مَرْتَعا (٢) وهذا يَصوغُ الْقَوْلَ في قالَبٍ يُرى ... بِجانِبِهِ قَوْلُ الشَّريعَةِ أوْسَعا وذاكَ يُنادي بالضَّلالَةِ ما سِحاً ... بِصَبْغَةِ دينٍ كَيْ يَغُرَّ وَيخْدَعا ونِمْنا على الآذانِ نَوْمَةَ جاهِلِ ... بِما يَضَعُ المُسْتَيْقِظونَ لِنُصْرَعا ولَمْ نستَفِقْ للْقَومِ حتّى تَحَفَّزوا ... وأوْجَسَ كُلٌّ بَيْنَ جَنْبَيْهِ مَطْمَعا ولَمْ نستَفِقْ للْقَومِ إذْ كُلٌّ انتضى ... لِيَظْفَرَ باسْتِعْبادِنا السَّيْفَ مَقْرَعا ولَمْ نستَفِقْ للقارِعاتِ وقَدْ دَنَتْ ... إلى مُهْجَةِ الإسْلامِ حتَّى تَصَدَّعا وفي النّاسِ مَنْ حاكَ الأياسُ بصدرهِ ... فَجرَّدَ أفْراسَ الجِهادِ وأقْلَعا ونَدْبٌ دَرى صَرْفَ اللَّيالي وأنَّها ... تُزَلُ بأعْلامِ وتُونِسُ بَلْقَعا (٣) فَقامَ عَلى جِدٍّ يُهيبُ بِقَوْمِهِ ... لِيَرْفَأ فَتْقاً أوْ يُشيِّدَ مَصْنَعا (٤)

стр. 1271

يَقولُ أناسٌ إنَّما الدّينُ عَثْرَة ... بِسابِلَةِ العُمْرانِ تَهْوي بِمَنْ سَعى (١) رمَى بِهِمُ التَّقْليدُ في إثْرِ مُلْحِدٍ ... ولم يكْشِفوا عن مِيسَم الحَقِّ بُرْقُعا (٢) تجَلَّيْتَ في شَعْب جَرى في عُروقِهِ ... دَمُ الكِبْرِ وارْتادَ الغَوايَةَ إمَّعا (٣) تَجَلَيْتَ والبَغْضاءُ تَشْوي صُدورَهُمْ ... بِنارٍ فَأصْلَتْها قُلوباً وأضْلُعا فَلَقَّنْتَهُمْ كَيْفَ الطُّموحُ إلى العُلا ... إلى أنْ عَلَوا فَوْقَ السِّماكيْنِ مَطْلَعا (٤) عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ ما انْسَجَمَ الحَيا ... وحَيّا صَباحٌ بالضِّياءِ وَوَدَّعا * * *

стр. 1272

ذكرى المولد (١) " قيلت في احتفال جمعية الهداية الإِسلامية بذكرى المولد النبوي سنة ١٣٥٩ هـ " أَمِنْ خَفَقانِ أفْئِدَةٍ رِقاقِ ... تألَّقَتِ المَدامعُ في المَآقي (٢) إذا أهْدَتْ يَدُ الإقْبالِ بُشْرى ... تَلَقَّتْها الضمائِرُ باخْتفاقِ (٣) كما اهْتَزَّتْ غُصون لاعَبَتْها ... جَنوبٌ باعْتِناقٍ وانْطِلاقِ (٤) وأرْشَفَها الرَّبيعُ نَدى فَطابَتْ ... رُباها لاصطِباحٍ واغْتِباقِ (٥) لِلَيْلَتِنا الفَخارُ إذا اللَّيالي ... تَباهَتْ بالمَحاسِنِ والمَراقي (٦) أشارَتْ بالمَغيبِ عَلى ذُكاءٍ ... وجاءَتْ بالكَواكِبِ في اتِّساقِ (٧)

стр. 1273

ومَدَّتْ في السَّماءِ البدْرَ كَفَّاً ... تُديرُ الأُنْسَ بالكَأْس الدِّهاقِ (١) ولَوْ أرْخَتْ ذُؤابَتَها لَقُلْنا ... خُذوا هذا السَّوادَ إلى الحِداقِ (٢) ذَكَرنْا إذْ تَقَلَّدَتِ المَعالي ... حُسامًا قَدْ تَهَيّأَ لامِتشاقِ (٣) ذَكَرْنا كَيْفَ لاحَ جَبينُ طه ... وَهَبَّ الفَجْرُ يُؤذِنُ بِانْبِثاقِ كأَنَّ الفَجْرَ والميلادَ جاءا ... لإجْلاءِ الظَّلامِ على اتِّفاقِ ألا مَنْ مُبْلِغٌ قَمَرًا تَوارى ... وَساطِعُ نورِهِ في النّاسِ باقِ سَلامًا كالصَّبا مَرَّتْ بِرَوْضِ ... وَلاقَتْها الكَمائِمُ بانْفِتاقِ (٤) أرومُ مَديحَهُ وإخالُ أَنِّي ... سَأَحظى مِنْهُ بالسَّيْلِ الدُّفاقِ (٥) فَيَبْهَرُني عُلاهُ كأَنَّ فِكْري ... تَوَثَّبَ وَهُوَ مَشْدودُ الوَثاقِ تَملَّى نورَهُ صَحْبٌ فأغْنَوْا ... غَناءَ النَّجْمِ في الظُّلَمِ الصِّفاقِ (٦) نُفوسٌ أَخْصَبَتْ هدْيًا وَأدنَتْ ... إلى الدُّنْيا جَنًى عَذْبَ المذاقِ تَحَلَّتْ بالَمكارِمِ وَهِيَ أَغْلى ... مِنْ الحُلْي المُخَبَّأِ في الحِقاقِ (٧)

