كالصوفة المرمية. وهذا وجه سخيف لا يلتفت إليه.
ومنها: أن الصوفية نسبة إلى الصف؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله تعالى. وقاعدة النسب لا تساعد على هذا الوجه، كما أنها لا تساعد على أن يكون مأخوذاً من الصفاءة لصفاء نفوسهم، وخلوص قلوبهم من شوائب الأهواء، وسيئات الأخلاق.
وهذا الاسم حدث بعد عهد السلف.
قال السهروردي في كتاب "عوارف المعارف": لم يعرف هذا الاسم إلى المئتين من الهجرة.
وذكر ابن تيمية جماعة من الزهاد منهم: الفضيل بن عياض المتوفى سنة ١٨٧ هـ، وقال: في عصرهم حدث اسم التصوف.
وقال القشيري في "الرسالة": واشتهر هذا الاسم - يعني: التصوف - قبل المئتين من الهجرة.
وذكر حسن صديق في كتاب (أبجد العلوم): أن أول من دعي بهذا الاسم: أبو هاشم الصوفي، وقد توفي أبو هاشم هذا سنة ١٥٠ هـ.
والتصوف رياضة النفس، ومجاهدة الطبع، برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة ابتغاء السعادة وهذه الرياضة والمجاهدة تكون بالعكوف على العبادة والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة مال أو جاه.
* التصوف قبل الإسلام:
متى أريد من التصوف: الزهد في الدنيا، والانقطاع إلى العبادة، ومجاهدة النفس بكفّها عن الشهوات، صح أن يبحث عن هذا المعنى في الأمم التي
стр. 1647
وجدت قبل الإسلام.
وإذا بحثنا عن هذا المعنى مع قطع النظر عن اختلاف أوضاع العبادات، أو اختلاف الغرض من تلك المجاهدة، رأينا أن لحكماء اليونان في طلب الحقائق طريقتين:
طريقة أرسطاطاليس وأتباعه، وهي طريقة البحث والقياس العقلي أو الاستقراء، وتسمى بالحكمة المشائية (١).
وطريقة أفلاطون وأتباعه، وهي طريقة المكاشفة، وانقداح الحقائق في النفس، وتسمى: حكمة الإشراق؛ لأنها تعتمد على إشراق العقل بالارتياض والتجرد عن الرذائل. فالإشراقيون من الحكماء الإلهيين يشبهون الصوفية في مسلكهم، إلا ما يخالفون فيه هدي الإسلام.
قال السهروردي في "حكمة الإِشراق": "والإشراقيون لا ينتظم أمرهم دون سوانح نورية، حتى إن وقع لهم شك، يزول عنهم بالنفس المنخلعة عن البدن".
وفي البوذية ما يشبه الرهبانية؛ فإن مؤسس هذه النحلة دهري، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر (جوتما (٢))، ومن مبادئه: أن الشقاوة في الدنيا ناشئة عن الشهوات، فيجب إطفاء هذه الشهوات؛ لينجو الإنسان من الشقاوة. ويرى هؤلاء: أن هناك محرمات على الرهبان والراهبات خاصة، وهي التزين بالزهور، والتطيب بالروائح الذكية، وسماع الغناء، والتفرج على الرقص، والجلوس
стр. 1648
على الأسرة العالية، واقتناء الذهب والفضة والجواهر، ويقولون: إن (جوتما) كان من أبناء الملوك، وزهد في الدنيا؛ لما رأى فيها من شقاوة الشيخوخة، والأمراض، والموت، فهجر أهله وولايته، ودخل في جبل الثلج يتقشف ويتفكر.
ووجد ما يشبه التصوف - أعني: الزهد والانقطاع إلى العبادة - في الفرس، نرى ذلك منذ عهد زرادشت الذي ظهر في أيام الملك (كيستاسف)، فإن كيستاسف نفسه على ما ورد في التاريخ سار إلى جبل كرمان وسجستان، وانقطع به للعبادة، ودراسة دينهم، وسلم أمر الملك إلى ابنه إسفندار (١).
وورد في تاريخ الفرس: أن أزدشير بن بابك من أعاظم ملوكهم، تبين أن الدنيا غرّارة ضرّارة قاتلة، ما حلا منها لامرئ جانب، إلا تمرّر منها عليه جانب، فزهد في الدنيا، وآثر التفرد عن المملكة، وتركها والتحق ببيوت النيران للعبادة والأنس بالوحدة (٢).
وفي النصرانية رهبانية تشبه التصوف؛ من حيث قيامها على الزهد، والانقطاع إلى العبادة، قال الله تعالى في شأن النصارى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. ومن المعاني الظاهرة في الآية: أن قوماً من أتباع عيسى ابتدعوا رهبانية يبتغون بها رضوان الله، ولكنهم لم يرعوا هذه الرهبانية حق رعايتها؛ أي: لم يحافظوا عليها حق المحافظة.
стр. 1649
وجاء في بعض الأحاديث المتعلقة بفرق النصارى: "وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازرة الملوك، ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها" (١).
* التصوف بعد الإسلام:
عني الإسلام بتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية، ثم عطف على الأجسام، فخلّى سبيلها لأن تتمتع من نعيم هذه الحياة وزهرتها باعتدال، فبقدر ما يدرك الإنسان من صفاء النفس، وسلامة الضمير، بقدر ما يكون له من السلطان على شهواته، فلا تتعدى حدود الاعتدال، يصعد في مراقي الفلاح، ويدنو من مقام الكرامة والوجاهة عند الله.
روي أن فريقاً من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، وقرروا فيما بينهم أن يسردوا الصيام، ويعكفوا على العبادة، ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، فبلغ رسول الله ﷺ أمرهم، فنهاهم في خطبة جامعة، وأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
كان أصحاب رسول الله ﷺ يجدّون في العمل ما استطاعوا، ويزهدون في الدنيا زهد من لا يتناول منها إلاّ حلالاً طيباً، وزهد من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وهم في هذا السبيل يتسابقون ويتفاضلون، وقد اشتهر كثير منهم بالجد في العبادة، والبلوغ في الزهد مكانة فضلى. ومن هذه الطائفة: أبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي ﵁.
стр. 1650
أما أبو ذر، فكان يحض عمَّال عثمان ﵁ حينما يراهم يتسعون في المراكب والملابس، فيتلو عليهم قوله تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. وكان يملأ آذانهم تقريعاً، ويدعوهم، ويشتد في دعوته إلى أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم في سبيل الخير، وهذا أمر يطيقه الخاصة، ولا يحتمله كل إنسان، فأنهى معاوية أمره إلى عثمان، فكتب عثمان يأمر أبا ذرّ بالقدوم إلى المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت؟. ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأذوا فريضة الزكاة على وجهها. فخرج أبو ذر إلى الربذة زاهداً ورعًا، وترك من ورائه قوماً يضاهونه، أو يقاربونه زهداً وورعاً.
وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعاً، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكاً بمثل قول النبي ﷺ فيما يرويه البخاري: "ما كل أحد طعامًا قط خيراً من أن يأكل من عمل يده".
ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه: "أما بعد: فقد كتبت إلي: أن الله رزقك مالاً وولداً، اعلمْ أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك، وكتبت إلي: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله".
стр. 1651
هكذا كانت سيرة الزهاد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهكذا كانت مواعظهم: أعمال مشروعة خالصة، وأقوال رشيدة واضحة.
وفي عهد التابعين أقبلت طائفة من فضلائهم يتحدثون في أحوال النفس من حيث صفاؤها وصلتها بالخالق - جل شأنه - , وزهدها في زخرف هذه الحياة، واشتدت عنايتهم بالحديث في هذه الآداب، وكانوا يأخذون بها أنفسهم، ويرشدون إليها غيرهم، ويلقبون في ذلك العهد: الزهاد، والوعاظ.
ومن أشهر هذه الطائفة: الحسن البصري، وكان صاحب حديث وفقه، وبيان وعلم بالقرآن، فصحبه طوائف من الناس شتى، فمنهم من صحبه ليأخذ عنه الحديث والأخبار، ومنهم من صحبه ليستفيد منه البلاغة والبيان وعلم القرآن، ومنهم من صحبه ليتلقى عنه الفقه والأحكام، وهو مع هذا يتكلم في محاسبة النفس، والمراقبة والإخلاص، والمحبة واليقين، والشغف بذكر الله، وكان يعقد للحديث في هذا السبيل مجلساً في منزله، لا يشهده إلا طائفة يتوسم فيها الكفاية لأن يفهموا، والقوة لأن يعلموا، وكان لا يتحدث في هذا المجلس إلا في هذا الباب من العلم.
