← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فيفهم من الآية: أن صلة التزوج بشريف إنما تقابل بوجه من التفضيل، إذا صحبها وصف التقوى. ويقول بعض المفسرين: إن الوقف في الآية عند قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ثم يبدا بالشرط، ويكون جوابه ما بعده، وهو قوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فتفيد الآية حينئذ تفضيلهن على النساء بإطلاق، وهو أبلغ في مدحهن. وهذا الوجه غير مستقيم، والذي يخدش فيه: أن الوقف على ما قبل الشرط غير متعين، وأن الآية لم ترد في سياق المدح والثناء، وإنما جاءت في معرض الوعظ والإرشاد. ومن دلائل شرف الإنسان: اتصال نسبه بمن ثبت له ضرب من السيادة؛ فإن النسب الرفيع مظنة أن يحث النسيب على تنقيح سيرته، ويتحرى به قصد السبل في أدبه. ووجه هذا: أن من نبت في بيت فاضل، ونشأ في مهاد طاهر، من شأنه الاقتداء على أثر سلفه، ولا يفوته أن يقتبس من أنوار فضيلتهم، ولهذا يهجم على الإنسان العجب، ويتقوى في الإنكار، متى شاهد من سلالة الفاضل ما لا يقع منه موقع الرضا؛ كما قصه الله تعالى عن قوم مريم ﵍، في قولهم لها حين أنكروا عليها الولد من غير أب: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]. وما ورد في الإسلام من النصوص النازلة به عن مكان الاعتبار، فمسوقة إلى حال نسب لم يفد صاحبه أدباً، ولم يبعث في همته نية صالحة، قال ﷺ : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فَقهوا". جاء في الشريعة ما يصرح بأن النسب لا يغني غناء العمل الصالح في

стр. 2487

الإخلاص من عهدة التكاليف، ولا يرد العقوبة على المظالم في الآخرة، قال ﷺ فيما روى مسلم: "من أبطا به عمله، لم يسرع به نسبه"، ولا متمسك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] على أن الأبناء الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يلحقون بمراتب آبائهم بدون أن يذوقوا عقوبة ما صنعوا؛ فإنه يقول بعد ذلك: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وهل يأخذ النسب الفاضل بقسط من الكرامة، بعد أن يخلص صاحبه من تبعات التكاليف العامة؟ قد يستدل لصحة هذا بآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾؛ فإن أولئك الذرية - في رأي الجمهور - لم يتأهلوا بأعمالهم وحدها أن يرتقوا إلى منازل آبائهم الذين هم أحسن عملاً وأوسع براً، وإنما رفعوا إليها؛ تتميماً لنعمة الآباء، وتوفيراً لأنسهم. لعلك تستشرف إلى تقرير التوافق بين هذه الآية القاضية بأن الكرامة قد تزداد بطريق غير التقوى، وهو النسب، وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] المصرّح بأن التفاضل في الكرامة عند الله إنما يكون على قدر التفاوت في التقوى، فنقول في وجه الجمع بينهما: إن الرجل تارة يتأهل لدرجة من الكرامة بكمالات نفسه، وتارة لا تبلغ به مساعيه إلى ذلك المقام، بحيث لو ينظر إليه منفرداً، لقصرت وجاهته أن يحل بساحته، ولكن يفسح له في الدخول فيه تبعاً لعظيم ينعم باله، ويبسط أنسه أن يراه نازلاً بجواره، فهذا التابع، وإن حشر في زمرة متبوعه، وألحق به في المنزلة، فإن إجلال المتبوع عند رب المنزل كمل، ورضاه عنه في نفسه أوفر. فإذا أريد من الكرامة في الآية الثانية: العناية والمحبة النفسية، لا الإنعامات الظاهرة،

стр. 2488

اطرد أن يكون التفاضل فيها بحسب التفاوت في التقوى، ولا حرج إن كان قسط التابع في النعيم مساوياً لنصيب المتبوع الذي هو أزيدُ منه طاعة، وأحمد سعياً، أو يقال: إن الآية أفهمت مساواة الذرية لآبائهم في المكان، وهذا يستلزم الاتحاد في مقدار النعيم وكيفيته، أما إذا فهم الإلحاق في قوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] على معنى: المزاورة والمواصلة أحياناً، لا المجاورة بالسكنى، فترتفع شبهة التعارض من حيث نشأت. وأما عنايته تعالى بذي النسب الفاضل في هذه الحياة، فمن مظاهر قولى تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، فقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ يلوح إلى أن من أسباب إقامة الجدار لهذين الغلامين رعاية صلاح أبيهما. ولم نظفر فيما ثبت من نصوص الشريعة بما يدل على شمول هذه العناية للنسيب الذي فسق عن أمر ربه، وأطلق عنانه في مسابقة الغاوين؛ كما يتوهم بعضهم في أحوال تتفق للنسيب الفاجر، فيلقبونها بالكرامة، ويزعمون أنها انجرّت له من العناية بأبيه الصالح، أو جده، ويسوقون في استشهادهم على ما يزعمون قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، والحال أن الآية واردة في قصة غلامين موصوفين باليتم، واليتيم إنما يطلق حقيقة على الولد قبل أن يبلغ الحلم، ويكتب في صحيفته القلم، وكأنهم جهلوا أو تناسوا أن المعاصي والضلالات تزل به في مواقع الهون، وتتخبطه في مصارع الغضب، وكيف يلتقي الغضب والكرامة التي هي من مآثر الرضا في موضع؟. ألقى الله تعالى على من انتظم في سمط النسب النبوي عناية خاصة، فطهّرهم عن أخذ الزكاة، وأكد في مودتهم ومعاملتهم بالمبرة والاحترام،

стр. 2489

لمكان صلتهم بأفضل الخليقة ﵊: قال أبو بكر الصديق ﵁، كما في الصحيح: "والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليّ أن أصل من أهلي وقرابتي". ولكن الحقوق الشرعية منوطة بذممهم، ومصروفة إليهم بأجمعها كما صرفت إلى غيرهم على سواء، فيجازون بالمحامد عما فعلوا من خير، ويلاقون بالملامة والنكير عما وقعوا فيه من السوء. ومن الصحيح الذي روي عنه ﷺ : "يا فاطمة! يا صفية! اعملا؛ فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً". وفيما روى الشيخان والأربعة عنه ﵊: "وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". ويعزى إلى بعضهم القول؛ بأن أقارب النبي ﷺ لا يعذبون على المعاصي، فيعتقد في كل مؤمن منهم مات وهو يعمل بالمعصية: أنه لا يلحق به الوعيد في الآخرة، واستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ فإنه علق تطهيرهم وذهاب الرجس عنهم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، وهذا المذهب لا ينتظم مع قاعدة أهل السنّة من أن أمر العصاة موكول إلى المشيئة، ولا أراه إلا مختلفاً على من نسب إليه، ثم إن فهم الآية على ما قرره غير متعين، ولا هو ظاهر، فإن المراد من آل البيت: علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين ﵃ كما عزاه ابن عطية للجمهور، أو المراد: - أزواجه ﵇، وهؤلاء الأربعة، ورجحه ابن عطية من عند نفسه، وعلى فرض أن يحمل آل البيت على الأشراف ما امتدت فروعهم في الإسلام، فإن الإرادة في الآية واردة بمعنى الأمر كما فسرها بذلك أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، وهي تستلزم المحبة والرضا بالمراد، لا وجويه ووقوعه، ويكون سوقها في حقهم خاصة، مع أن الله يحب

