← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

من البلاد ما لم يملكه أبوه من قبله. ومن عظماء شباب الملوك بالأندلس: عبد الرحمن الناصر، تولى الملك غير متجاوز الثانية والعشرين من عمره، درس عبد الرحمن القرآن والسنّة، وأجاد النحو والتاريخ, وبرع في فنون الحرب والفروسية، وزهت في عصره العلوم والزراعة والصناعة، وساد الأمن في البلاد، وكان للعلماء في عصره الحرية المطلقة، يواجهونه بالأمر بالمعروف، ويتلقى منهم ذلك بصدر رحب. ومواقف منذر بن سعيد في نصحه له معروفة في التاريخ, وهو الذي خطب على المنبر في بعض المجالس الحافلة منكراً عليه الإسراف في تشييد المباني وزخرفتها، وهو الذي خاطبه في أحد المجالس بقوله: يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل وكان القضاء في عهده على استقلال لا يخشون معه لومة لائم، وكان القاضي ابن بشير يحكم عليه لخصمه، ويتوعده بالاستقالة إذا لم يمتثل ما حكم به عليه. ومن هؤلاء العظماء: أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج أحد ملوك غرناطة، تولى الملك وهو في السادسة من العمر، وكان الغالب على أيامه الهدنة والصلاح والخير، وكان وزيره الأديب الكبير أبو الحسن بن الجياب، ثم توزر له لسان الدين بن الخطيب. ومن هؤلاء العظماء: ابنه محمد بن يوسف بن إسماعيل، بويع له بعد وفاة أبيه يوسف وعمره تسع سنين، وكان وزيره لسان الدين بن الخطيب بعد أن توزر لأبيه من قبله، ووصفه ابن الخطيب فقال؛ متحلٍّ بوقار وسكينة،

стр. 2382

وسافر عن وسامة يكتنفها جلباب حياء وحشمة، كثير الأناة، ظاهر الشفقة، عطوف، مخفوض الجناح، مائل إلى الخير بفضل السجية، فأنست العامة بقربه، وسكنت الخاصة إلى طيب نفسه، وحمد الناس فضل عفافه، وكلفه بما يعنيه من أمره، وكان مع هذه المزايا مثلاً في الفروسية، قال بعض مادحيه: إن ألمَّتْ هيعةٌ طا ... ر إليها غير وانِ يصدع الليل بقلبٍ ... ليس بالقلب الجبان وأختم حديثي هذا بحديث ملوك تقلدوا في أوائل شبابهم ولايات كانوا فيها مظهر اليقظة والحزم، وتولوا الملك بعده، فساروا فيه سيرة عبقري زادته التجارب خبرة بطرق السياسة الرشيدة. ومن هؤلاء الملوك: هشام بن عبد الرحمن الداخل "مؤسس الدولة الأموية بالأندلس"؛ فقد كان والده عبد الرحمن يوليه في صباه الأعمال، ويرشحه لولاية الملك، ولما توفي عبد الرحمن، تولى هشام الخلافة وعمره ثلاثون سنة، وكان يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز ﵁. ويدخل في نظم هؤلاء الملوك: عبد الرحمن بن الحكم الأموي، وكان أبوه الحكم يوليه قيادة الجيوش العظيمة في الأندلس وهو ابن خمس عشرة سنة، فيهزم الأعداء، ويعود ظافراً. وأذكر من هذا القبيل: تميم بن المعزّ بن باديس، فوض إليه والده المعزّ ولاية "المهدية" وهو في سن الثالثة والعشرين، وتولى الملك بعده وهو في سن الثانية والثلاثين، وكان حسن السيرة، محمود الآثار, معظمًا لأرباب الفضائل، وقصدته الشعراء من الآفاق، وكان هو نفسه معدوداً من طبقات الأدباء. ومن شعره:

стр. 2383

فإما الملك في شرف وعزٍّ ... عليّ التاج في أعلى السرير وأما الموت بين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبد الدهور والغرض من حديثنا عن أولئك الشباب الذين تولوا أموراً جليلة القدر، عظيمة الشأن، فقاموا بأعبائها خير قيام: أن نستنهض همم أبنائنا للأخذ بأسباب قوة الفكر، وسعة الدراية لأول عهد التمييز، ولمواصلة السير في سبيل السيادة بجد وحزم؛ لكي نراهم وهم في ريعان الشباب قد بلغوا بجودة النظر، واستقامة السيرة أن كانوا موضع آمال الأمة، يعملون لسلامتها، والاحتفاظ بعزتها. وواجب على ولي أمر الناشئ أن يشعره بأن بلوغ الفتى المنزلة المحمودة في السيادة وهو في مقتبل العمر، ليس بالأمر المتعذر أو المتعسر، وليس من شك في أن هذا الشعور يريه السيادة قريبة التناول، فيشمر عن ساعد الجد، وسرعان ما يبلغ ذروتها، ومن أدرك السيادة في عنفوان شبابه، فإن مات، مات سيداً، وإن عاش إلى زمن الكهولة أو الشيخوخة، كانت سيادته أطول عماداً، وأرفع ذكراً، وأطيب ثمراً.

стр. 2384

جيل يؤمن بالأخلاق (١) إن الأمم الناهضة تحتاج نفوسها إلى الغذاء الجيد من الأخلاق والسجايا, لتقوى به على مواصلة النهوض إلى المعالي، كما تحتاج أجسامها إلى الغذاء الجيد من الطعام؛ لتقوى به على مواصلة الكفاح في سبيل المعايش، والشجاعة غذاء من أغذية الأمة في طور التحرير، لا يتهاون به إلا صغار النفوس، والذين يستعذبون موارد العبودية، وإن لم تفرض عليهم، وأصل الشجاعة: أن تعرف الحق: حق الله، وحق الأمة، وحقوق المواطنين، وحقك الشخصي، فتوطن نفسك على أن تكون صادق العزم في إعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف. وقد أوصى المسلمين بأن يكونوا أهل الشجاعة في مواقف الدفاع عن الحق، ما داموا يرجون لهذا الحق العزة والاستعلاء، فقال ﷺ ؛ في سورة النساء: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، فأرشدهم الله إلى أنهم بما يرجون من إقامة الحق ومعونة الله عليه، ينبغي

стр. 2385

لهم أن يكونوا أبعد من أعداء الحق عن الوهن والضعف؛ لأن المؤمن الذي يرجو الحق، ويعيش له، ويعد نفسه لإعلانه ونصرته، يجب أن يكون من أبعد الناس عن الوهن في سبيله. ومن هنا يتبين لنا: أن الشجاعة العسكرية وليدة الشجاعة الأدبية، لأن كلا نوعي الشجاعة منبعث عن الولاء للحق، وتوطين النفس على إقامته ونصرته. وإن الرجل الشهم الذي يوطن نفسه على الدفاع عن الحق، ويؤدي الشهادة الصادقة على نحو ما علم، دون أن يهاب ذا جاه أو سطوة، لا يقل عن البطل الصنديد في موقفه بساحة الحرب أمام نيران العدو مدافعاً عن حق أمته وملته ووطنه. إن المسلم الذي يعلم أنه لم يكن مسلماً إلا بشهادة الحق: "لا إله إلا الله" يوطن نفسه على أن ألا يشهد إلا بالحق، ولو على نفسه وعلى والديه في كل المواقف، متمثلًا دائمًا في ذهنه أمر الله للمسلمين: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ولما ربى الإِسلام أبناءه على إقامة الحق ونصرته ومحبته، والشهادة به والإعانة عليه، ربى فيهم بهذه السجية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج منهم أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق خيرا من ألف حياة يقضيها صاحبها في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحاً. انظروا إلى قول الخليفة الأول أبي بكر الصديق في وصيته لقائده العظيم خالد بن الوليد: "احرص على الموت، توهب لك الحياة"، فباقتحام موارد الموت في سبيل إقامة الحق تبرهن الأمة على أنها جديرة بالحق، وبهذا