قال أبو سعيد بن الأعرابي: لم يبلغنا أن أحداً ممن تكلم في هذه المذاهب (يعني: أحوال النفس)، ودعا إليها، وزاد في بيانها وترتيبها وصفات أهلها؛ مثل: الحسن البصري.
كان هؤلاء الفضلاء يصرفون هممهم إلى تزكية النفوس من نقائصها، وإسلام القلوب إلى ربها، يشهد بهذا كلمهم الطيب، ومواعظهم الحسنة.
ومن مواعظ الحسن البصري: "حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور. واردعوا هذه النفوس؛ فإنها طلعة تنزع إلى الشر عادة".
стр. 1652
وعلى هذا الطراز يقول عامر بن قيس أحد زهاد التابعين: "لقد أحببت الله حباً سهل عليّ كل مصيبة، ورضَّاني بكل قضية، فما أبالي - مع حبي له - ما أصبحت عليه، وما أمسيت".
وأخذ بعض الناس في عهد التابعين بنحو نحو الغلو في الزهد. وكان الحسن البصري نفسه ممن يحارب هذا الغلو الذي لا يرتضيه الإسلام. ومما نقرؤه في تاريخ هؤلاء: أن رجلاً قال: أنا لا آكل الخبيص؛ لأني لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!.
فزهدُ الحسن البصري وأمثاله من فضلاء التابعين لا يحيد عن منهج الشريعة يميناً ويساراً.
وتخرّج في مجلس الحسن البصري وغيره طبقة عالمة زاكية، منهم: مالك بن دينار، وحبيب العجمي، وعبد الواحد بن زيد. وبقي هؤلاء الذين يلقبون بالزهاد والوعاظ لا يمتازون عن جمهور الناس إلا بكثرة ما يعملون من صالح، وبشدة ما يحملون من خشية الله، والعزة به، والاعتماد عليه، وبانصراف هممهم عن التعلق بما في هذه الحياة من شهوات أو حطام.
وفي خلال القرن الثاني صار الزهاد والوعاظ يسمون بالصوفية حسبما تقدمت الإشارة إليه في صدر البحث.
أخذ الزهاد والوعاظ لقب الصوفية، وما برحت طريقتهم قائمة على قواعد الدين ورعاية آدابه، وممن استقاموا من رجال القرن الثاني: الفضيل ابن عياض، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وإبراهيم بن أدهم.
وظهر في عهد هؤلاء نفر كانوا يتشبَّهون بهم على جهالة، ويظهرون للناس بغير ما كانوا يُسرّون، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي:
стр. 1653
وَدَعِ الذين إذا أتوكَ تنسَّكوا ... وإذا خَلَوا فَهُم ذئابُ خفافُ
وجعل الصوفية يتحدثون عما يرد عليهم من الخواطر، وما يجدونه من الأذواق، ويعبرون عن هذه الخواطر والأذواق بكلمات إما مألوفة، وإما غير مألوفة، حتى أصبح التصوف في القرن الثالث مذهباً ذا قواعد واصطلاحات.
يصف لنا التاريخ صوفية القرن الثالث، فنرى كثيراً منهم على طريق سلمان الفارسي، والحسن البصري؛ مثل: أبي القاسم الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، ويحيى بن معاذ الرازي، وذي النون المصري، وبشر الحافي، وسري السقطي وأبي يزيد البسطامي.
ونرى بجانبهم قوماً آخرين خلطوا التصوف بشيء من أصول الفلسفة الإشراقية، وشاع يومئذ الغلو في الزهد، وراج ما توهمه بعضهم من أن التوكل نزع اليد من الأسباب جملة.
وأخذ بعض المنتمين إلى التصوف في ذلك العهد ينطقون بعبارات خارجة عن حدود الشريعة، كالكلمات التي هي ظاهرة في معنى الحلول والاتحاد، مثل ما قال الحلاج (١): "أنا الحق"، وقال: "ما في الجبِّة إلا الله"، ويعبرون عن مثل هذه الأقوال في اصطلاحهم بالشطحات.
ودخل في التصوف من الباطل في ذلك العهد ما يزعمه بعضهم من أن المسالك للطريق تسقط عنه أحكام الشريعة من أوامر ونواه. ومن عبارات هؤلاء: "الاشتغال بالأوراد عن المورود انقطاع عن الغاية". وأنشد أحد شعرائهم:
стр. 1654
يطالب بالأوراد من كان غافلاً ... فكيف بقلب كل أوقاته وِرْدُ
ومنهم من يقول: تسقط الأوامر والنواهي عمن شهد الحقيقة، ووصل إلى مقام الفناء فيها، ويقول قائل من هؤلاء: العارف لا ينكر منكراً؛ لاستبصاره بسر الله في القدر. ويقولون: العارف لا يستقبح قبيحة، ولا يستحسن حسنة. وقد سئل الجنيد ﵀ عن هذه الطائفة، فقال: الذي يسرق ويزني، أحسنُ حالاً ممن يزعم هذا!.
قال الغزالي: لو زعم زاعم أن بينه ويين الله حالاً أسقطت عنه الصلاة، وأحلت له شرب الخمر، وأكل مال السلطان؛ كما زعمه بعض من ادعى التصوف، فلا شك في وجوب قتله، وإن كان في خلوده في النار نظر، وقتلُ مثله أفضلُ من قتل مئة كافر؛ لأن ضرره أكثر! (١)
وشعر يومئذ بعض المستقيمين من الصوفية بنحو هذا الانحراف وما يماثله من الانسلاخ عن عقائد الدين أو أحكامه العملية، فقاوموه بالإنكار، والتنبيه على أنه ضلالة وجهالة.
قال الجنيد: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.
ويقول: الطريق كلها مسدوة على الخلق إلا المقتفين آثار رسول الله ﷺ وقال سهل التستري: أصول مذهبنا ثلاثة:
أولاً: الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال
ثانياً: أكل الحلال.
ثالثاً: إخلاص النية في جميع الأعمال.
стр. 1655
وقال أبو عثمان الحيري: أسلم الطرق من الاغترار: طريق السلف، ولزوم الشريعة.
وفي ذلك العهد ظهر القول بأن العلوم لا تنال إلا من طريق مجاهدة النفس، وقطع العلائق بينها وبين البدن، والإقبال على الله بالكلية علماً دائماً، وعملاً مستمرًا، حتى تكشف له الغيوب، ويرى الملائكة، ويطلع على أرواح الأنبياء، ويسمع كلامهم، حتى ينتهي إلى مشاهدة الله ﷻ .
ونسب أبو بكر بن العربي هذا القول إلى الحارث بن أسد المحاسبي، وإلى طائفة أتت بعده من الصوفية (١).
والحق أن المكلف لا يحتاج في إيمانه الصادق، ولا في إقامة الأعمال الصالحة إلى أن تنكشف له الغيوب، أو يطلع على العوالم الروحانية، فإن ما في عالم الشهادة، وما هدى إليه القرآن المجيد، كافيان في إشراق القلب بالإيمان الساطع، والسير على المنهج الموصل إلى السعادة في الدارين.
وكذلك استمر حال المنتمين إلى مذهب التصوف في القرن الرابع فما بعده، فمنهم المستقيمون على السنّة، ومنهم الظاهرون في ثوب الزهد، وهم يراؤون ويبتدعون.
ومما اتصل بالتصوف: مسألة الكرامات؛ فقد ذهب أهل السنّة - كما سبق الحديث عنها - إلى جوازها، بل إثباتها، ولكن الناس بالغوا، أو أكثروا من نسبتها إلى الشيوخ الصوفية، ولعل هذه المبالغة، والإكثار كانا سبب إثارة البحث عنها حوالي آخر القرن الرابع، فنرى أبا إسحاق الإسفراييني (٢)
стр. 1656
يجعل للكرامة حداً، فيقول: غاية الكرامة: إجابة دعوة، أو شربة ماء في مفازة، أو كسرة في منقطعة.
ونرى أحد كبار الصوفية الأستاذ أبا القاسم القشيري (١) يقول: الكرامة لا تنتهي إلى وجود ولد من غير أبي، ولا إلى قلب جماد حيواناً.
ومن العلماء من يذكر سيرة الصحابة والسلف الصالح ﵁، فإذا تحدث الناس بكرامات لبعض الشيوخ لم يقع مثلها من أولئك الذين هم خير القرون، لم يقبلها لمجرد تناقل بعض الألسنة لها.
