يصح لك أن تسمي جثة الميت إنساناً، أو تمثال الحيوان المفترس أسداً.
والمنثور من الكلام يشارك الشعر في اشتماله على الصور الخيالية، ولكن نصيب الشعر منها أوفر، وهو بها أعرف، كما يمتاز بأحد أنواع التخييل، وهو ما لا يتوخى به صاحبه وجه الحقيقة، وإنما يقصد به اختلاب العقول، ومخادعة النفوس إلى التشبث بغير حق، كما قال ابن الرومي يدعوك إلى أن تطوي جناحيك على جذوة من الحقد:
وما الحقدُ إلا توأمُ الشُّكْرِ في الفتى ... وبعضُ المزايا ينتسبنَ إلى بعضِ
فحيث ترى حقداً على ذي إساءة ... فثمَّ ترى شكراً على واسعِ القرضِ
وقال آخر - يزين لك أن تدرج نفسك في كفن الذل، وتواريها في حفرة من الخمول-:
لُذْ بالخمولِ وعذ بالذلِّ معتصماً ... بالله تنجو كما أهلُ النهى سَلِموا
فالريحُ تحْطم إن هبَّت عواصفُها ... دوحَ الثمارِ وينجو الشيحُ والرَّتَمُ (١)
ولاختصاص الشعر بهذا النوع من التخييل، أطلق بعض المشركين من العرب على الرسول ﷺ اسم الشاعر، ليلقوا في أوهام السذج: أن كلامه من نوع ما يصدر عن الشعراء من الأقوال المموّهة، والتخيلات الباطلة.
فهم يعلمون أن القرآن بريء من النزعة التي عهد بها الشاعر، وهي عرض الباطل في لباس الحق؛ لأنه إنما ينطق بالحكمة، ويجادل بالحجة، ولا يخفى عليهم: أنه مخالف للشعر في طريقة نظمه؛ فإن للشعر عروضاً
стр. 2942
يقف عندها، وأوزاناً ينتهي إليها، والقرآن يصوغ الموعظة، وينفق الحكمة بغير ميزان، ولكن ضاقت عليهم مسالك الجدال، وانسدت في وجوههم طرق المعارضة، فلم يبالوا أن يتشبثوا بالدعاوى التي يظهر بطلانها لأول رأي، كما قالوا عنه: إنه مجنون، وهم يشهدون في أنفسهم أنه أبلغهم قولاً، وأقواهم حجّة، وأنطقهم بالحكمة.
وأما الآيات التي وافقت بعض الأوزان، فهي على سلامتها من بهرج التخيلات لا تجد الموافق منها للموزون قد استقل بنفسه، وأفاد المعنى دون أن تصله بكلمات من الآيات السابقة أو اللاحقة، والكلام المؤلف من الموزون وغير الموزون لا يصح لأحد أن يسميه شعراً ليقدح به في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١].
* التخييل عند علماء البلاغة:
ينقسم التصرف في المعاني على ما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني إلى: تحقيق، وتخييل، والفارق بينهما: أن المعنى التحقيقي ما يشهد له العقل بالاستقامة، وتتضافر العقلاء من كل أمة على تقريره، والعمل بموجبه؛ كقول المتنبي:
لايسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبهِ الدمُ
فمعنى هذا البيت مما تلقاه العقلاء بالقبول، ووضعوه بمقدمة ما يتنافسون فيه من الحكم البالغة، وكذلك اتخذه الأمراء الراشدون قاعدة يشدون بها ظهر سياستهم، ويستندون إليها في حماية شعوبهم، ومن الذي يجهل أن حياة الأمم إنما تنتظم بالوقوف في وجه من يتهافت به السفه على هدم شرفها، والاستئثار بحقوقها؟!.
стр. 2943
والتخييلي: هو الذي يردّه العقل، ويقضي بعدم انطباقه على الواقع، إمّا على البديهة؛ كقول بعضهم:
لولم تكن نيّةُ الجوزاء خدمتَه ... لما رأيتَ عليها عِقْدَ مُنْتَطِقِ
فكلُّ أحد يدرك لأولِّ ما يطرق سمعه هذا البيت: أن الكواكب لا تنوي، ولا تنطق، ولا تخدم، وأن تلك النجوم المتناسقة في وسط الجوزاء مركّبة فيها من قبل أن يصير الممدوح شيئاً مذكوراً.
أوبعد نظر قليل؛ كقول أبي تمام:
لا تنكري عَطَلَ الكريمِ من الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي
نهى المخاطبة في صدر البيت عن إنكارها لفاقة الكريم وفراغ يده من المال، وأخبر في العجز بأن السيل لا يستقر على الأماكن المرتفعة، وهذا المعنى في نفسه صحيح، ولكنّ الفاء في قوله: "فالسيل حرب" أفصحت بأن السبب في عدم توفر حطام الدنيا لدى الكريم، هو كون الماء إذا وقع على الأماكن العالية لا يلبث أن ينحدر إلى ما انخفض عنها من وهاد وأغوار، وهذا إنما وصل إلى الذهن بتخييل أن رفعة القدر بمنزلة المكان الحسي، وأن الماء الدافق ينساق إلى الرجل فيقضي منه وطره، ثم يرسله إن شاء إلى بنىِ الحاجات، فيكون القول بأن مكانة الكريم لارتفاعها جعلت المال يمر على يده، ثم ينطلق بالبذل والإنفاق، يستند إلى أن الماء يجتمع على ما صعد على وجه الأرض من أكمات وهضاب. وهذا القياس ضرب من التخييل لا يجول في العقل إلا ريثما ينظر إلى أن السبب في عدم استقرار الماء على الأماكن العالية كونه جرماً سيالاً لا تتماسك أجزاؤه وتثبت في محل إلا إذا أحاط بجوانبه جسم كثيف، وليس للدراهم والدنانير هذه الطبيعة حتى يلزم
стр. 2944
أن تمر على يد الكريم ثم تنصبَّ منها إلى من كانوا أدنى منه منزلة.
ويفهم من وجه التفرقة بين القسمين: أن مجرد الاستعارة عندهم لا يدخل في قسم التخييل، وقد صرح الجرجاني بهذا في كتاب "أسرار البلاغة" ناظراً في أن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة المستعارة حتى يكون الكلام مما ينبو عنه العقل، وإنما يعمد إلى إثبات شبه بين أمرين في صفة، والتشابه من المعاني التي لا ينازع العقل في صحتها.
* التخييل عند الفلاسفة:
يقول الفلاسفة: إن من بين القوى النفسية قوة تتصرف في صور المعلومات بالترتيب تارة، والتفصيل مرة أخرى، يسمّيها فلاسفة العرب إذا لم تخرج عن دائرة التعقل: مفكِّرة، ويقال في عملها: تَفَكُّرٌ، فإن تصرفت بوجه لا يطابق النظر الصحيح، سموها: مُخَيِّلَة، ويقال في عملها: تخيُّلٌ، أو تخييلٌ، فمثال ما يأخذ من العقل مأخذ القبول قول القاضي عياض:
انظر إلى الزرعِ وخاماته ... تحكي وقد ولّت أمامَ الرياح
كتيبةً خضراءَ مهزومةً ... شقائقُ النعمانِ فيها جِراح
فالشاعر التفت إلى ما في حافظته من الصور المناسبة لهيئة زرع أخضر يتخلله شقائق النعمان، وقد أخذت الرياح تهب عليه من جانب، فيميل إلى آخر ميلاً يتراءى للعين أنه حركة ينتقل بها من مكانه، فوقع خياله على الجيش، والملابس الخضراء، والجراحات التي تنال الجيش المقاتل، فألَّف بينها، ثم جعل سيره إدباراً وانهزاماً؛ لأنه ولّى ظهره الناحية التي هجمت منها الرياح، وليوافق حالة جيش ظهرت فيه الجرحى بمقدار مافي المزارع الخضراء
стр. 2945
من شقائق النعمان.
ومثال ما لا يثق به النظر، ولا يدخل في حساب الأقوال القائمة على التحقيق: قول الشاعر:
ترى الثيابَ من الكتان يلمحها ... نورمن البدر أحياناً فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها (١) ... والبدر في كل وقت طالعٌ فيها
أبصر معاجر من يتحدث عنها وقد أخلقت، فحاول التماس وجه يجعل ذلك الإخلاق من شواهد حسنها، أو يسد فم العاذل حتى لا يغض من شأنها، فتصوّر طلعة القمر، وانساق إليه ما يدور بين الناس من أن الثياب التي يمج عليها القمر أشعته يسرع إليها البلى، ثم ادعى مبالغاً في التشبيه أن وجهها قمر، وبنى على هذا: أن تعجّب ممن ينكر تأثيره في معجرها بالإخلاق.
ففي هذا التصرف ادعاء أن وجهها قمر، وهذا مما يألفه العقل؛ لأنه بمنزلة التشبيه، ولا مفرّ له من قبول التشبيه متى تحقق الوجه بين طرفيه، والمعنى الذي للعقل أن يلتفت عنه، إنما هو دعوى أن معجرها أخلق بعلة كونه مطلعاً لوجهها المسمّى بالقمر على وجه المجاز.
* ماذا نريد من التخييل ؟
يفهم من صريح المقالة الفلسفية: أن المفكرة والمخيلة اسمان لقوة واحدة، وهي التي تتصرف في المعلومات بالتفصيل والتركيب، وإنما تغير اسمها بحسب اختلاف الحال، فعندما يكون زمامها بيد العقل يسمونها: مفكِّرة، وعندما تنفلت منه يسمونها: مخيّلة.
