وقال صاحب "القاموس": "مرح؛ كفرح ونشط: تبختر، والاسم ككتاب؛ أي: مراح"، وقال: "صقله: جلاه، فهو مصقول، وصقيل، والاسم ككتاب"، وقال: "فطمه: فصله عن الرضاع، والاسم: ككتاب".
وقد يبدو للناظر في المعاجم أن ليس للغويين قاعدة مضبوطة في تسمية بعض أسماء المعاني أسماء مصادر؛ لوجوه:
أحدها: أنهم قد يترددون، أو يختلفون في الصيغة الواحدة بين كونها مصدراً أو اسماً كما قال صاحب "القاموس": عتق العبد يعتق عتقاً، ويفتح، أو بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقال: الصدق - بالكسر والفتح -: ضد الكذب، أو - بالفتح -: المصدر، و - بالكسر - الاسم، وقال: عاف عيفاً وعيافاً، أو ككتاب: مصدر، وككتابة: اسم، وقال صاحب "المحكم": التلقاء اسم مصدر، لا مصدر، وقيل: مصدر، ولا نظير له.
ثانيها: أنهم يختلفون في الصيغة، هل هي اسم مصدر، أو هي مصدر في بعض اللغات، كما قال صاحب "المصباح": شربته شَرباً - بالفتح -، والاسم: الشُّرب - بالضم -، وقيل: همالغتان، أي: كل منهما مصدر، وكل مصدر عائد إلى لغة، وورد الحَج بالفتح، والحِج بالكسر، فقال أبو علي الفارسي في كتاب "الحجة": الحج مصدر، والحِج الاسم، وقال غيره في "المخصص": همالغتان.
ثالثها: قد يدرج بعضهم في أسماء المصادر صيغة يعدها النحويون من الصيغ الجارية على القياس؛ كما عدّ صاحب "المصباح": النواح اسم مصدر لناح، مع أن الفُعال - بضم الفاء - من الأوزان القياسية مما يدل على صوت؛ كالصراخ، وقد أورده صاحب "القاموس" في المصادر، ثم
стр. 2837
٠ قال: والاسم: النياحة.
رابعها: أن يذكر فعلا ثلاثياً، وفعلاً آخر من المزيد. ويوردون صيغة واحدة على أنها اسم مصدر لهما؛ كما قال صاحب "المصباح" في مادة: ألف: ألفته إلفاً: أنست به، والاسم: الألفة - بالضم -، والألفة أيضاً اسم من الائتلاف.
خامسها: أن يختلف عمل المعجميين في الصيغة الواحدة، فيوردها
أحدهم في جملة المصادر، ويقول الآخر عنها: إنها اسم مصدر؛ كما ساق صاحب "القاموس" المودة في مصادر ودّ، وعدها صاحب "المصباح" اسم مصدر، فقال: والاسم: المودة، وكما اختلفا في لفظ مُزاحة، ساقها صاحب "المصباح" مساق المصدر، وعدها صاحب "القاموس" اسماً لمصدر مزح. واختلفا في لفظ البخل كفلس، ساقه صاحب "القاموس" مساق المصادر لبخل، وعده صاحب "المصباح" اسم مصدر.
ونسب فارس الشدياق لصاحب "القاموس" تخليط المصدر باسم المصدر؛ حيث ذكر القوت - بالضم - في مصدر قات، مع أن صاحب "الصحاح" عده اسماً إذ قال: والاسم: القوت.
وقد يجدهم الناظر يذكرون للفعل الواحد مصادر متعددة، ولا يسمون واحداً منها اسم مصدر، كما ذكر صاحب "القاموس" لفعل لزم ستة مصادر، ولخسر سبعة مصادر، ولمكث تسعة مصادر، وللقي أحد عشر مصدراً، ولتم عشرة مصادر، ولم يقل في واحد منها: إنه اسم مصدر.
وأحياناً يذكرون للفعل الواحد مصدراً، ويردفونه بصيغ يقولون عنها: إنها أسماء مصادر، قد يكون من المعقول أن يذكرواللفعل المزيد صيغاً
стр. 2838
ليست جارية عليه، ويسمونها: أسماء مصدر؛ كما قال صاحب "القاموس": أوصاه، ووصَّاه توصية: عهد إليه والاسم: الوصاة، والوصاية، والوصية، ولكن النظر يقف عندما يذكرون فعلاً ثلاثياً ومصدره، ثم يذكرون صيغاً بمعنى المصدر، ويسمونه: أسماء مصدر، كما قال صاحب "القاموس": "مزح مزحاً"، ثم قال: "ومُزاحة، ومُزاحاً - بضمهما -، وهما اسمان".
* أسباب اختلات المعاجم في مسألة اسم المصدر:
لعدم اتحاد المعاجم على وجهة واحدة أسباب نعرض على حضراتكم ما بدالنا منها أثناء البحث، عسى أن يكون لعرضها أثر في تلافي ذلك النقص فيما سيصدره المجمع من المعاجم:
١ - جرى علماء اللغة على أن يجمعوالهجات القبائل العربية في لغة واحدة، فيذكرون للفعل الواحد مصادر متعددة، وقد يكون للفعل في لغة قبيلة صيغة مصدر، وله في لغة غيرها من القبائل صيغة أخرى، فهذا صاحب "القاموس" - مثلاً - عدّد لكل من فعلي حمّل وكذّب مصدرين هما: التحميل، والتحمال، والتكذيب، والكِذّاب، والواقع أن كل واحد من المصدرين عائد إلى لغة. قال سيبويه في "الكتاب": "وقال قوم: كلمته كِلاَّماً، وحَمَّلته حِمَّالا". وقال الكسائي: "أهل اليمن يجعلون مصدر فعّل فِعّالاً، وغيرهم من العرب يجعلونه تفعيلاً". ومن أمثلة هذا أن صاحب "القاموس" ذكر مصادر فعل طلع، فقال: طلعت الشمس طلوعاً، ومطلَعاً، ومطلِعاً، وسيبويه يقول في الكتاب أتيتك مطلِع الشمس؛ أي: عند طلوعها، وهذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز، فيفتحون؛ أي: اللام.
ومن قبيل ما كان تعددُ مصادره من اختلاف اللغات: غزر؛ ككرم،
стр. 2839
غزراً، وغزراً؛ أي: أكثر، فقد قال الأصمعي كما في "أمالي أبي علي القالي": إن الغزر لغة أهل البحرين، والغزر - بالفتح - اللغة العالية.
ويدلكم على أن تعدد المصادر قد يكون من اختلاف اللغات: أن قياس أهل نجد كما قال الرضي في "شرح الشافية" أن يقولوا في مصدر مالم يسمع مصدره من فعَل - المفتوح العين -: فُعول، متعدياً كان أو لازماً، وقياس الحجازيين فيه: فعل، متعدياً كان أو لازماً.
ونشأ من إيراد المصادر من غير أن تنسب إلى قبائلها أن ألحقوا بعض المصادر باسم المصدر، وإنما هو مصدر في لغة من اللغات؛ كما عد بعضهم شُرباً - بضم الشين - اسم مصدر لشرب، وإنما هي لغة تميم، قال صاحب "المزهر": شربت الماء شَرباً، وبنو تميم يقولون: شربت الماء شُرباً.
٢ - ومن المصادر الجارية على بعض الأفعال ما يوضع موضع مصدرٍ آخر جارٍ على فعله الخاص؛ كوضع تعقيد موضع تعقُّد، في قولك: فصاحةُ الكلام: خلوُصه من التعيقد،. إذ الكلام إنما يوصف بالتعقد، لا بالتعقيد، ولكنك وضعت التعقيد موضع التعقد، وقد جاء في الكتاب العزيز: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وضع هنا التبتيل موضع التبتُّل، وكثيراً ما يقول المتقدمون في مثل هذا النوع: اسم أقيم مقام مصدر كذا، وسماه سيبويه في كتابه: مصدراً، فقال: باب: ما جاء المصدر فيه على غير الفعل؛ لأن المعنى واحد، وذلك قولهم: اجتوروا تجاوراً، وتجاوروا اجتواراً، فإن معنى اجتوروا وتجاوروا واحد، وأورد في هذا القبيل آية: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ وقول القطامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تَتَبَّعُهُ اتِّباعا
стр. 2840
كما استعمل رؤبة الانطواء موضع التطوي في قوله: "وقد تطويت انطواء الحضب"، والحضب: الحية. وقد يطلق بعض أهل العربية على هذا النوع كلمة: اسم مصدر، مع أن له فعلاً يجري عليه.
٣ - وقد يجد اللغوي اسم معنى، ولا يقف له على فعل من لفظه يجري عليه، فيسميه: اسم مصدر؛ كما قال ابن الحاجب في "أماليه": "واسم المصدر هو اسم المعنى، وليس له فعل يجري عليه؛ كالقهقرى". ولكن ثبت عند غيره أن له فعلاً يجري عليه؛ كما ورد في "القاموس": أنهم قالوا قهقر؛ أي: رجع إلى خلف. وكما قال ابن درستويه في "شرح الفصيح": ليس واحد من الخُطبة والخِطبة بمصدر لقولك: "خطب المرأة" يخطب، ولكنهما اسمان يوضعان موضع المصدر؛ لأن مصدر هذا الفعل غير مستعمل. وقد ثبت عند غيره أن له مصدراً جارياً عليه، وهو الخطب، أورده صاحب "القاموس"، وأضاف إليه: الخطبة، والخطِّيبى على أن الثلاثة مصادر لهذا الفعل.
