إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٦ - ٧]. ولما كان الشاهد بالزنا يلتبس أمره بالقاذف التباساً شديداً، فربما ينوي الرجل قذف آخر، فيرميه بالزنا في صورة الشهادة عليه، والذي هو شاهد حقيقة قد يدفعه المشهود عن نفسه، ويزعم أنه قاذف يستحق العقوبة، أقام الشارع فرقاً فاصلاً بينهما، فاشترط في صحة الشهادة على الزنا أربعة عدول، فإن القاذف يتميز عن الشاهد بوصفين: التهاون بأمر الدين، والغل الواغر في صدره بالنسبة للمقذوف، ومن البعيد اتفاق هذين الوصفين في جماعة من المسلمين عرفوا بالعدالة، فإذا لم يتم نصاب الشهادة، التحق الشاهد بالقاذف، وأجري الحد عليه.
وكثير من أحكام الشريعة ما هو مبني على مبدأ صيانة الأعراض؛ كرعاية الكفاءة في الأزواج؛ فإن اقتران المرأة بمن هو أدنى منها حسباً، وأخفض منها حالاً لا يخلو عن حطة في العادة يشملها عارها، ثم يمتد إلى وليها وذوي قرابتها، ويعرض بولدها لأن يلاقي من عشيرته مقتاً وهواناً. قال الشاعر العربي:
وإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
ويؤثر عدم الكفاءة في المعاشرة بين الزوجين شغباً واضطراباً بسبب فخار المرأة وتطاولها، وربما نزع من يد الزوج سلطته التي يحوط بها عفتها، ويصون بها كرامتها؛ لإباية النفوس طبيعة من الطاعة لمن هو دونها مدنية وآداباً.
* الحرية في الدماء:
ينظر العمرانيون إلى الأمة التي تجمعها رابطة، فيشاهدونها في صورة جسم واحد، وأفرادها هي أعضاؤه المتلاصقة، وليس سفك دم الفرد منهم
стр. 1752
إلا كالفصد لعرق من عروقها، واستفراغ دمه الذي هو بضعة من حياتها، والقصاص من القاتل - وإن كان فصداً لعرق ثان من ذلك الجسم العظيم - إلا أنه بمبضع طبيب عارف يخشى أن يسري دمه الفاسد إلى غيره من الأعضاء، فيحدث فيها مرضاً عضالاً. قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ لأن القصاص يكف يد العالم به عن إراقة الدماء، ونهب الأعمار؛ موافقة لداعية الهوى، والضغائن الواغرة في الصدور، فيكون سبباً لحياة نفسين في هذه الناشئة، ولأن العرب كانوا يقتلون غير القاتل أحياناً، فإذا قتل عبد أو امرأة من قبيلة، وكانت القبيلة ذات شوكة وحمية، لا ترضى إلا أن تقتل في مقابلة العبد حراً، والمرأة رجلاً، وربما قتلوا جماعة بواحد، فتهيج الفتنة، وتشتعل بينهم حرب البسوس، فإذا كان القصاص مقصوراً على القاتل، فاز الباقون بالحرية في حياتهم، واطمأنوا بها.
والقصاص كما يقع عند الفتك بالأرواح، يجري في الجراحات، والجناية على الأطراف. قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. وهذه الآية يشملنا حكمها، وإن نزلت تبياناً لما كتب على الأمة الإسرائيلية؛ لأن ما يقصه الله علينا من شرائع الأمم المتقدمة، ولم يرد في الشريعة الإسلامية ما يخالفه، أخذنا به أسوة، وكان العمل بموجبه ضربه لازب.
ولمكان العناية بحفظ الدماء بنيت أحكامها على أساس الاحتياط؛ حتى لا يجد الأشقياء ذريعة إلى إهدارها، ومن هذا اتفق الصحابة ﵃ على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان القصاص يقتضي المساواة، وقتل عمر
стр. 1753
ابن الخطاب سبعة من أهل صنعاء، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم به، ويقتص ممن قتل في حال سكر، وإن لم يكن متعمداً؛ لئلا يتخذ السكر وسيلة إلى أنهار الدماء في سبيل الأغراض.
وشرع الإسلام الدية على القاتل تخفيفاً ورحمة، وأقامها مقام القصاص إذا رضي بها أولياء القتيل، وآثروها على الأخذ بالثأر؛ فقد تكون الدية أصلح لهم من القصاص، وأجدى نفعاً، وزيادة عما فيها من إبقاء نفس مسلمة تتناسل ذريتها في الإسلام.
هذا حكم القاتل عمداً، تؤخذ الدية من ماله، ويجلد مئة، ويسجن سنة كاملة؛ مزجرة له عن إتلاف النفس بغير حق، وأما إذا قتل خطأ، فتفرض على العاقلة من قرابته، وليست الدية في قتل الخطأ من قبيل العقوبة على الذنب حتى يشكل علينا وضعها على العاقلة؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ونحوه من النصوص الدالة على أن الإنسان لا يؤخذ بزلة غيره، ولكنها فرضت للأخذ بخاطر المصابين، وتخفيفاً لوقع المصيبة عليهم، وإن كانت لا تخلو من حكمة التضييق على الجاني؛ ليأخذ حذره، ولا يتساهل في إهدار الدماء المعصومة، وإيجابها في ذمة القاتل وحده، وهي مقدار جسيم من المال، يضرّ به كثيراً، إذ لا يؤمن أن يتكرر خطؤه، فتأتي على جميع ماله، وعدم قصده للجناية عذر يقتضي التخفيف عنه، والرفق به، فناسب إيجابها على من عادتهم القيام بنصرته عند الشدائد، وهم عاقلته، ففرضت في أموالهم على وجه المساعدة والصلة الواجبة بحق القرابة؛ كما وجبت النفقات على بعض الأقارب، وكما يجب فكاك الأسير من بلد العدو.
لا يحل دم امرئ إلا لأسباب تكون الفتنة فيها أشد من القتل؛ مثل:
стр. 1754
الزنا من المحصن؛ فإن الزاني يبذر نطفته على وجه تجعل النسمة المخلقة منها مقطوعة عن النسب إلى الآباء، والنسب معدود من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد، فكان السِّفاح سبباً لوجود الولد عارياً من العواطف التي تربطه بأولي قربى، يأخذون بساعده إذا زلت به نعله، ويتقوى به اعتصابهم عند الحاجة إليه، وفيه جناية عليه، وتعريض به لأن يعيش وضيعاً بين الأمة، مدحوراً من كل جانب؛ فإن الناس يستخفون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له في الهيئة الاجتماعية اعتباراً، ثم إن الغيرة التي طبعت في الإنسان على محارمه، والحرج الذي يملأ صدره عند مزاحمته على موطوءته، مظنة لوقوع المقاتلات، وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج وذوي القرابة من العار الفظيع، والفضيحة الكبرى، فاقتضى هذا الفساد الناقض لقاعدة العمران: أن يفرض له حد وجيع، هو الرجم إن كان ثيباً، وهذا من الحدود المتوارثة في الشرائع السماوية؛ كالقصاص، والقطع في السرقة، وأما إن كان بكراً، فيجلد مئة، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]. واكتفى بإيلام بدنه بالجلد، ولم يعاقب بالقتل؛ لأنه لم يتقدم له نكاح كالثيب عرف به طريق العفاف، وشاهد منه كيف يقع الاستغناء عن الفروج المحرمة، وهذا شيء من العذر فارق به الثيب، وأوجب له عصمة دمه.
* الحرية في الدين:
قرر الإسلام في معاملة الأمم التي يضمها تحت حمايته حقوقاً تضمن لهم الحرية في ديانتهم، والفسحة في إجراء أحكامها بينهم، وإقامة شعائرها بإرادة مستقلة، فلا سبيل لأولي الأمر على تعطيل شعيرة من شعائرهم،
стр. 1755
ولا مدخل للسلطة القضائية في فصل نوازلهم الخاصة إلا أن يتراضوا عن المحاكمة أمامها، فتحكم بينهم على قانون العدل والتسوية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وإبقاء المحكومين على شرائعهم وعوائدهم، منظر من مناظر السياسة العالية، وباب من أبواب العدالة يدخلون من قبله إلى أكناف الحرية، وتذكروا إن شئتم قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤ - ٧٥]. فجزاء السرقة في دين يوسف ﵇ هو مضاعفة الغرم على السارق كما روي الكلبي، وفي رواية: ويضرب، وجزاؤه في شريعة يعقوب- ﵇ أخذُ السارق، واسترقاقه سنة، وسؤال أصحاب يوسف ﵇ إخوته عن جزاء من يوجد عنده الصواع ليعاقب به، وعدم إجراء حكم دين الملك عليه، مبني على رعاية معاملة المحكومين بشرائعهم.
الإسلام يحل للمسلم أن يتزوج المرأة من أهل الكتاب، مع استمرارها على دينها، والتمسك بعقائدها، ولا يسمح له بهضيمتها في أمر تستدين به، أو انتقاصها حقاً من حقوق الزوجية، بل تقاسم فيها امرأته المسلمة قسمة عادلة.
الإسلام يمنح المسلم أن يعطي لغير المسلم عهداً بتأمينه، ولا مساغ لأحد بعد ذلك في نقض ميثاقه، أو تبديل شرطه، بل يحتم السعي في تأكيده ورعايته، وفي الحديث الشريف: "إن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم".
