٤٢ - (الصوّار) في "القاموس": صار: صوّت، وعصفور صوّار.
٤٣ - (الصهّال) في "القاموس": صهل الفرس؛ كضرب، ومنع، صهيلاً، فهو صَهّال: صوّت.
٤٤ - (الصيّاح) في "القاموس": والمِصْدَح الصيّاح: الصيِّت.
٤٥ - (الضحّاك) في "القاموس": فهو ضاحك وضحّاك وضحوك.
٤٦ - (الطنّاز) طنز به؛ أي: سخر، فهو طنّاز.
٤٧ - (الطّوّاف) في "القاموس": والطوّاف أيضاً: الخادم يخدمك برفق وعناية.
٤٨ - (الطيّار) في "القاموس": وفرس مُطار وطيّار: حديد الفؤاد ماض.
٤٩ - (الطيّاش) في "المصباح": فهو طائش، وطيّاش مبالغة.
٥٠ - (العبّاس) في "المصباح": فهو عابس، وبه سمّي، وعبّاس أيضاً للمبالغة، وبه سُمِّي.
٥١ - (العجّاج) من عبجَّ؛ أي: صاح، وفي "القاموس": والعجّاج: الصيَّاح.
٥٢ - (العَوَّام) في "الأساس": الفرس العَوّام: السبوح.
٥٣ - (الغوّاص) في "الأساس": وقال عمر لابن عباس: غص يا غوّاص.
٥٤ - (الفحّاش) في (الأساس": أفحش فلان في كلامه، وفحش، وتفحش، وهو فحّاش.
٥٥ - (الفرّار) في "الأساس": هو فرّار وفَرور.
٥٦ - (الفوّارة) في "الصحاح": وفوّارة القدر: ما يفور من حرها،
стр. 2872
وفي "الأساس": عين فوّارة في أرض خوّارة.
٥٧ - (الفيّاح) في "اللسان": كل موضع واسع يقال له: أفيح، وفيّاح، والفعل من ذلك فاح يفيح فيحاً.
٥٨ - (القفّاف) من قفّ الصيرفيُّ؛ أي: سرق الدراهم بين أصابعه، وفي "القاموس": فهو قفّاف.
٥٩ - (القلّاص) من قلص الماء: ارتفع، وفي "القاموس": فهو قالص وقلوص وقلاّص.
٦٠ - (القوّام) في "المصباح": قام بالأمر يقوم به قياماً، فهو قوّام وقائم.
٦١ - (اللمّاح) من لمح البرق أو النجم؛ أي: لمع، وفي "القاموس": فهو لامح ولموح ولمَّاح.
٦٢ - (اللمّاع) في "الأساس": وبرق لامع ولَمَّاع.
٦٣ - (المزّاح) في "الأساس": ورجل مزَّاح.
٦٤ - (المشَّاء) في "الأساس": ورجل مشاء إلى المساجد.
٦٥ - (المزّاع) من مزع؛ أي: سعى فأسرع، وفي "اللسان": والقنافذ تمزع بالليل مزعاً: إذا سعت فأسرعت. ابن الأعرابي: القنفذ يقال لها: المزَّاع.
٦٦ - (المكَّار) في "القاموس": المكر: الخديعة، وهو ماكر ومكَّار.
٦٧ - (الموَّار) مار؛ أي: تردد في عَرْضٍ. وفي "الأساس": جمل موَّار الضبعين، وفرس موَّار الظهر.
٦٨ - (الميَّاس) من ماس؛ أي: تبختر، وفي "القاموس": فهو
стр. 2873
مائس ومَيُوس ومَيّاس.
٦٩ - (المثال) في "المصباح": مال الحاكم في حكمه ميلاً؛ أي: جار وظلم، فهو مائل، وميال مبالغة.
٧٠ - (النبّاج) من نبُاج الكلاب؛ أي: نبيحها، وفي "القاموس": وكلب نبَّاج ونُبَاجي: نبّاح.
٧١ - (النبّاح) من نبح الكلب، وفي "القاموس": وككَنَّاف: والد عامر مؤذن علي بن أبي طالب ﵁، والشديد الصوت.
٧٢ - (النبّاغة) يقال: نبغ الرأس: ثارت هبريته. وفي "الأساس": ومحجة نباغة: يثور ترابها.
٧٣ - (النهّات) في "القاموس": النهّات: النهّاق.
٧٤ - (النهّاض) في "الأساس": وهو نهَّاض ببزلاء؛ أي: خُطَّة عظيمة.
٧٥ - (النَوّام) في "الأساس": ورجل نَؤُوم، ونُوَمَة، ونوّام: كثير النوم.
٧٦ - (الهتّافة) من هتفت الحمامة، أو القوس؛ أي: صاتت، وفي "القاموس": وقوس هتّافة وهتَوف وهتفى: ذات صوت.
٧٧ - (هدّاج) من هدج الظليم؛ أي: مشى في ارتعاش. وفي "الأساس": وظليم هدّاج.
٧٨ - (الهذّاف) من هذف؛ أي: أسرع، وفي "القاموس": والهذاف؛ كشداد، ومحسن، وخجل: السريع.
٧٩ - (الهذّاء) في "أساس البلاغة": هو يهذي في كلامه، وهو هذَّاء.
٨٠ - (الهرَّاج) في "اللسان": وإنه لمهرج وهرّاج: إذا كان كثير الهرج.
стр. 2874
٨١ - (الهطّال) من الهطل، وهو تتابع المطر، وفي "القاموس": ومطر وسحاب هَطِل؛ ككتف، وشَدّاد.
٨٢ - (الهفَّاف) في "القاموس": والهفّاف من الحمر: الطيّاش.
٨٣ - (الهوّاس) من الهوس، وهو الطلب بجرأة، وفي "اللسان": وأسد هوّاس.
٨٤ - (الهوّاك) من التهوك، وهو الحمق، وفي "القاموس": رجل هوّاك، ومتهوِّك: متحير.
٨٥ - (الوبَّاص) من وبص؛ أي: لمع، وفي "الأساس": قمر وبّاص.
٨٦ - (الوثّاب) في "الأساس": وظبي وثّاب.
٨٧ - (الوضاح) في "الأساس": وإنه لوضّاح.
٨٨ - (الوقّاع) من وقع فيه؛ أي: اغتابه، وفي "القاموس"، ورجل وقّاع ووقّاعة: يغتاب الناس.
٨٩ - (الوَلاَّج) في "الأساس": وامرأة خَرَّاجة وَلاَّجة.
نظر المجمع في تلك النصوص التي اقتضت بإطلاقها أن صيغة فعال مقيسة في اللازم والمتعدي، وأضاف إلى هذا كثرة ما جاء في هذه الصيغة من نوعي اللازم والمتعدي. فقرر ما يأتي:
* قرار صوغ (فَعّال) للمبالغة:
يصاغ فَعّال للمبالغة من مصدر الفعل الثلاثي، اللازم والمتعدي.
стр. 2875
نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة (١)
قرأت اقتراح حضرة الأستاذ أحمد أمين بك "لبعض الإصلاح في متن اللغة"، فكنت ألاقي في هذا الاقتراح آراء مقبولة، وآراء كان المجمع قد أقرها، وجرى عليها في وضع كثير من المصطلحات، وآراء يصح أن تكون موضع بحث ومناقشة، وحيث إن المجمع قد عمل منذ نشأته على القاعدة التي لا يقوم العلم الصحيح إلا عليها، أعني: منح الحرية المطلقة لكل عضو من أعضائه يريد أن يبدي رأياً، أو يناقش غيره في رأي، لم أتردد في أن أعرض على حضراتكم ما بدا لي في هذا الاقتراح من ملاحظات، وانظروا ماذا ترون:
ذكر الأستاذ في فاتحة اقتراحه: أنه يجب على اللغة أن تخضع لحياتنا، تنمو بنمونا، وتسير مع زماننا، وزمن من يأتي بعدنا، وأن تسايرنا في تقدمنا، وتكون أداة طيّعة لتطورنا، وقال: إن لغة كل أمة عنصر من عناصر تكوينها، ورقيها أو انحطاطها.
وهذا الذي قاله الأستاذ لا يختلف فيه اثنان درسا شؤون الاجتماع، وعرفا مقتضيات التطورات التي تتنقل فيها الأمم حيناً بعد حين، ولكن اللغة تخضع لحياة الأمم، وتنمو بنموها على قدر ما تدعو إليه الحاجة بحق،
стр. 2876
وتسايرها في تقدمها، وتكون عنصراً من عناصر رقيها متى وقع زمامها في أيد تقودها بحزم وأناة.
ذلك أن الأحوال التي تطرأ على اللغة، أو التصرفات التي يراد إدخالها عليها، قد تكون من مقتضيات التطورات التي لابدَّ منها، وقد تكون أمراضاً تنذر بموتها، أو عيوباً تذهب بكثير من محاسنها.
تحدث الأستاذ عن علماء العربية، وجمعِهم للغة في صدر الدولة العباسية، وقال: إنهم أكملوا متن اللغة بالتعريب، وبتوسيع الاشتقاق بالقياس، وسايرت حركة الاجتهاد في اللغة حركة الاجتهاد في التشريع، وقال: "ثم أصيب العرب بالضربة الشنيعة في الأمرين، وهو إقفال باب الاجتهاد في التشريع، وباب الاجتهاد في اللغة".