٤ - قد يسمون اللفظ الدال على الحدث: اسم مصدر؛ حيث يجدونه وارداً على صيغة غير معروفة في المصادر، ومن هنا أنكر كثير من علماء الصرف أن يكون ما جاء على وزن فَعول - بالفتح - مصدراً، وقالوا فيما ورد منه؛ كَقبول ووَلوع: اسم مصدر، لا مصدر، وحكى صاحب "اللسان" عن ابن جني: أن المجوبة: اسم مصدر من أجاب، ثم قال: "ولا تكون مصدراً؛ لأن المفعلَة عند سيبويه ليست من أبنية المصادر"، وقال صاحب "المحكم": التقاء اسم مصدر، لا مصدر، وإلا، فتحت التاء، فسماه: اسم مصدر؛ حيث ورد في وزن غير معروف في المصادر.
стр. 2841
٥ - ثم إن اللغويين قد يصرحون بأن كذا اسم مصدر؛ كما قال صاحب "المخصص": الجزاء اسم مصدر، وقد يقولون بعد ذكر الفعل والمصدر: والاسم كذا، ويتبعونه بما يدل على أنهم أرادوا اسم المصدر؛ كما قال صاحب "المخصص": أنفذت الأمر: قضيته، والاسم النَّفْذ، يقال: أمرته بنَفْذه؛ أي: إنفاذه. وتارة يردفونه بما يدل على أنهم أرادوا المشتق من نحو اسم الفاعل أو المفعول؛ كما قال صاحب "اللسان" في مادة دفأ: والاسم: الدفء - بالكسر -، وهو الشيء الذي يُدفئك، وقال صاحب "العين" فيما نقله صاحب "المخصص" وهو يتحدث عن صفد بمعنى أوثق: "والاسم الصفاد، والصفاد: حبل يوثق به، أو غُل".
وكما قال صاحب "المخصص": "فاد له مال فيداً، والاسم: الفائدة، وهو ما استفدت". وقال في مادة كنز: "والاسم: الكنز، إنما أراد: المال المكنوز؛ أي: المدفون؛ بدليل قوله: والجمع كنوز". وكثيراً ما يقول: والاسم كذا، إنما يريد: اسم الفاعل. وقد تدلك الصيغة على أن المراد اسم الفاعل؛ كما قال صاحب "النهاية": بئس يبأس بؤساً وبأساً: افتقر، والاسم: بائس. وسيبويه قد يعبر في "الكتاب" بالاسم عن اسم الفاعل؛ كما قال بعد ذكر أفعال ومصادرها: والاسم: قاتل، والاسم: خالق، والاسم: لاحس، والاسم: لا قم.
وقد يقولون بعد ذكر الفعل والمصدر: "والاسم كذا". ولا يستبين من عبارتهم ماذا أرادوا، وهذا قد يختلف في تفسيره الكاتبون في اللغة أنفسهم؛ ككلمة "بُقيا"، قال صاحب "القاموس": "والاسم: البُقيا"، ولم يذكر ما يبين المراد منها، وأوردها صاحب "المخصص"، وقال: "البُقيا:
стр. 2842
الإبقاء على الشيء". ولكن صاحب "أقرب الموارد" أوردها مع البقوى، وقال: "أسماء لما بقي".
ولم يقع اضطراب لمعاجم اللغة الألمانية في ذكر اسم المصدر؛ لأن المصادر عندهم كلها منتهية بحرفي en. فما عداها مما يدل على المعنى الذي يدل عليه المصدر هو اسم مصدر؛ نحو der cang: الذهاب، و Die kemitnis المعرفة sicit: النظر.
* ما الطريق التي يصح لنا أن نتحراها في صنع معاجمنا؟
إذا كانت كلمة: اسم المصدر من المصطلحات التي نشأت في المصدر الأول، ودخلت في معاجمنا قديماً وحديثاً، بل في أكثر العلوم العربية، وكان لها نظير في اللغات الراقية، لا نرى وجهاً للاستغناء عنها وإيرادها أينما وجدت في قبيل المصادر، حتى على المذهب المشهور القائل: إن مدلول معنى اسم المصدر هو معنى المصدر، ويمكننا أن نتحاشى ذلك الاختلال الواقع في المعاجم بتقرير قاعدة مضبوطة؛ بأن نعتمد الفرق بين المصدر واسم المصدر من جهة اللفظ على ما قاله النحاة، واتبعته المعاجم في أكثر المواد، وهو أن اسم المصدر: ما كانت أحرفه أنقص من أحرف الفعل، والمصدر: ما كانت أحرفه مساوية لأحرف الفعل، أو أزيد منها.
ونضم إلى هذا ما يفهم من تعريف اسم المصدر من أنه إنما يكون للأفعال المزيد فيها؛ أي: لا يكون للأفعال الثلاثية، أو المصادر الثلاثية اسمُ فعل، وقد صرح بذلك بدر الدين بن مالك، فقال: "اسم المصدر ما كان لغير ثلاثي؛ كالغسل، والوضوء". ونعتمد على أن لا فرق بينهما من جهة المعنى؛ أي: أن كلاً منهما يدل على المعنى الصادر من الفاعل، أو القائم
стр. 2843
به، وإذا أراد المتكلم أن يدل على معنى الفعل غير ملاحظ تعلقه بفاعل أو مفعول، كان الأولى أن يدل عليه باسم المصدر؛ لأنه أخصر، وله أن يعبر بالمصدر؛ إذ المصدر نفسه قد يستعمل في العربية مشاراً به إلى الاحداث كذات قائمة بنفسها، وذلك ما يعنونه بقولهم: المصدر معنى الثبوت، وما يشار به إلى الحدث باعتبار تعلقه بفاعل أو مفعول، وهو ما يعنونه بقولهم: المصدر بمعنى الحدوث (١)، ومن المعروف في اللسان الألماني أن المصدر قد يستعمل كالمصدر الاسمي مراداً منه الحدث المجرد ويصلونه بأداة التعريف der kammen المجيء، der sehen الرؤية.
ويسوغ لنا أن نطرح من أسماء المصادر كل اسم معنى له فعل ثلاثي يلاقي الفعل المزيد في المعنى، ونذكره على أنه مصدر للفعل الثلاثي، وإذا استعمل مع الفعل المزيد كأنه مصدر له، جعلناه من قبيل المصدر الذي وضع موضع مصدرآخر، وليس كل مصدر أقيم مقام مصدر آخر يستحق أن يسمى: اسم مصدر، فنحو لفظ: نبات له فعل ثلاثي هو نبت، فاستعماله مع الفعل الذي يلاقيه في المعنى، وهو أنبت، لا يقتضي دخوله في قبيل اسم المصدر، وإنما هو مصدر أقيم مقام مصدر آخر؛ لخفته، أو لاستقامة الفاصلة، أو القافية، ونحو ذلك من مقتضيات حسن البيان.
وممن درج على الفرق بين اسم المصدر وما وضع موضع المصدر: صاحب "المصباح" حين تكلم عن لفظ نبات في آية ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، وقال: قيل: وضع موضع المصدر، وقيل: هو اسم مصدر.
أما اسم المعنى الذي لم نجد له فعلاً ثلاثياً يلاقي الفعل المزيد في
стр. 2844
المعنى؛ نحو: عطاء، وكلام، وسلام، فلتسميته اسم مصدر وجه، وهو مجيئه على خلاف ما هو معهود في المصادر من ارتباطها بالأفعال، وجريانها عليها بمعنى: استيفاء حروفها.
وترك تسمية بعض الألفاظ العربية باسم المصدر الذي هو مصطلح علمي لا يمس جوهر اللغة بشيء، وإنما هو تصرف في اصطلاح لم يتفق عليه علماء العربية أنفسهم.
هذا ما ظهر لي في تلافي النقص الذي وقع لمعاجمنا في مسألة اسم المصدر، ولينظر المجمع الموقر ماذا يرى.
стр. 2845
شَرْحُ قراراتِ المجمَعِ، والاحتجاجُ لها تكملة مادة لغوية ورد بعضها في المعجمات، ولم ترد بقيتها (١)
نرى كتب اللغة - ولو كانت مبسوطة - قد تهمل في كثير من المواد بعض ما يتفرع عنها من نحو المصادر، والأفعال، والمشتقات غير الفعل. ومن هذه المهملات ما يعرف من اصطلاح صاحب المعجم، فيكون بمنزلة المذكور صراحة، كما نبه الفيروز أبادي في "مقدمة قاموسه" أنه إذا ذكر المصدر مطلقاً، أو الماضي، ولم يذكر المضارع، فالفعل من باب كتَب يكتُب.