стр. 2490

ويرضى ذهاب الرجس عن غيرهم؛ للإيذان بأن حكم الآل حكم غيرهم في استقباح المعاصي منهم، وارادة تطهيرهم من آثامها؛ لئلا يتوهم أن قرابتهم من أكمل الخليقة تقوم مقام الأعمال الصالحة، وتجعلهم بحيث لا تستقبح منهم الفحشاء، ولا تكتب في صحائفهم الأوزار. * مظاهر التشريف: طبع البشر على أنهم إذا عرفوا رجلاً بنعت شرف، أكبروه في قلوبهم، وهابوه في نفوسهم، بمقدار ما يعتقدون فيه من الكمال. ويشاهد أثر ذلك الإجلال في بعض أحوالهم الظاهرة عند مواجهته. تنوعت الهيئات التي يقصد بها إجلال الرجل العظيم بحسب اختلاف عوائد الأمم وأذواقهم إلى أنواع شتى، لا داعي في هذه الورقات إلى استقرائها، وإنما نأتي على المنهج الذي يلائم النفوس الفاضلة، ويسعها أن تسلكه عن رضا وسماحة خاطر. يتجلى لك هذا المنهج، إذا أنست رجلاً سليم الفطرة، حاضر العقل، ولم يحدث له رجاء ولا رهبة من الرجل الأفضل، فإنه لا يصدر عنه من شعائر الاحترام عندما يلاقيه أكثر من أن يبسط يده إلى مصافحته، ويطلق لسانه بتحيته، أو بما يستحق من التمجيد، وإذا تواصلت بينهما المحادثة، سلك في خطابه سبيل الأدب الجميل، وتلقى مطالبه بحسن الطاعة. طالع التاريخ، تر الرجل من آحاد الرعايا يدخل في مجلس عمر بن الخطاب ﵁، فلا يزيده على التحية الإسلامية، فيقنع الخليفة برسم هذه التحية، ويرد عليه بمثلها، أو أحسن منها، وما كان ابن الخطاب يجهل أن الرجل يحترمه بقلبه؛ لأنه لم يلثم راحته، ولم يلبس ثوب العبودية بين يديه، بل كان على خبرة

стр. 2491

بأن هذا الذي اقتصر في تحيته على ما أمر الإسلام، يوقره في صدره، ويحافظ على طاعته في الغيب، كما يسارع إلى امتثال أمره عند الشهادة. يعلم هذا، ولا نحتاج إلى أن نسند علمه إلى نور إيمانه، وصفاء سريرته، ولكنه كان على بصيرة من سيرة نفسه العادلة، وتصرفاته المحكمة، وهي لا تثمر في قلوب الرعية إلا المهابة والتعظيم. يقول بعضهم: إن مثل هذا لائق أيام كانت الرعايا مؤدبة بهدى يطبعها على حسن الطاعة، وسهولة المأخذ، أما حين ينتزع منها ذلك الأدب، وتضل عن معرفة ما هو كمال في نظر الحكم، فلا غنى من حملها على التظاهر بهيئات الإجلال وشواهد الرهبة بأبلغ مظهر، وهذا القول ضرب من الأوهام، فإن الأمر الذي يبذر المهابة، ويلقي الإجلال في قلوب البشر أدباء أو متوحشين، إنما هو العدل في إجراء القوانين، من بعد إعداد القوة الكافية لتنفيذها على من يريد الخروج عن الامتثال. إنما ابتدعت هذه المظاهر المتطوحة إلى مهاوي الذلة في عصور الأمراء الذين كانوا يضعون نير الاضطهاد على الرقاب، وقد اعتادها كثير من الناس، وأنسوا بها في جملة آدابهم، حتى لم يبق لهم عند إتيانها عرق ينبض لسماجتها وقبح هيئاتها، وأصبحوا يحسبون المقتصد فيها من ملأ يتكبرون، أو قوم هم عن أساليب الكياسة غافلون. ترى الوجهاء الذين لم يبلغوا رشدهم في المعرفة، ولم يثقوا من أنفسهم بالعدالة، أعلق همة وأشد حرصاً على أن يحتفظ لهم الناس بهذه المظاهر البالغة، ولهذا لا تجدهم ينظرون إلى سليم الفطرة نيّر القريحة بانعطاف وإعجاب؛ لأنه يجري في معتقدهم أن من كان بتلك الصفة لا تسمح له

стр. 2492

همته بأن يتمضمض عندهم بعبارات التملق والإطراء، وينعت نفسه باسم المملوك ومقبّل الأعتاب. وهذا على خلاف سنّة الوجيه الذي امتلأ معارف، وتمكن من فضيلة العدل، فإنه يكون في غنى بلذة الحكمة والاستقامة عن أن ينتصب الناس لرؤيته قائمين، أو يضعوا شفاههم على ظاهر راحته لاثمين. وأما تنبيه الرجل عن محاسن نفسه، وتحدثه بمزاياه، فإنما سوغه العلماء في مواضع ذكرها السيوطي في تقييده المسمى بـ "نزول الرحمة في التحدث بالنعمة"، قال: ومنها: إذا لم ينصف أو يوزع، أو كان بين قوم لا يعرفون مقامه، ويستدل لذلك بعمل أبي بكر الصديق ﵁؛ فإنه لما ولي الخلافة، خطب فقال: أما بعد: أيها الناس! فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم. فجرى على قاعدة التواضع، ثم بلغه عن بعض الناس كلام، فخطب وقال: ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ ألمست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟. أخرجه الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، ثم قال: ووقائع العلماء في تحدثهم بمثل هذا لا تحصى. ومن هذا: ما حكى القاضي تاج الدين السبكي عن والده الشيخ تقي الدين: أنه طلب من خازن كتب المدرسة الظاهرية أن يعيره من الخزانة كتاباً، فتمنع عليه، فغضب السبكي وقال: مثلي لا يحتاج إلى كتب هذه الخزانة، بل كتب هذه الخزانة محتاجة إلى مثلي يحررها. ومما ينتظم بهذا العدد: ما قصه الله تعالى في قول يوسف ﵇ لمن لا يعرف صفة عدالته وعلمه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]

стр. 2493

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (١٠) «دِرَاسَاتٌ فِي العَربيَّةِ وَتَاريخِهَا» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 2494

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 2495

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة من العلوم التي برع فيها الإمام محمد الخضر حسين، وصال وجال في ميادينها الشاسعة، وحاز فيها قصب السبق بكل أمانة وجهد: علوم اللغة العربية وآدابها، شأنها شأن العلوم الإسلامية التي شهدت له بالسموّ والإبداع. ومن المسلَّم به: أن الذي يتلقى علومه من النبع الرائق الصافي؛ كمثل: الجامع الأعظم- جامع الزيتونة-؛ ويأخذ عن شيوخ أجلاّء اتخذوا من العلم عبادة، وتفرغوا له بالدرس والتدريس، يتخرج من قلعة راسخة بالإيمان والمعرفة، ينطلق في الحياة بزاد لا ينفد، ويعطي عطاءً كمن يغرف من بحر لا ساحل له. ومن أوائل المحاضرات التي تحدثت بها الأندية الأدبية، وتلقفها أهل الفكر في تونس: تلك التي تناول بها: "حياة اللغة العربية". ومن طلائع الكتب: "الخيال في الشعر العربي". وسار الإمام في سبيل الله معلّماً ومصلحاً ومجاهداً يحمل على كتفيه كافة العلوم، مع الحرص على أن يؤدي لكل علم حقّه. كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق (١)، وعضوًا مؤسساً جاداً