قيل لأبي حيان: ماذا تقول في الشيخ أبي مدين؟ قال: هو رجل دين، وما كان يطير في الهواء، ولا يصلي الصلوات الخمس في مكة كما يدعي فيه بعض الناس (٢).
* تعاليمه:
قد عرفت أن التصوف في الأصل: سلوك طريقة الزهد، والانقطاع إلى العبادة، ومحاسبة النفس على الأفعال والتروك، وليس لهذه المجاهدة في عهد السلف تعاليم خاصة؛ لأنها لا تزيد على العمل بما يرشد إليه الكتاب والسنّة من أحكام، ويدعوان إليه من مكارم الأخلاق، وسنيّ الآداب.
ثم إن الصوفية أخذوا يتحدثون بما يعرض لهم في أثناء المجاهدة من أحوال وخواطر، وبما ينتقلون فيه من مقامات، وصاروا يعبرون عن تلك المعاني بالفاظ جرت مجرى المصطلحات العلمية.
стр. 1657
ومن هذه الناحية وجد بعض الجاهلين أو المضلّين منفذاً لأن يضيفوا إلى التصوف معاني باطلة، وشروحاً لتلك المصطلحات غير صالحة؛ كالكلمات الظاهرة في الحلول والاتحاد.
قال الحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي في كتابه "الأجوبة المرضية في الأسئلة المكية": أما ابن عربي، فلا شك في اشتمال "الفصوص" المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذا "فتوحاته المكية"، ثم قال: "وينبغي عندي ألا يحكم على ابن العربي بشيء، فإني لست على يقين من صدور هذا الكلام منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكن نحكم على هذا الكلام أنه كفر" (١).
وحصل مما يتحدث به الصوفية من إلهام وأحوال ومنازل، معانٍ ومصطلحات مضافة إلى آداب القوم؛ من نحو: الزهد، والورع، والشكر، والذكر، والتوكل، والتواضع، والعزة، وأصبح مجموع ذلك علماً مستقلاً، يسمى: "علم التصوف".
* صلة التصوف بالفلسفة:
الصوفية المستقيمون الذين لم يدرسوا الفلسفة إنما يتكلمون بما يقتبسونه من حكمة الشريعة، أو بما يجيئهم من طريق الإلهام والوجدان بعد عرضه على أصول الدين، وأما من درسوا الفلسفة، ثم تكلموا بلسان الصوفية، فقد يُدخلون في هذا العلم بعض الآراء الفلسفية؛ كمسألة وحدة الوجود؛ فإنها دخلت في التصوف من ناحية الفلسفة، وقد يُدخل هؤلاء بعض الآراء الفلسفية بحسن نية؛ إذ يبدو لهم أنها من المذاهب التي يتقبلها الدين،
стр. 1658
ولا يأبى اتصالها بهدايته السماوية.
قال ابن تيمية في حديث له عن أبي حامد الغزالي: "وأما التي يسميها: علوم المكاشفة، ويرمز إليها في "الأحياء"، وغيرها، ففيها يستمد من كلام المتفلسفة، كما في "مشكاة الأنوار"، و"المضنون به على غير أهله"، وغير ذلك، وبسبب خلطه التصوف بالفلسفة، صار ينسب إلى التصوف من ليس موافقاً للمشايخ المقبولين الذين لهم في الأمة لسان صدق، بل يكون مبايناً لهم في أصول الإيمان؛ كالإيمان بالتوحيد، والرسالة، واليوم الآخر، ويجعلون هذه مذاهب الصوفية".
ودخول آراء غير إسلامية في التصوف دفع بعض المؤلفين في اعتقادات الفرق الإسلامية أن يعدوا الصوفية فرقة مستقلة؛ كما صنع الرازي في كتاب "اعتقادات فرق المسلمين والمشركين"؛ إذ قال: " اعلم أن أكثر من حصر فرق الأمة، لم يذكر الصوفية، وذلك خطأ"، ثم ذكر فرق الصوفية حتى ذكر فرقة الحلولية منهم، وقال: "هم قوم ليس لهم من العلوم العقلية نصيب وافر، فيتوهمون أنه قد حصل لهم الحلول والاتحاد، فيدعون دعاوى عظيمة، وأول من أظهر هذه المقالة في الإسلام: الروافض؛ فإنهم ادعوا الحلول في حق أئمتهم.
أما التصوف الخالص، فإن السائرين فيه لا يخرجون عن مذهب السنّة قيد أنملة".
* أثر التصوف في الحباة الإسلامية:
قد أريناك أن التصوف في الأصل: زهد في الدنيا، ومحاسبة للنفس على كل ما تفعل أو تترك، وانقطاع إلى عبادة الله في إخلاص وعفاف وعزة،
стр. 1659
واحتفاظ بحقوق العباد، وجهاد في سبيل الحق قدر المستطاع. وهو من هذا الوجه قد أتى بخير كثير، وأنبت رجالاً عرفوا بالتقوى والورع، والدعوة إلى الخير بمواعظهم أو أحوالهم، فكان لهم فضل كبير في هداية كعير من الغافلين، وتقويم كثير من المنحرفين، ولكن آراء وأعمالاً مبتدعة دخلت في التصوف على جهالة، أوسوء قصد، فكان لها في حياة المسلمين أثر سيئ؛ مثل: الغلو في الزهد، وترك الأخذ بالأسباب في طلب الرزق، ومثل: عبارات الحلول التي دسها فيه قوم ظهروا في ثوب التصوف، فأوقعت بعض الناس في فتنة.
وكان لإسراف بعض المتصوفة في الحديث عن المكاشفة والاطلاع على ما في العالم الروحاني، والتصرف الخفي في الكون، أثر في غلو بعض الناس في الاعتقاد بعلو منزلة من يعتقدون صلاحه، حتى ترى بعض العامة يمتنعون من أن يحلفوا بالرجل الصالح كذباً، ثم لا يبالون أن يحلفوا بالله، وهم يعلمون أنهم غير صادقين فيما يحلفون، والتوحيد الخالص: أن تكون خشيتك لله فوق كل خشية.
ومن أثر التصوف المنحرف عن السبيل: أنه أدخل في العبادات مقصداً يجعلها صوراً من غير روح، ذلك أن بعض الناس يتجردون للعبادة بقصد أن يصلوا بها إلى الاطلاع على عالم الأرواح، وغرائب العلوم، وأن تخرق لهم العادات، وتجري على أيديهم الكرامات.
يروى أن بعض الناس لما سمع حديث: "من أخلص لله أربعين صباحاً، ظهرت ينابيع الحكمة، من قلبه على لسانه"، تعرض للعبادة لينال الحكمة فلم يفتح له بابها، فبلغت القصة بعض أولي البصيرة، فقال: هذا أخلص
стр. 1660
للحكمة، ولم يخلص لله. وقد عرفت أن العبادة بقصد إنكشاف الحقائق نزعة فلسفية، والعبادة الخالصة: ما يقصد بها امتثال أمر الله، والفوز بالسعادة في دار السلام. وما يزيد على هذا من خيرات شأنها أن تتبع الاستقامة وصفاء السريرة، فلا ينبغي الالتفات إليها عند أداء العبادة من فرائض أو نوافل.
وإليك جملة من أسماء أشهر من تدور أسماؤهم في كتب التصوف، سواء أكانوا ممن اتفق الناس على صلاحهم، أم ممن وقع الطعن فيهم، واخترنا أن نوردهم على حسب ترتيب وفياتهم. وإليك أسماءهم، مع التعرض لبعض النواحي من حياتهم، أو شيء من أقوالهم:
- أُويس القَرَني:
أويس بن عامر القرني: معدود من سادات التابعين، روى له مسلم أشياء من كلامه، وقد شهد صِفّين مع الإمام على، وقتل يومئذ.
- أبو مسلم الخراساني:
أبو مسلم عبد الله بن ثوب، وقيل: اسمه يعقوب بن عوف، يروي عن عمر بن الخطاب، ومعاذ. قال مالك بن دينار: أبو مسلم حكيم هذه الأمة. توفي سنة ٦٢.
- الحسن البصري:
الحسن بن أبي الحسن يسار البصري: معدود من سادات التابعين، وهو الذي قال لابن هبيرة- عندما سألة عن الأمر يأتيه من يزيد، أفينفذوه، ويقلده ما تقلده من ذلك؟ -: "يا ابن هبيرة! خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله". ومن
стр. 1661
كلامه: "ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبهَ بشك لا يقين فيه إلا الموت" توفي سنة ١١٠ مئة وعشر.
