هذا وجه الحاجة إلى القياس في صيغ الكلم واشتقاقها، ولا يخفى عليك - بعد هذا - وجه الحاجة إلى فتح باب القياس في نظُم الكلام، وما يعرض للكلم من نحو التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والإعراب والبناء، والحذف والذِّكر؛ فإن تباين الأغراض، وتشعب العلوم، وتفاوت عقول المخاطبين، واختلاف أذواقهم، مما يستدعي إطلاق العنان للمتكلمين يذهبون في البيان كل مذهب قيِّم، ويتعلقون منه بكل أسلوب مقبول، حتى يظهر فيهم الخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والكاتب المبدع، والمناظر المفحِم، والمحاضر الغوَّاص على الدرر، والعلامة المُجلي للمعاني الغامضة في أجمل الصور.
* أنواع القياس وما الذي نريد بحثه في هذه المقالات ؟
تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه:
أحدها: حمل العرب أنفسِهم لبعض الكلمات على أخرى، واعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما، كما يقال: أُعرب الفعلُ المضارع؛ قياساً على الاسم؛ لمشابهته له في احتماله لمعان لا يتبين المراد منها إلا بالإعراب. وإلى هذا أشار الزمخشري في بعض مقاماته بقوله: "ضارعِ الأبرار بعمل التوَّاب الأوَّاب، فالفعل لمضارعته الاسمَ فاز بالإعراب".
وكما يقال: دخلَتِ الفاء خبر الموصول في نحو قولهم: "من يأتيني، فله درهم"؛ قياساً للموصول على الشرط؛ لمشابهته إياه في إفادة العموم.
وكما يقال: نَصبت "لا" النافية للجنس الاسم، ورفعت الخبر؛ قياساً على "إنَّ"؛ لمشابهتها إياها في التوكيد؛ فإن "لا" تأتي لتأكيد النفي، كما
стр. 2522
تأتي "إنَّ" التوكيد الإثبات.
والقياس بهذا المعنى واقع من العرب أنفسهم، ويذكره النحوي تنبيهاً على علة الحكم الثابت عنهم بالنقل الصحيح. وليس هذا الضرب من القياس داخلًا في موضوع هذه المقالات.
ثانيها: أن تعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدّي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال هذا: اسم الخمر عند من يراه موضوعاً للمعتصَر من العنب خاصة، وما وضع للمعتصر من العنب إلا لوصف هو مخامرته للعقل وستره، فإذا وجد عصير من غير العنب يشارك المعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة للعقل؛ فإن من يقول بصحة هذا القياس يجعل هذا العصير من أفراد الخمر، ويسميه خمراً. تسمية حقيقية لغوية.
وإن شئت مثالاً آخر، فانظر في اسم السارق عند من يقول: إنه موضوع لمن يأخذ مال الأحياء خفية، فإنك تجد من ينبش القبور لأخذ ما على الموتى من أكفان، قد شارك من يأخذ أموال الأحياء في وصف أخذ المال خفية، ومقتضى صحة هذا الضرب من القياس أن تجعل اسم السارق متناولاً للنباش على وجه الحقيقة اللغوية، وتكون هذه الحقيقة قد تقررت من طريق القياس، لا من طريق السماع.
وهذا الضرب من القياس هو الذي ينظر إليه علماء أصول الفقه عند ما يتعرضون لمسالة "هل تثبت اللغة بالقياس؟ (١) ".
стр. 2523
ثالثها: إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع، وأصل هذا: أن الكلمات الواردة في كلام العرب على حالة خاصة، يستنبط منها علماء العربية قاعدة تخول المتكلم الحق في أن يقيس على تلك الكلمات الواردة، ما ينطق به من أمثالها.
رابعها: إعطاء الكلم حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه؛ كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي؛ قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث، وكما أجاز طائفة حذف الضمير المجرور العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجرة قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ، فتقول: قضيتُ الليلة التي ولدتَ في سرور؛ أي: ولدت فيها، جاز لك أن تقول: هذا الكتاب الورقة تساوي درهماً؛ أي: الورقة منه بدرهم.
وهذا النوع من القياس، والنوع الذي قبله هما موقع النظر ومجال البحث في هذه المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبير عن الأول بالقياس الأصلي، وعن الثاني بقياس التمثيل.
стр. 2524
* القياس الأصلي:
(ما يقاس عليه):
يجمع اللسان العربي تحت اسمه لغات شتى، ولكنها تختلف فيما بينها اختلافاً يسيرًا، ووجوه هذا الاختلاف مفصلة في كتب فقه اللغة وآدابها، ولا تكاد تخرج عن اختلاف الكلمات ببعض حروفها، أو حال من أحوالها؛ كالحركة والسكون، أو الإعراب والبناء، أو الفك والإدغام، أو التصحيح والتعليل، أو الإمالة والتفخيم، أو ترتيب الحروف، أو المد والقصر، أو الإتمام والنقص، أو الإعمال والإهمال، أو التذكير والتأنيث.
وقد يكون الاختلاف في بعض الألفاظ من حيث وضعها في لغة لمعنى، ووضعها لمعنى آخر في لغة أخرى، ومن هنا كثرت الألفاظ المشتركة، أو من حيث استعمال لفظ في لغة لمعنى، واستعمال لفظ آخر في لغة غيرها لذلك المعنى، ومن هنا اتسع باب الترادف حتى صار للمعنى الواحد مئات من الأسماء، وقد تختلف هذه اللغات في بعض وجوه النظم؛ كتقديم عامل "كم" الخبرية عليها، فإنه يقدم في لغة، ولا يقدم في أخرى.
تتفاوت هذه اللغات بالجودة وفصاحة اللهجة، وجميعها مما يصح القياس عليه.
قال ابن جني في "الخصائص": "اللغات على اختلافها كلهّا حجة، والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ".
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": "كل ما كان لغة لقبيلة صح القياس عليه".
وأفضل ما يحتج به في تقرير أصول اللغة: القرآن الكريم؛ فإنه نزل
стр. 2525
بلسان عربي مبين، ولا يمتري أحد في أنه بالغ في الفصاحة وحسن البيان الذروة التي ليس بعدها مرتقى، فنأخذ بالقياس على ما وردت عليه كلمه وآياته من أحكام لفظية، ولا فرق عندنا بين ما وافق الاستعمال الجاري فيما وصل إلينا من شعر العرب ومنثورهم، وما جاء على وجه انفرد به، ولا نتبع سبيل من يحيدون عن ظاهره، ويذهبون به مذهب التأويل؛ ليوافق آراءهم النحوية.
قال الرازي في "تفسيره": "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى. وكثيراً ما نرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته، فلأنْ يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته كان أولى".
وقال ابن حزم في كتاب "الفِصَل": "ولا عجب أعجب ممن إِن وجد لامرئ" القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحطيئة، أو الطِّرِمَّاح، أو لأعرابي أسدي أو سُلمي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالقِ اللغات وأهلِها كلامًا، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن موضعه، ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه".
فمن الحق أن مكانة القرآن الكريم المتناهية في الفصاحة والبلاغة تقضي بالاحتجاج به في كل حال. ومن النحاة من ينتزع من المقدار الذي يقف عليه من كلام العرب حكماً لفظياً، ويتخذه مذهباً، ثم تعرض له آية على خلاف ذلك الحكم، فيأخذ في صرف الآية عن وجهها.
стр. 2526
ومن أمثلة هذا: أنهم قرروا أنَّ "أن" المصدرية لا يجوز حذفها، وأن نحو: "تسمعَ بالمعَيدي خيرٌ من أن تراه" يُحفظ، ولا يقاس عليه. وقد جاء على نحو هذا المثَل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]، ومقتضى ارتفاع منزلة القرآن في الفصاحة، وأخذه بأحسن طرق البيان، أن يجري حذف "أن" المصدرية، كما ورد في الآية مجرى ما يصح القياس عليه، وقرر جماعة من النحاة: أنه لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، من نحو: ضربُ عمرًا زيدٍ، وقد ورد على نحو هذا المثال: قوله تعالى في قراءة ابن عامر: (قتل أولادَم شركائِهم)، فأنكر بعضهم القراءة، وذهب بها آخرون مذهب التأويل والتقدير.
والحق أن نتلقى القراءة المتواترة بالقبول، ولا نحمل الآية مالا تطيقه بلاغتها من التعسف في التقدير، بل نبقيها على ظاهرها، ولا نسلم أن الفصل في مثل هذا مخالف للفصاحة؛ ويالأحرى بعد أن أورد له ابن جني في "الخصائص" شواهد متعددة، ولا أخال أحداً يعوّل في مثل هذا على ذوقه، فيقول: إن الذوق ينفر من صورة المعنى الذي يفصل فيه بين المضاف والمضاف إليه بأحد معمولات المضاف؛ فإن مثل هذا لا يرجع فيه إلى ملاءمة الأذواق الخاصة، بل مداره على ما يجري به الاستعمال، ويثبت في الرواية، فما نجده واردًا في الكلام الفصيح نعلم أنه لا يكدر من مشرب الفصاحة العربية، ولا يثلم من سور البلاغة فتيلًا.
ومما يقرِّب لك أن حكم الفصل بين الكلم لا يرجع فيه إلى الذوق الخاص، وأنه عائد إلى ما يسمع من كلام المشهود لهم بالفصاحة في تلك اللغة: أن اللغات تختلف فيه اختلافاً كثيراً، ففي اللسان الألماني - مثلاً -
стр. 2527
يفصلون بين أداة التعريف والمعرف بجمل كثيرة، وربما كان الفعل مركباً من قطعتين، فيضعون القطعة الأولى في صدر الكلام، ويلقون الأخرى في نهايته، فيتفق أن يكون بين القطعتين كلمات فوق العشر، وتراهم يفصلون بين علامة الاستقبال والفعل بجمل متعددة، ولا شبهة أن ارتباط أداة التعريف بالمعرف، أو بعض أجزاء الكلمة ببعض، أو علامة استقبال الفعل بالفعل، لا يقلُّ في شدته عن ارتباط المضاف بالمضاف إليه. ولا ننسى أن للمصدر المضاف صلة بمعموله تشبه صلته بالمضاف إليه.
