← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الرجل، وتتطلع نفسه إلى ما يضيق عنه كسبه؛ من نحو: المطاعم، أو الملابس، أو أثاث المنزل، أو غير ذلك من متاع الحياة، ويحاول الوصول إلى هذه الملاذ أو الزينة، ولا يجد طريقاً غير الاستدانة، فيسلكها غافلاً عن سوء عاقبتها، وعلاج هذا: أن يروض الإنسان نفسه على القناعة، ويحملها على الصبر عن تلك الشهوات إلى أن يسعها الرزق الذي يأتيه من كسب طيب. قال بعض الحكماء: إذا رمت أن تستقرض المال من أخٍ ... تعوّدت منه اليُسْرَ في زمنِ العسر فَسَلْ نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر فإن أسعفت كنت الغني وإن أبت فكل ... مَنوع بعدها واسع العذر وقد يبدو للرجل أن يظهر بين قومه أو زائريه في مظهر اليسار والرفاهية، وينفق أكثر مما يتحمله كسبه اليومي أو الشهري، متخيلاً أن هذا الإنفاق يرفعه عندهم درجة، ويضع له في قلوبهم إكباراً، ومتى جرى الرجل وراء هذا المظهر المتكلف، وقع في عسرة وفاقة، وبعد أن كان في كفاف من العيش، صار إلى طبقة البائسين، ويضاهي هذا: أن يطمع الرجل في سيادة لا تدرك إلا بالمال؛ كما قال الطغرائي: أريد بسطةَ كفٍ أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قبلي ولكنه يكون قليل المال، ويرى أن قلة ماله تعوقه أن يبلغ تلك السيادة، فيندفع في طريق الاستدانة، ويخبط بها خبط عشواء، فلا يتقدم إلى السيادة خطوة، بل لا يلبث أن يضيع ما كان لديه قبل الاستدانة من فضل. أخذتُ الدَّيْنَ أدفع عن تلادي ... وأخذُ الدين أهلكُ للتلاد

стр. 1682

وقد يكون أهل منزل الرجل غافلين عن عاقبة الأخذ بالدين، وتتجه نفوسهم إلى مطالب؛ من نحو: الملابس، وأثاث البيت، يضيق عنها ما يكسبه في يومه أو شهره، ويعتذر لهم، فلا يقبلون له عذراً، فتتغلب عاطفته على حرّمه وإرادته، ويضعف أمام هذه المطالب، فيغمس يده في الدين يبتغي إرضاءهم، ولكن العاطفة الشريفة هي التي تريه أن إطلاق يده في الدين قد ينحدر به وبهم من طبقة اليسار أو الكفاف إلى ضيق في العيش، وربما أفضى ضيق العيش إلى سوء المعاشرة، وإذا ساءت المعاشرة، تباعدت القلوب، وإذا تباعدت القلوب، تباعدت الوجوه لا محالة. وللمعاملة بالدين مضار: منها: ما يعود على المعطي بالدين. ومنها: ما يعود على الآخذ به. أما المعطي بالدين، فقد يدفعه الجشع إلى تسليم ماله إلى الدائن غير باحث عن حاله من طهارة الذمة، أو المقدرة على قضاء الدين عند أجله، فتكون عاقبة ماله التلف والخسران. ومن الناس من يحاول أكل أموال الناس بالباطل من طريق الاستدانة، ويتخذ جشع التاجر وسيلة إلى هذا الاختلاس، فيسوم السلعة بثمن فوق ثمنها كما صنع طريف بن منظور مع التاجر يحيى بن جابرة إذ فخم له في الربح حتى بلغ ما أحب، وقال: أيطمع يحيى في الوفاء وقد عدا ... على مالنا في البيع عدوة فاجر فلا يحسب الكوفيّ أن عقولنا ... هفت عن حساب مثبت في الدفاتر ولكنني أغرقت في الربح وانثنى ... وليس له علم بصفقة خاسر

стр. 1683

تدعو مكارم الأخلاق التاجرَ إلى أن يتسامح مع ذي الحاجة، ويعامله بالدين، ومن الحزم أن لا يعامل بالدين إلا من يثق بذمته أو ماله، ويأمن أن تكون عاقبته ضياع المال، أو حدوث عداوة أو خصام. رغب الشارع في إسعاف ذوي الحاجات، ومعاملتهم بالدين، وعدّ هذه المعاملة من قبيل البر، وأرشد - مع هذا - أصحابَ الأموال أن يأخذوا بالحزم، ويقيموا المعاملة على شهادة، أو رهن؛ فإن الشهادة أو الرهان تقطع أسباب العداوة التي قد تنشأ عن الإنكار، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وأما الضرر العائد على الآخذ بالدين، فأوله: أن المستدين يضع في عنقه منَّة تجعل للدائن عليه فضلاً، وإن في المنن لثقلاً على النفوس التي تطمح إلى العزَّة في كل حال، قال بعض الحكماء: "الصبر على العسرة، أحبُّ إلي من احتمال المنن"، وقال حكيم آخر: ما الذلّ إلا تحملُ المننِ ... فكن عزيزاً إن شئت أو فَهُنِ ولا ينسى الآخذ بالدين أن صروف الزمان قد تأتي بما لم يخطر بالبال، فقد يطرأ على المال الذي اعتمد عليه في قضاء الدين ما يقتضي تأخيره عن وقته المعلوم، فلا يحضر عند استحقاق الدين، فيقع في وعد كاذب، وذلك ما يحترس منه أهل الفضل ما استطاعوا الاحتراس، وكان النبي ﷺ يدعو في الصلاة ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم! فقال: "إن الرجل إذا غرم، حدّث فكذب، ووعد فأخلف".

стр. 1684

وقد يطرأ على المال الذي اعتمد عليه في قضاء الدين ما يذهب به جملة، فتضيق عن هذا المدين المسالك، ويجره الدائن إلى مجلس القضاء، وهنالك تخيِّم الذلّة على وجهه في النهار، وتتوارد الهموم على قلبه بالليل. قال عياض بن عبد الله: "الدَّين راية الله في أرضه، فإذا أراد أن يُذلّ عبداً، جعلها طوقاً في عنقه". أتكسب خمساً وتنفق ستاً ... ضللت لعمري سبيل الأديب هو الدَّيْن إن جئته فترقَّبْ ... نهار الذليل وليلَ الكئيب وطعمُ الهوان وإن لم أذقه ... أمرُّ من الموت قبل المشيب ولا ينسى الآخذ بالدين أنه إذا لم يجد مالاً يقضي به الدين عند استحقاقه، فقد ينشأ بينه وبين الدائن مجافاة أو عداوة، فيكون الدين سبباً لذهاب ألفة تفوت بذهابها فوائد، أو لحدوث عداوة تجر وراءها مصائب، وكرامُ الناس يحرصون على أن لا يحدث بينهم وبين من يعرفون جفاء أو عداوة. وليذكر من يريد الأخذ بالدين: أن من التجار من لا يبيع البضاعة بالدين إلا بربح زائد على الربح المعتاد في بيعها نقداً، فيكون دفع المدين لهذا الربح الزائد، وهو يستطيع تأخير الشراء إلى وقت اليسر، منافياً لقواعد الاقتصاد. وليذكر من يريد الأخذ بالدين: أن الدين قد يحل أجله، ولا يستطيع قضاءه، فيباع عليه بعض ما يملك، أو كل ما يملك بثمن بخس، ولولا الدين، لأمكنه بيع عقاره أو عروضه بثمن لا غبن فيه. وقد يأخذ الإنسان بالدين ممن يتعاطى الربا، حتى إذا حلّ أجلُ الدين، وعجز عن أدائه، مدّ له في الأجل على أن يضيف إلى الدين زيادة المرابين،