стр. 2496

وفعالاً في مجمع فؤاد الأول للغة العربية - مجمع اللغة العربية بالقاهرة (١) -. ومن الرجوع إلى مجلدات المجمع تطالعنا أعماله الهامة، ويبرز لنا نشاطه الفذّ من خلال الجلسات والمؤتمرات التي انتدب إليها. وكتاب: "دراسات في العربية وتاريخها" أول كتاب جمعتُه وطبعته للإمام، وكان الفاتحة لسيل الكتب الأخرى التي جمعتها وأصدرتها بحول من الله تعالى وقوته. فله الحمد والشكر على ما أعطى. ثم قدّمتُ للمكتبة اللغوية العربية كتاب: "دراسات في اللغة" ضمَّ المواضيع التي اطلعت عليها بعد طبع الكتاب الأول. توّج الإمام محمد الخضر حسين دراساته اللغوية بالبحث الفريد الراخ: "القياس في اللغة العربية"، ونال به عضوية هيئة كبار العلماء في القاهرة. ونجد أنه في ميدان المنشورات العلمية الدورية التي أصدرها، أو ترأس تحريرها، بدءاً من مجلة: "السعادة العظمى"، ومجلة: "نور الإسلام"، و"الهداية الإسلامية"، و"لواء الاسلام" وجَّه اهتماماً خاصاً إلى لغة القرآن، وأفرد لها

стр. 2497

أبواباً ثابتة، ودعا للكتابة فيها كبار رجال اللغة والأدب. وهذا يدل على الاهتمام الكبير الذي أولاه لعلوم العربية. إن في كتاب: "دراسات في العربية وتاريخها" صفحات من العطاء العلمي، وثمرات من الفكر المبدع للإمام محمد الخضر حسين. والحمد لله رب العالمين علي الرّضا الحسيني

стр. 2498

القياس في اللغة العربية

стр. 2499

القياس في اللغة العربية (١) يتضمن هذا الموضوع الأبحاث التالية: مقدمة في فضل اللغة العربية ومسايرتها للعلوم والمدنية - اللغة - أصل نشأة اللغة- تأثير الفكر في اللغة - تأثير اللغة في الفكر - هل يمكن اتحاد البشر في لغة؟ - اللغة العربية لا تموت - اللغة في عهد الجاهلية - تأثير الإسلام في اللغة - فضل اللغة العربية - الحاجة إلى مجمع لغوي - تمهيد في: هل تتوقف اللغة على السماع، أو أن واضع اللغة أبقى طريق القياس مفتوحاً؛ لإلحاق الكلم بأشباهها؟ - الحاجة إلى القياس في اللغة - أنول القياس، وما الذي نريد بحثه في هذه المقالات؟ - القياس الاصلي: ما يقاس عليه - القياس على الحديث الشريف - القياس على الشاذ - القياس على ما لا بد من تأويله بخلاف الظاهر - سبب اختلافهم في القياس - القياس في صيغ الكلم واشتقاقها: المصادر - فَعْلة- الإفعال - افتعل - باب المغالبة - اسم الفاعل والصفة المشبهة - اسم المفعول - فعل التعجب وأفعل التفضيل - اسم الآلة - مَفْعَلة - الاشتقاق من أسماء الأعيان- الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق- قياس التمثيل، قياس الشبه، وقياس العلة- أقسام علة القياس-

стр. 2500

أقسام قياس العلة - شرط صحة قياس التمثيل - مباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي - القياس في الاتصال - القياس في الترتيب - القياس في الفصل - القياس في الحذف - القياس في مواقع الإعراب - القياس في العوامل - القياس في شرط العمل - القياس في الأعلام - الكلمات غير القاموسية للأستاذ المغربي، وجواب هذا الاقتراح.

стр. 2501

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين الحمد لله الذي جعل العربية أشرف لسان، وأنزل كتابه المحكم في أساليبها الحسان. والصلاة والسلام على أفصح العرب لهجة، وأبلغهم حجة، وأقوم الدعاة إلى الحق محجَّة، وعلى آله الأمجاد، وصحبه الذين فتحوا البلاد، ونشروا لغة التنزيل في الأغوار والأنجاد، وحببوها إلى الأعجمين حتى استقامت ألسنتهم على النطق بالضاد. أمّا بعد: فكنت أيام دراستي لعلم العربية أمرّ على أحكام تختلف فيها آراء علمائه؛ فيقصرها بعضهم على السماع، ويراها آخرون من مواطن القياس، وقد يحكى الكاتبون المذهبين دون أن يذكروا الأصول التي قام عليها الاختلاف؛ فأرى التمسك بمثل هذه الأقوال من المتابعة التي لا ترتاح إليها النفس؛ ولا سيما حين أذكر أن كثيراً من أصحاب هذه الأقوال قد تلقوا اللغة وعلومها من كتب قد وضعنا أيدينا عليها، أو على أمثالها. فأخذت أوجه نظرى إلى الاصول العالية التي يراعونها في أحكام السماع والقياس؛ حتى ظفرت بقواعد وقفت على جانب منها في صريح كلامهم، وألممت بجانب آخر من طريق النظر في مجادلاتهم، وأساليب استدلالهم. ولما هاجرتُ إلى دمشق، وشرعت سنة ١٣٣٥ في دراسة كتاب: "مغني

стр. 2502

اللبيب" بمحضر طائفة من أذكياء طلاب العلم، كنت أرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس الى تلك الأصول المقرَّرة، أو المستنبطة التي اقترح عليَّ يومئذ أولو الجد منهم جمع هذه الأصول المفرَّقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فشكرت همتهم، واستخدمت القلم في تحرير مطلبهم، فألفت مقالات تشرح حقيقة القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه. ثم عدت منذ عهد قريب إلى تلك المقالات، فرأيت جُمَلا تحتاج إلى تهذيب، وفصولاً تقول: هل من مزيد؟ فجردت القلم لتهذييها، وأضفت إلى تلك الفصول بعض ما يتسع به نطاقها، وتكبر به فائدتها، بل عقدت فصولاً أخرى لمسائل من أمهات علوم العربية يتناولها موضوع القياس والسماع. ولا أدعي أني أخذت بمجامع هذا الموضوع الأسمى، وبلغت في بحثه الأمد الأقصى؛ فإنه واسعُ المجال، مترامي الأطراف، يمتُّ إلى كلِّ باب من أبواب العربية بصلة، ويكاد ذكره يجري عند تحقيق كل مسألة؛ إنما هي أقوال لبعض أئمة العربية انتقيتها، وآراء خطرت على الفكر فتقبلتها، ولثقتي بن باعَك - أيها القارئ - في علوم العربية غير قصير، ونصيبَك من الإلمام بأبوابها ودرس مسائلها غيرُ يسير؛ لم أذهب في بسط القول وضرب الأمثلة مذهب من يُسرف في مقام الاقتصاد، ويَشغل سمعك بما يُشبه الحديث المعاد. والله المستعان على بلوغ المرام، والمستعانُ به من كبوة الفكر وفضول الكلام. محمّد الخضر حسين

стр. 2503

المدخل فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم والمدنية في الكائنات ما يدرَك بإحدى الحواس، فيولد في الذهن صورة شيء آخر غير محسوس بالفعل؛ كالدخان المشاهد على بُعد، يولد في أذهاننا صورة النار، والنار غير ظاهرة لأبصارنا، وكالاحمرار يبدو على الوجه فجأة، فيحضر في أذهاننا معنى الخجل، ولم يكن قبل ظهور هذا الاحمرار حاضراً، وكلفظ الأسد يحضر في أذهاننا صورة الحيوان المفترس، وهذا الحيوان غير حاضر عندما يطرق اللفظُ أسماعنا. ولا شيء يدل آخر بطبيعته حتى يكون مجردُ وجوده كافياً في الدلالة، وإنما توجد الدلالة بعد العلم بما بين الشيئين من رابطة؛ ولولا ملاحظة هذه الرابطة، لما اقترن شيئان في الذهن على أن هذا دالّ، وذاك مدلولٌ له. فالأوضاع البدنية؛ كتقطيب الوجه، تدل على بعض أحوال نفسية؛ كالغضب، وهذه الدلالة لا تتحقق إلا عند من عرف - بطريق التجربة مثلاً - أن تلك الأوضاع البدنية والأحوال النفسية يرتبطان في الوجود؛ وهذا هو الذي يمكنه أن يلاحظ هذا الارتباط، فتقترن تلك الأوضاع البدنية والأحوال النفسية في ذهنه، أولاهما بصفةِ دالة، وأخراهما بصفةِ مدلول عليها. وإذا قالوا: إن الدلالة احمرار الوجه على الخجل طبيعية، فعلى معنى أن احمرار الوجه يرتبط بالخجل بقانون طبعي، أما نفس الدلالة، فإنها