ومن هذه المهملات ما يقول أصحاب المعاجم: إن العرب هجرته، أو أهملته، أو أماتته، أو لم تقله، أو لم تتكلم به، أو استغنت عنه بكذا، كما قالوا: إن العرب أماتوا ماضي دَعْ، وذَرْ (٢)، وقالوا: مصدر عسى لا يستعمل؛ لأنه أصل مرفوض (٣)، وقالوا: الحتف: الهلاك، ولا يبنى منه فعل (٤)، وقالوا: السافر: المسافر، ولا فعل له (٥)، وقالوا: إن العرب استغنوا بارتفع
стр. 2846
عن رفع، وعليه جاء رفيع.
وقد يقول بعضهم في المصدر، أو الفعل، أو المشتق غير الفعل: إن العرب أماتته، أو لم تقله، أو استغنت عنه بكذا، ويخالفهم آخرون من الثقات، وينسبون إلى العرب أنها قالته، أو استعملته في كلامها، والسماع كما قال أبو إسحاق الشاطبي: "إذا أثبته ثقة، لم يطرح بسبب أن ثقة آخر لم يثبته؛ لعدم اطلاعه عليه، بل القاعدة أن المثبت في مثل هذه الأمور مقدم على النافي؛ لأن النافي إنما يقول: لم أحفظه".
وجمهور علماء العربية على أن ما نص في المعاجم ونحوها أنه أميت، أو لم تقله العرب؛ من فعل أو مصدر أو مشتق، نجري فيه على ما جرت عليه العرب، فنهمله، ونستغني عنه بالألفاظ التي تغني عنه. ولم نر من أجاز استعمال ما أهمله العرب على هذا الوجه إلا ابن درستويه؛ فقد قال في "شرح الفصيح": "إنما أهملوا استعمال ودع، ووذر؛ لأن في أولهما واواً، وهو حرف مستثقل، فاستغني عنهما بما خلا منه، وهو: ترك". ثم قال: "واستعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب، وهو الأصل". ومن المهملات في كتب اللغة: مالا يستدل عليه باصطلاخ، ومالا يقول فيه أصحاب المعاجم: إن العرب أماتته، أو لم تقله؛ كأن يشرحوا المادة، ويذكروا بعض ما يتصل بها، ويسكتوا عن بعض، وهذا النوع هو الذي عني به المجمع، شاعراً بالحاجة إلى إحيائه بالاستعمال؛ إذ تزداد به اللغة ثروة، وتسدّ به حاجات قد يقصر غيره عن أن يقوم مقامه في سدّها، فسلك في بحثه طريقاً وسطاً، وانتهى به البحث إلى ذلك القرار الحكيم.
افتتح القرار بالتنبيه على طريق تكملة المواد غير ثلاثية الحروف، وهي:
стр. 2847
مزيد الثلاثي، ومجرد الرباعي، وملحقه (١)، ومزيده، ذلك أن تصوغ مالم يذكر على ما يقتضيه كل باب من هذه الأبواب.
وبيان هذا: أن ما زادت حروفه على ثلاثة، يكون لكل صيغة من أفعاله صيغة مصدر قياسية، وصيغة مشتق غير فعل لا يتخلفان عنها (٢)، ويكون لكل صيغة من مصادره صيغة فعل واحدة، وهكذا الشأن في مشتقاته؛ من نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الزمان والمكان، فلكل صيغة من صيغها وزن من الأفعال، وآخر من المصادر لا تتجاوزهما.
ولهذا كانت دلالة كل من المصدر، أو الفعل، أو المشتق غير الفعل على البقية واضحة مطرد؛، فإذا وجدت في مادة اسماً في وزن مفتعل - مثلاً -، صغت له فعلاً على وزن افتعل، ومصدراً على وزن الافتعال، وإذا وجدت في أخرى مصدراً في وزن "فعللة"، صغت له فعلاً في وزن فعلل، واسم فاعل في وزن مُفعلِل، وقس على هذا ما شاكله من الصيغ غير ثلاثية الحروف.
وتضمن القرار أن الفعل الثلاثي المتعدي يصاغ له مصدر على وزن
стр. 2848
فعل مالم يدل على حرفه.
وهذا موافق لما يقوله علماء العربية؛ إذ قرروا: أن مصدر الفعل الثلاثي المتعدي يكون على فعل قياساً مطرداً، واستثنوا الأفعال الدالة على الحرفة؛ فإن قياس مصدرها: فِعالة -بكسر الفاء-، وكان المجمع قد قرر في دورته الأولى قياسية فِعالة للحرفة، سواء أكان الفعل متعدياً، أم لازماً (١).
وتضمن القرار: أن الفعل اللازم الذي يأتي على وزن فِعل - مكسور العين - يصاغ له مصدر على فعَل - مفتوح العين - مالم يدل على لون، فيصاغ مصدره حينئذ على فُعْلة -بضم فسكون-، وهذا القرار موافق لما جرى عليه علماء العربية؛ فإنهم قرروا أن مصدر فعِل اللازم يكون على وزن فَعَل؛ نحو: فرِح فرَحاً، وهوِي هوى، وشَلّ شَللاً، واستثنوا من ذلك ما دلّ على لون، وقالوا: إن الغالب على مصدره الفُعْلة؛ نحو سَمِر سُمْرة، وشهِب شُهبة، وكَهِب كُهبة.
وتضمن القرار: أن الفعل اللازم الذي يأتي على وزن فُعل مضموم العين يصاغ له مصدر على وزن فَعالة، أو فُعولة. وهذا من الأصول المعروفة في علم الصرف.
قال الصبان في "حواشي الأشموني": "فعولة وفعالة كل منهما مصدر قياسي لفعُل المضموم العين، فإذا وردا، فذاك، أو أحدهما، اقتصر عليه، أو لم يرد واحد منهما، خيّر بينهما".
وتضمن القرار: أن الفعل اللازم الذي يجيء على وزن فعَل - بفتح
стр. 2849
العين - يصاغ له مصدر على فُعُول - بالضم -، واستثنى من ذلك ما يدل على حرفة، أو اضطراب، أو صوت، أو مرض، أو سير، أو امتناع، أو ما كان معتل العين. أما أن قياس مصدر فعَل اللازم هو الفعول، فاصل معروف لا نحتاج إلى أن نقيم عليه شاهداً من نصوص علماء العربية. وأما الأصناف السبعة التي استثنيت من هذا الأصل، فلأن قياس مصدر ما يدل على الحرفة: فِعالة، وقياس مصدر ما يدل على الاضطراب: فَعَلان، وقياس مصدر ما يدل على الصوت: فُعال، أو فَعيل، وقياس مصدر ما يدل على المرض: فُعال (١)، وقياس مصدر ما يدل على السير: فَعِيل، وقياس ما يدل على الامتناع: فِعال؛ نحو: إباء وجماح وشراد، وقياس مصدر ما جاء معتل العين: فَعْل - بفتح الفاء وسكون العين-.
وتضمن القرار: أن الفعل الذي يكون مجهول الحال؛ أي: لا يعرف من أي باب هو، ينظر في معناه، أو في حال تعديه ولزومه، ويلحق بالباب الذي يقتضيه المعنى، أو التعدي واللزوم، ويصاغ له مصدر على مقتضى الباب الذي ألحق به، فإذا وجدنا في المعجمات - مثلاً - فعلاً لم ندر أهو مفتوح العين أم مكسورها أم مضموها؟ ونظرنا إلى معناه، ثم إلى حال تعديه ولزومه، فإن كان فعلاً لازماً يدل على سجية، ألحقناه بباب فعُل - بضم العين -؛ لأنه الأغلب في السجايا، وقال الرضي: "إن (فعُل) يأتي في الأغلب للغرائز؛ أي: الأوصاف المخلوقة؛ كالحسن والقبح، والوسامة والقسامة، والكبر والصغر، والسهولة والصعوبة، والثقل والحلم، ونحو ذلك".
стр. 2850
وإذا ألحقناه بباب فَعَل صغنا له مصدراً على وزن فعالة أو فعولة؛ لأنهما الصيغتان القياسيتان لمصدر الفعل الآتي من باب فعُل.
وإن كان فعلاً لازماً يدل على حزن أو فرح، أو لون أو عيب أو حلية، أو خلو أو امتلاء، أو خوف أو مرض، ألحقناه بباب فعِل يفعَل؛ لأن هذا الباب تكثر فيه هذه المعاني، كما هو مبسوط في علم الصرف.
وإذا ألحقناه بباب فعِل يفعَل، صغنا له مصدراً على وزن فَعَل - مفتوح العين -؛ لأنه الصيغة القياسية لمصدر هذا الباب.
فإذا كان الفعل المجهول لازماً، ولم يدل على شيء من تلك المعاني المفصلة، ألحقناه بباب فعَل - مفتوح العين -؛ لأنه أكثر في الاستعمال من فعُل - بالضم -، وفعِل - بالكسر -. قال الرضي في "شرح الشافية": "إن باب فعَل لخفته لم يختص بمعنى من المعاني، بل استعمل في جميعها؛ لأن اللفظ إذا خف، أكثر استعماله، واتسع التصرف فيه.
وإذا ألحقناه بباب فعَل، جاز لنا أن نجعله من باب نصر، فنضم عين مضارعه، أو من باب ضرب، فنكسرها، قال الرضي في ذلك الشرح: "قياس مضارع فعَل المفتوح عينه: إما بالضم، وإما بالكسر". وقال أبو زيد: كلاهما قياس، وليس أحدهما أولى به من الآخر، فإن عرف الاستعمال، فذاك، وإلا، استعملا معاً، وليس على المستعمل شيء (١).