стр. 1685

وكثيراً ما يزداد المدين بمضاعفة الربا عسراً على عسر، وإن كان يملك عقاراً أو عروضاً، خرج من ملكه بالثمن البخس، وكم من أسرة كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفر عميدها بأنعم الله، وتعاطى الأخذ بالدين، فجر نفسه وأسرته إلى أزمة، ثم إلى فقر! وتلك عقبى الساقط مع شهواته أينما سقطت. يا غامساً يده في الدَّيْنِ إنك قدَّ ... غمستها في صديد خلته عسلا والدَيْنُ للمال سم ناقع فإذا ... ما اندسّ في ثروةٍ أولى بها عجلا والحق: أن لأموال الناس حرمة، فلا يسوغ لأحد أن يأخذها على وجه الدين إلا أن تدفعه إلى ذلك حاجة قاهرة، ويأنس من نفسه القدرة على أداء الدين عند استحقاقه، فالذي يقول: له ألفٌ عليَّ ونصفُ ألفٍ ... ونصفُ الألفِ في صكِّ قديمٍ دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم لا يعد في المحسنين صنعاً إلا حيث يكون واثقاً من قدرته على قضاء هذا الدين عند حلول أجله، والذي يقول: يعاتبني في الدِّيْنِ قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا هو أهل لأن يعاتب، إلا حيث يستدين وهو على ثقة من أنه سيؤدي هذه الديون لأربابها عند اقتضائها، وإذا كانت الاستدانة من الأمور التي لا يليق بالإنسان ارتكابها إلا في حالة عسرة لا يجد منها مخرجًا، فمن المستهجن أن يكون المدين قادراً على أداء الدين، ولا يبادر إلى أدائه، وذلك هو المُطْل الذي سماه رسول الله ﷺ بالظلم، فقال: "مُطْل الغني ظلم".

стр. 1686

وفي المماطلة مفاسد شتى؛ إذ هي مظهر من مظاهر إخلاف الوعد، وشاهد على أن هذا المدين لا يحيى الذلة التي يوقعه فيها الدين، ومن آثارها السيئة: أنها تحرم الرجل أن يعامله الناس بالدين عند الحاجة. وقف أعرابي على باب قوم يسألهم، فحلفوا له ما عندهم شيء، فقال: استقرضوا لنا شيئاً، فقالوا: ما يقرضنا أحد شيئاً، فقال: ذلك لأنكم تأخذون ولا تقضون. المدين الذي لم يرسخ قدمه في الفضل يماطل بالدين، وفي وسعه أن يؤديه، والمدين الذي أخذ حظه من الفضل كاملاً يذكر أن الدائن قد وثق بذمته، وأسعفه عند الحاجة، فيبادر إلى قضاء الدين ما استطاع، وقد تدعوه سماحة نفسه أن يقضي الدين بأحسن مما أخذ، قال رسول الله ﷺ : "إن خياركم أحسنكم قضاء". ذلك شيء من أدب المدين. ومن أدب الدائن: أن يقول عند طلب الدين قولاً ليناً، ولا يهدم معروفه بالغليظ من القول، وإذا وجد المدينَ مَعسراً، مد له في الأجل ما استطاع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وإن وجد الدائن في نفسه فضلَ سماحة وغنى، فتنازل للمدين المعسر عن الدين، أو جانب منه، فذلك ما سماه الله خيراً، فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وإذا كان من سماحة نفس الدائن أن يأخذ عند اقتضاء الدين طريقة الرفق، ولا يهدم معروفه بالغليظ من القول، فإن سماحة نفس المدين أن يرعى الجميل الذي أسداه إليه الدائن، ويقابل بعض كلماته النابية بشيء

стр. 1687

من سعة الصدر. جاء رجل إلى النبي ﷺ يطلب ديناً له، وأغلظ في القول، فهمّ بعض الحاضرين من الصحابة بإيذائه، فقال لهم ﵊: "دَعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالاً". ولطهارة الضمير، وحسن النية عند تعاطي الدين أثر في تيسير أدائه، وقد أنبأ بذلك النبي ﷺ صلوات الله عليه -، فقال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه الله"؛ وتأدية الله الدين: أن يوفق الدائن سليمَ القلب، وييسر له أسباب الرزق، ذلك أنه اتّقى الله بقلبه، وطهّره من قصد كل أموال الناس بغير حق، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].

стр. 1688

الفتاوى والأحكام * وجوه صرف الزكاة (١): فرضت الشريعة الإسلامية على ذوي الأموال مقادير معينة سمتها: الزكاة، وأرشد القرآن إلى مصرفها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. والتعبير بـ "إنما" في لسان العرب يفيد الاختصاص، والمعنى: أن الصدقات - أي: الزكاة - للفقراء، وما عطفت عليهم، دون غيرهم. نظر الإسلام إلى حاجات لو بقيت في الأمة، لاختل أمرها، ولما صفا لها ورد حياتها، ففرض الزكاة؛ لتصرف في سداد هذه الحاجات، وهو - وإن لم يفرض في أموال الأفراد ما يصرف للمصالح العامة غير هذه المقادير المسماة بالزكاة - لم يقطع النظر عما يعرض للأمة من غير هذه الحاجات، بل أمرها أمراً لا هوادة فيه بأن تنفق في كل مشروع لو أهملته، لكان وصمة في مجتمعها، أو عثرة في سبيل عزتها واستقلالها. وهذا ما يسميه أهل العلم بفرض الكفاية؛ وهو ما يتوجه الخطاب به إلى الأمة على أن يقوم به من فيه الكفاية.

стр. 1689

ولاختصاص الزكاة بالأصناف المذكورة في الآية منع الأئمة من صرفها في مصالح لا تدخل في واحد من هذه الأصناف؛ كما قال مالك: "لا يعطى من الزكاة في كفن ميت، ولا بناء مسجد". وإذا اختلفوا في صرفها في وجه من وجوه الخير، فلاختلاف أنظارهم في التحاقه بأحد الأصناف المقررة في الآية الكريمة. وأكثر ما جاء من ناحيته لاختلاف: الصنف السابع، أعني: قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ فإن اللفظ من حيث مدلوله في لسان العرب شامل لكل وجه من وجوه الخير، ولكن ذكره من بين سبعة وجوه من وجوه الخير يدل على أنه يراد به ناحية خاصة فهمها السلف منذ نزول الآية. وأكثر أهل العلم على أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الغزاة، وما يحتاجون إليه في جهادهم من وسائل الدفاع، ومنهم من يجعله متناولاً لفريضة الحج، وهو ما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث قال: الحج من سبيل الله، وهو ما يراه الإمام محمد بن الحسن بن الحنفية. وذكر الألوسي: أن بعضهم يفسره بطلبة العلم، ثم قال: "وتوسع بعضهم في تفسيره، فحمله على جميع القُرَب، وقالوا: يدخل فيه كل من سعى في طاعة الله، وسبل الخيرات". ولا نظن هذا الذي يفسر ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بطلبة العلم، أو بكل من سعى في طاعة يجيز صرف الزكاة لهؤلاء، ولو كانوا أغنياء، وإذا كانوا لا يستحقونها إلا في حال الحاجة، فقد دخلوا في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فصرف جانب من الزكاة على ذوي الحاجة من طلاب العلم بالمدارس، أو من يلقي بهم المرض على مضاجع المستشفيات،