стр. 2504

لا تتحقق إلا بعد أن يكون الناظر قد علم أن احمرار الوجه ينشأ عن الخجل، وهذا العلم إنما يحصل من نحو التجربة أو التلقين. وعلى هذا النحو يجري حال الأمور التي لا يربطها بما تدل عليه قانون طبعي، وإنما هو العرف والاصطلاح، فإذا رأينا علماً على شاطئ البحر، عرفنا أن هناك سفينة. ومن البين أن لا رابطة بين العلم ووجود سفينة بالمرسى غير تلك الرابطة الذهنية الناشئة من اصطلاح الناس على أن يرفعوا على السفن أعلاماً. ومن هذا الوادي: دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن المعنى لا يحضر عند النطق باللفظ، أولا يحضر حضورًا تنشأ عنه فائدة إلا أن يسبقه العلم بأن هذا اللفظ قد وضع ليدل على هذا المعنى؛ وأن المتكلم به ممن يحذو في الكلام حذو هذا الوضع. * اللغة: اللغة - كما قال ابن جني -: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. وهي مزية عرف بها الإنسان، ولم يعرف في البشر أمة ليس لها لسان تعبر به عن حاجاتها، وقد حاول بعض الباحثين أن يثبت من تركيب أدمغة أشخاص عاشوا في القرون الخالية أنهم كانوا محرومين من هذه المزية، فلم يستطع أن يقيم على ما يقوله دليلاً تام المقدمات صحيح الإنتاج؛ كما أن العلم لم يستطع أن يثبت لغير الإنسان من الحيوان لغة تخاطب. وفي "دائرة المعارف الإنكليزية" أن هذه المسألة لا تزال تحت البحث. * أصل نشأة اللغة: تصدى للبحث في أصل نشأة اللغات كثير من الفلاسفة والمتكلمين

стр. 2505

واللغويين، وذهبوا في البحث مذاهب شتى: هذا يقول: مصدرها التوقيف من الله، وذلك يقول: مبدؤها الطبيعة، وآخر يقول: منشؤها الاصطلاح والتواطؤ. والقائلون: إن مبدأ اللغات التوقيف لا ينكرون أن تعدد اللغات ونموها من بعدُ كان بطريق الاصطلاح، وعلى حسب الحاجة، ورجح ابن حزم في كتاب "الإحكام" أن أصلها التوقيف من الله تعالى، ثم قال: ولا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها، بها علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودَها، ثم قال: ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم ﵇ عليها أولاً. وليس في أدلة هذه المذاهب ما يجعل النفس في قرارة من علم لا يخالطه ريب، وقُصارى ما وصل إليه الباحثون اليوم: أن الناظر في اللغة متى توغل في أطوارها إلى أقصى ما يسعه التاريخ، يصل إلى شذوذ في تركيب الكلمات، أو تركيب الكلام، بحيث يعتقد أن هذه اللغة لم تبلغ حالتها الحاضرة إلا بعد أن تقلبت في أطوار مرت عليها أحقاباً، فمن الصعب على الفيلسوف أو اللغوي أو المؤرخ أن يحكم في أصل نشأة هذه اللغات حكماً فاصلًا، وإنما يستفيد من بحثه في اللغات التي بين يديه أنها تكون في أول أطوارها قليلة الكلمات، غير متنوعة الأساليب، ثم تغزر مادتها، وتتعدد أساليبها، على حسب ما يكون للناطقين بها من ثقافة أو حضارة. * تأثير الفكر في اللغة: للفكر أثر في اللغة عظيم، ولولا الفكر، لفقدت اللغة خواصها، ولم يكن لوجودها أية فائدة؛ فإن الفكر هو الذي يربط الألفاظ بمعانيها، فيعمد

стр. 2506

إليها وهي أصوات فارغة؛ فيردها كالأصداف تحمل من درر المعاني ما يبهر العقل، أو كالأغصان تحمل من الثمار ما تشتهيه النفس. والفكر: هو الذي يتوسل به الإنسان إلى توسيع نطاق اللغة وتنظيمها، فيدخل فيها عند الحاجة كلمات جديدة، أو يبتاع فيها أساليب طريفة، ويضع لها قواعد تساعد الناس على تعلمها، وتحفظهم من الخطأ عند النطق بها. ومن شواهد تأثير الفكر على اللغة: أن اللغة لا يرتفع شأنها، وتظهر فصاحة ألفاظها وغزارة مادتها وحسن بيانها؛ إلا أن تلد أرضها رجالاً ذوي عقول نيرة وقرائح جيدة. * تأثير اللغة في الفكر: للفكر تأثير في اللغة كما أسلفنا بيانه، وهذا لا يمنع من أن يكون للغة تأثير في الفكر من بعض الوجوه. وقياس هذا: أن العلم يزيد الأخلاق تهذيباً، وللأخلاق المهذبة - كالصبر على طول البحث، والإنصاف في المحاورة - دخل في توسيع دائرة العلم، أو تحقيق ما يشكل من مباحثه. تؤثِّر اللغة في الفكر من جهة أن المعاني لا تتمايز، ولا تخرج في وضوح، إلا أن يشار إلى كل معنى بلفظ يخصه، فاللغة وسيلة الضاح المعاني الغامضة، وتنسيق المعاني المختلطة، والرجل الذي يريد أن يؤدي المعنى في صورة منتظمة، يفكر في اختيار الألفاظ والأساليب أكثر ممن لا يبالي أن تقع صور المعاني في ذهن مخاطبه مبهمة مختلطة. وتأثير اللغة في وضوح المعنى وتنظيمه في ذهن المخاطب أمر لا شبهة فيه، والذي يمارس التدريس أو التحرير، قد يحس في نفسه معاني مجملة أو مختلطة، فيأخذ في معالجتها بالبسط أو التنسيق، وإنما يستعين على بسطها

стр. 2507

أو تنسيقها بكلام نفسي، وليس هذا الكلام النفسي إلا صور ألفاظ لغوية تتسرب من قوة الحافظة إلى المفكرة، فللغة تأثير على الفكر من قبل أن يعبر عنه بالقلم أو اللسان. واللغة: تصور ما يخطر في الفكر من المعاني، وهي التي تجعل المعاني محفوظة باقية، وكذلك يقول أحد الفلاسفة: "الأفكار التي لا تودع في الألفاظ كالشرارات التي لا تبرق إلا لتموت". ولا تقتصر اللغة على نقل ما يجرى في أقوال الأجيال الماضية من المعانى الحيوية، أو الآراء العلمية أو الأدبية، بل تنقل إلينا طرق تفكيرهم؛ ومن الواضح أن الأقوام يختلفون في طرق التفكيرة وطرز تفكير كل قوم مبثوث في ألفاظهم، ومدلول عليه بأساليب مخاطباتهم. * هل يمكن اتحاد البشر في لغة ؟ يقول الباحثون في اللغات: كانت اللغات في أول الأمر فقيرة مختلفة؛ إذ كان لكل جماعة صغيرة من البشر لسان خاص، وبكثرة اختلاط صنوف البشر، واشتراكهم في المنافع، أخذ بعض اللغات يقترب من بعض، بل أخذ بعضها يندمج في بعض، فقل عددها، واتسع نطاق بعضها. ثم رأى بعض علماء أوروبا مثل (ديكارت): أن تعدد اللغات أدى إلى صعوبة التفاهم بين الأفراد المختلفة الشعوب، وهذا مما يجعل سير المدنية بطيئًا، فارتأوا وضع لغة جديدة لتكون لسان البشر جميعاً، وقد سعى لإنفاذ هذا الرأي الطبيب البولوني: لودفيج زامنهوف ludwing zamenhof، فوضع اللسان المسمى: الاسبرانتو Esperanto. وقد اعتمد في تألفيه على ثمانية وعشرين حرفاً، ووضع له ست عشرة