стр. 2946
وإذا عرفت أن التمثيل والاستعارة من عمل هذه القوة باتفاق علماء النفس، فلو جرى طائفة من الناس على إطلاق التخيل أو الخيال عندما تتصرف هذه القوة تصرفاً تصوغ به معنى مبتدعاً، سواء أذعن له العقل، أو تجافى عنه، لم يكونوا صنعوا شيئاً سوى تغيير الاصطلاح، وإدخال القسمين تحت اسم واحد.
واطلاق لفظ التخييل أو الخيال في صدد الحديث عن المعاني الصادقة، والتصورات المعقولة، لا يحط من قيمتها، أو يمس حرمتها بنقيصة؛ فإن علماء البلاغة أنفسَهم قد أطلقوه على ما يأتي به البليغ في الاستعارة المكنية من الأمور الخاصة بالمشبّه به، ويثبته للمشبّه، فقالوا: الأظفار أو إضافتها في قولك: "أنشبت المنية أظفارها" تخييل، أو استعارة تخييلية، وأطلقوه في الفصل والوصل حين تكلموا على الجامع بين الجملتين، وقسّموه إلى: عقلي، ووهمي، وخيالي، وأطلقوه في فن البديع على تصوير ما سيظهر في العيان بصورة المشاهد، ولم يبالوا أن يضربوالجميع تلك المباحث أمثلة من آيات الكتاب العزيز وغيره من الأقوال الصادقة.
فيسوغ لنا حينئذ أن نساير أدباء العصر، ونتوسع في معنى الخيال والتخييل، ولا نقف عند اصطلاح القدماء من الفلاسفة أو علماء البلاغة حيث خصوا بهما ما لا يصادق عليه العقل، والمخالفة في الاصطلاح ما دامت الحقائق قائمة، والمقاصد ثابتة بحالها، لا يبعد تبديل العبارة أو الاسلوب.
يقول الناس عندما يسمعون بيتاً أو أبياتاً لأحد الشعراء: "هذا خيالٌ واسغٌ" أو: "هذا تخيُّلٌ بديعٌ"، فيفهم السامع لهذه الكلمات وما يماثلها: أن لصاحب هذا الشعر قدرة على سبك المعاني، وصوغها في شكل بديع.
стр. 2947
ولو قالوا: "ما أضيق هذا الخيال! "، أو: "ما أسخف هذا التخيُّل! "، فهم السامع أن ليس له قدرة على إخراج المعاني في صورة مبتكرة.
فيصح لنا أن نأخذ هذا المعنى الذي يحضر في الذهن عند سماع تلك الجمل، ونشرح به معنى المخيلة، فنقول: هي قوة تتصرف في المعاني؛ لتنتزع منها صوراً بديعة.
وهذه القوة إنما تصوغ الصور من عناصر كانت النفس قد تلقتها من طريق الحس أو الوجدان، وليس في إمكانها أن تبدع شيئاً من عناصر لم يتقدم للمتخيل معرفتها، ومثال هذا من الصور المحسوسة: أن قدماء اليونان رمزوا إلى صناعة الشعر بصورة فرس له جناحان، وهي صورة إنما انتزعها الخيال بعد أن تصور كلاً من الفرس والطير بانفراده.
وقد يجول في خاطرك عندما تمر على قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنياب أَغوالِ (١)
أن هذا الشاعر قد تخيل الأغوال وأنيابها، ولم تسبق له معرفة بها، إذ لا أثر للغول وأنيابها، ولا لشيء من موادها في العيان، فيلوح لك أن هذا التصرف يقدح في قولنا: إن المخيّلة لا تؤلف الصور إلا من مواد عرفتها بوسيلة الحس أو الوجدان.
والذي يكشف الشبهة: أن كلاً من الغول وأنيابها صورة وهمية، ولكن لم يحدثها الخيال من نفسه، بل أخذ من الحيوانات الفظيعة المنظر أعضاء متفرقة، وأنياباً حادة، وتصرف فيها بالتكبير، ثم ركَّبها في صورة رائعة، وهي
стр. 2948
التي تخطر في الذهن عندما يذكر اسم الغول. حتى إن الناس لا يتفقون - فيما أحسب - على كيفية تصور هذا الأمر الموهوم، فكل يخطر له المعنى في أبشع صورة يتمكن خياله من جمعها وتلفيقها.
فغاية ما صنع الشاعر: أن عمد لأمر محسوس، وهي النصال المحددة، وتخيَّله في صورة أمر هو في نفسه خيالي، ولكن صورته مأخوذة من مواد كان يعرفها من قبل بطريق الرؤية أو السماع.
وتعتمد المخيلة على قوة التذكر، وهو تداعي المعاني وخطورها على الذهن بسهولة، وبعد أن تتراءى لها الصورة بوسيلة التذكر، تستخلص منها ما يلائم الغرض، وتطرح ما زاد على ذلك، فتفصل الخاطرات عن أزمنتها، أوما يتصل بها مما لا يتعلق به القصد من التخييل، ثم تتصرف في تلك العناصر بمثل التكبير أو التصغير، وتأليف بعضها إلى بعض حتى تظهر في شكل جديد.
* تداعي المعاني:
ترجع الأسباب التي تجمع بين المعاني، وتجعلها بحيث يكون حضور بعضها في النفس يستدعي حضور بعض، إلى ثلاثة أنواع:
أولها: اقتران المعنيين في الذهن حيث يكون تعلقهما أو إحساسهما في وقت واحد، أو على التعاقب، ومن هذا تذكُّر الوقائع عندما يخطر بالبال مكانها، كما قال ابن الرومي:
وحَبَّبَ أوطانَ الرجال إليهم ... مآربُ قضّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذَكَّرَتهمُ ... عهودَ الصِّبا فيها فحنّوا لذلكا
стр. 2949
أو زمانها، كما قالت الخنساء:
يذكِّرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأذكره بكلِّ مغيب شمس
وخصت هذين الوقتين بالتذكير؛ لأنهما مظهر لعملين عظيمين من أعمال صخر، إذ كان يغدو للإغارة التي هي مظهر الشجاعة عند مطلع الشمس، ويبذل الطعام للضيوف وقت الغروب.
ومن هذا الوجه نشأت الكنايات، وبعض أنواع المجاز المرسل، أما الكنايات، فلأنها الدلالة على المعنى باسم ما يلازمه في الخارج، وصحَّ هذا نظراً إلى أن حضور المعنى الموضوع له اللفظ يستدعي حضور لازمه في ذهن المخاطب؛ كقول الحصين بن الحمام:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ... ولكن على أقدامِنا تقطر الدما
أراد الشاعر أن يفيد ثباتهم في مواقف الحروب، وأنه لا يجمح بهم الفزع من الموت إلى سبة الهزيمة، فعبَّر عن هذا المعنى بأن دماءهم لا تقع على أعقابهم البتة، وهذا يقتضي أنهم لا يولون العدو ظهورهم حتى ينالها بسيوفه، كما أن معنى قطر الدماء على الأقدام يذهب بالسامع إلى معنى أنهم يستقبلون العدو بوجوههم إلى أن ينالوا ظفراً، أو يلاقوا موتاً شريفاً.
وأما بعض أنواع المجاز المرسل، فكإطلاق اسم الحال على المحلّ، والسبب على المسبّب، والكل على الجزء، وعكسها، ومداره على أن ذهن المخاطب ينتقل إلى المعنى المراد بسهولة حيث كان بينه وبين المعنى الحقيقي مناسبة تقضي تقارنهما في الذهن؛ لأن إدراكهما كان في وقت واحد، كالحالّ والمحلّ، والكلّ والجزء، أو على التعاقب كالسبب والمسبب.
стр. 2950
النوع الثاني: من الأسباب التي تتلاحق بها المعاني في الذاكرة: التباين؛ فإن الصور التي يكون بينها تضاد، لا يكاد بعضها يتخلف عن بعض، فمن تصور الشجاعة، خطر له معنى الجبن، ومن مرت على باله الصداقة، انساق إليه معنى العداوة، ولهذا أدخل علماء البلاغة في وجوه الوصل بين الجملتين ما يقوم بينهما من التضاد في المعنى، وساقوا في أمثلته قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الإنفطار: ١٣ - ١٤). وإن شئت مثلاً من الشعر، فقال المتنبي:
أزورهم وسوادُ الليل يشفع لي ... وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغري بي
ومن هذا الوجه أيضاً صحَّ لهم أن يعدّوا بين علاقات المجاز المرسل: الضدية.
النوع الثالث: التشابه، وهو أن يكون بين المعنيين تماثل في بعض أمور خاصة؛ كمن يرى الرجل المقدام، فيتصور الأسد، ويسمع الألفاظ البليغة قد تبرجت في أسلوب محكم، فيذكر الدرر المتناسقة في أسلاكها. وعلى هذا النوع يقوم فن التشبيه والاستعارة اللذين هما أوسع مضمار تتسابق فيه قرائح الشعراء والكتَّاب.
* لماذا تختلف الأفكار في تداعي المعاني ؟
يختلف الناس فيما يتداعى إليهم من المعاني إلى أن ترى صوراً تتوارد على شخص متعاقبة، وهي في خيال آخر لا تتقارن البتة. قال أحد الفلاسفة: إني لا أسأل عن السبب في أن معنى من المعاني يدعو آخر ويأخذ بناصيته، ولكنني أبحث في شيءآخر، وهو أن المعنى الواحد قد يختلف تواليه باختلاف الأشخاص. ثم قال: ويمكن الجواب عن هذا: بأن الناس يختلفون في ميولهم،
стр. 2951
وشعب وجهتهم في الحياة، فكل معنى يدعو لصاحبه ما هو ألصق، بميله،
وأقرب إلى عمله.