стр. 1690

لا يختلف فيه اثنان. فإذا كان الإنفاق علي بناء المدارس والمستشفيات من أموال يجود بها أهل الخير بداعي كرم النفس، والرغبة في عمل البر، فلا بأس بعد هذا في أن ينال من بهم خصاصة من الطلاب والمرضى جانب من الأموال التي تجمع باسم الزكاة. وخلاصة القول: أن من يمنع صرف الزكاة في وجه من وجوه المصالح العامة لا يقصد إلى عدم المبالاة بذلك الوجه، وإنما ينظر في فتواه إلى أن آية الزكاة لا تتناوله، وما لا تتناوله الآية يبقى في المشروعات المفروضة على الأمة فرض كفاية. والأمة التي تقدر حياة الاستقلال، وتأبى أن تكون في مؤخر الأمم، لا تتباطأ عن أن تبذل في المشروعات الصالحة غير ما يؤخذ منها باسم الزكاة. وليس غلبة الجهل عليها، وقلة شعورها بمقتضيات الحياة الاستقلالية بالعذر الذي يسيغ لنا تأويل ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على كل مشروع نافع، بل الواجب تعليمها واجبات شريعتها، وإرشادها إلى وسائل الخلاص والقوة حتى تلين قناتها، وتبلغ من استقامة الأخلاق أن تلذّ الإنفاق في سبيل كل مشروع جليل. * المرأة والقضاء (١): سؤال: قرأت مقالاً في مساواة المرأة بالرجل في الميراث جاء فيه هذه الجملة: (حتى أجاز "الإسلام" لها "المرأة" أن تتولى القضاء)، فهل هذا الرأي صحيح في ذاته؟ ومن الذي قال به من علماء الإسلام؟ وهل له مستند

стр. 1691

من الكتاب والسنّة، مع ما في المرأة من عوائق طبيعية واجتماعية؟ جواب: ينسب القول بصحة ولايتها القضاء إلى محمد بن جرير الطبري، ونقل عن الإمام أبي حنيفة: أنها تقضي فيما يصح أن تشهد فيه، وقد حمله بعض أهل العلم على معنى: صحة حكمها في القضية الواحدة ونحوها على سبيل التحكيم أو الاستنابة. قال أبو بكر بن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣] من كتاب "الأحكام": ونقل عن محمد بن جرير الطبري: أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك لسبيل التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة؛ بدليل قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". ومن نظر إلى ما يقتضيه فصل القضايا من أن يكون القائم بأعبائه على جانب من الجزالة، وصرامة العزم، وأن يكون مقامه مهيبًا في النفوس، عرف أن المرأة لم تخلق لأن تتولى القضاء المطلق؛ إذ تغلب عليها رقة العاطفة، وهشاشة الطبع، وسرعة التأثر، وليس من شأن الرجال أن يهابوا مكانها الهيبة التي يكون لها الأثر في التحقيق أو التنفيذ. * وسائل منع الحمل (١): سؤال: هل يجوز استعمال وسائل لمنع الزوجة من الولادة؟ وإذا كان

стр. 1692

جائزاً، ففي أحوال خاصة، أو هو جائز على الإطلاق؟ جواب: رغب الشارع في النكاح، وأهم مقصد له من هذا الترغيب: تكثير النسل، وإبقاء النوع البشري، وإذا كان أهم ما يقصده الشارع من الزواج تكثير النسل، وعمارة الأرض، كان العمل لمنع الزوجة من الولادة على خلاف قصد الشارع، فهو إما مكروه، وإما حرام. فالعزل - وهو أن يريق الرجل النطفة حال استمتاعه بزوجته، خارجَ موضع الاستمتاع - مكروه، فإن دعت إليه مصلحة؛ كأن يكون الزوجان في دار الحرب، صار مباحاً، ويقاس على العزل: استعمال دواء للمنع من الحمل، فهو مكروه، إلا أن تدعو إليه مصلحة؛ كأن يكون في الحمل ضرر على المرأة، أو على الولد من جهة الصحة، ويعرف هذا الضرر بتقرير عارف أمين، هذا ما يقوله كثير من الفقهاء، ووجه الكراهة ظاهر في نقص عدد الأمة وضعفها. والواقع أن في استعمال الأدوية للمنع من الحمل مفسدةً ظاهرة لا ينبغي الاستهانة بها إلا حيث تدعو الضرورة إلى هذا المنع، ولو تتابع الناس على اتخاذ الوسائل إلى المنع من الولادة، لأدى الحال إلى انقطاع النسل أو قلته، فيتضاءل عدد الأمة، وتذهب قوتها أمام أعدائها، فيصير اتخاذ تلك الوسائل من الإلقاء بالنفوس والأوطان في تهلكة، وهذا مما ينظر إليه المحققون من المالكية حين نصوا على المنع من استعمال ما يبرد الرحم، ويفسد القوة التي يتأتى بها الحبل. أما استخراج ما في الرحم بعد استقراره، فممنوع، ولا سيما بعد أن تنقلب النطفة إلى صورة إنسان، وهذا ما حققه الإمام الغزالي في "الإحياء"،

стр. 1693

والقاضي أبو بكر بن العربي في "القبس"، فإذا نفخ فيه الروح، فإسقاطه قتل نفس بلا خلاف. * حكم اختلاط الجنسين في معاهد التعليم (١): ادعى بعض الناس في هذا العصر: أن الكتاب والسنة لا يمنعان من اختلاط الفتيان والفتيات في معاهد التعليم، والواقع: أن دلائل أحكام الشريعة وآدابها غير مقصورة على نصوص الكتاب والسنّة، بل للشريعة أصول وقواعد يدركها المجتهدون بالنظر في تلك النصوص، والغوص على مقاصدها، وعلل أحكامها، فيطبقون تلك الأصول والقواعد على الوقائع التي لم يرد فيها نص صريح. ويكون الحكم المستنبط من طريقها في وجوب العمل به بمنزلة الأحكام المصرح بها. ومن هذه الأصول الشاهدة بكمال حكمة التشريع: قاعدة: سد الذرائع المفضية إلى فساد، وليس من شك في أن اختلاط الفتيان والفتيات في الدروس ذريعة إلى عواقب غير محمودة. وقد دلت الروايات الصحيحة على أن رسول الله ﷺ أذن للنساء في الحضور للصلاة بالمساجد، وكنَّ يصلين في آخر المسجد، وينصرفن قبل أن يقوم الرجال من أماكن الصلاة، في "صحيح البخاري" عن أم سلمة: "أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كنّ إذا سلَّمن من المكتوبة، قمنَ، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله، قام الرجال". وفي الصحيح أيضاً: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا". نرى - والله أعلم - أن

стр. 1694

ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يدركهن أحد من الرجال. فالرواية الصحيحة دلت على أن النساء كنَّ يصلين في مؤخر المسجد، وينصرفن عقب الصلاة إلى منازلهن، وأن الرجال لا يقومون من مواضع صلاتهم إلا بعد أن ينصرف النساء، وليس لأحد أن يقيس على حضور النساء بالمسجد للصلاة على الوجه الوارد في الصحيح، اختلاطَ الفتيان والفتيات في دروس العلم، ففي حضور الصلاة بالمسجد من دواعي غض البصر عن المحارم، وتعظيم أمر الله ما لا يوجد في حضور الدرس. ونزيد على هذا: أن النساء ما كنّ يحضرن في مجالس رسول الله ﷺ مع الرجال، على ما في تلك المجالس من وقار، وما في قلوب أولئك الرجال من تقوى، ونذكر من شواهد هذا: حديث أبي سعيد الخدري المروي في "صحيح البخاري:، وهو: "أن النساء قلن للنبي- ﷺ : غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن، وأمرهن"، ولو كان النساء يختلطن بالرجال في مجلسه، لما قلن: "غلبنا عليك الرجال"، ولم يحدث بعد عهد النبوة إلى عصرنا هذا ما يدعو إلى اختلاط الفتيان والفتيات في معاهد التعليم، بل الذي حدث: هو أن الخطر الذي بني عليه الشارع المنع من هذا الاختلاط قد اتسعت دائرته إلى حد بعيد، وفائدة الفتيات العلمية غير موقوفة على هذا الاختلاط؛ إذ يمكن الاحتفاظ بها كاملة مع الفصل بينهن وبين الفتيان في معاهد التعليم. * الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان (١): سؤال: هل التشريع الإسلامي تراعى فيه ظروف الزمان والمكان، أم