ثم تعرض القرار للاستدلال بالمصدر على الفعل، وفصل القول في
стр. 2851
ذلك على حسب ما يدل عليه المصدر من المعاني، فإن دل على سجية، صيغ له فعل من باب فعُل يفعُل؛ لما سبق من أن هذا الباب هو الباب الأغلب في السجايا.
وإن دل المصدر على حزن أو فرح، أو لون أو عيب أو حلية، أو خلو أو امتلاء، أو خوف أو مرض على فَعَل، صيغ له فعل من باب فعِل يفعَل؛ لما سبق من أن هذا الباب تكثر فيه هذه المعاني.
وإن لم يدل المصدر على شيء من هذه المعاني -أعني: السجية والحزن والفرح واللون وما عطف عليها-، ولم تكن عينه أو لامه حرف حلق، صيغ له فعل من باب نصَر أو ضَرب؛ لما سبق من أن فعَل المفتوح العين أكثر من فعُل - بالضم -، وفعِل - بالكسر -، وأن فعل الذي لا ندري كيف نطق العرب بمضارعه، كان لنا أن ناتي بمضارعه مضموم العين أو مكسورها.
وإن كانت عينه أو لامه حرف حلق (١)، صيغ له فعل من باب فعَل يَفعَل - بفتح العين فيهما -، وهكذا قياسه المعروف عند علماء الصرف. ووجهه: أن حروف الحلق ثقيلة، وبعيدة المخارج، فاعطي المضارع معها أخف الحركات الذي هو الفتح؛ ليكسب اللفظ من بين ثقل حروف الحلق وخفة حركة الفتح شيئاً من الاعتدال.
ثم تعرض القرار للاستدلال بالمشتق غير الفعل على مالم يذكر من الفعل والمصدر، ونبه على أنه يستدل بالمشتق على الفعل والمصدر بالنظر في معنى المشتق وحال تعريفه ولزومه. فاذا وجدنا - مثلاً - مشتقاً يدل على
стр. 2852
سجية، صغنا له فعلاً من باب فعُل يفعُل؛ لما عرفته من أن هذا الباب هو الباب الأغلب في السجايا، وصغناله مصدراً من باب فَعالة أو فُعُولة؛ لما عرفته أيضاً من أن مصدر باب فعُل يفعُل قياسُهَ فَعالة أو فُعولة.
وإن كان المشتق لازماً، ودل على سير، صغنا له فعلاً من باب فَعَل؛ لأن السير معدود في المعاني التي يأتي لها فَعَل؛ نحو: رَقَل وذَمَل، وصغنا له مصدراً على الوزن المعروف للسير، وهو فَعِيل.
وإن دل المشتق على مرض، صغنا له فعلاً من باب فَعِل يفعَل، وصغناله مصدراً على الوزن المعروف للمرض وهو فُعال، وقس على هذا غيره من وجوه الاستدلال المشار إليها في قرار المجمع ونصه:
١ - قرار تكملة مادة لغوية ورد بعضها في المعجمات ونحوها ولم ترد بقيتها (١):
إذالم تذكر من مادة لغوية في المعجمات ونحوها إلا بعض ألفاظها؛ كالمصدر، أو الفعل، أو أحد المشتقات الأخرى، فلذلك حالان:
الأولى: أن تكون المادة غير ثلاثية الحروف، حينئذ يجوز لنا أن نصوغ منها مالم يذكر على حسب قياس كل باب من أبواب مزيد الثلاثي، وباب الرباعي، وملحقه، ومزيده.
الثانية: أن تكون المادة ثلاثية، والمذكور حينئذ إما فعل، وإما مصدر، وإما مشتق غير الفعل.
أ - فإن كان المذكور فعلاً، فهو إما متعد، وإمالازم. فالمتعدي نصوغ له مصدراً على وزن "فَعْل" - بفتح فسكون- مالم يدل على حرفة. واللازم
стр. 2853
له أربع حالات:
١ - إما أن يكون على وزن فعِل - مكسور العين -، فنصوغ له مصدراً على "فعَل" - مفتوح العين - مالم يدل على لون، فيصاغ مصدره حينئذ على وزن "فَعْلة" - بضم فسكون -.
٢ - وإما يكون على وزن " فعُل" - مضموم العين -، فنصوغ له مصدراً على "فُعالة، أو فُعُولة" - بالضم -.
٣ - وإما أن يكون على وزن " فعَل" - بفتح العين-، فنصوغ له مصدراً على وزن "فعول " - بالضم - مالم يدل على حرفة أو اضطراب، أو صوت أو مرض، فنصوغ مصدر كل منها على الوزن الذي قرر المجمع قياسيته في دورته الأولى، ومالم يدل أيضاً على سير أو امتناع، فإننا نصوغ للأول مصدراً على "فَعيل"، وللثاني مصدراً على "فِعال" - بالكسر -. ومالم يكن معتل العين، فيكون قياسه: "الفَعْل" - بفتح فسكون-.
٤ - وإما أن يكون مجهول الباب، فنرجعه بحسب ما يدل عليه من المعنى أو التعدية أو اللزوم إلى باب من الأبواب المتقدمة، ونصوغ له مصدراً مناسباً لهذا الباب.
ب - وإذا كان المذكور في المعجمات ونحوها مصدراً:
١ - فإما ألا يدل على سجية أو حزن، أو فرح أو لون أو عيب أو حلية، أو خلو أو امتلاء، أو خوف أو مرض على وزن "فَعَل"، فيصاغ له فعل من باب نصر، أو ضرب، مالم تكن عينه أو لامه حرف حلق، فإن بابه "فعَل يفعَل".
٢ - وإما أن يدل المصدر على معنى من المعاني السابقة، فإن دل على
стр. 2854
سجية، كان فعله على "فعُل يفعُل"، وإلا كان الفعل من باب فعَل يفعَل.
ج - وإذا كان المذكور في المعجمات ونحوها مشتقاً غير فعل، استدللنا على مصدره أو فعله بمعرفة ما يدل عليه هذا المشتق من المعاني والتعدية واللزوم.
وكل ما تقدم جائز مالم ينص على أن الفعل مات، أو محظور، ومالم يسمع عن العرب ما يخالفه، فإن سمع، عملنا بالمسموع فقط، أو عملنا بالمسموع أو القياس.
* * *
وقد جاء القرار موافقاً لمذهب الجمهور من أن الأفعال التي لا تختلف نصوص علماء اللغة على أنها مماتة أو محظورة، نهملها كما أهملها العرب، ولا نأخذ فيها بطريقة القياس.
وجاء في القرار: إن ما بين فيه من وجوه الاستدلال بما ذكر على مالم يذكر نرجع إليه فيمالم يسمع عن العرب، أما ماسمع، كان مخالفاً للقياس، فنقف فيه عند حد السماع وحده، أو نعمل فيه على الأمرين: السماع، والقياس.
وقد أشار المجمع في هذا القرار إلى مذهبين ذكرهما علماء العربية في مصادر الأفعال الثلاثية:
أولهما: أن هذه المقاييس يعمل بها في صوغ مصادر الأفعال التي لم يسمع لها مصادر، أما ماسمع له مصدر مخالف للقياس، فلا تتجاوز فيه المسموع إلى القياس، وهو مذهب سيبويه، ووجهة نظر هذا المذهب: أن القياس في اللغة أمر دعت إليه الحاجة، فيؤخذ به على مقدارها.
стр. 2855
ويوافق هذا المذهب: أنا نرى في بعض اللغات الأوريية - مثل الألمانية - ألفاظاً خرجت عن قاعدة أمثالها، فنبه العلماء على الوقوف فيها عند حد السماع، ويعدون من خرج إلى قياس أمثالها مخطئاً لاحناً.
ثانيهما: أن الأفعال التي سمعت لها مصادر مخالفة للقياس يكون للفعل الواحد منها مصدران: مصدر ثابت بطريق السماع، ومصدر ثابت بطريق القياس، ووجهة نظر هذا المذهب: أن الأفعال التي من شأن مصادرها أن تصاغ في أوزان خاصة، قد استحقت أن تكون لها مصادر على هذه الأوزان بحكم القياس، فإذا ورد مصدر على غير قياس، يبقى طريق القياس مفتوحاً، وصوغك للفعل مصدراً آخر على هذه الطريقة لا يخرج المصدر عن أن يكون عربياً فصيحاً.
٢ - النسبة إلى جمع التكسير:
أصل النسب: أن يزاد في آخر اسم المنسوب إليه ياء مشددة. ومقتضى هذا: أن ينسب إلى جمع التكسير وهو باق على حاله، فيقال في النسبة إلى النجوم: نجوميّ، وإلى الأزهار: أزهاريّ، ولكن العرب لم يجروا في النسبة إلى الجموع على هذا الأصل، وعدلوا عن ذلك إلى النسبة إليها بلفظ المفرد.