стр. 2386

نكون من أهل الحياة، وأن الشهداء من رجالها أحياء عند ربهم، وأحياء في قلوب عباده، والذين لم ينالوا منهم نعمة الشهادة يتمتعون بالحق، وبما يفيضه عليهم الحق من نعمة الحياة. وإلى هذا المعنى يشير الفارس الشاعر حصين بن الحمام أحد بني سهم ابن مرة: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما جلس القائد المجاهد الشهير مسلمة بن عبد الملك مع أخيه الخليفة الأموي هشام ذات ليلة، فقال له أخوه الخليفة: "يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ "، فأجاب مسلمة: "ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه إلى حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي"، فقال له هشام: "هذه هي البسالة". ولما كان الحكم والسلطان في إسبانيا للخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، رفع أحد التجار قضية على الخليفة إلى القاضي الأكبر في عاصمة الأندلس "قرطبة"، وهو العالم الفقيه الورع ابن بشير، فحكم ابن بشير للتاجر على الخليفة، ولم يكتف بإصدار الحكم، بل كان حريصاً على سرعة تنفيذه، فذهب إلى الخليفة يخبره بنص الحكم الذي صدر عليه، وينذره بالاستقالة من القضاء إن لم يبادر الخليفة بالتنفيذ. وحتى في أحط أدوار الدولة العبيدية بمصر، دخل الإمام أبو بكر محمد ابن الوليد الطرطوشي على الملك الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي - وكان الأفضل وزير مصر للمستنصر والمستعلي والآمر-, فتكلم الطرطوشي موجهًا الموعظة والنصيحة للملك الأفضل. ولاحظ في أثناء موعظته أن إلى

стр. 2387

جانب الملك رجلاً لا يؤتمن على الدولة، ولا تهمه مصلحة الملة، فختم الطرطوشي موعظته بالحديث عن ذلك الرجل غير المؤتمن، وأشار إليه بيده، فلم يكن من الملك الأفضل - لما استشعره من صدق الإمام الطرطوشي وغيرته على الحق وشجاعته في إعلانه - إلا أن أمر ذلك الرجل الجالس إلى جانبه بأن يتنحى عن ذلك المقام. إن الأمة الضعيفة المستكينة لا تستحق الحياة، وهي لا تقوى وترتقي وتعتز إلا إذا شاع في أفرادها - ولا سيما شبابها، خصوصًا المثقفين منهم - خلق الصدق، ومحبة الحق، وتوطين النفوس على نصرته، والصراحة فيه، والدفاع عنه. ومن هذا الخلق يولد الجيش الباسل الذي لا يغلب، بل من ذلك الخلق يولد الجيل الفاضل الذي لا يطمع في حق غيره، ولا يطمع غيره في حقه. والحق شطر الإِسلام، بل هو عظامه التي تقوم بها بنيته، أما الشطر الآخر، فهو الخير، وهو في مقام اللحم والشحم من بنية الإِسلام. ولم يرد في الإِسلام أمر ولا نهي إلا وهو يرجع إلى شعبة من شعب الحق، أو إلى شعبة من شعب الخير. والمسلمون لن يعودوا كإخوانهم الذين حملوا لواء الحق، ونشروا قانونه في الأرض، إلا إذا تضلعوا من معين الحق، وارتووا من موارد الخير، فأصبحوا يعرفون بين الأمم بأنهم أمة الحق والخير، وحينئذ يكون منهم الجيش الغالب الظافر الذي يقتحم كل عقبة تحول بينه ويين الحق، ويجتاز كل مخاضة تمنعه من الوصول إلى أهداف الخير. وكما ينبغي أن يجهز الجيش بالدبابات والمدافع الضخمة، والطائرات النفاثة والقنابل الذرية، فإن كل هذه المعدات لا تنفعه إن لم يستمد جنوده وضباطه من أمة تربت على الصدق، وآمنت بالحق، ووطنت نفسها على

стр. 2388

محبة الخير. بل إن تجهيز الأمة بسجية الصدق، وتربيتها على الإيمان بالحق، وعلى الإيمان بالخير، هو الذي ييسر لها الأسلحة من كل نوع، والأنصار من كل أمة، وهو الذي يملا بالهيبة والحرمة لها قلوب الأمم جميعاً. وهكذا الأخلاق لا تزال معيار الأمم، وهي مفتاح الأماني المغلقة وهي السبيل إلى استرداد الحقوق، وتيسير السبل إليها. إن إعداد شباب الجيل بسجية الصدق، وتربيتهم على الإيمان بالحق، وعلى محبة الخير، عنصر من عناصر الإِسلام. ولقد صرنا الآن إلى عهد قام بالأخلاق، وهو في حاجة إلى الاستعانة بجيل يؤمن بالأخلاق. والمصانع المصرية لتربية الأخلاق هي معاهد العلم التي يتوقف عليها نجاح هذا العهد، ويكون لأمتنا منها الجيش الظافر الذي هي بحاجة إليه في مصيرها القريب، وكل يوم تضيعه معاهدنا العلمية، وتحجم فيه عن البدء في مناهجها الصالحة، يكون خسارة على الأمة، وعلى حقوقها. إن الأمر جد، والوقت أثمن من أن يضيع بغير عمل.

стр. 2389

مثل أعلى لشجاعة العلماء واستهانتهم بالموت في سبيل الحق (١) رأى عبد الملك بن مروان أن يدعو الناس إلى مبايعة ابنيه: الوليد، وسليمان بولاية العهد، وكتب فيما كتب إلى والي المدينة هشام بن إسماعيل أن يدعو أهل المدينة إلى هذه المبايعة، ففعل، وأطبق أهل المدينة على البيعة إلا سعيد بن المسيّب؛ فإنه امتنع بعلة أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين، فكتب هشام إلى عبد الملك يخبره بأن أهل المدينة بايعوا قاطبة، ولم يأب منهم البيعة إلا سعيد بن المسيّب، فكتب عبد الملك إلى هشام بأنه يأمر سعيداً بالمبايعة، فإن أبى، عرضه على السيف، فإن أصر على عدم المبايعة، جلده خمسين صوتاً، وطيف به في أسواق المدينة. وصل كتاب عبد الملك إلى هشام، واتصل بهشام ثلاثة من أصدقاء سعيد، وهم: سليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، فأخبرهم هشام بما أُمر به في شأن سعيد، والظاهر أن هشامًا لم يطلعهم إلا على ما أمر به عبد الملك من عرض سعيد على السيف إن امتنع من البيعة، ولم يذكر لهم ما جاء في الخطاب من قتله إذا أصر على رأيه، واستبدال الجلد بالقتل. ارتاع الفقهاء الثلاثة لهذا الخبر، وخشوا أن يصمم سعيد على عدم

стр. 2390

المبايعة، فيناله عقاب القتل، فأخذوا يدبرون وجهاً لتخليص سعيد من هذه الورطة متى صمّم على عدم البيعة، حتى وصلوا إلى تدبير عرضوه على الوالي، فقبله، وكانوا يظنون أن ما دبروه من الوجوه لإنقاذ سعيد من عقوبة القتل سيجد من سعيد ليناً وقبولاً حسناً. كذلك ذهب الفقهاء الثلاثة إلى سعيد، وقالوا: جئناك في أمر عظيم: إن عبد الملك كتب إلى الوالي يأمره بأن يعرض عليك المبايعة، فإن لم تفعل، ضرب عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً، فأعطنا إحداهن، وهي: أن يقرأ عليك الكتاب، فتسكت، ولا تقل: "لا"، ولا "نعم"، فيكتفي منك الوالي بهذا السكوت، فتمضي على ما صممت عليه من عدم المبايعة، وتدرأ عن نفسك عقوبة القتل. سعيد: ما أنا بفاعل؟ الفقهاء الثلاثة: تجلس في بيتك، ولا تخرج إلى الصلاة أياماً، فيعتمد الوالي في عدم إنفاذ أمر عبد الملك على أنه قد طلبك من مجلسك فلم يجدك. سعيد: أفعل هذا، وأنا أسمع الأذان فوق أذني: حي على الصلاة، حي على الصلاة؟! ما أنا بفاعل. الفقهاء الثلاثة: انتقل من مجلسك بالمسجد إلى مكان غيره، فإن الوالي يطلبك في مجلسك، فإن لم يجدك، أمسك عنك. سعيد: أفرقاً من مخلوق؟! ما أنا بمقدم شبراً ولا متأخر. ولما رأى الفقهاء صلابة سعيد، وأيسوا من قبوله إحدى الخصال التي

стр. 2391

عرضوها عليه، خرجوا والأسف على سفك لم سعيد يملا صدورهم. وما كان من سعيد إلا أنه خرج إلى صلاة الظهر، وجلس في مجلسه الذي اعتاد الجلوس فيه من قبل، ولم يكن من الوالي إلا أن بعث إليه، فأتي به، فقال له: إن أمير المؤمنين كتب يأمر إن لم تبايع ضربنا عنقك. سعيد: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين. هشام: اخرجوا سعيداً إلى السدة، ومدوا عنقه، وسلّوا عليه السيوف، ففعلوا، وسعيد مصر على عدم البيعة. فلما رأى هشام إصراره، أمر به، فجرد من بعض الثياب؛ ليذوق ألم الجلد، وضرب خمسين سوطاً، ثم طافوا به في أسواق المدينة، ومنعوا الناس أن يجالسوه. بايع أهل المدينة - علماؤهم وأهل الحل والعقد منهم - بولاية الوليد وسليمان العهد، وكان لسعيد بن المسيّب أن يجاري هذا الاجتماع دون أن يجد من أحد لومًا أو اتهامًا بالانحراف عن أوامر الشريعة، ولكنه رأى أن هذه المبايعة قد نهى رسول الله ﷺ عنها، فليس له أن يقدم عليها، وإن أجمع عليها أهل الأرض قاطبة. وكان لسعيد رخصة في أن يقرأعليه كتاب عبد الملك فيسكت، ولكنه خشي أن يفهم الناس أنه موافق على هذه البيعة، فيكون سكوته كالإفتاء بصحتها، وإفتاء العالم بغير ما يراه حكم الله في الواقعة، من باب قوله على الله غير الحق، وهو يعلم أنه غير الحق، وذلك ما لا يصح أن يصدر من مؤمن، فضلاً عن عالم عرف بتقوى الله تعالى، واتخذه الناس قدوة مثل سعيد بن المسيّب.