ادعى بعض الفقهاء أن باب الاجتهاد مقفَل عندما أدرك الهممَ ضعف، وقلَّ في الناس من يدرس الشريعة دراسة تبلغ بصاحبها أن يكون مجتهدً، ولكن الراسخين في العلم - وإن ورثوا من السلف فتاوى وأقضية وأصولاً لاستنباط الأحكام - لم ينقطعوا عن الاجتهاد جملة، وكانوا لا يبالون أن يناقشوا أقوال أئمة المذاهب، ويتخيرون من بينها ما يرونه أرجح دليلاً، وأوفى برعاية المصلحة، ثم يطبقون على الحوادث المتجددة الأصولَ العامة، أو القواعد المذهبية الخاصة؛ كقاعدة المصالح المرسلة، وقاعدة سد الذرائع، وقاعدة رعاية العرف. واستمر الإفتاء والقضاء بفضل هؤلاء العلماء الذين يملكون أنظاراً مستقلة، جارين على منهج محفوف بعدل وسداد، ولعل كلمة إقفال باب الاجتهاد في الشريعة قيلت عندما تجاسر قليلو البضاعة في العلم على الإفتاء، وأفسدوا كثيراً من الأحكام بدعوى الاجتهاد.
стр. 2877
وأذكر أني كنت أنشات في تونس منذ أربعين سنة مجلة (١)، وقلت في أول عدد منها: "ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا بدليل يساوي الدليل الذي انفتح به أولاً".
وأما الاجتهاد في اللغة، فلا أدري متى أقفل بابه، وما زال علماء العربية في القرن السادس والسابع والثامن يناقشون آراء المتقدمين، ويقررون آراء تخالف آراءهم؛ مثل: ابن مالك، وأبي حيان، وابن هشام، وهذا ابن تيمية - وقد أدرك صدراً من القرن الثامن - قد كتب مخطئاً سيبويه في عشرات من المسائل، وهذا كتاب "بدائع الفوائد" لابن قيم الجوزية عامر بمسائل خالف بها علماء النحو والصرف.
فإذا فقد الاجتهاد اللغوي في عصر أو في موطن، فلأن همم طلاب اللغة قعدت بهم عن أن يبلغوا مرتبة الاجتهاد في نحوها وصرفها.
ذكر الأستاذ: أنه وقع التحايل على فتح باب الاجتهاد في التشريع، وقال: "ولمالم تنجح هذه الحيل، كانت الضربة المخجلة، وهي إهمال التشريع الإسلامي، والاعتماد على التشريع الأوربي، إلا في حدود ضيقة؛ كالأحوال الشخصية".
لم يفصح قلم عن وجه التحايل، حتى نأخذ معه بأطراف الحديث عنه، ونستطيع أن نوافقه في عدم نجاحه، أو نخالفه، والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن الاعتماد على التشريع الأوربي لم ينشأ عن فقد الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وإنما نشأ من ناحية أن التصرف في شأن المحاكم وقع
стр. 2878
في أيدي أشخاص لم يعرفوا كفاية الفقه الإسلامي للقضاء، او عرفوا هذا، ولكن لابستهم خواطر اتجهت بهم إلى استبدال التشريع الأوربي بالتشريع الإسلامي، ونحن نعلم أن دولة شرقية أخلت محاكمها من الشريعة الإسلامية حين ذهب بعض زعمائها إلى الطرف الأقصى في محاكاة الأوربيين، ونعلم أن أمة أخرى استبدلت التشريع الفرنسي بالتشريع الإسلامي يوم كان رئيس وزارتها لا يؤمن بحكمة الشريعة الإسلامية.
قال الأستاذ: "وأما في اللغة، فكذلك نمت اللغة العامية على حساب اللغة العربية، واستعمل الناس في حِرفهم وصناعاتهم وحياتهم اليومية الكلمات التي يرون أنفسهم في حاجة إليها، ولو أخذت من اللغات الأجنبية محرفة". ثم قال: "ولو استمروا على ذلك، كانت نتيجة اللغة نتيجة التشريع، ولا علاج لهذا إلا فتح باب الاجتهاد؛ لأن إغلاقه كان هو الداء".
لم يكن سبب نمو العامية إقفال باب الاجتهاد في اللغة، وإنما سببه قلة التعليم، وعدم وجود جماعات تسارع إلى أن تضع لكل معنى يحدث اسماً يليق به، وتذيعه بين الناس، كما فعل أصحاب العلوم فيما سلف؛ إذ رأوا أنفسهم في حاجة إلى وضع مصطلحات للمعاني التي لم يسبق للعرب أن وضعوا لها أسماء، فكثرت المصطلحات في الفقه والنحو والصرف، والفلسفة والحساب، والطب، وغيره، قال الجاحظ يتحدث عن المتكلمين: "وهم نخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، واشتقوالها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية مالم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفاً لكل خلف، وقدوة لكل تابع". ثم قال: "وكماسمى النحويون، فذكروا الحال والظرف وما أشبه ذلك؛ لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات،
стр. 2879
لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علوم العروض والنحو، وكذلك أصحاب الحساب قد اختلقوا أسماء، وجعلوها علامات التفاهم".
ونبه أبو علي ابن سينا في كتاب "القانون" على طرق يسلكونها لتسمية الأمراض التي لم يضع لها العرب أسماء خاصة، فقال: "قد تلحقها التسمية من وجوه: إما من الأعضاء الحاملة لها؛ كذات الجنب، وذات الرئة، وإما من أعراضها؛ كالصرع، وإما من أسبابها؛ كقولهم: مرض سوداوي، وإما من التشبيه؛ كقولهم: داء الأسد، وداء الفيل، وإما منسوباً إلى أول من يذكر أنه عرض له؛ كقولهم: قرحة طيلانية منسوبة إلى رجل يقال له: طيلاني، وإما منسوباً إلى بلدة يكثر حدوثه فيها؛ كقولهم: القروح البلخية، وإما منسوباً إلى من كان مشهوراً بالإنجاع في معالجتها؛ كالقرحة السيروتية، وإما من جواهرها وذواتها؛ كالحمى، والورم".
فإذا كان جماعات العلوم والفنون وضعوا من المصطلحات ما ألفت فيه كتب مستقلة، ونظر الناس إلى ما صنعوه بإعجاب واستحسان، فلو أن جماعة من العلماء في العهود الماضية أقبلوا على ما يرجع إلى الصناعات والشؤون الحيوية من الأشياء المحدثة، وأخذوا يضعون لها أسماء على نحو مصطلحات العلوم، لم يجدوا - فيما أحسب - منكراً يزعم لهم أن هذا اجتهاد في اللغة، وأن باب الاجتهاد مقفل.
ذكر الأستاذ: أن اللغة واسعة سعة عظيمة أكثر من اللازم، وضيقة في مواضع أخرى ضيقاً شديداً أكثر من اللازم، ثم قال: "وعلاج ذلك في نظري أمور".
وأورد في صدر هذه الأمور: التخفيف من كثير من مفردات اللغة التي
стр. 2880
في المعاجم؛ بعلة أننا لسنا في حاجة إلى الثمانين ألف مادة في "لسان العرب"، وقال: لابد من طرح بعض الألفاظ وإماتتها، إلا أن تكون مؤرخة للغة.
توضع المعجات ليأخذ الناس منها ألفاظاً يؤلفون منها خُطبهم ومراسلاتهم وأشعارهم، كما توضع لتيسر للناس فهم ما يقوله بلغاء اللغة من شعر ونثر، وليس من شك أن الألفاظ العربية التي تحتويها المعجمات هي مبثوثة في كلام العرب شعراً ونثراً، ودراسة آداب اللغة تقتضي أن نكون مستعدين لنفهم كل ما يصل إلينا من ذلك الشعر والنثر، فيحسن التخفف من مفردات اللغة في المعجمات التي توضع ليرجع إليها جمهور المثقفين في الكشف عن الكلمات التي تكثر الحاجة إليها، ولا بد لنا بجانب هذا من معجمات نتقي فيها الألفاظ الواردة عن العرب بقدر المستطاع. وقد يقول الأستاذ: هذا ما أردته بقولي: إلا أن تكون مؤرخة للغة. فنقول: لا تورد الألفاظ العربية الصحيحة في المعاجم المبسوطة لمجرد التاريخ، بل توضع لأنه يحتاج إليها في فهم شعر أو نثر قد يكون مشتملاً على حكمة بالغة، أو صورة معنى رائعة.