وإيضاح هذا الجواب: أن توالي المعاني يختلف باختلاف الأشخاص لأحد سببين:
الأول: أن الدواعي والعواطف النفسية لها مدخل في تجاذب المعاني واسترسالها على الخيال، فالطمع أو الحاجة أو الرهبة- مثلاً - تستدعي المعاني العائدة إلى المديح أو الاستعطاف، والغرام يستدعي المعاني الغزلية، والكآبة والأسف يستدعيان معاني الرثاء أو الشكوى، والسرور يستدعي المعاني اللائقة بالتهمئة، والإعجاب بالنفس أو العشيرة يستدعي معاني الفخر والحماسة، فالزاهد في الدنيا لا يسع خياله من معاني الإطراء والملق ما يسعه خيال الحريص عليها، والخالي من عاطفة الغرام لا يخطر على قلبه من معاني التشبيب ما يخطر على قلب الشجي المستهام.
الثاني: ما يتفق للإنسان في طرز حياته، وهو حال المحيط الذي يتقلب فيه، فيتوالى على خاطر الناشئ في النعيم والترف ما لا يتوالى على خاطر الناشع في حال عسرة وبؤس، ويحضر في نفس من شبَّ في الحاضرة ما لا يحضر في نفس الناشئ في البادية، وينساق إلى خيال الناشئ في شمال المعمورة ما لا يدخل في خيال الناشع في جنوبها، فالمقيم في شمال أوربا - مثلاً - يذكر الشتاء، فتقارنه صورة الثلج، وليس بينهما في ذهن المقيم بالجنوب اقتران واتصال؛ لقلة مشاهدته للثلج، أو عدم وقوع نظره عليه طول حياته، ولو نظر إلى الهلال رجلان، هذا نشأ في الحلية، والآخر اتخذ الحصاد حرفة، فالشأن أن يتداعى إلى الأول صورة السوار، وينتقل منه إلى المعصم أو
стр. 2952
الصياغة، ويتداعى إلى الثاني صورة المنجل، وينتقل منها إلى الزرع أو الحدادة.
* التخييل التحضيري:
تتداعى المعاني بوسيلة التذكر للأسباب التي كنا بصدد البحث عنها، ثم المخيِّلة تنتخب منها ما يناسب الغرض، وهذا العمل - أعني: الانتخاب - يسميه علماء النفس: تخييلاً تحضيرياً؛ لأنه العمل الذي تتمكن به المخيِّلة من استحضار العناصر المناسبة للمرام.
تقتصر المخيِّلة عند الانتخاب على ما يدعو إليه الغرض، حتى إنها تأخذ الجسم مقطوعاً من بعض الأعضاء التي لا مدخل لها في المعنى، فتتخيل إنساناً بغير عنق؛ كقول ابن هانئ:
كأنَّ أرؤُسَهم والنومُ واضعُها ... على المناكب لم تُخْلَقْ بأعناقِ
وطائر بغير جناح؛ كما قال الفتح بن خاقان:
وتركت قلبي للصبابة طائراً ... تهفو به الأشواق دون جناح
وتتصور الجواد بغير قوائم؛ كما قال المتنبي:
أتوك يجرّون الحديدَ كأنما ... أتوا بجيادٍ ما لهنَّ قوائمُ
والعقرب بغير ذَنَب؛ كما قال أبو هلال:
تبدو الثريا وأمرُ الليل مجتمعٌ ... كأنها عقربٌ مقطوعةُ الذنبِ
وربما انتزعت العضو من بين سائر الجسم؛ كما أخذ ابن هانئ اليد فقال:
ولاحت نجومٌ للثريا كأنها ... خواتيمُ تبدو في بنان يد تخفى
وأخذ ابن المعتز القدم فقال:
стр. 2953
وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدمٌ تبدَّت من ثياب حدادِ
وأخذ آخر القلب فقال:
نَقْلُ الجبال الرواسي من مواطنها ... أخفُّ من ردِّ قلبٍ حين ينصرف
وأخذتُ المقلة وحدها في أبيات نظمتها في قرية قائمة على بحيرة، فقلت:
سرق الغمامُ اليومَ ظلي بعد أن ... رسمته في "لنداو" شمسُ ضحاها
ويدُ الرحيل تخطَّفت من (جِلَّقٍ) ... جسمي وأبقتْ مهجتي برباها
فأنا خيالٌ والبحيرةُ مقلةٌ ... لكنْ تطاول بالخيال كراها
* التخييل الإبداعي:
بعد أن تنتخب المخيِّلة ما يليق بالغرض من العناصر، تتصرف فيها بالتأليف إلى أن ينتظم منها صورة مستطرفة، ويسمّى هذا التصرف، تخييلاً إبداعياً، أو اختراعياً.
ويجري هذا التخييل في التشبيه والاستعارة وغيرها.
فالتشبيه قد تحذف أداته؛ كما في قول النابغة:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكبُ
وعمل الخيال فيه هو: إحضار صورة المشبه به - أعني: الشمس والكواكب -، وإلغاء وجوه التباين بينها وبين المشبه به - أعني: الممدوح وبقية الملوك -، حتى يدعي اتحادهما، ويصح الإخبار بأحدهما عن الآخر، وبني على هذا الادعاء أن ليس للملوك مظهر، ولا تقوم لهم أمام هذا الملك سمعة؛ فإن الكواكب يتقلص ضوؤها، ويغرب عن العيون مشهدها، عندما
стр. 2954
تتجلى الشمس في طلعتها الباهرة.
وأما ما تذكر فيه أداة التشبيه، فلا أستطيع أن أعدّه في قبيل الخيال جملة، كما أني لا أعزله عنه في كل حال، فإن كان فيه إخراج المعقول في صورة المحسوس، أو المحسوس في صورة المعقول، أو إخراج الخفي إلى ما يعرف بالبداهة، أو إخراج الضعيف في الوصف إلى ما هو أقوى فيه، صحت إضافته إلى الخيال؛ إذ له الأثر القوي في تقريره.
وأما عقد المشابهة بين أمرين متفقين في وجه الشبه من غير تفاوت؛ كالتشبيه الذي يساق لبيان الاتحاد في الجنس أو اللون، أو المقدار أو الخاصية، فلا يصح نسبته إلى الخيال الشعري، وإن وقع في كلام مقفّى، وإنما هو مما ينظر فيه الباحث عن الحقائق؛ كالفيلسوف أو الطبيب.
فلو اتفق أن وقف فتى بجانب ظبي، وانطلقا في فسيح من الأرض، ولم يفت أحدهما صاحبه قيد شبر، فبدا لك أن تتحدث عنهما فقلت - ولو في نظم -:
"كان فلان في سرعة عدوه كالغزال"، لم يكن في هذا التشبيه شيء من الخيال؛ لأن عقد المشابهة بينهما في هذا الحال يشاركك فيه كل من شاهد الواقعة، وإنما يمتاز التخيل بمثل قول الشاعر:
وفي الهيجاء ما جزَّبتُ نفسي ... ولكنْ في الهزيمةِ كالغزالِ
حيث إن الخيال بحث عن صورة المشبه به، وهو الغزال، وانتقاها من بين سائر الصور المتراكمة في الحافظة، ثم تصور انطلاق المنهزم، وهو الشاعر نفسه، وبالغ في مقدار سرعته إلى أن وقع التشابه بينه وبين الغزال.
وإن أردت أن تفرق بين التشبيه الذي يدخل في التخيل، والتشبيه الذي
стр. 2955
هو حائد عن طريقته، فانظر إلى قول المجنون:
كأنّ القلبَ ليلةَ قيل يُغدى ... بليلى العامريةِ أو يُراحُ
قطاةٌ غرَّها شَرَكٌ فباتت ... تعالجه وقد عَلِق الجناحُ
فترى الخيال هنا قد تجوَّل حتى تصيدَ معنى القطاة، ووقع على الشرك، ثم انتزع منهما هذه المعاني، وهي وقوع القطاة في الشرك، وعلوق جناحها به، ومعالجتها له كي تتخلص منه، وضم بعضها إلى بعض، فانتظم ذلك المعنى المركب، وانعقدت المشابهة بينه وبين حال القلب الذي وقع في حب العامرية، فأخذ يرتجف وجلاً من لوعة الفراق.
ولو نظر شاعر إلى أزهار مفتحة بمكان منخفض الأرض، وقال مثلاً:
هذه الأزهار في منظرها ... وشذاها مثل أزهار الربى
لاستبردتَ شعره لأول وهلة، وأخذت تهزأ به كما هزأت بقول الآخر:
كأننّا والماءُ من حولنا ... قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ
بيد أن ذلك التشبيه نفسه، لو يصدر من العالم بالنبات في الرد على من يدعي أن هذه الأزهار ليس لها لون ولا نفحات عاطرة كالأزهار التي تنبت على الربى، لأصغيت إليه سمعك، وتلقيته منه بكل وقار، وما ذاك إلا لأن الأول قابله بوصف كونه شاعراً، ولم يأت فيه على عادة الشعراء بشيء من التخييل، وأما الثاني، فإنما ألقاه إليك في صدد البحث عن الحقيقة، فلا تنتظر منه أن يصله بشيء من عمل الخيال.