стр. 1274

وتُؤْثِرُ غَيْرَها بالزَّادِ زُهْداً ... وتَقْنَعُ في المَعيشَةِ بِالرّماقِ ولا تَرْضى إذا خُطِبَتْ خِصالُ الْـ ... ـعُلا إلا بِغالِيَةِ الصَّداقِ سَراةٌ أخكَموا الإصلاحَ عِلْماً ... وَهَبُّوا لِلْجِهادِ على وِفاقِ (١) دَعَوْا والحجَّةُ الغَرَّاءُ تَهْدي ... إلى سُبُل الحَقائِقِ مَنْ تُلاقي وناصَبَهُمْ خُصومُ الحَقّ حَرْباً ... فَلاذوا بالمُثَقَّفَةِ الرِّقاقِ (٢) وَهَلْ يُجْدِي الأصمَّ بَيانُ قُسٍّ ... وَهَل يَشْفي أَخا الأَمْواتِ راقِ (٣) فَكَمْ شَرَعُوا الأَسِنَّةَ في كِفاحٍ ... وَكَمْ مَلَؤُوا الأعِنَّةَ في سِباقِ (٤) وإنْ قاموا قُنوتاً لَمْ يُقاسُوا ... بِغَيْرِ مَلائِكِ السَّبع الطِّباقِ هُمُ الأعْلامُ إنْ طَمَحَتْ نُفوسٌ ... إلى عَلْياءَ واسِعَةِ النِّطاقِ ولا أدري أقَوْمِيَ في سُباتٍ ... فاَرْجو صَحْوَهُمْ أمْ في سِياقِ (٥) فأَشْياعُ الضَّلالِ اليَوْمَ صالوا ... بِألْسِنَةٍ وأقْلامٍ حِماقِ (٦)

стр. 1275

وَهُمْ ما بَيْنَ إلْحادٍ وَقاحٍ ... وإلْحادٍ تَقَنَّعَ بالنِّفاقِ (١) وإنْ شَؤُمَ النُّعاقُ فَما أزاغُوا ... بِهِ الْفَتَياتِ أشْاَمُ مِنْ نُعاقِ (٢) فَمِنْ قِصَصِ تُعاطي قارئيها ... شَرابا ديفَ بالسُّمِّ الزُّعاقِ (٣) ومِنْ صُوَرٍ تُثيرُ هَوَى وتحْدو ... نُفوساً كالبُدورِ إلى مُحاقِ (٤) أما لِشَبابِ أحْمَدَ أنْ يَذودوا ... خُطوباً كالمَطاعِنِ في التَّراقي (٥) وَيرْموا لِلسِّيادَةِ عَنْ قِسِيِّ ... مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى رِشاقِ (٦) كَفَى ما قَدْ خَسِرْنا مِنْ شَبابِ ... رَأَوْا سُوقَ الخلاعَةِ في نَفاقِ (٧) فَغادَوْها، وكيف ترى فَراشاً ... تهافَتَ في لَظى النّارِ الحِراقِ (٨) وما لِلنَّفْسِ إنْ رَكِبَتْ هَواها ... وحَطَّتْ فى المجانِة من خَلاقِ (٩) هي الشَّكوى يُردّدُها لِسانٌ ... وما بينَ الجوانِحِ في احْتِراقِ

стр. 1276

ذكرى المولد النبوي (١) " قيلت في الاحتفال بالمولد النبوي سنة ١٣٤٨ هـ " حَيِّ ذاكَ الْبَدْرَ بالزَّهْرِ النَّظيمِ ... وامْلإِ الجَفْنَ بِمَرْآهُ الوَسيمِ إنَّهُ يَحْكي مُحَّيا المصْطَفَى ... إذْ بَدا بَيْنَ المُصَلَّى والحَطيمِ (٢) إنْ تَكُنْ يا بَدْر تَزْهو بِسَناً ... يُرْشِدُ السّاريَ في اللَّيْلِ الْبَهيمِ (٣) فَسَنا أحْمَدَ يَهْدي أُمماً ... وُيريها سَنَنَ العِزِّ المُقيمِ عُجْ بِرَوْضٍ باكَرَ الطَّلُّ بِهِ ... دَوْحَ وَردٍ هَزَّهُ كَفُ النَّسيمِ (٤) تَلْقَ في الرَّوْضِ شَذاً يُشْبِهُ ما ... لِنَبِيِّ اللهِ مِنْ خُلْقِ كَريمِ إنْ تَكُنْ يا رَوْضُ يَزْهوكَ جَنًى ... هُوَ زَهْوُ الْعَيْنِ أوْ عِطْرُ الشَّميمِ فَلِطَهَ كَلِمٌ يَسْلو بِهِا ... عاشِقُ الحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ نَعيمِ

стр. 1277

إنْ تَرَ العَضْبَ بِيُمْنى بَطَلٍ ... هَزَّهُ بَيْنَ قَتيلٍ وَكَليمٍ (١) فاذْكُرِ العَزْمَ الَّذي لاقى بِهِ ... خاتَمُ الرُّسْلِ أَذى كُلِّ زَنيمِ (٢) غَيْرَ أنَّ العَضْبَ يَقْضي مُرْغماً ... في الوَغى حاجَةَ جَبَّارٍ نَهيمٍ (٣) يا خَصيماً لِهُدى أحْمَدَ ما ... لِخَصيمِ الحَقَّ مِنْ قَلْبٍ سَليمِ دُونَكَ التَّاريخُ لا تُبْقي مدىً ... في حَديث إنْ تَشَأْ أوْ في قَديمِ هَلْ رَأى النَّاسُ كِتاباً عَجَباً ... مِثْلَ ما يُتْلى مِنَ الذِّكْرِ الحَكيمِ؟ ويحَ قَوْمٍ سَحَرَتْ أعْيُنَهُمْ ... هذه الدُّنيا بِمَرْعاها الوَخِيمِ (٤) غَرِقوا في لَهْوِها واتَّخَذوا ... مِنْ مُوالاةِ الهوى أشْقى نَديمِ نكًروا القُرآنَ بالذَّوْقِ الَّذي ... يُؤْثِرُ الذَّرَّ على الدُّرِّ اليَتيمِ (٥) دَعَوُا الإلْحادَ إصلاحاً وَهَلْ ... يَعْرِفُ الإصْلاحَ ذُو ذَوْقٍ سَقيمِ ورَسولُ اللهِ هادٍ للعُلا ... مُنْذِرٌ عاقِبَةَ الفِعْلِ الذَّميم مَثَلٌ أعْلى لِنَفْسٍ جَمَعَتْ ... سَطْوَةَ العادِلِ في أُنْسِ الحَليمِ عِزَّةٌ قَعْساءُ في أسْنى تُقًى ... هِمَّةٌ شَمَّاء في قَلْبٍ رَحيمِ (٦)

