- ويتصل بهذه الرغبة: إلزام الفتيات بتهذيب أزيائهن، ورعاية الذوق الإِسلامي والكرامة القومية في غطاء رؤوسهن، وحشمة ملابسهن، وحياء وجوههن، وشرف سيرهن، ونقاء سيرتهن، ولا يفوتنا أن ننوه بمنع الاختلاط المحرم بين الجنسين، كما لا ننسى المطالبة بالقضاء على كل تعليم يتنافى ومبادئ الإِسلام، وإن أملنا لعظيم في أن يكون حضرات المعلمين والمعلمات في المدارس قدوة حسنة لتلاميذهم في المحافظة على هذه الشعائر الدينية والتقاليد القومية.
- ويجب أن يعني بتحفيظ القرآن الكريم أتم عناية، على نحو يستبقي لمصر مجدها في كثرة من يتخرج فيها من حفاظ، وبطريقة واسعة تشبع رغبات الأهلين في تزويد أولادهم باستظهار كتاب الله تعالى.
- ويجب أن يعني بدراسة التاريخ الإِسلامي دراسة حية واسعة تطبع في نفس التلميذ طابعًا لا يمحى؛ من الاعتزاز بدينه، والاعتداد بأسلافه، والإجلال لأبطال أمته، والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في التوثب والنهوض، والتشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة.
* شبهات المعترضين وردها:
ترى الجمعية أن المعترضين على هذا المشروع الجليل لا يتجاوزون في شبهاتهم الاعتراضات التالية:
الاعتراض الأول: انقسام عناصر السكان في مصر إلى مسلمين وأقباط، ولكل ديانة هو موليها. أما مدارس الحكومة، فهي مفتوحة للعنصرين على سواء، فيجب أن تكون الدراسة فيها مدنية فقط بعيدة عن كل ما هو دين.
والجمعية ترى: أن هذا الاعتراض منقوض من أساسه؛ لأن الدين هو
стр. 2417
حاجة كل نفس، ووزارة المعارف - باعتبارها القائمة على تربية الأمة - يجب أن تسفح التلاميذ بما يحتاجون إليه من وسائل التربية والتهذيب. ولا شك أن الأغلبية الساحقة في البلاد مسلمة، ودين الدولة الرسمي بنص دستورها هو الإِسلام، ودافعي الضرائب الذين ينفقون على الحكومة، ومنها وزارة المعارف، مسلمون في معظمهم، ولا يرضون مطلقاً بأن يحرم أولادهم ثقافة الإِسلام الذي هو عصب السعادة الصحيحة للإنسان في حياته العاجلة والآجلة.
أما اختلاف ديانة السكان، فلا يصح أن تهدر في الأغلبية لأجل الأقلية، بل المعقول والمعمول به في كل عصر ومصر مراعاةُ الأغلبية، ومن خالجه شك في هذه الحقيقة، فلينظر إلى المدارس في البلدان الأجنبية، بل فلينظر إلى المدارس الأجنبية في بلادنا الإِسلامية، هنالك يجد الدين المسيحي يدرس دراسة أساسية عملية عامة لكل من في تلك المدارس من تلاميذ مسلمين وغير مسلمين. فأحرٍ ببلاد أكثريتها مسلمة، ومدارسها مسلمة، وأموالها مسلمة أن يكون الدين الإِسلامي فيها مادة أساسية عملية مفروضة على كل من فيها، مسلمين وغير مسلمين.
على أن سماحة الإِسلام لا تريد أن تذهب بعيداً كما ذهب أولئك، ولا تلزم غير المسلمين بتعاليم الإِسلام، وإنما تريد ألا يحرم الناشئ المسلم من أول مقوم له، وأعز شيء لديه، وهو معرفة دينه معرفة صحيحة لها قيمتها وأثرها. ولا ترى الجمعية مانعاً من أن تفسح وزارة المعارف لغير المسلمين أن يتعلموا دينهم، والله يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
الاعتراض الثاني: قد نعلم أنهم يقولون: إن جعل هذه المادة أساسية
стр. 2418
فيها امتحان ورسوب، يؤدي إلى خلل في نظام النجاح وترتيب التلاميذ إذا لوحظ اجتماع العنصرين.
والجمعية تقول لهم: إن المخرج من ذلك سهل، فيمكن أن تجعل درجات الدين مستقلة لا تضم إلى المجموع في ملاحظة الترتيب. وإنما يكفي أن تراعى في نجاح التلميذ ورسوبه فحسب. وذلك هو المهم.
وإذا جعل تعليم غير المسلمين لدينهم مباحاً في المدارس، زال الإشكال، أو كاد.
الاعتراض الثالث: يذهب بعض الأفكار إلى أن تعليم الدين في المدارس يُنافي مبدأ التخصص ذلك المبدأ الذي أجمع علماء التربية على احترامه، وضرورة تركيز سياسة التعليم عليه.
والجواب: إننا لا نريد تلاميذ المدارس على دراسة الدين دراسة المتخصصين، ولا أن يتوسعوا فيه توسع الأزهريين الفنيين، ولكننا نريدهم على أن يأخذوا من ثقافة الإِسلام بالقدر الذي لا بد منه في هداية كل نفس، وحمايتها من عاديات الإلحاد والزيغ، والفتنة والرذيلة.
ما بال هؤلاء القوم يؤمنون بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ عامة، بعلوم مختلفة في مبدئها وغايتها, فمن لغة إنكليزية، إلى لغة أخرى فرنسية، إلى لغات شرقية، ومن حساب، إلى تاريخ، إلى قواعد صحة، إلى طبيعة، إلى تمرينات بدنية وألعاب رباضية، إلى غير ذلك. ثم ما بالهم لا يؤمنون في جانب ذلك بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ بثقافة الإِسلام، التي هي بلا نزل أعلى الثقافات، وأبلغها أثراً في خُلق التلميذ وأفكاره، وعلومه وأعماله، ومظاهره وسائر شؤونه وأحواله؟!.
стр. 2419
الاعتراض الرابع: ربما سمعنا منهم: أن تعاليم الإِسلام تتصل بالسياسة، وتتحكم فيها تحكماً لا يلائم الحال القائمة في مصر، ولا يتفق والصالح الخاص أو العام.
ونحن نؤكد: أن الإِسلام إذا اتصل بالسياسة، يحسن إليها ولا يسيء، ويوجهها إلى الغاية المثلى في ضمان السلام للعالم، وبث الطمأنينة في نفوس بني الإنسان، ويضع لها ميزانًا عادلاً يحمي حقوق الأفراد والجماعات.
الاعتراض الخامس: ربما قال قائلهم: إن أوروبا هي أسوتنا الحسنة، بل قدوة العالم كله اليوم. والناظر إلى نهضتها يجدها قائمة على نفض يدها من كل دين، وتذرعها في توثبها بقوة العلوم والصناعات فقط.
والجمعية ترى في ذلك الزعم انحرافاً عن جادة الصواب، وتجنياً على الحقيقة الواقعة؛ فإن الغربيين في مجموعهم لا يقلون عن الشرقيين في تمسكهم بدينهم الآن. وإذا صح أن بعض دولهم قد حاربت الأديان حيناً من الدهر، فذلك من الخطأ الفاحش في نظر أغلبيتهم، أو لظروف قاهرة أحاطت بها الفتنة، والتهمتها نار الثورة، حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وهدأت العواصف، عادوا إلى حظيرة دينهم أشد مما كانوا، على أن الإِسلام في طبيعة تعاليمه وسماحة مبادئه له طابع خاص يجعله يساير الحوادث في كل زمان ومكان، وبؤيد النهضات كلها ما دامت صالحة؛ لأنه في الواقع هو دين النهضة، إليها دعا، وعليها قام، وبدونها لا يحيا ولا يعيش.
الاعتراض السادس: بقي أن طائفة يحتجون على الإِسلام بخمول أهله، وتأخر متبعيه في هذه الأيام.
والجمعية تقول لهؤلاء: "شنشنة أعرفها من أخزم"، هذه مغالطة لا يتكلم
стр. 2420
بها، ولا يصغي إليها إلا مفتون طبع على قلبه، أو جهول بحقيقة الإِسلام لم يتذوق طعم مبادئه، وإذا أردتم أن تحكموا على الإِسلام كقانون مقدس، فادرسوا تعاليمه أولاً، ثم زنوها بميزان المنطق والعقل ثانياً، ثم احكموا بعد ذلك عليه بها، واحكموا به على أدعيائه، ولا تحكموا بأدعيائه عليه ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
أما بعد:
فلا نحسب وزارة المعارف تعلل بمثل هذه السفاسف اليوم، خصوصاً بعد أن سلّمت بوجهة النظر في تعليم الدين، وقررته فعلاً. ولكن الذي نطلبه إليها الآن، ونرجو من رجال الإصلاح معاونتنا عليه، هو اعتبار الديانة لمادة أساسية عملية عامة على نحو ما أسلفنا.
стр. 2421
العناية بالتعليم الديني (١)
حضرة صاحب. . . .
في هذا العهد السعيد من عهود مصر ترفع "جمعية الهداية الإِسلامية" إلى مقامكم الكريم هذه المذكرة الخطيرة، حاملة أبلغ آيات التحية، وأليق مظاهر الإجلال، راجية أن تتقبلوها بقبول حسن، متمنية على الله تعالى أن يبارك في جهودكم الموفقة، حتى يؤتي الاستقلال والدستور ثمارهما الغالية المنشودة.
* التعليم في مصر:
تفتتح مصر الآن صفحة جديدة من كتاب الاستقلال بعد إبرام المعاهدة، ولهذا الاستقلال تبعات جسام تضع البلاد بين حاضر ترهقه التجارب الثقيلة، ومستقبل تنتظره النتائج الخطيرة. ولا ريب أن أهم هذه التبعات، وأولاها بالعناية: هي مسألة التربية والتعليم، ولكن تربية رشيدة وتعليماً صالحاً، يفي
стр. 2422
بحاجات البلد، ويربي لأبنائها كواهل قوية، وعوائق صُلبة، تستطيع أن تضطلع يحمل تلك الأعباء الضخمة، التي يفرضها عهد إلاستقلال السعيد.