والاستعارة يصنع فيها الخيال ما يصنع في التشبيه المجرد من الأداة، إلا أنها تعرض عليك المشبّه في صورة المشبه به؛ على وجه أبلغ، ولا سيما
стр. 2956
إذا أضيف إليها بعض معان عهد اختصاصها بنوع المشبه به أعني: ما يسميه البيانيون: ترشيحاً، ومن أبدع ما نسج على منوالها قول البارودي:
من النفر الغرِّ الذين سيوفُهم ... لها في حواشي كلِّ داجيةٍ فَجْرُ
إذا استلَّ منهم سيدٌ غَرْبَ سيفهِ ... تفرَّعتِ الأفلاكُ والتفتَ الدهرُ
أراد الشاعر وصف قومه بأنهم أولو الصرامة التي تفرج الكرب المدلهمة، والسطوة التي يرهبها كل خطير، فساق إليك هذا الغرض في صورة تنظر منها إلى سيوفهم كيف تجرد حول الليلة الفاحمة، فيسطع الفجر الواضح في جوانبها، وترى فيها الحسام الواحد كيف يسل من جفنه، فترتعد الأفلاك ذعراً، ويلتفت له الدهر حذراً. خيِّل إليك أن الداهية ليلة ظلماء، وأن الفرج الذي ينبعث من مطلع سيوفهم صبيحة غرّاء، وعبَّر عن الأولى باسم الداجية، وعن الثانية باسم الفجر، وهذا التعبير الملوّح إلى ذلك التخييل هو الذي يعنيه البيانيون بقولهم: استعارة مصرحة.
ثم خيَّل الفلك في صورة من له قلب يفزع، والدهر في صورة من له وجه يلتفت، والتصريح باسمها بعد هذا التخييل يدخل به الكلام فيما يطلقون عليه لقب الاستعارة بالكناية، ويمكنك أن تفهم الفجر في البيت بمعنى لمعان السيوف وتألقها المشاهد بالأبصار على نمط قول بشر:
سللتُ له الحسامَ فخلتُ أني ... شققتُ به لدى الظلماءِفجرا
ولكنك تضيع من يدك ما أفاده الوجه الأول من أن النجدة في جانبها، والظفر مقرون بطالعها، إذ لا يلزم من لمعانها في حواشي الداجية، أن تطعن في لبتها، وتقلبها بالفوز عليها إلى صبيحة مسفرة.
ومن التخييل الذي لا يدخل له الشاعر من طريق تشبيه أو مجاز، ما تشهد
стр. 2957
لصاحبه بالحذق في الصناعة، وأنت تشعر بأنه عرض عليك الموهوم في حلية المعقول؛ كقول الطائي:
ولا يروعك إيماض القتير به (١) ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
أخبر عن الشيب بأنه ابتسام الرأي والأدب اللذين هما محبوبان ومحترمان لكل أحد؛ ابتغاء أن تأنس العين لرؤيته، ولا تنظر إليه نظر الازدراء به، وليس هذا من قبيل التشبيه؛ إذ لم يكن للرأي والأدب ابتسام يعهده السامع حتى يقصد الشاعر إلى تشبيه الشيب به، بل أراد أن يخيل لك أن الشيب ابتسام في الواقع، ولهذا تجد في نفسك ما يناجيك بأن صورة هذا المعنى غير مطابقة للحق، وإن استحكم تأليفها، ودقَّ مأخذها.
ومنه ما يستملحه الذوق، ويسعه نظر المحقق، وتجد هذا في قول زهير:
لونال حيٌّ من الدنيابمكرمةٍ ... أفقَ السماء لنالت كفُّه الأفقا
فهذا البيت لم ينسج على منوال تشبيه أو مجاز، وليس لك أن تطرحه من حساب التخيلات المقبولة، ويلوغ كفّ الممدوح الأفق لا يتفق مع النظر الصحيح، غير أن تعليقه على حصوله لإنسان من قبل، وإيراده عقب حرف الشرط الدال على امتناعه، قد خلصه من زلة الكذب، وجعله في منعة من أن ينبذه العقل إلى القضايا الوهمية.
* فنون الخيال:
يتصرف الخيال في المواد التي يستخلصها من الحافظة على وجوه شتى، ولا يسع المقام استيعابها، وتقصّي آثارها فنلمَّ لك بمهماتها، وما يصلح أن
стр. 2958
يكون بمنزلة أصل تتفرع عليه تفاصيلها:
أحدها: تكثير القليل؛ كقول عمرو بن كلثوم:
ملأنا البرَّ حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤه سفينا
فإنه اطرد في حلية الفخر حتى وصل إلى التعبير عن منعة الجانب، والسطوة التي لا يفوتها هارب، فخطر له أن يثبت له ولقومه من القوة ووسائل الفوز ما يرهبون به عدوهم، فذكر أنهم ملؤوا البر جنداً حتى لم يبق فيه متسع، ويملؤون ظهر البحر بالمنشآت من السفن؛ ليدل بهذا على أنهم لا يبالون بالعدو من أي ناحية هجم، ولا يتعاصى عليهم إدراكه في أي موطن ضرب بخيامه.
والذي صنع خيال الشاعر في هذا البيت: أنه تجاوز في الإخبار بكثرة قبيلته وسفنه حد الحقيقة، وتطوحت به نشوة الفخر إلى أن تخيل البر قد غصَّ كما تغص الثكنة بجنودهم، وأن البحر يتموج بسفنهم كتموج السماء المصحية بكواكبها الزاهرة.
ومنها: تكبير الصغير؛ كقول بشر يصف وقعة الأسد حين قسمه بالضربة القاضية على شطرين:
فخرَّ مضرَّجاً بديمٍ كأني ... هدمت به بناء مشمخرّا
فقد تخيل عندما سقط الأسد إلى الأرض دفعة: أنه أتى إلى بناء شامخ، ونقضه من أساسه، فانقضت أعاليه على أسافله، فالخيال هو الذي بلغ بجثة الأسد إلى أن جعلها في العظم بمقدار بناء ارتفعت شرفاته، حتى اتخذت من السحب أطواقاً.
ومنها: تصغير الكبير؛ كقول المتنبي:
стр. 2959
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ ... لولامخاطبتي إياك لم ترني
وقوله:
ولو قَلَمٌ أُلقيتُ في شقِّ رأسه ... وخُطَّ به ما غيَّر الخط كاتبُ
فالصبُّ، وإن تقلب على فراش الهجر أمداً طويلاً، وأكل الوجد من لحمه حتى شبع، وشرب من دمه حتى ارتوى، لا يصل في نحافة الجسم إلى أن يسعه شقُّ رأس القلم، أو يخفى عن عين الناظر إليه، وإن كانت عشواء، وإنما هو الخيال أخذ يستصغر ذلك الجسم، حتى ادعى في البيت الأول أن مخاطبته للناس هي التي تهديهم إلى مكانه فيبصرونه، ولولاها لبقي محجوباً عن أبصارهم، وإن وقف قبالتهم، وادّعى في البيت الثاني: أنه لو وقع في شق اليراعة، وانطلقت به اليد في الكتابة، لاستمر الخط بحاله.
ومنها: جعل الموجود بمنزلة المعدوم؛ كقول المتنبي:
ومطالب فيها الهلاكُ أتيتُها ... ثبتَ الجنان كأنني لم آتها
وصف نفسه بالإقدام على مواقع الردى، واقتحام الأخطار بجنان ثابت، وعزم لا يتزلزل، حتى تخيل؛ لقلة المبالاة بها، وعدم الفزع لملتقاها: أنه لم يكن قد خاض غمارها، ورآها كيف تنشب أظفارها، وإنما نشأ هذا الخيال من جهة أن الخطوب المدلهمة لا يسلم من روعتها والدهشة لوقعتها في مجرى العادة إلا من حاد عن ساحتها، وجذب عنانه عن السير في ناحيتها.
ومنها: تصوير الأمر بصورة حقيقة أخرى، ولها في هذا المقام أربعة أحوال:
أحدها: تخيل المحسوس في صورة المحسوس؛ كما في قول زهير:
стр. 2960
يجرّون البرود وقد تمشت ... حُمَيّا الكأسِ فيهم والغناءُ
تمش بين قتلى قد أصيبت ... مقاتلُهم ولم تُهرقْ دماءُ
فهذا الشعر يصور لك من دارت نشوة السكر والغناء برؤوسهم، فأجهزت على البقية من شعورهم، في صورة قتلى لم تهرق دماؤهم، بل زهقت نفوسهم بمثل خنق، أوسقاء سم دبَّ دبيب الخمر في مفاصلهم.
ثانيها: تخيل المعقول في صورة المحسوس؛ كما في قول الشاعر:
مررت على المروءة وهي تبكي ... فقلت علامَ تنتحب الفتاةُ
فقالتْ: كيف لا أبكي وأهلي ... جميعاً دون خلق الله ماتوا
تصوَّرَ المروءة في زي فتاة، فتسنى له أن يسند إليها البكاء، ويعقد بينه وبينها هذه المحاورة.