стр. 2508

قاعدة، ومعظم كلماته من اللغة الرومانية والإنكليزية، وفي العالم جمعيات تدعو لهذا اللسان يقدرونها بنحو: ١٧٧٦ جمعية، وفي ألمانيا وحدها من هذه الجمعيات ٤٤١ جمعية، مركزها الرئيسي في مدنية "لايبسيك"، ولجمعيات العالم كلها مركزان أساسيان، أحدهما في جنيف، والآخر في باريز. وفي أوربا وأمريكا والصين واليابان صحف تصدر بهذه اللغة، وفي "دائرة المعارف الالمانية" أن عدد الذين يتكلمون بها يقرب من مئة وثلاثين ألفاً. وإذا أمكن انتشار لسان من الألسنة حتى يعرفه جميع الأمم، زيادة على ما يعرفون من لغاتهم القومية، فمن الصعب جداً أن ينتشر بين الشعوب- على اختلاف مواطنها- لغة تستولي على ألسنتها، وتطمس على آثار لغتها؛ فإن الألسنة تابعة لأحوال التفكير والإحساس، وهل من سبيل إلى أن تتحد الأمم في تفكيرها وإحساسها؟. * اللغة العربية لا تموت: ليس من الهين أن توضع لغة تتلقاها كل الأمم بالقبول على معنى أن تهجر لغاتها، وتقيم هذه اللغة مكانها، واذا فرضنا أن شعوبًا غير عربية رضيت أن تتخلى عن لغاتها؛ فإن الشعوب الذين ينطقون باللغة العربية أحرصُ الناس على حياة لغتهم، فمن المحال أن يتبدلوا بها لغة أخرى، وإن تضافر على هذه اللغة أمم الأرض جميعاً. تأبى هذه الشعوب هجر اللغة العربية، وتحويل ألسنتها إلى لغة أخرى، تأبى ذلك؛ لأنها لغة القرآن، الذي هو معجزة الرسالة، ومطلع الهدأية، ولأنها تملك من فصاحة الكلم، وحكمة الأساليب، وغزارة المادة ما يجعل خطيبها أو شاعرها أو كاتبها المجلي في حلبة البيان، فلو زهدت هذه الشعوب الإسلامية

стр. 2509

في اللغة العربية، كانت قد فرَّطت في جنب الله، وأضاعت من يدها لساناً بلغ في الإبداع أقصى ما يمكن أن تبلغه لغات بني الإنسان. كتب "جول فرن" قصة خيالية (١) بناها على سياح يخترقون طبقات الكرة الأرضية حتى يصلوا أو يدنوا من وسطها، ولما أرادوا العود إلى ظاهر الأرض، بدا لهم أن يتركوا هنالك أثراً يدل على مبلغ رحلتهم، فنقشوا على الصخر كتابة باللغة العربية، ولما سئل (جول فرن) عن وجه اختياره للغة العربية، قال: إنها: لغة المستقبل، ولا شك أنه يموت غيرها، وتبقى حية حتى يرفع القرآن نفسه. * اللغة في عهد الجاهلية: كانت اللغة في عهد الجاهلية تعبر عن حاجات القوم، وما تجود به قرائحهم، أو يجري في مخيلاتهم من صور المعاني، فما كانوا ليحسوا نقصًا في لغتهم، وإنك لترى المذاهب التي كانوا يطلقون فيها أعنتهم؛ كالفخر والنسيب، فسيحة الأرجاء إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه الناشئ في مثل بيئتهم، الآخذ من المعاني المحسوسة أو المعقولة مثل مأخذهم، ومن نظر في أشعارهم وخطبهم ومحاوراتهم، وجد من جودة تصرفهم في المعاني، وحسن سبكهم للألفاظ ما يدله على أنهم كانوا يرسلون الفكر والخيال، ويصوغون ما شاؤوا من المعاني، فيجدون في ألفاظ لغتهم وأساليبها ثروة تسعدهم على أن يقولوا فيبدعوا. وإليك مثلاً من إبداعهم في الفخر بالبسالة والثبات في حومة الوغى، قال ودّاك بن ثميل المازني يخاطب بني شيبان:

стр. 2510

رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غداً خيلي على سَفوَان تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتدانى عليها الكماة الغر من آل مازنٍ ... ليوث طعان عندكل طعان تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان مقاديم وصَّالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان إذا استنُجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأيّ مكان هذه الأبيات إيذان بالحرب، افتتحها الشاعر بشيء من التهكم، فقال: "رويد بني شيبان بعض وعيدكم"، وإنما كان طلبه الكف عن بعض وعيدهم تهكماً؛ لأن هذا الطلب شأنه أن يصدر ممن يعتقد قدرتهم على تنفيذ كل ما يوعدون به، وبعد أن تظاهر بإكبارهم، والرهبة من وعيدهم على وجه التهكم، فاجأهم بإنذار بليغ هو: لقاؤهم فرسان قومه بالمكان المسمى "سفوان"، فقال: "تلاقوا غداً خيلي على سفوان". ثم وصف هذه الخيل بأنها متدربة على الحروب، غير هيابة من مضائقها، فقال: تلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني وليست الخيل كافلة للنصر إلا أن تكون أعتتها في أكفّ رجال لا يلوون جباههم عن طعان، لذلك أردف هذا البيت بقوله: عليها الكماة الغُرّ من آل مازن ... ليوث طعان عند كل طعان وفي وصفهم بالغر إيماء إلى شاهد من شواهد قوة الجأش، وهو طلاقة الوجه، ووضاءته عند لقاء الأقران، وقال: "عند كل طعان"؛ ليدل على أن

стр. 2511

الشجاعة قد أشربت في نفوسهم، فلا تتأخر عنهم في موطن، ولا تغيب عنهم في حال، وعزز هذا البيت بقوله: تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان ليدل على أن خلق الصبر فيهم وثيق العرا، واسع المدى، وليسوا ممن يزفون إلى الحروب زفيف النعام، حتى إذا طال عليهم أمدها، وكثر ما لا قوه من مكارهها، ضجروا من صحبتها، ومالوا بالسيوف إلى أغمادها. وفي الناس أولو شجاعة، ولكن شجاعتهم لا تتجاوز بهم أن يبسطوا أيديهم على قدر ما تناله سيوفهم أو رماحهم، فقصد الشاعر إلى أن يدل على أن قومه ليسوا من هذا المصنف، فقال: إذا استنجِدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان فأخبر أنهم كالجند، متأهبون للخوض في غمار الحروب، ولا يزيدون على أن يسمعوا نداء من يستنجدهم، فيطيروا إلى ما يناديهم له، غير سائلين عن سبب الحرب، أحق هو أم باطل، ولا عن مكانها أقريب هو أم بعيد. * تأثير الإسلام في اللغة: طلع الإسلام على العرب وفي هدايته من المعاني ما لم يكونوا يعلمون، بل في هدايته ما لم تفِ اللغة يومئذ بالدلالة عليه، فعبر عن هذه المعاني بألفاظ ازدادت بها اللغة نماء. ومن الجلي أن القرآن الكريم والحديث النبوي قد سلكا في البلاغة مذاهب ينقطع دونها كل بليغ، ثم إن فتح الممالك الكبيرة؛ كبلاد الفرس والروم زاد مجال اللغة بسطة بما نقل إليها من المعاني العلمية أو المدنية، ففضْل الإسلام على اللغة العربية يظهر في غزارة مادتها، وبراعة أساليبها،