حاول بعضهم الاعتذار عمن يقولون في الآية تأتي على وجه يخالف مذهبهم النحوي: هذا غير مقيس، أو موقوف على السماع، فقال: إن النحاة لما استقرؤوا كلام العرب، وجدوه على قسمين: قسم اشتهر استعماله، وكثرت نظائره، فجعلوه قياساً مطردًا، وقسم لم يظهر لهم فيه وجه القياس؛ لقلته وكثرة ما يخالفه، فوصفوه بالشذوذ، ووقفوه على السماع، لا لأنه غير فصيح، بل لأنهم علموا أن العرب لم تقصد بذلك القليل أن يقاس عليه.
وإذا سلموا أن ما جاءت عليه الآية مما يخالف مذهبهم عربي فصيح، كان اعتذارهم بأن العرب لم تقصد لأن يقاس عليه، أوهى من بيت العنكبوت. وفي صحة القياس على ما ترد به الآيات الكريمة مخالفاً لما اشتهر في كلام العرب، زيادة في أساليب القول، وفتح طرق يزداد بها بيان اللغة سعة على سعته.
* الحديث الشريف:
جرى جمهور النحاة على عدم الاحتجاج بالحديث الشريف في تقرير الأحكام العربية، وخالفهم العلامة محمد بن مالك، فجرى على الاستشهاد به
стр. 2528
في كثير من الأحكام التي خالف فيها الجمهور، وسبقه إلى مخالفة النحويين في هذا الشأن: أبو محمد بن حزم، فقال عقب الكلام الذي نقلناه عنه في الاحتجاج بالقرآن الكريم: "وإذا وَجد- يعني: الباحث في العربية- لرسول الله ﷺ كلامًا، فعَل به مثل ذلك؛ (أي: صرفَه عن وجهه، وحرَّفه عن موضعه)، وتالله! لقد كان محمد بن عبد الله قبل أن يكرمه الله بالنبوة، وأيام كان بمكة أعلمَ بلغة قومه وأفصح، فكيف بعد أن اختصه الله للنذارة، واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه؟! ".
وكلام ابن حزم هذا لم يصادف المفصِل في رد مذهب الجمهور؛ لأن الجمهور لم يمتنوا من الاستشهاد بالحديث النبوي في تقرير أحكام اللسان لاعتقادهم النقص في فصاحة الرسول ﷺ ، فهذا لا يخطر على بال أحد ألمَّ بشيء من سيرته؛ فضلاً عن علماء عرفوا أنه كان أفصح من نطق بالضاد، وأوتي من جوامع الكلم وعلم ألسنة العرب ما لا يجاريه فيه أحد سبقه أو جاء من بعده، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لكثرة ما وقع في الحديث الشريف من الرواية بالمعنى، وفي الرواة مولَّدون لم ينشؤوا على النطق بالعربية الصحيحة، والدليل على تصرف الرواة في ألفاظ الحديث - بعد احتفاظهم بمعانيها -: وجود أحاديث تختلف ألفاظها اختلافاً كثيراً، فترى الحديث الوارد في وقعة معينة قد اختلفت ألفاظه في الرواية، ومن هذه الألفاظ ما يكون جاريًا على المعروف في كلام العرب، ومنها ما يكون مخالفاً، وتصرف الرواة في الأحاديث هذا التصرف؛ لأنهم كانوا يوجهون همهم إلى ما أودِعَه الحديث من أحكام وآداب، فمتى عرف الراوي أن عبارته أحاطت بالمعنى وأخذته من جوانبه، أطلقها غير ملتزم الألفاظ التي تلقى فيها المعنى أولاً.
стр. 2529
أما وجهة نظر ابن مالك، فهي أن الأصل رواية الحديث الشريف على نحو ما سمع، خصوصاً أن أهل العلم قد شددوا في ضبط ألفاظه، والتحري في نقله، والمجيزون لروايته بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وبهذا الأصل تحصل غلبة الظن بأن الحديث مروي بلفظه، وهذا الظن كاف في تقرير الأحكام النحوية، على أن الخلاف في صحة نقل الحديث بالمعنى إنما يجري في غير ما لم يدوَّن في الكتب، أما ما دوّن في الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير نزل كما نص على ذلك ابن الصلاح، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول حين كان أولئك الرواة الذين يتصرفون في ألفاظ الحديث - على تقرير تصرفهم - ممن يوثق بهم، ويحتج في أحكام الألفاظ بعباراتهم. ومما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف بين الفريقين أربعة أنواع من الأحاديث:
أحدها: ما يروى بقصد الاستدلال على كمال فصاحته، وبلوغه أعلى ما يمكن لبشر أن يبلغه من حكمة البيان؛ فإن المعروف في رواة الحديث بهذا القصد أن يحافظوا على ألفاظ الحديث نفسها، كقوله ﷺ : "حمي الوطيس"؛ أي: اشتد الضراب في الحرب، وقوله: "مات حتف أنفه"؛ أي: مات على فراشه، وقوله: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
ثانيها: ما يروى للاستدلال على أنه ﷺ كان يخاطب كل قوم من العرب بلغتهم؛ ككتابه إلى همدان، وكلامه مع ذي المشعار الهمداني، وطهفة النهديّ، وغيرهما.
ثالثها: ما يروى لبيان أقوال كان يتعبَّد بها، أو أمَر بالتعبد بها؛ كألفاظ
стр. 2530
القنوت، والتحيات، وكثير من الأدعية التي يدعو بها في أوقات خاصة.
رابعها: الأحاديث التي وردت من طرق متعددة، واتحدت ألفاظها، فاتحاد الألفاظ مع تعدد الطرق دليل على أن الرواة لم يتصرفوا في ألفاظها، فإن كان تعدد الطرق يبتدئ بمن رووه عن النبي ﷺ ، فالأمر واضح، فإن انفرد بروايته صحابي، وتعددت طرق روايته عن الصحابي، صح الاستشهاد به أيضاً؛ إذ تصرُّف الصحابي في الحديث - على تقدير تصرفه فيه - لا يمنع من الاستشهاد به؛ لأن ألفاظ الصحابة مما يحتج به في العربية.
ومجمل القول: أن الأحاديث التي تتعدد طرقها، ويتحد لفظها، تصلح للاستشهاد متى كانت تلك الطرق المتعددة متصلة براو يحتج بعبارته في الأحكام اللغوية.
ويعتمد في تقرير أحكام اللفظ على أشعار الجاهلية؛ كامرئ القيس، وزهير، والمخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام؛ كحسان، ولبيد، والإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في صدر الإسلام؛ كالفرزدق، وذي الرمة. وأما المحْدَثون، وهم المولَّدون، وتبتدئ طبقتهم ببشار بن برد، فلا يحتج بشيء من أشعارهم في أحكام اللسان؛ وكان بشار قد هجا الأخفش، فأورد الأخفش في كتبه شيئاً من شعره؛ ليكفَّ عنه (١)، وكذلك سيبويه استشهد بشيء من شعر بشار؛ تقرباً إليه؛ لأنه كان قد هجاه لتركه الاحتجاج بشعره (٢)، واستشهد أبو علي الفارسي في كتاب "الإيضاح" ببيت أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
стр. 2531
ولم يكن ذلك من شأنه؛ لأن عضد الدولة كان يحب هذا البيت، وينشده كثيراً (١).
وذهب بعض علماء العربية إلى صحة الاستشهاد بكلام من يوثق به من المحدثين، وجنح إلى هذا المذهب: الزمخشري؛ فقد استشهد ببيت لأبي تمام في تفسيره، وقال: "وهو- وإن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة- فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقنعون بذلك؛ لوثوقهم بروايته وإتقانه"، ونحا هذا النحو العلامة الرضي، فقد استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من شرحه لـ: "كافية ابن الحاجب"، وجرى على هذا المذهب الشهاب الخفاجي، فقال في "شرح درة الغواص": "أجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه".
وضعف هذا المذهب من ناحية أن الرواية تعتمد على الضبط والعدالة، أما الثقة بصحة الكلام، أو فصاحته، فمدارها على من يتكلم بالعربية بمقتضى النشأة والفطرة، وكيف يحتج بأقوال هؤلاء المولدين، وقد وقعوا في أغلاط كثيرة لا يستطيع أحد تخريجها على وجه مقبول؟! فهذا أبو تمام يقول:
لعذلته في دمنتين تقادما ... ممحوَّتين لزينب وسعاد
والصو اب: "تقادمتا".
وهذا المتنبي يقول:
فإن يك بعض الناس سيفاً لدولةٍ ... ففي الناس بوقات لها وطبول
стр. 2532
والصواب في جمع بُوق: بُوَق، أو أبواق.
ومن هنا يتبين لك أن استناد بعض المتأخرين في تصحيح بعض الكلم إلى استعمال أحد أهل العلم غير سديد، فمن الخطأ أن يُردَّ على صاحب "القاموس" في قوله: "والأنموذُج لحنٌ" بأن الزمخشري سمى كتاباً له بـ: "الأنموذج"، والنووي عبَّرَ به في "المنهاج"، فقال: "أنموذج المتماثل".
وكم من إمام في العربية ينطق، أو يؤلف بعبارة تخالف مذهبه الصريح، أفلم يشترط ابن هشام في كتاب "المغني" لدخول هاء التنبيه على الضمير كون خبره اسم إشارة؟ ولم يحافظ على هذا الشرط، فقال في خطبة الكتاب نفسه: "وها أنا بائح".