ونحن في هذه المذكرة لا نحاول علاج مشكلة التربية والتعليم من جميع وجوهها، فتلك مجالات واسعة نترك الحديث في كل مجال منها للمتوفرين على دراسته من ذوي التخصص والامتياز.
ونقتصر نحن هنا على الجانب الأهم من تلك الجوانب جميعاً، وهو التعليم الديني والتربية الإِسلامية، أو الإسراع بوضع سياسة التعليم في مصر على أساس العناية بالدين الإِسلامي تربية وتعليماً، حتى ينطبع النشء بشريف طابعه، وحتى تظهر آثاره الجليلة في اعتدال أفكارهم، وسمو أخلاقهم، ومتانة رجولتهم، وحسن انتفاعهم بالحياة ونفعهم إياها.
* الغرض من التعليم:
يقول سعادة وزير المعارف الأسبق في تقريره عن التعليم الثانوي نقلاً عن المؤتمر الدولي للتعليم الثانوي، يقول: "إن الغرض من التعليم هو تكوين الشخصية، وتقويم الخُلق".
ونحن أمام هذا البيان الرائع، نرى من واجبنا أن نمدّ يد المعونة للوزارة في هذه المهمة السامية، وأن ندلها في هذه المحاولات الجليلة الشأن على أن أهم عامل من عوامل تحقيق هذه الغايات العليا: هو الاعتصام بالدين الإِسلامي الذي شرعه الله لمثل هذه الأغراض نفسها، من إيجاد شخصيات عظيمة، وأمم قوية ممتازة، عن طريق بث روح الإيمان بالحق، وتوجيه البشر إلى اعتناق العقائد الراشدة، والمبادئ السليمة، والأعمال الصالحة المثمرة، وتقويم الأخلاق، وتزكية النفوس.
стр. 2423
* الإِسلام كفيل بذلك الغرض:
ولسنا نحاول في هذه الكلمة أن نقيم الأدلة النظرية على أن الحنيفية السمْحة هي الأساس النافع لبناء الأفراد والأمم، ولكن حسبنا أن نلفت النظر إلى شيء واحد فيه غناء عن كل دليل: ذلك أن التربية الإِسلامية جُربت، وأعيدت تجربتها مراراً، فنجحت في كل مرة أكبر نجاح، وانتفع بها كل من صدق في تجربتها من الأمم المتبدِّية والمتحضرة على سواء. وكان لهذا النجاح دويّ هائل في التاريخ, وروعة أخاذة في الوجود، وتحول مدهش في العالم، وانتقال سريع في حدود الممالك، وحياة جديدة صالحة لبني الإنسان في كل زمان ومكان! وكان فيها - فوق ذلك - تحقيق واسع لأمنية الجامعة الإنسانية التي تحلم بها الشعوب المتزعمة لحضارة الوجود في هذا الزمن.
وما ظنك بدين جمع تحت رايته نصف الكرة الأرضية في أقل من خمسين ومئة سنة، جمعها ولكن على مبدأ المساواة والعدل، وعلى قاعدة الحرية والرحمة.
هذا إذا نظرنا إلى الإِسلام من ناحية تأثيره في المجموع. أما تأثيره في الفرد، فإنه يتجلى لنا فيما تركه من السمو المدهش بعقل المسلم الصادق، وضميره، وعاطفته وخلقه، وعمله، وسلوكه مع الله ومع الناس، حتى لقد جعل من رعاء الشاء رعاة للأمم، وأخرج من البادين في الأعراب مضارب الأمثال في الحضارة "الصحيحة" والمدنية الراقية، وحوّل أشباه الشياطين في جزيرة العرب وغيرها إلى أشباه ملائكة يمشون على الأرض، ملؤوها بالهداية والنور، وفتحوها بالعلم والخلق، ذلك لأن الإِسلام تناول بالإصلاح كل ناحية من نواحي الإنسانية، فوفق بين مطالب الروح والجسد، وحدَّ
стр. 2424
للإنسان حدودًا في عقيدته، وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، ووضع أسس الإصلاح المالي والاجتماعي والسياسي، وهذّب الحرب والسلم، وأنصف النساء، ووضع قواعد تحرير الرقيق، وحافظ على كل عزيزة لدى الإنسان؛ من عقله وعرضه، وصحته وماله، وحريته وحياته، وأهله ووطنه، ومستقبله العاجل والآجل!! وبهذا الإصلاح الشامل طبع الإِسلام شخصية الفرد وشخصية الأمة بأعلى طابع عُرف منذ خلق الإنسان الأول إلى يوم الناس هذا.
ولقد بهر هذا الإصلاح الإِسلامي أمم الغرب، فمدوا أيديهم يقتبسون من هدايته، وراحوا يغترفون من مناهله العذبة في جامعات الأندلس أيام عزّ الإِسلام هناك، وكذلك فتحوا عيونهم على تعاليمه منذ الحروب الصليبية واتصالهم بالشرق وبلاد الإِسلام. ومن أجل ذلك اعتبرت المدنية الغربية مدينة إلى حد بعيد لمدنية الإِسلام وعلوم الإِسلام، ثم لا يزال دعاة الإصلاح في هذا العصر من الغربيين ينادون: أن هلمّوا إلى الإِسلام في آدابه وأحكامه، وهاهي مؤتمراتهم الدولية تعجب بالتشريع الإِسلامي، وتقرر دراسة الشريعة الإِسلامية، وهاهي بعض دولهم الفتية ترجع إلى مقررات الإِسلام في بعض أحكامها وتقاليدها. وينتهي الأمر إلى هذه النتيجة الرائعة التي يعلنها الكاتب الذائع الصيت (برناردشو) إذ يقول:
"إن أوربة لا تتماثل من علتها التي تكاد تؤدي بها إلا إذا أخذت بأصول الإِسلام، وعملت بها"!.
* الحاجة الملحة إلى تعليم الدين:
فما لنا نحن لا نهتم بهذا الروح الإلهي ننفخه في الناشئة، ونحيي به
стр. 2425
ما رمَّ من الأخلاق، ونبني به ما تهدم من الشخصيات، خصوصاً في هذا العصر الذي أصبحت فيه مدارسنا المصرية لا تعتبر إلا معسكرات علمية - على حد تعبير سعادة وزير المعارف في مذكرته عن التعليم الثانوي (ص ٢٩) -, أجل: إنها معسكرات، ولكن لا تخرج - بالأسف - إلا جيوشاً جرّارة أكثرها عاطل لا يجد عملاً, وزاد الطين بلة: أن هذه الجيوش الجرّارة تعوزها القوة المعنوية أشد مما تعوزها القوة المادية، ويصيبها خراب نفوسها، وإفلاس أخلاقها بأفظع مما يصيبها خراب بيوتها، وإفلاس أيديها، ولم يقف المرض- واأسفاه- في منطقة معينة، بل تفشى وسمم الجو كله، فإذا مخازي الأخلاق تفضح مصر، وتسود وجهها كل وقت، وإذا كثير من أولادنا وفلذات أكبادنا نرى مصارعهم اللاطمة على قارعة كل طريق، فمنهم ضحايا التضليل والتبشير، ومنهم حطب الزندقة والإلحاد، ومنهم ذبائح الانتحار وصرعى الخمور، ومنهم فرائس التخنث والبغاء، ومنهم خراب الدور وسوس الأموال، ومنهم نكد الآباء والأمهات، وداء المعلمين والمعلمات.
هذا شأنهم في عهد الثقافة والتعلم، فإذا تخرجوا، ونزلوا ميدان الحياة العملية، نزلوها بأسلحة مفلولة لا تأتي إلا بالهزيمة؛ لأن عواتقهم رخوة لم تربها المدرسة لتحمل أعباء العمل، ولم يصنعها منهج التعليم للكفاح والنضال. فأنت تراهم إذا دعاهم الواجب، يولون الأدبار، ويأبى عليهم جبنهم وتردّدهم إلا أن يتقهقروا سراعاً إلى الوراء، بينما القافلة العالمية تسير طيرانًا إلى الأمام.
أجل: هذا شبابنا الذي يتسكّع في الشوارع، ويطارد الفتيات فيها من غير حياء ولا خجل، وليتسابق إلى الملاهي والمساخر، ويتنافس في التخنث
стр. 2426
والتهتك، ثم ليعبث بعد ذلك بكل مقدس، ويحتقر تاريخه وتاريخ أمجاده، بل وينكر من شاء من آبائه وأجداده. بينما شباب الأجانب أعد إعداداً جعله يتغنى بمجد أمته، ويعتز بدينه، ويفاخر بقومه، ويعمل ليله ونهاره في إنهاض نفسه وإسعاد بلده بالجد والسعي، والعلم والتحصيل، والكشف والاختراع، والدفاع والكفاح.
ونحن إذا أنعمنا النظر، نجد أن العامل الأهم في هذا الانحدار الذي تتردى فيه إنما يرجع إلى قبض روح الإِسلام من هيكل التعليم، وحرمان أولادنا من تنسم هذه الحياة الراقية التي رحم الله بها الوجود الإنساني، وبدون هذه الروح لا حظّ له في الرحمة، ولا نصيب له إلا اللعنة!