стр. 2392

وكان لسعيد رخصة في أن يمكث في منزله أياماً حتى يصرف عنه عذاب القتل، ولكنه رأى أن الحياة أحقر من أن يترك المسلم من أجلها صلاة أو صلوات في مسجد رسول الله ﷺ مع الجماعة. وكان لسعيد رخصة في أن يترك محله في المسجد، ويجلس في مكان آخر من المسجد، فيتجنب بذلك عقوبة القتل دون أن يخطر على بال أحد أن سعيداً غير رأيه في المبايعة، أو تردد في حكمها، ولكن سعيدًا يزدري الحياة، ولا يهاب الموت، فلا يرى تهديده بالقتل بالأمر الذي يمنعه من أن يكون صريحاً في الحق، وأن يذهب في هذه الصراحة إلى أقصى غاية، فلا يرضى لنفسه أن يترك شيئاً اعتاده، ولا داعي لهذا الترك، سوى اتقاء أذى تجرّه إليه تلك الصراحة. ثم إن سعيد ﵁ لو قبل إحدى الخصال التي عرضها عليه الفقهاء الثلاثة، لفتح باباً لمن يريد أن ينعته بالجبن والفزع من الموت، وذلك ما لا يصح أن يكون نعت عالم درس الشريعة الغرّاء بحق، وعرف ما تقصد إليه من إقامة صروح العزّة والسيادة. ومأخذ العبرة في هذه القصة: أن سعيد بن المسيّب قد ضرب مثلاً أعلى لشجاعة العلماء وثباتهم على ما يرونه شريعة، واحتمالهم في سبيل ذلك كل ما يتوقع من أذى، ولو بلغ ضرب الأعناق بالسيوف.

стр. 2393

شجاعة العلماء وإنصاف الأمراء (١) كان يحيى بن أكثم، ومحمد بن المنصور، وأبو العيناء، مرافقين للخليفة المأمون في رحلة من بغداد إلى الشام. - المأمون لبعض أعوانه: نادوا بتحليل نكاح المتعة. - الأعوان ينادون بأمر الخليفة: نكاح المتعة حلال. - يحيى بن أكثم: يا محمد بن المنصور، ويا أبا العيناء! بكّرا غداً إلى المأمون، فإن رأيتما للقول وجهاً، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل. محمد بن المنصور وأبو العيناء يدخلان على المأمون، المأمون يقول وهو مغتاظ: المتعة كانت على عهد رسول الله ﷺ ، وعلى عهد أبي بكر، ومن أنت حتى تنهى عما فعله رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁؟! - أبو العيناء ومحمد بن المنصور يقولان بينهما: رجل يقول في عمر ابن الخطاب ما يقول، نكلمه نحن؟! وأمسكا عن الكلام. . يحيى بن أكثم يدخل المجلس وعلى وجهه أثر غم وكآبة. - المأمون: ما لي أراك متغيراً؟

стр. 2394

- يحيى بن أكثمَّ: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإِسلام. - المأمون: وما حدث في الإِسلام؟ - يحيى بن أكثم: النداء بتحليل الزنا. - المأمون: الزنا؟ - يحيى بن أكثم: نعم: المتعة زنا. - المأمون: ومن أين قلت هذا؟! - يحيى بن أكثم: قلت هذا من كتاب الله، وحديث رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٦]. يا أمير المؤمنين: زوجة المتعة ملك اليمين؟ - المأمون: لا. - يحيى بن أكثم: أهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث، وتلحق الولد، ولها شرائطها؟ - المأمون: لا. - يحيى بن أكثم: فقد صار الناكح نكاح المتعة متجاوزاً ملك اليمين والزوجية اللذين أحلتهما الآية، فهو من العادين. وهذا الزهري- يا أمير المؤمنين- روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أذن فيها. - المأمون يلتفت إلى محمد بن المنصور وأبي العيناء، ويقول: أمحفوظ

стр. 2395

هذا من حديث الزهري؟ - محمد بن منصور وأبو العيناء: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة، منهم مالك بن أنس ﵁. - المأمون: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة. في هذه القصة مواضع صالحة لأن تؤخذ منها عبر قيمة: يؤخذ منها: أن شأن أمراء الإِسلام أن لا يقدموا على أمر من أمور الدين إلا أن يستندوا فيه إلى دليل، فالمأمون لم يأمر بالنداء بتحليل المتعة إلا بعد أن بلغه أنها كانت تُفعل في عهد رسول الله ﷺ ، وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁. ويؤخذ منها: أن العالم إذا رأى أنه أقدر على النهي عن المنكر من غيره، وجب عليه النهي عن المنكر بنفسه، فقد علم يحيى بن أكثم أن ليس لصاحبيه: محمد بن المنصور، وأبي العيناء من عظم المنزلة لدى المأمون ما يسهل عليهما الإنكار عليه في كل حال، فقال لهما: إن رأيتما للقول وجهًا، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل. ويؤخذ منها: أن العالم إذا خشي أن يناله من ذي السلطان مكروه حينما ينهاه عن منكر، فله أن يترك نهيه إلى من هو أقوى منه، وأبعد من أن يسومه ذو السلطان بأذى، فالشيخان محمد بن المنصور وأبو العيناء لما سمعا المأمون يقول في عمر بن الخطاب ما قال، خشيا أن ينالهما منه مكروه، وسكتا, اعتماداً على أن المأمون سيخاطبه من هو أرفع منهما لديه منزلة، وأدرى بأساليب الدعوة وإقامة الحجة. ومن مواضع العبرة: تغير وجه يحيى بن أكثم عند دخوله على المأمون،

стр. 2396

حتى أدرك المأمون ذلك، وقال له: ما لي أراك متغيّراً؟ وشأن العالم المصلح أن يكون صدره عامراً بالغيرة على الحق متى يظهر أثر استيائه من الباطل في وجهه قبل أن يظهر على لسانه. وانظروا كيف افتتح يحيى بن أكثم الكلام مع المأمون بعبارة فيها تهويل وإخراج لنكاح المتعة في صورة أقبح الفواحش، إذ جعل النداء به نداء بتحليل الزنا، والعلماء المتملقون يبتغون رضا الأمراء أكثر من رضا الله، ولا يبالون أن يفتوهم بغير ما حكم الله، ويعرضون عليهم المحرمات في صورة المباحات. وانظروا إلى المأمون إذ لم يقبل دعوى يحيى بن أكثم أن نكاح المتعة زنا، حتى طالبه بإقامة الدليل، والشأن فيمن يستطيع فهم الأدلة أن لا يقبل فتوى من عالم إلا أن تكون مقرونة بدليل. وانظروا إلى المأمون كيف انقاد إلى الحق عندما قامت عليه الحجة، وذلك شأن من يخطئ في الدين عن سلامة نية، لا عن هوى واستخفاف بأمر الشرع الحكيم.

стр. 2397

محاربوا الأديان ونموذج من سلاحهم (١) الحكم المنعقد على كون الشيء حقاً أو مصلحة أو حسناً، قد تستمده النفس من الدلائل الخارجية؛ كالمشاهدة، والتجربة، والتواتر، والقياسات النظرية. وأحيانا يكون أثر من آثار النشاة في بيئة، والتقلب في أطوار، وربما كان صادراً عن الذوق الذي يتربى من العيش في بيئة خاصة، والتنقل في أطوار معينة. وللأهواء تأثير في الآراء المتولدة عن العادة والذوق أكثر من تأثيرها في الآراء القائمة على سند الحجة ومكانة الدليل، فالرأي الناشئ عن القعود أو الذوق، لا يلبث أن يتغير ويتلاشى متى تكونت في الرجل حالة نفسية تستدعي رأيًا أوسع مجالًا لدواعي الشهوة، وأجمع لفنون اللذة من الرأي الناتج عن سيرته الأولى. نتخلص من هذا إلى أن من الناشئين في بلاد الشرق من ينبت نباتاً حسناً، ويتلقى آداب الدين وعقائده على بينة وروية، ومثل هذا الفريق لا يتزحزح عن عقيدته، ولا يتحول عن مبادئ تربيته، وإن تغلغل في أحشاء بلاد أجنبية، وانغمس في عادات أقوامها أمداً طويلاً.