стр. 1278

هُوَ إذْ يُرْهِفُ حَداً لِلَّذي ... عاثَ أوْ يأذَنُ في حَرْبِ الخَصيمِ (١) لم يُرِدْ إلَّا سَلاماً سائِدًا ... واعْتزِازاً لِذَوي الدِّينِ القَويمِ إنْ تَكُنْ تَعْجَبُ فاعْجَبْ لِيَدٍ ... لَبسَتْ قُفَّازَ أفَّاكٍ أثيمٍ (٢) كتَبَتْ تَزْعُمُ مِنْ شَقْوَتها ... أنَّهُ لَمْ يَكُ بالشَخْصِ العَظيمِ عَلِّموها أئهُ أعْظَمُ مَن ... سارَ في النّاسِ على هذا الأديمِ (٣) صاحبَ الرَّوْضَةِ في طَيْبَةَ نَمْ ... آمِناً طُغْيانَ ذا الخَطْبِ الجَسيمِ (٤) إنَّ في الشَّرْقِ رِجالاً نهَضوا ... يَقْرَعُونَ الخَطْبَ بالعَزْمِ الصَّميمِ لا يُبالونَ إذا ما جاهَدوا ... غَضَبَ الغاشِمِ أوْ كَيْدَ اللَّئيمِ قَدَّسَ اللهُ ثَرى قَبْرِكَ ما ... نَفَحَ القُرآنُ بِالْهَدْيِ العَميمِ وأقامَ العِلْمُ آياتٍ عَلى ... أنَّهُ تَنْزيلُ خلَّاقٍ حَكيمِ

стр. 1279

مشاهداتي في الحجاز (١) ألِمَجدٍ لا يَنالُ الْقاطِنينْ ... وَدَّعَ الصّحْبَ وحَيَّا الظَّاعِنينْ (٢) شامَ في وِجْهَتِهِ يُمْناً وَلَوْ ... زَجَرَ الطَّيْرَ لَمَرَّتْ باليَمينْ (٣) لا تَلوما في النَّوى مَنْ هاجَهُ ... لِلنَّوى لا عِجُ شَوْقٍ في الْكَنينْ (٤) شاقَهُ الْبَيْتُ وَقَبْرُ المصْطَفى ... ورُبوعُ الخُلَفاء الرَّاشِدينْ (٥) سارَ شَوْطًا وَهْوَ لا يَدْري أفي ... حُلُمٍ أمْ فى زمانٍ لا يخونْ ذَكَرَ "الخِضْرَ" و"موسى" إذْ أتى ... مَجْمَعَ الْبحْرَيْنِ مُرْتادَ السَّفين (٦)

стр. 1280

رَكِبَ "الطائِفَ" يَطْوي الْبحْرَ في ... جَذَلٍ والبَخرُ كالشَّيْخِ الرَّزينْ (١) وإذا هَبَّتْ جَنوبٌ طَرَدَتْ ... ما يُلاقيهِ النَّدامى مِنْ شُجونْ (٢) هُمْ سُكارى ما احْتَسَتْ آذانُهُمْ ... حِكْمَةَ الْقُرآنِ في نظقِ رَصينْ وَدَنَوْا مِنْ "رابِعٍ" فاسْتَبَقوا ... يَذْكُرونَ اللهَ جَهْراً محْرِمينْ (٣) في بَياضٍ ناصِع تحْسَبُهُمْ ... بادِئَ الرَّأْي زُهوراً في الْغُصونْ رَسَتِ الطَّائِفُ في "جُدَّةَ" لا ... بَرِحت "جُدَّةُ" في حِصْنٍ حَصينْ (٤) رَحَلوا في جُنْحِ لَيْلٍ وَأتوْا ... مَكَّةَ الْغَرَّاءَ مِنْ نحْوِ الحَجونْ (٥) في رضا اللهِ خُطاً خاضوا بِها ... في حَصًى يَغْبِطُهُ الدُّرُّ المَصونْ دَخَلوا بَيْتاً حَراماً يَسْتَوي ... فيهِ ذو التاجِ ومُغْبَرُّ الجَبينْ شاهَدوا الكَعْبَةَ وَهْنًا فَجَرَتْ ... عَبَراتُ الْبِشْرِ مِنْ بَعْضِ الجُفونْ (٦)

стр. 1281

مُقْلَةُ الدُّنْيا فَإنْ أبْصَرْتَها ... في سَوادٍ فَعُيونُ الْغِيدِ جُونْ (١) لَثَموا مِنْ رُكْنِها الأيَمنِ ما ... لَثَمَنْهُ شَفَتا طَهَ الأمينْ (٢) هِيَ بَيْتُ اللهِ إنْ طافوا بِها ... وَهُمُ أضْيافُ رَبِّ الْعالمَينْ وَرَدوا "زَمْزَمَ" يَشْفونَ بها ... ظَمَأَ الأكْبادِ حينًا بَعْدَ حينْ (٣) لَوْ شَفى "عَمْرُو بْنُ كُلْثوم" بِها ... غُلَّهُ عافَ خُمورَ الأَنْدَرِينْ (٤) صَعِدوا "المَرْوَةَ" مِنْ بعْدِ "الصَّفا" ... وَسَعَوْا للهِ سَبْعاً راجِلينْ (٥) وَقَفوا في "عَرَفاتٍ" مَوْقفاً ... يَطْرَحُ الآثامَ مِنْ ماضي السِّنينْ (٦) إنَّ دَهْراً طافَ ساقيهِ بِما ... تَشْتَهي أنْفُسُهُمْ غَيْرُ ضَنينْ