* التعليم الديني واجب سياسي أيضاً:
على أن السواد الأعظم من دافعي الضرائب في مصر مسلمون معتزون بإسلامهم، وهم متألمون متململون من عدم تنشئ الحكومة لأولادهم على هدايته في مدارسها. ولا ريب أن الحكومة الحكيمة الراشدة هي التي تجامل الأمة المحكومة، فترعى حرمة دينها فيها وفي أولادها، وتشبع حاجتها في نوع تربيتها وتعليمها، حتى ولو كانت الحكومة لا تدين بدين الأمة، ولا تشعر بالحاجة الجدية إليه. فما بالك والحكومة المصرية دينها هو دين الأمة، وشعورها بالحاجة هو شعور الأمة، بل ومصر تفتخر بأنها حاملة مشعل الإِسلام، وبأنها منهل الثقافة الإِسلامية لجميع أقطار الإِسلام. إذن فإهمال التعليم الإِسلامي يعتبر - بلا شك - امتهاناً لشعور الأكثرية الساحقة من الأمة، هذه واحدة، وهناك ناحية أخطر من تلك، وهي أن عدم العناية بهداية الإِسلام في المدارس يصدع وحدة الأمة، ويفرّق بين أبنائها تفريقًا يفتت كتلتها، ويهدد سلامتها. ذلك
стр. 2427
أن بعض أبناء هذه الأمة يتربون تربية دينية في الأزهر والمعاهد الدينية، أو على أيدي المتخرجين في الأزهر والمعاهد الدينية، فينطبعون بطابع الإِسلام، وتتأثر حياتهم ومشاعرهم به. بينما البعض الآخر من أبناء الأمة، وهم الأكثرون، يتربون تربية مدنية فقط في المدارس الأميرية، أو غير الأميرية، فينطبعون بطابع يجافي الدين، وتتأثر بهذا الطابع المجافي حياتهُم ومشاعرهم أيضاً.
من هذا الاختلاف بين الثقافتين - في المبدأ والغاية والأثر - ساء التفاهم، واشتدّ التناكر بين طائفة المتعلمين تعلماً دينياً، والمتعلمين تعلماً مدنياً، وكاد الشر يتفاقم، والخرق يتسع، لولا أن تنبه المصلحون إلى ضرورة التقريب بين الثقافتين، والربط بينهما برباط وثيق، فأدخلوا العلوم المدنية في الأزهر والمعاهد الدينية بمقدار مناسب؛ "أي: لا يطغى على العلوم الدينية"، ثم بات هؤلاء المصلحون يرتقبون بفارغ الصبر من وزارة المعارف أن تخطو هي أيضاً خطوة التقرب الواجبة عليها بإدخال العلوم الدينية في مدارسها بمقدار مناسب؛ "أي: لا يطغى على العلوم المدنية". وبهذا وحده تتوثق عرا الوحدة بين أبناء الأمة، وتلك سياسة لا بد منها في حفظ كيان الدولة؛ لأن الدولة لا تسلم كتلتها إلا إذا اتحدت مشاعرها ومطامحها، ولن توجد في الدنيا صلة أوثق في توحيد المشاعر والمطامح من الدين والتثقيف، وذلك أمر يكاد يكون ظاهراً للعيان، لا يحتاج إلى دليل ولا إلى برهان.
فالكلمة إذن لوزارة المعارف، وخطوة التقرب التي تربط بين الثقافتين منتظرة من جانبها هي بعد أن خطت المعاهد خطوتها الواسعة في هذا السبيل.
* عيوب الثقافة الدينية الحاضرة بالمدارس:
ونحن لا ننكر أن وزارة المعارف قررت منذ زمن تدريس الدين الإِسلامي
стр. 2428
بالمدارس، ولكنا نلاحظ أن هذا التقرير أشبه بالهزل منه بالجد, لأنه اعتبر الدين مادة إضافية؛ أي: غير مهمة، أمرها موكول إلى رحمة الطالب، إن شاء أقبل عليها، وإن شاء أعرض عنها، ثم هي لا يتوقف عليها نجاح، ولا أثر لها في نتيجة، ومع ذلك، فإن تقرير الديانة بهذه الصفة مقصور على القسم الابتدائي والقسم الثانوي، أما العالي كله، والمدارس الفنية، فلا نصيب لكل ذلك في هداية الإِسلام. ومن الغريب: أن التاريخ الإِسلامي لا يدرس إلا عرضًا في ضمن التاريخ العام! وأغرب من هذا: أن دراسته قد تستند إلى أساتذة لا يؤمنون بعظمة الإِسلام، ولا بأبطال الإِسلام! وإن تعجب، فعجب إهمال التربية الإِسلامية في جميع المدارس دون استثناء، على حين أن التربية أهم من التعليم؛ لأنها هي التطبيق العملي الذي يربي النفس بالتمرّن، ويقوِّم الأخلاق بالتعود!
* الوسائل إلى إصلاح تلك العيوب:
لهذا كله: نطلب في إلحاف أن يُعنى بالثقافة الإِسلامية والتربية الإِسلامية كلتيهما عناية تفيد وتثمر، وتحقق الغاية المرجوة من إعداد جيل ينهض بنفسه وبأمته. وعقيدتنا أن تلك الغاية لن تتحقق إلا بالوسائل الآتية:
- الوسيلة الأولى:
وهي أهم الوسائل: أن يقرر تعليم الإِسلام في المدارس على أنه مادة أساسية مهمة، بمعنى: أن يكون داخل الجدول لا خارجه، وأن يتوقف عليه نجاح الطالب لا ترتيبه، وأن يفرض لنهايته الصغرى في النجاح درجة كبيرة تشعر التلميذ خطورة هذه المادة دائماً، وتحرك عزمه إلى العناية بها طول أيام دراسته.
стр. 2429
وإنما اعتبرنا هذه الوسيلة أهم الوسائل؛ لأنه ثبت بالتجربة الطويلة الصادقة: أن الطلاب لا يعيرون المواد الإضافية أهمية، ولا يلتفتون إليها إلا بمقدار ما فيها من لهو أو متعة؛ كالألعاب الرياضية. أما الدين، فإنه يكلف الإنسان ضبط نفسه، وقمع هواه، وتهذيب غرائزه، ويقيم على عرش قلبه حكومة إلهية ذات رقابة دقيقة. والنفوس البشرية التي لم تتشرف بهدايته تعمل على أن تفر منه تهربًا من المسؤولية في زعمها، وانطلاقاً إلى الإباحة التي أصيبت بها. وتلبث كذلك حتى تنساق إلى عرفانه بأي عامل من العوامل المؤثرة، فإذا عرفته، ألفته، وعشقته، وهنالك تحيا به، ويحيا هو بها، ويهون عليها أن تفديه بكل نفس ونفيس. فالخطوة الأولى إذن: هي أن ندفع التلميذ دفعاً إلى أن ينهل من مناهل الإِسلام. والوسيلة الوحيدة إلى ذلك: هي أن تفرض مادته عليه فرضًا يترتب عليه نجاحه إن أقبل، ورسوبه إن أهمل.
وإلا، فكيف يهتم التلميذ بمادة يعتقد أنها في نظره ونظر رياسته ليست ذات أهمية، لا تشعره المدرسة نحوها بمسؤولية، ولا تحاسبه عليها ولا مرة واحدة في حياته الدراسية؟
وهل ترضى وزارة مصرية دينها الرسمي هو الإِسلام، ودين جلالة مليكها هو الإِسلام، ودين الكثرة الغامرة من رعاياها هو الإِسلام، ولديها الأزهر قبلة الأقطار الإِسلامية كافة في علوم الإِسلام. نقول: هل ترضى وزارة هذا شأنها أن يكون الدين الإِسلامي في مدارسها مادة إضافية، مثله مثل الألعاب الرياضية؟!.
ثم هل ترضى هذه الوزارة أن يفهم عنها أن مادة الدين في نظرها ليست مهمة، وأنه لا قيمة لها في نجاح، ولا وزن لها في نتيجة؟!
стр. 2430
ألا إن هذه وصمة تسوئ سمعة الأمة، وتجرح كرامة الحكومة، وتصيبنا في الصميم من بناء أخلاقنا، وإعداد أولادنا للحياة الفاضلة. وقد كان السكوت عليها هينًا في نظر بعض الناس يوم كانت المدارس محدودة، وكانت سياسة التعليم فيها ترمي إلى غرض واحد، هو تخريج موظفين على نمط خاص. أما الآن، وقد ضاقت الوظائف بأصحابها، وماجت مصر بمدارسها، وأتخمت المدارس من كثرة الإقبال عليها، وفشا الإلحاد والتضليل، وكثرت حوادث الاختلاس في الموظفين، وكاد حبل الأمن العام يضطرب من كثرة الجرائم لضعف الوازع المديني؛ فقد وجب أن تعدل سياسة التعليم، وأن تتجه إلى غرض سام شريف هو: إعداد شبان نافعين يواجهون الحياة العملية بضمير وصبر، ويحلون مشاكل الوجود بحكمة وشجاعة، ويصلحون لأن تتكئ الأمة عليهم في المهمات والنوازل. ولن يكون شيء من هذا إلا بتربية النفوس على آداب الإِسلام، وإشرابها من عهد الصغر ثقافة الإِسلام، كما بيّنا.
وهناك ناحية جديرة بالنظر، وهي أن وزارة المعارف قد شغلت وقت الطالب ببعض مواد أساسية، لا تمت بسبب وثيق إلى حياة الطالب العملية، فهل يصح في الأذهان أن تكون هذه مواد أساسية، ويكون الدين بجانبها مادة إضافية، على حين أن الطالب لا يمكن أن يستغني عن هداية الإِسلام لحظة واحدة إذا أراد أن يعمل لحياته العاجلة والآجلة؟! وإذا كان بعض العلوم قد اعتبر من المواد الأساسية؛ لمكان تأثيره في نضوج عقل التلميذ، فإن التعاليم الإِسلامية أولى أن تعتبر كذلك من المواد الأساسية؛ لمكان تأثيرها هي أيضاً لا في عقل التلميذ وحده، بل في عقله، وخلقه، وسلوكه جميعاً.