стр. 2398

ومنهم من يتلبس بتلك العقائد والآداب، تبعًا للبيئة، وجريًا على عادة البيت الذي شبّ فيه، والجماعة التي اتفق له لقاؤها، وارتبط بمعاشرتها، وهذا الفريق متى انتقل إلى بيئة غير شرقية، واندمج في أقوام يخالفون الشرقيين في عاداتهم وتقاليدهم، لا يلبث أن تأخذ نفسه حالة غير حالتها الأولى، فينفر ذوقه الجديد أن يشاهد رجلاً يؤدي فريضة الصلاة، أو يتناول الطعام بيده اليمنى، ويجمل في نظره أن تبرز الفتاة إلى المحافل العامة حاسرة عن صدرها، بعد أن كان يراه حسبما تقتضيه تربيته الأولى عملاً غير لائق. قد يفتتن هذا الفريق بمحاكاة الأجانب، ويطوي ضميره على أن ينقل جميع تقاليدهم ومظاهر عاداتهم إلى أمتنا، ويسعى في السر والعلانية إلى أن يغير مزاجها النفسي والاجتماعي، ويقلبه إلى مزاج الأمة التي نشأت فيها نفسه نشأة أخرى، واكتسبت فيها صبغة لا شرقية ولا غربية، كأنه لا يشعر بأن تجرد الأمة من مميزاتها، وتطوُّحَها في تقليد غيرها إلى هذه الغاية، علة من علل موتها، ومرونتها تحت مؤثرات من تقلده، ولا سيما حيث تكون له السلطة الغالبة على أمرها، والرأي الذي لا يستقيم مع إرادتها. لسنا ممن يزدري مدنية أوربا وعلومها النافعة ومخترعاتها البديعة، وإنما نطالب الفريق الذي يحط رحله في تلك البلاد أن يكون من رصانة العقل وحكمة الرأي بحيث يميز الطيب من الخبيث، ويفرق بين ماله مدخل في رقي الأمم وسعادتها، وبين ما ينشأ عن مجرد الذوق، وطبيعة البيئة الخاصة. نقضي العجب من القوم الذين يفتنهم كل شأن من شؤون البلاد الغربية، ولكن ماذا تقولون في أفراد بعثوا إلى تلك البلاد ليشهدوا معارف ونظامًا، فقضوا الأجل فيما قضوا، ثم انقلبوا إلينا وقد تأهبنا لنقتبس منهم علماً، أو

стр. 2399

نلاقي أدباً، أو غوصاً في أغوار السياسة، فما راعنا إلا أن قالوا: أفرغوا قلوبكم من التوحيد الخالص، واجعلوا مكانه إلحاداً، وانزلوا في أحوالكم الشخصية على حكم القانون الإفرنجي؛ فإنه أقرب عهداً من كتاب ربكم وأحكم وضعاً. ولولا أنهم يدعوننا إلى الإلحاد، لقالوا: أقيموا الصلاة في مساجدكم مثلما رأيناها تقام في المعابد بأوربا؛ فإنها أبدع طرزاً، وأشد انطباقاً على المدنية الحديثة. ولقد جُسنا خلال أوربا كما جاسوا، فرأينا: صفواً وكدراً، ونظاماً وخللاً، وأدباً وسفهاً، وتدينا وإلحاداً. فما بال هؤلاء الأفراد يكتمون الحقائق، ويقولون: كل ما في البلاد الأجنبية نظام ومدنية راقية. وسيقولون - بل قالوا -: لا نظام ولا مدنية إلا مع الإلحاد! نشرت "صحيفة الأمة الغراء" مقالا ذكرت في نسقه نبذة من مزايا الدين الإِسلامي وتعاليمه المحكمة، ووصلتها ببيان تأثيرها في سعادة الحياة، وإحراز الأمد الأقصى في معارج السيادة. فكانت تلك الجمل كالغصة في لهاة أحد المتملصين من جلال هذا الدين كما يقولون، فأوردها في "جريدة الاستقلال"، وقال ملاحظاً عليها ومعلقاً: "مهما يكن من أمر الأديان وما فيها من تربية وآداب وأخلاق، وتمسك أهلها بها، فإنها لم تكن يوماً مانعة من أن يحكم غيرهم من المستعمرين، سواء كانوا من أهل الأديان السماوية، أو سواها، بل لو أننا أخذنا بنظرية الكاتب (يعني: صاحب جريدة الأمة)، لما وجدنا مبرراً لتغلب الحكومات الإِسلامية بعضها على بعض. وكلها ذات دين واحد، وعقيدة واحدة، بل ربما كان الفاتح المستعمر أبعد عن الدين ممن يقع فريسة بين يديه".

стр. 2400

هذا نموذج من السلاح الذي أعدوه لمحاربة الدين، نعرضه على أنظار الأمة الرشيدة حتى تعلم حق اليقين: أن هذه الطائفة إنما تنطق عن أذواق خاصة، وآراء ملفقة، ولو كانت حملتهم على الأديان قائمة على تدبر ومحاكمة فكر، لتعلموا فن المنطق قبل أن يعلنوا الحرب على مبادئ يقدسها الآلاف من ذوي البصائر النقية، والأفكار الحرة، والأقلام المتمرنة على مكافحة عصبة الغواية. أنكر الملاحظ أن يكون الدين منشأ لقوة الأمة، وقيامها على أمرها، وأقام في الرد على "جريدة الأمة" دليلاً أفرغه في شكل فات علماء المنطق قديمًا وحديثًا، فيحق له أن يفاخر بأنه اخترع شكلًا خامساً كان من الواجب إضافته إلى الأشكال الأربعة المدونة في فن المنطق، إذ لا فرق بينه وبينها سوى أن تلك الأشكال المعروفة منتجة، وهذا الشكل المخترع عقيم. أنكر الملاحظ أن يكون لتربية الدين وتعاليمه أثر في القوة، وضرب بفكره يمينًا وشمالًا باحثاً عما يساعده على ترويج هذه النظرية البالية، فلم يعثر لسوء الحظ إلا فيما قصصناه عليكم من قوله: "أنها لم تمنع أهلها من أن يحكمهم غيرهم من المستعمرين"، ومن الواضح الغني عن البيان: أن الملاحظ لم يفهم مقال صاحب "جريدة الأمة" على صراحته، فالذي يقول: "إن تربية الدين وآدابه تمنع أهلها من أن يتحكم فيهم غيرهم" لا يريد: أن تقرير الدين لها، وحثه على التمسك بها، يكفي في قوة المنتمين إليه، وسلامتهم من أن يقعوا في قبضة دولة أجنبية، وإنما يريد: أن اعتصامهم بعهد الشريعة، وسيرهم في الحياة على ما يطابق إرشاداتها، يجعلهم في أمن ومنعة من أن يصابوا بسيطرة المستعمرين، فالشعوب التي وقع زمامها

стр. 2401

في أيدي المستعمرين، لم تكن عاملة بما أرشد إليه الدين من استقامة الأخلاق والنظر في علوم الاجتماع، والقيام على فنون الحرب، والابتعاد عما يوقظ الفتن النائمة، وما شاكل ذلك. يعز علينا أن نلفت أقلامنا إلى تزييف أمثال هذه الخواطر المنادية على نفسها بأنها هزل يتعرض لمصارعة جد، وباطل يحاول أن يظهر على حق، ولكن ماذا نصنع وهي تتساقط علينا من أدمغة رهط شربوا في حانة السياسة الموسومة بهم كأسًا دهاقاً، وخرجوا للأمة في ثوب الحريص على رشدها، القائم على تثقيف أفكارها، وفي الناس من ينخدع بالمظاهر، ويجر رداءه وراء كل ناعق؟! ولا أحسب العامل لمحو أثر الدين من النفوس مدركاً بغيته، إلا إذا تسنى له وسمحت له ديمقراطيته أن يلتقط جميع نسخ القرآن المبثوثة في الشرق والغرب، ثم يصدر من إنذاراته البليغة ما يحجم بالمطابع، ويغل أيدي الكاتبين عن اصطناع نسخ أخرى. أما إذا تحقق أن هذا الكتاب سيستمر قريب التناول من أيدي البشر، فيتلونه صباحاً ومساء، ويتلقون منه العقائد الخاصة، والبراهين الدامغة لأباطيل الملحدين، فلا مطمع له في فوز الإلحاد على الإِسلام، وجدير به أن يريح قلمه، ويأخذ في شرطي تسخيره أن لا يهاجم به المبادئ القائمة على دعائم ثابتة، وحجج ساطعة.

