المنبت، ووسامة المحيا، وحسن السمعة، وأطال حساب هذه المتممات حتى قال: "وربما لا يستطاع القول على إنسان: إنه سعيد، إذا كان له أولاد أو أصدقاء ذوو أخلاق سيئة، أو إذا فقد من كان له من أولاد أو أصدقاء".
وبعد هذه الآراء الثلاثة: رأي الارتيابيين الذين يجعلون السعادة في الخلو من الألم، ويقولون: من يبغي السعادة، يسعى إلى أن يكون هادئ البال، مرتاح الضمير، وهذه الراحة تتحقق- فيما يزعمون- حيث يقف الرجل بين اليقينيين والسفسطائيين، فلا يقطع في الأحكام بإثبات مثلما يفعل اليقينيون، ولا يقطع فيها بنفي مثلما يفعل السفسطائيون، فالذي لا يعتمد في حكمه على سلب أو إيجاب، هو البالغ منتهى السعادة.
لم يذهب أحد من فلاسفة العرب أو الإسلام - فيما أعلم - على أن السعادة في اللذة المحسوسة، وليس من المعقول أن يدرس القرآن دارس، ثم ينحط إلى هذا المذهب السخيف، بل يذهب فريق منهم؛ كفخر الدين الرازي إلى نفي أن يكون هناك لذة غير الحكمة، وقالوا: لا لذة إلا في المعارف، وما يسميه الناس لذة حسية؛ كالمأكل والمشرب إنما هو دفع ألم الجوع والعطش، وما يسمونه لذة خيالية؛ كالرياسة إنما هو دفع ألم القهر والغلبة.
ومن البديهي أن لا يكون في فلاسفة الإسلام من يذهب إلى أن السعادة في الخلو من الألم، على النحو الذي يصوره الارتيابيون، وإنما تدور آراؤهم في السعادة حول الفضائل النفسية وحدها، أو هذه الفضائل مضافة إليها الخيرات البدنية والخارجية، ونخص بالبحث في هذه الكلمة برأي أبي نصر الفارابي، ورأي أحمد بن مسكويه؛ فإنهما قد خاضا في هذا الموضوع
стр. 1787
على طريقة واسعة.
* رأي أبي نصر الفارابي:
يذهب أبو نصر الفارابي إلى أن السعادة هي غاية ما يتشوقه كل إنسان، وأنها أكمل ما يؤثر ويسعى إليها من الخيرات، وذكر في تفصيل هذا: أن الخيرات التي يؤثرها الناس، ويتوجهون إليها برغباتهم ومساعيهم ثلاثة أنواع:
أولها: ما يؤثر لتنال به غاية أخرى؛ كالثروة؛ فإنه يرغب فيها ليتوسل بها إلى مآرب إما محمودة؛ كالإنفاق في وجوه البر، أو غير محمودة؛ كإغراق النفس في ملاذها وشهواتها الطاغية.
ثانيها: ما شأنه أن يؤثر لذاته، وقد يقصد منه غاية أخرى، ومثال هذا: الرياسة؛ فإنها مرغوب فيها لذاتها "يا حبذا الإمارة ولو على الإجارة"، وقد يسعى إليها من يبتغيها وسيلة إلى غرض بعدها؛ كجمع مال جم، أو الانتقام من عدو.
وهذان النوعان ليسا من السعادة، ولا السعادة منهما.
ثالثها: ما شأنه أن يؤثر لذاته، ولا يقصد في وقت من الأوقات لتنال به غاية أخرى، وما هو إلا الخلق الجميل، وقوة الذهن، ثم قال: "وهذا هو أكمل الخيرات، وهذا ما يسمى سعادة".
فالخلق الجميل وقوة الذهن عند الفارابي هي المسميان بالسعادة، ولم يلتفت إلى ما زاد عليهما من الخيرات البدنية أو الخارجية، فيجعل له مدخلاً في السعادة؛ كما صنع أرسطو في كتاب "الأخلاق".
ويعتمد الفارابي في اختيار هذا المذهب إلى أن سعادة الإنسان يجب أن تكون في مزاياه التي تكسبه الجودة والكمال في أفعاله، والخلق الجميل
стр. 1788
وجودة التمييز هما اللذان يكسبان أفعالنا جودة وكمالاً.
فأبو نصر الفارابي يوافق أرسطو في أن الخير الأعلى هو السعادة، غير أن الفارابي يجعل الفضائل النفسية والسعادة شيئاً واحداً، فلا حرج عليه في أن يقصر الخير الأعلى على السعادة، وأما أرسطو، فإنه يذهب إلى أن الفضائل النفسية هي الركن الأعظم في تقويم حقيقة السعادة، ويجمعل من متمماتها: الخيرات البدنية والخارجية، وإذا كانت السعادة تتناول الثروة، وصحة البدن، والجمال، فليس من الصواب أن تكون الخير الأعلى؛ إذ مقتضاه: أن من بلغ في الحكمة والخلق الجميل غايتهما، فإنه أن يكون جميل الوجه، أو واسع الرزق، أو صحيح البدن، يعد محروماً من الخير الأعلى؛ لأنه لم يستوف وسائل السعادة، وهذا ما لا تقبله العقول التي قدرت الحكمة والفضيلة النفسية قدرهما:
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضرّه الجسم النحيل
* رأي ابن مسكويه:
يقول ابن مسكويه في مؤلف له في السعادة: إن الغايات التي يتوجه إليها الناس ترجع إلى قسمين:
أولهما: ما يشترك فيه الناس والحيوان؛ كالمأكل والمشرب ونحوهما مما يسميه الناس لذيذاً، وهذا مما يظنه أكثر الناس سعادة، وليس الأمر كما يظنون، فإن ما كان مشتركاً بيننا وبين البهائم ليس من شأنه أن يكون كمالاً لنا من حيث إن أنّا أناس، فلا يدخل في باب سعادتنا.
ثمانيهما: ما يختص به الإنسان، ولا يشاركه فيه غيره من الحيوان، وهو الأفعال الفاضلة، والخلق الجميل، وقوة الذهن، ولهذه الأمور الثلاثة
стр. 1789
تتحقق السعادة.
هذا رأي ابن مسكويه في كتاب "السعادة"، وهو في أصله لا يختلف عن مذهب الفارابي في أن مصدر السعادة الفضائل النفسية، وإذا ذكر ابن مسكويه الأعمال الفاضلة، فهي مقصودة للفارابي وغيره ممن يجعلون السعادة في كمال النفس، وانظروا إلى قول الفارابي: "والخلق الجميل، وجودة التمييز هما اللذان يكسبان أفعالنا جودة وكمالاً".
والسعادة عند أبي نصر الفارابي وعند ابن مسكويه مما يدخل في استطاعة الإنسان، أما الأعمال الفاضلة، فإنها تصدر عن الخلق الجميل، وقوة الذهن، وأما الخلق الجميل، فيكتسب بمزاولة علم الأخلاق؛ فإنه يبين فيه الفضائل، والسبيل إلى اقتنائها، والرذائل، والسبيل إلى توقيها، وأما قوة الذهن وجودة التمييز، فتكتسب بدراسة علم المنطق، وهو صناعة إذا أتقنها الإنسان، جاد تمييزه، وعرف مراتب الإقناع وتقرير الآراء على ما ينبغي.
ويقرر ابن مسكويه أن للسعادة معنى خاصاً، وهو ما يختص به كل صاحب علم أو صناعة، فسعادة الطبيب في معرفة العلل ومعالجتها بالأدواء النافعة، وسعادة المحامي في تمييز الحقوق والدفاع عنها بحزم وأمانة، وسعادة الصحفي في تحريه الصدق فيما ينشر، وأخذه بالإخلاص فيما يكتب، وسعادة القاضي في فصل القضايا على وجه العدل والإنصاف، وسعادة العضو في مجلس النواب أن يسلك سبيل المصلحة العامة، قاطعاً النظر عن المنافع الشخصية أو الحزبية، وهكذا الشأن في كل صاحب علم أو صناعة، فإن سعادته على قدر إتقانه للعلم أو الصناعة، وإتيانه بالعمل على وجهه الصحيح.
ولابن مسكويه في كتاب "الأخلاق" رأي يميل به إلى مذهب أرسطو،
стр. 1790
فإنه - بعد أن ذكر آراء الفلاسفة في السعادة - قصد إلى بيان ما يختاره في حقيقتها، فقال: "إن الإنسان ذو فضيلة روحية، وفضيلة جسمية، ومادام الإنسان إنساناً لا تتم له السعادة إلا بتحصيل الفضيلتين كلتيهما، ولا تحصل له الفضيلتان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية".