ثالثها: تخيل المعقول في معنى المعقول، وهذا كمن تخيل المذلة في معنى الكفر، فقال:
أمطري لؤلؤاً جبال سرنديـ ... ب وفيضي جبال تكرور تبرا
منزلي منزلُ الكرام ونفسي ... نفسُ حرٍّ ترى المذلة كفرا
رابعها: تخيل المحسوس في صورة المعقول، وهذا لم نعثر له على مثال في كلام العرب، ولكن التشبيه الذي هو أساس هذا الفن قد جرى في كلام المولَّدين بإيراد المحسوس في معرض المعقول؛ كقول التنوخي:
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
وقول الفاروقي:
تمر مع الأتراب بالخيْفِ من منًى ... مرورَ المعاني في مفاوز أفكاري
стр. 2961
وقد يعمد الشاعر إلى بعض المعاني، وينفيه عن أفراده المعهودة، ويثبته لأفراد مفهوم آخر، وتجد هذا في قول بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميْت ... إنما الميتُ ميِّتُ الأحياء
إنما الميْت من يعيش كئيباً ... كاسفاً بالُه قليلَ الرجاء
فقد نفى أن يكون من قضى نحبه ميتاً، وأطلق اسم الميت على من فاضت نفسه كآبة، وضاق صدره يأساً، على طريقة القصر، بدعوى أن المعنى الذي علق عليه الواضع اسم الميت إنما يتحقق فيمن يعيش في نكد وبلاء لا يرجو خلاصاً منه، والذي أخذ به إلى هذه الدعوى: ما تخيله من أن خواص الراحل إلى القبر، وهي مفارقة ما كان يتمتع به من طيبات الحياة، وانقطاع أمله منها، ونكث يده من العمل فيها، توجد بأجمعها في الكئيب اليائس من صفاء العيش، بأشد مما توجد فيمن ركبوا مطية المنون، حيث يزيد عليهم في الشقاء بأنه يصلى نار الحسرة والأسف بكرة وعشياً.
وقد يكون الأمر مربوطاً بعلة محققة ظاهرة، فيضرب عنها، ويخترع له علة من عنده، وتجد هذا في قول أبي العباس الضبّي:
لا تركنَنَّ إلى الفرا ... ق فإنه مرُّ المذاق
فالشمس عند غروبها ... تصفرُّ من فَرَقِ الفراق
ادعى أن العلة في الاصفرار الذي يبدو على وجه الشمس حين تتدلى إلى الغروب، وتنطفئ بهرتها، إنما هو الوجل والهلع من مفارقة الناس الذين طلعت عليهم ذلك اليوم، حيث اتصلت بينهم وبينها - فيما يزعم - عاطفه ألفة وإيناس.
ومما صَنَعْتُ على هذا النمط وقد أخذ البَرَدُ يتساقط في حديقة:
стр. 2962
هزَّ النسيم غصونَ الروضِ في سحر ... كما يهز بنانُ الغادةِ الوترا
لذَّ الحفيف على أذن السحاب أما ... تراه يحثو على أدواحها دُرَرا
وقلت وقد أخذت الريح تنسف في روض:
قام هذا الروض يشدو مادحاً ... بلسان البلبل الزاهي سحابا
وتمادى غالياً في مدحه ... فحثت في وجهه الريح ترابا
وقلت في حال أشجار تراكم عليها الثلج، ثم ضربت فيها الشمس، فأخذ يتقاطر عن جوانبها:
نسج الغمام لهذه الأشجار من ... غزل الثلوج براقعاً وجلاببا
والشمس تبعث في الضحى بأشعة ... تسطو على تلك الثياب نواهبا
فبكت لكشف حجابها أو ما ترى ... عبراتها بين الغصون سواكبا
وقلت في حمرة الشفق:
قتل الدجى هذا النهارَ ودسَّه ... تحت التراب مضرجاً بدمائه
فخذوا من الشفق الشهادة إنه ... لطخ من الدم نال ذيل ردائه
وربما يصاغ التعليل في قالب التشبيه؛ كقول أبي تمام:
كأن السحاب الغُرَّ غيبن تحتها ... حبيباً فلا ترقا لهن مدامع
فلو حذفت أداة التشبيه هنا، لكان الباقي بمنزلة العلة الخيالية لنزول الغيث المنسجم من ينابيع السحاب، واقترانه بأداة التشبيه يجعله بحيث يسكت عنه العقل، ولا يمانعه من أن يدخل في سبيل المعاني الصادقة.
ومما نظمت على هذا المثال، وكان الجو يقذف وقت السحر
стр. 2963
بنثار من الثلج:
تطاولَ هذا الليلُ والجوُّ مزبدٌ ... فضاقت بأمواج الثلوج مسالكه
كأني أذيب الصبح بالحدق التي ... يقلبها وجدي وتلك سبائكه
وقد يقرر الشاعر معنى، ثم يقابله بأمر أوضح منه عند المخاطب، دون أن يصرح فيه بأداة تشبيه، بل تكون مصدرة بأداة استفهام؛ كقول مسكين الدارمي:
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحُه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
أو بأداة التوكيد فقط؛ كقول أبي العتاهية:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
أو تقرن أداة التوكيد بالفاء؛ كقول بشّار:
فلاتجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
أو بالفاء وحدها؛ كقول بعضهم:
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحاً من الألم
ولنوجه البحث إلى معنى البيت الأول، ثم لا يشتبه عليك بعد تحرير الغرض منه أن بقية الأبيات جارية بمعنى التمثيل، أو ذاهبة مذهب الاستدلال والتعليل.
صدر الدارمي البيت بجعل ابن عم المرء بمكان الجناح له، والشطر الثاني ينفي عن البازي أن ينهض بغير جناح، ومعنى الشطرين لا يلتئم إلا بملاحظة جملة مطوية ما بين الصدر والعجز لم يفصح عنها الشاعر؛ لسهولة مأخذها، وبعد ملاحظة تلك الجملة يكون مفاد البيت أن ابن عم المرء بمنزلة
стр. 2964
جناحه، فلا يقدر أن يقوم بأعباء الحياة، أو يدرك فيها غاية شريفة إلا بمعاضدته، كما أن البازي لا ينهض إلى الطيران إلا إذا ساعده جناحه؛ فالقصد تمثيل حاجة الإنسان إلى ابن عمه بحاجة البازي إلى جناحه، وليس القصد الاستدلال حتى يلتحق ببيت أبي تمام المسوق فيما سلف للاستشهاد على التخييل الذي يراد منه المخادعة، وقول الدماميني:
فلا تعجبوا يوماً لكسر جفونها ... فإن إناء الخمر في الشرع يُكسر
فالأسلوب في نفسه وارد في الغرضين، غير أن فحوى الكلام، ومجرى الخطاب، وطبيعة المعنى تصرفك إلى التمثيل، أو تأخذ بك إلى الاستدلال والتعليل.
وقد يعمد إلى أمرين يعدهما الناس بشدة التباين وغاية الاختلاف، فيعقد بينهما تشابهاً، وتجد هذا في قول المعري:
وشبيهٌ صوتُ النعيِّ إذا قيـ ... س بصوت البشير في كل نادِ
أبكت تلكمُ الحمامةُ أم غَنْـ ... نَتْ على غصن دوحها الميّاد
فالمعهود أن النفس ترتاع لصوت النعي، وتتفطر حزناً، وترتاح لصوت البشير، وتأنس له طرباً، ولكن الحكيم يغوص في أعماق الحوادث، وينظر إلى ما تصير إليه من العواقب، فيتراءى له أن ليس في الحياة ما يدعو إلى لذة، أو يستشير النفس إلى جزع، فتكون نغمة البشير وصيحة الناعي في أذنه سواء، ولا يرى فارقاً ما بين النواح والحداء.
* حال المعنى والتخييل:
قد يصوغ الشاعر المعنى لأول الخطاب في صورة خيالية، فلا يدركه إلا من صفت قريحته، ورقت حاشية ألمعيته؛ ككثير من الأشعار الواردة على
стр. 2965
طريق المعميات والألغاز، أو من سبق إليه ما يهديه إلى المراد، ويساعده على فهمه من قرينة حال أو مقال؛ كبعض المحاورات التي يقصد فيها المتخاطبان إلى إخفاء الغرض، وكتمه عمن يصغي إلى حديثهم، أو يطلع على رسائلهم.
وقد يصرح بالمعنى، ثم يدخل به في طريق التخييل، وهذا:
إما أن يخرج الصريح بالتخييل، فيفصل المعنى، ويضع بإزاء كل قطعة منه صورة خيالية؛ كما قال العتابي يصف السحاب:
والغيمُ كالثوب في الآفاق منتشرٌ ... من فوقه طبقٌ من تحته طبقُ
تظنه مصمتاً لا فتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت الثوب منفتق
إن معمع الرعد فيه قلت: منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت: محترق
مثَّل الغيم الضارب في الأفق بالثوب المنشور، ثم أخذ يقرن كل حال من أحواله بما يقابلها من أحوال الثوب، فجعل إمساكه عن المطر مظنة الصحة والمتانة، وانسكاب الغيث من خلاله منبئاً بتفتقه، ومعمعة الرعد إعلاناً بانخراقه، ووميض البرق شظايا من اللهب تؤذن باحتراقه.
وإما أن يستوفى المعنى بالصراحة، ثم يأتي بمثاله الخيالي متواصل الأجزاء، وهذا كقول بعضهم:
رأيتكم تبدونَ للحرب عدة ... ولا يمنع الأسلابَ منكم مقاتلُ
فأنتم كمثل النخل يشرع شوكه ... ولا يمنع الخرَّاف ما هو حاملُ
استقصى المعنى الصريح، وهو تظاهرهم بالأهبة للحرب، وقعودهم عن قتال عدوهم، وافتكاك ما سلب من حقوقهم، ثم ضرب له المثل على نسق واحد بالنخل يشرع نصالاً مسنونة من الشوك المتأهب للذود بها عمّا يحمل
стр. 2966
من الثمار، فيعمد الخرّاف لها، ويجتنيها بأجمعها، دون أن يناله ذلك الشوك بأذى.