وأورد الأستاذ ثلاثة أنواع من الكلم رآها أولى من غيرها بالإعدام، وهي الكلمات الحوشية، والمترادفات، وأسماء الأضداد، وساق ممثلاً للكلمات الحوشية أبيات صفي الدين الحلي التي يقول في أولها:
إنما الحيزبون والدردبيس ... والطخا والنُّقاخ والعلطبيس
وملاحطتنا على هذا هو ما أشرنا إليه من أن أدب اللغة يحمل كثيراً من هذه الكلمات الحوشية أو المترادفة، أو ما قيل فيها: إنها أسماء الأضداد،
стр. 2881
وليس من التحقيق في العلم أن نمر على هذه الكلمات في شعر أو نثر دون أن نفهم معانيها، إلا أن يريد الأستاذ من الحكم بالإعدام: إعدام هذه الأنواع من الكلمات، وإعدام الشعر أو النثر الذي يحملها، فالحيزبون - مثلاً - ورد في شعر عبيد بن الأبرص من الجاهلية، والدردبيس وردت في شعر جزي الكاهلي، إلى غير هذا من الكلمات، بل نجد أشعار البلغاء من الإسلاميين والمحدثين عامرة بكثير من الكلمات الحوشية، وإذا صح لنا أن نقول لمن يزاولون صناعة الفصاحة: لا تستعملوا الكلمة الحوشية؛ فإنها مخلة بالفصاحة، فليس بأيدينا أن نقول لهم: لا تستعملوا هذه الألفاظ المترادفة، وهي مأنوسة الاستعمال، خفيفة على اللسان، كما أنا لا نستطيع أن نقول لهم: لا تستعملوا هذا اللفظ الذي قيل: إنه من أسماء الأضداد، فإن بأيديهم حجة قوية إذ يقولون: نحن أعرف بما يقتضيه المقام، ونفرق بين الكلام الذي يجب أن يكون نصاً صريحاً فيما يراد منه؛ كالمؤلفات العلمية، وعقود المعاهدات والمعاملات، والكلام الذي يحسن أن تقوم فيه القرائن الجلية مقام التصريح، أو القرائن الخفية مقام القرائن الجلية، أو يقوم فيه الإبهام مقام الإيضاح، ولا يمتري أحد في أن كثيراً من المراسلات والمحاصرات الأدبية والسياسية تقوم على البراعة في هذا الأسلوب من الكلام، وقد يكون لنحو التورية والتوجيه والإبهام أغراض نبيلة، وصور من المعاني تستروح إليها النفوس، ويزداد بها أدب اللغة ثراء يغبط عليه.
ورأى الأستاذ أن المترادفات لازمة للشعر العربي حيث تلتزم وحدة القافية والروي في القصيدة الطويلة، وأشار على الشعراء أن يهجروا هذه الطريقة، ويأخذوا بطريقة تعدد القافية حتى يمكن تنفيذ حكم الإعدام على
стр. 2882
كثير من المترادفات، وقال: "وما علينا لو تعددت القوافي في القصيدة الواحدة؟! فذلك أروح للسمع، وأفسح مجالاً للشاعر".
وحدة القافية والروي أو تعددهما أمر لا تسيطر عليه المجامع، وإنما هو متروك إلى ذوق الشاعر نفسه، والأذواق في مثل هذا تختلف باختلاف العصور، بل الأشخاص؛ ولا ينبغي -فيما أرى- أن نصرف الشعراء عن وجهة قد تكون ملائمة لأذواق كثير منهم، وهي وحدة القافية والروي، ونقصرهم على وجهة تعددهما، ونضطرهم إلى ذلك بإعدام وسيلة وحدة القافية، وهي المترادفات.
ثم تحدث الأستاذ عن المشترك، فقال: "ولكن لا أريد حذفه بتاتاً كما أريد حذف المتضاد، فالحاجة إليه شديدة، ولكن أريد التخفف منه قدر الإمكان".
يحسن التخفف من المشترك في المعجمات التي يراد منها إسعاف الجمهور؛ بأن تذكر فيها المعاني التي أكثر استعمال اللفظ المشترك فيها، وتترك المعاني التي قلما يستعمل فيها ذلك اللفظ، ولكن يجب أن نستوفي في المعاجم المبسوطة معاني الألفاظ المشتركة إجابة لداعي أدب اللغة؛ فإن معاني هذه الألفاظ قد عرفت من الشعر والنثر العربي القديم، وصارت مبثوثة في المنشآت التي حدثت في القرون الوسطى، أو في العصور القريبة من عصرنا.
ثم تعرض الأستاذ لصيغ الزوائد؛ كأفعل، وفعَّل، وفاعل، وانفعل، وافتعل، واستفعل، وذكر ما قاله النحاة في معانيها، وقال: "وجه العيب أنهم قصروا ذلك على ما سمع، ولم يبيحوا لعلماء اللغة أن يتوسعوا في هذا
стр. 2883
الاستعمال متى احتيج إليه، واقترح على المجمع أن يقرر قياسية ذلك".
قد قرر المجمع قياسية أفعل وفعَّل مستأنساً بنصوص بعض أئمة اللغة على قياسيتها، ونعلم أن بعض أئمة العربية قرر قياسية انفعل مطاوعاً ليفعل أو أفعل، أما المطاوع لفعل، فقد قال علماء الصرف: إذا أردت أن تجعل المتعدي لازماً، فالطريقة فيه أن ترده إلى باب انفعل، وأما المطاوع لأفعل، فقد صحح قياسيته ابن عصفور، وأما استفعل بمعنى طلب الفعل، فقد ذهب بعض الأئمة إلى أنه سماعي، وظاهر كلام ابن سعيد السيرافي أنه قياسي؛ إذ قال: أصل استفعلت الشيء في معنى: طلبته، واستدعيته، وهو الأكثر، وما خرج عن هذا، فهو يحفظ، وليس بالباب.
وقد وجدت في بعض مذكراتي عبارة يغلب على ظني أني نقلتها من "شرح المكمل على المفصل" لمظهر الدين محمد، ونصها: "فالباب في استفعلت الشيء أن يكون للطلب، أو الإصابة، وما عدا ذلك، فإنه يحفظ حفظاً".
ومما يلاحظ هنا: أن الأستاذ حرص على تصحيح كلمة "خابره" قياساً على قول العرب: نابأه، وأبدى هذا الحرص عقب دعوته إلى استبعاد كثير من المترادفات في معاجمنا، فهل يريد الأستاذ استبعاد المترادفات المسموعة، وتكثير مواد المترادفات المصنوعة بيد القياس؟
على أني لا أرى مانعاً من جعل صيغة فاعل لمعنى المشاركة في الفعل قياسية؛ لكثرة ترددها في النصوص العربية.
قال الأستاذ: "وكذلك الشأن في المصادر، فقد نصوا على أن الفعل إذا دل على حرفة، فقياس مصدره فِعالة؛ كالخياطة والحياكة، فلنعمم ذلك
стр. 2884
إذا شئنا؛ كالبرادة والنقاشة".
ذكر الأستاذ في هذه الفقرة أن النحاة نصوا على أن فِعالة مصدر قياسي للفعل الذي يدل على حرفة، فما وجه التوقف إذن في أن نقول: برادة، ونقاشة؟! وممن نص على قياسيته: ابن عصفور؛ فقد نقل عنه الأزهري وغيره أن فِعالة مصدر قياسي في كل فعل ثلاثي دل على حرفة، أو ولاية، سواء أكان مفتوح العين، أو مكسورها، وسواء كان متعدياً، أو لازماً.
وقد استأنس المجمع بمثل هذه النصوص، فقرر قياسيته، ونص القرار: "يصاغ للدلالة على الحرفة وشبهها من أي باب من أبواب الثلاثي مصدر على وزن فِعالة".
قال الأستاذ: "وفَعَلان يدل على التقلب؛ كالجولان والغليان، فنقيسه في مثله متى احتجنا إلى ذلك، ولو لم ينصوا عليه".
لا داعي لهذا الاقترح، وقد قرر المجمع فيما سلف قياسية هذا المصدر، ونصه: يقاس المصدر على وزن فَعَلان للفعل اللازم مفتوح العين إذا دل على تقلب واضطراب.
قال الأستاذ: "وصيغة فَعَّال تطلق على صاحب الحيوان، ومروضه، فقالوا: فيل وفيّال، فلم لا نقول إذا احتجنا: قرد وقرّاد، وكلب وكلَّاب، وهكذا؟ ".
تكلم النحاة على استعمال فعّال للنسب، ونقلوا عن سيبويه أنه سماعي، ونقلوا عن المبرد أنه قياسي، فيقال لصاحب الفاكهة: فَكَّاه، ولصاحب البر: برَّار ولصاحب الشعير: شعّار؛ كما قالوا: عطّار وبزّاز.
وقال ابن سيده في "المخصص": فرق حُذّاق النحويين بين فاعل
стр. 2885
وفعّال، فقالوا: الباب فيما كان ذا شيء، وليس بصنعة يعالجها: أن يجيء على فاعل؛ لأنه ليس فيه تكثير؛ كقولنا لذي الدرع: دارع، ولذي اللبن: لابن، والباب فيما فيه صنعة ومعالجة: أن يجيء على فعّال؛ كالبزّاز والنجّار، وقد يستعمل أحدهما في موضع الآخر؛ نحو: ترّاس لصاحب الترس، وقد يستعمل في الشيء الواحد لفظان؛ نحو: رجل سائف وسيّاف. ومقتضى كلام ابن سيده أن نقول: قارد لمن له قرد، وقرّاد لمن يسوس القرود، على أن المجمعات قد نعتت أنه يقال لسائس القرود: قراد، قال صاحب "القاموس": والقرد معروف، والقرّاد: سائسه.
قال الأستاذ: "كذلك من أصعب الأبواب وأكثرها غلطاً في العربية المذكر والمؤنث"، وذكر ألفاظاً معانيها مذكرة، وقد لحقتها الهاء، وهي: راوية وعلّامة ونسّابة.
ثم ذكر ألفاظاً دالة على أوصاف خاصة بالإناث جاءت خالية من الهاء، وهي: كاعب، وناهد، وذكر ألفاظاً تستعمل للذكر والأنثى خالية من علامة التأنيث، وهي: أملود، وظهير، وضامر، وقال: "إن هناك الحيرة في أسماء هي مؤنثة أم مذكرة؛ كالدرع، والصاع، والسكين، والدلو، والسوق، والعسل، والدوح".