وإنما تصرف العرب في النسبة إلى الجمع هذا التصرف لوجود ما يقتضيه، وانتفاء ما يمنع منه. أما ما يقتضيه، فهو خفة المفرد بالنظر إلى الجمع؛ إذ الغالب في الجموع أن تكون أكثر حروفاً من مفرداتها، وأما انتفاء المانع، فإن الذي يخشى منه عند النسبة إلى الجمع بلفظ المفرد التباس ما يراد نسبته إلى الجمع بما ينسب إلى المفرد، وهذا مدفوع بأن القصد في النسبة إلى
стр. 2856
الجمع متوجه إلى الجنس، والجنس يحصل بلفظ الواحد، إذاً لا داعي لنسبه بلفظ الجمع.
وربما جال في خاطرك أن النسب قد يقصد به مجرد إفادة صلة المنسوب بجنس المنسوب إليه؛ كأن يقصد المتكلم إفادة أن لفلان علاقة بالفواكه، أو الكتب من جهة تعاطيه بيعها، فيكفي في هذا الحال أن نقول: فلان فاكهي، أو كتابي، وقد يتعلق الغرض من النسب بإفادة معنى لا يؤديه إلا النسبة إلى الجمع، كأن يكون لإنسان نسختان من كتاب، اشترى إحداهما بدينار، والأخرى بثلاثة دنانير، وتريد أن تستعير منه النسخة ذات ثلاثة الدنانير، فإنما تبلغ مرادك بنسبة الكتاب إلى الجمع، فتقول: أعرني النسخة الدنانيرية.
وجواب هذا: أن العرب اعتمدوا في دفع ما يدخل النسب من اللبس على القرائن المقالية أو الحالية. وفي هذا الباب - أعني: باب النسب - صيغٌ لا يفهم المراد منها إلا إذا صاحبتها قرينة، ففعيلة - مثلاً - وفَعَل ينسب إلى كل منها على وزن فعليّ، فإذا قلت: فلان "شَرَفيّ"، لم يدر إلى شرف نسبته أم إلى شريفة؟ وإنما يعرف قصدك بقرينة حال أو مقال.
وقد يبدو لك أن في النسبة إلى الجمع معانيَ غير رفع اللبس، لا تؤديها النسبة إلى الواحد؛ كتعظيم المنسوب؛ نحو أن تصف شخصاً لقي حظوة ومكانة عند ملوك متعددين بأنه "مُلوكيّ"، وتراه أدلَّ على تعظيمك من قولك: "ملكيّ"، أو تحقيره؛ نحو أن تصف أخلاق شخص يضع نفسه مواضع المهانة بأنها كلابيّة، وتراه أبلغ في ذمه من قولك: كلبية.
وجواب هذا: أن العرب لم يتخذوا النسب طريقاً إلى مثل هذه الأغراض، بل كانوا يصلون إليها بطرق أخرى؛ كالإضافة والموصولية والوصف، وكذلك
стр. 2857
أهمله علماء البيان، فلا تراهم يذكرون في كتبهم الدواعي إلى النسب، كما ذكروا الدواعي إلى الإضافة وما شاكلها.
هذا أساس مذهب النحويين من البصريين، ولم يختلفوا في أن الجمع الذي له واحد من لفظه مناسب له في القياس؛ نحو: مدارس، وأسواق، وصحف، لا ينسب إليه على لفظه، وإنما ينسب إليه بلفظ الواحد، فيقال: مدرسيّ، وسوقيّ، وصحفيّ.
ومن الخطأ عندهم قول بعض الناس في وصف بعض الصحف: "أخلاقيّة"، وفيمن يتوسلون بالموتى: "قبوريّون"، وفيما يختص بالكواكب: "كواكبيّ"، أو الجبال: "جباليّ". والصواب خلقيّة، وقبريّون، وكوكبيّ، وجبليّ.
فإن كان للجمع واحد من لفظه، ولكن هذا الواحد غير مناسب له في القياس؛ كمحاسن جمع حسن، وملامح جمع لمحة، ومشابه جمع شبهة، ولواقح جمع ملقحة (١)، وطوائح (٢) جمع لمطيحة. فهذا موضع خلاف بينهم.
فألحقه فريق بالجمع الوارد على القياس، فجعلوا النسبة إليه بلفظ الواحد، وهذا ما اختاره ابن مالك في كتاب "التسهيل"، فقال: "وذو الواحد الشاذ كذي الواحد القياسيّ".
وذهب آخرون، منهم ابن الصائغ، إلى أنه ينسب إليه بلفظه، فيقال: محاسنيّ، وملامحي، ومشابهي، ولواقحي، وطوائحي، وهذا ما رواه سيبويه عن أبي زيد، وذكر أبو حيان في كتاب "الارتشاف": أن أبا زيد صرح بنقل
стр. 2858
ذلك عن العرب.
فإن لم يكن للجمع واحد من لفظه؛ نحو: خلابيس (١)، وعبابيد، وشماطيط، وأبابيل (٢)، نسب إليه على لفظه، فيقال: عبابيديّ، وشماطيطيّ، وأبابيليّ، من غير خلاف، ويلحق بهذا النوع اسم الجمع؛ نحو: قوم ورهط ونفر ونسوة، فينسب إليه على لفظه، ويقال: قومي، ورهطي، ونفري، ونِسْوي.
ويجري هذا الحكم فيما جاء على بناء الجمع ومعناه واحد معين؛ نحو: أنمار وكلاب ومعافر وضباب - أسماء رجال -، فيقال: أنماريّ، ومعافريّ، وضبابي.
ومما يجري مجرى الأسماء الموضوعة لواحد في النسبة إليها على لفظها: أبنيةُ جموع يغلب استعمالها في طائفة مخصوصة؛ كالأنصار، غلب استعماله في أنصار النبي ﷺ من الأوس والخزرج، وهو في الأصل جمع ناصر، أو نصير، فيقال في النسبة إليه: أنصاريّ، وكالأبناء، غلب استعماله على قبائل من بني سعد بن مناة من تميم، أو على قوم من الفرس ارتهنهم العرب، أو على أبناء فارس الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما استنجده على الحبشة، فيقال في النسبة إليه: أبناوي، قال ابن مالك في "التسهيل": "وحكم اسم الجمع والجمعِ الغالب حكمُ الواحد".
стр. 2859
ويظهر من الفصل الذي عقده سيبويه في "الكتاب" لهذا البحث: أن للعرب في هذا الصنف طريقتين، فقد حكى أن العرب ينسبون إلى الأبناء بلفظ المفرد، فيقولون: بنويّ، ثم حكى عن بني سعد: أنهم ينسبون إليه على لفظه، فيقولون: أبناويّ، وخزّج ذلك على أنهم يجعلون كلمة الأبناء اسماً للحى، والحيّ كالبلد.
ومن أبنية الجموع الجارية على هذا السبيل: كلمة "شعوب"، فقد غلبت على جبل العجم، فنسبوا إليها على لفظ الجمع، وقالوالمحتقر أمر العرب: "شُعوبي".
ومن هذا الوادي أسماء بلاد تجيء على بناء الجمع، ويكون مدلول الاسم طائفة من الأماكن لا يستعمل واحدة في مفرد منها؛ نحو: الأهواز: اسم لسبع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم خاص، ولا يقال في الواحدة منها: هوز، فاذا نسبت إلى الأهواز، نسبت إليه على لفظه، وقلت: أهوازي.
ويدخل في هذا القبيل كلمة "مدائن"، وهو اسم غلب إطلاقه على مدن متقاربة كانت مسكن ملوك الفرس من الأكاسرة وغيرهم، وصار علماً على مجموع تلك المدن، حتى هجروا تسمية الواحدة منها "مدينة"، فالنسبة إليها: مدائني.
وربما نسب العرب إلى هذا الصنف من أبنية الجموع بلفظ الواحد؛ كما قالوا: سيف مشرفيّ نسبة إلى "مشارف"، وهو اسم لقرى من أرض العرب تصنع فيها السيوف، ولا يقال في الواحدة منها: مشرف.
والأقرب في القياس: أن ينسب إلى أبنية الجموع الغالبة في أفراد
стр. 2860
مخصوصة على لفظها؛ لأن غلبة استعمالها في طائفة مخصوصة تجعلها بمنزلة الجموع الموضوعة لمعنى واحد، وذلك مالا ينبغي الاختلاف في النسبة إليه على لفظه، لا بلفظ واحده.
وذكر ابن مالك في كتاب "التسهيل": أن العرب قد ينسبون إلى الجمع إذا شابه واحداً في وزنه، وصلح لأن يجمع من بعد؛ نحو: كلاب. فإنه شابه واحداً في الوزن، وهو كتاب، وصالح لأن يجمع من بعد؛ فقد قالوا في الكلاب: كلابات.
هذا بيان مذهب البصريين، وعليه جمهور علماء العربية من بعدهم.
وأما الكوفيون، فقد نقل عنهم ابن بري: أنهم يجيزون النسبة إلى الجمع على لفظه مطلقاً (١)، وذكر هذا القول أبو حيان في كتاب "الارتشاف"، ولم يعزه إلى الكوفيين، وإنما قال بعد الكلام على منع النسبة إلى الجمع على لفظه: "وقد أجازه قوم، وذهبوا في قُمْريّ إلى أنه منسوب إلى الجمع، من قولهم: طيور قُمْر، وفي دُبْسيّ إلى طيور دُبْس"، ثم قال: وهو عندنا منسوب إلى القمرة (٢)، والدبسة (٣).