تنظر إلى أبواب الشريعة، فتبصر في جملتها أحكاماً كثيرة مبنية على التسامح مع غير المحاربين، تطالع أبواب الهبة والوقف والوصية، فتستفيد
стр. 1756
من أحكامها أن الإسلام لم يقتصر على إباحة معاملتهم بمعاوضة، بل أجاز للمسلم أن يهب جانباً من ماله، أو يوقفه، أو يوصي به لبعض أهل الذمة، ويجب تنفيذه، والقضاء بصحته، وأحل لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، وأن نطعمهم. قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وأمر بالإحسان إليهم، والرفق بضعفهم، وسد خلة فقرهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف والرحمة، واحتمال إذايتهم في الجوار، وعلى وجه الكرم والحلم، وحرّم الاعتداء عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم.
وحكى ابن حزم في "مراتب الإجماع": أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لهم.
فمن نظر في طبيعة الإسلام جيداً، تحقق صفاء سريرته من مقاصد تضرم في أحشاء أهله جمرة التعصب الباطل ضد ديانة أخرى؛ كما يزعم بعض من لم يسمعوا دعوته إلا من وراء حجاب.
وشدد الإسلام العقوية على من ارتد عن الدين بعد أن لبس هديه القويم، فأمر بدعوته إلى الإنابة والتوبة، فإن رجع، وإلا، ضرب بالسيف على عنقه، وإنما جبر المرتد على البقاء في الإسلام؛ حذراً من تفرق الوحدة، واختلال النظام، فلو خلي السبيل للذين ينبذون الدين جهرة، ونحن لا نعلم مقدار من يريد الله أن يضله، نخشى من انحلال الجامعة، وضعف الحامية، وأهل الردة - وإن أصبحوا كاليد الشلاء لا تعمل في الجامعة خيراً - لا يخلو بقاؤهم في شمل المسلمين، وهم في صورة أعضاء صحيحة، من إرهاب يلقيه كثرة
стр. 1757
السواد في قلوب المحاربين، ثم إن لكل أمة سرائر من حيث الدولة لا ينبغي لها أن تطلع عليها غير أوليائها، ومن كان متلبساً بصفة الإسلام شأنه الخبرة بأحوال المسلمين، والمعرفة بدواخلهم، فإذا خلع ربقة الدين، وقد كان بطانة لأهله يلقون إليه سرائرهم، اتخذه المحاربون أكبر مساعد، وأطولَ يد يمدونها لنيل أغراضهم من المؤمنين، هذا تأثير أهل الردة على الإسلام من جهة الدولة والسياسة، وأما تأثيرهم عليه من جهة ديناً قيماً، فإن المرتد يحمله المقلّدون من المخالفين على معرفته بحال الدين، والخبرة بحقيقته تفصيلاً، فيتلقون منه كل ما ينسبه إليه من خرافات وضيعة، أو عقائد سخيفة، يختلقها عليه بقصد إطفاء نوره، وتنفير القلوب منه، ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين، وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق.
وفي جعل عقوبة المرتد إباحة دمه زاجرٌ للأمم الأخرى عن الدخول في الدين مشايعة للدولة، ونفاقاً لأهله، وباعث لهم على التثبت في أمرهم، فلا يتقلدونه إلا على بصيرة وسلطان مبين؛ إذ الداخل في الدين مداجاة ومشايعة يتعسر عليه الاستمرار على الإسلام وإقامة شعائره.
وأنت إذا جئت تبحث عن حال من ارتدوا بعد الإسلام، لا تجد سوى طائفتين: منهم من عانق الدين منافقاً، فإذا قضى وطره، أو انقطع أمله، انقلب على وجهه خاسراً، وبعضهم ربي في حجور المسلمين، ولكنه لم يدرس حقائق الدين، ولم يتلق عقائده ببراهين تربط على قلبه ليكون من الموقنين، فمتى سنحت له شبهة من الباطل، تزلزت عقيدته، وأصبح في ريبه متردداً، وارجع بصرك إلى التاريخ كرتين، فإنك لا تعثر على خبر ارتداد مسلم نبت في بلد طيب نباتاً حسناً.
стр. 1758
* الحرية في خطاب الأمراء:
لا يخفى على متشرع بصير أن الملك والدين أخوان يشد كل منهما بعضد الآخر، بل الدين رائد للملك، والملك تابع للدين، خادم له، وإن شئت فقل: هما كمثل إنسان، الدين عقله المدبر، والملك جسمه المسخر له، وذلك الإنسان هو ما نسميه الآن بالإسلام، فبمقدار ما ترتبط الإدارة السياسية بالإدارة الدينية، يكمل شبابه، وتجري روح الاستقامة في أعضائه، فتصدر أعماله قرينة الحكمة، سالمة من العيوب، ومتى انفكت أولاهما عن أخراهما، انحلت حياته، وتتاثرت أجزاؤه تناثرَ خرز مكورة على سطح محدب، فمن صعد نظره في عصر الخلفاء الراشدين، يجد السبب الذي ارتقى بالإسلام، وانسجم به في سبيل المدنية، هو ما انعقد بين الدين والخلافة من الاتحاد والوفاق. ومن ضرب بنظره فيما يشاء من الدول التي حمي فيها وطيس الاستبداد، يجد المحرك لتلك الريح السموم، والعثير المشوم، ما اعترض بين هاتين السلطتين من الاختلاف.
كان موضع العناية ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء، ومن حذا حذوهم، كعمر بن عبد العزيز، هو: خدمة الدين، الذي هو خادم للعدالة، التي هي خادمة لصلاح العالم. قال الشيخ قبادو التونسي:
وما الجاه إلا خادم الملك لائذاً ... وما الملك إلا خادم الشرع حزمُه
وما الشرع إلا خادم الحق مرشداً ... وبالحق قام الكون وانزاح ظلمُه
ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل، أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف، وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق ﵁، وكقول عمر بن الخطاب: "أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف،
стр. 1759
وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة". وكانوا يوسعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة، والتعريض بخطأ الاجتهاد، وإن كانت حادة اللهجة، قارصة العبارة.
عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد ﵄، وكان أميراً على "قنسرين"، ولم يجد عمر بداً من الاعتذار عن ذلك بمحضر ملأ من المسلمين؛ حذراً مما عسى أن يقدح في بعض الظنون، فقام وخطب خطبة في شأن العطاء، وألقى في آخرها بالمعذرة، فقال: "وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد؛ فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان، فنزعته منه، وأمّرت أبا عبيدة بن الجراح". فقام أبو عمر ابن حفص، وكان ابن عم لخالد، فقال: والله! ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله ﷺ ، إلى أن قال: وقطعت رحماً، وحسدت ابن العم. فقال عمر: "إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب في ابن عمك". ولم يزد على أن التمس لمناقشته وجهاً، وردّها ردّاً ليناً، وأخيراً قدم خالد بن الوليد إلى عمر، وحصحص الحق أنه نقي الراحة، بريء العهدة مما ظن به، وبذلك كتب عمر إلى الأمصار.
ثم خلف من بعد أولئك خلف، عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتهم العريضة، وألفوا بلاط الملك فسيح الأرجاء، بعيدَ ما بين المناكب، ولكنه لا يساعفهم على أغراضهم وتتبع خطواتهم ما دامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا منافس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروباً من الخسف وأفانين من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى،
стр. 1760
وإذا سمعوا منادياً ينادي؛ ليحق الحق، ويبطل الباطل، كلّموه بألسنة السيوف.
ولما أبق الملك من حضانة الدين، وخفقت عليه راية الاستبداد، خالط الأفئدة رعب وأوجال كأنما مزجت بطينتها، فبعد أن كان راعي الغنم يفد من البادية، وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير المؤمنين بـ: يا أبا بكر، ويا عمر، ويا عثمان! ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش، وطلاقة لسان، وسكينة في الأعضاء، أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج، فينتفض فؤاده رعباً، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصته وجلاً، يخشى أن يكون فريسة لبوادر الاستبداد.
ولا نجهل أن القرون السالفة تمخضت فولدت رجالاً تمتلئ أفئدتهم غيرة على الحق والعدالة، فصغرت في أعينهم أبهة الملك، وازدروا بما يكتنفها من أدوات الاستبداد، فجاهروا بالنصيحة المرّة، وخففوا من ويلات المنكر نصيباً وافراً؛ كالقاضي أبي الحسن منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة ٣٥٥ هـ، وكنت تعرضت إلى نبذة من سيرته في مجلة "السعادة" (١) عدد ١٧، ومثل القاضي أبي بكر الطرطوشي صاحب كتاب "الحوادث والبدع"، ولكن هؤلاء الرجال لم يبلغوا النصاب الكافي لإصلاح شأن أمة عظيمة، وما كانوا إلا أمثلة نادرة يضربها الله لدعاة الإصلاح لعلهم يتذكرون.
* آثار الاستبداد:
إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد، نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن
стр. 1761
رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين تثق بكفاءتهم وعدالتهم، إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها، والأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية إنما تأوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في القليل.