стр. 2402

العلماء وحياتهم الاجتماعية (١) كان للذين أوتوا العلم فيما سلف سلطة نافذة في القلوب، وجلالة تملأ الصدور، حتى أصبحت مكانتهم أعزّ منزلة تطمح إليها النفوس، وأشرف غاية تتسابق إليها الهمم، ولم يرتقوا إلى تلك المكانة الشامخة بمعرفة اصطلاحات العلوم، وفهم ما تنطوي عليه صحف من تقدمهم فقط، فإن هذا المقدار وحده لا يغني في إحراز مظهر تحفل به العقول الراجحة، وتتضاءل أمامه النفوس المتعاظمة. وإنما أدركوا ذلك المقام الذي يكتنفه الاحترام من كل جانب؛ لأنهم كانوا يؤدون وظيفتهم بحق، ويتحرون بهديهم وتعليمهم الخطة المرسومة على حكمة. وما أحكموا القيام بوظيفتهم، وغنموا- بعد رضا الله تعالى- لسانَ صدق يلهج بتمجيدهم، إلا لأنهم يتحلون بأربع مزايا: أولاها: استقلال الفكر؛ فإن من يغوص في فهم حقائق الشريعة ببصيرة نقية، ونظر قائم بنفسه، لا يعجزه أن يبينها للناس في أسلوب ينهض بحجتها، ويكشف عن وجه حكمتها. وهذا مما يحفظ رونقها، ويرفع شأن القائمين على حمايتها، أما الذي يتلقى تعاليمها بمجرد المتابعة، فلا يأمن أن يبتلى ببارع في فن الجدل يكافحه بتخيلات وشُبه تزلّ به في حيرة، وتهبط به في هاوية خيبة وصَغار.

стр. 2403

من ملك فكراً يفرق بين قشور العلم ولبابه، ولا يتناول القضايا النظرية إلا من دلائلها الناصعة، هو الذي يشهد أن لا لذة إلا في الحكمة، ولا شرف إلا مع العلم، فيعز عليه أن يمر به وقت لا يبحث فيه عن حقيقة، أو أن يخوض في موضوع دون أن تجود قريحته بما لم يسبقه إليه أستاذ، ولولا أن الأستاذ أبا إبراهيم المشاور على يقين من أن وظيفة التدريس منصب ليس وراءه مرتقى، لما قال لرسول الخليفة الناصر - حين جاء يدعوه وهو في مجلس حافل من الطلبة -: ارجع إلى أمير المؤمنين، وعرفه أنك وجدتني مع طلاب العلم، وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم مجلسهم المعهود لهم. وحيث كان الخليفة ممن يقدر العلماء المستقيمين حقَّ قدرهم، أعاد إليه الرسول في الحال قائلاً له في الجواب: "جازاك الله عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين خيراً، وأمتعهم بك". ثانيتها: الاستقامة؛ فإن العلم لم يدخل في قبيل الفضيلة إلا لأنه أساس للعمل الذي هو وسيلة السعادة وعنوان الفلاح، فمن أتيح له أن اجتنى من ثمار العلم ما أحرز به لقب عالم، إلا أنه كان يمشي على عوج، ولا يبالي أن يتلطخ ذيله بريبة أو إثم، كان في عين الأمة الراقية كالقذى، ولا سيما إذا رمى بخطيئته النظام الاجتماعي، والمصلحة المشتركة. لا يفي الناس للراسخ في العلم كيل الاحترام، إلا إذا استقامت سيرته، ووثقوا بصفاء سريرته، ولهذا ترى خصوم العالم العظيم إذا أرادوا القضاء على سمعته، يجنحون إلى الطعن في عدالته، فيرمونه بالماَثم، فإن لم يجدوا لذلك سبيلًا، التجؤوا إلى اتهامه بقلة الإخلاص في أعماله. يحق للأمة متى ألقى العالم زمامه بيد الهوى أن يشعروه بامتعاضهم من سوء مسلكه، ويطرحوا عن أنفسهم إجلاله بقدر ما طرح من رعاية الشريعة ومظاهر التقوى؛ إذ زلة

стр. 2404

العالم ليست عقيمة كزلة غيره، بل لكونه محل القدوة، تتناسل، وتذلل للعامة الطريق إلى إتيان أمثالها، وارتكاب ما هو أشد خطراً، وأكبر وزراً منها. ثالثتها: النظر في شؤون الاجتماع ومجاري السياسة، وبهذا يمكنكم السير في إرشادهم العام على منهج يستدرج الناشئة إلى التجمل بالآداب، والقيام على المصالح. ثم إن كانت الحكومة رشيدة، وطدوا لها في كثير من النظامات القيّمة والمشروعات النافعة أكناف الأمة، وأنذروها عاقبة التهاون بالطاعة، والاستخفاف بواجب السكينة. فإن كانت تغمض عن بعض الحقوق طرفها، ولا يبالي الباطل أن يرفع تحت سلطتها رأسه، دعوها إلى موقف السياسة العادلة، وجادلوها بالتي هي أحكم وأهدى سبيلاً. ومما يشهد به النظر، وتؤيده التجربة: أن سلطة الدين المالكة لقلوبهم تجعلهم أطهر الناس ذمة، وأشدهم رعاية لحقوق الأمة متى عهد إليهم بتدبير قضية، أو إجراء نظام. رابعتها: قوة الإرادة؛ إذ من وظيفة العالم مراقبة سير الأمة، حتى إذا اعترضها خلل، أرشد إلى إصلاحه، أو ضلت عن حق، قادها إلى مكانه، ومن تصدى لتقويم الخاطئين، وردِّ جماح المبطلين، يلاقي بالطبيعة أذى، ويجد في طريقه عقبات لا يقتحمها إلا ذو عزم ثابت، وإقدام لا يتزلزل، وكم من عالم يفوقه أقرانه علماً وألمعية، ولكن ينهض لإحياء سنة، أو إماتة باطل، ويلاقي في جهاده شدائد، فيجتازها بنفس مطمئنة، ولا يلبث أن يرجح وزنه،

стр. 2405

ويبعد في حلبة السباق شأوه، ولو كشف لنا الغطاء عن حياة العلماء الذين أوذوا في سبيل الدعوة إلى الخير، ولم ينحرفوا عن خطتهم فتيلًا، لرأينا كيف ارتفعت منزلتهم، وتجلى وقارهم، حتى في عين من كان يسومهم سوء الأذية، أو يشفي غليل صدره أن يصرعوا في مصارع الاضطهاد. الرجال الذين أحرزوا هذه المزايا، واستحقوا بها لقب العالم المصلح، ليسوا بكثير، فلو قلبت نظرك في السنين الماضية، وصعدت به إلى عهد غير قريب، رأيت المعاهد العلمية إنما تنبت في العصر الواحد الرجل أو الرجلين، وعلة هذا: ما طرأ على أسلوب التعليم من العوج الذي يقف بالأفكار في دائرة ضيقة، ويحرمها من أن تتمتع بنعمة استقلالها، ثم إن كثيراً من الحكومات لا توسع لدعاة الإصلاح صدرها، بل تنظر إليهم - في أغلب الأوقات - نظر المزدري بهم، أو الناقم عليهم، وهذا يفسد على العالم خصلة الشهامة، فينقلب إلى خمول وفرار من معترك الحياة. كيف تكون حياة العلماء، ومبلغ الأمة من السعادة، لو جرى جميع الرؤساء على سياسة الخليفة الناصر, حيث قام القاضي منذر بن سعيد على منبر الجامع بقرطبة، وخطب منكراً عليه -وهو من الشاهدين- الإسرافَ في زخرفة المباني، وانفاق أموال الرعية في غير مصلحتها، وقارعاً سمعه بمثل قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠]، وما كان من الخليفة سوى أن قال لابنه الحكم- حين قال له: اعزله -: أمثل منذر بن سعيد في فضله وعلمه يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟! هذا ما لا يكون.

стр. 2406

فانزواء العلماء عن الدعوة إلى الخير إضاعة للقسم المهم من وظيفتهم، وقضاء على أعظم وسيلة لرقي الحالة الاجتماعية. فما أجدر الرجال الذين شربوا من موارد الحكمة بالكأس الراوية، وحزبت نفوسهم على العناية بحال الاجتماع، أن يخوضوا في أسباب سعادة الأمة، ويبحثوا في السير الذي تظهر في مظهر عزيز.