وفيما قدمناه من التدليل غناء عن الإعادة والتطويل.
стр. 2431
ولا يغيب عن الأذهان في هذا المقام: أن كثيراً من المدارس التي تديرها وزارة المعارف الآن نشأ بمال أوقاف إسلامية، وجرت عليه الأرزاق من غلة تلك الأوقاف الإِسلامية، ثم حول إلى وزارة المعارف بأرزاقه ملاحظاً فيها ذلك الاعتبار. ومعنى هذا: أن الناحية الإِسلامية مقصودة للواقف على هذه المدارس، ومعلوم أن شرط الواقف كنص الشارع، فلا بد إذن من رعاية الإِسلام تعليماً وتربية، حتى نبرأ إلى الله تعالى من إهمال تلك المقاصد العالية التي طمح إليها الواقفون، ثم حبسوا من أجلها عزيز أموالهم، ونفيس عقارهم وأطيانهم. ويتصل بذلك: أنه لا يجوز أن يدرس دين غير الإِسلام في مدارسنا الحكومية، وإلا انعكست الآية، فضلاً عن الإغفال لروح الدستور ونصوصه في أن دين الدولة الرسمي هو الإِسلام.
ويزداد هذا الأمر وضوحاً إذا نظرنا إلى ما تقوم به كثير من كبريات الدول الأجنبية في مصر وفي غير مصر، فإنها تفرض تعليم دينها الرسمي في مدارسها كمادة أساسية من غير أن يدرس بجانبه دين آخر، ولا دين البلد الذي تقطنه، وتعلم أولاده، وتعيش من خيراته، وما أمر هذه المدارس في مصر ببعيد. وحسبنا أن نلفت النظر إلى أن انجلترا نفسها لا تسمح أن يدرس في مدارسها إلا مذهبها البروتستانتي وحده، دون أي مذهب آخر غير مذهب الدولة الرسمي، على حين أنه توجد أقليات مختلفة الأديان والمذاهب في مملكتها المتحدة.
فأي الفريقين أحق أن يعني بعد ذلك بدراسة دينه في مدارسه دراسة أساسية موحدة: أنحن، أم هم؟ "لقد أسفر الصبح لذي عينين"! ثم ما بالنا نذهب بعيداً، وهذه وزارة المعارف عينها قد اعتبرت الدين الإِسلامي مادة
стр. 2432
أساسية في مدارس المعلمات، ولم تقرر بجانبه دراسة دين آخر، ولم يترتب على هذا ولا ذاك خطر ولا شبه خطر. وإذن، فالأحرى بالوزارة الرشيدة بعد هذه التجربة الناجحة أن تفرضها في سائر المدارس؛ تعميما للنفع، وتحقيقًا لرغبة الأمة، وليس بعد التجربة برهان، ولا بعد العيان بيان.
فإن زعموا أن هناك مانعاً من تحقيق هذه الرغبة، وهو وجود تلاميذ غير مسلمين بجوار التلاميذ المسلمين، قلنا: هذا ليس بمانع؛ لأننا لا نطلب أن يفرض تعلم الإِسلام في المدارس على غير المسلمين، فإن كتاب الإِسلام يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، بل نطلب فوق هذا ألا تعتبر درجات الدين في ترتيب الطلاب، إنما تعتبر في نجاحهم فحسب؛ حفظاً للنظام، وتوخيًا لتوزيع العدالة بين طوائف التلاميذ بقدر الإمكان، لا فرق بين مسلمين وغير مسلمين.
- الوسيلة الثانية:
أن يقرن التعليم الديني بالتربية الدينية؛ فإن منزلة التربية من التعليم منزلة الثمرة من الشجرة، وحشو أذهان التلاميذ بالمعلومات لا يغنيهم غناء إلا إذا ذاقوا فائدتها بالتطبيق. فتحديثهم عن مزايا الصدق في الإِسلام- مثلاً - لا يرسخ فيهم كخلق، ولا يثمر بهم كفضيلة، إلا إذا روّضناهم عليه بوسائل الترغيب والترهيب. وكذلك إذا حدثناهم عن مضار التهتك والتبرج في الإِسلام لا يكون هذا الحديث ناجعًا إلا إذا ضربنا على أيدي المتهتكين والمتهتكات، والمتبرجين والمتبرجات، من التلامذة والتلميذات، وإلا، إذا قامت المدرسة من جانبها بملاحظة أزياء الطلاب والطالبات، وبفرض عقوبات رادعة على كل من يخرج من الجنسين عن أدب الحشمة والوقار في مظهره أو ملبسه أو
стр. 2433
سلوكه، سواء في ذلك داخل المدرسة وخارجها.
* استياء واستنكار!!
ونعلن لهذه المناسبة استياءنا واستنكارنا لتلك المظاهر الخليعة، والأزياء الماجنة، التي تظهر بها بناتنا ومعلماتنا في المدارس، وفي حفلات الكشافة والرياضة والتمثيل؛ فإن هذا لا يتفق وما عرف عن الإِسلام والمسلمات من أدب الحشمة والتصون. وحرام على وزارة المعارف أن تربي أمهات المستقبل على هذا التبذل المنافي للاَداب العالية الدينية، والتقاليد الصالحة القومية؛ فإن ذلك جناية على فلذات الأمة، يهوِّن عليهن السقوط في مهاوي الرذيلة، ويعرض سمعتهن للتسويء والتهمة، ويصيب الفتاة في الصميم من عفافها وحيائها، ثم يزعزع الثقة بها، ومن هنا تنتشر العزوبة، ويندر الزواج، ويظهر الفساد في البر والبحر، وتصاب الأمة بالعقم وقلة النسل، وتفشو الأمراض السرية والحوادث الإجرامية على نحو ما نرى ونسمع، ويا لهول ما نرى ونسمع!! فنحن نهيب بوزارة التربية والتعليم أن تقضي على هذه الفوضى الضاربة أطنابها في أزياء التلميذات والمعلمات، ونرجو منها في لهفة أن تنهاهن عن اتخاذ المساحيق والأدهان والأصباغ، وأن تحتم عليهن تغطية رؤوسهن، وستر أيديهن وأرجلهن ونحورهن، وأن تأمرهن بتوسيع ملابسهن، وإسباغها عليهن؛ حتى يكن عند أدب الإِسلام في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].
* اختلاط الجنسين:
ونوجه نظر وزارة المعارف أيضاً إلى أن اختلاط الجنسين في مرحلة
стр. 2434
التعليم العالي مناف لآداب الإِسلام وتقاليده من ناحية، ومؤدّ إلى الخطر من ناحية أخرى. وإذا كان التعليم الثانوي قد فصل فيه الجنسان، فأحرِ بالتعليم العالي أن يُفصل فيه الجنسان كذلك؛ لأن العواطف الجنسية في هذه المرحلة تكون أشد ثوراناً.
* إقامة الصلاة بالمدارس:
ويتصل بالتربية الإِسلامية: أن يؤدي الجنسان ما يدركهما من الصلوات كل يوم بالمدرسة في جماعة، وأن تهيأ الوسائل اللازمة لإقامة هذا الشعار الإِسلامي الفخم الذي هو أول أركان الإِسلام بعد الشهادتين؛ فإن الصلاة درس عملي يتلقاه العبد عن مولاه، ومتى أداه على وجهه، تأثر به كل التأثر في إيمانه وايقانه، وفي أخلاقه وأمياله، وفي استقامته وسلوكه. ويظهر هذا الأثر في حياته العملية واضحًا لا يحتاج إلى برهان: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٣].
ولا يصح أن تكون منزلة الصلاة في المدرسة بأقل من منزلة تصفيف التلاميذ كل يوم فيها لدخول حجرات الدراسة، أو الألعاب الرياضية؛ فإن الآثار المترتبة على هذا التصفيف تجدها بصورة رائعة في صفوف الصلاة، وتجد فيها فوق هذه التربية الجسمية تربية أخرى روحية، فيها إيقاظ للضمير الإنساني، وتقوية للوازع الأدبي، واتصال بقيوم الوجود يملأ القلب بالخشية والهيبة، ويسلح النفس بالشجاعة والعزة، ويدفع المرء إلى الفضائل، وينأى به عن الرذائل.
стр. 2435
وها هي المدارس الأجنبية في مصر تقيم صلواتها لتلاميذها وتلميذاتها في مدارسها باهتمام وعناية، دون تفرقة بين من كان من المسلمين أو غير المسلمين. فمن أشنعِ العار أن تكون الصلاة الإِسلامية أقل اعتباراً في مدارسنا، وأهون علينا من الطقوس الدينية في مدراس غير المسلمين!
- الوسيلة الثالثة:
أن تتوجه هذه العناية بالدين إلى جميع المدارس المصرية في كافة مراحل التعليم؛ لأن الإِسلام حاجة كل نفس، فيجب أن يتزود الجميع من ثقافته علماً، وأن يعتصموا بهدايته عملاً، ويجب توجيه عناية ممتازة إلى الطلاب والطالبات في سن المراهقة؛ لأن هذا الدور هو أخطر الأدوار في حياة الناشئين والناشئات، بشهادة رجال التربية وعلماء النفس؛ إذ هو دور الانتقال في حياة الإنسان، وأدوار الانتقال هي أخطر ما يكون في حياة الأفراد والأمم، والمرء في سن المراهقة وبدء الشباب تتنبه فيه الغرائز الجنسية؛ وتتيقظ فيه الشهوات الجامحة، ويكون مستعدًا لاستجابات الطبيعة النازلة، فإهماله في هذه الحال من تقوية الوازع الديني والأدبي لا يفسر إلا بأنه جناية عليه، وإذن، لا يجوز بحال أن يبقى ما نراه من إهمال الديانة بعد القسم الثانوي؛ وكان الواجب أن تزداد العناية حينئذ, لأن هذا الحين هو أوان عصوف المراهقة وجنون الشباب. وإن نظرة واحدة إلى سلوك التلاميذ والتلميذات عند هذه المرحلة ينطق نطقاً صارخاً بما نقوله من وجوب مضاعفة المجهود الديني لهم ولهن، فقل لي - بربك - كيف استساغت الوزارة ترك هذه العناية في مرحلة الخطر التي يجب أن تتضاعف فيها العناية؟!