قال صاحب لامية العرب:
ولكن نفساً حرة لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحوَّلُ
فلا جرم أن تتألف أعضاء الحكومة وأعوانها من أناس يخادعونها، ولا يبذلون لها النصيحة في أعمالهم، وآخرين مقرنين في أصفاد الجهالة، يدبرون أمورها على حد ما تدركه أبصارهم، وهذا هو السبب الوحيد لسقوط الأمة، فلا تلبث أن تلتهمها دولة أخرى، وتجعلها في قبضة قهرها، وذلك جزاء الظالمين، ثم إن الاستبداد مما يطبع نفوس الرعية على الرهبة والجبن، ويميت ما في قوتها من البأس والبسالة:
فمن في كفه منهم قناةٌ ... كمن في كفه منهم خضابُ
فإذا اتخذت الدولة منهم حامية، أو ألفت منهم كتيبة، عجزوا عن سد ثغورها، وشلت أيديهم من قبل أن يشدوا بعضدها.
وإن أردت مثلاً يثب فؤادك، ويؤيد شهادة العيان، فاعتبر بما قصه الله تعالى عن قوم موسى ﵇ لما أمرهم بالدخول للأرض المقدسة وملكها، كيف قعد بهم الخوف عن الطاعة والامتثال، وقالوا: إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فمتى جئت تسأل عن الأمر الذي طبع في قلوبهم الجبن، وتطوح بهم في العصيان والمنازعة إلى قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، وجدته خلق الانقياد المتمكن في نفوسهم، من يوم كانت الأقباط ماسكة بنواصيهم، وتذيقهم
стр. 1762
من سوء الاستعباد عذاباً أليماً.
والأمة مفتقرة إلى الكاتب والشاعر والخطيب، والاستبداد يعقد ألسنتهم على ما في طيها من الفصاحة، وينفث فيها لكنة وعِيّاً، فتلحق لغتهم بأصوات الحيوانات، ولا يكادون يفقهون قولاً.
وإذا أضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت بأشعتها في كل واد، اتسعت آمالهم، وكبرت هممهم، وتربَّت في نفوسهم ملكة الاقتدار على الأعمال الجليلة، ومن لوازمها: اتساع دائرة المعارف بينهم، فتتفتق القرائح فهماً، وترتوي العقول علماً، وتأخذ الأنظار فسحة ترمي فيها إلى غايات بعيدة، فتصير دوائر الحكومة مشحونة برجال يعرفون وجوه مصالحها الحقيقية، ولا يتحرفون عن طرق سياستها العادلة.
والحرية تؤسس في النفوس مبادئ العزة والشهامة، فإذا نظمت الحكومة منهم جنداً، استماتوا تحت رايتها مدافعة، ولا يرون القتل سُبَّه إذا ما رآه الناكسو رؤوسهم تحت راية الاستبداد.
ثم إن الحرية تعلّم اللسان بياناً، وتمد اليراعة بالبراعة، فتزدحم الناس على طريق الأدب الرفيع، وتتنور المجامع بفنون الفصاحة، وآيات البلاغة، هذا خطيب يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك شاعر يستعين بأفكاره الخيالية في نصرة الحقيقة، ويحرك العواطف، ويستنهض الهمم لنشر الفضيلة، وآخر كاتب، وعلى صناعة الكتابة مدار سياسة الدولة.
ولم تكن ينابيع الشعر في عهد الخلفاء الراشدين فاغرة أفواهها بفن المديح والإطراء، وإنما ترشح به رشحاً، وتمسح به مسحاً لا يضطهد من
стр. 1763
فضيلة الحرية فتيلاً، وما انفلت وكاؤها (١)، وتدفقت بالمدائح المتغالية إلا في الأعصر العريقة في الاستبداد.
ولما وقر في صدر عمر بن عبد العزيز من تنظيم أمر الخلافة على هيئته الأولى، لم يواجه الشعراء بحفاوة وترحاب، وقال: مالي وللشعراء؟ وقال مرة: إني عن الشعر لفي شغل. انتجعه جرير بأبيات، فأذن له بإنشادها. وقال له: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً، وعندما استوفاها، واصله بشيء من حُرِّ ماله، فخرج جرير وهو يقول: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، ثم يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزُّهُ ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
ومن مآثر الاستعباد: ما تتجشأ به اللها، وتسيل به الأقلام من صديد الكلمات التي يفتضح لك من طلاوتها أنها صدرت من دواخل قلب استشعر ذلة، وتدثر صغاراً، نحو: "مقبل أعتابكم"، "المتشرف بخدمتكم"، "عبد نعمتكم"، ولا أخال أحداً يصغي إلى قول أحد كبراء الشعراء:
وما أنا إلا عبد نعمتك التي ... نسبت إليها دون أهلي ومعشري
إلا ويمثل في مرآة فكره شخصاً ضئيلاً، يحمل في صدره قلباً يوشك أن ينوء بما فيه من الطمع والمسكنة.
ومن سوء عاقبة الخضوع في المقال: أن يوسم الرجل بلقب وضيع ينحته له الناس من بعض أقوال له أفرغ فيها كثبة من التذلل وبذل الهمة؛ كما سموا رجلاً باسم: "عائد الكلب"؛ لقوله:
стр. 1764
إني مرضت فلم يعدني واحدٌ ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
ولا نجهل أن بعض من سلك هذا المسلك من التملق والمديح اتخذه سلّماً؛ ليظفر بحق ثابت، ولكنه لا ينافي الغرض الذي نرمي إليه من أن الحقوق في دولة الحرية تؤخذ بصفة الاستحقاق، وفي دولة الاستبداد لا تطالب إلا بصفة الاستعطاف، ذلك الوزر الذي يحبط بفضل العزة التي نبهنا الله عليها، وأرشد من يريدها إلى أنها تطلب بالطاعة من الكَلِم الطيب، والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] (١).
стр. 1765
علماء الإسلام في الأندلس (١)
أحدثكم عن أمة من أهل العلم عاشوا في السنين الخالية. ولا أقصد بحديثي عنهم الدعوة إلى أن نأخذ بكل مظهر من مظاهرهم، أو نقتدي على كل أثر من آثارهم؛ فإن لكل جيل شأناً، ولكل دولة لبوساً، وإنما هي نظرة نلقيها على سيرة أولئك العلماء من الناحية التي يتمثل فيها أدب الإسلام، وتتراءى فيها الهمة النبيلة، وهي ناحية لا تختلف باختلاف المواطن، ولا تتبدل ما تبدلت الأجيال.
وإذا كانت بلاد الأندلس قد أحيط بها، وتقلصت ظلال الإسلام من أقطارها، وكان على علمائها الذين شهدوا يوم كانت تتقلص نصيب من التبعة غير قليل، فنحن إنما نحدثكم عن العلماء الذين ظهروا أيام شباب الدولة الإسلامية، وكانوا العضد الأقوى في بسط سلطانها، وإقامة معالمها، أو نحدثكم عن أفراد من العلماء نشؤوا أيام هبوط تلك الدولة، وقضوا من واجب العلم والإرشاد ما استطاعوا، ولكنهم وجدوا في الآذان وقراً، وعلى الأبصار غشاوة: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا
стр. 1766
الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].
* سبب نهضة العلوم الإسلامية بالأندلس:
تزهو العلوم بين الأمة، وتضرب أشعتها في طول البلاد وعرضها، متى هيأ الله لها من أمرها سببين اثنين، هما: صحة طرق التعليم، ثم ما تكون عليه الدولة من كياسة وشعور بقيمة العلم ورجاله المصلحين.
أما صحة طرق التعليم، فهي التي تنهض بطلاب العلم الأذكياء على أن يرسخوا في فهم أصول الشريعة، وتعرّف مقاصدها في وقت غير بعيد، فيتيسر لطالب هذه العلوم أن يبلغ فيها أشدَّه، وهو لا يزال في عنفوان شبابه، فيتصدى للتدريس أو التأليف أو الدعوة، وعزمه في قوة، وهمته في نشاط، وفؤاده في ذكاء.
وأما كياسة الدولة ويقظتها لما في علوم الإسلام من سنن الرقي وسعادة الحياة، فذلك ما يجعلها تعمل على نفاقها، وذلك ما يدعو إلى التنافس في طلبها، فلا يلبث الناس أن يروا لأهل العلم مواقف شريفة، وآثاراً فاخرة، وما هذه المواقف والآثار إلا عصمة للعقول من أن تضل، ووقاية للدولة من أن تستخف بالشرائع، فتمقتها الأمة وتشقى.
قد يخرج من بين التعاليم الملتوية، أو يظهر في عهد الدولة الجافية أفرادٌ يسمو بهم صفاء الفطرة أن يكون علمهم غزيراً متناسقاً، وتفكيرهم موزوناً مثمراً، ولكني أتحدث عن الثقافة الفائقة تسود بين طلاب العلم، فهذه لا تظفر بها المعاهد والمدارس الإسلامية إلا أن تستقيم طرق التعليم، ويكون أولو الأمر ممن يرجون لله وقاراً.
إذا اجتمع هذان الأمران: سداد نظام التعليم، وسلامة ضمير الدولة،
стр. 1767
سعدت هذه المعاهد والمدارس، وأطلعت من أعلام الهداية وحماة الفضيلة خلقاً كثيراً.
وقد كان منهج التعليم في بلاد الأندلس جيداً، وكان رجال دولها - في أغلب أحوالهم - ينطوون على ضمائر سليمة، وسرائر مطمئنة بالإيمان.