стр. 1695

يجب الوقوف فيه حتماً عند النصوص، وكل ما جاوزها يؤثم عليه، ولا يعتد به شرعاً؟ نرجو الجواب الآن، لشدة الحاجة إليه. جواب: معروف في علم القضاء: أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً، وعلى هذا الأصل تقوم الشريعة الإسلامية، وبهذا يمكنها أن تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل، ذلك أن الإسلام دلّ على بعض الأحكام في أصول كلية؛ ليستنبط منها المجتهدون أحكام الوقائع على حسب مقتضيات أحوال الأزمنة والمواطن. وقد أجمع علماء الإسلام على أن أحكام الشريعة قائمة على رعاية مصالح العباد، وأنه يرجع في تعرف المصالح إلى أنظار المجتهدين، ومن هنا قرروا أن أصول الشريعة ترجع إلى أربع قواعد: "الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"العادة محكمة"، و"الأعمال بمقاصدها". وترجع إلى هذه القواعد العليا قواعد تجعل أحكام القضاة المجتهدين أحفظ للمصالح، وأشد مطابقة لمقتضيات العصر، ومن هذه القواعد: قاعدة: رعاية المصالح المرسلة، والمصلحة المرسلة: مصلحة يدركها العقل في حادثة، ولم يقم عليها دليل خاص من الكتاب والسنّة. ومنها: قاعدة: مراعاة العرف، وقاعدة: سد الذرائع، وهي المنع من أشياء شأنها أن تؤدي إلى أمور تشتمل على فساد، ويدلكم على أن الشريعة الإسلامية قائمة على رعاية المصالح: أن المجتهدين من أئمتها قد يحملون بعض النصوص المطلقة على أحوال خاصة إذا اقتضت قاعدة رعاية المصالح المرسلة فهمَ النص على أن المراد: العمل به في هذه الأحوال الخاصة. وصفوة هذه الكلمة الموجزة: أن التشريع الإسلامي يوافق حال كل

стр. 1696

عصر، ولو نظر إليه غير المسلمين بالعين التي ينظرون بها إلى القوانين الوضعية، وقارنوا بينه ويين تلك القوانين مقارنة رائدُها البحث عن الحقيقة، لرأوه رأي العين كيف يأخذ بالعدل من أطرافه، ويعطي كل ذي حق حقه. ورجال جمعية الهداية الإسلامية، وفيهم أساتذة ممن درسوا الحقوق دراسة وافية، مستعدون لإقامة الحجة على أن التشريع الإسلامي أرقى تشريع تُصان به الحقوق، وتلقى به الإنسانية أمنها وسعادتها. * إشاعات السوء وموقف الإسلام منها (١): إشاعات السوء عن شؤون الأمة، وسير أعمالها، وأهداف إصلاحاتها، ومقاصد رجالها لا تقل ضرراً في كيان الأمة وسلامة الوطن عن التجسس للعدو على دخائلها، ومواطن قوتها وضعفها. فكل ذلك خدمة للعدو، وموالاة له. وقد خاطب الله المسلمين بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]. بل إن موالاة العدو - في حال عدوانه -، وترويج ما ينفعه في مضرة الإسلام وأهله تخرج الموالين له عن تبعيتهم لأمتهم، وتلحقهم بأمة عدوهم. وفي ذلك يقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. * ترويج إشاعات السوء: ومن أشد ما يوالي به المنافقون من يكيد للأمة من أعدائها: ترويج إشاعات السوء، والإصغاء إليهم، وقد ورد في ذلك قوله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ

стр. 1697

﴿فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] وكان مما كانوا يرجفون به: ما ذكره الله عنهم في قوله : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. ولهؤلاء المنافقين خلفاء في كل عصر من عصور الإسلام، وفي كل وطن من أوطانه، يخذلون الناس عن أئمتهم وولاة أمرهم، ويشيعون السوء عن برامجهم وخططهم، وهذا مرض في القلوب كما وصفه الله ، وعلى من يصاب بهذا المرض أن يعالج نفسه قبل أن يعالج بأحكام الله. وفي هؤلاء أيضاً ورد قول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]؛ أي: أفشوه حيث لا يكون من المصلحة العامة إذاعته وإفشاؤه. وقد يكون ما يذيعونه كذباً ومضراً بالمصلحة، فيكون ذلك من الإثم المزدوج الذي طهر الله قلوب المؤمنين منه. واللائق بالمسلمين إذا سمعوا قالة السوء أن يكونوا كما أراد الله للمسلمين في قوله : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. إلى أن قال سبحانه: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥ - ١٦]. ولما عاد المسلمون من غزوة أحد، كان فيهم من اختلفوا في الحكم على المنافقين والمرجفين، فقال فريق للنبي- ﷺ : "اقتلهم"، وقال فريق: "لا تقتلهم"، فنزل في ذلك قول الله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، وفي ذلك ورد الحديث النبوي: "إنها طيبة - أي: المدينة - تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الحديد"، وفي

стр. 1698

رواية: "خبث الفضة". وأول فتنة في الإسلام، وهي الجرأة على خليفة رسول الله وصهره سيدنا عثمان، كان منشؤها إشاعات السوء الكاذبة، وتضليل البسطاء وضعاف الأحلام، فجرّ ذلك على الأمة من الضرر ما لم تتوصل إلى مثله الدول المعادية بما لديها من جحافل وقوات حربية. وفي الليلة الأخيرة قبل نشوب حرب الجمل توصّل أصحاب رسول الله ﷺ من الفريقين إلى التفاهم على ما يرضي الله من إقامة الحدود الشرعية على من يثبت عليه أن له يداً في مصرع أمير المؤمنين عثمان، وبات أبناء كل فريق في معسكر الفريق الآخر بأنعم ليلة وأسعدها، وأرضاها لله، فما كان من قَتَلَة عثمان ومن يتبعهم من قبائلهم، إلا أن أنشبوا القتال في الصباح الباكر، وأشاعوا في معسكر من المعسكرين بأن المعسكر الثاني هو المهاجم له، على خلاف ما اتفقوا عليه بالأمس، وبذلك كانت الإشاعات بين الطرفين أفتكَ بهما، وأضرَّ على الإِسلام من أسلحة البغاة الفاتكة. أيها المسلمون! إن إشاعات السوء سلاح العدو، والذي يصغي إليها يمكِّن العدو من الفتك بالأمة والوطن، وتحسبونه هينًا، وهو عند الله عظيم، فاعملوا في ذلك بهداية الله وإرشاده حين يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. وعلى ولاة الأمر أن يتصرفوا فيمن يثبت عليهم ذلك وفقاً لحكم الله تعالى حين يقول لنبيه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].