стр. 2407

العناية بالتعليم الديني (١) حضرة صاحب. . . . جمعية الهداية الإِسلامية تحييكم أجمل التحية، وتقدم إليكم أليق مظاهر الإجلال، وتأمل فيكم أن تتقبلوا هذه المذكرة بقبول حسن، وأن تنبتوها نباتًا حسناً، فتحققوا ما فيها من رغبة، وتعملوا على إنجاز ما تحمل من رجاء، وما رغبتنا إلا رغبة مصر في كثرية سكانها، وما رجاؤنا إلا رجاء الإِسلام في أشرف غاياته وأنبل مقاصده. لقد أصاب المسلمين في أنحاء المعمورة مصاب جلل أبدلهم من قوتهم ضعفاً، ومن عزتهم ذلاً، ومن نشاطهم ورقيهم في كافة مناحي الحياة خمولاً وتدهوراً. مصاب دهى الأفراد والجماعات، واكتسح الرجل والمرأة، وعمَّ الصغير والكبير، وشمل الغني والفقير، ولم يرحم الفتى ولا الفتاة، ولم يسلم منه الجاهل ولا العالم. ولسنا في حاجة إلى التفصيل ولا التدليل؛ فإن نظرة واحدة إلى مصر

стр. 2408

- وهي مركز الثقافة الإِسلامية - تشعركم بفداحة ما نئنّ منه اليوم من انحلال في الأخلاق، وتفكك في الجماعات، وانهدام في الأسر، وانهيار في كل مقومات الأمة، وتقهقر ذريع إلى الوراء، في الوقت الذي تسير فيه قافلة العالم جادة إلى الأمام. ولقد فكرنا وفكّر المصلحون، فألفينا الخطر كله أو جله يرجع إلى نقص التعليم المدرسي، وقصوره عن الوفاء بحاجات النفوس، وتربيتها تربية دينية صحيحة، تسلّحها ضد عاديات الأيام، وتقيها شر الزيغ والإباحة، وتحميها موارد الفسوق والفتنة، وتهيب بها إلى استرداد مجدها الأول، وعزها الراحل. * مزايا التعليم الديني: نعم، إن الدين الإِسلامي يقوّم العقيدة ويصلحها، ومتى استقامت العقيدة وصلحت، أقامت على المرء رقيباً منه عليه في حركاته وسكناته، وفي سره وعلانيته، وجعلت قلبه عرشاً لحكومة ساهرة، حاكمُها قدير عادل، عينه لا تنام، وملكه لا يرام. وهذه العقيدة الصالحة تحفز الهمة إلى النهوض والعمل، وتملا النفس بالشجاعة والأمل، وتطبع الإنسان على الإباء والشمم، وترفع القلب البشري عن الذلة والعبودية لغير من له السلطان وحده، وتنأى بالعقل الإنساني عن الخضوع للخرافات والأوهام، والتحاكم لغير الدليل والبرهان. وهذه العقيدة الصالحة أيضاً تفتح أمام الناس مستقبلاً أوسع من هذا المستقبل الضيق الذي يتطاحنون من حوله، وتجعل ميدان المجد متسعاً للجميع بما ترسم بين يدي صاحبها من حياة أسعد وأبقى وألذ وأمتع من هذه الحياة.

стр. 2409

والدين الإِسلامي يصف لأتباعه من شعائر العبادات ما ينظم علاقتهم بالله تعالى، ويحرك فيهم دائماً إحساس الدين، ويقوي فيهم سلطان تلكم العقيدة التي هي مبعث كل إصلاح إن صلحت، كما أنها مثار كل فساد إن فسدت. والدين الإِسلامي يقرر من ضروب المعاملات ما ينظم صلة الناس بعضهم ببعض، ويضمن راحة غنيهم وفقيرهم، ويجعل الجميع في أمن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، بأفضل ما عرف البشر من القوانين المدنية والتجارية والشخصية والجنائية والاجتماعية. والدين الإِسلامي يشرعّ من مكارم الأخلاق ما يحكم به الروابط الإنسانية، وما يملأ العالم عدلاً وإحساناً وسلاماً ورحمة، وما يفي بحاجات بني الإنسان براً ونهوضاً ورقياً ورفعة. والدين الإِسلامي زاخر بثقافات عالية في الفلسفة والأدب واللغة والقصص والتاريخ والاجتماع والتربية الوطنية وكثير من العلوم القديمة والحديثة. * الإسلام والتجربة: وليست هذه المزايا نظرية فحسب، بل هي عملية يؤيدها الواقع، وتسجلها الأيام، ويشهد بها الزمان؛ فإن الدين الإِسلامي قد جرب غير مرة في البوادي، وفي الحواضر، فنجح نجاحاً باهراً أدهش التاريخ, وبهر المؤرخين، وترك وراءه من جليل الآثار في حقب قليلة من الدهر ما لم يُسمَع بمثله في آية نهضة من النهضات الدينية وغير الدينية، حتى كأنما خلق العالم خلقاً جديداً، أو ولد الوجود ولادة ثانية. فهل بعد هذه الحقائق الواضحة والتجارب الناجحة في دين الإِسلام،

стр. 2410

يليق أن تُحرم ناشئتنا منه، وهو سر كل قوة، ويحال بينهم وبينه، وهو مبعث كل عظمة؟!. * أولادنا وتعليم الدين: ألا إن العين لتدمع، والقلب ليجزع من تلك المآسي المفجعة التي تمثَّل على أبنائنا وبناتنا من غير رحمة في طلعة كل شمس، فتُخفيهم عن أهليهم وذويهم، وتفرق بين الأم وولدها، والأب وابنه، والأخ وأخيه، والمسلم ودينه. وتجعل منهم حطب المبشرين، ووقود المضللين، وزبانية الملحدين، وذبائح الانتحار، وضحايا البغاء، وصرعى الخمور، وفرائس السموم البيضاء والسوداء، وسوس الأموال، ونكد الآباء والأمهات، وهمّ المعلمين والمعلمات، وعار الحال، وخيبة المآل. أليس ذلك كله نتيجة مباشرة لإهمالنا هذه الناحية الحصينة في تكوين الطفل، وإعداد التلميذ، وتثقيف النشء تثقيفا إسلاميًا يكسبه المناعة ضد هذه الجراثيم المتفشية التي تحيط به إحاطة الظلام بالليل؟. ثم ألسنا نحن الذين نتحمل بحق مسؤولية هذا النقص الفاضح في التربية، ونعتبر في نظر العدالة جناة على أولادنا، وبالتالي على أسرنا وأمتنا، وعلى شرفنا الماضي ومركزنا الحالي ومستقبلنا الآتي؟!. ثم أليس هذا التلميذ وهذه التلميذة هما في الغد القريب سيقومان وحدهما بتمثيل أدوار الزوج والزوجة، والأب والأم، والمعلم والمعلمة، والطبيب والطبيبة، والصانع والزارع، والعامل والتاجر، والموظف والمحامي، والقاضي والحاكم، والوزير والأمير، والراعي والرعية؟ وهل ينجح أحد هؤلاء في الحياة، أو تنجح الحياة بأحد هؤلاء إلا إن

стр. 2411

كان له ضمير حي، ولديه وازع قوي؟ وهل يحي الضمير، ويقوي الوازعَ سلطانٌ فوق سلطان الدين، وتربية أعلى من التربية الإِسلامية العملية الصادقة؟ إن كنتم في شك، فاسألوا التاريخ عن الآثار الجليلة التي خلقتها تربية الإِسلام "الصحيحة" حين كانت عملاً لا قولاً، وعامة لا خاصة، ويناء لا طلاء، وإخلاصاً لا نفاقاً، ونرجو ألا تنخدعوا بهذه الأصباغ والمساحيق الموضوعة على وجوه المنتسبين إلى الإِسلام زوراً في هذه الأيام؛ فإن بينها وبين الحقيقة ما بين النور والظلام، والجهل والعلم، والصدق والكذب، وذلك هو مثار الشكوى، ومنشأ البلاء. * عيوب التعليم الديني الحاضر: - من دواعي الأسف والأسى أن التعليم الديني الحاضر في المدارس يكاد يكون اسمًا بلا مسمى، أو جسماً من غير روح؛ إذ هو عبارة عن معلومات هزيلة ضئيلة لا تشبع حاجة التلميذ، ولا تتناول تفنيد الشبهات الطارئة عليه، ولا تفضح أمامه كثيراً من البدع والخرافات المحيطة من حوله، ولذلك فإن تعليم الدين على الوجه الموجود لا يترك أثراً في نفس التلميذ وأخلاقه وأفكاره، ولا في مظاهره وأعماله. - وفوق ذلك، فإن الوزارة سلكت بالتعليم الديني مسلك الألعاب الرياضية، فجعلته مادة إضافية لا يحاسب التلميذ عليها، ولا يمتحن فيها، ولا وزن له في نجاحه أو رسوبه، ولا فرق بينه وبين الألعاب إلا أن الألعاب محبوبة إلى التلميذ بداعٍ من طبيعته وميوله، أما الدرس الديني، فمُبْغَض إليه بدافع من هواه ومجونه.