ويريد بالأشياء النافعة: أمثال الرياسة والثروة، وإلى نفع الثروة في الوصول إلى الحكمة يشير الطغرائي بقوله:
أريد بسطة مال أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قِبَلي
وإذا قصرنا الخير الأعلى على كمال النفس الذي يحتوي معرفة الله، والأعمال الفاضلة، فلا بأس في أن تكون السعادة في هذا الكمال، ثم في الخيرات التي هي بمنزلة الوسائل إلى ما هو الخير الأعلى، ولا بأس في أن يكون الناس في السعادة على مراتب متفاوتة، أو أن يكون الإنسان وافي الحظ في السعادة في حال، قليل الحظ منها في حال، فيستقيم لنا إذاً أن نقول: السعادة حالة الإنسان الموافقة لإرادته وآماله المنبعثة في حدود الفضيلة.
* * *
стр. 1791
التصوف قي القديم والحديث (١)
كنا أساتذة العالم علماً وسياسة وأدباً، قلمنا يكتب فيطاع، وحسامنا ينتضى فيهاب، ورايتنا تخفق فيجري من تحتها عدل وسلام، أخذتنا بعد تلك اليقظة غفوة، وبعد تلك العظمة خمول، فلم ننتبه إلا والدهر يضربنا بسوط من عذاب الهون، ويبسط علينا أيدياً كالحجارة أو أشد قسوة.
لا نيأس من أن نعود كما ولدتنا أمهاتنا أحراراً، ولا نيأس من أن نبني كما بنى أسلافنا مجداً وسيادة، فليست هذه الغاية ببعيدة المنال، وما بيننا وبينها إلا أن نحسن العمل، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين.
نحن في وقعة نريد أن ننهض من كبوتها، نحن في تباطؤ نريد أن نتبدل به حزماً ونشاطاً، نحن في تقاطع نريد أن نضع مكانه اتحاداً، نحن في لهو نريد أن نستعيض به جِدّاً، نحن في بلاء نريد أن نخرج منه إلى سعادة، نحن في نار حامية نريد أن نطفئها، ونعيش في جنّة من الكرامة عالية.
فحقيق علينا أن نقلب أنظارنا في كل ناحية من نواحي حياتنا، وأن نتدبر في كل شأن من شؤوننا، حتى إذا رأينا خللاً، أصلحناه، أو رأينا عوجاً،
стр. 1792
قوّمناه، لا نبتغي بذلك الإصلاح والتقويم إلا أن نكون خير أمة تمثل الشهامة والحكمة والكمال.
وعلى هذا القصد أتقدم إلى حضراتكم بكلمة أبحث فيها عن التصوف؛ فإن الطرق المنتمية إلى الصوفية باسطة أجنحتها في الشرق والغرب، وأملنا معقود بأن نرى رجالها يقتدون بسيرة الصدر الأول من الصحابة والتابعين، ذلك العهد الذي ظهر فيه الإسلام بحقائقه النقية، وأصوله المحكمة، والعهد الذي ظهرت به أمة الإسلام في أسنى مظهر من العزة والرحمة والسلطان الكريم.
* نشأة التصوف:
إن الإسلام دين ينظم شؤون هذه الحياة؛ كما يرشد إلى سبيل السعادة في تلك الحياة، وهو الدين الذي عني بتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية، ثم عطف على الأجسام، فخلّى سبيلها لأن تتمتع من نعيم هذه الحياة وزهرتها إلا أن تطغى، فبقدر ما يدرك الإنسان من صفاء النفس، وسلامة الضمير، وبقدر ما يكون له من السلطان على شهواته، فلا تتعدى حدود الاعتدال، يصعد في مراقي الفلاح، ويدنو من مقام الكرامة والوجاهة عند الله. يقول الفيلسوف الأندلسي أبو بكر بن الطفيل:
يا باكياً فرقة الأحباب عن شحطٍ ... هلاً بكيت فراقَ الروح للبدنِ
نور تردد في طين إلى أجل ... فانحاز علواً وخلّى الطين للكفنِ
يا شدّ ما افترقا من بعد ما اجتمعا ... أظنها هدنة كانت على دَخَنِ (١)
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما ... فيا لها صفقةً تمت على غبنِ
стр. 1793
واجتماع الروح والبدن في رضا الله، هو ما يعمل له أولو الألباب من الناس، وقد رسم الإسلام للعمل في هذا السبيل خططاً، من انحرف عنها، أو تجاوز حدها، كان إلى الخسران أقرب منه إلى النجاح.
روي أن فريقاً من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، وقرروا فيما بينهم أن يسردوا (١) الصيام، ويعكفوا على العبادة، ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، فبلغ رسول الله ﷺ أمرهم، فنهاهم في خطبة جامعة، وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
كان أصحاب رسول الله يجدُّون في العمل الصالح ما استطاعوا، ويزهدون في الدنيا زهْد من لا يتناول منها إلا حلالاً طيباً، وزهْدَ من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وزهْدَ من يعاف أن تكون يده السفلى، ويد غيره العليا، وهم في هذا السبيل يتسابقون ويتفاضلون، وقد اشتهر كثير منهم بالجد في العبادة، والبلوغ في الزهد مكانة فضلى، ومن هذه الطائفة: أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
أما أبو ذر، فكان يعظ عمّال عثمان ﵁ حينما يراهم يتسعون في المراكب والملابس، فيتلو عليهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. وكان يملأ آذانهم تقريعاً، ويدعوهم، ويشتد في دعوته إلى أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم في سبيل الخير، وهذا أمر يطيقه الخاصة، ولا يحتمله كل إنسان، فأنهى معاوية أمره إلى عثمان، فكتب عثمان يأمر أبا ذر بالقدوم إلى
стр. 1794
المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت، ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأدوا فريضة الزكاة على وجهها، فخرج أبو ذر إلى الربذة (١) زاهداً ورعاً، وترك من ورائه قوماً يضاهونه، أو يقاربونه زهداً وورعاً.
وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعاً، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكاً بمثل قول النبي ﷺ فيما يرويه البخاري: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده". ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه: "أما بعد: فقد كتبت إلي أن الله رزقك مالاً وولداً، اعلم أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك. وكتبت إليّ: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله".
هكذا كانت سيرة الزهاد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهكذا مواعظهم: أعمال مشروعة خالصة، وأقوال رشيدة واضحة.
ومما حدث في عهدهم: أن أناساً لم يدركوا زمن النبوة يسمع أحدهم الآية، فيخرُّ كأنه مغشي عليه، فكان الصحابة الأكرمون لا يرضون عمن هذا شأنه، ويقابلونه بتعجب وإنكار.
مرّ عبد الله بن عمر برجل ساقط، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه
стр. 1795
القرآن، يصيبه هذا، فقال: إنا لنخشى الله ، وما نسقط.
وقال حصين بن عبد الرحمن: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله، تدمع عيونهم، وتقشعر جلودهم، فقلت لها: هاهنا رجال إذا قرئ على أحدهم القرآن، غشي عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت إلى أبي يوماً، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواماً ما رأيت خيراً منهم، يذكرون الله، فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله، فقعدت معهم. فقال لي: رأيت رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر يتلون القرآن، ولا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشعَ لله من أبي بكر وعمر؟ قال: فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.
رحم الله أصحاب رسوله الكريم، لم يعدوا في كمال معرفة الله، أو في كمال خشيته أن يسمع الرجل القرآن، فيقع مغشياً عليه، إنهم كانوا على بصائر مشرقة، وأحلام راجحة، يعرفون كيف يتقربون إلى الله زلفى، وكيف يتدبرون آياته بسكينة وحسن سمت، تمتلئ له أعين الناظرين مهابة وإجلالاً.
وفي عهد التابعين أقبلت طائفة من فضلائهم يتحدثون في أحوال النفس؛ من حيث صفاؤها، وصلتها بالخالق، وزهدها في زخرف هذه الحياة، واشتدت عنايتهم بالحديث في هذه الآداب، وكانوا يأخذون بها أنفسهم، ويرشدون إليها غيرهم، ويلقبون لذلك العهد: الزهاد، والوعاظ.
ومن أشهر هذه الطائفة: الحسن البصري، وكان صاحب حديث وفقه، وبيان وعلم بالقرآن، فصحبه طوائف من الناس شتى، فمنهم من صحبه ليأخذ
стр. 1796
عنه الحديث والأخبار، ومنهم من صحبه ليستفيد منه البلاغة والبيان وعلم القرآن، ومنهم من صحبه ليتلقى عنه الفقه والأحكام، وهو-مع هذا- يتكلم في محاسبة النفس، والمراقبة، والأخلاق، والمحبة، واليقين، والاستهتار بذكر الله، وكان يعقد للحديث في هذا السبيل مجلساً في منزله، لا يشهده إلا طائفة يتوسم فيهم الكفاية لأن يفهموا، والقوة على أن يعملوا، وكان لا يتحدث في هذا المجلس إلا في هذا الباب من العلم.