ووقع صاحب "القاموس" في هذه الهفوة بعينها، فشرط لاتصال هاء التنبيه بالضمير ما شرطه ابن هشام من الإخبار عنه باسم الإشارة، ولم يأخذ نفسه بهذا الشرط، فقال في خطبة "القاموس": "وها أنا أقول".
ويؤكد لك عدم صحة الاحتجاج بما ينطق به علماء العربية: أن صاحب "القاموس" صرح بأن كلمة: (بعض) لا تدخلها اللام، وهو يعلم - كما نقل بعد هذا الحكم - أن سيبويه والأخفش قد استعملاها في كتابيهما.
فالحقُّ أن لا حجة فيما يلفظ به رواة الشعر، أو علماء العربية، إلا أن تذكره على وجه الاستئناس، وأنت مالئ يدك بما هو حجة، أو منتظر لأن تظفر بالحجة.
ولابن السيد البطليوسي وجهة أخرى في صحة الاحتجاج بشعر أبي الطيب المتنبي، هي: أن البيت الذي سكت عنه علماء اللغة الذين تناولوا شعره، ولم ينكروه عليه؛ يلحق بما يصلح للاستشهاد به من كلام العرب،
стр. 2533
ذلك أنه أورد في الإستشهاد على صحة إضافة "أل" إلى الضمير: قول المتنبي:
والله يُسعد كل يوم جده ... ويزيد من أعدائه في آله
ثم قال: وأبو الطيب - وإن كان ممن لا يحتج به في اللغة -؛ فإن في بيته هذا حجة من جهة أخرى، وذلك أن الناس عُنوا بانتقاد شعره، وكان في عصره جماعة من اللغوفي والنحويين؛ كابن خالوية، وابن جني، وغيرهما، وما رأيت منهم أحداً أنكر عليه إضافة "أل" إلى المضمر؛ وكذلك جميع من تكلم في شعره من الكتاب والشعراء؛ كالواحدي، وابن عباد، والحاتمي، وابن وكيع، ولا أعلم لأحد منهم اعتراضاً على هذا البيت.
وهذا الذي يقوله البطليوسي في شعر المتنبي الذي لم ينكره أولئك العلماء والكتاب لا يرفعه من مرتبة الاستئناس به إلى مرتبة أن يكون حجة عند علماء العربية الذين يجتهدون في تقرير أحكام اللسان.
ويحتج بالبيت الذي لا يعرف قائله متى رواه عربي ينطق بالعربية بمقتضى السليقة، وكان العرب ينشد بعضهم شعره للآخر، فيرويه عنه كما سمعه، أو يتصرف فيه على مقتضى لغته، ولهذا تكثر الروايات في بعض الأبيات، ويكون كل منها صالحاً للاحتجاج، كما يحتج بالشعر الذي يرويه من يوثق به في اللغة، واشتهر بالضبط والإتقان، وان لم يعرف قائله، وقد تلقى علماء العربية شواهد كتاب سيبويه بالقبول، وفيها نحو خمسين شاهداً لم تعرف أسماء قائليها، فإنما يكون الرد وجيهًا، إذا روى الشعر من لم يكن عربيًا فصيحاً، ولم يشتهر بالضبط والإتقان فيما يسوقه من الشعر على أنه عربي فصيح.
стр. 2534
* القياس على الشاذ:
للحكم الذي ورد به السماع النادر أربعة أنواع:
أحدها: أن يرد لفظ معين على وجه لم يرد السماع بخلافه، لا في اللفظ عينه، ولا فيما كان من نوعه، وسيبويه يكتفي بهذا اللفظ الواحد، ويتخذه أصلاً يقيس عليه كل ما كان من نوعه، ومثال هذا شَنَئِيّ في النسبة إلى شنوءة. فقد اكتفى بهذا الشاهد، وجعل وزن فَعِليّ قياساً في كل ما كان على صيغة فعولة، مع أنه لم يقع إليه من شواهده إلا هذه الكلمة المفردة.
وذهب الأخفش بكلمة "شنئي" مذهب الشاذ الذي لا يقوم عليه قياس، وأخذ بالأصل الأول للنسب، وهو إبقاء الكلمة على حالها، فيقال في النسبة إلى نحو فَروقة: فَروقي، ويتأيد السماع الذي عول عليه سيبويه بقياس فَعولة على فعيلة؛ فإن قياس النسبة إلى فعيلة فَعَليّ، نحو: حنَيفة وصَحيفة وبَجيلة، فيقال في النسبة إليها: حَنَفي وصَحَفي وبَجَلي.
ثانيها: أن يرد لفظ معين على وجه يخالف القياس والسماع، وهذا الوجه المخالف للقياس والسماع لا يقام له في نظر الجمهور وزن، ولا يجيزون لأحد النسج على مثاله؛ وقد حاد الأخفش عن هذا السبيل حين سمع قولهم: "هَدَاوَى" في جمع هدية، فجعله مقيسًا في كل ما كان لامه ياء، وهذه الكلمة شاذة عن السماع والقياس؛ إذ المسموع والموافق للقياس في مثل هذا بقاء الياء بحالها، فيقال في جمع هدية وعطية ومزية وبلية وتحية: هدايا وعطايا ومزايا وبلايا وتحايا.
ومن هذا القبيل: أن القياس في اسم المفعول المأخوذ من الفعل الثلاثي المعتل العين بالواو وحذت أحد الواوين، فيقال في اسم المفعول من "رام":
стр. 2535
مَرُوم، وورد في ألفاظ معدودة النطقُ بالواوين كليهما، فقال بعض العرب: ثوب مَصْوُون، ومِسْك مَدْوُوف (١)، وفَرس مَفْوود. ومثل هذه الكلمات الشاذة تحفظ عند الجمهور، ولا يصح لأحد أن يقيس عليها، وخالفهم في هذا المبرِّد، وألحقها بقبيل ما يقاس عليه.
ثالثها: كلمات معدودة تأتي على وجه مخالف للقياس، ويكثر استعمالها على الوجه المخالف، حتى يقل أو يفقد استعمالها على وجه القياس؛ مثل: استحْوَذ واستصْوَب، فقد ورد على خلاف القاعدة القاضية بقلب واوهما ألفاً، كما يقال: استقام، واستعاذ، واستنار، ومثلُ عيَيْد؛ تصغير عيد، ومقتضى القياس: عُويد؛ لأنه مثل عاد يعود، والتصغير كالجمع يرد الأسماء إلى أصولها.
ومن هذا النوع ما يرد على الوجه الموافق للقياس أيضاً؛ نحو: استحوذ، واستصوب، فقد ثبت عن العرب أنهم قالوا: استحاذ، واستصاب، فيجوز لك العمل فيه على الوجهين، بيد أن الوجه الأكثر في السماع هو الأرجح في الاستعمال؛ لأنه مالوف عند المخاطبين أكثر من الوجه الذي قلَّ في السماع، وإن كان أرجح من جهة القياس.
أما الألفاظ التي لم ترد إلا على الوجه المخالف للقياس؛ نحو: عيَيْد، فيقتصر فيها على ما ورد عن العرب، إلا أن يبدو لك أن تتعلق بمذهب من يجيز إجراء الألفاظ على مقتضى القياس زيادة على الوجه الثابت من طريق السماع، وسنحدثك عن هذا في فصل: "القياس في صيغ الكلم واشتقاقها".
стр. 2536
رابعها: أن ترد ألفاظ معينة على ما يوافق القياس، ويخالف السماع، ومثال هذا: أن المعروف في خبر "عسى" كونه مضارعاً مقروناً بأن، أو مجرداً منها، وورد اسماً صريحاً في أمثلة معدودة، فقالوا في المثل: "عسى الغوير أبؤسا"، وقال الشاعر:
"لا تعذلن إني عسيت صائما"
والخلاصة: أن النحاة يختلفون في الوارد على وجه الشذوذ من حيث الاعتداد به في القياس، وفي "شرح الفصيح" لابن خالويه: "كان الأصمعي يقول أفصح اللغات، ويلغي ما سواها. وأبو زيد يجعل الشاذ والفصيح واحداً".
وممن أنكر القياس على الشاذ: ابن السراج، فقال: "ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد، لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى سمعت حرفاً مخالفاً لا شك في خلافه لهذه الأصول، فاعلم أنه شذ، فإن كان سمع ممن ترضى عربيته، فلابد أن يكون قد حاول به مذهباً، أو نحا نحواً من الوجوه، أو استهواه أمر غلطه".
والمعروف في علم النحو: أن الكوفيين يعتدون بما ورد من الكلمات الشاذة، ويعملون بالقياس عليها، والبصريون يمتنعون من القياس على الشاذ، ويذهبون في مثله إلى أن قائله نحا به نحواً خلاف ما يظهر منه، ويردونه إلى الأصل المعروف عندهم على طريق من التأويل، وبعض النحاة كابن مالك لا يكلف نفسه تأويل الشاذ، ولا يذهب فيه مذهب الكوفيين من إباحة القياس عليه، بل يصفه بالشذوذ، أو يجعله من قبيل ما دفعت إليه الضرورة.
ومن أمثلة هذا أنهم ذكروا في شروط صيغة أفعل التفضيل: أن لا يكون
стр. 2537
أصل الوصف على وزن أفعل؛ نحو: أبيض، وأسود، ولما جاءهم قول الشاعر:
جارية في درعها الفضفاضِ ... أبيض من أخت بني إباض
أنزله الكوفيون منزلة المقيس عليه، وتأوله البصريون على أنه من قولهم: "باض فلاناً": إذا غلبه، وفاقه في البياض، وأبقاه ابن مالك على ظاهره، وطرحه إلى المسموعات الشاذة.