ومن أبدع ما جاء على هذا النمط: قول ابن رشيق القيرواني:
رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أُمنّي النفس فيها الأمانيا
وساوفت لي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البئر طالباً ... لأجمامها أو يرجع الماء صافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
وإما أن يصرح لك بالمحل الذي يجعله مناطاً للحديث عنه، ثم يسوق القول كله على طريق التخييل؛ كقول بعضهم:
إني داياك كالصادي رأى نهلاً ... ودونه هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماءً عزَّ موردُهُ ... وليس يملك دون الماء منصرفا
فقد أراك أول الشعر أنه يريد الحديث عن حاله مع المخاطب، ثم اطَّرد في مجال التخييل الذي أفاد به أن الحاجة تحثه على القرب منه، والخطر المعترض في سبيله ينصح له بالإحجام عنه.
ومن أبدع الوصف المنسوج على هذا المثال: قول شرف الدين التيفاشي:
أما ترى الأرض من زلزالها عجباً ... تدعو إلى طاعة الرحمن كل تقي
أضحت كوالدة خرقاء مرضعة ... أولادَها درَّ ثدي حافل غدقِ
قد مهدتهم مهاداً غير مضطرب ... وأفرشتهم فراشاً غير ما قلق
حتى إذا أبصرت بعض الذي كرهت ... مما يشق من الأولاد من خلق
هزت بهم مهدهم شيئاً تنبههم ... ثم استشاطت وآل الطبع للخرق
стр. 2967
فصكَّت المهد غضبي وهي لافظة ... بعضاً على بعضهم من شدة النزق
* أسباب جودة الخيال:
لا مشاحة أن النفوس تختلف بفطرتها في صحة الذوق وقوة التذكر، فيكون من أسباب التفاوت في جودة الخيال ما هو عائد إلى الفطرة، والغرض في هذا المقام إنما هو البحث عن الأمور التي تؤثر في جودة الخيال، وتبسط في نطاقه من خارج، ومدارها على أمرين:
أحدهما: تردد النظر في مظاهر المدنيّة؛ فإن امتلاء حافظة الشاعر من المناظر المختلفة والصور التي لا تدخل تحت حصر، تجعله أغزر مادة، حتى إذا عرض له معنى اقتضى الحال إيراده في طريقة الخيال، لا يعوزه متى التفت إلى حافظته أن يلاقيه منها ما يساعده على العمل بسهولة، ثم إنه لغزارة مادته، وسعة مجاله تكون مخيلته أكثر عملاً في إنشاء المعاني وإبداعها، وكثرة العمل مما تترشح به هذه القوة النفسية، فيكون صاحبها أقدر على صناعة التخييل، وأرسخ فيها ممن كانت بضاعته مزجاة، وحافظته في إملاق.
وحيث إن غزارة المادة تشاهد على كثرة العمل الذي هو الإبداع، وكثرة العمل مما يقوي النفس في صناعة التخييل، أمكن للشاعر المدني أن يفوق الشاعر البدوي أو القروي في تخييل معان اشتركوا في العلم بالعناصر التي تنتزع منها الصور الخيالية.
يبلغ تأثير المدنية في تهذيب المخيلة إلى أن يكون الفرق بين عملها في حال البداوة، وعملها بعد أن يحفن صاحبها بالحضارة من كل جانب أوضح من نار على علم، فهذا علي بن الجهم الذي قال للخليفة:
أنتَ كالكلبِ في حفاظِك للعهـ ... ـدِ وكالتَّيْسِ في مراعي الخطوب
стр. 2968
هو الذي يقول:
فقلن لنا نحنُ الأهلَّةُ إنما ... نضيء لمن يأوي إلينا ولا نقري
بيد أنه قال البيت الأول أيام كان يسكن البادية، وقال البيت الثاني بعدما نزل بغداد، وتراصف في حافظته من الصور والمعاني ما رقّت به حاشية طبعه، وجعل قريحته تنسج من المعاني البديعة بروداً ضافية.
ثانيهما: الحرية؛ إذ لا شبهة أن الاستبداد الأعمى يطبع الناس على الجبن، ويلقي في أفئدتهم رهبة تحملهم على أن يجعلوا بينهم وبين الأقوال التي تسخط لها الحكومة القاسية حاجزاً لا يدنون منه، فيضيق بذلك مجال الشاعر، وربما تنكب الخوض في الاجتماعيات؛ حذرَ الوقوع في السياسيات، ومن ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه في كل غرض، ويطلق له العنان في كل حلبة، يكون أبعد مرمى، وأحكم صنعاً من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطة لا يفوتها، ولقد كنت أعرف أُناساً شبوا تحت سلطة تكره للأديب أن يفتح لهاته في الأحوال السياسية، فصرفوا معظم حياتهم في التردد على الغزل والمديح والرثاء، وفاضت عليهم قرائحهم في هذه الأغراض بمعان رائقة، ولما سمح الوقت بالكلام في مقاصد اجتماعية أو سياسية، وقف بهم الخيال في عقبة كؤود، أو أتوا بها في نسج واهٍ وهيئة متخاذلة.
فالخيال حرٌّ في عمله، لا تملك السلطة المستبدة مردَّه، ولكنها تمنعه من أن يتجول على مراكب الألسنة والأقلام، وهذا ما يثبط الشاعر عن إطلاق خياله للعمل في أوسع مجال، ولا يرخي له العنان إلا في أغراض يسعه الحال لأن يخاطب بها الناس نطقاً أو كتابة.
стр. 2969
فذانك سببان لأن يكون الخيال بديع الصنع في كل غرض يتوجه إليه، وهاهنا أمر آخر إذا اتفق للشاعر حال تصديه للنظم في غرض، يكون له أثر جلي في سهولة التخيل، وبعد الرمية إلى المعاني الغامضة، وهو الإحساس والتأثر.
فمن الشعراء من يتكلم عن مشاهدة وتأثر نفسي؛ كأن يرى البطل يلقي بنفسه في مواقع الخطوب، أو العالم كيف يتدفق بالحكمة البالغة، أو الجواد كيف يبسط يده بالنوال، فيشعر بإعظامه، ويأخذ في مديحه وتمجيده، ويرى الجبان كيف تصفر أنامله من ذكر الحرب، أو الجاهل كيف يتمضمض باللغو أو الباطل، أو البخيل كيف يشد على الدنيا رباطاً، فيشعر في نفسه بمهانته، ويتصدى لهجائه. ويموت من يعزُّ عليه من قريب أو صديق أو أُستاذ، فيشعر بالتفجع والأسف عليه، وتتفجر قريحته برثائه، وتحل بصديقه فاجعة، فيحس بالإشفاق عليه، فيأخذ في تسليته وتهوين وقعها عليه بالعزاء الجميل، ويدخل الروضة الفيحاء، فيتمتع بمرأى أزهارها، وتلحين بلابلها، فيهب في صدره ابتهاج وأنس، ويسترسل في وصفها وذكرِ ما راقه من مشاهدها.
ومن الشعراء من يسوقه إلى الشعر باعث طمع أو خوف أو حياء، ومن الجليّ أن الإحساس والتأثر مما يفتح أمام الخيال طرقاً قلمّا يبصر بها من يحمل نفسه على الشعر لمجرد الطمع أو الخوف أو الحياء، فانظر إن شئت مثلاً إلى قصيدة أبي الحسن الأنباري التي يقول في مطلعها:
علوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... لَحَقٌّ أنت إحدى المعجزاتِ
فتجد فيها تخيلات فائقة، والذي ساعده على ذلك - فيما أحسب - أنه أنشأها عن تفجع وإعظام بالغ؛ لأنه رثى فيها الوزير ابن بقية يوم قتله عضد
стр. 2970
الدولة مصلوباً، فَنظْمُهُ لها - وهو لا يرتجي من ورائها فائدة، بل يوجس في نفسه الخيفة من أن يناله عضد الدولة بالعقوبة عليها - يشعر أن الباعث له على إنشائها التلهف والإخلاص.
ولو نظرت إلى القصائد التي يخاطب بها الشعراء الملوك تهنئة بانتصار أو فتح، وقستها بالقصائد التي يخاطبونهم بها تهنئة بعيد مثلاً، أو بمولود، أو بناء قصر، لوجدت الأولى أجود خيالاً؛ لأن انتصار الدولة ممايبذر في نفوس الأمة فرحاً، ويثير فيها عاطفة إجلال لمن جرى النصر على يده، وليست الثانية بهذه المكانة؛ إذ طلوع العيد على الأمير، وازدياد ولد له، أو تشييده لقصر لا تهتز له نفس الشاعر حتى تطير به في جو الخيال، ويقتنص ما يلذه الذوق من بدائع الأفكار، وانظر إن رمت الوثوق بهذا إلى قصيدة أبي تمام التي يهنئ فيها المعتصم بفتح عمورية:
السيف أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب
فإنه ذهب بمعانيها مذاهب خيالية لا تطلع له على ما يحاكيها في القصائد التي لم يستفزه لها غير ما يرجوه من النوال.
وكذلك الشاعر الذي يريد أن يتبرأ من جناية تعزى إليه، أو يحاول أن يزيل ما في نفس السلطان من ضغينة أونية سيئة، فإنه يبتكر من المعاني ما لا يبتكره في القصائد التي يمدحه بها وهو مقبل عليه.