قال أبو سعيد بن الأعرابى: لم يبلغنا أن أحداً ممن تكلم في هذه المذاهب (يعني: أحوال النفس)، ودعا إليها، وزاد في بيانها وترتيبها وصفات أهلها، مثل الحسن بن يسار البصري.
كان هؤلاء الفضلاء يصرفون هممهم إلى تزكية النفوس من نقائصها، وإسلام القلوب إلى ربها، يشهد بهذا كلمهم الطيب، ومواعظهم الحسنة.
ومن مواعظ الحسن البصري: حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور، واردعوا هذه النفوس؛ فإنها طلعة تنزع إلى الشر عادة.
وعلى هذا الطراز يقول عامر بن قيس أحد زهاد التابعين: لقد أحببت الله حباً سهّل علي كل مصيبة، ورضّاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي له ما أصبحت عليه، وما أمسيت.
وأخذ بعض الناس في عهد التابعين ينحو نحو الغلو في الزهد، وكان الحسن البصري نفسه ممن يحارب هذا الغلو الذي لا يرتضيه الإسلام، ومما نقرؤه في تاريخ هؤلاء: أن رجلاً قال: أنا لا آكل الخبيص (١)؛ لأني
стр. 1797
لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!.
فزهد الحسن البصري وأمثاله من فضلاء التابعين، لا يحيد عن منهج الشريعة يميناً ولا يساراً.
وتخرج في مجالس الحسن البصري وغيره طبقة عالمة زاكية، منهم: مالك بن دينار، وحبيب العجمي، وعبد الواحد بن زيد، وبقي هؤلاء الذين يلقبون الزهاد والوعاظ لا يمتازون عن جمهور الناس إلا بكثرة ما يعملون من صالح، وبشدة ما يحملون من خشية الله، والعزة به، والاعتماد عليه، وبانصراف هممهم عن التعلق بما في هذه الحياة من شهوات أو حطام.
وفي خلال النصف الأول من القرن الثاني صار الزهاد والوعاظ يسمّون بالصوفية، وأول من دعي بهذا الاسم: أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة ١٥٠ هـ، وقد اختلف الناس في مأخذ هذا اللقب، فزعم بعضهم أنه مأخوذ من الصفّة؛ لشبه هؤلاء الزهاد بأهل الصفَّة، وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون بمسجد رسول الله ﷺ عابدين متعففين، لا يفارقونه إلا لجهاد عدو، وهذا الوجه لا يوافق قاعدة النسب في اللغة؛ فإنها تقتضي أن يقال في النسب إلى صفّة: صُفّية، لا صوفية.
وذهب ابن الجوزي وآخرون إلى أن الصوفية نسبة إلى صوفة؛ تشبيهاً لهؤلاء الزهاد بآل صوفة، وهم قوم كانوأ يخدمون الكعبة في الجاهلية، ويتنسكون. والأقرب أنهم تسموا بالصوفية لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف؛ تجنباً للبس الفاخر من الثياب.
أخذ الزهاد والوعاظ لقب الصوفية، وما برحت طريقتهم قائمة على
стр. 1798
قواعد الدين ورعاية آدابه، إلا نفراً كانوا يتشبهون بهم على جهالة، فيغرقون في الزهد، أو يَظهرون للناس بغير ما كانوا يسرون، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي:
ودع الذين إذا أتوك تنسكوا ... وإذا خلوا فهم ذئاب خفاف
وجعل الصوفية يتحدثون عما يرد عليهم من الخواطر، وما يجدونه من الأذواق، ويعبرون عن هذه الخواطر والأذواق بكلمات إما مألوفة، وإما غير مألوفة، حتى أصبح التصوف في القرن الثالث مذهباً ذا قواعد واصطلاحات، وزاد بما دخله من الاصطلاحات على المقدار الذي يستطيع أن يفهمه المفسّرون والمحدّثون من موارد الكتاب والسنة.
* ماذا حدث في التصوف بعد عهد الصحابة والتابعين:
يصف لنا التاريخ صوفية القرن الثالث، فنرى كثيراً منهم على مثال الحسن البصري، وسلمان الفارسي، منهم: أبو القاسم الجنيد الذي كان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. ونرى بجانبهم قوماً آخرين خلطوا التصوف بشيء من أصول الفلسفة الإشراقية، وكسوه لوناً من الزهد الفارسي، فأخذ هذا التصوف هيئة غير الهيئة التي عرف بها الزهاد والوعاظ في صدور الإسلام، وشاع يومئذ الغلو في الزهد، وراج ما توهموه في معنى التوكل من أنه نزع اليد من الأسباب جملة، ذلك التوهم الذي حاربه النبي ﷺ بأقواله وأفعاله، قبل أن يحاربه العلماء فيما حاربوا من آراء ساقطة، وأوهام قاتلة.
ومما حدث في مذهب الصوفية: الأناشيد التي يسمونها: الزهديات؛ كقول بعضهم:
يا غادياً في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا
стр. 1799
وكم إلى كم لا تخاف موقفاً ... يستنطق الله به الجوارحا
يا عجباً منك وأنت مبصرٌ ... كيف تجنبت الطريق الواضحا
قال أبو حامد الخلفاني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبدالله! هذه القصائد الرقائق التي في ذكر الجنة والنار، أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون:
إذاما قال لي ربّي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
فقال: أعد، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته، ورد الباب، فسمعت نحييه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
وليس في مثل هذه الأناشيد من بأس، فقد يكون فيها تذكرة لبعض النفوس الغافلة، وإنما تدخل في قبيل اللهو إذا كانت توضع في ألحان الغناء، حتى تكون اللذة في طيب أنغامها، لا فيما احتوته من حكمة أو موعظة.
أما السماع الذي تنكره على المتصوفة، فهي الأناشيد التي تحوي من وصف الغزل ما نسمعه في شعر عمر بن أبي ربيعة، أو تحوي من وصف الخمر مثل ما نسمعه في شعر أبي نواس، وحاشا لفضلاء الصوفية أن يكونوا قد شهدوا هذا النوع من السماع، وهم يحسبون أنهم في طاعة.
واتصل بالتصوف بعض بدع عملية؛ كالرقص في حال الذكر، وكاستعمال الآلات المطربة في المساجد.
стр. 1800
قال أبو حامد الغزالي يصف المتصوفة في عصره: متصوفة أهل هذا الزمان - إلا من عصمه الله - اغتروا بالزي والمنطق والهيئة من السماع والرقص، ولم يتعبوا أنفسهم في المجاهدة والرياضة.
وقال القرطبي في "تفسيره" منكراً على أدعياء الصوفية: وما الإسلام إلا كتاب الله، وسنة رسول الله، وأما القضيب، فأول من اتخذه الزنادقة، يشغلون به المسلمين عن كتاب الله، فينبغي للسلطان أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ويعينهم على باطلهم.
وأمثال هؤلاء المتصوفة هم الذين أفتى الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني بتفسيقهم، وبطلان صلاة من يقتدي بهم.
وظهر من ناحية الصوفية تأويل بعض الآيات والأحاديث على وجوه توافق أذواقهم ومواجيدهم، وإذا كان الفضلاء منهم لم يبعدوا في هذا المسلك عما يحتمله اللفظ العربي، فقد تهافت عليه نفر لم يقفوا فيه عند حد، وارتكبوا من التأويل ما يتبرأ منه العقل واللغة، وتنكره الشريعة إنكاراً مغلظاً، ويكفي في عدم صحة هذا النوع من التفسير: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين تفسير للقراَن بما يماثله أو يدانيه.
قال الإمام النسفي: النصوص تحمل على ظواهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد.
وقال ابن الصلاح: صنف السلمي حقائق التفسير، إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر.
وإذا أساء قوم تأويل القرآن على جهالة، فلا ننسى أن طائفة من الزنادقة
стр. 1801
اتخذوا هذا المسلك في التفسير ذريعة إلى قضاء بعض ما في نفوسهم؛ ليحرفوا كلم الله عن مواضعه، ومن المدبرين لهذه المكيدة: الطائفة التي يسمونها: الباطنية (١)، وأصل دعوتهم: "أن طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، وذلك أنهم اجتمعوا، فتذاكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم، واستيلائهم على الممالك، لكنا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج الضعفاء منهم؛ فإن ذلك يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم" (٢).