- مالك بن دينار:
مالك بن دينار: روى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، يكتب المصاحف بالأجرة. توفي سنة ١٣٠.
- رابعة العدوية:
رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عتيك: توفيت سنة ١٣٥، ومن كلامها: "اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم" (١).
- إبراهيم بن أدهم:
إبراهيم بن أدهم بن منصور: صحب سفيان الثوري، وجمع بين الزهد ورواية الحديث، ويروي عنه: الثوري، والأوزاعي، وكان لا يأكل إلا من عمل يده؛ كالحصاد، وحراسة البساتين. توفي سنة ١٦١.
ومن كلامه: "لو علم الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور وقلة التعب، لجالدونا عليه بالسيوف". ومن دعائه: "اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك".
- داود الطائي:
داود بن نصير أبو سليمان الطائي الكوفي: درس الفقه، وكان يختلف إلى الإمام أبي حنيفة، ثم اختار العزلة، وتخلى للعبادة. توفي سنة ١٦٥.
стр. 1662
ومن كلامه: "صُمْ عن الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك من السبع، وصاحب أهل التقوى إن صحبت؛ فإنهم أخف مؤونة، وأحسن معونة، ولا تدع الجماعة".
- الفضيل بن عياض:
الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي، ولد بخراسان، وقدم الكوفة، وسمع بها الحديث، ثم انتقل إلى مكة، وجاور بها إلى أن توفي سنة ١٨٧.
ومن كلامه: "ترك العمل لأجل الناس هو الرياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك". وقال: "لو كانت في دعوة مستجابة، لم أجعلها إلا في إمام صالح؛ لأنه إذا صلح الامام، أمن العباد".
- معروف الكرخي:
معروف بن فيروز الكرخي: كان نصرانيًا، فأسلم على يد علي بن موسى الرضا ﵁، ولهذا عدّ من مواليه، وهو أستاذ السرّي السقطي. توفي سنة ٢٠٠، أو ٢٠١.
- أبو سليمان الداراني:
عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني (١)، توفي سنة ٢٠٥، ومن كلامه: "تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياماً، فلا أقبلها إلّا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنّة".
- بشر الحافي:
بِشْرُ بن الحارث بن عبد الرحمن المعروف بالحافي. قال الحريري:
стр. 1663
ما أخرجت بغداد أتم عقلاً، ولا أحفظ للسان من بشر. روى بشر عن: مالك، والفضيل بن عياض، وتوفي سنة ٢٢٧، ومن كلامه: "من طلب الدنيا، فليتهيأ للذل". وكان يقول لأصحاب الحديث: "أدّوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته؟ قال: اعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث".
- المحاسبي:
الحارث بن أسد المحاسبي: روى عنه: الإمام الجنيد، وغيره، وله تصانيف في الرد على المعتزلة، والرافضة، وغيرهم. سئل عن العقل: ما هو؟ فقال: نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم. توفي سنة ٢٤٣، ومن كلامه: "فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء".
- ذو النون المصري:
ثوبان بن إبراهيم، وقيل: الفيض بن إبراهيم المصري المعروف بذي النون: معدود فيمن روى "الموطأ" عن مالك بن أنس، وسعي به لدى المتوكل، فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه، وعظه، فَرَقّ لوعظه، وردّه مكرّماً، وعنه أخذ سهل بن عبد الله التستري. توفي سنة ٢٤٥.
- سري السقطي:
سرّي بن المغلس السقطي: خال الإمام الجنيد، وأستاذه. توفي سنة ٢٥٥، ومن كلامه: "المتصوف اسم لثلاث معان: هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى".
стр. 1664
- يحيى بن معاذ:
أبو زكرياء يحمص بن معاذ الرازي: توفي بنيسابور سنة ٢٥٨. ومن كلامه: "من خان الله في السر، هتكه في العلانية" وقال: "عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟! هيهات! أنت سكران بغير شراب. ما أكملك لو بادرت أملك! ما أجلّك لو بادرت أَجَلَك! ما أقواك لو خالفت هواك! ".
- أبو يزيد البسطامي:
طيفور بن عيسى البسطامي: توفي سنة ٢٦١، أو ٢٦٤. ومن كلامه: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود والشريعة".
- أبو القاسم الجنيد:
هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد، أصله من نهاوند، مولده ومنشؤه العراق، تفقه على أبي ثور، وقيل: كان فقيهاً على مذهب سفيان الثوري، وصحب خاله السري السقطي، والحارث المحاسبي، وغيرهما. توفي سنة ٢٩٧.
- الدقاق:
أبو بكر أحمد بن نصر الدقّاق، من أقران الجنيد، وكابر مشايخ مصر. ومن كلامه: "كل حقيقة لا تتبع الشريعة، فهي كفر" وأراد بالحقيقة: ما يسمّى: "المخاطر".
- أبو طالب المكي:
أبو طالب محمد بن عطية الحارثي: سكن مكة، فنسب إليها، وقدم
стр. 1665
بغداد، فوعظ الناس، ونسبت إليه عبارات ينكرها الشرع، فبدَّعه الناس، وهجروه، وامتنع من الكلام، وهو صاحب كتاب "قوت القلوب ". توفي سنة ٣٨٦.
- أبو القاسم القشيري:
أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري: تلقى العلوم عن أبي بكر بن فورك، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي علي الدقاق، وهو صاحب "الرسالة القشيرية في رجال الطريق". توفي سنة ٤٦٥.
- ابن الفارض:
عمر بن علي بن المرشد الحموي الأصل، المصري المولد والدار، يقول الشعر الظاهر في الغزل، على أنه بنحو به نحو معان صوفية، وديوانه معروف، وقد أنكر عليه جماعة من علماء الشريعة هذا المسلك الذي لا يعرف في عهد السلف، وحكى المقريزي: أن الشيخ محصي الدين بعث إلى ابن الفارض يستأذنه في شرح التائية، فقال له: كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها. توفي سنة ٦٣٢.
- محي الدين بن عربي:
قرأ القرآن على أبي بكر بن خلف بإشبيلية (من بلاد الأندلس)، وتلقى العلم، ومال إلى الأدب، وتولى الكتابة لبعض ولاة الأندلس، ثم رحل إلى المشرق حاجًا، فأدى الفريضة، ولم يعد إلى الأندلس، وأخذ الحديث عن شيوخ، منهم: أبو طاهر السلفي، وأبو الحسن بن نصر، وممن أجازه: ابن عساكر، وأبو الفرج بن الجوزي، ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، وصحب جماعة من الصوفية، وتوفي بدمشق
стр. 1666
سنة ٦٥٦، أو سنة ٦٥٨.
وكان الشيخ على مذهب الظاهرية في العبادات، وقد اختلف الناس فيه، فمنهم من يشهد له بالمنزلة الكبرى في الصلاح والولاية، ومنهم من ينسبه إلى الإلحاد، ذلك أن بعض مؤلفاته - كما أشرنا قبل - تشتمل على عبارات إذا عرضت على أصول الشريعة، لم تلتق معها بوجه من وجوه الدلالات المعروفة في العربية، وقد سلك مريدوه بهذه العبارات مسلك التاويل، ولو على وجوه فيها غموض، ولم ير آخرون للشيخ عذراً في هذا المسلك، فحكموا عليه بما يجب أن يحكموا به على غيره ممن لم ينسب إلى صلاح، وقد سقنا إليك آنفاً رأي الإمام العراقي في هذا، وهو أنه لا يحكم على ابن العربي بشيء، ولكنه يضع يده على العبارات المنكرة في "الفصوص"، أو "الفتوحات"، ويقول: هذا كفر. وهؤلاء لا يؤولون المتشابه إلا إذا ورد في كلام الشارع.
- أحمد زروق:
أحمد بن أحمد بن محمد البرنسي الشهير بزروق: قرأ الفقه قراءة بحث وتحقيق، ودرس الحديث والتوحيد والتصوف، ومن شيوخه: الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ السنوسي، وله مؤلفات في التصوف، منها: كتاب "القواعد في التصوف"، وهو من رجال التصوف القائم على السنّة، الخالص من البدعة. توفي بتكرين من عمل طرابلس الغرب.