стр. 2412

- وزاد الطين بلة: أنْ تُقرر هذه المادة الحيوية على صغار التلاميذ دون كبارهم، ففرضت على القسم الابتدائي، وصدر من القسم الثانوي، حتى إذا بلغ التلميذ أشده، واستوى وصار في السنة الثالثة الثانوية وما بعدها من بقية الثانوي وجميع العالي، هنالك لا يذوق لدينه طعماً، ولا يعرف لإسلامه هداية، على حين أنه في هذا الدور من السن والوسط والتفكير أمسُّ حاجة إلى التدرع بتعاليم الإِسلام، فإن دوَر المراهقة - بإجماع آراء المربين - هو أخطر الأدوار على الفتى والفتاة، وأشدها احتياجاً إلى تقوية الوازع الخلقي، وتربية الضمير الأدبي؛ لمكان ثورة الشباب، وطغيان الشهوة، وغلبة الهوى في هذه المرحلة الطاغية في حياة الإنسان. ومما لا ريب فيه: أنه لا قوة تعدل قوة الدين في تقوية الوازع، وإيقاظ الضمير. - ومما هو جدير بالنظر: أن ليمس في مدارسنا رقابة دينية تهيمن على التلاميذ في أعمالهم وأحوالهم، ولا في أفكارهم ومظاهرهم، فليس ثمة عقوبة مفروضة على من ظهر بأفكار كافرة أو ملحدة، ولا على من قصر في صلاة وهو في المدرسة، ولا على من أفطر في رمضان مع الاستطاعة، ولا على من لوحظ عليه أو عليها رذيلة أو سلوك غير شريف. - ومن عجيب أنك ترى ملابس التلاميذ وأزياءهم لا يلاحظ فيها ذوق الإِسلام، ولا تراعى فيها حرمة الدين، ولا تقدر فيها كرامة القومية. فإذا نظرت إلى الطفل وهو في روضة الأطفال، رأيته يلبس القبعة، وإذا نظرت إلى الفتاة، وجدتها حاسرة، وقد تعرى صدرها ونحرها، وربما غطت رأسها خارج المدرسة، فإذا دخلت حجرة الدراسة، كشفت رأسها أمام أستاذها، وإذا تأملت الفتى في بشرة وجهه، وشعر رأسه، وتفصيل ملابسه، وجدت في الكثير من الأحوال خروجاً عن واجب اللياقة، ومقتضيات الرجولة.

стр. 2413

وإننا لا نشك لحظة في أن النظافة من الإيمان, وأن التجمُّل من المروءة، ولكننا نقول مع هذا: إن الشيء إذا خرج عن حده، عاد إلى ضده. - نضيف إلى ما سبق: أن مادة القرآن الكريم قلّت عناية الوزارة بها عن ذي قبل، فأصبحت المدارس لا يتخرج فيها من الحفّاظ مثل من كانوا يتخرجون فيها من قبل، لا كثرة في العدد، ولا جودة في الأداء. ولوحظ التضييق على كثير من المدارس أو المكاتب التي كانت معنية بهذه الناحية من استظهار كتاب الله تعالى وتجويده، واضطر بعض الغيورين من الأمة أن يسدوا هذا النقص، ويدفعوا هذا الخطر بتأليف جمعيات للمحافظة على القرآن الكريم. ونحن نألم من عدم احترام شعور الأمة المسلمة إلى هذا الحد. ونود من وزارة المعارف أن تبذل أقصى ما يستطاع من ترضية الأهالي في تعليم أولادهم، خصوصاً فيما يتصل بقداسة كتابهم، وأساس دينهم. - وإن تعجب، فعجب أن تجد التلميذ المسلم لا يعرف من تاريخ نبيّه بقدر ما يعرف من تاريخ نابليون - مثلاً -. ولا يدرك من سيرة عظماء الإِسلام وأبطاله على نحو ما يدرك من سيرة مشاهير الغرب ورجاله، "وتلك ثالثة الأثافي". ومن رابه شيء في ذلك، فليرجع إلى كتب الوزارة ومنهاجها في التاريخ" ثم ليسامحنا إذا خجل، ووارى وجهه استحياء حين يرى التاريخ الإِسلامي يندب حظه في مدارسنا، ويبكي أهله فينا وفي أولادنا. * الذنب على الماضي والإصلاح على الحاضر: وإننا لنعلم أن هذه التبعات في مجموعها ذنب جناه الماضي على يد

стр. 2414

فئات يعلم الله ماذا كانوا يقصدون من وضع هذه السياسة في التعليم، ونعلم بجانب ذلك أن رجال العهد الحالي قد أخذوا يرأبون باصلاحهم صدع ما أفسدته الأيام الخالية، فحققوا بذلك أمنية عزيزة لشعب عزيز لا يرى شيئاً أعزّ عليه من دينه، ونفذوا بجهادهم هذا أجلّ رغبة سامية لأجلّ مليك إسلامي يكتب له التاريخ كل يوم يداً جديدة في خدمة الإِسلام ونصرته وإنهاضه وحراسته. * الشكر لأنصار الإِسلام: ونحن نشكر لأنصار الإِسلام هذه المواقف المشهورة المشرفة. ومن ورائنا مئات الملايين من المسلمين في أقطار الأرض يقدرون كل من آزر الحنيفية البيضاء في أمنية من أمنياتها، وأنهضها في عثرة من عثراتها، غير ناظرين إلى الأسماء، ولا آبهين إلى الألوان السياسية ولا غير السياسية، ولكن إلى الأعمال وحدها، وإلى الحقائق الواقعة أياً كان مصدرها. وتلك البارقة التي لاحت في سماء هذا العهد، قد أنارت لنا السبيل، وجعلتنا نرغب إليكم في العمل على تهذيب سياسة التعليم، واثقين أنكم بذلك تكفِّرون ذنوب الماضي، وتصلحون الحاضر، وتحسنون إلى المستقبل بتنشئة جيل مسلم صادق، يستطيع أن يواجه الحياة بضمائر حية، وقلوب نقية، ورجولة صحيحة، وهمة فتية. * كيف يكون الإصلاح؟ ونرى من الحكمة أن نترك لوزارة المعارف الشكل الذي تختاره، والثوب الذي تُلبسه لإصلاح تلك الغلطات السابقة، وعقيدتنا أن فيها رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يعرفون من الدين ومن وسائل التربية ما هو جدير

стр. 2415

بإصلاحهم التعليم في هذه الناحية الدينية الخطيرة إذا ما عنوا بذلك، غير أننا نرجو ونلح، ونسأل ونلحف ونوصي، ونؤكد بضرورة تحقيق المطالب الآتية: المطالب: - يجب أن يقرر تعليم الدين كمادة أساسية، شأنه شأن بعض اللغات الأجنبية- على الأقل-. أما تقريره كمادة إضافية، فهو بالهزل أشبه منه بالجد. - ويجب أن يكون تعليم الدين عاماً يشمل كل دور من أدوار التعليم، لا فرق بين إلزامي وأولي، وابتدائي وثانوي، وعال وفني وخصوصي، ولا فرق بين البنين والبنات، ولا بين المدارس الأميرية والأهلية. - ويجب تعديل مناهج التعليم تعديلاً يناسب حال التلاميذ في سنهم وتفكيرهم، وفي نوع دراستهم ومستقبلهم، ويتناول بالبحث جميع الشبهات التي تعرض لهم، ويتعرض للبدع والخرافات، فيقضي عليها أمامهم، ويعنى عناية تامة بتهذيبهم وردعهم عن كل ما يحيط بهم من فتنة، لا سيما وهم في سن المراهقة. - ويجب أن يكون التعليم عملياً يحمل فيه التلاميذ حملًا على التزام الشعائر الدينية مدى وجودهم بالمدرسة، ويبنى في كل مدرسة مصلى إن لم يكن بها، ويعين لها الإمام والمراقب الديني. وتفرض العقوبة الرادعة على كل من أهان الإِسلام بكلمة أو فكرة من الإلحاد أو الكفر أو الزندقة، كما تفرض عقوبة زاجرة على كل من قصر في تأدية الصلاة وهو في المدرسة، أو انتهك حرمة الصيام مع الاستطاعة، أو ثبت عليه أنه يخادن فتاة، أو يسلك سلوكاً شائناً.