نعني بجودة منهج التعليم: أنهم كانوا يسيرون في دراسة العلم على طريقة البحث في نفس العلم، والغوص على لبابه، ولم تأكل المختصرات المعلقة، والمناقشات اللفظية من مجهوداتهم وأوقاتهم ما هم في حاجة إلى إنفاقه في حقائق العلم، وإنَّ حقائق العلم لشيء كثير.
ولا يغيب عنا أنهم ابتلوا في أواخر حياتهم - كما ابتلي غيرهم - بشيء من هذه المختصرات، وأخذت المناقشات في ألفاظ المؤلفين تشغل طرفاً من أوقاتهم، ولكنها لم تشتد كما اشتدت في معاهدنا منذ زمن، وأوشكت أن تصير دون المباحث الأصلية في العلم حجاباً مستوراً.
وأما احتفاء أمراء الأندلس بعلوم الإسلام، فإن تاريخهم ينطق بأنهم كانوا يعملون لحياتها ونمائها، ويوجهون عنايتهم على الاستكثار من رجالها، ولهذه العناية مظاهر شتى:
من هذه المظاهر: رعايتهم لمقامات العلماء، ونظرهم إليها بعطف واحترام.
قال أبو عبد الله المقري في وصف الأندلس: "وإن ملوكها كانوا يتواضعون لعلمائها، ويرفعون أقدارهم".
وسنسوق إلى حضراتكم في بعض الفصول الآتية وقائع تشهد بأن أمراء الأندلس كانوا يجلون علماء الشريعة، ويحتملون منهم الأمر بالمعروف،
стр. 1768
والنهي عن المنكر، ولو كان غليظاً خشناً؛ لأنهم يحسون منهم الإخلاص حين ينهون، وحين يأمرون، وشأن المخلص في قول الحق أن ترمقه القلوب بمهابة، وإن كانت مطبوعة على قسوة واستبداد.
ومن هذه المظاهر: حملهم أهل العلم على التأليف في علوم الدين، وتلقيهم للمؤلفات القيمة بما شأنه أن يبعث الهمم على الإتيان بأمثالها. وأذكر في هذا الباب: أن بعض علماء المالكية بالعراق شرع في تأليف سماه "الاستيعاب"، وقصد فيه إلى جمع أقوال الإمام مالك، لا يشركها بقول أحد من أصحابه، وكتب منه خمسة أجزاء، ثم أدركه الموت وهو لم يتمه بعد، ووقعت هذه الأجزاء إلى الحكم بن عبد الرحمن الناصر، فأعجب بها، واقترح على أبي بكر القرشي، وأبي عمرو الإشبيلي أن يكملا هذا الكتاب، وفتح لهما دار كتبه للبحث والتنقيب، فأكملاه في مئة جزء، ولما قدماه إليه، ابتهج به سروراً، وقلدهما منصب الشورى في مجلس القضاء. على أن أول الأستاذين المؤلفين، وهو أبو بكر القرشي لم يزد عمره يوم وُلِّي هذا المنصب على ثلاثين سنة.
ومن هذه المظاهر: أن في الأمراء أنفسهم من كانوا يقبلون على درس علوم الشريعة درساً وافياً؛ كعبد الرحمن الأوسط، والحكم بن عبد الرحمن الناصر، ومجاهد العامري أحد ملوك الطوائف شرقي الأندلس. ومنهم من كانوا يعقدون مجالس يتحاور فيها أهل العلم بحضرتهم، وقد كان للمنصور ابن أبي عامر مجلس في كل أسبوع، يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته، ولا يدعه إلا حين يخرج مجاهداً في سبيل الله.
ومما نهض بالعلوم في الأندلس: إقبال أهل العلم على الرحلة إلى
стр. 1769
الشرق، ويقيمون فيه الشهور والسنين، ثم يعودون إلى أوطانهم بما يتجدد من علم نافع، أو رأي راجح، أو استنباط بديع، وقلّما يمر الناظر على حياة عالم كبير من قدمائهم ولا يجد له رحلة. يرحل علماء الأندلس إلى الشرق، وريثما يملأ الرجل حقيبته من العلم، أو يبلغ في الاطلاع على البلاد ما استطاع، ينقلب إلى وطنه ليبث ما استفاد من علم، أو يحدّث بما شاهد من أحوال وآثار.
وكان هؤلاء الراحلون يؤثرون العود إلى أوطانهم على الإقامة بالشرق إلا قليلاً، أذكر منهم: ابن مالك، وأبا حيان، وأبا بكر الطرطوشي، وأبا القاسم الشاطبي الإمام في علم القراءات، فإن ابن مالك استوطن دمشق، والثلاثة بعده استوطنوا القاهرة إلى أن استلمتهم يد المنون.
وممن وردوا الشرق، فابتسم في وجوههم، ثم أبوا إلا أن يعودوا إلى وطنهم: القاسم بن محمد بن سيار، فقد لقي هذا الأستاذ في مصر حظوة بالغة، ومقاماً كريماً، وعزم-مع هذا- على الإياب إلى بلده بالأندلس، ولما قال له العلامة محمد بن عبد الحكم: أقم عندنا؛ فإنك تعتقد رياسة، ويحتاج الناس إليك، أجابه يقوله: "لابد من الوطن". قال القاسم بن سيار: "لابد من الوطن"، لأن مقاليد الأمور في وطنه بيد دولة وطنية، لا تنظر إلى من يعود إليها من الشرق بعين الريبة، فتعْجَلَ إلى نفيه من الأرض، أو تضرب عليه حصاراً من عيون الرقباء، وآذان المتجسسين.
* مكانة علماء الأندلس في العلوم الإسلامية:
كانت علوم الشريعة يوم فتحت الأندلس إنما هي القرآن يتلى، والحديث يروى، وبصائر عرفت روح الإسلام، واهتدت طرق الاستنباط، فكان من
стр. 1770
الميسور لها أن تفصل لكل واقعة حكماً صالحاً.
وكانت الجيوش الفاتحة للأندلس تحمل في أجنحتها رجالاً تفقهوا بين أيدي أصحاب رسول الله ﷺ ؛ كحسين بن عبدالله الصنعاني، والمغيرة ابن أبي بردة العذري، ومحمد بن أوس الأنصاري، وزيد بن قاصد، وعبد الرحمن الغافقي. ومن المعروف في التاريخ أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من علماء التابعين ليفقّهوا أهل إفريقية في الدين، وأن من هؤلاء العلماء من دخلوا الأندلس لأول فتحها؛ مثل: بكر بن سوادة، وحيَّان بن أبي جبلة.
وورد الأندلس من غير هؤلاء رجال أوتوا العلم بالقرآن والسنة، فانبثت في تلك البلاد مبادئ الدين الحنيف، ولكن مدافعة الأعداء في الخارج، وثورات الزعماء الطامحين إلى الرياسة في الداخل، جعلت البلاد في حركات حربية عنيفة، وإنما ينهض العلم ويسير في انتظام، حيث يكون الناس في سلم وطمأنينة.
جاء صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وأقام في الأندلس دولة أموية مستوثقة العرا، فإذا طوائف من العلماء يفدون من الشرق ضيوفاً على الغرب، ورجال يرحلون من الغرب، ثم يعودون بعد أن يشربوا من منابع العلم بالكأس الرويَّة، فتدفق سيل العلم بالمدائن والقرى، وأصبحت الأندلس تضاهي العراق بعلومها، وتباهيه بعلمائها. وهذه بقية من مؤلفاتهم تخلصت إلينا من يد الإحراق والإغراق، نشهد فيها العلم الزاخر، والنظر الراجح، والأسلوب الحكيم.
ولا يسمح لي وقت هذه المحاضرة أن أبحث عن حالهم في العلوم
стр. 1771
بتفصيل، فأكتفي بكلمات موجزة أدل بها على مكانتهم في التفسير والحديث والفقه والكلام، وأصلها بكلمة في موقع علوم الفلسفة من عنايتهم، وأدع الحديث عن تقدمهم في علوم اللغة وآدابها إلى ساعة أخرى.
* تفسير القرآن:
عني علماء الأندلس بتفسير الكتاب العزيز، وحظهم من الإجادة والتحقيق في هذا العلم كبير، فلعبد الرحمن بقي بن مَخْلد تفسير يقول ابن حزم في وصفه: هو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه: أنه لم يؤلف في الإسلام مثله، لا تفسير ابن جرير الطبري، ولا غيره.
ومن أثر علماء الأندلس في التفسير: أن بعض من دخلوا في الإسلام ث؛ ككعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام كانوا يطارحون الناس قصصاً وأخباراً هي من نوع ما يتحدث به أهل الكتاب قبل الإسلام، ومن أجل أن هذه القصص والأخبار لا تعلق بالشريعة في أصل ولا فرع، لم يبال بعض المفسرين أن يوردوها في تفاسيرهم دون أن يأخذوها بالنقد والتمحيص، ثم ظهر بعد هذا: الحافظ عبد الحق بن عطية الغرناطي، وألف تفسيراً أربى فيه على من تقدم، ومن مزاياه: أنه تحرى فيه من تلك الأخبار ما هو أقرب إلى الصحة، ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن فرح القرطبي، وألف تفسيراً تحامى فيه القصص والتاريخ، وصرف همته إلى الأحكام، واستنباط الأدلة، بل نجده في بعض المواضع يأتي على شيء من تلك الأخبار، ويدفعها ببيان مخالفتها للمعقول أو المنقول.