وقبل بعض أهل العلم المعاني التي يذكرها بعض الصوفية للآية أو الحديث، ولا تسعها اللغة، وهي في نفسها صحيحة، وحملها على أنها من باب الإشارة والاعتبار، لا على أنها تفسير يدل عليه اللفظ، بوجه من وجوه دلائله المقررة في علوم العربية، وهذا ما يقوله بعض من يتكلم في الآيات بلسان التصوف، ولهذا كانوا يلقبون أصحاب الإشارات.
وقد خالف هؤلاء القوم أبو بكر العربي في كتاب "العواصم من القواصم"، وأنكر أن تكون هذه المعاني مأخوذة من القرآن، ولو بطريق الإشارة؛ بحجة أن في أقوال الشريعة من الحكمة والموعظة ما لا يحتاج معه إلى مثل هذا الضرب من الإشارة والاعتبار.
وبلي التصوف في أثناء القرن الثالث بنفر اتخذوه مظهر آراء لا يقبلها الإسلام في حال، فكان من المنتسبين إليه من يذهب إلى القول بوحدة الوجود،
стр. 1802
ويقول: ما ثمّ وجود قديم خالق، ووجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله.
وحدثت لذلك العهد مقالة الحلول؛ أي: إن الله يحل في بعض مخلوقاته. ومما جرى على هذا: قول أبي الحسين الحلاّج: "ما في الجبّة إلّا الله". ومن أجل هذه المقالة أفتى الفقهاء والصوفية المستقيمون بخروجه عن الإسلام، وقتل في خلافة المقتدر سنة ٣٠١ هـ.
اتخذ الزنادقة أمثال هذه الآراء الزائغة ذريعة إلى أن يفسدوا على الناس أمر دينهم، ومن أثر هذه الغواية: قول بعضهم زاعماً أن الموحّد والمشرك في العبادة سواء:
وإن خرّ للأحجار في البيد عاكفٌ ... فلا تعد بالإنكار بالعصبيةِ
وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار من ألف حجتي
فما عبدوا غيري وما كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقد نيتي
قال السعد التفتزاني: الحلول والاتحاد مستحيلان على الله، والمخالفون في هذا منهم نصارى، ومنهم منتمون إلى الإسلام، ثم قال: ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك، وخاض لجة الوصول، فربما يحل الله تعالى فيه كالنار في الفحم، بحيث لا يتمايز به، ويتحد بحيث لا اثنينية ولا تغاير، وصح أن يقول: هو أنا، وأنا هو، وحينئذ يرتفع الأمر والنهي.
ومن أهل العلم من يحسن الظن برجال ينعتون بالصلاح، ويؤثر عنهم مقالات تنطق أو تحوم حول الحلول والاتحاد، فيذهب بها مذهب التأويل، ويخرج بها إلى وجوه تخلصها من ورطة هذه العقيدة المنكرة، ولا أطيل
стр. 1803
الحديث عن هذه الوجوه الغامضة، والمعاني غير المألوفة، فإنكم تجدونها مبسوطة في كتب التصوف، وبعض المؤلفات في علم الكلام.
وممن ذهب في مثل هذه المقالات مذهباً وسطاً: ولي الدين العراقي؛ حيث قال في كتابه "الأجوبة المرضية": "أما ابن العربي، فلا شك في اشتمال "الفصوص" المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك "فتوحاته المكية"، وينبغي عندي أن لا يحكم على ابن العربي في نفسه بشيء؛ فإني لست على يقين من صدور هذا الكلام منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكنا نحكم على هذا الكلام بأنه كفر".
لبس الزنادقة لباس الزهاد والوعاظ، وحاربوا الإسلام من طريق التأويل، وحاربوه من طريق ما يسميه الصوفية: حالاً وذوقاً، وبالغوا في الاعتماد عليه حتى جعلوه من قبيل دلائل الشريعة، وهذا ما يرده ابن السبكي في قوله: "مسألة الإلهام ليس بحجة". بل طغى بهم العبث أن جعلوا دلالة الذوق فوق دلالة النصوص، وقالوا: إذا تعارض الأمر والذوق، قدمنا الذوق على الأمر، ومما يقوله بعض هؤلاء المضلّين:
يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهّاء وأمّارِ
فإن أُطعك وأعصي الوجد رحت عم ... عن اليقين إلى أوهام أخبار
وبنوا على هذا الزعم: أن الصوفي يتلقى أحكاماً سماوية من غير هذه الشريعة، وقالوا: إن الصوفية أباحت لهم أشياء هي محظورة على غيرهم، وتوسّلوا بهذا إلى أنْ أدخلوا في الإسلام صوراً من الباطل غير قليلة.
ويتصل بهذا الذي يصنعه الخاطئون قولهم: إن الولي إذا بلغ في القرب من الله منزلة عليا، سقطت عنه التكاليف جملة، وقالوا: إن التكليف خاص
стр. 1804
بالعوام، ساقط عن الخواص، وتوكأ على هذه المقالة المبتدعة كئيرٌ من أولي الأهواء، يقعدون مقاعد الصوفية، ثم لا يبالون أن يضيعوا الصلاة، ويتبعوا الشهوات، على مرأى ومسمع من جماعات يعتقدون إخلاصهم، ومن الكلمات المصنوعة على هذا المنوال قول بعضهم وقد دعي إلى الصلاة:
يُطالب بالأوراد من كان غافلاً ... فكيف بقلب كل أوقاته وِرْدُ
وقيل لآخر من هذه الفئة: ألا تصلي؟ فقال: "وأنتم مع أورادكم، ونحن مع وارداتنا".
وليس بالبعيد أن هذه المقالات الخاطئة يعزوها إلى من عرف بالصلاح بعض أعدائه؛ ليحط من قدره، ويلوث سمعته، أو يضيفها إليه بعض أولي الضلال؛ ليتلقاها العامة بقبول وتقليد، وعلى أي حال كانت، لا تجد منا إلا أن نحذرها، ونغلق باب القبول دونها، ولكن أمر من اصطنعها إلى الجزاء العادل يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ومما حدث بعد عهد السلف ما يسمونه: تسليط الهمة.
قال أبو إسحاق الشاطبي: "تسليط الهمم على الأشياء حتى تنفعل، فذلك غير ثابت النقل، ولا تجد له أصلاً، بل أصل ذلك حال حِكَميّ، وتدبير فلسفي لا شرعي".
والذي يوافق عقيدة الإسلام: أن يقلب الرجل الصالح وجهه إلى السماء، فيدعو على من ظلم، فيستجيب الله دعاءه إن شاء.
* خلاصة البحث:
وخلاصة البحث: أن التصوف نشأ طاهراً نقياً، فلبسه قوم على جهالة، وابتغاه آخرون ليقضوا به مأرباً، أولئك يحدثون فيه بدعاً، وهؤلاء يدسون
стр. 1805
فيه أقوالاً غاوية، وقد وقف العلماء تجاه هذا كله موقف من لا تأخذه في الله لومة لائم، فكانوا يضعون أقوال الصوفية وأعمالهم على محك النظر، ويزنونها بميزان الشريعة، فيتركون المستقيمين منهم في زهدهم وانقطاعهم إلى عبادة ربهم، ويضربون بما وجدوه من ضلالات أو بدع في وجوه مبتدعيها.
وإنما بقي التصوف ملوثاً بما تلوث به من بدع عملية وأخرى اعتقادية، مع مناهضة العلماء لهذه البدع، ومدافعتهم لها بالحجة، وكشفهم عما تحتها من سرائر، بقي كذلك؛ لأن أصحاب هذه البدع كانوا يبثون آراءهم بين أيدي السذج من الناس، والسذج والجهال من الناس ليسوا بقليل.
ومما استمدت منه هذه البدع بقاءها: أن بعض المنتمين إلى علوم الشريعة لا يستطيعون أن يفصلوا للوقائع والأقوال أحكاماً موزونة، فكانوا يقفون أمام بدع المتصوفة أو غلطاتهم موقف الحائر في أمرها، أو الجانح إلى مسالمة أهلها.
* الطرق الصوفية في الوقت الحاضر:
نحن نعرف أن في زعماء هذه الطرق رجال علم وفضل، ولا ننكر ما يقوم به هؤلاء الفضلاء من إرشاد وتعليم، ومعرفتنا لهؤلاء الرجال المستقيمين، لا تمنعنا من أن نلقي على الطرق الصوفية نظرة نبتغي بها أن نكون على بينة من شؤوننا الاجتماعية، وأن تكون هذه الشؤون في نظام وصفاء، ولا سيما شأن يلبس على أنه مظهر من مظاهر الدين الحنيف، فالمسألة خطرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة.