стр. 1282

هَبَطوا "جَمْعًا" وَقدْ سادَ الدُجى ... وَحَدَوْا مِنْها المَطايا مُصْبحينْ (١) هَلْ دَرَى المَشْعَرُ إذْ عاجُوا بِهِ ... أنَّهُمْ جُنْدُ إمامِ المُرْسَلينْ (٢) نزلوا "خَيْفَ مِنًى" حَيْثُ رَمَوْا ... بالحَصى سَبْعاً عَلى وَجْهِ اللَّعينْ (٣) وَأتوْا "أُمَّ الْقُرى" فاطَّوَفُوا ... ثُمَ عادوا "لمنًى" في الْعائِدينْ (٤) رَكَعوا في مَسْجِدِ الخَيْفِ وَهَلْ ... أحْرَزوا فيهِ ثَوابَ الخاشِعينْ (٥) وَقَضَوْا حَق "مِنىً" وارْتَحَلوا ... بَعْدَ أنْ أذنَ بالعَصْر أَذينْ (٦) سَلْ "ثَبِيراً" ما لَهُ ظَل بها ... مُلْقِيَ الرَّحْلِ وقْد بانَ القَطينْ (٧) أفلا يَحْمِلُ ما نحْمِلهُ ... لِرُبى طَيْبَةَ مِنْ شَوْقٍ مَكينْ دع "ثَبيراً" قاسِيَ الْقَلْبِ فَهَلْ ... تَلْفَحُ الأشْواقُ صَخْراً فَيَلينْ هّذِهِ مَكَّةُ ما للِشَّمْسِ في ... صُفْرَةٍ تَحْكي بِها وَجْهَ الحَزينْ

стр. 1283

أتُرينا والنَّوى قَدْ أزِفَت ... كَيْفَ تصْفَرُّ وُجوهُ النَّازحينْ بَلدَةٌ عُظْمى وَفي آثارِها ... أنْفَعُ الذكرى لِقَوْمٍ يَعْقِلونْ شَبَّ في بَطْحائِها خَيْرُ الوَرى ... وشَبا في أُفْقِها أسْمَحُ دينْ (١) إنْ عَزَمْنا النَّأيَ عَنْها فالضَّرو ... راتُ قَدْ تُنْئي خَديناً عَنْ خَدينْ (٢) سائِقَ السَّيَّارَةِ انْهَضْ نَغْتَنِمْ ... فُرْصَةً نَرْقُبُها منْذُ سِنينْ خُضْ بها الْبِيدَ إلى سَلْع فَلي ... حاجَةٌ في أرْضِ سَلْع وشُؤونْ (٣) بَيْنَ لَيْلٍ مِثْلِ أحْداقِ المَها ... ونَهارٍ مِثْلِ نَوْرِ الياسَمينْ (٤) أحْمَدُ الإدلاج والتَّأوِيبَ إذ ... أرَياني خيْرَ ما تَهْوى الْعُيونْ (٥) أمْتَعا طَرْفي بِمَرْأى رَوْضَةٍ ... أوْدَعوا تُرْبَتَها خَيْرَ دَفينْ رَوْضَةٌ يصْبو إلَيْها كُلُّ مَنْ ... عَرَفَ الحَقَّ وبالحَقَّ يَدينْ شادَها الهادي عَلى أُسِّ التُّقى ... وَتَلا القُرآنَ فيها جِبْرَئينْ (٦)

стр. 1284

حَرَمٌ كَمْ سُقِيَتْ حَصْباؤُهُ ... في دُجى اللَّيْلِ دُموعَ القانِتينْ (١) فاسْأَلوا المِحْرابَ عَنْ بَدْرِ الهُدى ... إذْ هَوى يَسْجُدُ في ماءٍ وَطين (٢) مَعْهَدُ الحكْمَةِ لا يَنْبُتُ في ... دَوْحِهِ إلَّا الدَّعاةُ المُصْلِحونْ مِدْرَسٌ لِلْحَرْبِ لَمْ يَرْمِ الْعِدا ... قَطُّ إلَّا بالكُماةِ الْفاتِحينْ (٣) ثُكْنَةٌ لِلْجُنْدِ والقَضْبِ إذا ... لَم يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الحَرْبِ الزَّبونْ (٤) حُجُرات مُلِئَتْ طُهْراً أَما ... عَمَّرَتْها أُمَّهاتُ المُؤْمِنينْ لُقِّنَتْ فيها حُقوقٌ أنْقَذَتْ ... رَبَّةَ المَنْزلِ مِنْ أَسْرٍ يَشينْ هأنَذا في مُقامٍ مُؤْنِسٍ ... كَسَنا الْبَدْرِ مَهيبٍ كالعَرينْ (٥)