стр. 1667
حكم تعدد الزوجات في الإسلام (١)
* حكمة شرع الزواج:
في الزنا مفاسد كبيرة؛ نحو: هتك العرض، وجعلِه مضغة في الأفواه، وإلباس المرأة خزيًا يحرمها من أن تقترن بذي همة سامية وخلق شريف، ووضع النطفة في موضع تنقلب فيه إلى ولد حقير النفس، تنبذه القلوب، وتزدريه العيون، وإثارة البغضاء بين الأفراد والأسر والعشائر، إلى ما يذكر بجانب هذا من أمراض فتّاكة بالأجسام، قرر الأطباء أنها تنبعث من ارتكاب هذه الفاحشة.
فلا جرم أن يعد علم الأخلاق كفّ النفس عن هذه الموبقة فضيلة، ويسميه: عفافًا وحصانة.
وإذا شرع الله النكاح، فلأنه يساعد على خلق العفاف؛ فإن الإنسان يدرك به الوطر الذي يقصد من الزنا، وهو قضاء الشهوة، مع خلوّه من تلك المفاسد الخلقية والاجتماعية والصحية، قال ﷺ : "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج".
стр. 1668
وإذا عرفت أن في الذرية الصالحة عوناً على مرافق الحياة، وتوفيراً لهناءة العيش، ولا ذرية إلا بالنكاح، رأيت كيف كان النكاح سبيلاً إلى الحياة الطيبة، والعيشة الراضية.
وإن كنت ممن يبحث في أسباب سيادة الأمم، وقوة سلطانها، عرفت أن لكثرة عدد الأمة مدخلًا في عزتها، وأخذها بوسائل الاستقلال والمنعة، وهل من سبيل إلى كثرة عدد الأمة غير الزواج؟
فالزواج وسيلة إلى أن تكون الأمة قوية الجانب، قادرة على أن تدفع عن نفسها شر الأعداء، وإذا أرانا التاريخ أو المشاهدة أن أمة قليلة العدد، قد استعبدت أمة أكثر منها عدداً، فلأن هذه الأمة قد أهملت كثرتها، ولم تعززها بقوتي العلم والسلاح.
ثم إن في الزواج عقد صلة بين أسرتك وأسرة كانت منقطعة عنك، وبهذه الصلة يصير كل من الأسرتين بمنزلة الأقارب في التعاطف والتناصر، فيكسب كل من أسرتي الرجل والمرأة قوة لا سبيل إليها غير الزواج.
وإذا لاحظت أن في النساء ضعفاً، وأن أعمالاً حيوية كثيرة لا يستطيعها إلا الرجال، رأيت المرأة في حاجة إلى أن تتصل برجل يكفيها مطالب الحياة، والاتصال الذي يحفظ عزتها وكرامتها، ويملأ قلب الرجل بمودتها، إنما هو الزواج.
* تعدد الزوجات:
قد عرفت أن في الزواج فوائد عظيمة؛ من نحو: الذرية الصالحة، وتكثير عدد الأمة، وربط الصلات بين الأسر، والقيام بشؤون من يتعسر عليهن القيام بتكاليف الحياة، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه المصالح تقتضي أن
стр. 1669
يباح للرجل تعدد الزوجات بقدر ما يستطيع القيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف، وكان العرب لا يقفون في تعدد الزوجات عند حد معين، ودلّ التاريخ على أن الواحد منهم قد يجمع بين عشر نسوة، ولكن الإسلام راعى ما قد يأتي به تعدد الزوجات من مصالح، فأذن فيه، ثم راعى ما قد ينشأ عنه من ضرر، فوقف به عند حد الأربم من النسوة، فصار التزوج بأربم نسوة فما دونها مباحاً؛ نظراً إلى المصلحة الراجحة.
أجمع علماء الإسلام على أنه يباح للرجل أن يتزوج اثنتين، أو ثلًاثًا، أو أربعاً، ويحرم عليه أن يزيد على هذا العدد، فإن زاد عليه، فقد خرج من النكاح إلى سفاح، وشذّ بعض المبتدعين الذين لا يعتد بآرائهم، فأباحوا الزيادة على أربع، وارتكبوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وجوهًا أقرب إلى الجهل، وأشبه بالعبث، وربّ تأويل للقرآن لا يزيد على إنكار القرآن، إلا أن أصحابه يسمونه: تأويلاً.
أما التحديد بأربع نسوة، فلأن المرأة الأولى جاءت على الأصل في إباحة النكاح، ثم أذن الشارع في تزوّج ثلاث بعد ذلك، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد اقتصر الشارع على الثلاث في مواطن كثيرة، فأجاز هجرة الأخ ثلاثة أيام، والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، والخيار في البيع ثلاثة أيام. ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثاً، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثاً، وجعل حد الضيافة ثلاثاً.
والخلاصة: أن الشارع الحكيم وزن نفس الرجل، وقاس ما تبلغه أخلاقه من كرم وعدل، فوجدها عند حد لا يكفي للقيام بحقوق الزوجات الكثيرات، فشرع حكماً راعى فيه مصلحة تعدد الزوجات، ومفسدة الإكثار منهنَّ، فجعل
стр. 1670
أقصى ما يباح للرجل: أن يزيده على المرأة الواحدة ثلاث نسوة، والضرر الذي يحصل من هذا التعدد خفيف بالقياس إلى المصالح التي قد تدعو إليه.
وإذا كان للنكاح أغراض غير قضاء الشهوة، فمن الجهالة أن يقول قائل: إن النبي ﷺ كان شهوانياً، ويستدل على ذلك بتعدد أزواجه إلى تسع.
ولتعدد زوجاته ﵊ حكم سامية، غير ما نبّهنا عليه من أغراض النكاح العامة.
منها: نقل الأحكام الشرعية، ولاسيما أحكام ما لا يطَّلع عليه الرجال، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
ومنها: تشريف بعض الأقوام، أو زيادة تأليفهم بمصاهرته.
ومنها: الدلالة على أن باطن حاله كظاهره؛ فإن زوجات الرجل يطلعن على سريرة أمره، فمع كثرة نسائه ﵊ لم يعرف له حالة في الخفاء، تخالف ما يراه الناس فيه؛ من الدعوة إلى الخير، والجد في الطاعة، والإخلاص في العبادة.
أباح الإسلام للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فما دونهن، وشرط لهذا الجمع العدل بينهن، قال تعالى: " ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، والمعنى: أنه لا يحل للإنسان التزوج بأكثر من واحدة إلا إذا وثق من نفسه بالعدل بينهن، والعدل: التسوية بينهن في المبيت، والنفقة، ولكل واحدة من الزوجين الحق في أن لا تسكن بالمنزل الذي تقيم فيه الأخرى.
أنكر تعدد الزوجات طائفة من غير المسلمين، زعموا: أنه يخالف
стр. 1671
ما تقتضيه مصلحة الأسرة، وقاموا وقعدوا في التشنيع عليه.
وأنكرته طائفة من المنتمين إلى الإسلام اتصلوا بتلك الطائفة غير المسلمة، وتلقوا منها ما تقول بتقليد، فصادف منهم أذهاناً خالية، فلابسها، وجعلها تتعامى أن تقبل ما يقوله علماء الإسلام في حكمة التشريع.
وأصر هؤلاء على إنكار تعدد الزوجات، ثم رأوا القرآن صريحاً في إباحته، فحاولوا تأويله، وذهبوا في التأويل مذهباً ينادي ببطلانه الآيات والسنّة، وعمل الصحابة والتابعين.
قد عرفنا أن في الزواج فوائد عظيمة متعددة، قد يوجد في الزوجة الواحدة بعضها دون بعض؛ كأن تكون الزوجة عاقراً، أو يعرض لها مرض عضال يجعلها غير مساعدة على الصيانة، وقد يفقد معها كل ما يقصد من الزواج.
فإذا كانت الزوجة بهذا الحال، فبماذا تشير هذه الطائفة على الرجل الذي يرغب في أن يكون له ولد، ويقصد أن يتحصن بالزواج حتى لا يقع في جريمة السفاح!؟.
فإما أن يشيروا عليه بطلاق هذه الزوجة، واستبدال زوجهّ أخرى بها، فيقال لهم: قد رضيتم للزوجة الأولى بحال قد يكون أشد عليها من حال بقائها مع زوجة أخرى، وأسأتم للرجل الذي يقول: إني أحب أن أبقي زوجتي، وأقوم بحقوقها، وحملتموه على فراق قرينة قضت معه أياماً أو أشهراً أو سنين في ائتلاف، وذلك عمل لا يلائم خلق الوفاء.