стр. 1699

إن الأمة تجتاز اليوم مرحلة من أدق مراحلها في تاريخ نضالها العنيف، هي مرحلة تقرير المصير. وهذه المرحلة - بما لها من الخطر والأثر في مستقبل الأمة وحاضرها - تقتضي منا أن نتيقظ لكل ما يراد بنا، سواء من العدو الغاصب، أو من أعوانه. وأن نحذر دعاة الفتنة، والذين يعملون على إشاعتها بين طبقات الأمة. ولنعلم أن هؤلاء وأولئك يستهدفون غرضاً واحداً. ويعملون لغاية واحدة، هي تمزيق الشمل، وتشتيت الجمع، وتفريق الكلمة، وإشاعة الكراهية بين الحاكم والمحكوم، وإلقاء العداوة بين المؤتمين والمأموم. وهم بهذا يعملون للفتنة ومن أجلها. فإذا ما تحققت غايتهم، فإن الفتنة لا تصيبهم وحدهم، ولا تصيب طائفة دون أخرى، وإنما هي تصيب الأمة بأسرها. وقد حذرنا الله تعالى منهم ومن فتنتهم، فقال - جل شأنه -: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥]، واتقاء الفتنة يكون بدفعها وإدحاضها، وإنزال العقوبة الرادعة على كل من يثبت عليه أنه كان سبباً فيها، أو في عنصر من عناصرها. ويرى علماء الشافعية أن تكون العقوبة هي (الإعدام) لكل من يثبت عليه أنه أحدث بين المسلمين فتنة. وأما علماء المالكية، فإنهم يتركون الحد على هذه الجريمة لاجتهاد الإمام؛ أي: الحاكم، ومن هنا نرى أنه لا سبيل إلى الهوادة أو المهادنة في إقامة الحد على هذه الجريمة النكراء، جريمة إحداث الفتنة بين الصفوف مناصرة لعدو البلاد الأكبر، وهو المستعمر الغاصب. فلنتق الله في أمتنا ووطننا، وتقوى الله تدفع كل شيء، وتحول دون أي مكروه، والله يوفقنا ويسدد خطانا إلى ما فيه النجاح والرشاد.

стр. 1700

* هل للمرأة أن تباشر الوظائف العامة (١): استهل فضيلته حديثه في هذا الموضوع الخطير بالسؤال عن الغاية التي تهدف إليها المرأة من وراء هذه الدعوى، وقال: هل تريد أن تهجر البيت؛ لتقضي وقتها بين الأندية والمجتمعات والمحافل السياسية في مناقشة القوانين، وفيما يجب أن يفرض من العقوبات، ويرسم من الحدود، وما إلى ذلك من مسائل التشريع والتقنين؟ إن كان هذا مقصدها، فهل لها أن ترشد أهل الصواب والمنطق والحق في أي عصر إسلامي كان هذا؟ وفي أي عهد من العهود التي ازدهرت فيها تعاليم الإسلام وانتشرت أحكامه ومذاهبه تولت المرأة شؤون الولاية العامة!؟ ثم استطرد فضيلته فقال: إن الشريعة الإسلامية تحرم اختلاط المرأة بالرجال. والدعوى بمنح المرأة حقاً سياسيًا إنما هي وسيلة من وسائل الاختلاط تريد المرأة في هذا العصر أن تتذرع بها لتكسو اختلاطها بالرجال ثوب المصلحة العامة، وهذا عمل لا تقره الشريعة الإسلامية، وليس جائزاً في أي مذهب من مذاهبها؛ لأن الشريعة قد فطنت إلى ما ينجم عن اختلاط المرأة بالرجل من مضار اجتماعية وخيمة، ومن شرور لو قلنا إنها محتملة الوقوع، لكان ذلك الاحتمال كافياً لمنعها ودرئها. وإذا كانت المرأة تريد في سبيل تبرير دعوتها أن تلجأ إلى السباب، وإلى الغض من أقدار سلف العلماء، والطعن عليهم، والنيل من كرامتهم، وتحقير شأن من يريد أن يبصرها بالصواب والرأي السديد، فإنما تكون قد أقامت الدليل القاطع على أنها لا تصلح عضواً في معترك الحياة؛ لأن مثل

стр. 1701

هذا الطريق لا يلجأ إليه إلا من ضعفت حجته، واختلطت عليه موازين الأشياء ومقاييس الأمور. ولقد سبق أن أفتت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى شرعية بينت فيها بمختلف طرق التبيين، على مختلف الآراء الفقهية ما للمرأة من حقوق، وما عليها من واجبات، وفصلت لها نوع الولاية، وعرفتها أن الولاية العامة هي السلطة الملزمة في شأن من شؤون الجماعة؛ كولاية سن القوانين، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام، والهيمنة على القائمين بذلك، وقالت: إن الشريعة الإسلامية قد قصرتها على الرجال إذا توافرت فيهم شروط معينة، وزادت على ذلك في مقام التبيين: أنه لم يثبت أن شيئاً من هذه الولاية العامة قد أسند إلى المرأة، لا مستقلة، ولا مع غيرها من الرجال؛ وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، وفيهن من تفضل كثيراً من الرجال، كأمهات المؤمنين، وساقت قصة سقيفة بني ساعدة في اختيار الخليفة الأول بعد الرسول ﷺ ، إذ بويع أبو بكر البيعة العامة في المسجد، ولم تشترك امرأة مع الرجال في مداولة الرأي في السقيفة، ولم تُدع لذلك. وقد أفاضت لجنة الفتوى في بيان أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بما يجب أن تمنع منه المرأة من الوظائف العامة، ودعمته بالبراهين القطعية، والأسانيد التاريخية، والأدلة اليقينية. وكان المأمول أن تقف المرأة عند حدودها التي رسمتها لها الشريعة الإسلامية، في بلد إسلامي، ودولة إسلامية، وأن تعمل من جانبها على أن تسترشد بما يراه أهل الرأي من الفقهاء في أمرها، فتلزم بيتها في رعاية زوجها وكنفه، ولكنها عادت مرة ثانية إلى المناداة بوجوب منحها حقوقاً سياسية معينة، ومع أن الشريعة الإسلامية قد أفسحت

стр. 1702

لها الطريق في كل ما يتعلق بمسائل الولاية الخاصة، وقد ساوتها بالرجل في هذا النوع من الولايات؛ إذ جعلت لها حق التصرف في أموالها بالبيع والهبة، والرهن والإجارة، وغير ذلك من مختلف ضروب التصرفات، وأجازت لها الوصاية على الصغار، والولاية على المال، والنظارة على الأوقاف، إلا أنها لم تقنع بما رسمته لها الشريعة الإسلامية، وأرادت أن تدفع نفسها بنفسها، وأن ترسم الطريق حسب أهوائها وغاياتها؛ لتتولى وظائف الدولة التي تدخل في نطاق الولاية العامة؛ كسن القوانين، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام ... إلخ. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد جعلت القوامة على النساء للرجال، وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، وجعلت حق طلاق المرأة للرجل وحده، ومنعتها من السفر دون محرم، أو زوج، أو رفقة مأمونة، وجعلت لها حق حضانة الصغار دون الرجل، وأوجبت على الرجل حضور الجمعة والجماعة والجهاد، ولم توجب عليها شيئاً من ذلك، أقول: إذا كانت الشريعة الإسلامية قد رسمت لها حدودها، وبينت لها مهمتها، فما بالها تريد أن تخرج من أحكامها؛ لتزج بنفسها في انتخابات تدافع فيها وتدفع، وتختلط في ميدانها بالجماعات والأفراد من الرجال، وهي بطبيعة أنوثتها غير مأمونة ولا معصومة؟! وما بالها تريد أن تثير حولها الزوابع، وتخوض المعامع، في الوقت الذي كفتها فيه الشريعة مؤونة الكفاح، وجنبتها مواطن الزلل، ورسمت لها من الحدود ما يتكافأ وطبيعتها في ميدان العمل المنتج المفيد لها وللجماعة التي تعيش فيها؟!. وأعتقد أنه من المستحسن أن أسوق بعض ما رأته لجنة الفتوى في

стр. 1703

مقام التدليل الفقهي على منع المرأة من الاشتغال بوظائف الولايات العامة، فقد استندت إلى ما رواه البخاري في "صحيحه"، وأخرجه أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه"، والترمذي في "جامعه". قال البخاري: حدثنا عثمان بن الهيثم، قال: حدثنا عوف عن الحسن البصري، عن أبي بكرة، قال: لقد نفعني الله بكلمتين أيام الجمل: لما بلغ النبي ﷺ أن فارس ملّكت ابنة كسرى، قال: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". وقد ذهبت اللجنة في استنتاج المراد من هذا الحديث، وفي استنباط دلالته العامة مذهب صدق، فقالت: إن الرسول ﷺ لا يقصد بهذا الحديث مجرد الإخبار عن عدم فلاح القوم الذين يولّون المرأة أمرهم؛ لأن وظيفته ﵊ بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسار، وإنما يقصد: نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمورهم. ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة، وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه؛ كما يفيده المعنى الذي من أجله كان هذا المنع. وهذا هو ما فهمه أصحاب الرسول ﷺ ، وجميع أئمة السلف، لم يستثنوا من ذلك امرأة، ولا قوماً، ولا شأناً من الشؤون العامة، فهم جميعاً