وهذا المذهب الذي ينسب إلى الكوفيين مبني على ما ورد من النسبة إلى أبنية بعض الجموع على لفظها، وإن كانت شاذة، والمعروف في أصولهم أنهم يكتفون بالشاذ في فتح باب القياس.
وما شاع بين الناس من النسب إلى الجموع على ألفاظها؛ نحو:
стр. 2861
قلانسي، وقواريري، وطيالسيّ، وحصائري، وأخلاقي، إنما يصح بالتخريج على هذا المذهب، ومن عمل عليه عند الحاجة؛ كالتخلص من لبس، لم يخرج عن حدود العربية الفصحى.
ورأى المجمع أن النسبة إلى الجمع أفيد في بعض الأحيان من النسبة إلى المفرد، وأوضح دلالة على المراد، فاعتد بمذهب الكوفيين في هذه المسألة، وأصدر قراره الآتي:
* قرار النسب إلى جمع التكسير:
"المذهب البصريّ في النسب إلى جمع التكسير أن يرد إلى واحده، ثم ينسب إلى هذا الواحد.
ويرى المجمع أن ينسب إلى لفظ الجمع عند الحاجة؛ كإرادة التمييز، أو نحو ذلك".
٣ - صيغة مفعلة للمكان الذي يكثر فيه الشيء:
صاغ العرب من أسماء الأعيان ألفاظاً في وزن "مَفْعَلَة" للدلالة على المكان الذي تكثر فيه تلك الأعيان، ومن الواضح أن وزن مفعلة لا يسع أكثر من ثلاثة أحرف، فإن كان اسم العين المأخوذ منه مفعلة ثلاثي الأصول، وكان من قبيل المجردّ؛ نحو: سبع، وذئب، اشتقوا منه وهو على حروفه المنطوق بهالفظاً في وزن مفعلة، فقالواللأرض التي فيها السباع: مَسْبَعَة، وللأرض التي يكثر فيها الذئاب: مَذْأَبَة، فإن كان ثلاثي الأصول من قبيل المزيد فيه؛ نحو: بطيخ وأفعى، حذفوا ما زاد على الأصول، وقالواللأرض التي يكثر فيها البطيخ أو الأفاعي: مبطخة، أو مفعاة.
وأما ما زادت أصوله على ثلاثة أحرف؛ نحو: عقرب، فإنهم يحذفون
стр. 2862
بعض أصوله حتى يمكن صوغه في مفعلة؛ كما قالوا في الأرض التي يكثر فيها العقارب: مَعْقَرة، وفي الأرض التي يكثر فيها الضغابيس (١): مَضْغَبَة.
والملخص: أن اسم العين الذي يشتق منه لفظ في وزن مفعلة إما أن يكون من الثلاثي المجرد، وإما أن يكون من ثلاثي المزيد، وإما أن تكون أصوله فوق ثلاثة أحرف.
وإذا نظرنا إلى هذه الأقسام الثلاثة من جهة فتح باب القياس، أو الوقوف بها عند حد السماع، وجدناها ترجع إلى قسمين: قسم اختلف علماء العربية في جعله مقيساً، وهو ثلاثي الأصول، مجرداً كان أو مزيداً فيه، وقسم لم ينقل عنهم خلاف في أنه مقصور على السماع، وهو ما زادت أصوله على ثلاثة أحرف.
أما الخلاف في القسم الأول، فإنك تبحث في كتب العربية، فترى في نصوص بعض علمائها ما يصرفك عن القياس، ويردك فيه إلى مقدار ماسمع عن العرب، كما فعل الرضي في "شرح الشافية" إذ قال: "واعلم أن الشيء إذ أكثر بالمكان، وكان اسمه جامداً، فالباب فيه "مفعلة" - بفتح العين-؛ كالمأسدة والمسبعة والمذأبة؛ أي: الموضع الكثير الأسد والسباع والذئاب، وهو - مع كثرته - ليس بقياس مطرد، فلا يقال: مضبعة، ومقردة"؛ أي: للأرض الكثيرة الضباع والقرود.
وترى في نصوص طائفة منهم ما يفسح المجال، ويأذن لك أن تقيس
مالم يقله العرب على ما قالوه في هذه الصيغة قياساً مطرداً، ومن هؤلاء الطائفة: مظهر الدين صاحب شرح المفصل المسمّى: "المكمَّل"، ونصه:
стр. 2863
"اعلم أنهم إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شيء بمكان، وضعوا له مفعلة - بفتح الميم والعين -، مع لزوم التاء إياها. وهذا قياس مطرد في كل اسم ثلاثي؛ كقولك: أرض مسبعة؛ أي: يكثر فيها السباع، ومأسدة؛ أي: يكثر فيها الأسد، ومذأبة؛ أي: يكثر فيها الذئب، ومحياة؛ أي: يكثر فيها الحيّة، ومفعاة؛ أي: يكثر فيها الأفعى".
ومن هؤلاء الطائفة: أبو الحسن الأخفش - على ما نسب إليه ابن سيده في كتاب "المخصص" (١) -، ونصه: "ومكان مَوْعَلَة: كثير الوعول، ومفدرة: كثير الفدور، وهي الوعول المسنة، مطرد عند أبي الحسن".
وأشار إلى هذا المذهب المرتضى شارح "القاموس" في مادة أسد، فقال: "والمكان المأسدة أيضاً، وهو الأرض الكثيرة الأسود؛ كالمسبعة كما في "الروض"، وبعضهم جعله مقيساً؛ لكثرة أمثاله في كلامهم".
وعبارة سيبويه في "الكتاب" تنحو بظاهرها نحو هذا المذهب، ونصها: "هذا باب ما يكون مفعلة لازمة لها الهاء والفتحة، وذلك إذا أردت أن يكثر الشيء بالمكان، وذلك قولك: أرض مسبعة ومأسدة ومذأبة، وليس في كل شيء يقال ذلك، إلا أن تقيس شيئاً، وتعلم أن العرب لم تتكلم به".
ونقل ابن سيده في كتاب "المخصص" عبارة سيبويه، وكساها شيئاً من البيان، فقال: "قال سيبويه: وليس في كل شيء يقال هذا؛ يعني: لم يقل العرب في كل شيء من هذا، فإن قست على ما تكلمت به العرب، كان هذا لفظه".
فالظاهر من عبارة سيبويه إجازة القياس على ما تكلم به العرب في
стр. 2864
هذه الصيغة، واحتمال أن يقصد سيبوبه من القياس محاكاة العرب في ذلك على وجه التمرين، بعيد من ظاهر عبارته.
وأما صوغ مفعلة مما زادت أصوله على ثلاثة أحرف، فلم نر أحداً من علماء العربية ذهب به مذهب القياس، ووجهه: أن العرب لم يصوغوا مفعلة من اسم العين الرباعي إلا قليلاً، وسبب هذه القلة: أن الاسم الرباعي لا يمكن بناء مفعلة منه إلا أن يحذف منه حرف، وحذف الحرف الأصلي مكروه عندهم، لا يرتكبونه إلا أن تدفعهم إليه ضرورة، كما حذفوا اللام في نحو سفرجل عند تصغيره أو جمعه جمع تكسير، فقالوا: سفيرج وسفارج.
وورد عن العرب أنهم صاغوا من اسم العين الرباعي ألفاظاً على وزن مُفَعْلَلَة بصيغة اسم المفعول، فقالوا: أرض مُثَعْلَبَة من الثعالب، ومُعَقْرَبة من العقارب، وهذه رواية سيبويه، ورواها أبو زيد بصيغة اسم الفاعل: مُعَقْرِبة ومُثَعْلِبة، وعلى هذه الرواية اقتصر صاحبا "الصحاح"، و"المصباح"، وذكرهما صاحب "القاموس"، ولم يقيدهما بفتح أو كسر، فاحتمل كلامه الروايتين.
ورجح الدماميني في "شرح التسهيل" رواية سيبويه، فقال: ينبغي أن يقرأ بالفتح؛ فإن سيبويه أثبتُ من غيره، وإن كان أبو زيد أستاذُه قد حكى الكسر.
وما ورد من الألفاظ على مفعلله هو على كلا الروايتين نادر إلى حد يبعده أن يكون مقيساً، وذكر صاحب "المخصص" الألفاظ التي وردت في هذا الوزن، فلم تتجاوز خمس كلمات، وهي: مثعلبة، ومعقربة، ومعنكبة من
стр. 2865
العناكب، ومؤرنبة من الأرانب، ومخرنقة من الخرانق، وهي أولاد الأرانب.
فاتضح من هذا البحث أن صوغ مفعلة من اسم العين الثلاثي مجرداً أو مزيداً، قد ورد عن العرب بكثرة، وأن من علماء العربية من اعتد بهذه الكثرة، وجعله من قبيل ما يقاس عليه.
ورأى المجمع أنه قد يحتاج إلى هذه الصيغة في التعبير عن أماكن يكثر فيها أشياء من حيوان أو نبات أو غيره، فأصدر قراره الآتي:
* قرار صوغ "مفعلة" للمكان الذي يكثر فيه الشيء:
"تصاغ مَفعَلة قياساً من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان، أم النبات، أم من الجماد".