وإما أن يشيروا عليه بأن يبقيها، ولا يتزوج أخرى، فيقال لهم: ما ذنب هذا الرجل في حرمانه من الفوائد التي شُرع له النكاح؛ كالذرية الصالحة، ثم
стр. 1672
ما ذنبه في منعه من الزواج، وهو لا يستطيع العفاف إلا من طريقه؟
فإن أنكروا أن يكون له حق في النسل، قلنا لهم: الذرية الصالحة تعين الوالد على مشاق الحياة، وتكسبه عزة ما بقي، وتحصي ذكره بعد أن يموت، علاوة على ما فيها من تكثير عدد قومه، وكثرة عدد القوم من أسباب عزتهم، ووصولهم إلى أن يسوسوا أنفسهم بآرائهم، ويذودوا عن ساحتهم بأيديهم. وإن أظهروا الاستخفاف بفضيلة العفاف، قلنا لهم: إنما جلسنا لنناقشكم على قواعد علم الخصال الشريفة، فإن بسطتم أيديكم إلى تقويضها، فما نحن بباسطي أيدينا إلّا إلى إقامتها، وتدعيم أساسها.
والظاهر أن هؤلاء الذين يعيبون الإسلام بحكم تعدد الزوجات يشيرون على الرجل السليم البنية متى عرض لزوجته مانع من الاستمتاع بها أن يبقيها، ويؤثرون اتخاذه للخدينات، وإتيان الفاحشة على أن يعقد على امرأة أخرى، فيعيش مع الزوجين في طمأنينة، ويتصل بهما في شرف وفضيلة.
والدليل على أنهم يستهينون بارتكاب فاحشة الزنا، ولا يعبؤون بما يتبعها من المفاسد: فتحهم الطريق الموصلة إلى البغاء في غير مشقة، ووضعهم النظم المساعدة على إتيانه في غير حياء ولا خشية عقوبة.
وإذا نظرت في إحصاء عدد نفوس الأمم، وجدت أن عدد نساء كل أمة يزيد على عدد رجالها، هذا ما لا يختلف فيه العارفون بشؤون الأمم، وإنما تتفاوت نسبة زيادة النساء على الرجال بحسب اختلاف البلاد، وعلى قدر ما تصاب به الأمم من ثورات داخلية، أو حروب خارجية.
فلو لم يكن في تعدد الزوجات فسحة، لبقي كثير من النساء محرومات من أزواج يقومون عليهن، ويصونون ماء وجوههن، ويساعدونهن على
стр. 1673
طهارة أذيا لهن.
فاجتماع زوجين أو ثلاث أو أربع في عصمة رجل يعرف حقوقهنّ، ويقدر على كفاية حاجتهنّ، ويطيع الله في العدل بينهنّ، خير لأولئك الزوجات وللمجتمع من أن يقصر على واحدة، ويبقى من سواها عرضة لبذل ماء الوجه، أو الانحطاط إلى ما يدنس العرض.
ثم إن من مقاصد النكاح النسل، وفي تعدد الزوجات كثرة الولد التي ينمو بها عدد الأمة، ونماء عدد الأمة قوة تدرك بها عزتها، وتصل بها إلى أن تدبر أمرها بنفسها، ومن الحزم أن يعمل القوم لتكثير عددهم، ويحتاطوا لما يعرض للأقوام من الحروب الطاحنة، والأمراض العامة الفاتكة.
فتعدد الزوجات يتبعه النسل في الغالب، فإذا كان في الزوجة عقم، أو أصيبت بمرض يعوقها عن الحمل، أو بلغت سناً ينقطع به استعدادها للولادة، وجد الرجل من الزوجة الأخرى منبتاً خصباً.
يقول هؤلاء: إن في تعدد الزوجات ضرراً على المرأة، وإخلالاً بهناءة عيشها؛ حيث يسيئها أن تشاركها في زوجها قرينة أخرى، وهذا الاستياء مقتضى الغيرة التي تشب في قلب المرأة على قدر تعلّقها بزوجها.
فنقول: مُسَلَّم أن المرأة تحب بطبعها أن تنفرد بالزوج، وتكره أن يشاركها فيه امرأة أخرى، فإذا تزوج الرجل بثانية، فقد أتى بما تكرهه زوجه طبعاً، ويبقى معنا أن نعمد إلى هذه الكراهة المحفوفة بحسن معاشرة الرجل، وعدم إجحافه بحق من حقوقها، ونضعها في كفة، ثم نأتي إلى المصالح التي قد تدعو إلى تعدد الزوجات، ونضعها في الكفة الأخرى، فلا شك أننا متى أجرينا هذه الموازنة، ونحن مجردون من كل عاطفة وتقليد، رأينا رأي العين
стр. 1674
أن كفة المصالح التي تستدعي إباحة تعدد الزوجات راجحة، وكفة كراهة المرأة لأن يشاركها في الزوج امرأة أخرى خفيفة طائشة، والتشريع الحكيم يقوم على رعاية المصالح الراجحة، ويقطع النظر عما يخالطها ويحدث عقبها من ضرر خفيف.
هذا ما نقرره عند النظر في حال الزوج الأولى، أما من تجيء بعدها، فقد عرفت أن للرجل زوجاً غيرها، ورضيت بالمشاركة، فلا وجه للنظر في حال كراهتها.
والخلاصة: أنه ليس في تعدد الزوجات ضرر يصح أن يعتد به الشارع الحكيم، أما الزوج الأولى، فإن استياعبها من المشاركة في الزوج يسقط عند النظر في المصالح التي تستدعي فتح باب التعدد على شرط العدل والمعاشرة بالمعروف. وأما الزوج الثانية، فقد عرفتْ أن للرجل زوجًا غيرها، ورغبت في الزواج به من تلقاء نفسها.
على أن الإسلام لم يسد على المرأة باب الاقتران بزوج تنفرد بالعيش معه متى شاءت ذلك، فلو أخذت على الرجل عند عقد نكاحها أنه إن تزوج عليها، فأمرُها، أو أمرُ الداخلة عليها يزيدها، كان هذا الشرط نافذاً، ولها إنْ تزوج بعدها، أن تطلّق نفسها، أو تطلَّق الزوج الثانية؛ عملاً بهذا الشرط.
ويقول هؤلاء: إن تعدد الزوجات يعود على ذرية الرجل بضرر، وهو ما يكون بين الإخوة الذين لا تلدهم أم واحدة من التجافي والشقاق، فيكون الرجل قد سعى في أن يكون بين أولاده تقاطع، وفي نظام أسرته اختلال.
فنقول في دفع هذا: إن الإسلام قد يشرع حكماً لا تتحقق حكمته في الخارج إلا بمراعاة أحكام أخرى ترتبط به ارتباط الأسباب بمسبباتها، فالإسلام
стр. 1675
شرع تعدد الزوجات، وشرع مع ذلك العدل بينهنّ، وشرع التسوية بين الأولاد، ونهى الأب عن أن يؤثر أحدهم بشيء يختص به دون سائر إخوته، وأمره بتربية الأولاد تربية صحيحة، فإذا جرى الزوج بين الأزواج وأولادهن على طريقة العدل، وعني بتربية الأولاد على اختلاف أمهاتهم التربية الصالحة، فمن البعيد أن ينشؤوا على تجافٍ يصل إلى شقاق، ولا يضر أن يكون عطف الفتى على أخيه من أمه أكثر من عطفه على أخيه الذي لم تلده أمه.
* إرشاد الطائفة المنتمية إلى الإسلام:
سرى إلى رهط من المسلمين روح من تلك الطائفة غير المسلمة، فصاروا ينظرون إلى حكم تعدد الزوجات بالعين التي تنظر بها تلك الطائفة المخالفة، وبدلاً من أن يعطي هؤلاء المسلمون الحكم حقه من النظر، ويقفوا وقفة الباحث عن حكمته، ويذهبوا بالفكر فيما يدعو إليه، وما يتصل به من مقتضيات، طووا عقيدتهم على إنكاره، وسارعوا إلى تلمس وجه يجعل القرآن مانعاً من تعدد الزوجات، فقالوا:
ورد في القرآن إباحة التزوج بأربع. ولكنها علقت على أمر أخبر القرآن نفسه بأنه غير مستطاع، وهو العدل، إذ قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]. وما علقت إباحته على غير المستطاع، لا يعد مباحاً، بل يبقى في قبيل المحظورات.
ومعنى ما يقول هؤلاء: أن القرآن أراد المنع من تعدد الزوجات في كل حال، ولكنه لم يواجه به الناس في صراحة، ولم يخرجه في صيغة النهي الصريح، بل جعل الناس يفهمونه من تعليق الإباحة على ما لا يستطاع.