ثم أليست لنا أسوة حسنة بالأمم القابضة على ناصية العالم في هذا
стр. 2436
الزمن، وهي تعنى بدور المراهقة وثورة الشباب عناية خاصة، ولا تجرد مرحلة من مراحل التعليم عن روح الدين؟!
- الوسيلة الرابعة:
أن يعني بمنهج التعليم الديني فتتسع أبوابه حتى يشمل كل ما يحتاج إليه التلميذ والتلميذة في العقيدة، والخلق، والعبادة، والحياة العملية، ويجب أن يعني بتدعيم العقائد الإِسلامية في نفوس الناشئة بالأدلة التي تناسب عقولهم، والتي تترقى معهم في مراحل تعليمهم مسايرة لرقيهم. ومن الواجب أيضاً أن يكون في كتاب الديانة باب واسمع لعلاج الشبهات التي تطرأ على التلاميذ في دينهم، وباب آخر لبيان البدع والخرافات التي يتوهم أنها من الإِسلام، حتى يعلموا أن الإِسلام بريء من كل بدعة، عدو لكل خرافة، حرب على كل تضليل.
ويتصل بهذا: أن يعني بدراسة تاريخ عظماء الإِسلام وعظيماته، ولا يجوز الإبقاء على ما نراه في المنهج من التوسع في دراسة مشاهير الغرب وشهيراته؛ لأن ذلك يفقد الطالب المسلم روح الاعتزاز بدينه وأبطال ملته، ويربيه تربية مذبذبة لا شرقية ولا غربية، ويطبعه على الاستخفاف بالإِسلام وأمجاد الإِسلام، فتكون النتيجة أن تخسر الأمة شبابها، ويخسر الشبان أنفسهم، في الوقت الذي تعمل فيه كل دولة على إعداد شباب ناهض يضطلع بأعباء المسؤوليات الخاصة والعامة، ويسعف بلاده إذا ما جدّ الجد، ودعا الواجب للكفاح والنضال.
إن مؤلفات التاريخ في المدارس تقدم إلى أولادنا سيرة المشهورين من الأجانب في أسلوب فياض رائع، وبلغة جذابة ممتعة، تملا النفس إعجاباً
стр. 2437
وإكباراً، بينما هي لا تتكلم عن عظماء الإِسلام إلا لمامًا في ثنايا التاريخ العام، وبلغة قاصرة جافة، لا تستهوي الشخص، ولا تمتع النفس، ولا تثير في الطالب ما تستحقه من الإعجاب والإكبار. وازن إذا شئت بين الصفحات التي تدرس في تاريخ نابليون- مثلاً -، والصفحات التي تدرس في تاريخ نبي الإِسلام ومنقذ البشرية الأعظم ﷺ ، فإنك - لا محالة - تذرف الدمع معنا دماً على هذه الهاوية السحيقة التي تنحدر فيها الشبيبة المسلمة، ومن ورائها الأمة الإِسلامية الكريمة!
ألا فلتتدارك الوزارة الصالحة هذه الطامة، ولتعمل من الآن على العناية بدراسة العظماء والعظيمات في الإِسلام، ولتهتم اهتمامًا ممتازًا بسيرة الرسول الأكرم ﷺ ؛ فإن الحياة الفاضلة الشريفة، والأخلاق العالية المشرقة، والآمال القومية العزيزة، كل أولئك لا يمكن أن ندركه إلا من وراء هذه الدراسات الخصبة العليا التي ملأ أصحابها آفاق العالم بالهدى والرحمة، والعلم والحكمة، والسلام والإِسلام!
- الوسيلة الخامسة:
أن تسند دراسة الإِسلام وتاريخه وأبطاله إلى أساتذة مسلمين أخصائيين مؤمنين بعظمة الإِسلام. ومن العبث والعار أن تسند دراسة شيء من هذا - ولو في ثنايا التاريخ العام - إلى أساتذة لا يدينون بعظمته؛ لأن ذلك مؤذ لشعور المسلمين، وجارح لكرامتهم، ثم إن فاقد الشيء لا يعطيه. ولهذا المعنى أيضاً نطلب ألا تسند نظارة المدارس إلى غير المسلمين؛ فإن ناظر المدرسة هو الرأس المدبر لها، وليس بمعقول أن يخلص في رعاية تعليم دين لا يدين به.
стр. 2438
فالمخرج الوحيد هو اصطفاء نظار المدارس ممن يتشرفون بهداية الإِسلام، وليس ذلك بدعًا في التاريخ, ولا دعوة إلى عصبية؛ فإن دولة إنجلترا لا يمكن أن تعين ناظر مدرسة إلا إذا كان متمذهبًا بمذهب الدولة، وهو المذهب البرتستانتي، وتأبى عليها تقاليدها تعيين غير البرتستانتي، ولو كان مسيحيًا. بل إنهم يشترطون في مليكهم أن يكون متمذهبًا بهذا المذهب، وأن يحلف على احترامه إياه. فكيف نرضى نحن بتعيين نظار غير مسلمين يديرون دراسة الإِسلام فيما يديرون؟ ألا إن هذا بعيد كل البعد عن مصلحة التعليم نفسه، كما أنه مناف لروح الدستور الذي ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإِسلام.
* رأينا في الشكوك والشبهات:
بقيت لنا كلمة لا بد منها: وهي أن بعض الناس يلقون حبالاً وعصياً من الشكوك والشبهات في سبيل هذه المطالب العادلة. وقد كان أمر هذه الأوهام جليًا قبل أن تلمس الأمة بيدها خطر إهمال التعليم الديني في المدارس. أما الآن، فلا يمكن أن تروج أمثال هذه المزاعم إلا على السذج والبسطاء. فقد انكشف الغطاء، وضجت الأمة حكومة وشعباً من فساد التعليم، وانحلال أخلاق الشبيبة، وبأن للجميع سوء المصير الذي تستهدف له الدولة لو دامت هذه الحال، ولذلك بدأت الحكومات المصرية في العهد الأخير تعير الدين جانباً من الالتفات، وإن كان قليلاً، فمن الحكمة إذن أن نضرب صفحاً عن تسويد الصحيفة بإيراد تلك الشبهات، وتطويل المسافة على القارئ الكريم في علاجها، على أننا قد بسطنا هذه المزاعم وعالجناها في مذكرتنا الأولى والثانية. ثم عالجنا المهم منها في ثنايا هذه المذكرة.
стр. 2439
* لا بدّ من سياسة إسلامية واضحة:
على أن مركز مصر الحاضر يرفعها إلى مقام الزعامة للأمم الإِسلامية جمعاء، وذلك لمواهب ممتازة فيها، أهمها: وجود الأزهر الشريف بها، وهو المنهل الأعلى للثقافة الإِسلامية تؤمه الشعوب المسلمة من كافة أقطار الأرض.
ومنها: موقع مصر الطبيعي الذي يجعل منها نقطة اتصال بين الشرق والغرب من ناحية، وبين الشعوب العربية من ناحية أخرى.
ومنها: تفوق مصر في مجالات النهضات العلمية والأدبية، والزراعية والصناعية، إلى غير ذلك مما جعل الشعوب الإِسلامية تنظر إليهانظرة الزعامة، وتقدمها إلى محراب الإمامة، وتعلق كبر الآمال عليها في تحقيق الوحدة الإسلامية.
ولا ريب أن كل أولئك يفرض على مصر أن تكون لها سياسة إسلامية واضحة.
стр. 2440
مناهج الشرف (١)
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلمه كيف يعرج إلى ذلك المعالي بأسلوب حكيم، والصلاة على سيدنا محمد أشرف الخليقة، وعلى آله الذين استضاؤوا بهديه حتى استقاموا على الطريقة، ثم الرضا عن أصحابه المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الله بالسيف والبرهان، وكل من اقتدى على اَثارهم فارتقى في أوج السعادة أرفع مكان.
أما بعد:
فإن معنى الشرف ومناهجه من أجمل الوجوه التي ينظر فيها الباحث عن حقائق الأشياء وأسرارها، وأعزّ ما يباكر إلى اجتناء معرفته قبل أن يدرج في حياته الاجتماعية، ويسابق في مضمارها، وليست هذه المعرفة دانية القطوف فيتناولها كل باع، من غير أن يفتقر في رسوخها إلى تحرير في العبارة واتساع؛ فإنك ترى كثيراً من الناس لم يستنبطوا المعنى الذي يضمّه الشرف تحت اسمه، ولم يميزوا بينه وبين ما لا يضارعه في وسمه، ولا يدخل معه في رسمه، تتشعب مداركهم في ذلك بحسب اختلاف أذواقهم، وما يلائم طبائعهم، فربما ظنّوا الرذيلة فضيلة، فأَعنقوا إليها، أو حسبوا الفضيلة في قبيل ما يترفع
стр. 2441
عنه من الدنايا، فاعتزلوا ساحتها، وشددوا النكير على من احتفظ بها، ونشأ عن هذا تطرفهم في مقام الحكم بالتفاضل بين الرجلين، إلى أن يذكر بعضهم في نعوت الشرف ما يعده غيره خسة أو لاغية.
هذا ما بعثني على أن أبحث في هذا الغرض مستمداً في تحقيقه من دلائل الشريعة المقدسة، وسيرة علمائها الراشدين؛ فإن الإِسلام لم يلق بهذا المعنى في يد العادات والأذواق، فتلبس ثوب الشرف من تشاء، وتنزعه عمن تشاء، بل أقام له قواعد، ورسم له معالم، من تخطى حدودها، وبنى على غير أساسها، كان في نظره سافلاً وضيعاً.