стр. 1704

يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى، والقضاء، وقيادة الجيوش، وما إليها من سائر الولايات العامة. هذا الحكم المستفاد من هذا الحديث - وهو منع المرأة من الولاية العامة- ليس حكماً تعبدياً يقصد مجرد امتثاله دون أن تعلم حكمته، وإنما هو من الأحكام المعللة بمعان واعتبارات لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان: (الرجل والمرأة). ذلك أن هذا الحكم لم ينط بشيء وراء (الأنوثة) التي جاءت كلمة (امرأة) في الحديث عنوانًا لها، وإذاً فالأنوثة وحدها هي العلة فيه. وواضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها الطبيعي عدم العلم والمعرفة، ولا عدم الذكاء والفطنة، حتى يكون شيء من ذلك هو العلة؛ لأن الواقع يدل على أن للمرأة علماً وقدرة على أن تعلم كالرجل، وعلى أن لها ذكاء وفطنة كالرجل، بل قد تفوق الرجل في العلم والذكاء والفهم. فلا بد أن يكون الموجب لهذا الحكم شيئاً وراء ذلك كله. إن المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، وهي مهمة الأمومة، وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة، وهي -مع هذا - تعرض لها عوارض طبيعية تتكرر عليها في الأشهر والأعوام، من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية، وتوهن من عزيمتها في تكوين الرأي، والتمسك به، والقدرة على الكفاح والمقاومة في سبيله، وهذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها. ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال، والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها.

стр. 1705

فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمى بيئة نسوية إلى تغليب العاطفة على مقتضى العقل والحكمة. وآيات من سورة الأحزاب تشير إلى ما كان من نساء النبي ﷺ ، وتطلعهن إلى زينة الدنيا ومتعتها، ومطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما أفاء الله به عليه من الغنائم؛ حتى يعشن كما تعيش زوجات الملوك ورؤساء الأمم، لكن القرآن قد ردهن إلى مقتضى العدل والحكمة، من ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. وآية أخرى من سورة التحريم تحدث عن غيرة بعض نسائه ﵊، وما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة على العقل؛ مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به على الرسول ﷺ ، وقد ردهن القرآن إلى العبادة: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. هذه هي المرأة في أسمى البيئات النسوية، لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة، ولم تنهض قوتها المعنوية على مغالبة نوازع الغيرة، مع كمال إيمانها، ونشأتها في بيت النبوة والوحي، فكيف بامرأة غيرها لم تؤمن إيمانها، ولم تنشأ نشأتها، وليس لها ما تطمع به أن تبلغ شأوها أو تقارب منزلتها؟! فالحق: أن المرأة بأنوثتها عرضة للانحراف عن مقتضى الحكمة والاعتدال في الحكم، وهذا ما عبر عنه الرسول ﷺ بنقصان العقل، ورتب

стр. 1706

عليه كما جاء في القرآن الكريم: أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل. ومجمل القول في هذا كله: أن المرأة لا يجوز لها أن تباشر عملاً من أعمال الولاية العامة مطلقاً، ولا يجوز لها كذلك أن تغشى الأندية والمحافل والمجتمعات العامة، مهما كان السبب الذي يدفعها إلى ذلك؛ لأننا أمة إسلامية، والإسلام يلزمها هذه الحدود، ولا يجيز لها أن تتعداها.

стр. 1707

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (٧) «مُحَاضَرَاتٌ إسْلاميَّةٌ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 1708

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 1709

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة " محاضرات إسلامية" لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - أثر عظيم يضم فرائد محاضرات قيمة، ألقاها من منابر الخطابة في العديد من الجمعيات الإسلامية، سواء في تونس، أو القاهرة. وهذه المحاضرات منها ما نشر في رسائل صغيرة مطبوعة - وقد نفدت -، ومنها ما نشر في المجلتين الإسلاميتين الكبيرتين، مجلة "نور الإسلام"، والتي تعرف اليوم باسم مجلة "الأزهر"، ومجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها المؤلف في القاهرة. وفاتحة هذه المحاضرات: "الحرية في الإسلام" من أمهات المحاضرات الإسلامية وأوائلها التي ألقاها الإمام الأكبر في مطلع حياته الدينية والسياسية، ألقاها بنادي "جمعية قدماء تلامذة الصادقية" في تونس، وذلك مساء يوم السبت الواقع في ١٧ ربيع الثاني من عام ١٣٢٤ هـ. وكان يشغل آنذاك منصب قاضي مدينة "بنزرت"، وقد طبعت هذه المحاضرة عام ١٣٢٧ هـ برسالة خاصة، وأعيد طبعها مرتين فيما بعد. تعتبر محاضرة: "الحرية في الإسلام" من الوثائق القومية والتاريخية التونسية الهامة، فقد ألقيت في عهد الحماية الفرنسية، وفي أوج غطرستها وشراستها، تلك الحماية الرهبية التي كانت تعتبر تونس قطعة أرض ملحقة

стр. 1710

بفرنسا، وتكمم الأفواه عن النطق بالأحاديث المعتادة، فكيف الحال بصوت داوٍ يتحدث عن الحرية في آذان شعب مضطهد؟!. تناقلت الأيدي المحاضرة من بيت إلى بيت، ومن معهد إلى معهد، يهمس بها المواطن التونسي إلى أخيه، فينتشر شعاعها في القلوب المؤمنة بحرية التراب التونسي. وقد حدثني سيدي الوالد الشيخ زين العابدين التونسي -حفظه الله- أن العم الإمام ﵀ عندما ألقى هذه المحاضرة أحدثت أثراً عميقًا في المجتمع التونسي، ما زال يفعل فعله في الأوساط الشعبية كالنار في الهشيم، وكانت صوتًا من أصوات النضال التونسي السائر في الطريق إلى الحرية. مثل تلك المواقف التي وقفها الإمام الأكبر ﵀، وما كان يبديه من آراء جريئة في المجلة التي كان يصدرها بتونس تحت اسم "السعادة العظمى"، وما يدعو إليه من أفكار إصلاحية حرة لا قبل للاستعمار الفرنسي بها، وما يثيره من حماسة تلامذته في المنتديات وحلقات العلم بالجامع الزيتوني الأعظم، كل ذلك جعله عرضة للملاحقة والتهديد والوعيد، فاكره على مغادرة الوطن الأم تونس إثر حكم بالإعدام صدر عن السلطات الفرنسية الحاكمة، فمضى في الآفاق الإسلامية داعياً إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، صوت حق وهدى. والله نسأل السداد. علي الرّضا الحسيني

стр. 1711

الحرية في الإِسلام (١) سنحت لي من بين الشواغل فرصة فانتهزتها، وأقبلت ببصري على سماء الإسلامية أقلبه في مطالعها يميناً ويساراً، وأطالع من دلائلها الصادقة