٤ - صيغة فعّال للمبالغة من المتعدي واللازم:
يقع النظر عند وضع الأسماء للمعاني الحديثة على أشياء تشتد فيها بعض الصفات، أو تكثر فيها بعض الأفعال، فمن المناسب وضعُ اسم لها يشعر بهذه الشدة أو الكثرة. ومن الصيغ التي تدل على شدة الوصف، أو كثرة الفعل: الصيغة فعّال (١)، وهذا ما دعا المجمع إلى النظر في هذه الصيغة من جهة اشتقاقها، وصحة القياس على ما سمع من أمثلتها. حتى أصدر قراره. واليك نتيجة البحث التي بني عليها هذا القرار:
стр. 2866
بحثنا عن أمر القياس في صيغة فعّال من طريقين: طريق الرجوع إلى كتب الصرف؛ للوقوف على عبارة تدل على صحة إجراء هذه الصيغة مجرى ما يقاس عليه، وطريق الرجوع إلى كتب اللغة؛ للوثوق من أن الألفاظ الواردة في هذا الوزن بالغة في الكثرة إلى حد يكتفى به في فتح باب القياس.
رجعنا إلى كتب الصرف، فوجدنا كثيراً منها لا يتعرض لصيغة فعّال من ناحية أنها قياسية أو سماعية، ولا يزيد على أن يذكر أنها صيغة تأتي بدلاً من اسم الفاعل؛ للدلالة على المبالغة في معنى الفعل، ووجدنا طائفة يتعرضون لمجيء فعَّال ومِفْعال وفَعول بدلاً من اسم الفاعل، ويصفونه بالكثرة، كما قال الأشموني في "شرح الخلاص": "كثير ما يحول اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة لقصد المبالغة والتكثير".
ووجدنا طائفة ثالثة تصرح بأن الصيغ الخمس: فعّالاً، ومفعالاً، وفعولاً، وفعيلاً، وفَعِلاً، المأخوذة من فعل متعد، قياسية. قال الدنوشري: ينظر هل التحويل إلى الخمسة المذكورة قياسيّ، أو سماعيّ، أو قياسي في الثلاثة الأُوَل: "فعّال ومِفعال وفَعول"، سماعيّ في الأخيرين "فعيل وفَعِل"، ثم قال: "مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي؛ نحو: ضرب، تقول: ضرّاب ومِضراب وضروب وضريب وضَرِب" (١)، وهذا النص يدل على أن صوغ فعال من الفعل المتعدي قياسيّ كسائر أبنية المبالغة. ووقفنا على عبارة لأبي إسحاق الشاطبي في "شرح الخلاصة" تدل على أن بناء صيغ المبالغة مقيس، وظاهر إطلاقها أن هذه الصيغ مقيسة في المتعدي واللازم، قال أبو إسحاق عقب الكلام على عمل هذه الصيغ عملَ اسم الفاعل:
стр. 2867
"فإن قيل: إن بناء هذه الأمثلة للتكثير بالجمل على بناء الفعل للتكثير (١)، وذلك الفعل غير مقيس، فأولى أن يكون اسم الفاعل غير مقيس، قلنا: لا نسلم أنه غير مقيس، بل هو مقيس؛ لكثرة مجيئه".
ووجدنا في علماء الصرف من يذكر صيغة فعّال بوجه خاص، ويجعلها أصلاً مطرداً، ولم يخص هذه الأصالة والاطراد بالفعل المتعدي.
قال في "روح الشروح على المقصود": "ووزن فَعَّال - بالفتح - أصل مطرد، ولذا يثنى ويجمع، ويذكر ويؤنث على القياس المشهور"، وظاهر إطلاق هذه العبارة: أن فعالاً مطرد في اللازم اطراده في المتعدي.
ثم ألقينا بعد هذا نظرة على بعض كتب اللغة، فألفينا العرب قد صاغوا من اللازم ألفاظاً كثيرة في وزن فعّال، وإليك طائفة جاءت من الأفعال اللازمة في هذا الوزن:
١ - (الأطّاط) في "القاموس": أطَّ: صوّت، والأَطَّاط: الصيَّاح.
٢ - (الأفّاك) في "القاموس": فهو أفّاك، وأَفيك، وأَفوك.
٣ - (الألاّق) في "القاموس": ألق البرق يألق إِلاق؛ ككتاب: كَذَب، فهو ألاق.
٤ - (الأوّاب) في "اللسان": الأوّاب: التائب.
٥ - (البخّال) في "القاموس": رجل بَخيل، وبَخال؛ كسحاب، وشدّاد.
٦ - (البرّاق) في "لسان العرب": وفي صفة أبي إدريس: دخلت مسجد
стр. 2868
دمشق، فإذا فتى برّاق الثنايا.
٧ - (البسّام) في "القاموس": فهو باسم، ومِبسام، وبسّام.
٨ - (البطّال) في "القاموس": ورجل بَطَل - محركة -، وكشدّاد: بيّن البطالة والبطولة، شجاع تبطل جارحته، فلا يكترث لها، أو تبطل عنده دماء الأقران.
٩ - (التوّاب) في "اللسان": ورجل توّاب: تائب إلى الله.
١٠ - (التيّاح) في "اللسان": تاح في مشيته: إذا تمايل، وفرس متيح وتيّاح وتَيَّحان: يعترض في مشيته نشاطاً.
١١ - (التيّاه) في "القاموس": التِّيه - بالكسر -: الصَّلَف والكِبر، تاه، فهو تائه وتيّاه.
١٢ - (الثَجَّاج) في "اللسان": وقال بعض أهل اللغة: ثج الماء نفسه يَثُجّ ثجوجاً: إذا انصب، فيكون ثجَّاجاً في قوله تعالى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]؛ أي: ثاجّ.
١٣ - (الثوّاب) في "اللسان": ورجل ثوّاب: أوّابٌ توّاب منيب، بمعنى واحد.
١٤ - (الجفّاخ) في "القاموس": جفخ؛ كمنع: فخر وتكبر، فهو جفّاخ.
١٥ - (الجمّاز) في "القاموس": وحِمار جَمَّاز: وثّاب.
١٦ - (الجوّال) في "تاج العروس": وهو جوّال وجوّالة: طوّاف في البلاد.
١٧ - (الحنّان) في "القاموس": وكشداد: من يحن إلى الشيء، واسم
الله تعالى، ومعناه: الرحيم.
стр. 2869
٨ - (الحلَّاف) "في الأساس": حلف بالله على كذا حلفاً، وهو حلّاف وحلّافة.
١٩ - (الخرّاج) في "القاموس": ورجل خرّاج ولّاج: كثير الظرف والاحتيال.
٢٠ - (الخرّارة) في "الأساس": وله عين خرارة في أرض فوّارة.
٢١ - (الخطّار) من خطر الرمح؛ أي: اهتز، وفي "القاموس": والرمح: اهتز، فهو خطّار، وفي "الأساس": ورجل خطار بالرمح؛ أي: مشى به بين الصفين.
٢٢ - (الخنّاس) في "المصباح": ومن الثاني "اللازم" الخنّاس في صفة الشيطان؛ لأنه اسم فاعل للمبالغة؛ لأنه يخنس إذاسمع ذكر الله تعالى؛ أي: ينقبض.
٢٣ - (الخوّار) في "القاموس": الخوار "ككَتان": الضعيف.
٢٤ - (الدرّاج) في "اللسان": الدرّاج: القنفذ؛ لأنه يدرج ليلته جمعاء. صفة غالبة.
٢٥ - (الدهّاس) في "القاموس": والدهسة والدهاسة: سهولة الخلق، وهو دهّاس؛ ككتان.
٢٦ - (الدوّار) في "الأساس": والفلك دوّار، وفي "القاموس": والدهر دوّار، ودوّار في: دائر.
٢٧ - (الرجّاس) من رجست السماء رجساً: قصفت بالرعد. وفي "الأساس": وسحاب رجَّاس وراجس ومرجس.
٢٨ - (الرجّاف) في "الأساس": رجف البحر: اضطربت أمواجه،
стр. 2870
ومن أسمائه الرجّاف.
٢٩ - (الرعّاس) في "التاج": رمح رعّاس؛ كشداد: شديد الاضطراب.
٣٠ - (الرقّاص) في "اللسان": رقص اللعاب يرقص رقصاً، فهو رقّاص.
٣١ - (الروّاغ) في "الأساس": هو ثعلب روّاغ.
٣٢ - (الزحّار) في "اللسان": ورجل زحر وزحران وزحّار: بخيل يئن عند السؤال.
٣٣ - (الزخّار) في "الأساس": بحر زاخر وزخّار.
٣٤ - (الزعّاق) في "اللسان": يزعق بدوابه زعقاً؛ أي: يطردها مسرعاً، ويصيح في أثرها، وهو رجل ناعق وزَعّاق ونَعّار.
٣٥ - (السبّاح) في "القاموس": سبوح من سبحاء، وسبّاح من سباحين.