وإذا تقصينا أثر ما يعدّ من أوضاع الشرف في عادات الأمم، واعتبرناه بنظر الإِسلام، وجدناه على أربعة وجوه:
أحدها: ما وافق الشرعُ على اعتباره شرفاً في نفسه، فأثنى على صاحبه، ووعد بالمثوبة عليه؛ كسماحة اليد، وصدق اللهجة، والصبر للشدائد.
ثانيها: ما منحه التفاتة، وربط به بعض أحكام، ولكنه يصرح بأنه غير معتد به لنفسه، وإنما هو وسيلة إلى غاية شرف؛ كسعة المال، أو أمارة تلوح إلى ما وراءها من فضل؛ كرفعة النسب.
ثالثها: ما تغاضى عنه، ولم ينزل به إلى عدّهِ نقيصة؛ كزيادة علم لا تنبني عليه فائدة عملية.
رابعها: ما أرشد إلى أنه يخدش في وجه الشرف، ويسقط بمن يرتكبه في جرف من المنكر، كبسط يد القوة إلى ما ليس بحق، ونصرة ذي القربى وإن كان مبطلاً.
قال عمر بن الأهتم للأحنف في مجلس عمر بن الخطاب ﵁: إنا كنا
стр. 2442
نحن وأنتم في دار جاهلية، وكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، واليوم في دار الإِسلام، والفضل فيها لمن حلم.
وأما ما لا يرونه شرفاً، ولا يسوقونه في مقام المفاخرة، فعلى ضربين:
أحدهما: ما كانوا يتخيلونه نقيصة تحط من مكان الرجل، فكشف الشارع عن فساد تصورهم وأيقظهم إلى أنه يلتئم بنظام الشرف؛ كالاحتفاظ بالبنات، والجلوس مع المساكين.
ثانيهما: ما حسبوه غير مناف للفضيلة، وقاسوه بالأعمال التي يسعها أن تقارن كرم الهمة، فنادى عليهم بالخطأ في قياسهم، وأشعرهم بأنه مما ينقض بناء الفضل، ويبلي أطلاله؛ كتعاطي الربا.
* الشرف والتفاضل فيه:
يطلق اسم الشرف، ويراد منه معنى: الفضل، قال في "لسان العرب": "كل ما فضل على شيء، فقد شرف". والفضل: زيادة الشيء فيما هو كمال فيه، والشيء إنما يكمل بالوصف الذي يمتاز به، ويراد منه، كالصرامة في السيف، والعَدو في الفرس، والإضاءة في الكوكب، والحكمة في الإنسان، واستيفاء مطالب الحياة وشرائط السعادة في الأمة، وإجراء النظامات العادلة في الدولة.
يذهب بعضهم إلى أن التفاضل إنما يجري في أفراد النوعِ الواحد؛ لأنها تعمل إلى جهة الكمال في قَرَن، وتتواطأ في سيرها على سُنَن، ويصرح بأن عقد التفاضل بين الأشياء المختلفة في حقائقها المتباينة في غاياتها لا تجتنى من ورائه ثمرة، ويتعسر وضعه في مكان عادل.
وتحرير هذا: أن التفضيل بين الأمور المشتركة في جهة كمالها قريب
стр. 2443
المأخذ, بحيث يقل فيه الاشتباه، ولا ينتشر فيه اختلاف العقلاء متى دخلوا إلى تقريره من باب العدالة؛ فإن جهة كمال النوع الواحد إذا تعينت ورسمت حدودها, لم يبق لمن انتصب للتفضيل بين فردين منه سوى أن يقيم الموازنة بينهما من تلك الجهة، فيتجلى له حالهما من مساواة أو رجحان.
وأما الأمور المتمايزة بما هو كمال له، فإنها موضع الالتباس، فتستدعي إجالة نظر متسع، ولا يسهل وضعها في وزن مستقيم، ومما يلقي الشبهة في تحقيق التفاضل بينها: أن الوصف الواحد قد يعتبر في بعض الموجودات كمالًا، ويعدّ في غيره نقيصة، ومن هنا ترى بعض المحكمين في التفضيل بين أمرين، يتخذون افتراقهما في النوع عذراً يتخلصون به من القطع في المفاضلة بينهما.
حكى أبو عبد الله بن الحباب: أن أبا جعفر بن يوسف الفهري الأبلي سأله: ما الأحسن: كتاب "المقرب"، أو "شرح الجمل" لابن عصفور؟ قال: فما تخلصت منه إلا أني قلت له: ذلك تأليف مستقل، وهذا شرح.
ويقف بك على دخول التفاضل بين الحقائق المتباينة، وصحة التصدي للقضاء فيه: قوله تعالى في نسق الامتنان علي بني آدم: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وإذا أجريت المفاضلة بين المتباينين في الحقيقة، ولم يستند فيها إلى وحي سماوي، فبملاحظة عظم منافعها، وأهمية ما يقصد منها, كما عقدوا التفاضل بين السمع والبصر، والقلم والسيف، والليل والنهار.
يتفاضل البشر بحسب استعداداتهم الفطرية، وما يتهيا لهم من وسائل الارتقاء: إلى رجل تصعد به محامده حتى يسابق الملائكة في سماواتها العلا،
стр. 2444
وآخر يهوي إلى درك لو زحزح عنه إلى ما دونه التحق عند أولي البصيرة بمنازل الأنعام، وبين هذين المرتبتين مقامات أوسع من أن يحيط بكثرتها التفضيل.
والذي يلقنك الحكمة في هذا التفاضل: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]. فلو وقف الناس في الفضل صفًا واحداً، وتماثلوا في هممهم ومكتسباتهم، لفسد نظام الاجتماع، واختل أمر المعاش والعمران؛ فإن فيما تمس إليه حاجتهم، وتستدعيه نشأة حياتهم، ما يأبى بعض أولي الهمم أن يباشر عمله بنفسه، وإن غشيه من الأذى ما غشيه، وقد تضعف به الاستطاعة، أو لا يهتدي السبل إلى تحصيله، فيفتقر في هذه الأحوال إلى ذي همة نازلة، أو قدرة أوسع، أو بصيرة أقوى.
وفيما تدعوك إليه الحاجة ما لا يرضى غيرك أن يصرف جهده فيه، ويشغل به وقته إلا تجاه عوض من المال، ومتى كان الناس في كفاية وغنى عن العوض، لم يتنازلوا إلى معونتك فيما تتقاضاه حياتك من المطالب، وقصر مجهودك عن أن نقوم به وحدك.
وإذا كان التفاضل في الخليقة وارداً على مقتضى الحكمة، فلا يجمل بالرجل يأنس في نفسه المقدرة على إدراك منزلة، ولكنها دون الغاية البعيدة، أن يحبس عنانه، ويبقى عاكفاً في زوايا العجزة؛ بدعوى أنه لا يقنع إلا بالأمد الأسمى من السيادة، ولو أخذ هذا بقبس من مراقبة أسرار الكون، لأمضى عزمه، واندفع في سيره ليبلغ إلى الغاية المستطاعة.
وما كان ينبغي للرجل حين تقوم له في سبيل مجده عقبات تقطع عنه
стр. 2445
وجهته، أن يركن إلى خاطر اليأس، فينقض حبل رجائه، وينقلب إلى طبقات الأسافل، وليس له سوى أن يقف في مصارعتها حتى يكسر كُعوبها، ويفت في جَلمدها, فإن ما يتمخض به المستقبل، وتجري به صروف الأقدار، أكبرُ من أن يضبطه قياس، أو تقضي عليه خواطر الأياس.
يتحقق التفضيل بين الشخصين إذا انفرد أحدهما بأصل فضيلة خلي منها الآخر؛ كالعالم والجاهل، والشجاع والجبان، أو بزيادة قسطه منها؛ كالأعلم أو الأشجع يقاس بالعالم أو الشجاع، وقد يختص كل منهما بحلية فضيلة أو فضائل لا يشاركه فيها صاحبه، ولا يعول حينئذ في الترجيح على كثرة الفضائل؛ لجواز أن تكون الفضيلة الواحدة أرجح في الموازنة، وأوفى من فضائل متعددة، وإنما يصار إلى حال كل فضيلة بانفرادها، وتوزن بغيرها، فيعلم أيها أشرف ثمرة، أو أجزل فائدة.
ولا يلزم في إطلاق التفضيل، أن يستوفي الأفضل ما عند المفضول من الكمالات، فقد يستقل المفضول بمزية، ولا يمنع استقلاله بها من إطلاق العبارة في تفضيل غيره عليه. ويصح إذا اختص المفضول بمحمدة، أو كان نصيبه منها أوفر، أن تقرر له الأفضلية من جهتها خاصة؛ كالعالم الكريم لا يتمكن في سجية الإقدام، فتفضله على الجاهل البخيل يبذل نفسه في مواقع الأخطار، ولكنك لا تستطيع أن تغمض لهذا المفضول عن مزية إقدامه حتى لا تقضي له بالأفضلية من جهتها.
وإذا كنا نعد المزية ينفرد بها المفضول، ويسوغ تفضيله من ناحيتها على من ترجح عليه بغيرها من المزايا، فلا يليق بخالص اعتقادنا الاعتراف بأن بعض أفراد الأمة قد يختص بحال كاملة يصدق عليها اسم المزية بدون أن
стр. 2446
يتحلى بها أفضل الخليقة ﷺ . ومن هنا ينكشف لك الستار عما قرره القرافي في قصة فرار الشيطان من عمر بن الخطاب ﵁، ونفقه كيف انتقض جوابه بأن اختصاصه بهذه المزية لا تقتضي تفضيله على النبي ﷺ ؛ اعتباراً بقاعدة: أن المزية لا تقتضي الأفضلية.