وتصدى طائفة من علمائهم لتفسير أيات الأحكام خاصة؛ مثل: منذر ابن سعيد البلوطي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس. ومنهم من
стр. 1772
يؤلف تفاسير متعددة، فلأبي بكر بن العربي كتاب "الأحكام"، و"قانون التأويل"، و"أنوار الفجر"، وهذا التفسير يبلغ ثمانين مجلداً.
فعلماء الأندلس في مقدمة من خلصوا التفسير من أخبار واهية، وروايات مصنوعة، وفي مقدمة من بسطوا القول في استخراج الأصول والأحكام من الآيات البينات، ومن يقلب نظره في مؤلفاتهم يشهد بأنهم في مقدمة من حاربوا الآراء الفاسدة في تأويل القرآن.
* علم الحديث:
نحن نعلم أن طائفة من علماء التابعين قد دخلوا الأندلس لأول الفتح، وأن طائفة أخرى تعد من حملة الشريعة هبطت الأندلس قبل أن تقوم الدولة الأموية، ولكنا نجد الكاتبين في التعريف بعلمائها يقولون في شأن صعصعة ابن سلام: إنه أول من دخل بالحديث بلاد الأندلس، وصعصعة هذا إنما ورد الأندلس أيام عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية. وكأنهم يريدون بما قالوا: أن صعصعة بن سلام أول من دخل بالحديث بلاد الأندلس بعد أن انتظم أمر الرواية، وصارت الأحاديث تضبط بالكتابة والتدوين.
وأصبحت الأندلس في خلال المئة الثالثة دار حديث برجلين من رجالها رحلا إلى الشرق، وعادا إليها بعلم غزير، وهما: بقي بن مخلد، ومحمد ابن وضاح.
قال أبو محمد بن حزم: وإذا سمينا بقي بن مخلد، لم نسابق به إلا محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وكان محمد بن وضاح يردّ كثيراً مما يروى على أنه حديث نبوي، ويقول: "ليس هذا من كلام النبي ﷺ في شيء"، ومثل هذا المقال إنما يصدر لذلك العهد من محدِّث واسع الاطلاع.
стр. 1773
ومن محدثيها: ابن عبد البر صاحب كتاب "التمهيد" الذي قال فيه ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسن منه؟!.
ومن دلائل عنايتهم بالحديث: أن حوالي قرطبة لذلك العهد قرى كثيرة، وفي كل قرية منبر وفقيه مقلس، وكان لا يضع على رأسه القالس إلا من حفظ "الموطأ"، وقيل: من حفظ عشرة آلاف حديث، وأضاف إلى ذلك حفظ "المدونة"، هذا حال مفتي القرية! فماذا يكون حال العلماء في مجلس الشورى والقضاء بقرطبة ونحوها من المدن ذات الأرباض الفسيحة، والضواحي العامرة؟!.
وقيام علماء الأندلس على منبعي الشريعة: التفسير، والحديث، هو الذي بلغ بهم أن كانوا في طليعة من حاربوا البدع والمحدثات، فقد كتب فيها أبو بكر الطرطوشي، وأثخنها أبو بكر بن العربي في مؤلفاته، وقاتلها أبو إسحاق الشاطبي في كتابي "الموافقات" و"الاعتصام" قتالاً عنيفاً.
* علم الفقه:
ظهر في الشرق أعلام الاجتهاد والفتوى؛ أمثال الأئمة: أبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأخذ الناس يتلقون أقوالهم ومذاهبهم بالرواية والتدوين، وكان ممن اختص بالإمام الأوزاعي: صعصعة بن سلام، فقدم الأندلس أيام عبد الرحمن الداخل، وبه انتشر مذهب الأوزاعي هناك، وأصبحت الفتوى تدور على هذا المذهب إلى أيام هشام بن عبد الرحمن.
في أيام هشام بن عبد الرحمن رحل فريق من أهل الأندلس إلى الشرق، وجلسوا إلى مالك بالمدينة، وأخذوا عنه، ثم عادوا بكتاب "الموطأ"، ووصفوا من فضل مالك وسعة علمه ما عظم به صيته، فانتشر مذهبه، وبقي العمل في
стр. 1774
القضاء والفتوى عليه إلى أن أفلَتْ شمس الإسلام من تلكم الآفاق.
وذهب ابن حزم في سبب انتشار مذهب الإمام مالك بالأندلس إلى وجه آخر، فقال: إن يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة "الموطأ" عن مالك، كان مكيناً عند السلطان، مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى لم يلِ قضاء قط، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم.
والتاريخ والمشاهدة يدلان على أن المذهب ينتشر في الناحية حيث يختص أصحابه بمنصب القضاء ونحوه، وينتشر في الناحية حيث يكون كبار علمائها أو معظمهم ممن تفقهوا عليه، وصاروا من أشياعه. ولعل انتشار مذهب مالك بالأندلس يرجع على السببين كليهما.
يتفقه أهل الأندلس على مذهب مالك بن أنس، إلا أن كثيراً منهم يأنسون في أنفسهم الكفاية للاجتهاد أو الترجيح، فيأخذون بما يرونه الصواب، وإن خالف مذهب مالك وأصحابه جميعاً.
وممن أصبح مستقل النظر في الأحكام: القاسم بن محمد بن سيار الذي قال فيه محمد بن عبد الحكم: "لم يقدم علينا من الأندلس أعلم من القاسم ابن محمد". وقال في شأنه ابن حزم: "وإذا سمينا القاسم بن محمد، لم نباه به إلا القفال، ومحمد بن عقيل الفريابي".
كان القاسم بن محمد مستقل النظر، وكان إذا استفتاه الناس، أفتى بمذهب مالك، ولما خاطبه أحمد بن خالد في هذا، وقال له: أراك تفتي
стр. 1775
الناس بما لا تعتقد، وهذا لا يحل لك. أجابه بقوله: "إنما يسألونني عن مذهب جرى في البلد، وهم يتقلدونه، فأفتيهم به، ولو سألوني عن مذهبي، لأخبرتهم به".
وممن كان لا يأخذ بمذهب مالك: منذر بن سعيد البلوطي؛ فإنه مال إلى مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى الأخذ بالظاهر، واطراح القياس، ولغزارة علمه، ورسوخ فضله، قلده عبد الرحمن الناصر القضاء بقرطبة، وأخذ عليه أن لا يقضي إلا بمشهور مذهب مالك، فكان إذا جلس للفصل بين الناس، قضى على مذهب مالك؛ عملاً بما شرط عليه الخليفة.
وكذلك كان أبو محمد بن حزم، فإنه مال إلى مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى الأخذ بالظاهر، والامتناع من القياس؛ بدعوى أن نصوص الشريعة تتناول كل حادثة إلى أن يأتي أمر الله، وصار لابن حزم هنالك شيعة، ومن مؤلفاته في أحكام الفقه كتاب "المحلى بالآثار" الذي قال في وصفه عز الدين بن عبد السلام: "لم يؤلف مثله في الإسلام".
وإنا لنجد الكاتبين في تاريخ الأندلس يقولون في وصف كثير من علمائها: "وكان يميل إلى النظر والحجة"، أو يقولون: "كان يميل في فقهه إلى النظر والأخذ بالحديث". أو يقولون: "له اختيارات في الفتوى والفقه خارجة عن المذهب". أو يقولون: "كانت له مذاهب أخذ بها في خاصة نفسه، وخالف فيها أهل قطره".
وهذا يدلنا على أن علماء الأندلس يتفقهون على مذهب مالك، ومنهم من يدرك مرتبة الاجتهاد أو الترجيح، فيرجع إلى الحجة والدليل.
هذا شأنهم في الفقه، أما شأنهم في أصول الفقه، فقد وصفهم أبو
стр. 1776
عبد الله المقري بأن مرتبتهم في هذا العلم كانت متوسطة، وكتب ابن حزم رسالة سرد فيها مؤلفات الأندلسيين في علوم مختلفة، ولم يذكر لهم في علم الأصول ولو كتاباً واحداً، ووصل ابن سعيد هذه الرسالة بذيل أودعه مؤلفات زائدة على ما أورده ابن حزم، ولم يأت لهم بمؤلف في علم الأصول سوى "مختصر المستصفى" لابن الوليد بن رشد. وقد وقفنا لبعض علمائهم على أسماء مؤلفات في الأصول؛ ككتاب "المحصول في علم الأصول" لأبي بكر ابن العربي، وكتاب "أحكام الفصول في علم الأصول" لأبي الوليد الباجي، وكتاب "تقريب الوصول إلى علم الأصول" لابن جزي. وبين أيدينا اليوم كتابان من أجلّ ما تجود بهما الأنظار في هذا العلم، هما: كتاب "الأحكام" لأبي محمد بن حزم، وكتاب "الموافقات" لأبي إسحاق الشاطبي.
* علم الكلام:
كان أهل الأندلس على سنة السلف، حتى اتسع البحث في العقائد، وحدثت فيها مذاهب، فاقتدوا بأصول أبي الحسن الأشعري، وكانوا يدرسون بالطبيعة ما يؤلفه علماء الشرق؛ كأبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي، وأبي حامد الغزالي، ولم تكن مؤلفات علماء الأندلس في هذا العلم بمقدار مؤلفاتهم في التفسير والحديث والفقه، وقد اعتذر ابن حزم عن قلة تصرفهم في هذا العلم بأن بلاد الأندلس لم تختلف فيها النِّحَل، ولم تتجاذب فيها الخصوم أطراف الجدال والمناظرة، ثم قال: فهي على كل حال غير عريَّة من هذا العلم.