стр. 2416

- ويتصل بهذه الرغبة: إلزام الفتيات بتهذيب أزيائهن، ورعاية الذوق الإِسلامي والكرامة القومية في غطاء رؤوسهن، وحشمة ملابسهن، وحياء وجوههن، وشرف سيرهن، ونقاء سيرتهن، ولا يفوتنا أن ننوه بمنع الاختلاط المحرم بين الجنسين، كما لا ننسى المطالبة بالقضاء على كل تعليم يتنافى ومبادئ الإِسلام، وإن أملنا لعظيم في أن يكون حضرات المعلمين والمعلمات في المدارس قدوة حسنة لتلاميذهم في المحافظة على هذه الشعائر الدينية والتقاليد القومية. - ويجب أن يعني بتحفيظ القرآن الكريم أتم عناية، على نحو يستبقي لمصر مجدها في كثرة من يتخرج فيها من حفاظ، وبطريقة واسعة تشبع رغبات الأهلين في تزويد أولادهم باستظهار كتاب الله تعالى. - ويجب أن يعني بدراسة التاريخ الإِسلامي دراسة حية واسعة تطبع في نفس التلميذ طابعًا لا يمحى؛ من الاعتزاز بدينه، والاعتداد بأسلافه، والإجلال لأبطال أمته، والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في التوثب والنهوض، والتشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة. * شبهات المعترضين وردها: ترى الجمعية أن المعترضين على هذا المشروع الجليل لا يتجاوزون في شبهاتهم الاعتراضات التالية: الاعتراض الأول: انقسام عناصر السكان في مصر إلى مسلمين وأقباط، ولكل ديانة هو موليها. أما مدارس الحكومة، فهي مفتوحة للعنصرين على سواء، فيجب أن تكون الدراسة فيها مدنية فقط بعيدة عن كل ما هو دين. والجمعية ترى: أن هذا الاعتراض منقوض من أساسه؛ لأن الدين هو

стр. 2417

حاجة كل نفس، ووزارة المعارف - باعتبارها القائمة على تربية الأمة - يجب أن تسفح التلاميذ بما يحتاجون إليه من وسائل التربية والتهذيب. ولا شك أن الأغلبية الساحقة في البلاد مسلمة، ودين الدولة الرسمي بنص دستورها هو الإِسلام، ودافعي الضرائب الذين ينفقون على الحكومة، ومنها وزارة المعارف، مسلمون في معظمهم، ولا يرضون مطلقاً بأن يحرم أولادهم ثقافة الإِسلام الذي هو عصب السعادة الصحيحة للإنسان في حياته العاجلة والآجلة. أما اختلاف ديانة السكان، فلا يصح أن تهدر في الأغلبية لأجل الأقلية، بل المعقول والمعمول به في كل عصر ومصر مراعاةُ الأغلبية، ومن خالجه شك في هذه الحقيقة، فلينظر إلى المدارس في البلدان الأجنبية، بل فلينظر إلى المدارس الأجنبية في بلادنا الإِسلامية، هنالك يجد الدين المسيحي يدرس دراسة أساسية عملية عامة لكل من في تلك المدارس من تلاميذ مسلمين وغير مسلمين. فأحرٍ ببلاد أكثريتها مسلمة، ومدارسها مسلمة، وأموالها مسلمة أن يكون الدين الإِسلامي فيها مادة أساسية عملية مفروضة على كل من فيها، مسلمين وغير مسلمين. على أن سماحة الإِسلام لا تريد أن تذهب بعيداً كما ذهب أولئك، ولا تلزم غير المسلمين بتعاليم الإِسلام، وإنما تريد ألا يحرم الناشئ المسلم من أول مقوم له، وأعز شيء لديه، وهو معرفة دينه معرفة صحيحة لها قيمتها وأثرها. ولا ترى الجمعية مانعاً من أن تفسح وزارة المعارف لغير المسلمين أن يتعلموا دينهم، والله يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. الاعتراض الثاني: قد نعلم أنهم يقولون: إن جعل هذه المادة أساسية

стр. 2418

فيها امتحان ورسوب، يؤدي إلى خلل في نظام النجاح وترتيب التلاميذ إذا لوحظ اجتماع العنصرين. والجمعية تقول لهم: إن المخرج من ذلك سهل، فيمكن أن تجعل درجات الدين مستقلة لا تضم إلى المجموع في ملاحظة الترتيب. وإنما يكفي أن تراعى في نجاح التلميذ ورسوبه فحسب. وذلك هو المهم. وإذا جعل تعليم غير المسلمين لدينهم مباحاً في المدارس، زال الإشكال، أو كاد. الاعتراض الثالث: يذهب بعض الأفكار إلى أن تعليم الدين في المدارس يُنافي مبدأ التخصص ذلك المبدأ الذي أجمع علماء التربية على احترامه، وضرورة تركيز سياسة التعليم عليه. والجواب: إننا لا نريد تلاميذ المدارس على دراسة الدين دراسة المتخصصين، ولا أن يتوسعوا فيه توسع الأزهريين الفنيين، ولكننا نريدهم على أن يأخذوا من ثقافة الإِسلام بالقدر الذي لا بد منه في هداية كل نفس، وحمايتها من عاديات الإلحاد والزيغ، والفتنة والرذيلة. ما بال هؤلاء القوم يؤمنون بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ عامة، بعلوم مختلفة في مبدئها وغايتها, فمن لغة إنكليزية، إلى لغة أخرى فرنسية، إلى لغات شرقية، ومن حساب، إلى تاريخ، إلى قواعد صحة، إلى طبيعة، إلى تمرينات بدنية وألعاب رباضية، إلى غير ذلك. ثم ما بالهم لا يؤمنون في جانب ذلك بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ بثقافة الإِسلام، التي هي بلا نزل أعلى الثقافات، وأبلغها أثراً في خُلق التلميذ وأفكاره، وعلومه وأعماله، ومظاهره وسائر شؤونه وأحواله؟!.

стр. 2419

الاعتراض الرابع: ربما سمعنا منهم: أن تعاليم الإِسلام تتصل بالسياسة، وتتحكم فيها تحكماً لا يلائم الحال القائمة في مصر، ولا يتفق والصالح الخاص أو العام. ونحن نؤكد: أن الإِسلام إذا اتصل بالسياسة، يحسن إليها ولا يسيء، ويوجهها إلى الغاية المثلى في ضمان السلام للعالم، وبث الطمأنينة في نفوس بني الإنسان، ويضع لها ميزانًا عادلاً يحمي حقوق الأفراد والجماعات. الاعتراض الخامس: ربما قال قائلهم: إن أوروبا هي أسوتنا الحسنة، بل قدوة العالم كله اليوم. والناظر إلى نهضتها يجدها قائمة على نفض يدها من كل دين، وتذرعها في توثبها بقوة العلوم والصناعات فقط. والجمعية ترى في ذلك الزعم انحرافاً عن جادة الصواب، وتجنياً على الحقيقة الواقعة؛ فإن الغربيين في مجموعهم لا يقلون عن الشرقيين في تمسكهم بدينهم الآن. وإذا صح أن بعض دولهم قد حاربت الأديان حيناً من الدهر، فذلك من الخطأ الفاحش في نظر أغلبيتهم، أو لظروف قاهرة أحاطت بها الفتنة، والتهمتها نار الثورة، حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وهدأت العواصف، عادوا إلى حظيرة دينهم أشد مما كانوا، على أن الإِسلام في طبيعة تعاليمه وسماحة مبادئه له طابع خاص يجعله يساير الحوادث في كل زمان ومكان، وبؤيد النهضات كلها ما دامت صالحة؛ لأنه في الواقع هو دين النهضة، إليها دعا، وعليها قام، وبدونها لا يحيا ولا يعيش. الاعتراض السادس: بقي أن طائفة يحتجون على الإِسلام بخمول أهله، وتأخر متبعيه في هذه الأيام. والجمعية تقول لهؤلاء: "شنشنة أعرفها من أخزم"، هذه مغالطة لا يتكلم

стр. 2420

بها، ولا يصغي إليها إلا مفتون طبع على قلبه، أو جهول بحقيقة الإِسلام لم يتذوق طعم مبادئه، وإذا أردتم أن تحكموا على الإِسلام كقانون مقدس، فادرسوا تعاليمه أولاً، ثم زنوها بميزان المنطق والعقل ثانياً، ثم احكموا بعد ذلك عليه بها، واحكموا به على أدعيائه، ولا تحكموا بأدعيائه عليه ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]. أما بعد: فلا نحسب وزارة المعارف تعلل بمثل هذه السفاسف اليوم، خصوصاً بعد أن سلّمت بوجهة النظر في تعليم الدين، وقررته فعلاً. ولكن الذي نطلبه إليها الآن، ونرجو من رجال الإصلاح معاونتنا عليه، هو اعتبار الديانة لمادة أساسية عملية عامة على نحو ما أسلفنا.
следующие страницы →