стр. 1285

فَسَلامًا في حُضورٍ بَعْدَما ... كادَ يُزْجيهِ على البُعْدِ حَنينْ جِئْتَ يا مُخْتارُ والْعالَمُ في ... لَيْلِ جَهْلٍ وضَلالٍ ومُجونْ (١) فَمَحَوْتَ الهزْلَ بالجِدِّ كما ... ذُدْتَ لَيْلَ الْغَيِّ عَنْ صُبْحِ الْيقينْ وَأَقَمْتَ الْعِلْمَ صَرْحاً شامخاً ... وصَرَعْتَ الجَهْلَ طَعْناً في الودينْ (٢) سُسْتَ أقْوامًا فَساسُوا أَمماً ... بِيَدِ الإنْصافِ في حَزْمٍ وَلِينْ وقَضَوْا فيها بِشَرع قَيِّمٍ ... فأرَوْها كَيْفَ يَقْضي الْعادِلونْ "خاتَمَ الرُّسْلِ" ألم يَأتِكَ ما ... حَلَّ بالأُمَّةِ مِنْ خَطْب مُهينْ وَيْلَها مِنْ مُرْهقٍ في عَلَنٍ ... وَخَؤونٍ في ثِيابِ النَّاصِحينْ (٣) لَيْتَ قَوْمًا وَرِثوا هدْيَكَ لَمْ ... يُغْمِضوا عَنْ مُوبِقاتِ المْترَفينْ (٤) لَيْتَ قَوْماً وَرِثوا الرَّايَةَ قَدْ ... فَطِنوا لِلدَّاءِ والدَّاءُ كَمينْ (٥) دِينُكَ الوَضَّاءُ ثارَتْ حَوْلَهُ ... غُبْرَةٌ من شُبُهاتِ المُبْطِلينْ (٦) مِنْ يَدٍ تَرْميهِ في رَأْدِ الضُّحَى ... وَيدٍ تَرْميهِ مِنْ خَلْفِ الدُّجونْ (٧)

стр. 1286

ولَهُمْ في كُل وادٍ قَلَمٌ ... ولِسانٌ لاصطِيادِ الْغافِلينْ كَمْ أزاغوا عَنْ عَفافٍ وهُدًى ... مِنْ بَناتٍ طاهِراتٍ وَبَنينْ لَمْ يَرُعْنا يا أبا القاسِمِ مِنْ ... جَوْلَةِ الغيِّ دَوِىٌّ وَطَنينْ (١) إنَّ في الشَّرْقِ شَباباً أيْقَنوا ... أنَّكَ الدَّاعي إلى الحَقِّ المُبينْ إنَّ أَسْنى المَجْدِ في شَعْبٍ إذا ... سامَهُ الخَصْمُ أَذًى لا يَسْتَكينْ وَقَفوا يَرْمونَ أعْداءَ الهُدى ... بِنبالٍ قَوْسُها الْعِلْمُ المَتينْ يَعْشَقونَ الْبَذْلَ في الخَيْرِ إذا ... عَشِقَ المالَ طَغامٌ مُوسِرونْ (٢) يُؤثِرونَ المَوْتَ في عِزٍّ عَلى ... أنْ يَعيشوا تَحْتَ إرْهاقٍ وهُونْ (٣) وإلى الحَضْرَةِ ما حمِّلتُهُ ... مِنْ تَحِيَّاتِ شَبابٍ ناهِضينْ أيُّ وِرْدٍ لَم يُكدِّرْ صَفْوَهُ ... صَدَرٌ ما الدهْرُ إلَّا مِنْجَنونْ (٤) أزمعَ الركبُ رحيلاً لم يكنْ ... منه بُدُّ والضَّرورات فُنونْ فَوَقَفْنا لِوَداعٍ، والأسى ... يَلْذَعُ الآماقَ بالدَّمْعِ السَّخينْ (٥)

стр. 1287

أفَلا نأسى عَلى عَهْدٍ أتى ... وَتَوَلّى وَهْوَ مَقْطوعُ القَرينْ (١) نَضِرٌ كالرَّوْضِ حَلَّاهُ النَّدى ... بِجُمانِ صِيغَ مِنْ ماءٍ مَعينْ (٢) يا حمى وَدَّعْتُهُ والشَّمْسُ قَدْ ... وَدَّعَتْ والْتَحَقَتْ بالرَّاحِلينْ هَلْ لنا عَوْدٌ كَعَودِ الشَّمْسِ مِنْ ... قَبْلِ أنْ يَصْرِفَنا عَنْكَ المَنونْ (٣) وسَلاماً كُلَّما رَتَّلْتُه ... قالَتِ الدُّنْيا وَمَنْ فيها: أَمينْ (٤)

стр. 1288

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (٥) «تَرْاجِمُ الرِّجَالِ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 1289

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 1290

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة " في هذا الأثر الذي سميناه: "تراجم الرجال" ضممنا ما كتبه الإمام الأكبر العلامة محمد الخضر حسين من مقالات عن أعلام الإسلام، ونشر في مجلتي "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام"، أو ما ألقاه من محاضرات في النوادي الإسلامية. والهدف من هذه التراجم: أن تكون قدوة للحاكم والمواطن المسلم، ومناراً وهدياً لكل من ينشد حياة ملؤها العزة والسعادة. وقد رتبنا الأبحاث في هذا الكتاب وفق التسلسل التاريخي، واعتمدنا في ذلك تواريخ الولادة، دون النظر إلى تاريخ نشر المقال، أو إلقاء المحاضرة. ولابد من التنويه أن ثمة تراجم قيمة للمؤلف نشرت في كتاب "تونس وجامع الزيتونة"، وهي تراجم الأعلام التونسيين، لم نثبتها في هذا الكتاب. وندعو الله ﷻ أن يكون لنا عونًا وسندًا في هذا العمل الذي نقوم به لإحياء التراث الإسلامي للعم. ونشكر سيدي الوالد الشيخ زين العابدين التونسي ﵀ على فضله بالتوجيه السديد، والرأي القيم". علي الرّضا الحسيني