والحق ما سنح لخاطر أبي إسحاق الشاطبي من أن فرار الشيطان من ابن الخطاب إنما عدّ مزية له؛ حيث كان كافلًا بحفظه من إغوائه وصيانته عما ينفثه في الصدور من الوساوس، ولا ريب أن النبي ﷺ كان معصوماً من نزعاته، اَمنًا من تزييناته، وإن قرب من ساحته. ويوضح هذا: أن المزية غاية تحصل بوسائل تختلف؛ كالعلم - مثلاً - يناله أحد بمطالعة كتاب، ويتلقاه آخر من تقرير أستاذ، فلا يقال: إن لمكتسب العلم من كتاب مزية عمن تلقفه من فم معلم، متى استويا في الغاية التي هي العلم.
يقول بعضهم: لا يعرف مقدار فضل الرجل إلا من كان مساوياً له في مرتبته، أو أعلى. وهذا مثل ما قال تقي الدين السبكي حسبما نقله التاج في "طبقاته": "لا يعرف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رتبته، وخالطه". ومقتضاه: أن لا ينتصب للتفضيل بين العالِمَيْن إلا من كان في منزلتهما، أو أرقى درجة.
وأنت إذا علمت: أن من الناس من لا يصل إلى أن يستظهر الحقائق من مخبآتها، ولكنها إذا استخرجت، ووضعت أمامه في أخلاط من الباطل، عرفها بصفاء فطرته، وميّزها من غير أن تلابسه ريبة، تحققتَ أن الرجل قد يبلغ به الذوق الخالص إلى أن يعرف من كان ينطق بالقضايا التي تنحو نحو المقاصد البعيدة، ويفرق بينه وبين من لم ترتفع بهم مداركهم عن الخوض
стр. 2447
في المسائل القريبة، وإن لم يبلغ في نفسه أن ينسج على منواله، ويرمي في تحقيق المباحث إلى غايته.
ويعجبني قول بعض تلامذة الغزالي: لا يعرف فضل الغزالي إلا من بلغ، أو كاد يبلغ الكمال في عقله. وهي مقالة أمكن في الصواب من قول تاج الدين السبكي: لا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي، ولا مقدار علمه؛ إذلم يجئ بعده مثله.
* شرف الإنسان:
من ضرب بنظره في سيرة رجل ممن شهدت لهم العقول الراجحة، ورفعتهم في رتب السيادة إلى السنام، وأخذ يتبصر في الأحوال التي امتاز بها عن سائر الحيوان، فأول ما يطالعه في صحيفة آثاره: عمل منتظم، وسير لا عوج فيه، يتحرك فتتناثر الصالحات من خلال حركاته، وشمكن فتبتهج العيون بسكينته. وليست هذه الشؤون الظاهرة مما يعرض لأعضائه بغتة، مثل ما يعرض الاختلاج للعين، والارتعاش لليد، بل هي ناشئة عن قلب حاضر، ومنسوجةبإرادة ثابتة. ونفقه أن هذه الإرادة لا تخطر على قلبه؛ كما يريد الرضيع ليقبض على ذُبالة السراج , فيمد يده إليها، وإنما هي أثر علم يتقدمها، وشعور بما يترتب على صنع كذا، أو الإمساك عنه؛ من جلب محمدة أو التخلص من معتبة.
ولا يستقل العلم وحده بإنشاء هذه الإرادة على وجه منسجم؛ فإنك ترى المسلم يعترف بفريضة الزكاة، ويشعر بما يترتب على منعها من العقوبة في الدار الآخرة، ثم يمسك عن إعطائها مطاوعة لطبيعة الشح بمكتسب المال، أو حرصاً على إتلافه في تحصيل لذة عاجلة. فيؤخذ لصدور الإرادات
стр. 2448
الحسنة على منهج لا ينخرم شرط تنقيح النفس من الطباع السيئة، وترشيحها بالآداب الراقية.
ثم إن العلوم صور ترتسم في النفس بواسطة قوة نسميها بالعقل، وقد يتفق لبعض من تخلصت له مزية العقل والعلم والأدب وحسن الإرادة، أن لا يصدر عنه من العمل الصالح ما يصدر عن ذلك الرجل الذي ضربناه مثلاً. وهذا يستلفتنا لتعرف وصف آخر له مدخلٌ في إبراز المساعي الحميدة إلى طرف الوجود، وهو الاستطاعة.
فتحرر بهذا الاستقراء: أن مدار كمال الإنسان على: عقل وعلم وأدب، وإرادة واستطاعة وعمل.
* القوة العاقلة:
هي استطاعة النفس الانتفاع بالمعلومات عند الحاجة إليها. ومما لا يحتمل الشبهة: أن حصص النفوس من هذه القوة متفاوتة، فمن الناس ذكي يقرأ من صفحات الوجوه ولحظات العيون ما يكنه الرجل في خبايا سريرته. ومنهم غبي لا يصل إلى المعاني القريبة إلا بالعبارات الواضحة وإعادتها عليه مرة بعد أخرى.
لماذا ترى الرجلين استويا في مقدار ما احتسياه من لبان المعارف، وأحدهما يتناول قلمه، فيملي عليه فكره من الإفهام ما لم يروه عن معلمه، ويمسك الآخر القلم، فلا يرشح له بكلمة زائدة عما تلقاه من فم أستاذه؟.
ذلك لأن في مدرك الرجل الأول فضل قوة يحسن بها التصرف في معلوماته، وينتزع بها المعاني الغامضة من منازع بعيدة، ثم يؤلفها في صور قضايا مبتكرة؛ بخلاف عقل الثاني؛ فإنه لضعف شعوره بالمناسبات بين
стр. 2449
المعاني المتفرقة، وقصوره عن تصور ما ينتج عنها إذا ركبت في نظام واحد، لم يزد على الاحتفاظ بما اقتنصه سمعه من إفهام معلمه.
تتفاوت العقول بحسب فطرتها، وقد تتقارب باعتبار الفطرة، ويدركها التفاضل بما يتقدم إلى بعضها من التعاليم الراقية بحسن أساليبها وصدق قضاياها؛ فإن مبكرة الفطرة بالمطالب الصحيحة الواردة في الأساليب الحسنة، يربيها من مبدأ نشأتها على معرفة الطيبات من العلم، ويشب بها على طريقة الإفهام القيمة، وإذا انطبعت الفطرة بالتعاليم الثابتة، وأنست بها منذ أخذت في طور التعلم، كانت أقدر على تمييز درر المباحث من حصبائها، وأدرى بالصواب والخطأ ممن ترشحت فطرته بالقضايا المنحرفة، والقصص الواهية؛ فإن الفطرة إذا تزيت بزي التلقينات الزائغة، وتلطخت بحمأتها الخبيثة، صارت مستعدة لقبول الأقوال الساقطة، وإدراجها في زمرة معلوماتها. وعلى فرض أن تمد تلك القوة عنقها لاستنتاج ما لم تتعلم، فلا تتحاشى أن تستجلب القضايا المستضعفة التي هي من نوع ما سبق لها في التلقين.
قد يتسع عقل الإنسان لإدراك مطالب يضيق عنها نظر آخر هو أقدرُ منه طى ضور مطالب أخرى. وربما كان هذا التفاضل الذي تقاسماه بينهما ناشئًا بحسب ما يتسابق إلى كل منهما، ويتجمع عنده من العلم بالمقدمات والقضايا القريبة من المطالب التي فاق قرينه في تحصيلها. ومما يضع أمامك أن الفكر قد يبلغ أشده في بعض المباحث، ويدركه الفشل في بعضها: أن قدماء الفلاسفة أقبلوا على بعض علوم؛ كالحساب والهندسة والمنطق، وأعملوا فيها الروية، فأصابوا مفاصلها بصوارم الأدلة، واستولوا على خبرة بها لا تنازعهم فيها ريبة. وهذه الأنظار التي عهدت لهم هناك بجودة التصرف
стр. 2450
وإصابة الغرض، هي التي أداروا عنانها نحو الإلهيات، فطرحتهم في فضيحة، وألقت على أفواههم كلمات يعدها المؤيد بحجج الشرائع من قبيل ما يهذي به المبرسمون.
وفد العلاء الحضرمي على منذر بن ساوي، فقال له: يا منذر! إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة:
فَطِنٌ بكل رزية في ماله ... وإذا يُصاب بدينه لم يشعر
نوه الإِسلام بشأن العقل، وشمله بعناية كبرى، ونكتفي في تقرير هذه العناية بثلاثة شواهد:
أحدها: أنه منع من تناول ما يؤثر فيه خللاً؛ كالمسكرات، وأغلظ القول في تحريمه.
ثانيها: ما وضعه على من ضرب شخصًا، فأزال عقله من دية مبلغها ألف دينار.
ثالثها: توسيع طرق النظر أمامه، واستدعاؤه إلى التدبر في أسرار الموجودات.
رفع الإِسلام مكان العقل، وأثبته في سجل الشرف على شرط أن يوجهه صاحبه في البحث عن مكان الحقيقة، وينافس به لإحراز العلوم النافعة.
ومما ينبهك على هذا الشرط الوثيق: قوله تعالى في ذم قوم حبسوا عقولهم في ظلمة الباطل، ولم يطلقوها من أسر المتابعة والجمود: ﴿إنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. فتمثيل حالهم بالأنعام، إنما ساقه إليهم إغفالُ عقولهم، وبقاؤها تائهة في أودية الجهالة، إلى أن حرموها حلاوة اليقين وراحة الاعتقادات الراسية.