стр. 1712

ظواهر وأسراراً، حتى استضاء لي من نجومها هدى، وتنفس لي من مشارقها صباح مبين، ثم قصدت إلى سيرة الخلفاء الراشدين، وقبضت من أثرها قبضة أضفت إليها قوادح أنظار هي في الحقيقة خادمة لها، ومساعدة على إبرازها في هيئة تشملها نظرة واحدة، وإليكم مساق حديثها: لا يمتري أحد فيما تناجيه به حاسة وجدانه من الميل إلى هذه الحياة، والحرص على استطالة أمدها، ومن ها هنا اشتدت به الحاجة إلى السعي في مطالبها، والتعلق بأسبابها؛ من الغذاء والكساء والمسكن وما شاكلها، فيقتحم الإنسان المصاعب، ويعاني الشدائد في طلبها، ولا يثبطه عنها ما هو موضوع في طبيعته من الميل إلى الكسل والراحة. وقد يجري على مخيلته اشتباه: هل الولوع بالحياة الدنيا يكون لذاتها وطبيعتها، أو للغايات التي يحرزها في مضمارها، والمآرب التي يتصيدها بحبالتها؟ فيدعوه هذا الالتباس إلى حركة فكرية، يستنتج من وراء تدافعها أن النفوس الناطقة إنما أولعت بحب هذه الحياة، وشغفت بلذة عيشها من

стр. 1713

جهة اعتبارها مسرحاً للأماني، وموطنًا للمساعي التي تجتني من غايتها ثمراً لذيذاً، لا بالنظر لحقيقتها التي تشاركها فيها سائر الحيوانات، وهي الصفة التي تقتضي الحس والحركة. ولا تظهر صحة هذا الاستنتاج جلياً إلا بمشاهدة آثار النفوس العالية، ووضعها على محك النظر والاعتبار؛ فإن مدافعتها في صيانة أعراضها، وحماية أموالها، أو القانون الكافل بحقوقها لا تقصر عن درجة الدفاع للفوز بحياتها، وما ذاك إلا لما ينطوي في عقيدتها من أن كل هذه الحقائق سلاح تجاهد به في سبيل ترقياتها المدنية، وسعادتها الخالصة. وقد يجادل الرجل عن ناموس دينه وعرضه وماله بالتي هي أبلغ وأشدة نظراً إلى أن فناءه والتحاقه بالتراب أكمل حالاً من بقائه أعزلَ من الوسائل التي يدرك بها مقامًا محموداً، وشرفاً مؤثلاً، وكثيراً ما يستوحش من عصر شبابه إذا حبط سعيه سدى، وفاجأه الحرمان من اجتناء فائدة علق عليها أملاً حريصاً. وربما آثر انصرام أجله إذا حاق به بلاءً زرَّر عليه الفضاء، أو اشتدت به أزمة يبيت من أجلها متوسدًا لذراع الهم والمتربة، وقد يلذ له كأس المنون إذا أرهقته علة فاقرة خدّرت إحساسه، واستحال لها الماء الفرات في ذوقه ملحًا أجاجًا، إنما استلذ مرارة حتفه مكان الأياس الذي ربط على قلبه، وكسر من جناحي رجائه دون البلوغ إلى الغاية، كما يسأم من حياته إذا دبّ في ساعده الفشل، وخالط عظامه الوهن عن القيام بواجباتها، ومن تأمل قول الشاعر: سئمت تكاليف الحياة ومن يعشْ ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ

стр. 1714

على مثل هذا الوجه لم يكن مخطئاً، فالرغبة في الحياة تضاهي كراهتها في رجوعها إلى أمر خارج عن حقيقتها، ولكنه يرد من ناحيتها، وينال بواسطتها. وإذا علمت نفس طاب عنصرها، وشرف وجدانها: أن مطمح الهمم إنما هي غاية وحياة وراء حياتها الطبيعية، لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه، بل لا تستفيق جهدها، ويطمئن بها قرارها، إلا إذا بلغت مجداً شامخاً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء. قال امرؤ القيس: ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي فقوله: ولم أطلب، جملة اعترض بها بين الفعل وفاعله، وفائدتها: تحقير شأن المعيشة، وتبرئة سعيه من أن يفضيَ الطلب إلى ما هو أدنى، فإنها مما يحصل بغير طلب ولا عناء، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب: هو المجد المؤثل، ولا يدركه إلا العظماء من الناس. وقد يسلب من الساعي اختياره، وينزع عزيمته عن العمل سلطة قاهرة، تسند هذه السلطة تارة إلى القدر المحتوم، والبحث عنها في هذا المقام لا يلتئم بالغرض الذي نرمي إليه، وتسند آونة إلى أفراد لم تصبغ أخلاقهم بتربية صحيحة، شأن الأمم المتوحشة، يستهوي بها حب الاستئثار بالمنافع، والنفيس من الفوائد، إلى أن ينسل أولو القوة منها نحو أموال الذين استضعفوا، ويصولوا عليها صيال الوحوش الضارية، ثم ينصرفوا بها إلى مساكنهم غير متحرّجين من أوزارها، كأنما انصرفوا بتراث آبائهم وأمهاتهم، أو خصّهم الله بما خلق

стр. 1715

في الأرض جميعاً. كانت الفوضى بين الأمة العربية سائدة، والأمن في بلادهم قبل الإسلام مختلًا، إذا استشاط أشدّاؤها غيظاً، ونفخت في صدورهم البغضاء والشحناء، لا يطفئونها إلا بدم مهراق، ولا يهاب الرجل منهم أن يقذف آخر بمسبَّه مسمومة السهام، أو يغمد سيفه - مثلاً - في عنق رجل عظيم، اعتدى على ناقة نزيل عنده، أو حليف له احتمى بجواره، الفرد يفرغ جهده في الفرد، والجماعة تضع كلاكلها على الجماعة، ويعدّون ذلك كله أثر نخوة أصابوا به المحزَّ من معنى الحرية. أرأيت كيف قال شاعرهم يفتخر بما يأخذه من حمية الجاهلية؟: إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالمٌ ... على القوم لم أنصر أخي حين يُظلم أما قول رسول الله ﷺ كما في الصحيح: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فغير مراد منه المعنى الذي قصده الشاعر من الاعتصاب مطلقاً، حقاً أو باطلًا، ولقد كشف ﵊ عن حقيقة مراده بنفسه، حين قالوا له: هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: "تأخذ فوق يده"، والمعنى: تحجزه، وتقيم صدره عن الظلم؛ لأنك إذا أبقيته مكباً على ظلمه واعتدائه، ولم تقبض على يده، أفضى به الأمر إلى أن يعاقب بمثل ما اعتدى، فإذا منعته من الظلم، وثنيت عِطفه عن البغي، فقد استنقذته من عقوبة القصاص، ولا جرم أن وقايته من العقويات نوع من النصر والإعانة. ثم إن هذه الجملة: "انصر أخاك ظالماً أو مظلومًا" أول من تكلم بها جندب بن العنبر، وأراد بها: ما اعتادوه من الحمية حمية الجاهلية، فأقرها ﵊، ولكن نقلها عن موردها الأول، وحملها على معنى يطابق بها الحكمة الصحيحة، ويحشرها

стр. 1716

في زمرة الإرشادات الإسلامية. وقد امتد بالعرب في الجاهلية حب الاستقلال الشخصي، والتجرد عن كل ما فيه ضغط وحجر، إلى إبايتهم وتعاصيهم عن الدخول تحت نظام ملكي يرد شكيمتهم، ويكبح من جماحهم، قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خسفاً ... أبينا أن نقرَّ الذلَّ فينا ومن أجل ذلك كانوا لا يألفون الحواضر، ويفرُّون من الإقامة داخلها فرارَ الصحيح من المجذوم، ويوجسون في أنفسهم أنها ذريعة للمسكنة، وسبيل للرغم من أنف العزة والعظمة، وجرى على هذا أبو العلاء المعري حين قال: الموقدون بنجدٍ نار بادية ... لا يحضرون وفَقْدُ العزِّ في الحضرِ وقال ابن الرومي: هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسَّلَمِ والضال والسلم شجرتان بالبادية، وكنَّى بذلك عن إقامتهم بالبادية، وعدم نزولهم عنها إلى السكن بالحاضرة؛ لينتقل من هذا إلى العلم بأنهم لم ينسلخوا من ثوب عزهم، ويدخلوا تحت سيطرة الأحكام الملكية. وما مثل العرب في حال عتوِّهم أزمنة الجاهلية إلا كمثل شجر أضغاث نشأ بمفازة مجهولة من الأرض، فاستغلظ، والتوى قويه على ضعيفه، يقطعه من أطرافه، ويقتل ما فيه من القوى النامية، ولولا الحكمة البالغة، والأسلوب اللطيف الذي ساسهم به الإسلام إلى شريعته، مع ما أودعه الله في طباعهم من سلامة الذوق ورقة الشعور، ما كادوا يدخلون في دينه أفواجاً، ويتقلَّدون