ومن الأقوال الشاذة ما لا تجد للتأويل فيه مساغاً، ومن أمثلته: أن البصريين يمنعون أن تجمع الصيغة التي لا تقبل تاء التأنيث جمع مذكر سالم؛ نحو: أسود، وأحمر، وأجازه الكوفيون تمسكاً بقول الشاعر:
فما وجدت نساء بني تميم ... حلائلَ أسوديِنَ وأحمريِنَ
ولا يتخلص البصريون من هذا الشاهد إلا بطرحه إلى النادر الذي لا يقوم عليه قياس.
والتأويل إنما يقتحمه البصريون إذا كان اللفظ المخالف للمعروف في اللسان واردًا عن الفرد ونحوه ممن يتكلم باللغة المألوفة، وأما إذا ثبت أنه لغة قبيلة، فلا وجه لتأويله والخروج به عن ظاهره، ولهذا أبطل ابن هشام تأويل أبي علي الفارسي، وأبي فزار لقولهم: "ليس الطيب إلا المسكُ"- برفع المسك-؛ لأن أبا عمرو بن العلاء أثبت أن رفع خبر "ليس" الواقع بعد "إلا" لغة تميم.
والحق - فيما يظهر - أن ما يجيء على غير القياس قسمان:
أحدهما: أن يكون كلام العرب سائراً على سنة معروفة، ووضع عام، فتسمع الكلمة أو نحوها ممن لا يعرف بالفصاحة، وهي تخالف المعروف في مجاري الكلام، فهذه لا تصلح أن تكون موضعاً للقياس، بل الكلمة أو
стр. 2538
الكلمتان لا تقومان في وجه القاعدة التي يجري عليها الفصحاء في عامة مخاطباتهم، ولو نقلت عن فصيح عربي؛ إذ يجوز أن تكون قد صدرت منه على وجه الغلط، أو القصد إلى تحريف اللغة؛ فإن ألسنة الفصحاء قد تقع في زلة الخطأ، وتطوع لهم متى قصدوا إلى تغيير الكلمة عن وصفها المعروف لهزل ونحوه.
وقد جرت عادة النحاة أن يصفوا خروج العربي الفصيح عن الشذوذ، ولا يبالون أن يُسمّوا خروج المولَّد عنها بالخطأ واللحن، وقد يصفون خروج العربي عن الأصول بالغلط؛ بناء على أن العربي يستطيع أن يلحن إذا تعمد اللحن، كما أنه يستطيع أن يتكلم بغير لغته إذا تعمد ذلك.
يذكر النحاة في شروط عمل "ما" عمل ليس في لغة أهل الحجاز: مراعاة الترتيب؛ بحيث لا يتقدم خبرها على اسمها، فورد قول الفرزدق:
"إذ هم قريش وإذ ما مثلَهم أحدُ"
فقدم خبر "ما" على اسمها، فقالوا: قول الفرزدق هذا شاذ، أو غلط؛ أي: لحن؛ لأن الفرزدق تميمي، وأراد أن يتكلم بلغة أهل الحجاز، ولم يدر أن من شرط نصبها للخبر الترتيب بين اسمها وخبرها؛ وقولهم: إن العرلى لا يقدر أن ينطق بغير لغته، محمول على تكلُّمِه وهو على حال سليقته، وأما عند تعمده النطق بالخطأ، أو بغير لغته، فذلك ميسور له من غير شبهة.
ثانيهما: ما يرد في الكلام الفصيح، وتتحقق أنه لم يصدر عن خطأ أو تلاعب في أوضاع اللغة؛ مثل: آيات الكتاب الحكيم، والأحاديث التي قامت القرائن على أنها مروية بألفاظها العربية الصحيحة، وهذا إن كان كلمة خرجت عما نسميه قياساً، نحو: "معائش"- بالهمز - في إحدى القراءات
стр. 2539
الصحيحة؛ صح لنا أن نعطيها حكم استحوذَ واستصَوب، فنتكنم بها ثقة بأنها كلمة لا شبهة في فصاحتها، ولكنا نرجع بأمثالها إلى حكم القياس. وهو أن مَفاعِل لا تقلب الياء فيه همزًا متى كانت الياء عينًا في بناء مفرده، فإن كان راجعاً إلى النظم، خالفناهم في دعوى خروجه عن القياس، وصح لنا أن نعده فيما يقاس عليه، وننسج على منواله، إن أباه البصريون والكوفيون، فلا نبالي أن نقدم معمول المصدر على المصدر متى كان المعمول ظرفاً أو جاراً أو مجروراً، وإن منعه جماعة من النحاة، فلو قال أحد: رُزق فلان على خصمه الفوز، أو قال: يعجبني أمام السلطان تكلُمك بالحق؛ لقضينا لقوله بالفصاحة؛ إذ له أسوة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ولا نبالي تقديم معمول صلة "أل" على "أل"، متى كان المعمول ظرفاً، أو جاراً، أو مجروراً، وإن منعه كثير من النحاة، فلو قال أحد: إني لزيد من المحبين، لتلقينا قوله بالقبول؛ إذ لم يزد على أن اقتدى بقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١].
* القياس على ما لابد من تأويله بخلاف الظاهر:
قد يرد في كلام العرب ضرب من الكلام على وجه شائع، ولا يستقيم المعنى إلا بتخريجه على خلاف ظاهره؛ ومقتضى مذهب فريق من علماء العربية المنعُ من القياس عليه، وإن كان وجه تأويله مما يسعه القياس. ومما يساق شاهداً على هذا: قولهم في المصدر الذي أكثر مجيئه حالاً: إنه مقصور على السماع، مع أنهم يؤولون المصدر باسم الفاعل، أو يقدرون معه مضافاً يصلح أن يكون حالاً؛ فيكون المراد من المصدر نحو "بغتة" في قولهم:
стр. 2540
"طلع زيد بغتة": اسم الفاعل، أو محمل على أنه في التقدير: "ذا بغتة". وإطلاق المصدر مرادًا منه اسم الفاعل، وحذف المضاف، شائعان في الاستعمال بحيث لا يقفان عند حد السماع.
وذهب بعضهم إلى أنه من باب ما يقاس عليه. وهذا المذهب- بالنظر إلى ما يحتمله التركيب من الوجوه المقبولة في القياس- مذهب وجيه، ويشد أزره: أن علماء البلاغة استحسنوا حمل المصدر على الذات عند قصد المبالغة؛ نحو: زيد عدلٌ، أو رِضاً، وهذه المبالغة قد تقصد عند إيراده مورد الحالية.
ومن هذا الباب قولهم: إن اسم الزمان لا يخبر به عن اسم الذات.
وجاؤوا إلى نحو قولهم: "الليلةُ الهلالُ"، وأولوه بتقدير اسم معنى، وهو في هذا الشاهد لفظ: "طلوع" مضافاً إلى الهلال.
والحق - فيما يظهر - أن المنع من القياس في مثل هذا مقيد بما إذا لم يقصد المتكلم إلى تأويل قريب، ووجه مقيس، أما إذا نوى في الكلام اسم معنى يضيفه إلى المبتدأ، فيستقيم به المراد؛ فإنه يلتحق بسائر الجمل التي يحذف فيها المضاف لقرينة تشير إليه.
ولنسقْ إليك بهذه المناسبة أمثلة مما عده بعض الأدباء خطأ، وهو محتمل لوجه من وجوه القياس الصحيح:
أنكر الحريري قولهم: "هو قرابتي"، وليس هذا بمنكر من القول متى عرف المتكلم أن القرابة مصدر، وعمد إلى إطلاقه على الموصوف به على ضرب من المجاز أو التقدير.
وحكم صاحب "المصباح" على قولهم: "أَذَّن العصرُ" بالخطأ، والصواب:
стр. 2541
أَذَّن بالعصر، مع أن إسناد الفعل إلى المفعول به - ولو بوسيلة حرف الجر - غير عزيز، وإنما يحكم عليه بالخطأ إذا صدر ممن لا يدري وجوه تصاريف الكلام العربي بفطرته، أو بتلقين.
ويشاكل هذا قول ابن قتيبة في "أدب الكاتب": "المَلَّة يذهب الناس إلى أنها الخبزة، فيقولون: أطعمنا ملة. وذلك غلط، إنما الملة موضع الخبزة"، قال ابن السيد في "شرحه": "وليس يمتنع عندي أن تسمى الخبزة ملة لأنها تطبخ في الملة كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان منه بسبب. أو يخرج على حذف المضاف إلى خبز ملة".
والصواب ما عرفته من أن التخطئة والتصويب في مثل كذا يرجع فيهما إلى حال المخاطب؛ إذ الذي يطلق الملة على نفس الرغيف، ويظهر لك من قرينة حاله أو صريح مقاله أنه أطلقها على اعتقاد أنها موضوعة للرغيف بوضع حقيقي، لا يخلص من سهام التخطئة، ولو احتملت عبارته وجهًا من وجوه القياس الصحيح.
ومن هذا القبيل حكم ابن قتيبة أيضاً على قول العامة: "تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها" بأنه خطأ، وقال: الصواب: "بثدييها"، فقال ابن السيد في "شرحه": أما ما يذهب إليه العامة من أن المعنى لا تأكل لحم ثدييها، فهو خطأ، ولكن يجوز على التأويل بحذف المضاف إلى أجر أو ثمن ثدييها، أو على المبالغة بجعل كلها لأجر ثدييها بمكان كل الثديين أنفسهما.