стр. 2512

واتساع مذاهب بيانها، وكثرة الأغراض التي يتسابق إليها فرسان الخطابة والكتابة. * فضل اللغة العربية: للغة العربية فضل من جهه اعتدال كلماتها؛ فإنا نجد أكثر ألفاظها قد وضع على ثلاثة أحرف، وأقل من الثلاثي ما وضع على أربعة أحرف، وأقل من الرباعي ما وضع على خمسة أحرف، وليس في اللغة كلمة ذات ستة أحرف أصلية، وقد جاءت ألفاظ قليلة جداً على حرف واحد، أو على حرفين. ولها فضل من جهة فصاحة مفرداتها، فليس في كلماتها الجارية في الاستعمال ما يثقل على اللسان، أو ينبو عنه السمع. وللعارف بحسن صياغة الكلام أن يصنع من مفرداتها المأنوسة الوضاءة قطعاً أو خطبًا أو قصائد تسترق الأسماع، وتسحر الألباب، ولعناية العرب بتهذيب الألفاظ زعم قوم أن العرب تعنى بالألفاظ، وتغفل المعاني، وهؤلاء هم الذين رد عليهم ابن جني في باب مستقل من كتاب "الخصائص"، ومما قال في هذا الباب: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسَّنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غرويها وأرهفوها، فلا ترينَّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي عندنا خدْمة منهم للمعاني، وتنويه وتشريف، ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه، وتزكيته". كانت اللغة الفارسية في الشرق هي التي يمكن - بما لها من فصاحة وحسن بيان - أن يوازَن بينها وبين اللغة العربية، وقد شهد بعض الأعاجم الذين عرفوا اللغتين بأن العربية أرقى مكانة، وألطف مسالك، قال ابن جني في "الخصائص": "إنا نسأل علماء العربية ممن أصله أعجمي، وقد تدرب

стр. 2513

قبل استعرابه، عن حال اللغتين، فلا يجمع بينهما، بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك؛ لبعده في نفسه، وتقدم لطف العربية في رأيه وحسه. سألت غير مرة أبا علي عن ذلك، فكان جوابه عنه نحواً مما حكيته". وقد استدلّ بعض علماء الأدب بما كتبه أرسطو في "الشعر" على أن الشعر العربي أرقى من الشعر اليوناني. قال حازم في كتاب "المناهج الأدبية" (١): "ولو وجد أرسطو في شعر اليونان ما يوجد في شعر العرب؛ من كثرة الحكم والأمثال، والاستدلالات، واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظًا ومعنى، وتبحرهم في أصناف المعاني، وحسن تصرفهم في وضعها، ووضع الألفاظ بإزائها، وفي إحكام مبانيها واقتراناتها، وطلب التفاتاتهم وتمنياتهم، واستطراداتهم وحسن مآخذهم ومنازعهم، وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاؤوا؛ لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية". هذه شهادات صادرة ممن يعتقدون أن للغة العربية فضلاً من جهة أنها اللسان الذي نزل به القرآن الكريم. وإليك شهادات ممن لا يؤمنون بالقرآن، وإنما ينظرون إلى اللغة من ناحية حسن البيان. قال المستشرق أرنست رينان في كتابه "تاريخ اللغات السامية": "من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحَّل. تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها،

стр. 2514

ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها. وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت، ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغير يذكر، حتى إنها لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة - لا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعلم شبيهًا لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة". وقد ذكر محاسن العربية رجال يعرفون غيرها من اللغات الراقية، وشهدوا لها بأنها أقرب اللغات انطباقاً على النظم الطبعية. قال المطران يوسف داود الموصلي: "من خواصّ اللغة العربية وفضائها: أنها أقرب سائر لغات الدنيا إلى قواعد المنطق؛ بحيث إن عباراتها سلسلة طبيعية، يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها عما يريده من دون تصنع وتكلف، باتباع ما يدله عليه القانون الطبيعي، وهذه الخاصية إن كانت اللغات السامية تشترك فيها مع العربية في وجه من الوجوه، فقلما نجدها في اللغات المسماة "الهندية الجرمانية"، ولا سيما الإفرنجية منها". لندع الحكم بين اللغة العربية وأي لسان أعجمي لمن يعرف العربية الفصحى، ويعرف ذلك اللسان الأعجمي، فهو الذي قد يصغي إليه الناس متى آنسوا فيه الإنصاف، ويتلقون حكمه بالقبول. والذي أقوله، وأنا على بينة مما أقول: إن أساليب اللغة العربية أقرب إلى النظم الطبعية من اللسان الألماني؛ فإن في اللسان الألماني ضروباً من التصرف يفقد بها الكلام ترتيبه الطبعي، وليس لهذه الضروب في العربية الفصحى من شبيه، وسنلمّ بشيء من أمثلة ذلك في بعض فصول هذا الكتاب.

стр. 2515

* الحاجة إلى مجمع لغوي: قد أريناك أن اللغة العربية بالغة من حسن البيان ما ليس بعده مرتقى، وكانت تجري مع العلوم والحضارة جنبًا لجنب، فلا يقف عالم أو خطيب أو شاعر، إلا وجد في غزارة مادتها داحكام أساليبها، ما يمكنه من إبراز الحقائق أو المتخيلات في برود ضافية محبَّرة. ثم أدركها نقص منذ حين، وأخذت تتباطأ في مسايرة العلوم والمدنية، حتى تقدمها كثير من اللغات النامية، وأصبحت هذه اللغات تجول في كثير من العلوم والفنون، وتعبر عن معان تقف دونها اللغة العربية صامتة. ولم تقع اللغة العربية في هذا التباطؤ لقلة مفرداتها، أو ضيق دائرة تصريفها، أو إبايتها نقل بعض كلماتها عن معانيها الأصلية إلى معان أخرى تناسبها، ولو كان لشيء من هذا دخل في تباطئها؛ لعذرنا أولئك الذين يحاولون صرف الألسنة عنها، ويدْعون إلى أن تأخذ كل جماعة بلغتها المعتلة المشوهة، ولعذرنا أولئك الذين يدعون إلى استعمال الألفاظ الأعجمية، وحشرها في منشآتنا وأشعارنا وخطبنا ومحاوراتنا، وإنما علة ذلك النقص: غفلةُ إلمعهودِ إليهم بالقيام على حياة اللغة، ومسايرتها للعلوم والفنون والمدنية. والوسيلة التي تنهض باللغة، وترفعها إلى مستوى اللغات الراقية، هي الوسيلة التي نهضت بتلك اللغات الحية، وجعلتها تسير مع العلم والحضارة كتفًا لكتف؛ أعني: تأليف مجمع لغوي ينظر فيما تجدد أو يتجدد من المعاني، ويضع لكل معنى لفظًا يناسبه، ولا عجب أن تكون اللغات الأجنبية الراقية قائمة بحاجات العلم والمدنية؛ وأن يكون باللغة العربية خصاصة من هذه الناحية؛ فإن أصحاب تلك اللغات قد سبقونا إلى عقد المجامع اللغوية منذ