وقال: "فيجب العمل لتسهيل هذه الصعاب المربكة، والجرأة في تنظيمها، ووضع قواعد عامة، ولو خالفنا فيها بعض النصوص".
للأستاذ أن يضع قاعدة تخالف نصوص النحويين، وللمجمع أن ينظر في هذه القاعدة، ويزنها بمقاييس اللغة المأخوذة من موارد الكلام الفصيح، وليس للأستاذ أن يضع قاعدة تبطل استعمالاً شائعاً في نصوص الفصحاء،
стр. 2886
وتفرض على أبناء العربية استعمالاً لم يألفوه فيما ينطق به فصحاؤهم في القديم والحديث، والهاء في راوية الشعر، وعلاّمة ونسّابة ونحوها للمبالغة، وأي ضرر في استعمال الهاء للمبالغة حيث لا يحتمل المقام إرادة التأنيث؟. وجاء الأستاذ بقواعد ليضبط بها باب التذكير والتأنيث، وقال أولاً: "جواز تأنيث كل مؤنث بإلحاق تاء التأنيث إليه، فيقال: هي كاعبة، وناهدة، وشاب أملود، وجارية أملودة، وجمل ضامر، وناقة ضامرة".
الأوصاف التي تختص بها الإناث مثل: كاعب وناهد وطالق يلتزم فيها حذف الهاء؛ لأن الهاء يؤتى بها في الأصل للفرق بين المذكر والمؤنث، فاستغني عنها في مثل هذه الأوصاف؛ لظهور التأنيث من نفس الوصف، ومع هذا، فقد قال النحويون: إذا أريد منه معنى الفعل؛ كأن يقال: طالقة غداً، جاز أن تلحق الهاء إجراء له مجرى الفعل، أما ما لا يختص بالإناث، كأملود وضامر، فلا مانع عندي من أن تلحقه الهاء على وجه الجواز، فقد ورد في المعجمات: أملودة، وضامرة، وظهيرة، قال صاحب "القاموس": شاب أملود، وجارية أملودة. وقال صاحب "اللسان": وناقة ضامر ذهبوا إلى النسب، وضامرة. وقال: بعير ظهير: إذا كان شديداً قوياً، وناقة ظهيرة.
ومن القواعد التي قصد بها الأستاذ تنظيم باب التأنيث والتذكير قوله: كل ما ليس مؤنثاً حقيقياً؛ كأسماء الجماد، إذا لم تكن فيها علامة التأنيث؛ كالدلو والبئر والأرض والسماء والنجم، يجوز تذكيره وتأنيثه؛ لما حكى صاحب "المصباح" عن ابن السكيت، وابن الأنباري؛ إذ قالا: إن العرب تجترئ على تذكير المؤنث إذا لم تكن فيه علامة التأنيث!!
الألفاظ التي تخلو من علامة التأنيث، وسُمع من العرب تأنيثها يقسّمها
стр. 2887
علماء اللغة إلى قسمين: ما يجب تأنيثه، وما يجوز تأنيثه وتذكيره، وقد تعرض لجمعها بعض كتب فقه اللغة؛ كـ "المخصص"، أو كتب النحو؛ ككتاب "المكمل في شرح المفصل"، وقصد بعضهم إلى جمعها مستقلة؛ كما صنع ابن جني، وابن الحاجب، وكنت منذ عهد بعيد قد تتبعتها في هذه المؤلفات وغيرها، فبلغت نحواً من مئة وستين اسماً، وقد تختلف عبارتهم في واجب التأنيث وجائزه، وإذا نحن أتينا إلى كل ما روى فيه أحد العلماء الوجهين من التذكير والتأنيث، وجعلناه في قبيل المتفق على أنه جائز التأنيث، بقي لنا فيما يجب تأنيثه نحو أربعين كلمة ونيف، وهذا المقدار قريب المأخذ متى أردنا المحافظة على ما هو جار في الاستعمال الفصيح.
ثم إن من ينظر في اللغة الألمانية يجد كلماتها التي يرجع تأنيثها إلى السماع لا تكاد تدخل تحت حساب، فهل خطر على بال طائفة من علمائها أن يبدلوا هذا الوضع من أوضاعها بدعوى أنه فوضى واضطراب؟. ثم إن وجود هذا القسم - أعني: واجب التأنيث - هو الذي يشهد له الاستعمال المعروف في الكلام الفصيح، وقرر جمهور علماء العربية التزام هذا الاستعمال، ولكن بعض اللغويين أجازوا نحو: الشمس طلع، والسماء أمطر، والأرض اخضرّ، قال الألوسي في "شرح ضرائر الشعر": "وعن ابن كيسان الجوهري أن الفعل إذا كان مسنداً إلى ضمير المؤنث المجازي لا يجب إلحاق علامة التأنيث به".
ورأى الأستاذ أن يعد في اللغة ما استعمله أبو تمام والبحتري والمتنبي وأبو العلاء، ومن أتى بعدهم على منوالهم، وقال: فإذا استعمل هؤلاء لفظة،
стр. 2888
أو تعبيراً لم يرد في المعاجم، ووجدناه صالحاً يسد حاجة من حاجتنا، استعملناه.
هذا الذي قاله الأستاذ قد ذهب إليه بعض علماء العربية قديماً، وقد استشهد الزمخشري في "تفسيره" ببيت لأبي تمام، وقال: وهو - وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة - فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.
واستشهد أبو علي الفارسي في كتاب "الإيضاح" ببيت لأبي تمام كان سيف الدولة يعجب به، وينشده كثيراً.
واستشهد الرضي في عدة مواضع من "شرح الكافية" بأشعار أبي تمام، وجرى على هذا المذهب: الخفاجي في الاستشهاد بشعر المتنبي. وقال في شرح "درة الغواص": أجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه. واستشهد ببيت لابن دريد، وقال: وابن دريد إمام ثقة نعد ما يقوله بمنزلة ما يرويه.
وتجاوز الأستاذ هذه الطبقة من علماء العربية، وقال: "وإذا استعمل المقري التذكرة بمعنى الرقعة التي يكتب فيها للتذكر، فهي عربية، والألفاظ الاصطلاحية التي استعملها ابن خلدون ليسد بها حاجته في علم الاجتماع عربية، فهل علينا أن نعد ما استعمله أبو تمام وأضرابه عربياً؛ لأنهم عُرفوا بإتقان الرواية، وسعة الاطلاع، وطول الباع في صناعة البيان، وذلك مما يجعل الخطأ فيما استعملوه من الكلمات والأساليب بعيد الاحتمال".
ومن موجبات الفوضى في اللغة: أن نعمد إلى ما يستعمله المؤلفون، ولو لم يتصدوا لرواية اللغة، وبعد عهدهم من العهود التي كانت فيها اللغة
стр. 2889
على الألسنة نقية؛ كالمقري، وابن خلدون، ونجعله عربياً، والطريقة السليمة -فيما أرى-: أن ننظر إلى ما يستعمله هؤلاء المؤلفون من الكلمات التي لا تحتويها المعاجم العربية، ونعرضها على مقاييس اللغة، فإن لم تدفعها، تلقيت بالقبول؛ ككلمة التذكرة؛ فإن عربيتها مسلَّمة؛ إذ ليس فيها سوى التسمية بالمصدر، واستعمال المصدر فيما يقوم به، أو يقع عليه، قياس مطَّرد، أما إن كانت مثل كلمة: صدفة، أو كلمة: عمولة، فلا أرى وجهاً لعدها في قبيل اللغة العربية، وإدخالها في المعاجم.
وليسمح الأستاذ بأن أتقدم له بسؤال: هو أنه قال في هذا المقال: "الصعوبة المربكة"، فهل أراد الأستاذ عندما استعمل كلمة: مربكة أن تعد عربية صحيحة، وتدخل في المعجمات الجديدة، أو أنه كتبها على وجه السهو، وكلنا يقع في مثل هذا السهو؟ فإن كتبها على أن تعد عربية، مع وجود ربك، فقد أعان على تكثير المترادفات، وهو يدعو بإلحاح إلى أن نستبعد كثيراً منها، وإن كان كتبها على وجه السهو، فلم لا يحمل ما كتبه المقري، أو ابن خلدون؛ مما لم يسمع، ولم يدخل تحت قياس، على أنه مصدر سهو؟.
ذكر الأستاذ: أن من أشق الأمور على دارس اللغة العربية: وزن الفعل الثلاثي ماضيه ومضارعه، ومشى في تصوير هذه الصعوبة حتى قال: "ولو ترك هذا الأمر على حاله، ما أمكن النطق الصحيح الدائم، مهما طال الزمن، وكثر الدرس".
في الأفعال الستة صعوبة، ولكن متى قرر المجمع التزام شكل الحروف، وصار الناشئ يقرأ الأفعال الكثيرة الاستعمال في الكلام على وجهها الصحيح؛
стр. 2890
لكثرة ما يسمعها، أو تقع عليها عينه وهي واضحة الشكل، لم تبق إلا الأفعال القليلة الاستعمال، فربما لقي فيها صعوبة عادية حيث يحتاج في معرفة بابها إلى مراجعة بعض المعجمات.
قال الأستاذ: وقد أدرك هذه الصعوبة بعض العلماء قبلنا، فاجتهدوا فيها، فقد روى "القاموس" في مقدمته عن أبي زيد الأنصاري: "إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التي يأتي ماضيها على فعل، فأنت في المستقبل بالخيار، إن شئت قلت: يفعُل - بضم العين -، وإن شئت قلت: يفعِل -بكسرها -".