والتفصيل الذي سبق آنفاً من النظر في مثل هذا إلى حال المتكلم يجري هنا لولا أن العبارة مَثَل، والأمثال لا تُغير، فمن قصد بها ضرب المثل، فقد أخطأ من جهة تحريف المثلُ، وإن كانت العبارة التي ينطق بها العامة في نفسها
стр. 2542
صحيحة، متى صدرت ممن يلاحظ المضاف المحذوف، أو يقصد إلى ذلك الوجه من المبالغة.
* سبب اختلافهم في القياس:
من الجليِّ أن العرب لم يصرحوا بعمل القياس في شيء من أحوال الكلم، أو نظم الكلام، ولكن علماء اللسان يتتبعون موارد كلامهم، ويتعرفون أحواله، فإذا وجدوا في الكلم نفسها، أو في تاليفها حالآ جرى عليها العرب بحيث يصح أن تكون موضع قدوة، استنبطوا منها قاعدة ليقاس على تلك الألفاظ المسموعة أشباهها ونظائرها.
فمن أسباب اختلافهم في صحة القياس: أن يتوفر لدى العالم من استقراء كلام العرب ما يكفي لتركيب القاعدة، فيجيز القياس، ولا يبلغ الآخر بتتبعه مقدار ما يؤخذ منه حكم كلي، فيقصر الأمر على السماع.
وقد يستوي الفريقان، أو يتقاربان فيما عرفوه من الشواهد، ويكتفي به أحدهما في فتح باب القياس، وششقله الآخر، فلا يتخطى به حد السماع.
وقد يختلفون في القياس نظراً إلى ما يقف لهم من الأحوال التي تعارض السماع، فالكوفيون - الذين يكتفون في بعض الأقيسة بالشاهد والشاهدين - قالوا: إن صيغ المبالغة: فَعَّال، ومِفْعال، وفَعُول، لا تعمل عمل اسم الفاعل، وأخذوا يؤؤلون الشواهد التي سردها البصريون؛ مثل: "أخو الحرب لبَّاساً إليها جلالَها"، واعتذروا عن عدم قبولها والتمسك بظاهرها بن اسم الفاعل إنما عمل لشبهه بالفعل المضارع في وزنه، والصيغ المذكورة لم تجئ على الوزن الذي قرب اسم الفاعل من أصله الذي هو المضارع. وأعطى البصريون لهذه الصيغ حكم اسم الفاعل في العمل؛ أخذًا بتلك الشواهد، وأبطلوا ما اعتذر
стр. 2543
به الكوفيون، فقالوا في جوابهم: إن المبالغة التي قوي بها المعنى في تلك الأبنية، جبرت ما نقصها من الشبه في اللفظ، فنقابل مشابهة اسم الفاعل للمضارع في اللفظ بزيادة المعنى الذي اختصت به أبنية المبالغة، فتحصل الموازنة والتساوي في طلب العمل من غير تفاضل.
ومن أسباب اختلافهم في القياس: اختلاف أنظارهم في الشاهد أو الشواهد التي تذكر ليقاس عليها: يختلفون في أمانة ناقلها، أو في صحة عربية قائلها، أو في وجوه فهمها وإعرابها. ومن لا يثق بأمانة الناقل للكلام، أو لا يسلم أن الكلام صادر ممن ينطق بالعربية الصحيحة، لا يقيم لذلك الكلام وزنًا، ولا يعول عليه في شيء من أحكام اللسان. وإذا تبادر إلى ذهنك في فهم الكلام وإعرابه وجه يفتح لك السبيل لأن تستنبط منه حكماً، وتقيم منه قاعدة، فقد يتبادر إلى ذهن غيرك في فهمه وإعرابه وجه يطابق أصلاً من الأصول الثابتة من قبل، فيخالفك في ذلك الحكم، ويراه خارجاً عن سنن القياس، ومبنيًا على غير أساس.
* القياس في صيغ الكلم واشتقاقها:
نلقي في هذا الفصل نظرة على القياس في المصادر والأفعال، واسم الفاعل واسم المفعول، وأفعل التفضيل والصفة المشبهة، وفعل التعجب والنسب والتصغير والجموع.
ولا تحسبني متعرضاً لهذه الأبواب بتفصيل، واضعاً يدي على كل حكم من أحكامها، منبهًا على ما يصح أن يقاس عليه، وما ينبغى أن تقف به عند حد السماع، وإنما هي كلمات أتناول بها بعض مباحثها، وأريك أن الله تعالى لم يجعل علينا في اللغة العربية حرجاً.
стр. 2544
- المصادر:
للمصادر في بعض اللغات غير العربية علامة لفظية، أو علامتان لابد للمصدر أن يتصل بأحدهما؛ كعلامة: " en" في اللسان الألماني، وعلامة: "مك"، أو "مق" في اللسان التركي، أما الأصل الذي تلحقه العلامة في الألماني، أو إحدى العلامتين في التركي، فله صيغ تختلف في مقدار الحروف وأحوالها، فليس للمصادر في اللغة التركية صيغتان فقط، ولا في اللسان الألماني صيغة واحدة.
أما المصادر في اللغة العربية، فإنها تختلف كذلك اختلافاً كثيراً، غير أنها لا تمتاز بعلامة أو علامات خاصة كما هو الشأن في اللغتين: التركية والألمانية. ومما تمتاز به العربية في هذا الباب: أن مصدر فعل الواحد قد يجيء في صِيغَ متعددة، وربما بلغت هذه الصيغ تسعًا؛ كمصدر تَمَّ، أو عشراً؛ كمصدر لقي.
وقد بذل علماء العربية جهدهم في جمع معفرقها تحت مقاييس، وجاؤوا إلى هذه المقاييس من ناحية الماضي والمضارع، فقربوا مآخذها ما استطاعوا، وانقسمت المصادر بعد هذا ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا شبهة في صحة القياس عليه، نحو: "فَعْلَلَة" مصدراً للفعل الرباعي المجرد؛ كدحرج، وعربد، ونحو: "إفعال" مصدراً للفعل الرباعي المزيد؛ ككرم، ونحو: "تفعيل" مصدراً للفعل المضعَّف؛ كعَّلم، ونحو: "مفاعلة" مصدراً للفعل الرباعي أيضاً؛ كخاصم، ونحو: "افتعال" مصدراً للفعل الخماسي؛ كارتقى؛ ونحو: "تفعُّل" مصدراً لما جاء على تفعَّل كتكَّلم.
стр. 2545
ثانيها: ما لا يُختلف في قصره على السماع؛ لقلة ما ورد منه في الكلام؛ كالمصدر الوارد على "فِعّال"؛ نحو: كَذَبَ كِذَّابا، أو الوارد على فعّيلي؛ نحو: الحثيثي للمبالغة في التحاث. أو ما جاء على فَعَلى؛ نحو: جَمَزَى، وقد طعن الأخفش على بشار في قوله:
والآن أقصرَ عن سُميَّة باطلي ... وأشار بالوَجَلى عليَّ مشير
وقوله:
على الغَزَلى مني السلام فربما ... لهوتُ بها في ظل مخضلَّةٍ زهر
وقال: لم يسمع من الوجل والغزل فَعَلى، وإنما قاسهما بشار. وليس هذا مما يقاس، إنما يعمل فيه بالسماع.
ثالثها: ما جرى الخلاف في جواز القياس عليه؛ كطائفة من مصادر الفعل الثلاثي، نحو: "فَعْل" مصدراً للفعل المتعدي؛ كشرب، وفهم، ونصر، ونحو "فعَل" مصدراً لفَعِلَ اللازم؛ كفرح، ونحو "فُعُول" مصدراً لفعَل اللازم؛ كقعد، وغدا.
وسبب الخلاف في القياس: أن جمهور النحاة وجدوا لكل واحد من صيغ هذه المصادر أمثلة كثيرة تجري عليه بنظام، فذهبوا فيها مذهب القياس.
ورأى آخرون أن أفعالاً كثيرة مما يتحقق فيه شرط تلك المقاييس قد وردت مصادرها في صيغ خارجة عن القياس، فصرفتهم كثرة انتقاض هذه المقاييس عن الاعتداد بها؛ وذهبوا إلى أن مصادر الأفعال الثلاثية إنما يرجع فيها إلى السماع.
ثم إن الذين ذهبوا بها مذهب القياس فريقان: فريق يجعلها مقاييس لمصادر الأفعال التي لم تسمع لها مصادر، أما ما سمع له مصدر مخالف
стр. 2546
للقياس، فلا يصاغ له مصدر على مقتضى القياس (١). وفريق آخر أفسح طريق القياس حتى للأفعال التي سمعت لها مصادر مخالفة له، فيكون للفعل الواحد مصدران: مصدر ثابت بطريق السماع، ومصدر ثابت بطريق القياس.
ووجهة نظر الفريق الأول: أن القياس في اللغة أمر دعت إليه الحاجة، فيؤخذ به على مقدارها، والأفعال التي سمعت لها مصادر لا حاجة بها إلى القياس، قال أبو علي الفارسي: إن الغرض مما ندؤنه من هذه الدواوين إنما هو ليلحق من ليس من أهل اللغة باهلها، وشمتوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح، فإذا ورد السماع بشيء، لم يبق غرض مطلوب، وعدل عن القياس إلى السماع (٢).
ووجهة نظر الفريق الثاني: أن الأفعال التي من شأن مصادرها أن تصاغ في أوزان خاصة، قد استحقت أن تكون لها مصادر على هذه الأوزان بحكم القياس، فورود مصد ر الفعل من طريق السماع على غير قياس، لا يسلب وصف العربية الصحيحة عن مصدره الذي يصاغ على مقتضى القياس.