الحقيقة أنه لا يزال في بعض هذه الطرق بقية من المحدثات التي حشرت في الإسلام على جهالة، ولا يزال كثير من أصحابها يتناقلون عبارات مدسوسة
стр. 1806
في التصوف على سوء نية، ولبعض هذه الطرق مظاهر تزدريها العيون، وتمجها الأذواق، وقد يحسبها من لا يعرف الإسلام أن لها صلة بالعبادات المشروعة في الإسلام، بل في رؤساء هذه الطرق من يتخذه الملاحدة دريئة يرمون من ورائها سهاماً مسمومة، لا غرض لها إلا أن تقع في مقاتل الدين الحنيف، وفي رؤساء الطرق من لا يزال يتقرب إلى الظالمين حتى يكون لسانهم الذي ينطق، وسمعهم الذي يسمع، ويصرهم الذي يرى.
فنحن نريد من علماء الطرق الصوفية أن ينظروا في هذه الطرق نظر من يعمل ابتغاء مرضاة الله، وينقدوا كل ما تحويه من تقاليد وآداب وأوراد، حتى إذا رأوا فيها ما لم يأذن به الله، طرحوه ناحية، وكان لهم في سيرة السلف من الصحابة والتابعين أسوة حسنة، فإذا لم ينقل عن السلف- مثلاً - أنهم احتفلوا في المساجد بالنفخ في المزامير، والنقر على الدفوف، أو أنهم ساروا في الشوارع يحملون الأعلام لغير جهاد، وإذا لم يرد عن السلف أنهم تحدثوا عن حضرة الخالق بعبارات موضوعة لعشق الحسان، ومعاقرة الخمور، علمنا أن هذا الصنيع كله إما لهو يشغل عن طاعة الله، أو باطل يصرف الوجه عن سبيل الله.
وإذا لم يرد في سيرة أحد من الصحابة أو التابعين أنه كان يسمي نفسه، أو يسميه غيره باسم يدل على أنه يتصرف في الكون تصرفاً غيبياً، كان الأحرى بالرئيس لأي طريق كان، أن لا يصف نفسه، ولا يسمح لأحد من أصحابه أن يصفه بما لم يوصف به صحابي جلس بين يدي أكمل الخليفة، وقضى حياته في عبادة خالصة، وسياسة عادلة، وجهاد في سبيل الله.
ندعو مشايخ الطرق الذين يؤثرون الحق على الخلق، أن يستضيئوا
стр. 1807
بسيرة أصحاب رسول الله ﷺ ، وننادي علماء الشريعة أن ينصحوا لكل من يفعل شيئاً على أنه من الدين، وما هو من الدين، وإذا طهر الله ناشئتنا من رجس الإلحاد، وحال بينهم وبين البدع الشائنة، والآراء الهازلة، فذلك اليوم الذي تكون لنا فيه أمة ذات خلق متين، ومظهر عظيم، والأمة التي تتدرع بالأخلاق المتينة، والمظاهر الحكيمة لا بد لها من أن تحيا في عزة وكرامة، ثم لا يجد الظالمون إلى السيطرة عليها من سبيل.
стр. 1808
الدهاء في السياسة (١)
بدا لي أن تلقى في هذا الاحتفال كلمة، ولو على وجه الذكرى، وكان على المكتب أمامي أوراق مبعثرة، فمددت إليها يدي؛ لعلي أجد ما لا يكون في إلقائه على مسامعكم الزكية من بأس، فوقعت يدي على كلمة كنت جمعتها في حال اقتضى جمعها، ورأيتها الآن غير نابية عن هذا المقام، فتفضلوا بسماعها (٢):
الدهاء: جودة الرأي التي تمكن السياسي من أن يدير نظاماً، أو يكشف عن وجه قضية بأسلوب لطيف. فغير الداهية ينبذ إلى الباطل على سواء، فتكون الحرب بينهما سجالاً، والداهية ينصب له المكيدة، فيقع كما يقع الأسد في الزبية العميقة، ومن لم يكن داهية، لا يمشي إلى الغرض إلا على
стр. 1809
خط مستقيم، فإذا اعترضته عقبة كؤود، وقف في حيرة، أو رجع على عقبه يائساً، والداهية يسير في خط منحن، أو منكسر، ولا يبالي بطول المسافة في جانب الثقة بإدراك الغاية المطلوبة.
يقوم الدهاء على فطرة الذكاء التي هي سرعة تصور المعاني الغامضة، وسهولة نفوذ الفكر إلى المقاصد الخفية، والإفراط فيه - الذي يعد عيباً في صاحب السياسة - إنما هو اختطاف صورة الأمر أو النتيجة من غير تثبيت في مأخذها، أو إحاطة بكنهها؛ إذ الشأن فيمن تضرب أشعة فكره في المعاني البعيدة أول ما يلتفت إليها لا يطيل البحث عن أسرارها، أو يستوفي النظر إلى آثارها.
فمن لم ينظر في الشؤون العامة بفكر ثاقب، ضاع من بين يديه كثير من المصالح، ووقع في شراك الخداع والمخاتلة، وكم من أمة قضى عليها بَلَهُ زعمائها أن تعيش في هاوية الذل، ونكدِ الحياة. وإنما استقام ظهر الخلافة لعهد عمر بن الخطاب؛ لأنه كان - مع سلامة ضميره، وصفاء سريرته - نافذ البصيرة في السياسة، بعيد النظر في عواقبها. قال المغيرة بن شعبة: كان عمر أفضل من أن يَخدع، وأعقل من أن يُخدع.
السياسة فنون شتى، والبراعة في كل فن تكون على حسب الأخذ بمبادئه، والدربة في مسالكه، فهذا خبير بسياسة الحرب، وبصيرته في السياسة المدنية عشواء، وآخر يدير القضايا، ويجري النظامات بين الأمة في أحكم نسق، فإذا خرجت به ليخوض في صلة أمة بأخرى، ضاقت عليه مسالك الرأي، وتلجلج لسانه في لُكنة، وربما جنح إلى السلم، والحربُ أشرف عاقبة، أو أذن بحرب، والصلحُ أقرب وسيلة إلى سعادة الأمة.
стр. 1810
فلا بد للدهاء في فن سياسي من الوقوف على شيء من سننه، إما بتقلب الإنسان في الوقائع بنفسه، ومشاهدته لها عن رؤية عين، وهي التجارب الملوّح إليها بقول أبي تمام:
من لم يُقَد ويطير في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميسا
أو بتلقيها على طريق النقل؛ كدراسة فن التاريخ، أو الكتب المؤلفة في ذلك الفن من السياسة خاصة.
ولا يملك مزية الدهاء في السياسة، إلا من كان في استطاعته كتم تأثراته النفسية من غضب وسرور، ومودة وبغضاء، ولهذا يقول الأدباء: إنّ أحكم بيت قالته العرب:
ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حرِّه يتأوه
فأناة الرئيس ورصانته هي المنبع الذي تسقى منه الأمة حرية الفكر، والسلَّم الذي تعرج منه إلى الأفق الأعلى من الأمن والسعادة.
تسمح الحكومات الحرة للكتّاب والخطباء أن يكشفوا عما في ضمائرهم، ويجهروا بآرائهم، وتسير معهم على مبدأ أن الناس أحرار في آرائهم وعواطفهم، فلا يسألون عنها، أو يؤاخذون بها متى كانت مباينة لمقاصد الرئيس، أو معارضة لمذهبه في السياسة، إلا إذا وضعوا أيديهم في إجرائها، واندفعوا إلى العمل على نفاذها.
تعد الحرية البالغة هذا الحد في حسنات بعض الحكومات الحاضرة، وقد أدار عليها أمراء الإسلام رحى سياستهم منذ ألف وثلاث مئة سنة، فهذا معاوية بن أبي سفيان يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني،
стр. 1811
وتحت قدمي.
يتلقى الأمراء نقد سياستهم وآرائهم بصدر رحب، وكثير منهم من إذا أنس في الأمة تهيباً، كره أن ينقلب ذلك التهيب رهبة تجرُّهم إلى إيثار الخَلق على الحق، ويدعوهم إلى ما دعا إليه عمر بن الخطاب في قوله: "أيما رجل عتب علينا في خلق، فليؤذنِّي"؛ أي: فليعلمني. وكان المأمون يقول لأهل ناديه إذا جاروه في كلام: "هلا سألتموني لماذا؟ فإن العلم على المناظرة أثبت منه على المهابة".
يطلق الأمراء العادلون للآراء أعنتها لتعرض عليهم في أي صبغة شاءت، ويثقون في هذا التسامح بأن أمامها أفكاراً مستقلة، وعقولاً راجحة، فتقبل منها ما كان حقيقة ناصعة، وترد الزائف على عقبه خائباً.