إنما تحدث أبو زيد على أفعال المضارعة للفعل الذي لم يسمع مضارعه، وذلك الذي فهمه أهل العربية فيما رأينا، وقد تصدى المرتضى في "التاج" لزيادة شرح هذه العبارة، وقال: ويريدون بمجاوزة المشاهير: أن يرد عليك فعل لا تعرف مضارعه بعد البحث في مظانه، أما إذا ورد في بعض المعجمات أنه من باب نصر، أو من باب ضرب، فيتعين الوجه الذي جاء في المعجمات. وهذا صاحب "المصباح" يقول: "وإن لم يسمع في المضارع بناء، فإن شئت ضممت، وإن شئت كسرت، إلا الحلقي العين أو اللام، فالفتح للتخفيف، وإلحاقاً بالأغلب".
قال الأستاذ: "وهو اجتهاد حسن لا بأس به، ولكن يجب أن يكون لنا من الحق ما لأبي زيد، فننظم الأفعال الثلاثية كلها، ولا نقتصر على ما كان من باب فعل، ولا نجيز أن يكون مضارع فعل من باب ينصر أو يضرب، فإن هذه توسعة ضارة لا حاجة إليها، بل نكتفي بوزن واحد، وليكن وزن يضرب".
اجتهاد أبي زيد على وجه الذي فهمه علماء اللغة حسن لا بأس به،
стр. 2891
ولنترك مناقشة الأستاذ في تنظيمه للأفعال الثلاثية حتى يفصله، ومتى كان الأستاذ يريد من قوله: "ولا نجيز أن يكون مضارع فعل من باب ينصر"، فعد الذي لم يسمع مضارعه، فله أن يكتفي بوزن واحد، ولا يحجر على غيره أن ينطق به على وزن ينصر ما دامت قواعد اللغة تسمح بذلك.
قال الأستاذ: "فإذا جاز لأبي زيد أن ينظم بعض التنظيم، فنحن أحق ما نكون للتنظيم الكامل، وأقدر منه".
يعمل أبو زيد وأمثاله لتنظيم اللغة في دائرة الإبقاء على أوضاعها ومقاييسها المنظور فيها إلى استعمال فصائحها، ولسنا أقدر منهم على هذا التنظيم المعقول. أما التصرف في اللغة بنحو الهدم والتغيير والتبديل، فغير علماء العربية أسرع إليه، وأقدر عليه من علماء العربية.
قال الأستاذ: "وهناك أبواب أخرى في اللغة العربية مسببة للخلط والاضطراب؛ كباب التعدي واللزوم، وباب العدد، والمصادر، وكثرتها وبعثرتها، وجموع التكسير واضطرابها ... إلخ، وكلها تحتاج إلى ضبط، ولو بتضحية أرجئ القول فيها إلى فرصة أخرى".
ذكر الأستاذ في الأبواب التي يراها مسببة للخلط والاضطراب: باب العدد، وأذكر بهذه المناسبة أن شخصاً كتب في إحدى المجلات مقالاً حاول فيه قلب بعض الأوضاع العربية، وذكر في جملتها تذكير العدد للمؤنث، وتأنيثه للمذكر، واقترح تغيير هذا الوضع.
ونحن نعود فنقول: إن الأخذ بمثل هذا الاقتراح ينحرف بنا عن الغرض النبيل، وهو المحافظة على سلامة اللغة العربية؛ إذ هو اقتراح لإعدام شيء من مميزاتها، ولو مشينا في هذا السبيل، لكنا نعمل لإفناء اللغة العربية،
стр. 2892
وإحداث لغة أخرى.
ذكر الأستاذ: أن فتح باب الاجتهاد في اللغة لتنظيمها لا يكون إلا بالاعتقاد بأن اللغة ملكنا، وقال: "نتصرف فيها كما يتصرف الملاك بالهدم والبناء، والتغيير والتبديل".
ليست اللغة ملكاً لأفراد، ولا لجماعات قليلة العدد، وإن رأوا في أنفسهم الكفاية للتصرف معها بالهدم والبناء، والتغيير والتبديل ما رأوا، وإنما هي ملك للأمة التي تنطق بها، والناطقون باللغة العربية شعوب يبلغ عددهم نحواً من ستين أو سبعين مليوناً، ومن بين هذه الشعوب علماء درسوا اللغة دراسة ملأت نفوسهم بالإعجاب بها، والحرص على سلامتها، وإنما يطمحون إلى تكميل حاجاتها بنحو وضع مصطلحات لما يتجدد من العلوم والفنون، ووضع أسماء لما يتجدد من مقتضيات المدنية، إلى نحو هذا مما تسعه مقاييسها، ويشر طرق تعليمها، والمجمع ألّف في مصر للمحافظة على سلامة اللغة العربية، وهذا ماجعل الشعوب العربية - ومن بينها مصر - تقدره، وتعلق عليه أمل القيام بالمهمة التي ألقيت على عاتقه، وتسائل كل ركب عن سيرته، وعما قرر في مؤتمراته، فإن أراد المجمع أن يتصرف في اللغة بالهدم والبناء، والتغيير والتبديل، فإنما يريد العمل لإيجاد لغة إقليمية، لا للمحافظة على سلامة اللغة العربية.
قال الأستاذ: "وأخيراً نستخلص من هذا كله مبدأ واحداً، وهو تقرير فتح باب الاجتهاد في اللغة؛ لتنظيمها، وضبط الفوضى فيها".
لا نرى باب الاجتهاد في اللغة مقفلاً، ولكن للاجتهاد فيها حدود، متى تخطاها الناظر، خرج إلى تفكير لا يسمى اجتهاداً في اللغة العربية، وإنما
стр. 2893
المجتهدون في اللغة من يستكثرون من حفظ ألفاظها، ويمعنون النظر فيما يراد بها من المعاني، ثم يقبلون على النظر في كلام العرب، فيستخرجون المقاييس التي يقوم عليها الاشتقاق، والنظم التي تراعى في التراكيب.
قال الأستاذ: "ثم لا خطر من هذا الاجتهاد في اللغة مطلقاً متى أحكم طريقه، ومتى حوفظ على مقومات اللغة، وليست مقومات اللغة [في]، ألفاظ تحذف، وألفاظ تزاد، ولا في هذه الفوضى في كثير من الأبواب، إنما مقومات اللغة في هيئتها، وبناء كلماتها، وطريقة الاشتقاق، ونحو ذلك".
نوافق الأستاذ في أنه لا خطر على اللغة من الاجتهاد في اللغة مطلقاً متى أحكم طريقه، ومتى حافظ المجتهد على مقومات اللغة، ولم يمد يده إلى هدم وضع من أوضاعها التي عرفت بها، أو جرى عليها بلغاؤها بدعوى أنها فوضى منتشرة في أبوابها.
стр. 2894
نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير (١)
اطلعت على مقال نشر في إحدى المجلات (٢) الأسبوعية تحت عنوان: "إعرابان جديدان في صيغة التحذير"، فرأيت كاتب المقال قد أنكر ما قاله أعلام النحويين في إعراب صيغة التحذير، ورماه بالتكلف، وأبدى الكاتب تأويلين في إعرابها، وادعى أنهما خير مما قاله النحويون، وختم مقاله بقوله: "فكم ترك الأول للآخر! ".
ولما تراءى لي أن تأويلَي كاتب المقال ليسا خيراً مما قاله النحويون، خطر على بالي أن كتب كلمة أُلم فيها بوجهة نظر أولئك الأعلام، وأترك القول الفصل للقارئ الذي لا يضع المسائل موضع القبول إلا بعد عرضها على أصول العلم الذي تتصل به، وبحثها بروية وأناة.
قال كاتب المقال: "اضطرب النحويون في إعراب صيغة التحذير مع الواو التي يجعلونها للعطف اضطراباً كبيراً، ومن هذه الصيغة قول الشاعر:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
стр. 2895
ولم يأتهم هذا الاضطراب إلا من هذه الواو الداخلة على المحذَّر منه، فقد اتفقت كلمتهم على أنها للعطف، مع أن معنى الصيغة ينبو عن ذلك نبواً كبيراً".
يأتي العرب عند قصد التحذير من المكروه بضمير المخاطب المنصوب، أو باسم مضاف إلى ضمير المخاطب المتصل، ويأتون بعده باسم المحذَّر منه مقروناً بالواو، فيقولون - مثلاً -: إياك والأسدَ، ويقولون: رأسَك والسيفَ. ومن الواضح أن إعراب هذين التركيبين لا يتم إلا بتقدير عامل في المنصوب، أعني: إياك في المثال الأول، ورأسك في المثال الثاني.
ولما كان المتبادر من الواو الواردة في الصيغة هو العطف، لاحظ النحويون في التقدير صحة معنى التحذير، وقد اختلفت عباراتهم في المقدَّر، فمنهم من راعى الاقتصاد في التقدير، فجعل العطف من قبيل عطف المفردات، وقدر فعلاً يصح تسليطه على المحذَّر والمحذَّر منه مع إفادة الغرض الذي هو التحذير، فقال: التقدير: إياك باعدْ (١) والشر، ويهذا التقدير يكون الإعراب قد أخذ حقه، ثم إن الذهن ينساق من طلب مباعدته لنفسه والشر إلى أن المراد باعد نفسك من الشر، وباعد الشر منك.