- فَعْلَة:
إذا قصد من المصدر الثلاثي الوحدة، أُتي به على وزن فَعْلة، ولو لم يكن المصدر على وزن فَعْل، فعقول في المرة من الرمي: رَمية، ومن الجلوس: جَلسة، ومن الذهاب: ذَهبة، ومن الإتيان: أتية؛ أما ما زاد على الثلاثي، فبإلحاق التاء له وهو بحاله، فتقول: إكرامة، وارتقاعة، واستدراجة، تريد:
стр. 2547
واحدة من الإكرام والارتقاء والاستدراج، هذا هو القياس. ونقل أنهم قالوا: إتيانة ولقاءة، وهذا من الشاذ الذي لا يصح القياس عليه إلا أن يضطر إليه شاعر، فيرتكبه على قبح فيه.
قال الليث: لا تقل: إتيانة واحدة إلا في اضطرار شعر قبيح؛ لأن المصادر كلها إذا جعلت واحدة، ردت إلى بناء "فَعْلة"، وذلك إذا كان الفعل منها على فَعَل، أو فَعِل (١).
- الأفعال:
إذا كان بين نوع من الأفعال ووزن من أوزان المصادر تلازم في جميع المواضع، أو في أغلب الأحوال؛ بحيث لا يتخلف أحدهما عن الآخر إلا في النادر الذي لا يمنع من تقرير القوانين العلمية، صح لك أن تستدل بأحدهما على الآخر، فلك أن تستدل بالفعل الوارد في وزن "استفعل" أو "يستفعل " - مثلاً - على أن صيغة مصدره "استفعال"، كما يصح لك أن تستدل بالمصدر الوارد في صيغة استفعال على أن الماضي استفعل، والمضارع يستفعل، دون أن تتوقف على السماع.
فإن كان اللزوم من جانب الفعل وحده؛ كأن يكون لنوع من الأفعال وزن واحد من المصادر، نحو "فَعَل" المتعدي؛ كنصر، فوزن مصدره: فَعْل لا غير، ولكن وزن فَعْل لا يختص بمصدر فَعَل، بل يكون لمصدر فَعِل أيضاً؛ نحو: فهم، فلا تستطيع إذن أن تستدل بمصدر ورد في وزن فَعْل على فعله الماضي أو المضارع، إذ لا تدري كيف تنطق بالفعل، وهو محتمل لأن يكون
стр. 2548
من باب نصَر، أو فهِم.
وإذا قيل لك: هل تستدل بالمضارع على الماضي الثلاثي، أو بالماضي الثلاثي على المضارع؟ أمكنك أن تستبين الجواب مما كنا بصدد بيانه، فتنظر في وجه التلازم بين وزني الماضي والمضارع، فإن كان بين الوزنين - تلازم ولو على وجه الأغلبية الكافية لتقرير القواعد؛ مثل: التلازم الحاصل بين "فعِل" غير حلقي العين أو اللام، كعِلم وفهِم، ومضارعه-؛ فإن مضارعه لا يأتي إلا على وزن يفعَل، ويفعَل أيضاً متى كان غير حلقي العين أو اللام، لا يكون ماضيه إلا على وزن "فعِل"، فإذا سمعتهم ينطقون بمضارع النوع الذي وصفنا، ولم تسمعهم كيف نطقوِا بفعله الماضي، فلك أن تقيسه على أمثاله، وتصوغه على مثال: حذِر يحذَر.
فإن كان اللزوم من ناحية واحدة؛ كان يكون من ناحية الماضي فقط؛ نحو: "فعُل" - بضم العين - فإن مضارعه لا يأتي إلا على وزن "يفعُل"- بضمها أيضاً-، صح لك الاستدلال بالماضي على المضارع؛ لأن المضارع في هذا الوزن لا يتخلف عن الماضي، ولا يصح لك الاستدلال بالمضارع على الماضي؛ لأن وزن يفعُل لا يختص بالماضي المضموم العين، بل يأتي مضارعاً لفعَل المفتوح العين؛ نحو: نصَر وكتَب.
فإذا سمعتهم ينطقون بفعل ماض من باب فعُل، ولم تسمعهم ينطقون بمضارعه، فلك أن تقيسه على أمثاله، وتصوغه على مثال: يسهُل ويجزُل.
وكذلك يكون الحكم في الأفعال الرباعية؛ نحو: أكرم، والخماسية؛ نحو: اصطفى، والسداسية؛ نحو: استقبل، فإن كلاً من فعلها الماضي وفعلها المضارع لا يأتي إلا على وجه واحد، فلك أن تستدل بأحدهما على الآخر،
стр. 2549
فيغنيك الماضي عن سماع المضارع، والمضارع عن سماع الماضي.
فإن كان الفعل الماضي من باب "فعَل" - بفتح العين- فهذا يأتي مضارعه في وزن يفعُل تارة، نحو نصَر ينصُر، ويأتي في وزن يفَعَل تارة أخرى نحو عدَل يعدِل، وأمثلة كل من هذين الوزنين كثيرة، ومقتضى اختلاف حال المضارع الآتي ماضيه من باب "فعَل" أن لا يكون الماضي دليلاً على المضارع، بل إذا ورد ماض من "فعَل"، توقفنا في صوغ مضارعه على السماع، ولكنا نرى بعض علماء العربية يصرح بأنه إذا لم يسمع لفعل جاء على وزن "فعَل" فعل مضارع؛ بحيث لم يدر كيف نطق به العرب، فللمتكلم الخيار في أن يصوغه مضموم العين، أو مكسورها، إلا أن يكون حلقي العين أو اللام، فيتعين الفتح.
قال صاحب "المصباح" في خاتمة كتابه، وهو يتكلم على تصريف "فعَل" المفتوح العين: أما المضارع إن سمع فيه الضم أو الكسر فذاك، وإن لم يسمع في المضارع بناء، فإن شئت ضممت، وإن شئت كسرت، إلا الحلقي العين أو اللام. فالفتح للتخفيف، وإلحاقاً بالأغلب.
وقال الرضي في "شرح الشافية" وهو يتكلم على مضارع فعَل أيضاً: "وتعدى بعض النحاة، وهو أبو زيد، وقال: كلاهما (الضم والكسر) قياس، وليس أحدهما أولى به من الآخر، إلا أنه ربما يكثر أحدهما في عادة ألفاظ الناس حتى يطرح الآخر، ويقبح استعماله، فإن عرف الاستعمال، فذاك، وإلا، استعملا معاً؛ وليس على المستعمل شيء (١) ". ونظر بعضهم إلى أن
стр. 2550
الأكثر في مضارع فعَل الكسر، فجعل الكسر هو القياس (١).
ومن الصيغ المختلف في القياس عليها صيغة: "أفعلَ"؛ أعني: الفعل الثلاثي الذي تدخل عليه همزة النقل، فتعديه إلى مفعول واحد إن كان لازمًا؛ أو إلى مفعولين إن كان متعدياً إلى مفعول واحد، أو إلى ثلاثة مفاعيل إن كان متعدياً إلى مفعولين.
رأى بعض علماء العربية أن باب أفعلَ كله سماعي؛ ولا يدخل شيء منه في دائرة القياس. وذهب آخرون إلى أن دخول الهمزة على اللازم ليتعدى إلى مفعول واحد، قياسي؛ نحو: جلس وأجلسته، فإن كان في أصله متعدياً إلى واحد، فدخول الهمزة عليه سماعي؛ نحو: لبس الثوب وألبسته إياه. وذهبت طائفة إلى أن دخولها على اللازم أو المتعدي إلى واحد مقبول في القياس، وزاد الأخفش أن جعل دخولها على المتعدي إلى اثنين ليتعدى إلى ثلاثة صحيح في القياس؛ وأعطى هذا الحكم لظن، وحسب، وخال، وزعم، وإن لم يرد به سماع.
وسبب اختلافهم: أن من نظر إلى أفعال كثيرة تدور في كلامهم، ولم يدخلوا عليها همزة النقل؛ نحو: ظرف، وضرب، ومدح، فلم يقولوا: أظرفه، ولا أَضرب زيداً عمراً؛ أو أمدحه فلاناً، جعل ذلك دليلاً على أنهم لم يقصدوا لجعله قياساً مطرداً، فوقف بهذه الصيغة عند حد السماع.
ومن نظر إلى أن استعمال همزة النقل لتعدية اللازم بالغ في الكثرة الكفاية لإجراء القياس، وأن كثرة دخولها على المتعدي لواحد دون ما يكفي
стр. 2551
للقياس، فرق بين النوعين، فجعل دخولها على اللازم مقيساً، ووقف دخولها على المتعدي إلى واحد على السماع.
ومن نظر إلى أنها تدخل على اللازم والمتعدي إلى واحد بكثرة، وهذه الكثرة المتحققة في النوعين تكفي في نظره لإباحة القياس، سوَّى بينهما، وجعلهما في صحة القياس سواء. وأما إجازة الأخفش لدخولها على الفعل المتعدي لمفعولين، فالحاقا لظن وأخواتها، باعلم وأرى؛ لتشابههما في العمل والدلالة على معنى قائم بالقلب.
ونظر السهيلي في معاني الأفعال، فقرر مذهباً رابعاً، وهو: أن كل فعل يكتسب منه الفاعل صفة في نفسه لم تكن فيه قبل الفعل، نحو: قام وقعد وجرى وفهم، صح لك أن تقول فيه: أفعلته، فإذا قلت: أقمته أو أقعدته أو أفهمته، فمعناه: جعلته على صفة القيام أو العقود أو الفهم، ولا تقول: أمدحته زيداً، أو أشتمته إياه، أو أذبحته الكبش؛ لأن العامل في هذه الأفعال لم يصر منها على هيئة لم يكن عليها، ولم يحصل له في ذاته وصف باق.
ومن الصيغ المختلف في إجرائها مُجرى المقيس عليه: وزن "فعَّل"، وقد سمع هذا الوزن في الفعل اللازم ليتعدى إلى واحد، نحو حسَّن وقبَّح وجدَّد، وفي الفعل المتعدي إلى واحد يتعدي إلى مفعولين، نحو ملَّك وبلَّغ وركَّب، ولم يستعمل التضعيف في المتعدي إلى اثنين ليتعدى إلى ثلاثة.