стр. 2516

أحقاب، فالمجمع اللغوي في ألمانيا تألف سنة ١٦١٧ م، والمجمع اللغوي في فرنسا تألف سنة ١٧٣٤ م، ولم ننس أن كلمات كثيرة حدثت في اللغة العربية لهذا العصر، وأصبحت تجري على ألسنة أدبائنا، وتخطها أقلام كتابنا، وهي عربية المنبت، خفيفة الوقع على السمع، آخذة حظها من مناسبة الوضع، ولكن العلوم تتدفق تدفق السيل، ومقتضيات المدنية تتجدد تجدد النهار والليل، وكل من المعاني العلمية والمرافق الحيوية يحتاج إلى أسماء تلتئم مع سائر الألفاظ العربية التئام الدرر النقية في أسلاكها، وتلك الكلمات المشار إليها إنما هي من صنع أفراد قد تنساق إليهم من نفسها، فيقع عليها اختيارهم، وتصادف في الناس حاجة، فتتلقفها ألسنتهم، وهذه الطريقة لا تشفي غلة العلم، ولا تملأ للمدنية عينًا، وإنما يشفي غلة العلوم المتكاثرة، ويملأ عين المدنية الزاخرة تأليفُ مجمع لغوي يسير مع العلوم والمدنية، لا يتأخر عنها طرفة عين. ذكر ابن حزم في كتاب "الإِحكام" سنةً من سنن الكون في سقوط اللغة، فقال: "إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل، بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مسكنهم، أو تنقلهم عن ديارهم، واختلاطهم بغيرهم؛ فإنما يقيد لغةَ الأمة وعلومها وأخبارها قوةُ دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم؛ وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوُّهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمونٌ منهم موت الخاطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبُيود علومهم؛ هذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل والضرورة". وقد أصاب ابن حزم في حكمه على الأمة التي تقع تحت سلطان من

стр. 2517

لا ينطق بلسانها؛ من أن لغتها تصير الى انحطاط أو ضياع، وهذه سنة لغات الأمم التي يجدها الأجنبي في جهالة، ويتمكن من أن يبقيها في جهالتها؛ أما الأمة المتيقظة لوسائل سلامتها وعزتها، فإنها تندفع في ابتغاء هذه الوسائل بكل ما تستطيع من حيلة، وتسلك له ما تهتدي إليه من سبيل؛ فلا تألو جهداً في الاحتفاظ بلغتها، والعمل لإعلاء شأنها، على الرغم من كل من يكيد لها، ويبري السهام ليرمي بها مقاتلها. وفي البلاد التي تنطق بالعربية شعور ساطع في نفوس شيوخها وشبابها؛ ومن أثره: هذه الغيرة التي تملأ ما بين جوانحهم، وتهزُّهم أفرادًا وجماعات إلى النظر في إصلاح ما اختل من أمورنا، وإعادة ما تقوض من مجدنا؛ فنحن على ثقة من أن اللغة العربية سترفع رايتها، وتفوق اللغات الراقية بغزارة مادتها، وفضل بلاغتها؛ وما ذلك من همم أبنائها وطموحهم إلى الحياة الماجدة ببعيد.

стр. 2518

تمهيد لا يكون الكلام عريباً فصيحاً إلا إذا سلمت مفرداته، وصحت دلالتها؛ واستقام تألفيها. أما سلامة مفرداته، ففي النطق بحروفها على مقتضى الوضع من غير أن تغير بنقص أو زيادة، أو إبدال أو قلب في هيئة ترتيبها، أو في حال حركتها وسكونها. وأما صحة دلالتها، فباستعمالها على وجه مقبول في لسان العرب. وأما استقامة تألفيها، فبانطباقه على أسلوب نسج عليه العرب في مخاطباتهم، ولا تتحقق هذه المطابقة إلا برعاية أحكام التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والحذف والذِّكر. وهل تتوقف في استعمال الكلم وتأليفها على معرفة وضعها الخاص، ونظمها الوارد؛ بحيث لا نستعملها حتى يثبت لدينا من طريق الرواية كيف نطق بها العرب، أو أنَّ واضع اللغة أبقى طريق القياس مفتوحاً، فيسوغ لنا أن نلحق الكلم بأشباهها في هيئة مبانيها، أو نسق تركيبها، ونسوّي بينهما في الأحكام إذا أعوزنا السماع. هذا موضع تشعبت فيه أنظار الباحثين في العربية؛ فبعد اتفاقهم على العمل بالقياس، وتضافر عباراتهم على أنه من مآخذ اللغةِ؛ يغلو بعضهم

стр. 2519

في التعلق به، ويجري فيه بغير عِنان، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يفقد الكلامُ صبغته العربية. ووقف آخرون عند حد يقرب من موقف الجامد على الرواية في أوضاع الكلم ووجوه تأليفها. والطريق الوسط بين هذين الطرفين، وهو ما يبقي على اللغة شعارها، ويبسط في نطاقها بمقدار ما يتسوَّغه الذوق العربي، وتقتضيه العلوم على اتساع دائرتها، والمدنية على اختلاف أطو اراها، وتجددِ مرافقها. ولا تجد عالماً أو علماء بلد اطَّردوا في هذه الجادة، ولم يحيدوا عنها، فكانت جميع أقوالهم في محل الاعتدال؛ بل ترى القول الحق والقياس الوسط يدور بين مذاهبهم، فيصيبه هذا تارة، ويصبيه مخالفهُ تارة أخرى، وذلك شأن العلوم التي يكتفى في تقرير قوانينها بالدلائل الظنية، إذا لم يتيسر إقامتها على قرارة اليقين. * الحاجة إلى القياس في اللغة: وضعت اللغة ليعبر بها الإنسان عما يبدو له من المآرب، ويتردد في نفسه من المعاني. ومن البين جلياً أن المعاني تبلغ في الكثرة أن تضيق عليها دائرة الحصر، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين، فلم يكن من حكمة الواضع سوى أن وضع لجانب كبير من المعاني ألفاظاً عيَّنها؛ كالسماء، والمطر، والنبات، والعلم، والعقل، وتوسل للدلالة على يقينها بمقاييس قدَّرها. والكلم التي تصاغ على مثال هذه المقاييس معدودة في جملة ما هو عربي فصيح. ولولا هذه المقاييس، لضاقت اللغة على الناطق بها، فيقع في نقيصة

стр. 2520

العي والفهاهة، ويُكثر من الإشارات التي تخرج به عن حسن السمت والرزانة، ويرتكب التشابيه محاولاً بها إفادة أصل المعنى، لا كما يستعملها اليوم حليةً للمنطق، ومظهراً من مظاهر البلاغة. ولو صح أن يضع الواضع لكل معنى لفظاً يختص به، لكان الحرج الذي تقع فيه اللغة أن تضيق المجلدات الضخمة عن تدوينها، ويتعذر على البشر حفظ ما يكفي للمحاورات على اختلاف فنونها، وتباين وجوهها. فالقياس طريق يسهل به القيام على اللغة، ووسيلة تمكِّن الإنسان من النطق بآلاف من الكلم والجمل دون أن تقرع سمعه من قبل، أو يحتاج في الوثوق من صحة عربيتها إلى مطالعة كتب اللغة، أو الدواوين الجامعة لمنثور العرب ومنظومها. وقد يخطر على بالك أن في اللغة العربية ألفاظاً مترادفات بالغات في الكثرة أن يكون للمعنى الواحد عشرات أو مئات من الأسماء (١)، وتودَّ لو صرف الواضع هذه المترادفات إلى جانب من المعاني التي تركها لحكم القياس. وجواب هذا: أن للمترادفات في بلاغة القول، ورصانة تأليف الكلم، وإقامة وزن الشعر، وتمكين القافية؛ فضلاً لا يغني غيرها فيه غَناءها، فهى من مفاخر اللغة، ودلائل سعة بيانها؛ فالمترادفات تسد وجوهًا من الحاجة غير الوجوه التي يسدها القياس، ولا ننسى أن الكثير من هذه المترادفات قد نشأ من تعدد اللغات، أو من ملاحظة اختلاف دقيق في الأحوال والصفات.