ومن النحويين من قصد إلى أن يكون المقدر أوضح دلالة على التحذير، فجعل العطف من قبيل عطف الجمل، وقدر لكل واحد من المنصوبين في الصيغة فعلاً، فقال: التقدير: إياك باعد، واحذر الشر.
стр. 2896
ومن قلَّب نظره في طرق الإيجاز في كلام العرب، ورآهم كيف يعتمدون على ظهور المعنى من الجمل، ولا يبالون حذف ما كان عمدة في الكلام أو فضلة، لم ير في حذفهم لفعلين في صيغة التحذير، واكتفائهم بالمفعولين، ما ينبو عنه المعنى نبواً كبيراً أو صغيراً.
وقد تكلم العرب بمثل هذا الضرب من الإيجاز، إذ قالوا: كلَّ شيء ولا شتيمةَ حُر، والتقدير: اصنع كل شيء، ولا ترتكب شتيمة حر، وقالوا: أهلَك والليلَ، والتقدير: ألحق أهلك، وبادر الليل.
والتقدير الصحيح المقبول ما كان مطابقاً لأصول اللغة، ملائماً للغرض الذي يرمي إليه المتكلم، غير زائد على قدر الحاجة.
إذا اختلفت عبارات النحويين في المقدر في صيغة التحذير، فإن من تلك المقدرات ما نجده مطابقاً لأصول اللغة، مؤدياً معنى التحذير، مقتصراً فيه على قدر الحاجة.
وإن كان اختلاف النحويين في الألفاظ المقدرة في التحذير يعدّ اضطراباً كبيراً، فسترى أن كاتب المفال لم يفعل شيئاً سوى أن زاد في طين هذا الاضطرابِ بلَّة.
قال كاتب المقال: "والحقيقة أن الواو في قولك: إياك والشر، ليست للعطف كما فهم النحويون؛ لأن واو العطف تقتضي دخول المعطوف في حكم المعطوف عليه، فيكون العامل في المعطوف عليه بحيث يصح تسليطه في اللفظ والمعنى على المعطوف".
قد عرفت أن الذين يجعلون صيغة التحذير من قبيل عطف المفردات يقدرون عامل النصب في المعطوف والمعطوف عليه لفظ: باعدْ، ونحوه،
стр. 2897
على معنى أن المطلوب من المخاطب تبعيد نفسه من الشر، وتبعيد الشر منه، وذلك قصد المحذر، والمباعدة يصح تسليطها على المحذر الذي هو المخاطب، والمحذر منه وهو الشر.
أما الذين يجعلون الصيغة من قبيل عطف الجمل، فيقدرون للمحذر عاملاً من نحو احذر، فلكل من المحذر والمحذر منه عامل يصح تسليطه عليه في اللفظ والمعنى.
قال كاتب المقال: "وأنت إذا قلت: إياك والشر، فالمعنى القريب لهذه الصيغة: أحذرك والشر، ولكن هذه الواو لا تستقيم أن تكون للعطف في هذا المعنى القريب لهذه الصيغة؛ لأن هذا العامل الذي قدرناه، لا يصح تسليطه على ما بعدها؛ إذ لا يصح أن تقول: احذر الشر، كما تقول: أحذرك؛ لأن الشر محذر منه، لا محذر كالمخاطب، وللواو استعمالات كثيرة غير استعمالها في العطف، وإذا عرضنا هذه الواو التي معنا على تلك الاستعمالات، وجدنا أقربها إليها أن تكون زائدة".
يتلخص تأويل كاتب المقال لصيغة التحذير في تقدير "احذر"، وجعل الواو في المحذر منه زائدة، أما تقدير احذر، فإن صح، إنما يصح في الصيغة المبدوءة بضمير المخاطب "إياك"، أما الصيغة المبدوءة باسم مضاف إلى المخاطب؛ نحو: رأسَك والسيَف، فإن فعل احذر غير صالح للعمل فيها؛ إذ لا يصح أن يقال: احذر رأسك والسيف، فلا بد من تقدير فعل من نوع ما يقدره النحاة، وهو: باعدْ أو نخِّ، وإذا رأى كاتب المقال نفسه مضطراً إلى العدول عن "احذر" في هذا القسم من التحذير، لزمه أن يسلم أن تقدير باعد أو نح، في نحو إياك والشر، لا يعد في قبيل التعقيد والخروج
стр. 2898
عما نستسيغه الآن.
ثم إننا إذا وجدنا جملتين عطفت إحداهما على الأخرى، وكانت إحداهما صريحة في طلب أو نهي، والأخرى قد حذف منها المسند، وساعد المعنى على أن يقدر المسند فعلاً مضارعاً، أو فعل طلب، فمراعاة التناسب تقتضي أن يكونا متفقين في الطلبية، وقد وجدنا العرب يأتون بصيغة التحذير معطوفة على أمر أو نهي، أو معطوفاً عليها أمر أو نهي، ومن أمثلة ذلك البيت الذي ساقه كاتب المقال، أعني قوله:
ولا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فإن قوله: "وإياك وإياه" معطوف على قوله: "ولا تصحب".
ومما عطف فيه النهي على صيغة التحذير قول أمية بن طارق الأسدي:
إياك والظلم المعبس إنني ... أرى الظلم يغشى بالرجال المغاشيا
ولاتك حفّاراً بظلفك إنما ... تصيب سهام الغي من كان غاويا
فقوله: "ولا تك حفّاراً" معطوف على قوله: "إياك والظلم". ومن هذا الباب قوله ﷺ : "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا".
ومما عطف فيه الأمر على صيغة التحذير قول عمر بن الخطاب ﵁: "إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، وليذِّك لكم الأسلُ والرمح"، فقوله: "وليذك" معطوف على قوله: "إياي وأن يحذف". ومن هذا الباب قوله ﵁: "إياكم والبطنة؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم".
ومما وردت فيه صيغة التحذير بين أمر ونهي تقدما عليها، وأمر تأخر
стр. 2899
عنها: قول عمر بن الخطاب: "أما بعد: فاستعينوا على الناس وكل ما ينوبكم بالصبر والصلاة، وأمر الله أقيموه، ولا تدهنوا فيه، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك، وارضوا من الشر بأيسره؛ فإن قليل الشر كثير".
وكون المعنى في نحو: "إياك والأسد" على قصد التحذير، لا يقتضي تقدير عامل النصب من مادة حذر، كما أن القصد من نحو: "أخاك أخاك" هو الإغراء، ولا يصح أن يقدر عامل النصب هنالك من مادة أخرى.
وأما دعوى كاتب المقال أن الواو الداخلة على المحذر منه زائدة، فكلمتنا في نقده هي أن الألفاظ وضعت للدلالة على ما يقوم بالنفس من المعاني، فأصل الكلام أن يكون لكل كلمة منه معنى يقوم بنفس المتكلم، ويريد نقله إلى نفس المخاطب، فلا يصح لأحد أن يدعي زيادة كلمة في صيغة من صيغ الكلام إلا حيث يعجز الناس عن أن يذكروا لها معنى يلائم الغرض الذي صيغ له الخطاب، وقد وجد النحويون حروفاً ترد في مواضع من التراكيب مرة، وتسقط منها مرة أخرى، دون أن يظهر لها عندما تذكر معنى زائد على ما يفيده التركيب الخالي منها، فحكموا بزيادتها، مثل "أنْ" الواردة بعد "لما"، و "ما" الواردة بعد بعض حروف الجر.
وهؤلاء الذين يحكمون في بعض الحروف بالزيادة، لا يجيزون حمل كلمة على الزيادة إلا إذا تعذر فهم التركيب على وجه تحمل فيه على أحد معانيها الأصلية، قال الرضي في "شرح الكافية": "والأصل عدم الحكم بالزيادة ما كان للحكم بالأصالة محتمل". والنحويون قد فهموا من صيغة التحذير أن الواو عاطفة، وذكروا في تقدير عامل النصب وجهاً يلائم العطف، فصرْف الواو إلى الزيادة مع إمكان بقائها عاطفة خروج عن الأصل.
стр. 2900
أراد كاتب المقال أن يؤيد دعوى أن الواو في صيغة التحذير زائدة بذكر نظائر في كلام العرب، فقال: كالواو في قول الشاعر:
فمابال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري
فالواو في قوله: "وينوي" زائدة؛ لأنها حال، والمضارع المثبت لا يقترن بالواو، ومثلها:
ولقد رمقتك في المجالس كلها ... فإذا وأنت تعين من يبغيني
فالواو في قوله: "فإذا وأنت" زائدة؛ لأن ما بعد إذا الفجائية "لا يقترن بالواو".
قد تكون زيادة الواو في البيتين ظاهرة بحيث تساوي أو ترجح رأي من يذهب فيهما إلى تأويل غير دعوى زيادة الواو، ولكن الحكم بزيادة حرف في تركيب جزئي على نحو ما ورد في البيتين، أمره هين بالنسبة إلى الحكم بزيادة حرف في صيغة عامة كصيغة التحذير تواردَ عليها الفصحاء من العرب، حتى كادوا لا يلفظون هذه الصيغة إلا مقرونة بهذه الواو.
قال كاتب المقال:
"ومن الواو الزائدة أيضاً: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤] ".
ذهب بعض المعربين للقرآن الكريم إلى أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، وفي قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ زائدة، ولكن فريقاً ممن يقدرون بلاغة القرآن قدرها أنكروا أن يكون في القرآن حرف زائد، وذهبوا إلى أن الواو في الآيتين عاطفة، وجعلوا الآية الأولى من قبل ما حذف
стр. 2901
فيه جواب إذا.