وجد في الأندلس طائفة كانت تذهب مذهب المعتزلة، وتنظر على أصولهم؛ مثل: خليل بن إسحاق، ويحيي بن السمينة، وموسى بن جدير،
стр. 1777
وأخوه الوزير أحمد، وكان هذا داعية إلى الاعتزال لا يستتر بذلك، إلا أنهم كانوا فئة قليلة لم يبلغ من شأنهم أن يجعلوا قرطبة كبغداد تعقد فيها مجالس المناظرة بين علماء الكلام على اختلاف مذاهبهم وآرائهم.
ومن علماء الأندلس الذين بحثوا في الكلام بنظر مستقل: أبو محمد ابن حزم، وهذا كتابه "الفصل في الملل والنحل" ينحو فيه نحو المجتهد المطلق، فقد يخالف الإمام الأشعري وغيره من أهل السنة، ويرد تارة على المعتزلة، وينقض مرة آراء الفلاسفة.
* علماء الأندلس والفلسفة:
يتقبل الدين الحنيف علوم الأرض وعلوم السماء، على تباين أسمائها، واختلاف موضوعاتها، فكان علماء الأندلس ممن قدروا علوم الفلسفة، وأضافوها إلى ما عندهم من فقه أو حديث، وقد كان الأمير عبد الرحمن الأوسط يجمع بين علوم الشريعة والفلسفة، وهو أول من درس الفلسفة من أمراء الأندلس، وتظاهر بها. وكان أبو عبيدة بن أحمد - الذي يقولون: إنه أول من اشتهر بعلم الأوائل - صاحب فقه وحديث، وكان أبو الوليد بن هشام من حفاظ الحديث، ويصفه مؤرخو الأندلس بأنه كان أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء. وما كان أبو بكر بن الطفيل وأبو الوليد بن رشد إلا من رجال الدين، وكان كل منهما يعمل لبيان أن الفلسفة الصادقة لا تناقض الشريعة في حال.
وأما ما أصاب الفلسفة وبعض الفلاسفة من مقت أو أذى، فتبعته ترجع إلى استبداد بعض الأمراء، أو جهالة بعض السوقة، أو حماقة بعض المنتمين إلى الفلسفة؛ حيث يطيشون من بعض طرقها المظلمة إلى تخبط
стр. 1778
في القول وزندقة، ويحاولون إغواء النفوس الزاكية، وإلقاءها في تهتك وتخاذل وشقاء.
الذين يستضيئون بحكمة الإسلام شأنهم أن يبحثوا ما تحتويه علوم الفلسفة، ويزنوه بقانون المنطق الصحيح، فيقرّوا ما قام الدليل على صدقه، ويطرحوا ما كان زعماً باطلاً، أو افتراضاً لا يتكئ على حجة، وفي علماء الأندلس من استضاؤوا بحكمة الإسلام، وخاضوا غمار الفلسفة على بصيرة، فكانوا المثل القيم يشهد بأن الفلسفة التي هي بنت الحجة، لا تتعاصى أن تجتمع مع مبادئ الإسلام في نفس واحدة.
* اعتزاز علماء الأندلس بمقاماتهم العلمية:
أخرجت معاهد العلم بالأندلس رجالاً كانوا يعتزون بمقاماتهم العلمية، فلا تستخفهم الحظوة عند رئيس أعلى، ولا تتعاظمهم الولايات، وإن كبر سلطانها، وملأت الأبهة ما بين جوانبها، ويتجلى هذا الخُلق العظيم في مظاهر كثيرة، وإليكم طائفة من أمثلتها:
من هذه المظاهر: أن فريقاً منهم تقلدوا منصب القضاء في قرطبة وغيرها، فاعتصموا فيه بحبل العدل، وأقاموا المساواة على وجهها، فلا فضل لصاحب الدولة على أدنى الناس منزلة وأقلَّهم ناصراً إلا بتقوى الله.
رفع رجل من كورة "جيان" على محمد بن بشير قاضي قرطبة قضية على الحكم بن هشام صاحب الأندلس، ولما استبان القاضي صحة البينة، حكم على الأمير، وآذنه بأنه إذا لم ينقد للحكم، ويذعن لإنفاذه، تخلى عن ولاية القضاء غير حريص عليها، فما وسع الأمير إلا أن يمد عنقه لقضاء محمد بن بشير مرغماً.
стр. 1779
فسيرة ابن بشير في نحو هذه الواقعة دليل على خلق اعتزازه بالعلم، وأنه لم يتقبل الولاية إلا ليظهر حقاً، أو يصرع باطلاً.
ورفعت إلى محمد بن بشير هذا قضية كان أحد الخصمين فيها سعيد ابن عبد الرحمن الداخل عمّ الحكم، واستشهد سعيد بن عبد الرحمن في القضية بالحكم نفسه، وكان يحسب شهادة أمير البلاد ضربة لازب، وأنها لا تقع في مجلس القاضي إلا موقع الحجة القاطعة للنزاع، فلما نظر ابن بشير في الشهادة، قال لوكيل سعيد بن عبد الرحمن: "هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بشاهد عدل"، فبهت الوكيل دهشة، وأنهى سعيد الأمر إلى الحكم، وأخذ يغريه بالقاضي، ويحرضه على الإيقاع به، فقال له الحكم: القاضي رجل صالح لا تأخذه في الله لومة لائم، ولست أعارضه فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبضة يد مثله، ولما خوطب ابن بشير في رد شهادة الحكم، قال: إنه لا بد في الشهادة من الأعذار، ومن الذي يجترئ على الطعن في شهادة أمير المؤمنين لو قبلتها، وإذا لم أعذر، كنت بخست المشهود عليه حقاً.
ولمنذر بن سعيد البلوطي في هذا الشأن وقائع يرفع بها العدل رأسه عزيزاً متعاظماً. ومن هذه الوقائع: أن الخليفة عبد الرحمن الناصر دعته الحاجة إلى شراء دار، ووقع اختياره على دار يملكها بعض الأيتام، فأرسل إليها مقوماً، وأرسل من يخاطب ولي الأيتام في بيعها، فذكر له الولي أن بيع الأصول موقوف على رأي القاضي ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر بن سعيد ليأذن ببيع الدار، فأجابه منذر بأن ليس للأيتام حاجة إلى بيع هذه الدار، فإن بذلت لهم من الثمن ما تستبين به الغبطة، أذنت الولي ببيعها منك، فسكت
стр. 1780
الناصر حيناً، وخشي منذر أن تنبعث منه ثورة يهتضم بها حق الأيتام، فأمر بنقض بناء الدار، وباع أنقاضها، فكانت قيمة الأنقاض فوق ما قومت به للخليفة من قبل، فاتصل الخبر بالناصر، فسأل القاضي عما صنع، فقال له: نعم، وأخذت فيما صنعت بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]. فصبر الناصر وقال: نحن أول من ينقاد إلى الحق، فجازاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيراً.
إن سيرة أمثال محمد بن بشير، ومنذر بن سعيد تنبه الناس إلى أن علوم الإسلام ترفع همة الراسخ في فهمها، وتطبع في نفسه عزة وتقوى يجعلان القضاء في حرية فوق الحرية التي تسنها هذه القوانين الوضعية.
ومن مظاهر اعتزازهم بالعلم: أن كثيراً منهم كانوا يزهدون في المناصب، ولا يقيمون لها - وإن عظم سلطانها - وزناً.
فهذا أبو محمد بن حزم كان وزيراً لعبد الرحمن بن هشام الأموي، فرأى أن مقام العلم فوق كل مقام، فخلع طوق الوزارة من عنقه اختياراً، وأقبل على البحث والتأليف، فقدم عملاً صالحاً، وأبقى أثراً في العلم نافعاً.
وهذا زياد بن عبد الرحمن أحد أصحاب مالك الذين دخلوا بمذهبه بلاد الأندلس، أراده الأمير هشام بن عبد الرحمن على قضاء قرطبة بإلحاف، فأبى قبول هذا المنصب بتصميم، ومما اتخذه وسيلة للتخلص من الولاية: أن قال للوزراء الذين خاطبوه في شأنها، وأبلغوه عزم هشام على توليته إياها: أما إن أكرهتموني على القضاء، فاعلموا أنه إن أتاني مدعٍ في شيء بأيديكم، لا يكون إلا أن أخرجه منكم، ثم أجعلكم مدعين فيه حتى تقيموا عليه البينة. فلما سمعوا منه هذه العزيمة، تيقنوا أنه سيفعل ما يقول، فسعوا
стр. 1781
لدى هشام في معافاته وصرفِ الولاية إلى غيره.
* نظر علماء الأندلس في أحوال الأمة، وغيرتهم على مصالحها:
نرى في علماء الأندلس من لا يقصرون أنظارهم على الوجهة العلمية البحتة، بل يمرون بها في كثير من الأوقات على أحوال الجماعة؛ ليعرفوا ما يطرأ عليها من خلل، وما تحتاج إليه من إصلاح.
ينبئنا التاريخ: أن كبار العلم في القرى المجاورة لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة في قرطبة، ويطالعونه بأحوال بلدهم.