والحق أن القرآن الكريم أباح تعدد الزوجات، وقيد هذه الإباحة بشرط
стр. 1676
العدل، والذي يدفع هذه الشبهة التي يلهج بها هؤلاء الرهط، ويصرفك عن أن تحدث نفسك بمحاكاتهم، هو: أن القرآن الحكيم يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فأَذِنَ في تعدد المنكوحات، وأتى بالإذن في صيغة الأمر، ثم فصَّل في المأذون في نكاحهن، فجعلهم اثنتين وثلاثًا وأربعًا، وانتهى عند حد الأربع، فيؤخذ من الآية بمقتضى الأسلوب العربي: أنه يباح لكل أحد أن يتزوج ما زاد على واحدة، من اثنتين، أو ثلاث، أو أربع، ويبقى على ما زاد على الأربع في حكم المحظور، ويؤخذ من قصر الرجل على الواحدة عند خوفه من عدم العدل: أن الإذن في تزوج اثنتين أو ثلاث أو أربع مقيد بالعدل بينهن، والمراد من العدل: التسوية بينهن فيما يستطيعه؛ من نحو: النفقة، والمبيت، أما العدل الذي جعل متعذرًا في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، فهو التسوية بين النساء في كل شيء، حتى الحب والإقبال والمؤانسة، فإن التسوية على هذا الوجه خارجة عن الاستطاعة، فقد تكون إحداهن أبرع جمالاً، وأعذب منطقاً، فتكون أعلق بالقلب، فينجذب إلى جانبها، فيقبل عليها، أو يؤانسها أكثر مما يفعل مع الأخرى، يقع منه ذلك وهو لا يقصد إلى اشارها بهذا الإقبال أو المؤانسة، وإنما هو أمر لا اختيار له فيه، وهو شدة حبها الناشئة عن نحو براعة جمالها، وعذوبة منطقها.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، تجده صريحاً في العفو عن هذا الميل الخفيف الذي يتعذر على الرجل اجتنابه، فلو كان المراد من العدل الذي ذكره في هذه الآية: العدل الذي جعله شرطاً للتعدد، لكان المناسب في النظم أن يأمر بالاقتصار
стр. 1677
على واحدة، أو ينهى عن تعدد الزوجات، ولم يقل: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ فإن النهي عن الميل كل الميل ظاهر في جواز الجمع بين امرأة وأخرى، مع عدم الميل عن إحداهما ميلاً يجعلها كالمعلقة، أي: لا هي زوجة تعاشر بالمعروف، ولا هي مطلقة يمكنها أن تبتغي زوجاً آخر يسكن إليها، وتعيش معه في راحة.
ومن تفقه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. وقوله ﷺ : "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"، وجدهما ظاهرين في حرمة الجمع بين الأختين، وبين العمة وابنة أخيها، وبين الخالة وابنة أختها، وأدرك أن مناط التحريم: شدة القرابة، لا مجرد الجمع بين امرأتين.
وإذا رجعنا إلى الأحاديث الصريحة، وجدنا فيها ما يدل على إباحة تعدد الزوجات:
منها: ما ورد في "سنن الترمذي" من قوله ﷺ لمن أسلم وتحته عشر نسوة: "خذ منهن أربعاً، وفارق سائرهن".
ومنها: حديث فاطمة بنت أسماء: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرة، فهل علي جناح إن تشبعتُ من زوجي غيرَ الذي يعطيني؟ فقال رسول الله ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (١)؛ فقد قالت المرأة للنبي ﷺ : إن في ضرّة، ولم ينكر أن تكون لها ضرة.
ومنها: أن علي بن أبي طالب أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل على السيدة
стр. 1678
فاطمة- ﵂ فقال ﷺ : " وإني لست أحرّم حلالاً، ولا أحلّ حراماً، ولكن والله! لا تجتمع بنت رسول الله، وينت عدو الله في مكان واحد أبداً" (١)، فقوله ﷺ : " وإني لست أحرم حلالاً" دليل على أن تعدد الزوجات مباح، وإنما كره لابنته أن تجتمع مع بنت أيى جهل في عصمة واحدة.
ومنها: أن أبا قلابة روى عن أنس: أنه قال: "من السنَّة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا، وقسَم، وإذا تزوج الثيب على البكر، أقام عندها ثلاثاً، ثم قسَم". قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي ﷺ (٢). فقوله: "من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب ... إلخ" صريح في إباحة تعدد الزوجات، وأن من العدل القسم بينهن في المبيت.
أما عمل الصحابة والتابعين، فإن تزوُّج الواحد منهم بما فوق الواحدة أمر لا ينكره إلا من بلغ به العناد أن ينكر أنهم كانوا يصلون الظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاثاً.
في "صحيح البخاري": أن الحسن بن الحسين بن علي جمع بين ابنتي عم في ليلة واحدة.
وفيه: أن عبد الله بن جعفر جمع بين ابنة علي وامرأة علي، وقال ابن سيرين: لا بأس به، وكرهه الحسن مرة، ثم قال: لا بأس به.
وتوفي أبو بكر الصديق ﵁ وتحته أسماء بنت عميس، وحبيبة بنت خارجة والدة أم كلثوم التي مات أبو بكر وهي حامل بها.
стр. 1679
وكان مصعب بن الزبير قد جمع بين السيدة سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة.
وهذه أمثلة معدودة سقناها على وجه التنبيه والتذكير، وإلا، فالأمر من قبيل ما يعرفه المسلمون بالضرصرة، وحكم ينص عليه القرآن الكريم والسنَّة الصحيحة، ويجري عليه عمل الصحابة والتابعين، لا ينبغي لمسلم أن ينكره، أو يترك نفسه تتردد في حكمته، ولا يجوز لذي قوة أن يمنع من تعدد الزوجات بإصدار قانون عام، فإن فعل، فهو حاكم بغير ما أنزل الله، ومن لا يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.
стр. 1680
الأخذ بالدَّيْن (١)
قد يكون للإنسان مال يتسلمه في وقت معلوم، وقد تسبق الحاجة الملحة وقت حصوله على هذا المال، ولا يجد طريقاً لسد هذه الحاجة إلّا الأخذ بالدَّيْنِ، وقد أذن الشارع الحكيم في الاستدانة لسد الحاجة، وجعل الإدانة من قبيل المعروف الذي يلقى صاحبه جزاء وشكوراً.
ف الأخذ بالدين قد يكون ضرورة من ضرورات الحياة، والإعطاء بالدين قد يكون باباً من أبواب الخير الذي يكسب به الإنسان حمداً وأجراً، ولكن هذا الضرب من المبايعة قد تلحقه مفاسد مادية، أو خلقية، أو اجتماعية، لهذا نظرت إليه شريعة الإسلام نظرة إصلاح، وأقامته على أسس محكمة، وحاطته بنظم تحفظ مصالحه، وتنقذ الناس من مفاسده.
وغرضنا من هذا الحديث: إلقاء نظرة على هذا الضرب من المبايعة، والتنبيه لما يعرض له من أضرارة لعل أمتنا الرشيدة تسير فيه على خطبة سليمة العاقبة.
للأخذ بالدين داعية صادقة هي: الحاجة التي لا تطاق، وهناك دواع أخرى ليس من الخير للإنسان أن يجاريها، ويضعف أمامها، فقد تطغى شهوات
стр. 1681
الرجل، وتتطلع نفسه إلى ما يضيق عنه كسبه؛ من نحو: المطاعم، أو الملابس، أو أثاث المنزل، أو غير ذلك من متاع الحياة، ويحاول الوصول إلى هذه الملاذ أو الزينة، ولا يجد طريقاً غير الاستدانة، فيسلكها غافلاً عن سوء عاقبتها، وعلاج هذا: أن يروض الإنسان نفسه على القناعة، ويحملها على الصبر عن تلك الشهوات إلى أن يسعها الرزق الذي يأتيه من كسب طيب. قال بعض الحكماء:
إذا رمت أن تستقرض المال من أخٍ ... تعوّدت منه اليُسْرَ في زمنِ العسر
فَسَلْ نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر
فإن أسعفت كنت الغني وإن أبت فكل ... مَنوع بعدها واسع العذر
وقد يبدو للرجل أن يظهر بين قومه أو زائريه في مظهر اليسار والرفاهية، وينفق أكثر مما يتحمله كسبه اليومي أو الشهري، متخيلاً أن هذا الإنفاق يرفعه عندهم درجة، ويضع له في قلوبهم إكباراً، ومتى جرى الرجل وراء هذا المظهر المتكلف، وقع في عسرة وفاقة، وبعد أن كان في كفاف من العيش، صار إلى طبقة البائسين، ويضاهي هذا: أن يطمع الرجل في سيادة لا تدرك إلا بالمال؛ كما قال الطغرائي:
أريد بسطةَ كفٍ أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قبلي
ولكنه يكون قليل المال، ويرى أن قلة ماله تعوقه أن يبلغ تلك السيادة، فيندفع في طريق الاستدانة، ويخبط بها خبط عشواء، فلا يتقدم إلى السيادة خطوة، بل لا يلبث أن يضيع ما كان لديه قبل الاستدانة من فضل.