стр. 1291

نظرةٌ في ناحيةٍ من خلافة عثمان (١) أريد أن أضع بين أيديكم صحيفة من صحف التاريخ الإسلامي، صحيفة تحكي جانبًا من حديث خلافة عثمان ﵁، وكنت أود أن أعرض على حضراتكم صحيفة تصعدون فيها أنظاركم، وتصوبونها، فلا ترون إلا ما يقرّ أعينكم، ويبهج نفوسكم، ولكن ألسنة لاغيه، وأقلامًا طائشة، خاضت في الحديث عن خلافة عثمان، فشوهت وجه كثير من الحقائق، ووضعت بجانبها كثيراً من الأباطيل، وزعمت أنها تتحدث عنها بعقل وأمانة. اخترت أن أحضركم بهذه الصحيفة على ما فيها من حديث قد يثير في نفوسكم حزناً وأسفاً، ولعلكم تجدون في تمحيص بعض الحقائق، ودفع كثير من شبه الباطل ارتياحاً يخفف شيئا من الحزن والأسف على هذه الذكرى المؤلمة. ولا أريد الحديث عن خلافة عثمان منذ بويع إلى أن لقي ربه شهيداً، وإنما أذكركم بكلمة من فضله وشواهد استقامة على الطريقة، وعلوّ منزلته عند الخالق العظيم ورسوله الكريم.

стр. 1292

* نسب عثمان وحاله في الجاهلية: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، فنسبه يلتقي بنسب النبي ﷺ في عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة، أمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، فجدّته للأم عمة رسول الله ﷺ . وكان عثمان يتعاطى التجارة في البز (الثياب أو متاع البيوت) وكان ذا ثروة وسخاء، محبباً في قريش، ومعروفاً عندهم بالصدق والأمانة. * دخوله في الإسلام: كان إسلام عثمان بدعوة من أبي بكر الصديق ﵁، دعاه هو والزبير ابن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فتقبلوا دعوته، وأسلموا. وكانت منزلة عثمان عند رسول الله ﷺ سامية، فاختاره صهرًا، وزوجه ابنته السيدة رقية، ولما توفيت، زوجه أختها السيدة أم كلثوم، ولذا سمي: ذا النورين، وتوفيت أم كلثوم في السنة التاسعة من الهجرة، ويروى أن النبي ﷺ قال: "لو أنّ لنا ثالثة، لزوجناك". * فضله في الإسلام: هاجر عثمان في سبيل الله الهجرتين: هجرة الحبشة، وهجرة المدينة، وكان أحد العشرة المبشرين بالجنة، روى أبو موسى الأشعري: أن النبي ﷺ دخل حائطًا، قال: وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة"، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن، فقال: "ائذن له وبشره الجنة"، فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، ثم قال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان.

стр. 1293

وقال النبي ﷺ : "من جهز جيش العسرة، فله الجنة"، فجهزه عثمان، ولما قدم المهاجرون المدينة، استنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها: "رومة"، وكان يبيع القربة منها بمد من الطعام، فاشتراها عثمان، وجعلها للفقير والغني وابن السبيل. * ولايته الخلافة: لما طعن المجوسي أبو لؤلؤة الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، قالوا له: أوص يا أمير المؤمنين: استخلف، فقال: ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ ، وهو عنهم راض، وهم: عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. وعهد لهؤلاء الستة أن يجتمعوا بعد موته ليتشاوروا في مبايعة واحد منهم، ولما اجتمعوا، فوضوا في الآخر إلى عبد الرحمن بن العوف أن يعين للخلافة واحدًا منهم، فدار عبد الرحمن ثلاث ليال على الصحابة، ومن وافى المدينة من أشراف الناس، وكان لا يخلو برجل منهم إلا أشار عليه بإمارة عثمان، فبايع عبد الرحمن عثمان، وتوارد الناس بعدُ على مبايعته، ومنهم: علي ابن أبي طالب - كرم الله وجهه -. * أول خطبة خطبها: بيّن عثمان منهج سياسته في أول خطبة خطبها، ومما قال في هذه الخطبة: "أما بعد: فإني حُمِّلت، وقد قبلت، ألا وإني متّبع، ولست بمبتدع، ألا وإن لكم عليّ بعد كتاب الله ، وسنّة نبيه ﷺ ثلاثاً: اتباع من كان قبلي ممن اجتمعتم عليه وسننتم، وسنّ سنّة أهل الخير فيما لم تسنّوا على ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم".

стр. 1294

* فتوحاته: فتحت في عهد عثمان أرمينيا، والقوقاز، وكان ابتداء فتحهما في عهد عمر بن الخطاب، وفتحت بلاد المغرب؛ إذ أمر عثمان عبد الله بن أبي سرح بالمسير إليها، وتم في عهد عثمان فتح بلاد الفرس، وفتحت قبرص، وذكر (سيديو) أن معاوية فتح في ذلك العهد كريد، وجزيرة رودس "سنة ٢٩". * كيف نشأت الفتنة؟ قضى عثمان ﵁ معظم أيام خلافته والناس مجمعون على حبه، والاغتباط بإمارته؛ لشدة رأفته، وواسع حلمه، ولين جانبه، ولأن أيدي الناس امتلأت في عهده من المغانم، وصاروا يتمتعون بالعيش الطيب كثر مما كانوا يتمتعون. كان بعد هذا أن دخل في الإسلام نفر غير مخلصين في إسلامهم، وإنما يريدون الكيد له، وتفريق كلمة أهله، ومن هؤلاء: عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وهو من يهود حمير، نزل بالبصرة على حكيم بن جبلة العبدي، وابتدأ يبثّ في السر: أن علياً أحق في الخلافة، ويدعو إلى نزع الخلافة من عثمان، فتعلق بدعوته نفر، وبلغ أمره عبد الله بن عامر عامل البصرة، فطرده، وجاء الكوفة، فأُخرج منها، ثم جاء الشام، فأُخرج منها كذلك، فأتى مصر، واتصل به نفر من أوشاب الناس، منهم: كنانة بن بشر، وخالد بن ملجم، وأخذ يردد عليهم أن علياً وصيُّ النبي ﷺ ، وأن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وبعث من هؤلاء دعاة في البلاد التي كان قد طرد منها، واتفق أن كان لعثمان عمّال من ذوي قرابته، وهناك أناس قد يلاقون من هؤلاء العمال ما لا يوافق أهواءهم، فيطعنون فيهم، ويتخذون