وجعلوا الآية الثانية من قبيل ما حذف فيه جواب لما، والتقدير: فلما أسلما، وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم؛ فإن هناك ما لا يوصف من ألطافه تعالى.
وممن أنكروا أن يكون في القرآن حرف زائد صاحب "المثل السائر"، فقال راداً على من قال: إنَّ "أنْ" في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]، زائدة: إن هذه اللفظة لو كانت زائدة، لكان ذلك قدحاً في كلام الله تعالى، وذلك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، فلا يكون كلامه معجزاً. وممن أنكروا ما أنكره ابن الأثير العلامة ابن قيم الجوزية، وألف كتاباً سماه "الفتح المكي" قرر فيه أن ليس في القرآن حرف زائد، وتكلم فيه على ما قيل: إنه زائد، وبين أن كل لفظة لها فائدة متجددة.
ولما قال أبو عبيدة: إنَّ "إذْ" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، زائدة، أنكر عليه المفسرون، حتى قال الزجّاج: هذا اجترام من أبي عبيدة.
ونحن لا نمنع أن يجيء في القرآن شيء من الحروف التي يسميها النحاة حروف الصلة؛ مثل: إن، وأن، وما، ومن، والباء؛ مما شاع استعماله في كلام البلغاء دون أن تدل على معنى من معانيها الخاصة بها، ونكتفي بالمعنى العام الذي هو التوكيد حتى يبدو لنا منها معنى غير التوكيد، ولا نجيز لأحد أن يقصد إلى حرف في القرآن من غير هذه الحروف المعهود استعمالها في كلام البلغاء ويحمله على الزيادة، وتخريجُ الآيات على حذف بعض
стр. 2902
أجزاء الكلام لظهور معناه، أيسرُ من الحكم على بعضها بالزيادة.
قال كاتب المقال: "فلتكن تلك الواو التي ترد في صيغة التحذير داخلة على المحذر منه، زائدة، لا عاطفة؛ لأنك تقول: إياك والشر، كما تقول: إياك الشر، سواء بسواء، وهذه هي علامة الزيادة، الواو ونحوها من الحروف الزائدة، فيكون إعراب الصيغتين واحداً، وإياك فيها مفعول أول، والشر مفعول ثاني، ولا فرق بينها إلا زيادة الواو في الأولى دون الثانية".
يُحكَم على الحرف بالزيادة إذا لم يوجد وجه لحمله على معنى معروف في الاستعمال، أو معنى يناسب الغرض الذي سيق له الكلام، ولا يكفي في الحكم على الحرف بالزيادة أن يذكر في التركيب مرة، ويسقط منه مرة أخرى على وجه الندرة، ويكون المعنى مستقيماً في الحالين؛ فإن شأنهم فيما ورد مقروناً بحرف له معنى وروداً غالباً، ثم ورد على وجه الندرة غير مقرون بهذا الحرف: أن يحملوا الكلام على وجه يلائم المعنى المعروف للحرف، ويحملوا تلك الأمثلة النادرة على وجه لا يخدش في أصالة ذلك الحرف، وهذا حال صيغة التحذير من نحو قولك: "إياك والأسد"؛ فقد وردت مقرونة بالواو في كلام الفصحاء، ولم ترد مجردة من الواو إلا في قول نادر، ولما رأى النحويون حمل الواو الواردة في غالب الكلام الفصيح على العطف لا ينبو عنه المقام، أخذوا به في الإعراب، وحملوا ما ورد مجرداً من الواو على وجوه سنذكرها فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
بل شأنهم فيما يستعمل مقروناً بحرف مرة، ومجرداً منه مرة أخرى: أن يحملوا ما اقترن بالحرف على معنى يقتضيه الحرف، ويحملوا المجرد على معنى يقتضيه الخلو من ذلك الحرف، وإن شاع كل منهما في الاستعمال،
стр. 2903
ولا يذهبون إلى الحكم بزيادة الحرف إلا إذا تعذر عليهم تخريج الكلام على وجه يلائم معنى الحرف، وانظروا إلى الأخيار حين تتعدد؛ إذ يصح عطف بعضها على بعض تارة، فنقول: زيد وشاعر وكاتب، ويصح تجريدها من حرف العطف تارة أخرى، فنقول: زيد عالم شاعر كاتب. ووجه هذا: أنك قد تنظر إلى تعداد الصفات وهي متغايرة، والتغاير يقتضي العطف، وقد تنظر إلى أن الذات الحاملة للصفات واحدة، وهذا الاتحاد يسوّغ تجريدها من حرف العطف.
قال كاتب المقال: "وبعضهم يوجب جر المحذر منه بمن إذا لم تذكر هذه الواو، ولكنه محجوج بقول الشاعر:
فإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعَّاء وللشر جالبُ
فقوله: "المراء" هو المحذر منه، وهو غير مجرور بمن؛ لأنه لا يلزم تقدير المحذوف فعلاً يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى الثاني بمن، بل يجوز تقديره فعلاً يتعدى إلى مفعولين بنفسه".
قد أريناك أن الوارد على وجه الندرة لا يقضى به على الغالب في استعمال البلغاء، بل تحمل الواو الواردة في غالب الاستعمال على أحد معانيها المعروفة حتى يمنع منه مانع لفظي أو معنوي.
والصيغة المجردة من الواو لم ترد إلا في وجه نادر، ولندرته لم يبن عليها جمهور النحويين صحة نحو: اياك الأسد، وقالوا: المحذر منه الذي يذكر بعد المحذر، يجب أن يكون مقروناً بالواو، أو بمن، وحملوا البيت الذي أورده كاتب المقال على ضرورة الشعر، أو على أن المراء جرى على قاعدة النصب بنزع الخافض، والأصل: من المراء، وذهب سيبويه إلى أن
стр. 2904
الشاعر أضمر بعد إياك فعلاً آخر هو الناصب للمراء، فقال في "الكتاب": "ولو قلت: إياك والأسد، تريد: من الأسد، لم يجز"، ثم قال سيبويه: "إلا أنهم زعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز هذا البيت في شعر:
إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالبُ
كأنه قال: إياك، ثم أضمر بعد إياك فعلاً آخر، فقال: اتق المراء".
وذهب إلى هذا الذي ذكره كاتب المقال في صحة نحو: إياك والأسد بدرُ الدين بن محمد بن مالك، وخالف الجمهور في منعه، وقدر عامل النصب في الاسمين لفظ "احذر"، غير أن بدر الدين بن مالك لم يتسرع إلى أن يقول: إن الواو في مثل: إياك والأسد، زائدة، بل يوافق الجمهور في أن الواو في نحو هذه الصيغة عاطفة. أجاز بدر الدين بن مالك نحو: إياك الأسد، ولم يقل: إن الواو في نحو: إياك والأسد زائدة بشبهة أن المعنى في الصيغتين واحد، كما قال كاتب المقال، ذلك أن معنى التركيب قد يأخذ في حال ذكر الحرف صورة غير الصورة التي يأخذها حال تجرده من ذلك الحرف، فتختلف الصورتان، ويكون المعنى في ظاهر الكلام واحداً، فلو قلت: إياك الأسد، مقدراً: احذر - مثلاً - أخذ المعنى صورة غير الصورة التي يأخذها عندما تقول: إياك والأسد، مقدراً فعلاً يقع على المعطوف والمعطوف عليه؛ نحو: باعدْ، فصورة المعنى في التركيب الأول تشتمل على الإخبار بأن المتكلم يحذر المخاطب من الأسد، وصورة المعنى في التركيب الثاني تشتمل على أمر المخاطب بأن يباعد نفسه من الأسد، ويباعد الأسد منه، والصورتان يلتقيان على غرض واحد هو: تحذير المخاطب من أن يدنو من الأسد.
стр. 2905
قال كاتب المقال: "وهناك استعمال لواو العطف تأتي فيه بمعنى باء الجر، فلا تقضي من التشريك في الحكم ما يقتضيه الاستعمال المشهور لواو العطف، وذلك كالواو في قولهم: أنت أعلم ومالك، وكذلك الواو في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً، فالواو فيهما حرف عطف تقتضي التشريك في اللفظ، ولا تقتضي التشريك في الحكم؛ لأنها بمعنى باء الجر، ومعنى الأول: أنت أعلم بمالك، ومعنى الثاني: بعت الشاة شاة بدرهم".
ورد عن العرب أنهم قالوا: أنت أعلم ومالك، وقالوا: بعت الشاة شاة ودرهماً، فمن النحويين من ذهب إلى هذا الذي حكاه كاتب المقال، فقالوا: الواو بمعنى الباء، وهي مع دلالتها على هذا المعنى عاطفة، والعطف من قبيل التشريك في اللفظ دون الحكم.
ومن النحويين من ذهب في تأويل التركيبين إلى تقدير ألفاظ تكون بها الواو مستعملة في معناها المعروف، أعني: العطف الذي يقتضي التشريك في اللفظ والحكم.
وإذا عقدنا موازنة بين المذهبين، وجدنا في المذهب الأول ضعفاً من ناحيتين:
أولاهما: أن في جعل الواو بمعنى الباء زيادة معنى في معانيها الدائرة في كلام العرب، ومن الأصول المعقولة التقليل من الاشتراك في الألفاظ ما أمكن التقليل.