٣٦ - (السجّاع) في "القاموس": وكمنع: نطق بكلام له فواصل، فهو سجّاعة. وفي "الأساس": رجل سجّاع وسجّاعة.
٣٧ - (السّرّاج) من سرج؛ أي: كذب، في "القاموس": والسرّاج متخذه - أي: السرج -، وحرفته السِّراجة. والكذاب.
٣٨ - (السيّاح) في "الأساس": ورجل سائح وسيّاح.
٣٩ - (السقّاط) في "الأساس": وسيف سقّاط: قطاع، يسقط من وراء الضريبة.
٤٠ - (الشفّاف) من شف؛ أي: رقّ: وفي "الأساس": وزجاجة شفّافة ورقيقة المستشف.
٤١ - (الصخّاب) في "القاموس": صخب؛ كفرح، فهو صخّاب.
стр. 2871
٤٢ - (الصوّار) في "القاموس": صار: صوّت، وعصفور صوّار.
٤٣ - (الصهّال) في "القاموس": صهل الفرس؛ كضرب، ومنع، صهيلاً، فهو صَهّال: صوّت.
٤٤ - (الصيّاح) في "القاموس": والمِصْدَح الصيّاح: الصيِّت.
٤٥ - (الضحّاك) في "القاموس": فهو ضاحك وضحّاك وضحوك.
٤٦ - (الطنّاز) طنز به؛ أي: سخر، فهو طنّاز.
٤٧ - (الطّوّاف) في "القاموس": والطوّاف أيضاً: الخادم يخدمك برفق وعناية.
٤٨ - (الطيّار) في "القاموس": وفرس مُطار وطيّار: حديد الفؤاد ماض.
٤٩ - (الطيّاش) في "المصباح": فهو طائش، وطيّاش مبالغة.
٥٠ - (العبّاس) في "المصباح": فهو عابس، وبه سمّي، وعبّاس أيضاً للمبالغة، وبه سُمِّي.
٥١ - (العجّاج) من عبجَّ؛ أي: صاح، وفي "القاموس": والعجّاج: الصيَّاح.
٥٢ - (العَوَّام) في "الأساس": الفرس العَوّام: السبوح.
٥٣ - (الغوّاص) في "الأساس": وقال عمر لابن عباس: غص يا غوّاص.
٥٤ - (الفحّاش) في (الأساس": أفحش فلان في كلامه، وفحش، وتفحش، وهو فحّاش.
٥٥ - (الفرّار) في "الأساس": هو فرّار وفَرور.
٥٦ - (الفوّارة) في "الصحاح": وفوّارة القدر: ما يفور من حرها،
стр. 2872
وفي "الأساس": عين فوّارة في أرض خوّارة.
٥٧ - (الفيّاح) في "اللسان": كل موضع واسع يقال له: أفيح، وفيّاح، والفعل من ذلك فاح يفيح فيحاً.
٥٨ - (القفّاف) من قفّ الصيرفيُّ؛ أي: سرق الدراهم بين أصابعه، وفي "القاموس": فهو قفّاف.
٥٩ - (القلّاص) من قلص الماء: ارتفع، وفي "القاموس": فهو قالص وقلوص وقلاّص.
٦٠ - (القوّام) في "المصباح": قام بالأمر يقوم به قياماً، فهو قوّام وقائم.
٦١ - (اللمّاح) من لمح البرق أو النجم؛ أي: لمع، وفي "القاموس": فهو لامح ولموح ولمَّاح.
٦٢ - (اللمّاع) في "الأساس": وبرق لامع ولَمَّاع.
٦٣ - (المزّاح) في "الأساس": ورجل مزَّاح.
٦٤ - (المشَّاء) في "الأساس": ورجل مشاء إلى المساجد.
٦٥ - (المزّاع) من مزع؛ أي: سعى فأسرع، وفي "اللسان": والقنافذ تمزع بالليل مزعاً: إذا سعت فأسرعت. ابن الأعرابي: القنفذ يقال لها: المزَّاع.
٦٦ - (المكَّار) في "القاموس": المكر: الخديعة، وهو ماكر ومكَّار.
٦٧ - (الموَّار) مار؛ أي: تردد في عَرْضٍ. وفي "الأساس": جمل موَّار الضبعين، وفرس موَّار الظهر.
٦٨ - (الميَّاس) من ماس؛ أي: تبختر، وفي "القاموس": فهو
стр. 2873
مائس ومَيُوس ومَيّاس.
٦٩ - (المثال) في "المصباح": مال الحاكم في حكمه ميلاً؛ أي: جار وظلم، فهو مائل، وميال مبالغة.
٧٠ - (النبّاج) من نبُاج الكلاب؛ أي: نبيحها، وفي "القاموس": وكلب نبَّاج ونُبَاجي: نبّاح.
٧١ - (النبّاح) من نبح الكلب، وفي "القاموس": وككَنَّاف: والد عامر مؤذن علي بن أبي طالب ﵁، والشديد الصوت.
٧٢ - (النبّاغة) يقال: نبغ الرأس: ثارت هبريته. وفي "الأساس": ومحجة نباغة: يثور ترابها.
٧٣ - (النهّات) في "القاموس": النهّات: النهّاق.
٧٤ - (النهّاض) في "الأساس": وهو نهَّاض ببزلاء؛ أي: خُطَّة عظيمة.
٧٥ - (النَوّام) في "الأساس": ورجل نَؤُوم، ونُوَمَة، ونوّام: كثير النوم.
٧٦ - (الهتّافة) من هتفت الحمامة، أو القوس؛ أي: صاتت، وفي "القاموس": وقوس هتّافة وهتَوف وهتفى: ذات صوت.
٧٧ - (هدّاج) من هدج الظليم؛ أي: مشى في ارتعاش. وفي "الأساس": وظليم هدّاج.
٧٨ - (الهذّاف) من هذف؛ أي: أسرع، وفي "القاموس": والهذاف؛ كشداد، ومحسن، وخجل: السريع.
٧٩ - (الهذّاء) في "أساس البلاغة": هو يهذي في كلامه، وهو هذَّاء.
٨٠ - (الهرَّاج) في "اللسان": وإنه لمهرج وهرّاج: إذا كان كثير الهرج.
стр. 2874
٨١ - (الهطّال) من الهطل، وهو تتابع المطر، وفي "القاموس": ومطر وسحاب هَطِل؛ ككتف، وشَدّاد.
٨٢ - (الهفَّاف) في "القاموس": والهفّاف من الحمر: الطيّاش.
٨٣ - (الهوّاس) من الهوس، وهو الطلب بجرأة، وفي "اللسان": وأسد هوّاس.
٨٤ - (الهوّاك) من التهوك، وهو الحمق، وفي "القاموس": رجل هوّاك، ومتهوِّك: متحير.
٨٥ - (الوبَّاص) من وبص؛ أي: لمع، وفي "الأساس": قمر وبّاص.
٨٦ - (الوثّاب) في "الأساس": وظبي وثّاب.
٨٧ - (الوضاح) في "الأساس": وإنه لوضّاح.
٨٨ - (الوقّاع) من وقع فيه؛ أي: اغتابه، وفي "القاموس"، ورجل وقّاع ووقّاعة: يغتاب الناس.
٨٩ - (الوَلاَّج) في "الأساس": وامرأة خَرَّاجة وَلاَّجة.
نظر المجمع في تلك النصوص التي اقتضت بإطلاقها أن صيغة فعال مقيسة في اللازم والمتعدي، وأضاف إلى هذا كثرة ما جاء في هذه الصيغة من نوعي اللازم والمتعدي. فقرر ما يأتي:
* قرار صوغ (فَعّال) للمبالغة:
يصاغ فَعّال للمبالغة من مصدر الفعل الثلاثي، اللازم والمتعدي.
стр. 2875
نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة (١)
قرأت اقتراح حضرة الأستاذ أحمد أمين بك "لبعض الإصلاح في متن اللغة"، فكنت ألاقي في هذا الاقتراح آراء مقبولة، وآراء كان المجمع قد أقرها، وجرى عليها في وضع كثير من المصطلحات، وآراء يصح أن تكون موضع بحث ومناقشة، وحيث إن المجمع قد عمل منذ نشأته على القاعدة التي لا يقوم العلم الصحيح إلا عليها، أعني: منح الحرية المطلقة لكل عضو من أعضائه يريد أن يبدي رأياً، أو يناقش غيره في رأي، لم أتردد في أن أعرض على حضراتكم ما بدا لي في هذا الاقتراح من ملاحظات، وانظروا ماذا ترون:
ذكر الأستاذ في فاتحة اقتراحه: أنه يجب على اللغة أن تخضع لحياتنا، تنمو بنمونا، وتسير مع زماننا، وزمن من يأتي بعدنا، وأن تسايرنا في تقدمنا، وتكون أداة طيّعة لتطورنا، وقال: إن لغة كل أمة عنصر من عناصر تكوينها، ورقيها أو انحطاطها.
وهذا الذي قاله الأستاذ لا يختلف فيه اثنان درسا شؤون الاجتماع، وعرفا مقتضيات التطورات التي تتنقل فيها الأمم حيناً بعد حين، ولكن اللغة تخضع لحياة الأمم، وتنمو بنموها على قدر ما تدعو إليه الحاجة بحق،