أخذتُ الدَّيْنَ أدفع عن تلادي ... وأخذُ الدين أهلكُ للتلاد
стр. 1682
وقد يكون أهل منزل الرجل غافلين عن عاقبة الأخذ بالدين، وتتجه نفوسهم إلى مطالب؛ من نحو: الملابس، وأثاث البيت، يضيق عنها ما يكسبه في يومه أو شهره، ويعتذر لهم، فلا يقبلون له عذراً، فتتغلب عاطفته على حرّمه وإرادته، ويضعف أمام هذه المطالب، فيغمس يده في الدين يبتغي إرضاءهم، ولكن العاطفة الشريفة هي التي تريه أن إطلاق يده في الدين قد ينحدر به وبهم من طبقة اليسار أو الكفاف إلى ضيق في العيش، وربما أفضى ضيق العيش إلى سوء المعاشرة، وإذا ساءت المعاشرة، تباعدت القلوب، وإذا تباعدت القلوب، تباعدت الوجوه لا محالة.
وللمعاملة بالدين مضار:
منها: ما يعود على المعطي بالدين.
ومنها: ما يعود على الآخذ به.
أما المعطي بالدين، فقد يدفعه الجشع إلى تسليم ماله إلى الدائن غير باحث عن حاله من طهارة الذمة، أو المقدرة على قضاء الدين عند أجله، فتكون عاقبة ماله التلف والخسران.
ومن الناس من يحاول أكل أموال الناس بالباطل من طريق الاستدانة، ويتخذ جشع التاجر وسيلة إلى هذا الاختلاس، فيسوم السلعة بثمن فوق ثمنها كما صنع طريف بن منظور مع التاجر يحيى بن جابرة إذ فخم له في الربح حتى بلغ ما أحب، وقال:
أيطمع يحيى في الوفاء وقد عدا ... على مالنا في البيع عدوة فاجر
فلا يحسب الكوفيّ أن عقولنا ... هفت عن حساب مثبت في الدفاتر
ولكنني أغرقت في الربح وانثنى ... وليس له علم بصفقة خاسر
стр. 1683
تدعو مكارم الأخلاق التاجرَ إلى أن يتسامح مع ذي الحاجة، ويعامله بالدين، ومن الحزم أن لا يعامل بالدين إلا من يثق بذمته أو ماله، ويأمن أن تكون عاقبته ضياع المال، أو حدوث عداوة أو خصام.
رغب الشارع في إسعاف ذوي الحاجات، ومعاملتهم بالدين، وعدّ هذه المعاملة من قبيل البر، وأرشد - مع هذا - أصحابَ الأموال أن يأخذوا بالحزم، ويقيموا المعاملة على شهادة، أو رهن؛ فإن الشهادة أو الرهان تقطع أسباب العداوة التي قد تنشأ عن الإنكار، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وأما الضرر العائد على الآخذ بالدين، فأوله: أن المستدين يضع في عنقه منَّة تجعل للدائن عليه فضلاً، وإن في المنن لثقلاً على النفوس التي تطمح إلى العزَّة في كل حال، قال بعض الحكماء: "الصبر على العسرة، أحبُّ إلي من احتمال المنن"، وقال حكيم آخر:
ما الذلّ إلا تحملُ المننِ ... فكن عزيزاً إن شئت أو فَهُنِ
ولا ينسى الآخذ بالدين أن صروف الزمان قد تأتي بما لم يخطر بالبال، فقد يطرأ على المال الذي اعتمد عليه في قضاء الدين ما يقتضي تأخيره عن وقته المعلوم، فلا يحضر عند استحقاق الدين، فيقع في وعد كاذب، وذلك ما يحترس منه أهل الفضل ما استطاعوا الاحتراس، وكان النبي ﷺ يدعو في الصلاة ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم! فقال: "إن الرجل إذا غرم، حدّث فكذب، ووعد فأخلف".
стр. 1684
وقد يطرأ على المال الذي اعتمد عليه في قضاء الدين ما يذهب به جملة، فتضيق عن هذا المدين المسالك، ويجره الدائن إلى مجلس القضاء، وهنالك تخيِّم الذلّة على وجهه في النهار، وتتوارد الهموم على قلبه بالليل. قال عياض بن عبد الله: "الدَّين راية الله في أرضه، فإذا أراد أن يُذلّ عبداً، جعلها طوقاً في عنقه".
أتكسب خمساً وتنفق ستاً ... ضللت لعمري سبيل الأديب
هو الدَّيْن إن جئته فترقَّبْ ... نهار الذليل وليلَ الكئيب
وطعمُ الهوان وإن لم أذقه ... أمرُّ من الموت قبل المشيب
ولا ينسى الآخذ بالدين أنه إذا لم يجد مالاً يقضي به الدين عند استحقاقه، فقد ينشأ بينه وبين الدائن مجافاة أو عداوة، فيكون الدين سبباً لذهاب ألفة تفوت بذهابها فوائد، أو لحدوث عداوة تجر وراءها مصائب، وكرامُ الناس يحرصون على أن لا يحدث بينهم وبين من يعرفون جفاء أو عداوة.
وليذكر من يريد الأخذ بالدين: أن من التجار من لا يبيع البضاعة بالدين إلا بربح زائد على الربح المعتاد في بيعها نقداً، فيكون دفع المدين لهذا الربح الزائد، وهو يستطيع تأخير الشراء إلى وقت اليسر، منافياً لقواعد الاقتصاد.
وليذكر من يريد الأخذ بالدين: أن الدين قد يحل أجله، ولا يستطيع قضاءه، فيباع عليه بعض ما يملك، أو كل ما يملك بثمن بخس، ولولا الدين، لأمكنه بيع عقاره أو عروضه بثمن لا غبن فيه.
وقد يأخذ الإنسان بالدين ممن يتعاطى الربا، حتى إذا حلّ أجلُ الدين، وعجز عن أدائه، مدّ له في الأجل على أن يضيف إلى الدين زيادة المرابين،
стр. 1685
وكثيراً ما يزداد المدين بمضاعفة الربا عسراً على عسر، وإن كان يملك عقاراً أو عروضاً، خرج من ملكه بالثمن البخس، وكم من أسرة كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفر عميدها بأنعم الله، وتعاطى الأخذ بالدين، فجر نفسه وأسرته إلى أزمة، ثم إلى فقر! وتلك عقبى الساقط مع شهواته أينما سقطت.
يا غامساً يده في الدَّيْنِ إنك قدَّ ... غمستها في صديد خلته عسلا
والدَيْنُ للمال سم ناقع فإذا ... ما اندسّ في ثروةٍ أولى بها عجلا
والحق: أن لأموال الناس حرمة، فلا يسوغ لأحد أن يأخذها على وجه الدين إلا أن تدفعه إلى ذلك حاجة قاهرة، ويأنس من نفسه القدرة على أداء الدين عند استحقاقه، فالذي يقول:
له ألفٌ عليَّ ونصفُ ألفٍ ... ونصفُ الألفِ في صكِّ قديمٍ
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
لا يعد في المحسنين صنعاً إلا حيث يكون واثقاً من قدرته على قضاء هذا الدين عند حلول أجله، والذي يقول:
يعاتبني في الدِّيْنِ قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
هو أهل لأن يعاتب، إلا حيث يستدين وهو على ثقة من أنه سيؤدي هذه الديون لأربابها عند اقتضائها، وإذا كانت الاستدانة من الأمور التي لا يليق بالإنسان ارتكابها إلا في حالة عسرة لا يجد منها مخرجًا، فمن المستهجن أن يكون المدين قادراً على أداء الدين، ولا يبادر إلى أدائه، وذلك هو المُطْل الذي سماه رسول الله ﷺ بالظلم، فقال: "مُطْل الغني ظلم".