ثانيتهما: أن جعل الواو للعطف في اللفظ دون الحكم، مخالف لأصل العطف الذي هو التشريك في اللفظ والحكم.
أما المذهب الثاني، فيعتمد على تقدير ألفاظ في نظم الكلام، والتقدير
стр. 2906
لا يرتكب إلا عند الحاجة، فهو خلاف الأصل.
وتقدير كلمات يقتضيها الإعراب، وتتصيد من مجرى الخطاب، قد يكون أخف من تكثير الاشتراك في الألفاظ، والخروج بالعطف عن التشريك في اللفظ والحكم، ولكنه قد يكون أضعف من مخالفة ذينك الأصلين متى كانت الألفاظ المحذوفة كثيرة لا تتسابق إلى الذهن حين التلفظ بأصل الجملة، كما قال بعضهم في تقدير المحذوف في المثال الأول: أنت أعلم بحال مالك، فأنت ومالك، ثم خفف بحذف معمول أعلم "بحال مالك"، وحذف المبتدأ "أنت" المعطوف عليه "مالك"، وكما قال بعضهم في تأويل المثال الثاني: دفعت شاة، وأخذت درهماً.
فهذه الألفاظ التي أدعي حذفها في المثالين لا تنساق إلى ذهن السامع على أنها ملاحظة لتصحيح الإعراب يسهولة.
قال كاتب المقال: "وإذا صح للنحويين أن يجعلوا الواو عاطفة في هذين المثالين بمعنى باء الجر، فإنه يصح لي أن أجعل الواو الداخلة على المحذر منه عاطفة أيضاً، ولكنها بمعنى "من" الجارة، وليست هي الواو العاطفة التي تقتضي التشريك في اللفظ والحكم معاً، ويكون معنى قولك: إياك والشر: إياك من الشر، وهذا أيضاً إعراب تجري هذه الصيغة عليه بسهولة التأويل، وليس فيها شيء من التكلف الذي يشوه جمال العبارة، وينبو عنه الذوق الصحيح، والطبع السليم".
قد أريناك أن الوجه الذي حكاه كاتب المقال عن بعض النحاة في تخريج المثالين السابقين خارج عن أصل التقليل من الاشتراك في الألفاظ، وخارج عن أصل العطف الذي هو التشريك في اللفظ والحكم.
стр. 2907
واذا سلك بعض النحاة في المثالين ذلك الوجه الخارج عن الأصول، فلأن غيره من الوجوه لا يخلو أيضاً من مخالفة بعض الأصول.
فتأويل كاتب المقال يشارك تأويل الجمهور في تقدير عامل النصب، ولكن تأويل الجمهور موافق للأصول من جهة إبقاء الواو على معنى العطف الذي يقتضي التشريك في اللفظ والحكم.
ثم ذكر كاتب المقال وجوهاً أبداها النحويون في إعراب صيغة التحذير، وقال: "ومن يوازي بين هذه التكلفات التي ذهبوا إليها، وبين التأويلين السهلين اللذين اخترتهما، لا يتردد في اختيارهما على تكلفاتهم، ولا يهمه نسبتهما إلى علمائنا الأوائل، فكم ترك الأول للآخر! ".
حدثناك عن بعض الوجوه التي يراها النحويون في إعراب صيغة التحذير، وأريناك أنهم لم ينصرفوا فيها إلا بتقدير عامل النصب، وكاتب المقال يشاركهم فى هذا التقدير، ومن وجوه الفرق بينهما: أن ما يقدره النحاة يدل على طلب الابتعاد من المحذر منه بأصل وضعه، وما يقدره كاتب المقال موضوع للإخبار، وإنما يؤخذ منه الطلب بدليل خارج عن مدلول الصيغة بحسب وضعها.
ثم إن العامل الذي يقدره النحاة يجري في نحو: رأسَك والسيفَ، والفعل الذي يقدره كاتب المقال لا يجري في نحو هذا الضرب من التحذير.
ويلاقيك في تأويل كاتب المقال وجوه من الضعف لا تجدها فيما يقوله النحويون، مثل: دعوى زيادة الواو، أو أنها بمعنى من، أو أن العطف بها للتشريك في اللفظ دون الحكم.
стр. 2908
ملاحظات على البحث المقدَّم عن موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى (١)
كتب حضرة العضو المحترم الأستاذ فريد بك أبو حديد بحثاً تحت عنوان: "موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى"، وألقاه في مجلس المجمع في الدورة الماضية، ثم إن المجمع وزع هذا البحث على حضراتكم لمناقشته في هذه الدورة، ووصلتني نسخة منه، فألقيت على البحث نظرة فاحصة، فلاحظت فيه فقرات تستوقف النظر، ليتعرف الهدف الذي نرمي إليه، وها أنذا أعرض على حضراتكم ملاحظاتي على تلك الفقرات، بعد أن أُورد كل فقرة بنصها، وانظروا ماذا ترون؟
قال حضرة العضو (ص ١): "والذي يتتبع تاريخ العربية الفصحى يستطيع أن يدرك أنها كانت تتغير وتتطور دائماً في ألفاظها وأساليب تعبيرها، حتى بعد أن جاء الإسلام، ونزل القرآن الكريم بلغة قريش، وخلع عليها نوعاً من الثبات جعل تطورها محدوداً".
التطور الذي كان يعرض للغة العربية في ألفاظها وأساليبها قبل أن يجيء الإسلام وينزل القرآن هو التطور الذي يعرض لجميع اللغات عندما
стр. 2909
تأخذ في النمو والتدرج في مراقي الكمال، ولم ينقضِ العصر الذي ظهر فيه الإسلام، ونزل فيه القرآن، حتى بلغت اللغة أشدها، وتسنمت ذروة كمالها، فاستقرت على هذا الحال الكامل من جهة قوانين بيانها، وفنون بلاغتها، وفصاحة ألفاظها.
ولا بد للغة الحية بعد هذا التطور الكمالي من تطورآخر تساير به حاجات العصر، ومقتضيات الحضارة في دائرة ما انتهت إليه من كمالها الجوهري، ولم تقف اللغة دون هذا في المائة الأولى لصدر الإسلام، واستطاعت أن تعبر عن كل معنى من معاني العلوم أو المحدثات، وأصبح الفرق بين التطور الذي أخذته اللغة في عهد الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، والطور الذي بلغته في عهد نزول القرآن الكريم واضحاً.
قال حضرة العضو المحترم (ص ١): "وقد كان للاتصال بين اللغة العربية والقرآن الكريم أثران عظيمان".
قال حضرته هذه العبارة، ثم ذكر الأثرين، وسنسوق إلى حضراتكم نص حديثه عن هذين الأثرين، ثم ملاحظاتنا عن ذلك الحديث، حتى يتبين أن صلة الاتصال بين اللغة العربية الفصحى والقرآن الكريم قد أورثت اللغة أساليب بديعة، وارتقت بفنون تبلغها إلى ذروة الكمال، ولم ينشأ عن هذا الاتصال أثر يصدق عليه أنه عقيم.
قال حضرة العضو المحترم مبيناً الأثر الأول الذي قال: إنه نشأ عن الاتصال بين الفصحى والقرآن الكريم: "الأول: أن اللغة العربية احتفظت بصورة كادت تكون مستقرة مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً، وصار التراث الثقافي المتخلف من تلك القرون كلها ملكاً سهل التناول لكل من يقرأ الفصحى
стр. 2910
إلى يومنا هذا".
إن أراد حضرته بالصورة التي احتفظت بها اللغة: الصورةَ التي تتقوم من مراعاة قوانين تراكيبها، فهذا يجب أن يكون، ومن حاول تغيير تلك القوانين، يسقط من حساب العاملين لسلامة اللغة العربية، وإنما يريد إحداث لغة إقليمية، وإن أراد بالصورة التي احتفظت بها: هي أنها حدثت معان علمية أو مدنية، ولم توضع لها أسماء خاصة، فهذا لم يكن ناشئاً عن قصور في اللغة، ولا عن اتصالها بالقرآن الكريم، وإنما هو الإهمال ممن شأنهم القيام على تسييرها مع العلم والمدنية.
قال حضرة العضو المحترم في (ص ١): مبيناً الأثر الثاني الذي قال: إنه ترتب على اتصال الفصحى بالقرآن الكريم: "والأمر الثاني: أن اللغة العربية منذ استقرت، فقدت كثيراً من المرونة الضرورية لتطور اللغات، ولا سيما فيما يتصل بالحياة اليومية والمعاملات، فنشأ من ذلك شيء من الانفصال بين لغة الثقافة والأدب والفكر، وبين لغة الأسواق والمعاملات اليومية وما إليها".
لم تفقد اللغة شيئاً من المرونة الضرورية لتطور الحياة؛ فقد كانت وسائل التطور ولا زالت متوفرة فيها، مثل: المجاز والاشتقاق والتعريب، وإذا وجدت معان علمية أو مدنية، ولم تأخذ في هذه اللغة أسماء خاصة، فذلك عائد إلى تقصير الموكول إليهم العمل على مسايرتها لمقتضيات الحياة.
قال حضرة العضو المحترم (ص ١): "وما زال هذا الانفصال يزداد مع تغيير الأحوال، وتبدل ظروف الحياة؛ لأن اللغة الفصحى قنعت بأن تكون أداة للتعبير الفكري والعلمي، وكانت القداسة التي خلعها عليها القرآن الكريم من أقوى أسباب اتصالها بالدراسة العقلية، وقلة قبولها للتطور الذي يبعدها