стр. 2521

هذا وجه الحاجة إلى القياس في صيغ الكلم واشتقاقها، ولا يخفى عليك - بعد هذا - وجه الحاجة إلى فتح باب القياس في نظُم الكلام، وما يعرض للكلم من نحو التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والإعراب والبناء، والحذف والذِّكر؛ فإن تباين الأغراض، وتشعب العلوم، وتفاوت عقول المخاطبين، واختلاف أذواقهم، مما يستدعي إطلاق العنان للمتكلمين يذهبون في البيان كل مذهب قيِّم، ويتعلقون منه بكل أسلوب مقبول، حتى يظهر فيهم الخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والكاتب المبدع، والمناظر المفحِم، والمحاضر الغوَّاص على الدرر، والعلامة المُجلي للمعاني الغامضة في أجمل الصور. * أنواع القياس وما الذي نريد بحثه في هذه المقالات ؟ تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه: أحدها: حمل العرب أنفسِهم لبعض الكلمات على أخرى، واعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما، كما يقال: أُعرب الفعلُ المضارع؛ قياساً على الاسم؛ لمشابهته له في احتماله لمعان لا يتبين المراد منها إلا بالإعراب. وإلى هذا أشار الزمخشري في بعض مقاماته بقوله: "ضارعِ الأبرار بعمل التوَّاب الأوَّاب، فالفعل لمضارعته الاسمَ فاز بالإعراب". وكما يقال: دخلَتِ الفاء خبر الموصول في نحو قولهم: "من يأتيني، فله درهم"؛ قياساً للموصول على الشرط؛ لمشابهته إياه في إفادة العموم. وكما يقال: نَصبت "لا" النافية للجنس الاسم، ورفعت الخبر؛ قياساً على "إنَّ"؛ لمشابهتها إياها في التوكيد؛ فإن "لا" تأتي لتأكيد النفي، كما

стр. 2522

تأتي "إنَّ" التوكيد الإثبات. والقياس بهذا المعنى واقع من العرب أنفسهم، ويذكره النحوي تنبيهاً على علة الحكم الثابت عنهم بالنقل الصحيح. وليس هذا الضرب من القياس داخلًا في موضوع هذه المقالات. ثانيها: أن تعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدّي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال هذا: اسم الخمر عند من يراه موضوعاً للمعتصَر من العنب خاصة، وما وضع للمعتصر من العنب إلا لوصف هو مخامرته للعقل وستره، فإذا وجد عصير من غير العنب يشارك المعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة للعقل؛ فإن من يقول بصحة هذا القياس يجعل هذا العصير من أفراد الخمر، ويسميه خمراً. تسمية حقيقية لغوية. وإن شئت مثالاً آخر، فانظر في اسم السارق عند من يقول: إنه موضوع لمن يأخذ مال الأحياء خفية، فإنك تجد من ينبش القبور لأخذ ما على الموتى من أكفان، قد شارك من يأخذ أموال الأحياء في وصف أخذ المال خفية، ومقتضى صحة هذا الضرب من القياس أن تجعل اسم السارق متناولاً للنباش على وجه الحقيقة اللغوية، وتكون هذه الحقيقة قد تقررت من طريق القياس، لا من طريق السماع. وهذا الضرب من القياس هو الذي ينظر إليه علماء أصول الفقه عند ما يتعرضون لمسالة "هل تثبت اللغة بالقياس؟ (١) ".

стр. 2523

ثالثها: إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع، وأصل هذا: أن الكلمات الواردة في كلام العرب على حالة خاصة، يستنبط منها علماء العربية قاعدة تخول المتكلم الحق في أن يقيس على تلك الكلمات الواردة، ما ينطق به من أمثالها. رابعها: إعطاء الكلم حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه؛ كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي؛ قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث، وكما أجاز طائفة حذف الضمير المجرور العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجرة قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ، فتقول: قضيتُ الليلة التي ولدتَ في سرور؛ أي: ولدت فيها، جاز لك أن تقول: هذا الكتاب الورقة تساوي درهماً؛ أي: الورقة منه بدرهم. وهذا النوع من القياس، والنوع الذي قبله هما موقع النظر ومجال البحث في هذه المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبير عن الأول بالقياس الأصلي، وعن الثاني بقياس التمثيل.

стр. 2524

* القياس الأصلي: (ما يقاس عليه): يجمع اللسان العربي تحت اسمه لغات شتى، ولكنها تختلف فيما بينها اختلافاً يسيرًا، ووجوه هذا الاختلاف مفصلة في كتب فقه اللغة وآدابها، ولا تكاد تخرج عن اختلاف الكلمات ببعض حروفها، أو حال من أحوالها؛ كالحركة والسكون، أو الإعراب والبناء، أو الفك والإدغام، أو التصحيح والتعليل، أو الإمالة والتفخيم، أو ترتيب الحروف، أو المد والقصر، أو الإتمام والنقص، أو الإعمال والإهمال، أو التذكير والتأنيث. وقد يكون الاختلاف في بعض الألفاظ من حيث وضعها في لغة لمعنى، ووضعها لمعنى آخر في لغة أخرى، ومن هنا كثرت الألفاظ المشتركة، أو من حيث استعمال لفظ في لغة لمعنى، واستعمال لفظ آخر في لغة غيرها لذلك المعنى، ومن هنا اتسع باب الترادف حتى صار للمعنى الواحد مئات من الأسماء، وقد تختلف هذه اللغات في بعض وجوه النظم؛ كتقديم عامل "كم" الخبرية عليها، فإنه يقدم في لغة، ولا يقدم في أخرى. تتفاوت هذه اللغات بالجودة وفصاحة اللهجة، وجميعها مما يصح القياس عليه. قال ابن جني في "الخصائص": "اللغات على اختلافها كلهّا حجة، والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ". وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": "كل ما كان لغة لقبيلة صح القياس عليه". وأفضل ما يحتج به في تقرير أصول اللغة: القرآن الكريم؛ فإنه نزل

стр. 2525

بلسان عربي مبين، ولا يمتري أحد في أنه بالغ في الفصاحة وحسن البيان الذروة التي ليس بعدها مرتقى، فنأخذ بالقياس على ما وردت عليه كلمه وآياته من أحكام لفظية، ولا فرق عندنا بين ما وافق الاستعمال الجاري فيما وصل إلينا من شعر العرب ومنثورهم، وما جاء على وجه انفرد به، ولا نتبع سبيل من يحيدون عن ظاهره، ويذهبون به مذهب التأويل؛ ليوافق آراءهم النحوية. قال الرازي في "تفسيره": "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى. وكثيراً ما نرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته، فلأنْ يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته كان أولى". وقال ابن حزم في كتاب "الفِصَل": "ولا عجب أعجب ممن إِن وجد لامرئ" القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحطيئة، أو الطِّرِمَّاح، أو لأعرابي أسدي أو سُلمي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالقِ اللغات وأهلِها كلامًا، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن موضعه، ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه". فمن الحق أن مكانة القرآن الكريم المتناهية في الفصاحة والبلاغة تقضي بالاحتجاج به في كل حال. ومن النحاة من ينتزع من المقدار الذي يقف عليه من كلام العرب حكماً لفظياً، ويتخذه مذهباً، ثم تعرض له آية على خلاف ذلك الحكم، فيأخذ في صرف الآية عن وجهها.
следующие страницы →