ربما يخوض الشاعر في غرض إنما دعاه إليه مجاراة غيره ومباراته في مضمار البيان، فيبلغ مبلغ من انساقوا إليه عن إخساس وعاطفة نفسية، ويقع على تخيلات جيدة، ولكن أمثال هذه التخيلات تنهال على ذي التأثر النفسي بدون تعسف، حينما يحتاج الآخر إلى أن يحث إليها قريحته، ويجاذبها
стр. 2971
وهي كالمستعصية عليه.
* بماذا يفضل التخييل ؟
عرف مما سبق أن التخييل يدور على انتقاء مواد متفرقة في الحافظة، ثم تأليفها وإبرازها في صورة جديدة، فيرجع فضله والبراعة فيه إلى ثلاث مزايا: إحداها: أن يكون وجه المناسبة بين تلك الجواهر - أعني: المواد المؤلفة منها صورة المعنى - غامضاً، فمزية من يتخيل الكواكب أزهاراً باسمة في روضة ناضرة دون مزية من يقول:
وضوءُ الشهبِ فوقَ الليل بادٍ ... كأطراف الأسنَّةِ في الدروعِ
فإن المشابهة بين الكواكب والأزهار لا تغيب عن كثير من الناس، أما التشابه بين النجوم وبين أطراف الأسنة اللامعة عند نفوذها في الدروع لا يحوم عليه إلا خيال بارع.
ولا فضل لمن يرى الشمعة فيحاكيها بالرمح، إذا قسته بمن ينظر إليها فيقول:
كأنها عُمْرُ الفتى ... والنارُ فيها كالأجلْ
فإن محاكاتها بالرمح لا تكاد تخفى على ذي بصر، وإنما الخيال الفائق هو الذي ينتقل منها إلى العمر والأجل؛ حيث يشعر بالمناسبة الدقيقة بينهما، وهو أن الأجل يدنو من الإنسان حيناً فحيناً، ويتقاضى عمره رويداً رويداً، إلى أن تتقلص عنه أشعة الحياة؛ كلهيب الفتيلة يدب في جسم الشمعة، وينتقصها قليلاً قليلاً إلى أن يأتي على آخرها، وتذهب في الجو هباء منثوراً.
ثانيتها: أن يكون التخييل مبنياً على ملاحظة أمور متعددة، فالصورة التي
стр. 2972
يراعى في تأليفها ثلاثة معان - مثلاً - تكون أرجح وزناً، وأنفس قيمة من الصورة التي تبنى على رعاية معنيين، فمن الشعراء من يصور لك الرمح شهاباً ثاقباً، فهل يحق لك أن تساويه بمن يخيله لك ورؤوس الأعداء منصوبة على طرفه بالغصن يوم يكون مكللاً بالثمار؟ كما قال ابن عمار يخاطب المعتصم صاحب "المرية":
أثمرتَ رمحك من رؤوس كُماتِهم ... لما رأيتَ الغصنَ يُعشق مثمِرا
يقف الناس في تصوير الحرب بمعنى الرحى عند قولهم: دارت رحى الحرب، وكان عمرو بن كلثوم أبسطهم في هذا التخييل باعاً، حيث يقول في وصف الحرب:
متى ننقل إلى قومٍ رحاها ... يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكونُ ثِفالهُا شرقيَّ نجدٍ ... ولهوتُها قضاعةَ أجمعينا
فالثفال: ما يُبسط تحت الرحى ليتساقط عليه الدقيق، واللهوة: القبضة من الحب تُلقى في فم الرحى لتطحنها، وقضاعة: هي القبيلة التي يهمدها هذا الشاعر بالحرب الطاحنة، وكأني به عندما حضر في نفسه معنى الحرب، انساق إليه معنى الرحى لما بينهما من التشابه المعهود، ثم تنقل نظره من الرحى إلى ما هو من خواصها، فوقع على الثفال واللهوة، ثم انقلب إلى معنى الحرب، وألقى نظره إلى ما حوله، فتراءى له ميدانها مبسوطاً كالثفال، والرجال الذين يتهافتون عليها فتتناثر رؤوسهم، وتتساقط أشلاؤهم على ذلك الميدان في صورة اللهوة، فصاغ الأبيات على هذا الوجه الذي يدل على حسن تصرفه في ضم المعاني إلى أشكالها.
والأدباء الذين أروك الحصى في صورة الدر ليسوا بقليل، وإنما المزية
стр. 2973
لمن اتسع في صورة هذا المعنى، ونظر في تركيبها إلى أمور متعددة، فقال يصف وادياً:
وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعَفُ الغيثِ العميمِ
نزلنا دوحَهُ فحنا علينا ... حُنُوَّ المرضعاتِ على الفطيمِ
وأرشفنا على ظمأٍ زلالاً ... ألذَّ من المدامةِ للنديمِ
يروع حصاه حاليةَ العذارى ... فتلمَسُ جانبَ العقدِ النظيمِ
كأني بالشاعر عندما فتح جفنه على الحصى، وهي في ملاستها وصفاء منظرها، انصرف خياله إلى ما يحاكيها من الجواهر النفيسة، ثم إلى حال تناسقها في هيئة قلادة، وتذكر بهذا موقعها من الصدر، فخطرت على قلبه الفتاة، وشرع يتصور كيف تنظر إلى تلك الحصى، فيهجم على ظنها بغتة أن قلادتها انفرطت، وأن ما تراه من الحصى إنما هو اللؤلؤ الذي كان متناسقاً في نحرها قد تساقط إلى مواطئ أقدامها، فلا تتمالك أن تضرب يدها على العقد حتى تحفظ البقية من السقوط، أو لتتيقن صدق ظنها، فتسعى إلى التقاطها.
ثالثتها: أن يجري الشاعر في استخلاص المعاني وتأليفها على ما يوافق الذوق السليم، فهو الحافظ لنظام المعاني؛ كما أن القواعد العربية تحفظ نظام الألفاظ، ومن الشعراء من تأخذه سنة عن هذا الشرط، فيضع المعنى الخيالي على مثال تشمئز منه النفس، كما أن ناسج الثياب من غزل اختلفت ألوانه، إذا لم يكن صاحب ذوق فائق، لم يحكم وضعها، وأخرجها في صورة تقذفها العيون.
ومثال هذا: أن أبا القاسم بن فرناس أنشد الأمير محمداً أبياتاً يقول فيها:
стр. 2974
رأيتُ أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجههِ بِذْرُ المحبَّةِ يثمرُ
فقال له مؤمن بن سعيد: قبحاً لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محراثاً تثمر فيه البذور؟ فغشيه الخجل، وجعل جوابه عن هذا النقد الصائب سباباً.
ووقع في مثل هذه الزلّة كثير من كبار الشعراء، فهذا أبو تمام يقول في مدح أحد الأبطال:
ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا
فجعل ممدوحه محراثاً، كما جعله هاذياً حين قال:
لا زال يهذي بالمكارم والعُلا ... حتى ظننّا أنه محمومُ
وهذا بشار بن برد يقول:
وجذّتْ رقابَ الوصل أسيافُ هجرِها ... وقَدَّتْ لِرِجْلِ البين نعلين من خدي
فإثبات الرقاب للوصل، والرجل للبين من التخيلات المستهجنة.
قد يخطر لسائل أن يقول: إن لهؤلاء الشعراء براعة مسلمة، وأذواقاً لا نرتاب في صحتها وصفائها، وقد مرت هذه المعاني التي رميتموها بسبة السخافة على أذواقهم، فألقت إليها بالتسليم، أفلا يكون رضاهم عنها، واستحسانهم لها شاهداً ببراءتها مما تصفونها به من سماجة الوضع، ومنافرة الذوق؟
والجواب: أن القبح في هذه المعاني وما كان على شاكلتها محقق بما يجده الإنسان في نفسه من أثر النكرة لها، وعدم الأنس لسماعها، فضلاً عن شهادة فريق لا تقصر بهم سلامة الذوق والمعرفة بحرفة الأدب عن طبقة أولئك الشعراء. وهذا ابن رشيق يقول عقب إيراد البيت الأول من بيتي أبي تمام:
стр. 2975
"فلعنة الله على المحراث هاهنا ما أقبحه وأركه! ". ولم يبق سوى النظر في عدم تنبههم لذلك القبح، وكيف خفي عنهم وجهه، وهو كاشف لثامه، حتى بلغ وضوحه في بعض الأبيات أن لا يمتاز بإدراكه الأدباء عن غيرهم.
والوجه في هذا: أن البصيرة مثل البصر، والمشاهد للصورة عن عيان قد يفوته أن يحدق فيها من بعض الجهات، فلا يشعر بما فيها من عيب، فكذلك الشاعر قد يصوغ المعنى، ولا يأخذه بالنقد من جميع أطرافه، فيصدر على عوج قد يبصر به من هو أضعف بصيرة منه، والعلة في عدم تنبه الشاعر لذلك الخلل: قصر المدة فيما بين إنشاء القصيدة، وإراءتها للملأ؛ بحيث لا يتمكن من تجريد نظره إلى كل بيت، ونقد معناه من سائر وجوهه.
وربما أصيب الشاعر من اعتماده على براعته ومكانة سمعته؛ إذ كثيراً ما يستفيد الشاعر من المقام والشهرة التي يدركها بين قومه، فيتلقون شعره باستحسان فوق ما يتلقون به شعر غيره ممن لم يقم لهم صيت، وإن كان في نفسه أبعد أمداً، وأحكم نسجاً، فكثرة الإجادة وسعة الذكر قد تؤثر في همة الشاعر في بعض الأحيان، فيلقي القصيدة على علاتها، ولا يحمل نفسه على التدقيق في نقدها. ومن ثمّ ترى أكثر الذين يقعون في هذه العثرات، إنما هم كبار الشعراء، والمكثرون منهم؛ كأبي تمام، والمتنبي، ومن كان في طبقتهم.