стр. 1717

عقائده وتكاليفه برغبة حريصة، واختيار من تلقاء أنفسهم. وأحياناً تستند تلك السلطة إلى هيئة حكومة، كما مرَّ في الأزمنة الغابرة على أقوام مثل الجرمان، وهم على حالة قبائل بدوية، وحكومة كل منهم في قبضة رئيس يدير شؤونهم كيف يريد، ويسخّرهم كما تسخَّر الأنعام إلى حيث تشاء أغراضه الذاتية، ولما امتدت ولاية الرومانيين على كثير من أوروبا، ضمت تحت جوانحها أولئك الطوائف، فازداد خناق الاستعباد في أعناقهم ضيقاً وارتباطاً، ومن أثر ذلك: أن الحكومة لم تساو بينهم وبين أبناء جنسها فيما تمنحهم من الحقوق والامتيازات، إلى أن عانقوا الديانة المسيحية بواسطة انتشارها بين الرومانيين. فالأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد، وهي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية . * الحرية: تنبئ هذه الكلمة بسائر تصاريفها في اللسان العربي على معان فاضلة ترجع إلى معنى الخلوص، يقال: حرَّ يَحَرُّ، كظلَّ يظل، حَراراً - بالفتح - بمعنى: عتق، والاسم: الحرية، والحرّ: خلاف العبد، والخيار من كل شيء، والفرس العتيق، والفعل الحسن، والحر من الطين والرمل: الطيب، والحُرّة ضد الأمة، والحرة من السحاب: الكثيرة المطر، وتطلق على الكريمة من النساء، ووردت صفة للنفس في كثير من أشعارهم. قال سحيم عبد بني الحسحاس: إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماً ... أو أسودَ اللون إني أبيض الخُلُق

стр. 1718

وجاء لمعنى استقلال الإرادة، وعدم الخضوع لسلطان الهوى: وترانا يوم الكريهة أحرا ... راً وفي السلم للغواني عبيدا وعليه بني الصوفية اصطلاحهم في إطلاق اسم الحر على من خلع عن نفسه إمارة الشهوات، ومرق سلطتها بسيوف المخالفة كل ممزق. قال الإمام الجنيد فيما روي عنه: لو صحت الصلاة بغير القرآن، لصحت بقول الشاعر: أتمنَّى على الزمان محالاً ... أن ترى مقلتاي طلعة حرِّ وقد دارت هذه الكلمة، كلمة الحرية، على أفواه الخطباء، ولهجت بها أقلام الكاتبين، ينشدون ضالتها عند أبواب الحكومات، ويقفون للبحث عن مكانها، وتمكين الراحة من مصافحتها، وقوفَ شحيح ضاع في الترب خاتمه. ينصرف هذا اللقب الشريف في مجاري خطابنا اليوم إلى معنى يقارب معنى استقلال الإرادة، ويشابه معنى العتق الذي هو فكُّ الرقبة من الاسترقاق، وهو أن تعيش الأمة عيشة راضية تحت ظل ثابت من الأمن وعلى قرار مكين من الاطمئنان، ومن لوازم ذلك: أن يعين لكل واحد من أفرادها حد لا يتجاوزه، وتقرر له حقوق لا تعوقه عن استيفائها يد غالبة؛ فإنّ في تعدي الإنسان الحدَّ الذي قضت عليه أصول الاجتماع بالوقوف عنده ضرباً من الإفراط، ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من التمتع بحقوقه؛ ليستأثر غيره بمنفعتها، وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائل، والحرية وسط بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل، ومن كشف عن حقيقتها المفصلة ستار الإجمال، أشرف على أربع خصال مندمجة في ضمنها:

стр. 1719

أحدها: معرفة الإنسان ما له وما عليه؛ فإن الشخص الذي يجهل حقوق الهيئة الاجتماعية ونواميسها، لا يبرح في مضيق الحجر مقيدَ السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره، حتى يستضيء بها خبرة، ويقتلها علماً؛ إذ لا يأمن أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد، فيقع في خطيئة تحدث في نظام تلك الهيئة علة وفساداً، ولا يخالط الضمائر من هذا أن الحرية مقصورة على علماء الأمة العارفين بواجباتها؛ إذ للأمييّن منها مخلص فسيح، وهو باب الاستفتاء والاسترشاد. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ثانيها: شرف نفس يزكي طويتها، ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس بحق لها، فلا ترمي بهمتها إلا في موضع تشير إليه العفة ببنانها. ثالثها: إذعانٌ يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الإنصاف، ويستنزله ريثما تحرر ذمته من المطالب التي توجه إليها باستحقاق. رابعها: عزة جانب، وشهامة خاطر يشق بها عصا الطاعة للباطل، ويدمغ بها في قوة من يسوم عنقه بسوء الضيم والاضطهاد: ولا يقيم على ضيمٍ يراد به ... إلا الأذلّان عَيْرُ الحي والوَتِدُ نستنتج من هذا البيان: أن الأساس الذي ترفع عليه الحرية قواعدها ليس سوى التربية والتعليم، فيتأكد على الحكومة التي تنظر إلى فضيلة الحرية بعين الاحترام، أن تسعى جهدها في تهذيب أخلاق الأمة، وتنوير عقولهم بالتعليمات الصحيحة قبل كل حساب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ

стр. 1720

وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. يخال بعض الناشئة أن الحرية حق يبيح لصاحبه أن يجهر بكل ما يقدح في فكره من الآراء، وينشر في مقاله كل ما يؤلفه من الهجاء والأوصاف الشائنة كما يفعل الشاعر الحطيئة، وهذا المعنى بضعة من الحرية، ولكن بعد سبكه وإفراغه في قالب أصل من الأصول التي سنتلوها عليكم في مبحث: الحرية في الأعراض. وتطرّف فريق من الناس، ففسروا الحرية بأسوأ تفسير، وتأولوها على معنى: امتثال داعية الهوى بإطلاق وتنفيذ الإرادة، وإن مسَّ غيره بأذى، أو حجره عن حق ثابت لا يعترضه فيه نزاع، وترى كثيراً منهم لا يتصور لها معنى سوى حمل السلاح تحت لواء القوة، وإعماله في سبيل الاغتصاب. ولا يصح في نظر أي عقل كان أن يعنون على أثر من آثار سوء الضمير ودناءة الطمع، باسم فضيلة يدرك بها المحكوم شأو الحاكم، ويترشح بها لمشاركته في اللقب كما شاركه في استقلال الإرادة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. فتسمية بني إسرائيل جميعهم في ذلك العهد ملوكاً، انجرَّ لهم من الحرية التي نالوها بعد مغادرة أوطان الذلة، والتملص من سوء العذاب والاستعباد الذي سامهم به آل فرعون، ووضعوه في أعناقهم سلاسلاً وأغلالاً. يقوم فسطاط الحرية على قاعدتين عظيمتين هما: المشورة، والمساواة. بالمشورة تتميز الحقوق، وبالمساواة ينتظم إجراؤها، ويطَّرد نفاذها، وكل واحدة من هاتين القاعدتين رفع الإسلام سمكها وسوّاها.
следующие страницы →