اختلف علماء العربية في هذه الصيغة، فرأى بعضهم أن تضعيف الفعل ورد بكثرة تقتضي فتح باب القياس، فتجاوز به حد السماع، وتدبر آخرون في كلام العرب، فوجدوهم يُعَدّون أفعالاً بهمزة النقل؛ نحو: أضحكه وأضجره وأظهره وأزهقه وأرشده وأتحفه، وأشبعه وأصلحه وأغضبه، ويعدّون أفعالاً
стр. 2552
أخرى بالتضعيف، نحو شرَّفه وقدَّسه وحلَّمه ونظَّفَه، ويجمعون في أفعال بين همزة النقل والتضعيف، نحو ذكزَه وأذكره، وأضافه وضيَّفه، وشرَّده وأشرده، وطيبَّه وأطابه، وبعَّده وأبعده، وفسَّده وأفسده، وظمَّأه وأظماه، وجوَّعه وأجاعه، فقالوا: يؤخذ في كل فعل بما ورد عن العرب، وقد بين علماء اللغة في كل فعل الوجه الوارد في الاستعمال من تعديته بهمزه النقل، أو بالتضعيف، أو بالوجهين كليهما، فيجب اتباع ما سمع من العرب، فإن لم نعلم له وجهًا من هذين الوجهين في كلام العرب، لم يستقم لنا طريق القياس، وليس لك أن تقول: ظرَّفته؛ أي: جعلته ظريفًا كما ساغ لك أن تقول: حلَّمته: إذا جعلته حليماً، ولا ضخَمتُه؛ أي: جعلته ضخماً، كما ساغ لك أن تقول: فخَّمته؛ أي: عظمته.
ومن الصيغ المحتملة لأن تكون موضع اختلاف علماء العربية في إعطائها حكم القياس: "انفعل" الآتي مطاوعاً لفَعل الثلاثي، فقد عده بعضهم من قبيل ما يسمع، ولا يقاس عليه (١).
ونحا به آخرون نحو ما يقاس عليه، وقالوا: إن الباب في مطاوع فعَل هو: انفعل؛ نظراً إلى كثرة ما ورد من هذا التصرف في الكلام الفصيح.
ومن نظر في كلام العرب، وجد لصيغة انفعل باباً هو مجيئه مطاوعاً لما كان على "فعَل" من الأفعال التي يتصور فيها العلاج والتأثيرة نحو: فتحته فانفتح، وقسته فانقاس، وليس من بابه الأفعال الرباعية؛ نحو: أخرجته فانخرج، وأصلحته فانصلح، ولا الأفعال الثلاثية التي لا علاج فيها ولا تأثيرة نحو:
стр. 2553
فقدته، أو وجدته، أو علمته؛ لأن فقدته بمنزلة قولك: لم أجده، ووجدته بمنزلة قولك: حصل الشيء، وعلمته في معنى: حصلت صورته في نفسك، وليس في عدم وجودك للشيء، أو حصوله بين يديك: أو تقرر صورته في ذهنك علاج منك حتى يصح لك أن تأتي له بالمطاوع الذي هو بمعنى قبوله للفعل.
فمن قصر "انفعل" على مطاوعة "فعَل" الذي يكون فيه علاج وتأثيرة نحو فصلته فانفصل، وخدعه فانخدع، وذهب إلى أن هذا هو بابه المقيس، فقد أصاب في الاجتهاد، وأما ما ورد من قولهم: أطلقته فانطلق، وأزعجته فانزعج، وأفردته فانفرد، فموقوف على السماع.
ويذهب بعض فلاسفة العربية إلى أن ما جاء من هذا القبيل محمول على تقدير أن العرب نطقوا بالفعل الثلاثي، ثم استغنوا عنه بالفعل الرباعي، فنحو: انطلق جاء مطاوعاً لذلك الفعل الثلاثي المقدر، ولم يقصد إلى أن يكون مطاوعاً لأطلق، وهذا الوجه ظاهر فيما ورد فعله الثلاثي على قلة؛ نحو: انغلق، فقد ورد في استعمال قليل غلق بمعنى: أغلق.
- افتعل:
ومن الأفعال المزيدة: "افتعل"، وهذا الوزن يأتي مرادفاً لفعله الثلاثي اللازم، نحو رقي وارتقى. وعدا عليه واعتدى. أو مرادفاً للمتعدي نحو خلسه واختلسه، وحازه واحتازه، وصاده واصطاده. ولا خلاف في أن هذا النوع سماعي، فليس لك أن تجيء إلى فعل ثلاثي لازم أو متعد، وتصوغ منه فعلاً في وزن افتعل موافقاً له في لزومه أو تعديه. ومن أجل هذا حكموا على أن احتار بمعنى: حار، واقتطف بمعنى: قطف، خطأ، حيث لم يرد أن
стр. 2554
العرب تكلموا به.
وقد يأتي افتعل مطاوعاً لفعل ثلاثي متعد. نحو: جمع القوم فاجتمعوا، وشوى اللحم فاثشوى، وهز الشجرة فاهتزت، ورد الشيء فارتد، وزاده فازداد، ورفعه فارتفع، وستره فاستتر. أو مطاوعاً لفعل رباعي؛ نحو: أنهضته فانتهض. وهذا ما يحتمل أن يكون مقيساً، ولكن علماء العربية يقفون به عند حد السماع. فليس لك أن تقول: غرسته فاغترس، ولا مسحته فامتسح. كما لا يسوغ لك أن تقول: أفسدته فافتسد. ولا أجلسته فاجتلس.
* باب المغالبة:
ومن المحتمل لأن يكون موضع قياس: الفعل الماضي، والفعل المضارع يصاغان لمعنى المغالبة. فإن الماضي يرد في وزن فَعَل. والمضارع في وزن يفَعُل، فتقول: كارمني فكرَمته؛ أي: غلبته في الكرم. أو إن كارمني كرُمه؛ أي: أغلبه في الكرم. وهكذا تقول: خاصمني فخصمته وأخصُمُه. وفاخرني ففخَرته وأفخُره. وشاتمني فشتمته وأشتُمه.
ولكن علماء العربية - مع اعترافهم بكثرة ما ورد منه - يقصرونه على السماع.
قال سيبويه في "الكتاب": "ليس في كل شيء يكون هذا. ألا ترى أنك لا تقول نازعني فنزَعته أنزُعه. استغني عنه بغلبته"، وقال الرضي في "شرح الكافية": "ليس باب المغالبة قياساً بحيث يجوز لك نقل كل لفظ أردت إلى هذا الباب".
وإذا لم يصل باب المبالغة أن يكون مقيساً. فمعنى هذا: أنك لا تأخذ من صيغة المفاعلة ماضيًا ومضارعًا لمعنى المغالبة على وجه القياس. أما
стр. 2555
إذا ورد فعل ماض للمغالبة، فلك أن تتكلم بمضارعه في وزن يفعُل من غير توقف على سماع، وذلك معنى قول بعض علماء الصرف: ومن القياسي ضم عين للمضارع في باب المغالبة.
- اسم الفاعل والصفة المشبهة:
يتحد اسم الفاعل والصفة المشبهة بأن كلاً منهما يدل على ذات وصفة قائمة بها، ويفترقان في أن اسم الفاعل يدل على حدوث تلك الصفة، والصفة المشبهة تدل على ثبوتها، والأصل فيما يقصد منه الحدوث: أن يجيء على وزن فاعل، نحو: كاتب، وعالم، أو يفتتح بميم مضمومة، ويكسر ما قبل آخره، نحو مُكرِم، ومُخترِع، ومُستكشِف، ومن ثم اشتهر ما يجيء في هذه الأوزان باسم الفاعل، والأصل فيما يدل على الثبوت: أن يجيء على نحو فَعْل؛ كضَخْم، وفَعَل؛ كحَسَن، وفَعِل كفَرِح، وأفعلَ؛ كأبيض، وفَعيل؛ كجميل، وفَعْلان؛ كعَجْلان، ولذلك يدعى ما يجيء على هذه الأوزان بالصفة المشبهة.
ومن سعة بيان اللغة العربية: أنك إذا أردت من الصفة المشبهة إفادة؛ حدوث الوصف، حولتها إلى صفة "فاعل"؛ فتقول في نحو: حسن وعفيف وشريف وميت وضيِّق ومريض وجواد: حاسن، وعافّ، وشارف، ومائت، وضائق، ومارض، وجائد، وتقول ذلك قياساً لا تتقيد فيه بسماع.
وأوزان الصفة المشبهة عند علماء العربية سماعية، فليس لك أن تصوغ وصفاً على نحو فعْل، أو فعَل، أو فَعْلان، أو أفعل دون أن ينطق به العرب، ما عدا فعيلًا، فقد ذهب بعضهم إلى صحة القياس عليه؛ لكثرة ما ورد فيه من الألفاظ، وينبغي أن يقيد هذا المذهب بالمعاني التي يراد منها الثبوت،
стр. 2556
ولم تدر كيف تكلم فيها العرب بالاسم الدال على الذات وصفتها، وبهذا المذهب تستوفي الأفعال صفاتها المشبهة، ولا يبقى فعل من غير أن يكون هناك اسم يدل على الوصف والذات التي قام بها.
ويقوم مقام اسم الفاعل: فعَّال، ومِفْعال، وفَعول، وفَعيل، وفَعِل، وهذه المسماة عندهم بأمثلة المبالغة، نحو نطار، ومِنْحار، وصَبور، وعليم، وحَذِر.