وينبئنا التاريخ: بأن في علماء الأندلس طائفة لا يغضون أبصارهم عما يصنع ولاة الأمور، ثم لا يكتمون النصيحة إذا أبصروا عوجاً في السياسة، أو حيفاً في الحكومة، أو تبذيراً في الإنفاق.
عاد أبو الوليد الباجي من الشرق، فوجد ملوك الطوائف بالأندلس أحزاباً متفرقة، فأدرك سوء عاقبة هذا التفرق، ودفعته الغيرة أن قام يسعى بينهم بالصلح، ولكنه نفخ في عظام ناخرة، فكان كلما وفد على ملك منهم، لقيه بالتقريب والترحيب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستقل طلعته. فلم يبلغ أن يعقد بين أولئك الأحزاب وفاقاً.
ومواقف منذر بن سعيد البلوطي في وجه عبد الرحمن الناصر منكِراً عليه الإسرافَ في تشييد المباني، والغلو في زخرفتها، مبسوطة في كتب التاريخ، دائرة على ألسنة الأدباء.
والعلماء الذين ينفقون شيئاً من أوقاتهم في البحث عن أحوال الاجتماع، ومقتضيات السياسة، يتوقفون أكثر من غيرهم على أن يصوغوا فتاويهم على قدر المصالح المعتد بها في نظر الشريعة.
стр. 1782
لما أراد سلطان المغرب الأقصى يوسف بن تاشفين إنقاذ الأندلس من مخالب أعدائها المتحفزين للوثوب عليها، استفتى أهل العلم في أخذ معونة من الأمة يستعين بها على دفاع أولئك المتحفزين، فأحجم بعض الفقهاء من غير أهل الأندلس أن يفتيه بجواز ذلك، ولكن قضاة الأندلس وفقهاءها، ومنهم أبو الوليد الباجي، كانوا يحسون العدو على مقربة من ديارهم، ويذوقون مرارة وضعه الضرائب على أمرائهم، وينظرون إلى عاقبة استيلائه على أوطانهم كأنهم يرونها رأي العين، فأفتوه بأخذ المعونة من الأمة زيادة على ما هو المفروض عليها من نحو مقادير الزكاة.
وفي علماء الأندلس رجال كانوا يعملون لحماية البلاد بأنفسهم، ولم يودعوا هذه الحياة إلا وهم مرابطون في الثغور، أو تحت ظلال السيوف.
كان محمد بن عبد الله الليثي قاضي قرطبة يخرج إلى الثغور، ويباشر إصلاح ما اختل منها، حتى وافاه الموت وهو في بعض الحصون المجاورة لطليطلة.
وكان القاضي سليمان بن موسى الكلاعي من أولي البسالة والإقدام، يشهد مواقع القتال بنفسه إلى أن توفي في إحدى الغزوات شهيداً في سبيل الله. ولكثر ما نجد في تراجم علماء الأندلس: أن زيداً استشهد في غزوة كذا، وعمراً مات منصرفاً من غزوة كذا، وبكراً توفي في ثغر كذا، إلى من لا يحصيهم القلم حساباً.
هذه صحيفة من تاريخ علماء الأندلس تلوناها كالتذكرة لشبابنا الناهضين، وعسى هذه المعاهد والمدارس الإسلامية أن تخرج لنا رجالاً يبهرون الناس علماً وجلالة، ويذودون عن الشريعة نفراً يتهافتون على إطفاء نورها، والسلام على العلماء المصلحين المجاهدين ورحمة الله.
стр. 1783
السعادة عند بَعضِ عُلماء الإسلام (١)
إذا تناولت في صدر كلمتي بعض آراء فلسفية قديمة، فلأنبّه على صلة الفلسفة العربية بالفلسفة اليونانية، ولنرى فلاسفة العرب كيف أخذوا في شرح السعادة بالتي هي أقوم وأهدى.
* الآراء الفلسفية اليونانية:
من يقاسي شدائد الفاقة والبؤس، يرى السعادة في الغنى، ومن تتقلب به الأوجاع يميناً وشمالاً، أو يفقد أحد أعضائه، يرى السعادة في صحة البدن، وسلامة الأعضاء، والمستضعف الذي تسلب حقوقه علانية، ولا يستطيع خلاصها، يرى السعادة أن يكون للإنسان سلطان، أو جاه عند ذي سلطان، ومن أشرب في قلبه الفسوق والخلاعة، يرى السعادة أن تحف به الشهوات من كل جانب، فيطلق فيها عنانه كيف يشاء، ومن وجد منفعته الخاصة في يد المستبد الغاشم، رأى السعادة في أن يبقى سلطان ذلك المستبد ويقوى.
هذه خواطر عامية لا تبلغ أن تسمى مذاهب في السعادة أوآراء، وإنما نحدثكم في هذا المقام عن المذاهب التي يقررها أصحابها بعد النظر والبحث. وسواء بعد هذا أوصلوا إلى حقيقة، أم وقعوا في خطأ وضلال؟!.
стр. 1784
والفرق بين الآراء العامية والآراء الفلسفية: أن الآراء العامية تنشأ عن إحساس خاص في أحوال خاصة، فالرجل الذي يبدو له أن السعادة في الغنى، أو في صحة البدن- مثلاً - إنما حدث له هذا الرأي من ألم الفقر، أو شدة المرض، ومن الجائز أن ينتقل إلى يسار أو صحة، فيتغير رأيه في السعادة، ويذهب في تصورها إلى شيء آخر أصبح يحس بشدة حاجته إليه؛ كصلاح حال الولد، أو الزوجة، أو الأصدقاء.
أما المذاهب الفلسفية، فإنما تتكئ على النظر والاستدلال، فالذي يقول: إن السعادة في اللذة الحسية، لو صدرت منه هذه المقالة وهو يرتع في الشهوات، ولم يذكر في الاستدلال عليها وجهاً يستوقف النظر، لقلنا: هذه المقالة وليدة الخلاعة، ولما صحّ لنا أن نضعها بجانب الآراء الفلسفية، ولكنها مقالة صدرت من طائفة أوردوا في الاستدلال عليها ما شأنه أن يعلق بكثير من النفوس البائسة، فكان من حقها أن تدخل في قبيل الفلسفة، ولو بوجه كاسف كئيب، وكان من حقنا أن نتعرض لها بالنقد، ونميطها عن الأذهان كما يماط الأذى عن الطريق.
فـ (أويدوكس) الفيلسوف اليوناني يعزو إليه أرسطو في كتاب "الأخلاق" ارتياء أن اللذة هي الخير الأعلى، ويذهب في الاستدلال على هذا إلى أنه يرى جميع الكائنات ترغب في اللذة، وتسعى لها، سواء كانت هذه الكائنات عاقلة، أم غير عاقلة، وما كان محط الرغبة من جميع الكائنات يجب أن يكون هو الخير الأعلى.
فهذا الاستدلال من (أويدوكس) يكفي لأن يعدّ رأيه في اللذة مذهباً فلسفياً. ولنا بعد هذا أن ننقده، ونستبين ما يحمله من غلط وفساد.
стр. 1785
تصدى (أرسطو) لنقض هذا المذهب في بحث اللذة من كتاب "الأخلاق"، ومن ذا يقبل أن تكون اللذة الحسية الخير الأعلى في هذه الحياة، إلا من يريد أن يفرق بين حياة الإنسان وحياة غيره من الحيوان؟ والفرق بين الحياتين قررته الشرائع، وآمنت به الفلسفة، وإذا كنا على يقين من أن الرغبة قد تتوجه إلى الأشياء التي لا يختلف العقلاء في أنها شر، كان من الخطأ أن نجعل توجهها إلى اللذة دليلاً على أنها الخير الأعلى في هذه الحياة.
ويقابل مذهب القائلين: إن السعادة في اللذة، مذهب فريق من اليونان أيضاً، يزدرون اللذة أيما ازدراء، ويرون السعادة كلها في قوى النفس التي هي: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة، وقالوا: إن هذه الفضائل كافية في تحقيق السعادة، ولا يحتاج معها إلى ما هو خارج عن النفس من نحو الصحة والثروة والرياسة، ومن أصحاب هذا المذهب: بقراط، وأفلاطون، وفيثاغورس، وسقراط، فالفضيلة والسعادة في رأي هؤلاء مترادفتان، توجد إحداهما أينما وجدت الأخرى.
وذهب آخرون في فهم السعادة إلى وجهة ثالثة، فلم يجعلوها اللذة، ولم يقصروها على الفضائل النفسية، بل نظروا إلى الإنسان مركباً من نفس وبدن، فقالوا: إن سعادة النفس لا تكون كاملة حتى تقترن بسعادة البدن؛ كالصحة وسلامة الأعضاء، وبالخيرات الخارجة عن البدن؛ كالثروة والرياسة.
وقد نحا (أرسطو) في كتاب "الأخلاق" هذا النحو، فصرح بأن السعادة هي الخير الأعلى، ولم يجعلها - مع هذا - مقصورة على كمال النفس، بل جعلها الفضائل النفسية الركن الأعلى للسعادة، وأضاف إليها أشياء أخرى جعلها من متمماتها؛ كصحة البدن، وسعة الرزق، والنفوذ السياسي، وشرف
стр. 1786
المنبت، ووسامة المحيا، وحسن السمعة، وأطال حساب هذه المتممات حتى قال: "وربما لا يستطاع القول على إنسان: إنه سعيد، إذا كان له أولاد أو أصدقاء ذوو أخلاق سيئة، أو إذا فقد من كان له من أولاد أو أصدقاء".