يدور على الألسنة قول ابن خلدون في "مقدمة تاريخه": "إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك"، يلهج بهذه المقالة بعض الأعجمين رامزين إلى أن العرب لا يليق بهم أن يعيشوا كما يعيش الرجل الرشيد يتصرف في بيته، ويدير مصلحته بنفسه، وتبسط طائفة أخرى النكير على هذا الفيلسوف قائلة: كيف يصف الأمة التي شادت تلك الدولة الكبرى بالبعد عن مذاهب السياسة؟.
والذي ينظر في الفصل المعقود لهذه المقالة من "المقدمة" يجد ابن خلدون يتكلم على الأمة العربية الطبيعية، حيث ذكر أن العلة في بعدهم عن إجادة السياسة: اعتيادهم على البداوة، ونفورهم من سلطة القوانين، واحتياج رئيسهم إلى الإحسان إليهم، وعدم مراغمتهم، والسياسة تقتضي أن يكون السائس وازعاً بالقهر. ثم صرح ابن خلدون في هذا الفصل نفسه، بأن هذه الأمة بعد ما طلع عليها الإسلام، وفتح أبصارها في مناهج السياسة العادلة،
стр. 1812
سارت فيها باستقامة، فعظم ملكها، وقوي سلطانها.
ويوافق ما قاله ابن خلدون من أن العربي بعد مطلع الإسلام غير العربي في عصر الجاهلية: أن سعد بن أبي وقاص أرسل نفراً منهم المغيرة بن زرارة إلى (يزدجرد)، فدارت بينه وبينهم محاورة أفصح لهم في آخرها عن تعجبه من ظهورهم في هذا المظهر العظيم، بعد أن كانوا بمكانة من الجهل، فقال له المغيرة: إن ما وصف به العرب من الجهل هو حق، إلا أنه قد كان ذلك قبل الإسلام. وبعد أن انصرفوا قال لقائده رستم: "ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جواباً منهم".
ركبت مرة القطار من "برلين" إلى إحدى قراها القريبة منها، وكان في رفقتي أستاذان من المستشرقين، فأخذا يتحاوران باللسان الألماني، ولم أكن أفقه من هذا اللسان يومئذ شيئاً، ثم أقبل علىّ أحدهم، وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب لا يعرفون السياسة؟ فقلت له: إنما يصف ابن خلدون العرب في حال جاهليتهم، وقبل أن يهتدوا بهدي الإسلام، ويستنيروا بحكمته، فانقطع، وعاد إلى محاورة صاحبه.
ومن نظر إلى العربي في حال جاهليته، رآه مطبوعاً على خصلتين، يطوّح به الغلو فيهما إلى ما ليس وراءه غاية:
إحداهما: اندفاعه للانتقام ممن هضم له حقاً، أو مسّ جانبه بأذى، وحسن السياسة يقتضي التأني، والإغضاء عن كثير من الهفوات.
ثانيتهما: إطلاقه لأيدي شيعته وعشيرته، وغض الطرف عنهم إذا أخذهم الاعتزاز بجاهه، واضطهدوا حق ضعيف لا ينتمي إليه.
والسياسة تنافي الإفراط في معاضدة الأشياع والأحلاف، ولا تستقيم
стр. 1813
مع الانتصار وهم مبطلون.
وقد قاومت الشريعة الإسلامية هاتين الطبيعتين، وجاهدت فيهما حق جهادها، حتى أعدت لسياسة العالم أساتذة مثل: عمر بن الخطاب الذي كان لا يراعي في إقامة الحق وكبحِ الباطل أشدَّ الناس به صلة، وأمسّهم به رحماً، ومثل معاوية بن أبي سفيان؛ فإنه كان يُرمى بالمطاعن، ويرشق بسهام الإنكار، فيسرها في نفسه، ولا تبدو عليه سورة الغيظ الذي يتخبط كثيراً من المستبدين.
ومن دهاء عمر بن عبد العزيز: أنه كان يرى في كثير من الأمور مصالح للرعية، ولكن كان يسلك في إجرائها طريقة التمهل والتدريج؛ حذر أن يثقل عليهم عبؤها، فيطرحوها عن ظهورهم، ويقعوا في عاقبة سيئة. قال له ابنه عبد الملك: "مالك لا تنفذ الأمور؟ "، فقال: "لا تعجل يا بني؛ فإنني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه، وتكون فتنة".
فلا يخرج السياسي عن مجرى الاستقامة حيث يرى في سيرة الأمة عوجاً يتعذر عليه تقويمه بالقوة، فيحجم عن مكافحته، ولكن يبذل حكمته في علاج ذلك المبدأ السقيم، حتى يأخذ صحته، ولو بعد أمد طويل.
وقد بدأت السياسة في عهد معاوية لا تبالي أن تمر إلى الحق ولو على جسر من الباطل؛ كما قال زياد في بعض خطبه: قد علمنا أنا لا نصل إلى الحق إلا أن نخوض في الباطل خوضاً.
ويقول ابن خلدون: "إن العلماء من بين البشر أبعد الناس عن السياسة ومذاهبها".
وذكر في توجيه هذه المقالة: أنهم معتادون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية، والأنظار الفكرية، لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى
стр. 1814
مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها من الأحوال، ويتبعها من الآثار.
وتحقيق هذا: أن العلم في نفسه لا يعوق صاحبه أن يدرك الغاية القصوى في السياسة، وإنما العلة التي تقعد بالعالم عن البراعة في تدبير الشؤون العامة إنما هي انكبابه وعكوفه على القواعد، وما يتفرع عنها من الأحكام، دون أن يضيف إليها الاطلاع على أحوال أهل العصر، ويفحص عما تقتضيه مصالحهم، وتستدعيه حاجتهم، ويغوص على الوقائع، فيتفقه في نشأتها، وما تصير إليه عاقبتها.
فما قاله ابن خلدون إنما ينطبق على حال العلماء الذين أنفقوا أوقاتهم في القضايا النظرية، ولم يضربوا بسهم في معرفة أسباب العمران، وطبائع الاجتماع، وهذه الحالة هي الغالبة على أمرهم في عصر ابن خلدون، وما تقدمه بزمن طويل، ولا سيما بعد أن وقفوا دون مرتبة الاجتهاد، وتهاونوا بالشطر الأهم من وظيفتهم، وهو الدعوة إلى الإصلاح أينما كانوا.
وأما الذين يقدرون وظيفتهم حق قدرها، ويقومون بما قلدهم الله من مراقبة سير الأمة، وإرشادها إلى وسائل الفلاح عن فكرة سليمة، وألمعية مهذبة، فإنهم يسبقون - بلا ريب - إلى الغاية السامية في السياسة القيمة، ولا يكون العلم عثرة تهوي بهم في البلَه والجهل بتدبير شؤون الاجتماع؛ كما يدّعي الذين يسمعون، أو يسردون مقالة ابن خلدون على غير تدبر وروية.
وكان الوزير التونسي خير الدين باشا يعقد مجالس من علماء جامع الزيتونة، ويلقي على وجه الشورى ما يهمه من المسائل العامة، فيتناوبونها بالبحث والنظر، حتى إذا نطق أحدهم برأي يصيب به المفصل من القضية، اهتز ذلك الوزير ارتياحاً، وضرب يمناه على يسراه قائلاً: لا تتقدم أمة إلا بعلمائها.
стр. 1815
الزينة والرفاهية في الإسلام (١)
للناس أمام زينة الحياة وملاذها نزعات، فمنهم من يركض إليهما بغير عِنان، ويملأ يده منهما بغير ميزان، ومنهم من ينصرف عنهما جملة، وينفض منهما يده، ولو انساقتا إليه على وجه النعمة، والفريق الأول عقبة في سبيل الإسلام، والفريق الثاني تارك لجانب عظيم من شكر ذي الجلال والإكرام.
أما الإسلام، فقد وزن الزينة والملاذ بالقسطاس المستقيم، فوجد فيهما طيباً وخبيثاً، فأذن فيما كان طيباً، وزجر عما كان خبيثاً، وضع بينهما حدوداً، ونصب لكل منهما أعلاماً.
ولما كانت النفوس المسرفة في اتباع الشهوات أكثر من النفوس المبالغة في الانصراف عنها، تجد الشارع قد وجه عنايته للزجر عن الاستكثار منها، أكثرَ من توجيه عنايته إلى إنكار الغلوّ في التجرد منها، وتعمد الإمساك عنها.