ومن علماء العربية من يذكرها، ويضرب لها الأمثال، ويبسط أو يوجز في الخلاف الجاري في إعمالها عمل اسم الفاعل، ولا يأتي على ناحية القياس في اشتقاقها بعبارة صريحة، ومنهم من يصرح بصحة القياس في بناء فعَّال (١) خاصة، ووجه هذا المذهب: أن صيغة فَعَّال وردت في مقدار من الكلم الفصيح يكفي لصحة القياس عليه.
ومما يستعمل للمبالغة في وصف الفاعل فِعِّيل، نحو "خِرِّيج" بمعنى: أديب، وقد صاغ فيه العرب ألفاظاً كثيرة، ولكن علماء العربية يقفون به عند حد السماع، وهذا ابن دريد قد سرد له في "الجمهرة" أمثلة كثيرة، ثم قال: "اعلم أنه ليس لمولّد أن يبني فِعّيلًا إلا ما بنته العرب، وتكلمت به، ولو أجيز ذلك، لقلب أكثر الكلام، فلا تلتفت إلى ما جاء على فِعِّيل مما لم تسمعه إلا أن يجيء فيه شعر فصيح".
- اسم المفعول:
يصاغ اسم المفعول من الفعل الثلائي على وزن "مفعول"، فإن زاد الفعل
стр. 2557
على ثلاثة أحرف، جرى اسم المفعول مجرى اسم الفاعل، في افتتاحه بميم مضمومة، وخالفه بفتح آخره بدل الكسر.
ذلك قياس اسم المفعول الذي لا يختلف في صحته، فماذا ورد فعل متصرف، فلك أن تصوغ منه اسم مفعول، لا تتوقف في ذلك على سماع، ونقل عن الرماني: أنه قال: "لا يقال من "نفعَ" اسم مفعول، والقياس يقتضيه"، ولم ير أبو حيان وجهاً للتقيد في مثل هذا بالسماع، فقال: إن نفع كضرب، فكما يقال في مفعول ضرب: مضروب، يقال في مفعول نفع: منفوع.
واستعمل العرب للدلالة على المفعول صيغاً أخرى، ومن هذه الصيغ ما لا خلاف في قصره على السماع؛ لقلة ما ورد منه، وهي فِعْل كذِبْح، بمعنى: مذبوح، وفَعَل؛ كقنص بمعنى: مقنوص. وفعالة كلقاطة بمعنى: ملقوط. ومنها ما اختلفوا في جعله مقيساً، وهو فَعيل كقتيل بمعنى: مقتول، وصريع بمعنى: مصروع. فوقف به فريق عند حد السماع، وفتح طائفة باب القياس لنوع منه، وهو ما لم يجئ من فعله فعيل بمعنى فاعل، فيقال بمقتضى هذا المذهب: حسيد بمعنى محسود، وضهيد بمعنى مضهود؛ حيث لم يجئ فعيل فيه بمعنى فاعل، ولا يقال: نصير بمعنى منصور، أو عليم بمعنى معلوم، أو رحيم بمعنى مرحوم؛ لأنه جاء نصير بمعنى ناصر، وعليم بمعنى عالم، ورحيم بمعنى راحم.
وسبب الخلاف: أن "فَعيلاً" ورد بمعنى مفعول في ألفاظ كثيرة، والفريق الأول يعترفون بهذه الكثرة؛ ولكنهم رأوها غير كافية لفتح باب القياس، ورأتها الطائفة الثانية كافية لصحة القياس، ولكن قصروا القياس على ما لم يجئ من فعله فَعيل بمعنى فاعل؛ حذراً من التباس وصف المفعول بوصف الفاعل،
стр. 2558
وليس على من يأخذ بهذا المذهب حرج؛ فإنه قائم على مراعاة الكثرة التي هي شرط القياس، مع اجتناب اللبس الذي يختل به فهم الغرض من الكلام.
- فعل التعجب وأفعل التفضيل:
للتعجب صيغتان هما: ما أفعلَه، وأفعلْ به، وللتفضيل صيغة هي: أفعلُ، وهذه الصيغ مطردة في كل فعل استوفى الشروط المعتد بها عند علماء العريية. ومن الشروط المختلف فيها: اختصاص هذه الصيغ بالأفعال الثلاثية، تمسك الجمهور بهذا الشرط، ولم يجيزوا اشتقاق فعل التعجب، ولا أفعل التفضيل من الأفعال الرباعية فما فوقها، ووردت ألفاظ عن العرب أخذوها مما فوق الثلاثي، فحملها الجمهور على الشذوذ، ووقفوا بها حد السماع، ووجهة نظر الجمهور: أن صيغ التعجب والتفضيل لا تحتمل أكثر من ثلاثة أحرف مزادة عليها الهمزة التي هي أول ما تمتاز به الصيغة، فإن كانت حروف ما زاد على الثلاثي كلها أصول، نحو عَرْبد، لزم متى اشتق منه التعجب أو التفضيل إسقاطُ حرف أصلي من بناء الكلمة، وفي ذلك خلل لا داعي إلى ارتكابه. وهناك طرق أخرى للدلالة على التعجب أو التفضيل؛ نحو: ما أشد عربدته، أو: هو أشد عربدة، وإن كانت حروف ما زاد على الثلاثي مزيدة؛ نحو: انفعل، أو افتعل، أو استفعل، فهذه الأحرف يؤتي بها في الفعل لمعان، ومتى حذفت هذه الحروف من صيغ التعجب أو العفضيل، ضاعت تلك المعاني المقصود إفادتها للمخاطبين.
وخالف الجمهورَ في هذا الشرط ثلاثُ طوائف:
١ - طائفة تجيز أخذ التعجب والتفضيل من (أفعل) الذي تكون همزته في أصل وضعه؛ نحو: أظلم الليل، دون ما تكون همزته للنقل؛ نحو:
стр. 2559
أجلس، ووجهه: أن الهمزة في نحو أظلم لم تدل على معنى خاص، فلا ينقص بحذفها شيء من المعنى المراد من أصل الفعل.
٢ - طائفة تجيز أخذهما من "أفعل"، لا فرق بين ما تكون همزته في أصل وضعه، وما تأتي همزته لتعديته إلى مفعول لا يتعدى إليه من قبل، واعتمد هذا المذهبُ على أنه سمع من العرب أخذهما من "أفعل" بكثرة تكفي لأن تجعله موضع القياس؛ نحو: هو أعطاهم للدنانير، وأولاهم للمعروف، وأكرمهم من كل أحد.
٣ - طائفة تجيز أخذهما من كل الأفعال الثلاثية المزيدة؛ كانفعل، واستفعل، ونحوهما، ويرى هؤلاء أن تلك المعاني المستفادة من الحروف الزائدة يمكن الدلالة عليها بعد حذف تلك الحروف بقرائن لفظية أو حالية.
وذكروا في شروط صوغ التعجب وأفعل التفضيل: أن يكون الفعل مما يقبل المفاضل، وقالوا: لا يقال: ما أموته؛ لأن الموت لا يقع به التفاوت، ومقتضى هذا التعليل صحة أن يقال: ما أموته، متى جاء على وجه يحتمل التفاضل؛ كأن يكثر في بلد الموت، فتقول: ما أموتَ أهلَ هذا البلد، أي: ما أكثر موتهم، ولا يبقى سوى أن ما أموته لم يسمع من العرب بوجه، فنرجع إلى حكم الأفعال التي تحققت فيها شروط أخذ فعلي التعجب واسم التفضيل، ولم يبلغنا أن العرب نطقوا بهما، أو بأحدهما على طريق خاص، وسنمر بهذا البحث بعد صفحات قليلة - إن شاء الله -.
وذكروا في شروط صوغها: أن لا يكون الفعل مبنياً للمجهول، وهذا في حال ما يحصل به لبس؛ نحو: ما أضرب زيداً، فإنه يسبق إلى الذهن أن التعجب من وصف الفاعل، لا من وصف المفعول، فإن كان القصد من
стр. 2560
التعجب واضحاً؛ كان تقول: ما ألبسَ هذا الثوبَ، تتعجب من كثرة لبس صاحبه له، فذلك ما يراه بعض الأئمة (١) قياساً سائغاً؛ اعتماداً على أن له أمثلة متعددة وردت في كلام العرب، نحو: ما أشهره، وما أخصره، ومن أمثالهم: (أشغل من ذات النِّحْيين).
- اسم الآلة:
يصاغ من الفعل اسم للآلة التي يعمل بها، ويجيء على وزن مِفعَل؛ نحو: مِخْيَط، ومِفْعَلة؛ نحو: مِطرَقة، ومِفعال؛ نحو: مفتاح، وأورد صاحب "المفصل" هذه الأوزان الثلاثة، وقال: هذا قياس مطرد في جميع الأفعال الثلاثية.
ووجه اشتراط أن يكون الفعل ثلاثياً: هو أن الأفعال المزيدة يؤتي بها لمعان زائدة على أصل معنى الفعل، ووزن مفعل ومفعلة ومفعال لا يسع إلا ثلاثة أحرف، وهي أصول الفعل، فلو صيغ من المزيد اسم في أحد الأوزان الثلاثة، لفاتت المعاني التي تدل عليها الأحرف الزائدة في الفعل، وكذلك أخذه من الرباعي المجرد يستدعي حذف أحد حروفه، فيختل اللفظ، فإن ورد اسم الآلة من غير ثلاثي، فهو خارج عن القياس، فلك أن تستعمله كما استعمله العرب، وليس لك أن تقيس عليه ما لم يرد استعمال صحيح.
وصرح بعض الكاتبين في الصرف باشتراط أن يكون الفعل متعدياً، ولعلهم نظروا إلى أن أكثر ما ورد منه اسم الآلة الأفعال المتعدية، ونحن نجد في أمثلة اسم الآلة ما هو مصوغ من فعل لازم؛ نحو: معراج ومعرج