وبعد هذه الآراء الثلاثة: رأي الارتيابيين الذين يجعلون السعادة في الخلو من الألم، ويقولون: من يبغي السعادة، يسعى إلى أن يكون هادئ البال، مرتاح الضمير، وهذه الراحة تتحقق- فيما يزعمون- حيث يقف الرجل بين اليقينيين والسفسطائيين، فلا يقطع في الأحكام بإثبات مثلما يفعل اليقينيون، ولا يقطع فيها بنفي مثلما يفعل السفسطائيون، فالذي لا يعتمد في حكمه على سلب أو إيجاب، هو البالغ منتهى السعادة.
لم يذهب أحد من فلاسفة العرب أو الإسلام - فيما أعلم - على أن السعادة في اللذة المحسوسة، وليس من المعقول أن يدرس القرآن دارس، ثم ينحط إلى هذا المذهب السخيف، بل يذهب فريق منهم؛ كفخر الدين الرازي إلى نفي أن يكون هناك لذة غير الحكمة، وقالوا: لا لذة إلا في المعارف، وما يسميه الناس لذة حسية؛ كالمأكل والمشرب إنما هو دفع ألم الجوع والعطش، وما يسمونه لذة خيالية؛ كالرياسة إنما هو دفع ألم القهر والغلبة.
ومن البديهي أن لا يكون في فلاسفة الإسلام من يذهب إلى أن السعادة في الخلو من الألم، على النحو الذي يصوره الارتيابيون، وإنما تدور آراؤهم في السعادة حول الفضائل النفسية وحدها، أو هذه الفضائل مضافة إليها الخيرات البدنية والخارجية، ونخص بالبحث في هذه الكلمة برأي أبي نصر الفارابي، ورأي أحمد بن مسكويه؛ فإنهما قد خاضا في هذا الموضوع
стр. 1787
على طريقة واسعة.
* رأي أبي نصر الفارابي:
يذهب أبو نصر الفارابي إلى أن السعادة هي غاية ما يتشوقه كل إنسان، وأنها أكمل ما يؤثر ويسعى إليها من الخيرات، وذكر في تفصيل هذا: أن الخيرات التي يؤثرها الناس، ويتوجهون إليها برغباتهم ومساعيهم ثلاثة أنواع:
أولها: ما يؤثر لتنال به غاية أخرى؛ كالثروة؛ فإنه يرغب فيها ليتوسل بها إلى مآرب إما محمودة؛ كالإنفاق في وجوه البر، أو غير محمودة؛ كإغراق النفس في ملاذها وشهواتها الطاغية.
ثانيها: ما شأنه أن يؤثر لذاته، وقد يقصد منه غاية أخرى، ومثال هذا: الرياسة؛ فإنها مرغوب فيها لذاتها "يا حبذا الإمارة ولو على الإجارة"، وقد يسعى إليها من يبتغيها وسيلة إلى غرض بعدها؛ كجمع مال جم، أو الانتقام من عدو.
وهذان النوعان ليسا من السعادة، ولا السعادة منهما.
ثالثها: ما شأنه أن يؤثر لذاته، ولا يقصد في وقت من الأوقات لتنال به غاية أخرى، وما هو إلا الخلق الجميل، وقوة الذهن، ثم قال: "وهذا هو أكمل الخيرات، وهذا ما يسمى سعادة".
فالخلق الجميل وقوة الذهن عند الفارابي هي المسميان بالسعادة، ولم يلتفت إلى ما زاد عليهما من الخيرات البدنية أو الخارجية، فيجعل له مدخلاً في السعادة؛ كما صنع أرسطو في كتاب "الأخلاق".
ويعتمد الفارابي في اختيار هذا المذهب إلى أن سعادة الإنسان يجب أن تكون في مزاياه التي تكسبه الجودة والكمال في أفعاله، والخلق الجميل
стр. 1788
وجودة التمييز هما اللذان يكسبان أفعالنا جودة وكمالاً.
فأبو نصر الفارابي يوافق أرسطو في أن الخير الأعلى هو السعادة، غير أن الفارابي يجعل الفضائل النفسية والسعادة شيئاً واحداً، فلا حرج عليه في أن يقصر الخير الأعلى على السعادة، وأما أرسطو، فإنه يذهب إلى أن الفضائل النفسية هي الركن الأعظم في تقويم حقيقة السعادة، ويجمعل من متمماتها: الخيرات البدنية والخارجية، وإذا كانت السعادة تتناول الثروة، وصحة البدن، والجمال، فليس من الصواب أن تكون الخير الأعلى؛ إذ مقتضاه: أن من بلغ في الحكمة والخلق الجميل غايتهما، فإنه أن يكون جميل الوجه، أو واسع الرزق، أو صحيح البدن، يعد محروماً من الخير الأعلى؛ لأنه لم يستوف وسائل السعادة، وهذا ما لا تقبله العقول التي قدرت الحكمة والفضيلة النفسية قدرهما:
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضرّه الجسم النحيل
* رأي ابن مسكويه:
يقول ابن مسكويه في مؤلف له في السعادة: إن الغايات التي يتوجه إليها الناس ترجع إلى قسمين:
أولهما: ما يشترك فيه الناس والحيوان؛ كالمأكل والمشرب ونحوهما مما يسميه الناس لذيذاً، وهذا مما يظنه أكثر الناس سعادة، وليس الأمر كما يظنون، فإن ما كان مشتركاً بيننا وبين البهائم ليس من شأنه أن يكون كمالاً لنا من حيث إن أنّا أناس، فلا يدخل في باب سعادتنا.
ثمانيهما: ما يختص به الإنسان، ولا يشاركه فيه غيره من الحيوان، وهو الأفعال الفاضلة، والخلق الجميل، وقوة الذهن، ولهذه الأمور الثلاثة
стр. 1789
تتحقق السعادة.
هذا رأي ابن مسكويه في كتاب "السعادة"، وهو في أصله لا يختلف عن مذهب الفارابي في أن مصدر السعادة الفضائل النفسية، وإذا ذكر ابن مسكويه الأعمال الفاضلة، فهي مقصودة للفارابي وغيره ممن يجعلون السعادة في كمال النفس، وانظروا إلى قول الفارابي: "والخلق الجميل، وجودة التمييز هما اللذان يكسبان أفعالنا جودة وكمالاً".
والسعادة عند أبي نصر الفارابي وعند ابن مسكويه مما يدخل في استطاعة الإنسان، أما الأعمال الفاضلة، فإنها تصدر عن الخلق الجميل، وقوة الذهن، وأما الخلق الجميل، فيكتسب بمزاولة علم الأخلاق؛ فإنه يبين فيه الفضائل، والسبيل إلى اقتنائها، والرذائل، والسبيل إلى توقيها، وأما قوة الذهن وجودة التمييز، فتكتسب بدراسة علم المنطق، وهو صناعة إذا أتقنها الإنسان، جاد تمييزه، وعرف مراتب الإقناع وتقرير الآراء على ما ينبغي.
ويقرر ابن مسكويه أن للسعادة معنى خاصاً، وهو ما يختص به كل صاحب علم أو صناعة، فسعادة الطبيب في معرفة العلل ومعالجتها بالأدواء النافعة، وسعادة المحامي في تمييز الحقوق والدفاع عنها بحزم وأمانة، وسعادة الصحفي في تحريه الصدق فيما ينشر، وأخذه بالإخلاص فيما يكتب، وسعادة القاضي في فصل القضايا على وجه العدل والإنصاف، وسعادة العضو في مجلس النواب أن يسلك سبيل المصلحة العامة، قاطعاً النظر عن المنافع الشخصية أو الحزبية، وهكذا الشأن في كل صاحب علم أو صناعة، فإن سعادته على قدر إتقانه للعلم أو الصناعة، وإتيانه بالعمل على وجهه الصحيح.
ولابن مسكويه في كتاب "الأخلاق" رأي يميل به إلى مذهب أرسطو،
стр. 1790
فإنه - بعد أن ذكر آراء الفلاسفة في السعادة - قصد إلى بيان ما يختاره في حقيقتها، فقال: "إن الإنسان ذو فضيلة روحية، وفضيلة جسمية، ومادام الإنسان إنساناً لا تتم له السعادة إلا بتحصيل الفضيلتين كلتيهما، ولا تحصل له الفضيلتان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية".
ويريد بالأشياء النافعة: أمثال الرياسة والثروة، وإلى نفع الثروة في الوصول إلى الحكمة يشير الطغرائي بقوله:
أريد بسطة مال أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قِبَلي
وإذا قصرنا الخير الأعلى على كمال النفس الذي يحتوي معرفة الله، والأعمال الفاضلة، فلا بأس في أن تكون السعادة في هذا الكمال، ثم في الخيرات التي هي بمنزلة الوسائل إلى ما هو الخير الأعلى، ولا بأس في أن يكون الناس في السعادة على مراتب متفاوتة، أو أن يكون الإنسان وافي الحظ في السعادة في حال، قليل الحظ منها في حال، فيستقيم لنا إذاً أن نقول: السعادة حالة الإنسان الموافقة لإرادته وآماله المنبعثة في حدود الفضيلة.
* * *