وإذا نظرنا إلى الزينة والملاذ بنور الدين الحنيف، وجدناهما على ثلاثة أنواع:
أحدها: زينة ولذة يأتي من ناحيتها فساد كثير أو قليل، وهذا ما نهى
стр. 1816
عنه الشارع على وجه التحريم والكراهة، ومن المحرّم: أكل الربا، وشرب الخمر، والاتصال بالأجنبيات من غير طريق مشروع، ولبس الرجال للذهب والحرير.
ومن المكروه: تناول ما فيه شبهة؛ كطعام مَن يغلب على ماله الحرام، ومن هذا القبيل: لبس الرجل ثوباً ذا لون يخالف المألوف في أثواب الرجال.
ثانيها: زينة أو لذة يكون في إتيانها مصلحة، وهذا ما استحبه الشارع، وندب إليه؛ كالزواج يبتغي به الولد الصالح، أو عصمة النفس من الوقوع في محظور، وكلبس الأثواب الجديدة النظيفة في المجامع اتقاء أن تزدريه العيون، وكاتخاذ الخيل في عداد ما يتخذ لدفع عدو هاجمٍ أو متحفز، أو للمحافظة على الأمن في البلاد.
ثالثها: زينة أو لذة لا تتصل بمفسدة، كما أنها لا تأتي بمصلحة؛ كاتخاذ الرجل الملابس والأطعمة الفاخرة من غير إسراف، وهذا ما أذن فيه الشارع، وفوّض فيه الأمر للشخص نفسه، إن شاء فعله، وإن شاء تركه، فلا يلام على فعله، كما لا يمدح على تركه، إلا إذا قصد من تركه غاية محمودة؛ كأن يؤثر به ذا حاجة، أو ينفق ثمنه في وجه من وجوه الخير.
وقد يختلف الفقهاء في الأمر تلذه الأنفس، أو يكون مظهراً لزينة، فيلحقه بعضهم بالمكروه أو المحرّم، ويلحقه آخرون بالمأذون فيه، ومثال هذا: ما يذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو أعيادهم، فقد أباح طائفة من أهل العلم أكله؛ تمسكاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ومنعه آخرون استناداً إلى ما يذبحونه لكنائسهم أو أعيادهم مما يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
стр. 1817
ويدخل في هذا السلك: اتخاذ الأواني من جواهر نفيسة غيو الذهب والفضة، فقد أفتى بعض أهل العلم بحرمته، وأفتى آخرون بإباحته، وإنما اختلفوا؛ لاختلاف أنظارهم في فهم مقصد الشارع من النهي عن استعمال الآنية من الذهب أو الفضة، فمن فهم أن علّة هذا النهي الإسراف، أو التباهي، وجد العلة متحققة في كل جوهر يساوي الذهب والفضة، أو يفضلهما في نفاستهما وقيمتهما، فأفتى بحرمة استعماله، أما المجيزون، فذهبوا إلى أن علّة تحريم استعمال آنية الذهب والفضة كون الذهب والفضة أثماناً للأشياء، واتخاذ أدوات المنزل منهما يفضي إلى قلتهما بأيدي الناس، وحبسهما عن التصرف الذي يتوقف عليه انتظام المعاملات، وهذه العلة لا توجد في غيرهما من الجواهر النفيسة، فلا حرج في اتخاذها زينة المنازل، واستعمالها فيما يستعمل من الأدوات.
نهى الشارع الحكيم عن الإفراط في تعاطي الزينات والملاذ، ووضع للخروج فيهما عن حدود العدل عقوبات محدودة، أو موكولة لاجتهاد القاضي، واتخذ لحماية النفوس من أن تتعبدها الشهوات وسائل بالغة.
ومن هذه الوسائل: فريضة الصيام؛ فإن حبس النفس عن بعض ما تلذه من نحو المطعومات شهراً كاملاً في السنة يكسبها قوة على ترك الملاذ متى شعرت بما ينتج عنها من عاقبة سيئة، وكذلك فرضت الزكاة لِحِكَم منها: تربية أصحاب الأموال على أدب العطف والرحمة، وأخذهم إلى إيثار الفضيلة على الشهوة، وما المفطر في نهار رمضان، أو مانع الزكاة إلا رجل يحمل بين جنبيه نفساً غارقة في حب الشهوات، لا تسمع منادياً، فأنّى لها أن تجيب واعظاً؟.
стр. 1818
ومن يطلق يده بالإنفاق في الزينة وما تلذه نفسه، وكان يتجاوز بالإنفاق عادة أمثاله، يقلّ نصيبه من البذل في وجوه الخير، ذلك أن القلوب المبتلاة بحب الزينة واللذات الجسيمة، لا تقف فيها عند حد، وكلما أدركت منزلة، تشوقت إلى ما فوقها، قال ﷺ فيما رواه الإمام البخاري: "وإن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، وإن أخذه بغير حقه، كان الذي يأكل ولا يشبع".
وهذه القلوب المريضة تتسابق إلى الشهوات، وتتباهى بما تناله منها؛ كما تتباهى النفوس الزكية بما تحظى به من خير وكمال، قال ﷺ فيما رواه الإمام البخاري: "فو الله! ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا؛ كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم".
ومن تملكه حب الزينة والملاذ الجسمية، لم يبال أن يأتيها، ولو من طريق يحط من كرامته، ويذهب ببعض عزّته، فالحرص على زهرة الحياة يبسط يد القاضي لتناول الرشوة، ويجعل في أذنه وقراً، فلا يسمع صوت الحق، وهو ينذره المنقلب الذي ينقلب إليه آكلو أموال الناس بالباطل، والحاكمون بغير ما أنزل الله.
والحرص على زهرة الحياة قد يلجم العالم عن قول الحق، أو يطلق لسانه بغير الحق، يخاف أن ينقطع عن رفاهية أصبح يتقلب فيها، أو تفوته رفاهية بات يترقبها، قال ابن خزيمة: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد، فحدّث عن أبيه بحديث غلط في إسناده، فرددته عليه، فلما خرجت من عنده، قال لي فلان القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة،
стр. 1819
فلم يقدر أحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديثاً لرسول الله ﷺ فيه خطأ أو تحريف فلا أرده.
فلعل قلب ذلك القاضي كان متعلقاً بزخرف الحياة حتى أصبح يؤثره على قول الحق، أما ابن خزيمة، فليس لزخرف الحياة وأبهة الإمارة في جانب قول الحق عنده من قيمة.
وإذا كان الموسر الذي يسرف في الزيية والملاذ موضع الملامة، فأولى باللوم والموعظة ذلك الذي يتكلف للملابس النفيسة، أو المطاعم الفاخرة، ويأتيها من طريق الاقتراض؛ فإن الهم والذل اللذين يجرهما الدَّين يقلبان كل صفو إلى كدر، وكلَّ لذة إلى مرارة، وقد أصاب الرمية ذلك الشاعر يقول:
إذا رمتَ أن تستقرض المالَ من أخٍ ... تعوَّدتَ منه اليسر في زمن العُسرِ
فسلْ نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر
فإن أسعفت كنت الغنيَّ وإن أبتْ ... فكلُّ منوعٍ بعدها واسع العذر
وإنما رجل الدنيا وواحدها من تكون همته وإرادته فوق عواطفه وشهواته، فإذا نزعت نفسه إلى زينة أو لذة لا ينالها إلا أن يبذل شيئاً من كرامته، راضها بالحكمة، وأراها أن مثقال ذرَّة من الكرامة يرجح بالقناطير المقنطرة من زينة هذه الحياة وملاذها.
* الغلو في ترك الزينة والطيب من الرزق:
ومما جاء في كراهة المبالغة في الامتناع من الزينة والطيب من الرزق: قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
стр. 1820
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
ففي هاتين الآيتين نهي عن الإفراط في ترك الزينة والطيب من الرزق، لتركها زهداً في الدنيا، وفيهما بيان أن ذلك الترك في نفسه لا يقرب من الله قيد أنملة، فللمؤمن أن يأخذ من الزينة، ويتناول من الطيبات ما شاء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] إما أن يكون نهياً عن تعدي حدود ما أحل لهم، أو نهياً عن الإسراف في الحلال، وفي الإسراف مفسدة أي مفسدة، قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومخيلة.
وكان أبو ذر الغفاري ﵁ شديد الزهد، حريصاً على أن يسير الناس سيرة القانع بالكفاف من القوت، فأخذ ينكر عليهم وهو بالشام الاتساعَ في المراكب والملابس، ويدعوهم إلى صرف ما زاد عن حاجتهم إلى وجوه البر، فوقع بينه وبين معاوية ﵁ كلام، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، وجعل يدعوهم بتلك الدعوة في شدة، فقال له عثمان ﵁: لو اعتزلت! قال أبو بكر بن العربي: "معناه - أي: قول عثمان -: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطاً، وللعزلة مثلها، ومن كان كأبي ذر، فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربدة زاهداً فاضلاً، وترك جلة فضلاء، وكلٌّ على خير وبركة وفضل".