стр. 1295

من قرابتهم لعثمان وسيلة إلى الطعن في عثمان، فوجد فريق يوافقون أصحاب تلك الدعاية السرية في الطعن في عثمان نفسه، وإن كان فريقان يختلفان في الباعث على هذا الطعن، فاصحاب تلك الدعاية السرية يريدون تفريق كلمة المسلمين، أو إفساد دينهم، والفريق الثاني إنما يريد نقل الخلافة من عثمان إلى غيره؛ كراهة لبعض عماله، أو رجاء أن يجد في خلافة غيره ولاية أو غنيمة. وتكوّن من الفريقين جمع يتمضمضون بالطعن في عمال عثمان، ويتعدون بالطعن إلى عثمان نفسه، ينسبون إليه أشياءَ زوراً، ويذكرون بعض أعماله على غير وجهها الصحيح، وكان عثمان يقابل زعماء هذه الدعاية باللين، ولا يزيد على أن يدفعهم بالحجة. كان جماعة من أهل الكوفة قد أظهروا العداء لعثمان، فأبلغ سعيد بن العاص عثمانَ خبرهم، فكتب إليه بإرسالهم إلى معاوية، وكتب إلى معاوية: أن نفراً خلقوا للفتنة، فقم عليهم، وانههم، وإن آنست منهم رشدًا، فاقبل، وإن أعيوك، فارددهم إليّ. فانزلهم معاوية، وأجرى عليهم من الرزق ما كان لهم بالعراق، ولكن معاوية بعد محادثتهم، استصغر عقولهم، واحتقر شأنهم، وكتب إلى عثمان يقول له: إنه قدم عليّ أقوام ليس لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجّة، وإنما همهم الفتنة، وليسوا بالذين ينكون أحدًا إلا مع غيرهم، فانه سعيداً عنهم، فإنهم ليسوا كثر من شغب ونكير. ومما جعل عمال عثمان يوسعون صدصرهم لهؤلاء الطاعنين، ولا يبادرون

стр. 1296

إلى عقوبتهم الزاجر: أنهم كانوا يتظاهرون في طعنهم بحال من يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيام دعوة منظمة، لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً، تختلق المعايب، وتلصقها بعثمان وعماله، قد تأخذ بأذهان بعض الغافلين عن سريرة أولئك الدعاة، ويتخيلون أن الدعوة لإصلاح أمر الدولة، فيشارك هؤلاء الغافلون ذينك الفريقين في هذه الدعاية، أو يقفون في الأقل موقف الحيادة، فلا غرابة أن تنقل كلمات في نقد سياسة عثمان عن أناس لا يريدون إفساد حال المسلمين، ولا يبتغون إدراك منفعة خاصة قد فاتتهم، وإنما يقولونها عن تأثر بتلك الدعاية المنظمة الدائبة. وربما ذكر المؤرخون أشخاصاً معدودين من الصحابة مثل: عمّار بن ياسر، وعمرو بن العاص، ويقولون: إنهم كانوا يؤلبون على عثمان، ومتى صحّ أصل الرواية، فمن المحتمل أن يكون الذي صدر منهم لا يزيد على إبداء آراء يخالفون بها رأي عثمان في بعض تصرفات الدولة، أو تولية رجال يرونهم غير ذي كفاية لما تقلدوا من الأعمال، فجاء بعض ذوي الأهواء إلى هذا النقد الذي لا تخلو منه دولة، وإن بلغت من الرشد والعدل غايتهما، وسمّاه تأليباً. وقد بلغ الحال بدعاة الفتنة أن يزوّروا رسائل على أنها صدرت من عائشة، وعلي، وطلحة، والزبير في الدعوة إلى خلع عثمان، وبلغ أمر هذه الرسائل إلى هؤلاء الصحابة الأجلاَّء، وتبرؤوا منها، وأنكروا أن تكون صدرت منهم. وبمثل هذه الرسائل المزوّرة كانوا يخضعون الغافلين الذين لا يتثبتون فيما ينقل إليهم من الأنباء.

стр. 1297

والظاهر أن من أسباب سريان هذه الدعاية الخبيثة: كثرة من دخلوا في الإسلام ممن لم تستنر بصائرهم بهداية الدين الحنيف حق الاستنارة، ولم يقدروا أصحاب رسول الله ﷺ حق أقدارهم، يضاف إلى هذا: ما كان عليه عثمان من النبل والحلم والحياء. ثم ما كان يجري عليه عماله من عدم مقابلة الطاعنين فيهم أو في عثمان بالشدة الزاجرة، إما استخفافًا بأمرهم، وإما احتمالًا لهذا المطاعن، ولاسيما مطاعن يتظاهر أصحابها بأنهم يتظلمون، أو يريدون إقامة معروف، أو إزالة منكر. ومن تتبع سيرة الخلفاء الراشدين، أو من جاء بعدهم من الخلفاء العاقلين، وجدهم لا يعاقبون الناس على نقد سياساتهم، وإن ظهر النقد في أقوال جافية، وهذا معاوية يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، فإن لم يكن من أحدهم إلا كلمة يشتفي بها، جعلت له ذلك دبر أذني. * كيف دبر خلع عثمان أو قتله؟ مما لا نرتاب فيه: أن ليس للصحابة، ولا لأفاضل التابعين سعي في خلع عثمان، ولا دخل في قتله، وإنما المؤتمرون على ذلك هم دعاة الفتنة، واستعانوا بمن تلون بدعايتهم، ونعوّل في هذا على أقوال المحدثين والمحققين من المؤرخين. قال الحافظ أبو بكر العربي في كتاب "القواصم والعواصم": وقد سمّوا من قام على عثمان، فوجدناهم أهل أغراض سوء، حيل بينهم وبينها، وقال: إن أحداً من الصحابة لم يشنع عليه، وقد انتدب المردة الجهلة أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغباً مؤلباً، وبما جرى عليه