стр. 2451
وقد مثّل تعالى حال من نفروا عن العظة، ونأوا بجانبهم عن الإصاخة إليها، بحال الحمر المتوحشة إذا عاينت أسداً، امتلأت منه فزعًا، وطاشت عن ساحته فالتة، فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠، ٥١]. وفي إلحاقهم بالحمر، ووضعهم معها في قران التشبيه، إيذان بأن منزلتهم في الحطّة ما برحت بإزاء منازلها، وأن قوى مداركهم لم تصعد بهم إلى مطالع الشرف قيد أنملة؛ حيث أصبحت عارية عن إدراك ما فيه سعادة دائمة.
وقال تعالى في جملة ما قصه علينا من أقوال الضالين عن سنّة هدايته: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠]، الآية؛ فهؤلاء لم يريدوا سلب حقيقة العقل من أنفسهم بحسب الواقع، وإنما اعتبروه بمثابة المعدوم، وأطلقوا في نفيه حيث لم يجتنوا به ثمرة الإيمان الواجب، ولم يستضيئوا به في البحث عن التعاليم المفيدة.
ولا تلابسك الحيرة في قضية أن العقل مطلع كل شرف، إذا بلغت إلى قول الفقهاء: إن شدة الذكاء تفوت بصاحبها عن أهلية الولاية للقضاء. فاشترطوا للحاكم أن لا يكون زائدًا في الدهاء, فإن المراد من الذكاء: سرعة انقداح النتائج، وسهولته على النفس، وهذه هي الفضيلة. ويعني بالإفراط فيها: اختطاف صورة الأمر أو القضية من غير إحكام فهم، ولا تثبت في المأخذ.
ووجه العيب في هذا: ما قد يعرض له من الاختلال في التصورة حيث لم يضع فكره على غضون الصورة أو القضية ولم يحط بها من سائر أطرافها.
قال ابن خلدون: إن فرط الذكاء والكَيس عيب في صاحب السياسة؛ لأنه إفراط في الفكر، كما أن البلادة إفراط في الجمود، والطرفان مذمومان
стр. 2452
من كل صفة إنسانية، والمحمود هو التوسط. وساق على هذا: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما عزل زياد بن أبي سفيان عن العراق، قال: لم عزلتني يا أمير المؤمنين، ألعجز، أم لخيانة؟ فقال: لم أعزلك لواحدة منهما، ولكنني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس.
ويلوح في التفقه من هذه القصة: أن فضل عقل زياد لم يكن من قبيل اختطاف الصورة من غير إحكام فهم حتى يكون خدشة في نفس تصوره، بل كان زياد بصفة من يحيط بالقضايا، وما ينشر لديه من النوازل، ويوفيها حقها من النظر وتطبيق الدليل، وإنما يدركه الذهول عن سبر عقول الجمهور، وتحرير قدر ما تحتمله من الأوامر في السياسة، فقد يقتضي الحال تأخير ما لا تصل إليه أفهامهم، ولو كانت المصلحة المرتبطة به أعظم؛ كيلا يعتقدوا به العنت والاعتساف، ويهوشوا عليه بالنكير، فيفضي الأمر إلى نزل وسخط لا تحمله عاقبته. ففضل عقل زياد بمعنى: اتساع أنظاره، والرمي بها إلى غايات من المصالح التي تكلّ دونها أبصار الجمهور، لا يسحب إليه خللاً في نفس ذكائه؛ ضرورة أن الجمهور لو اقتربوا من أنظاره، وتلقوها على كاهل القبول، لما وجه إليه عمر بالمؤاخذة، ولو كان فضل عقله من قبيل الوجه الأول، وهو الاستعجال في فهم الأمر من غير ترّو منه، لم يعبر عنه عمر بفضل العقل، ولحق عليه الانفصال عن الولاية، ولو رضيه الناس.
ويزيدك خبرة بأن ما توفر لزياد وأمثاله من فضل العقل، ليس من العيب الذي تلمز به قوتهم الناطقة أنهم لو أضافوا إلى حدة بصائرهم ممارسة طبائع الرعية، وتحري ما يلاقي مداركهم، ولا يضطرب له نظام راحتهم، كانوا على شرط الكفاءة لأي ولاية تلقى إلى عهدتهم. وبهذا التحرير يظهر أن فرط
стр. 2453
الذكاء؛ حيث يراد منه الرمي بالفهم إلى أغراض في السياسة غامضة، لا يكون مانعا من ولاية الأحكام بذاته، أو على إطلاقه.
يذكر بعض الناس أن واسع العقل يكون أنكدَ عيشًا في هذه الحياة ممن قصرت أنظارهم، وجمدت مداركهم، ومنهم من يقول: إنما الراحة فيها على مقدار اتساع العقل، وبعد مراميه.
وقد فكّ ابن حزم التعارض بين المقالين؛ بأن استراحة العقلاء من جهة تلقي المكاره بعزيمة ثابتة، وعدم التأثر لصدمات المصائب، بخلاف صاحب النظر الفاترة فإن خاطره ينزعج لأقل بلاء ينزل بساحته، وأما نكد عيش العاقل، فمن أجل ما يشاهده من إطفاء نور الحق، والنفخ في مزمار الباطل، أو الاستماع إلى ألحانه بطرب وارتياح، وهذا بخلاف من انطفت بصيرته؛ فإنه لا يهمه بعد انتظام شؤون بيته أن تنهض الحقوق قائمة، أو تحز أعناقها على نصب الشهوات.
* فضيلة العلم:
إذا كانت العقول في مثال السيوف تقطع الباطل أن يتشبث بأطراف الحقائق، فإن العلم ثقافها الذي يقوم أَودها، ومصقلتها التي تجلو أصداءها. أترون السيف الذي احدودب متنه، أو تكاثف الخبث على غراره، كيف يقبح منظره، وينبو عند الضراب به؟
كذلك العقل إذا غشيته الشبه، وانحدرت به في نواحي الضلالة، حتى التوى غصنه بالتواء شعبها، أو بقي في مستنقع من الجهالة حتى التف عليه من سوادها حجاب كثيف، فإنه يدنو من ذوي البصائر، فتشمئز فطرهم السليمة نفوراً منه، ويذهب إلى البحث عن الحقيقة، فلا يقع على مكامنها.
стр. 2454
وما اللسان إلا مرآة تمثل خواطر العقل، وتنقل مداركها من شعور إلى شعور. والمرآة إذا تكور سطحها، أو تجهم وجه زجاجها بغبش، أخذت الصور على غير نظامها، وعرضتها في أشكال غير مطابقة.
كذلك اللسان إذا ألقت عليه الفَهاهة أثقالها، وشدت عليه اللُّكنة عقدتها، فإنه لا يحتفظ بما يمليه عليه الفكر من المعاني، فيضبطها من سائر حواشيها، بل يوديها في مثال شخص حذفت بعض أعضائه، أو تخاذلت هيئته، فتصوب رأسه إلى أسفل، وتصعدت قدماه إلى أعلى.
فمن العلوم ما يرجع إلى إصلاح النفوس، أو تكميل العقول؛ كعلوم الشريعة، وصناعة المنطق والتاريخ.
ومنها: ما يرجع إلى تقويم اللسان، وتهذيب صناعة الكلام؛ كعلوم اللغات وآدابها.
ومنها: ما يتخذ في وسائل الحياة، والتفنن في أساليب العمران؛ كالهندسة والطب والطبيعيات.
أصبحت مزية العلم في جلائها وشهرتها مثل فلق الصبح، لا يسع أحداً جهالتها، فيكاد بسط العبارة في هذا الصدد يلحق بإسهاب المقال في المعاني المطروحة على البداهة عند العامة والأطفال، ولكنا نستوقف النظر برهة في تفاضل العلوم في أنفسها، ونعرِّج على الوجه الذي كان به العلم ركنًا من أركان السيادة.
تتفاضل العلوم بحسب أهمية ثمرتها، أو عموم نفعها، أو قوة براهينها، أو شرف موضوعها, كاللغة تفضل على المنطق بعلو ثمرتها التي هي فهم دلائل القرآن والحديث، وكالفلاحة تفضل على معرفة الصياغة بعموم نفعها،
стр. 2455
والهندسة تفضل على علم الهيئة بقوة براهينها، ومثل التوحيد يفضل على
الفقه بموضوعه، وثمرته، وبراهينه.
قد تقوى عناية قوم ببعض العلوم، فيجعلونها الغاية في الشرف، ويفضلون العارف بها على من قام بغيرها من العلوم، وإن كان أعلى حكمة، وأقرب وسيلة إلى السعادة، فيرفعون في بعض العصور أو البلاد مقام حافظ اللغة على مقام حافظ الحديث، ويؤثرون العارف بالمنطق على القائم بعلم الفرائض، ويفضلون صاحب البلاغة على العالم بالفقه.
وكان للفقه عند أهل الأندلس المقام الأعلى، حتى إذا أرادوا تعظيم الملك أو الوزير، لقبوه بالفقيه، وربما دعوا به النحوي أو اللغوي؛ حيث قصدوا إجلاله؛ لأنه أشرف الألقاب في ندائهم.
وقد يأخذ العلم اعتباراً لدى الشعب ورواجاً، إذا كان له مساس بتصرفات الدولة؛ كعلم العربية في قوم يكون لسان دولتهم عربيًا، ولرجال الدولة اهتمام بفصاحة الرسائل، ورفعة أسلوبها.
قال ابن السبكي في "طبقاته": كان محمد بن برّي المولود عام ٤٩٩ متوليًا أمر التصفح في ديوان الإنشاء، وذكر أن الكتب لا تصدر عن الدول إلى ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحها إمام من أئمة اللسان، وإن القاضي الفاضل كان يتصفح الكتب التي يكتبها العماد، ومن كان دونه.
فمثل هذه العناية يكون له مدخل قوي في الإقبال على علوم العربية، والتنافس في صناعة الإنشاء.
يثبت الشرف للعلم في اعتبار الإِسلام من جهة أنه يثمر عملاً نافعاً، فإذا لم يكن له أثر في عمل يشكر، فإما أن يعد ضرباً من المباح؛ كمسائل