وهذا الحسن البصري، وهو من أفضل التابعين، ينكر على من يعد من الورع ترك بعض الأطعمة اللذيذة، دُعي الحسن مرة، ومعه فرقد السبخي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها ألوان من الدجاج المسمّن والفالوذج
стр. 1821
وغير ذلك، فاعتزل فرقدٌ ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فريقد! أترى لُعابَ النحل بلُباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم؟!.
وقد أنكر أبو بكر بن العربي ما يفعله بعض المتصوفة من اتخاذه ثوباً يصنعه من رقاع مختلفة، وعدّه من البدع المكروهة في الإسلام.
ومما ورد في الحث على التجمل: حديث جابر ﵁، وهو أن رسول الله ﷺ نظر إلى رجل عليه بُردان قد خلقا "بليا"، فقال: "أما له ثوبان غير هذين؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، له ثوبان في العيبة كسوته إياهما. قال: "فادعه فمره أن يلبسهما"، قال: فدعوته، فلبسهما.
وفي هذا الحديث شاهد على أن الدين يأمر الشخص بالتجمل في الملبس، وينهاه عن الخروج في أثواب تزدريها العيون، وهو يستطيع أن يخرج في أثواب نقية غير بالية، وقال عمر بن الخطاب: إذا أوسع الله عليكم، فأوسعوا على أنفسكم. وحمل هذا الأثر بعضُ أهل العلم على معنى: أن الرجل إذا أوسع الله عليه في ماله، فليوسع على نفسه في ملبسه، فيحمل نفسه على عادة مثله. وسئل مالك عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، فقال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه.
وكان أهل الأندلس فيما حكاه صاحب "نفح الطيب": أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها.
стр. 1822
فإن قال قائل: إن الصحابة ﵁ كانوا لا يحتفلون بأمر الملبس والمطعم؛ فقد روي أن عمر بن الخطاب كان وهو خليفة يأكل خبز الشعير، ويلبس الثوب المرقع، فمن حق الولاة والعلماء من بعدهم أن يسلكوا هذه السيرة، وينحوا في الزهد هذا النحو، فإذا خرجوا عنه، كانوا موضع اللوم والإنكار؟
قلنا: لا لوم ولا إنكار، فسماحة الدين تسع المسلم أن يتبسط في ملبسه ومأكله، ومسكنه ومركبه، من غير إسراف، والأمر في هذا يختلف باختلاف البيئات والأزمنة، يدلكم على هذا: أن عمر بن الخطاب قدم الشام، فوجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب، والمراكب النفسية، والثياب الفاخرة، فسأله عن ذلك، فقال: إنا بأرض نحتاج فيها لمثل هذا، فقال: لا أقرك ولا أنهاك ... ومعناه: أن الأمر في هذا يرجع إليك، فإن كانت الحاجة تدعو إليه، فهو حسن، وإن لم تدع إليه حاجة، فهو إنفاق لأموال الأمة في غير حق، وعمر بن الخطاب الذي كان يأكل خبز الشعير بالملح كان يفرض لعامله نصف شاة كل يوم، قال شهاب الدين القرافي: يفعل عمر هذا؛ لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو سلكها غيره، لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج عمر إلى أن يضع غيره في مظهر آخر أدعى للاحترام، وأحفظ للنظام.
* هل يدخل الورع في ترك المباح ؟
وقع في أوائل القرن السابع خلاف بين طائفة من العلماء في المباحات، هل يدخلها الورع؟ فقال الأستاذ الأبياني: ليس في تركها ورع؛ لأن الورع مندوب إليه، وهذه المباحات قد سوّى الله بين فعلها وتركها، والندب مع التسوية لا يستقيم.
стр. 1823
وقال الأستاذ بهاء الدين الحموي: قد يكون في تركها ورع؛ فإن السلف كانوا يزهدون في كثير من المباحات، وساق في الاستشهاد على هذا الرأي قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
والحق أن ترك المباح في نفسه ليس من الورع في شيء، فمن ترك طعاماً لذيذاً، أو ثوباً نفيساً، وهو يستطيعه، قاصداً التقرب إلى الله تعالى بهذا الترك، فقد أخطأ طريق التقوى، أما إذا ترك نوعاً من الزينة أو اللذة لغرض محمود في لسان الشارع؛ كأن يتركه في بعض الأوقات حذراً أن تجر المداومة عليه أو الإكثار منه إلى اعتياده، وصعوية الصبر عليه عند فقده، فذلك مما يصح أن يدخل في باب الورع، وعلى مثل هذا يحمل ما يروى عن بعض السلف من تركهم الزينة أو بعض الملاذ وهم يقدرون عليها.
وأما الآية، فإنما وردت فيما يقال للكفار يوم القيامة، وأصلها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]؛ أي: ليس لكم حظ من الطيبات إلا ما أصبتموه في دنياكم، فلا شاهد في الآية على أنّ تناول المؤمن من الطيبات في الدنيا ينقص نصيبه منها في الآخرة، ولا أن تركه لجانب منها في هذه الحياة يستحق به المثوبة في تلك الحياة.
* قبول عطايا الأمراء الظالمين:
اختلف الفقهاء في الاستمتاع بالمال يأتي ممن يغلب على ماله الحرام، فاستحلّه قوم، وحرّمه آخرون، واستدل المجيزون بأن جماعة من أئمة السلف أدركوا أيام بعض الأمراء الظالمين، وقبلوا عطاياهم؛ كما قبل أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري عطايا يزيد بن عبد الملك، وقبل ابن عمر، وابن عباس عطايا الحجاج، وأخذ مالك من الخلفاء أموالاً جمة، وأخذ الشافعي من هارون الرشيد
стр. 1824
ألف دينار في دفعة، وكان أسد بن الفرات يقبل عطايا السلطان، فسئل عن ذلك فقال: هذا بعض حقنا، والله حسيبهم في الباقي.
وكثير منهم كانوا يتورعون عن قبول عطايا الظالمين؛ كسعيد بن المسيب؛ فإنه كان يتجر في الزيت، ويقول: إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين.
والحق أن من يحس في نفسه الضعف، ويخشى أن ينحدر به قبولُ هبات الظالمين إلى التغاضي عن باطلهم، أو مجاراتهم في طغيانهم، فقبض يده عن قبولها، فقد أجاب داعي التقوى. قال أبو ذر للأحنف بن قيس: خذ العطاء ما كان نحلة، فإذا كان أثمان دينكم، فدعوه.
وقد حمل بعض أهل العلم ما فعله بعض الأئمة من قبولهم لجوائز أولئك الأمراء، على أنهم يأخذونها لينفقوها على أولي الحاجة، روي عن جابر بن زيد: أنه جاءه مال من السلطان، فتصدق به، وقال: رأيت أن آخذه منه، وأتصدقَ به أحبُّ إليّ من أن أدعه في أيديهم.
وروي أن ابن عمر كان يفرق ما يأخذه من الجوائز، حتى إنه استقرض مرة في المجلس الذي فرق فيه ستين ألفاً.
والخلاصة: أن الإسلام جرى بالنفوس في الاستمتاع بالزينة والملاذ في طريق وسط، فدلّ على أنه الدين الذي يهدي إلى السعادة في الأخرى، ويرضى لأوليائه أن يعيشوا عيشاً طيباً في الحياة الدنيا.
стр. 1825
الصّداقة (١)
عاطفة سامية القدر، غزيرة الفائدة، تلك هي الصداقة، والشارع رغب في أن تكون المعاملة بين المسلمين معاملة الصديق للصديق، ألا ترونه كيف أمر المسلم بأن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه؟ بل استحب للمسلم أن يؤثر أخاه المسلم، وإن كان به حاجة، وذلك أقصى ما يفعله الصديق مع صديقه.
هذا الأدب الإسلامي نبهني لأن أتحدث إليكم في هذه الليلة عن الصداقة:
* ما هي الصداقة ؟
المحبة إما أن تكون للمنفعة، وإما أن تكون للذَّة، وإما أن تكون للفضيلة، وقد يطلق على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة اسم الصداقة.
* صداقة المنفعة:
هي أن يحب الإنسان شخصاً لما يناله منه من منافع، وشأن هذه الصداقة أن تبقى معقودة بين الشخصين ما دامت المنافع جارية، فإن انقطعت المنافع، انقطعت هذه الصداقة.
* صداقة اللذة:
هي المحبة التي تثيرها الشهوة، وقد تشتد فتسمى عشقاً، وشأن هذه