стр. 1298

راضياً، واخترعوا كتبًا فيها فصاحة وأمثال، وادعوا أن عثمان كتب بها إلى علي، وذلك كله مصنوع؛ ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين، والخلفاء الراشدين. اجتمع بعض رؤوس الفتنة بالكوفة، وأخذوا يزيدون نارها حطباً، فكتب سعيد بن العاص يشكوهم إلى عثمان، فأمره بارسالهم إلى عبد الرحمن ابن خالد عامل حمص، فوبّخهم خالد، وتوعدهم، فهابوا سطوته، وأظهروا التوبة، وأرسل بهم إلى عثمان متظاهرين بالتوبة، فخيرهم عثمان بالبلاد التي يريدون استيطانها، فاختاروا التفرق، وذهب كل إلى البلد الذي اختاره، ولما سار كل إلى ما اختار، عادوا إلى إيقاد الفتنة وتأليب الجماعة، وتكاتبوا من أمصارهم في القدوم على المدينة، حتى جمعوا أمرهم، وعزموا على خلع عثمان أو قتله، وتوجهوا نحو المدينة، متظاهرين بقصد الحج، وكان على أهل البصرة حكيم بن جبلة، وعلى أهل الكوفة الأشتر النخعي، وعلى أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي، فدخلوا المدينة في نحو أريعة آلاف شخص، فاطلع عليهم عثمان من حائط داره، ووعظهم، وذكرهم، فاستشاطوا، ولم تنجع فيهم الموعظة، وأراد الصحابة أن يدفعوهم عنه، فأوعز إليهم عثمان أن لا يقاتل أحد بسببه أبدًا، وثبت أن عبد الرحمن بن الزبير قال لعثمان: إن معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منها، فأذنْ لنا، فقال: أذى الله رجلاً أراق لي دمًا. وقال سليط بن سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا، لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا. وجاءه زيد بن ثابت، فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، قال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا. وروي: أن عبد الله بن عامر قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال لي: اعزم على كل من رأى أن عليه سمعاً وطاعة

стр. 1299

إلا كف يده وسلاحه. ويحدثنا القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة"، فيقول: ولقد قتل عثمان، وطالبوه أربعة آلاف، وفي المدينة أربعون ألفاً، كلهم لا يريد قتله، ويريد نصره، ولكنه دفعَ الكلَّ، واستسلم للأمر بالعهد الذي كان عنده، ولم يرض أن يراق بسببه دم، ورضي أن يكون عند الله المظلوم، ولا يكون عند الله الظالم. ولما ضرب أولئك البغاة على عثمان الحصار، كان معه وعلى بابه جماعة من الصحابة وأبناء الصحابة يحرسونه، منهم: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبدالله بن عمر، والحسن، والحسين، وعبدالله بن الزبير، ومحمد ابن طلحة، وعبدالله بن عامر، وربما وقعت بينهم وبين الثائرين مدافعة، حتى أصيب الحسن وغيره بجراح. ثم إن هؤلاء الثائرين اقتحموا دار عثمان يريدون قتله. ويذكر المؤرخون في أسماء من باشروا قتله: محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن أبي بكر لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد سنة حجة الوداع، وهي السنة التي انتقل عقبها النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، فكان أيام فتنة عثمان لم يزل في أوائل عهد الشباب. على أن بعض الروايات تقول: إن محمد بن أبي بكر بعد أن دخل على عثمان كلّمه ووعظه، فرجع، ثم دخل سفهاء القوم، فسفكوا دمه الطاهر، وكتاب الله بين يديه، وصعدت روحه الطاهرة إلى مقام كريم. * رد ما ينسب إلى عثمان من الأحداث: يذكر المؤرخون أشياء كان الناقمون على عثمان قد اتخذوها أسباباً

стр. 1300

لثورتهم عليه، ومن هذه الأشياء ما هو مفترى على عثمان قطعاً، ومنها ما لو صحّ، لم يكن موضع إنكار، وإنما هو من قبيل ما يرجع إلى اجتهاد الإمام، ويقع مثله من الخلفاء الراشدين، ومنها ما يعد في حسناته وصالح أعماله. وها نحن هؤلاء نعرض على حضراتكم ما قصه المؤرخون وبعض المحدثين من الأمور التي طعن بها الطاعنون في عثمان، وجعلوها أسباب قيامهم عليه: قالوا: ولَّى عمالاً من ذوي قرابته، وزعموا أنهم ليسوا أهلاً للولاية. وذكروا: معاوية بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، ومروان بن الحكم. ويدفع هذا بأن تعيين الولاة يرجع إلى اجتهاد الإمام، وتقوى عثمان، وإخلاصه في سياسة الرعية يجعلنا على ثقة من أنه ولَّى بعض ذوي قرابته بعد أن عرف كفايتهم للأعمال، والمعيب أن يولي قريباً لا يكون كافياً للعمل، أو يؤثره في الولاية، وهو على علم بن غيره أكفى منه، ثم إن معاوية ولّاه الشام عمر بن الخطاب، ولم يزد عثمان على أن أقرّه على الولاية، وكذلك الوليد بن عقبة كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الجزيرة، وكان من عثمان أن ولّاه الكوفة، فقدمها وسار في الناس خمس سنين سيرة حسنة، حتى اتهمه جماعة بشرب الخمر، فاستقدمه عثمان، وأقام عليه الحد، وولّى مكانه سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص نشأ يتيماً في حجر عثمان، ثم انتقل إلى الشام، وأقام بها عند معاوية، فذكره عمر بن الخطاب يوماً، واستقدمه إلى المدينة، وأكرمه، وكان شريف النفس، سخي اليد، فصيح
следующие страницы →