ويؤكد لك أن سيئات الشعراء في هذا الصدد، إنما لصقت بهم من جهة عدم نقدهم المعنى بعد أن تقذفه القريحة نقداً وافياً، إما لضيق الوقت، أو اغتراراً بما ملكوا من البراعة، وأحرزوا من الشهرة: أن أحدهم قد ترسل قريحته معنى، فيقع منه موقع الإعجاب، حتى إذا أعاد إليه النظر مرة ثانية، انكشف له من مساويه ما يجعله في أسف على إذاعته، أو في ارتياح من عدم
стр. 2976
اطلاع الناس عليه.
ومن المحتمل أن يصوغ الشاعر المعنى، فتأخذ جهة الحسن بقلبه مأخذاً بليغاً، ثم يعثر في صورته على وجه من الخلل، ولا يتمكن من تلافيه وإكمال نقصه إلا برفض الصورة من أصلها، وحيث يرى أن جهة الحسن أرجح، ويرجو أن تسبل على ذلك المغمز فضل ردائها، فلا يشعر به الناقدون، يبقي صورة المعنى على حالها، ويجيزها للرواة، وهو بصير بعلتها. ولا أخال أن النابغة حين قال:
نظرتْ إليكَ لحاجةٍ لم تقضِها ... نظَرَ السقيم إلى وجوه العُوَّد
لم يخدش عاطفته أن يضع المحبوبة بمنزلة السقيم، ولكنه عزّ عليه أن يضرب عن هذا التشبيه الذي لا يلحق شأوه، وإن وخز لفظ السقيم في ضميره وخزات بالغة.
* التفاضل في التخييل:
أتينا في الفصل الذي كنا بصدد تحريره على الوجوه التي تفضل بها صور المعاني التخييلية؛ أعني: غرابة الجامع بين الأجزاء المؤلفة، ثم التوسع في الخيال، وبعده عن البساطة، مع الالتئام بالذوق السليم، فيصح لمن انتصب للموازنة بين الشعراء في التخييل، أن يتخذ هذه الوجوه مدخلاً للحكم، وأساساً يبني عليه في التفضيل.
تعقد الموازنة تارة بالنظر إلى معنى خاص يتناوله كل من الشاعرين، وهذا إما أن تتحد الواقعة فيه، أو تختلف. وتارة تجري في غرض خاص يصوره كل منهما بغير ما يصوره به الآخر، فهذه ثلاث حالات تضاف إليها حالة رابعة، وهي المفاضلة بين الشاعرين يختلفان معنى وغرضاً، وحالة
стр. 2977
خامسة، وهي أن تقام الموازنة بين الشاعرين على أن يقضى لأحدهما بالأفضلية المطلقة.
الحالة الأولى: أعني: ما تعقد فيه الموازنة بالنظر إلى معنى خاص، والواقعةُ واحدة؛ كقول أبي عبدالله بن الزين النحوي يصف بركة نثر عليها الياسمين:
نثر الغلامُ الياسمينَ ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائِها المندفقِ
فكأنه نثر النجومَ بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماءٍ أَزرقِ
فإذا قسته بقول علي بن ظافر في هذه البركة نفسها:
زهرُ الياسمين ينثر في الما ... ءِ أمْ الزهرُ في أديم السماء
ظلَّ يحكي عقودَ دُرٍّ على صد ... رِ فتاةٍ في حُلَّةٍ زرقاءِ
رأيت كلاً من الشاعرين شبه الياسمين بالنجوم بادية في السماء، وتشبيه ابن الزين في هذا الوجه أجودة لأنه ذهب به الخيال إلى تفاصيل لم يأت عليها ابن ظافر، فإذا التفتَّ إلى تشبيه ابن ظافر في البيت الثاني، رأيت خطور هيئة النجوم والسماء عند مشاهدة الياسمين يطفو فوق الماء، أقرب من خطور عقود الدر تتقلدها الفتاة المتبرجة في حلة زرقاء، فيكون تشبيه علي بن ظافر أجودة لندرة المشبه به، وقلة ابتذاله بمشاهدة كل ذي عين باصرة. ولولا أن ابن الزين أسند نثر النجوم إلى الغلام، ونبّه على كرة الياسمين بقوله: نثر النجوم بأسرها - لانتفت عنه المزية، وكان تشبيهه من التخيلات الموضوعة في طريق كل من خطر على باله أن يذهب في تصوير المعنى من باب التشبيه. ومن هذا الضرب قول ابن المنجم يصف مطلع الهلال عند غروب الشمس:
стр. 2978
وعشاءٌ كأنما الأفق فيه ... لازوردٌ مرصَّعٌ بنضارِ
قلتُ دنت لمغربها الشمـ ... ـسُ ولاحَ الهلالُ للنظّارِ
أقرض الشرق صِنْوَهُ الغربَ دينا ... راً فأعطاه الرهنَ نصفَ سوارِ
مع قول ابن قلاقس، ولم يطلع على ما قاله ابن المنجم:
لا تظنّوا الظلامَ قد أخذ الشمـ ... ـسَ وأعطى النهارَ هذا الهلالا
إنما الشرقُ أقرضَ الغربَ دينا ... راً فأعطاه رهنَه خلخالا
فقد سار الشاعران في التخييل على طريق واحد، وزاد ابن المنجم على ابن قلاقس نظرة في السوار، فلم يأخذ منه إلا المقدار الذي يطابق حال الهلال، وهو الشطر، فكان تخيله أحكم وقعاً.
الحالة الثانية: وهي ما تكون الواقعة فيها مختلفة؛ كقول بعضهم:
خلقنا لهم في كل عينٍ وحاجبٍ ... بسمرِ القنا والبيضِ عيناً وحاجبا
مع قول ابن نباتة:
خرقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً لها وقعُ السيوفِ حواجب
فقد اتفق الشاعران على تصوير المعنى، وهو تأثير السيوف والرماح في أجسام الأعداء، ولكن تصوير ابن نباتة أجود؛ لأنه يزيد على الأول بما فيه من الإيماء إلى انهزامهم وتوليهم بظهورهم حتى تصنع فيها الرماح والسيوف عيوناً وحواجب.
ولا يغيب عنك أن تفضيل بيت ابن نباتة إنما يتم إذا تماثلت الواقعتان، أوكان كل من البيتين صادراًعن تخييل محض، وأما إذا قصد كل من الشاعرين وصف الواقع، وكان الأعداء المشار إليهم في البيت الأول لم ينهزموا، بل
стр. 2979
ثبتوا للطعن في وجوههم إلى أن وقعوا في مضاجعهم، أو لم ينلهم السلاح بعد أن ولّوا مدبرين، لم يكن لك أن تفضل عليه بيت ابن نباتة من جهة التخييل، وإن أشار إلى معنى يعود إلى مدح قومه بالشجاعة والمهارة في الطعن والضرب.
ومن قبيل هذا الضرب: قول عبد الرحمن الفنداقي في وصف حال الندى، وتقاطره من زهر النرجس:
والندى يقطرُ من نرجسه ... كدموعٍ أسكبتهن الجفون
وقول ابن زيدون في مثله:
نلهو بما يستميلُ العينَ من زَهَرٍ ... جالَ الندى فيهِ حتى مالَ أعناقا
كأن أعيُنَه إذ عاينتْ أرقي ... بكت لما بي فجالَ الدمعُ رقراقا
ومما يفضل به هذان البيتان على بيت الفنداقي: إيماؤهما إلى سبب إرسال الأزهار للمدامع، وهو معاينتها لأرق الشاعر، وإشفاقها عليه.
الحالة الثالثة: وهي ما يقصد الشاعران فيه إلى غرض واحد، ويختلفان في المعنى الذي يصورانه فيه، ومثال هذا: أن يكون الغرض وصف شخص بالندى، فيقع الاختلاف في الطريق الذي يقرر به هذا الوصف؛ كما قال بعضهم:
سألتُ الندى هلْ أنتَ حرٌّ؟ فقال: لا ... ولكنَّني عبدٌ ليحيى بنِ خالدِ
فقلتُ: شراءً؟ قال: لا بل وراثةً ... توارثني عن والد بعد والد
وقال الآخر:
ولما رأيت البحرَ في الجود آية ... ومن جوده الدرُّ الثمين المقلدُ
سألته من في الناس علَّمك الندى ... فقال أمير المؤمنين محمَّد
стр. 2980
ومثل هذا مما يرجع بالتفضيل فيه إلى القوانين السابقة، فما كان أقل خطوراً على الذاكرة، أو أوسع نطاقاً في التخييل، أو ألذ وقعاً على الذوق، فهو المشهود له بمزية الرجحان. ومن الجليّ أن تشبيه الكريم بالبحر من المعاني التي وعاها كل قلب، وتناولها كل إنسان، فصاحب البيتين الأخيرين بنى محاورته على أمر اشتهر ذكره عند الحديث في هذا الغرض، وإنما زاد عليه شيئاً من التخييل، فتكون المحاورة الأولى أبدع؛ لأنها قائمة من أول حالها على شعور غريب، فضلاً عما امتازت به من الإيماء إلى دعوى قصر الندى على الممدوح، وهذا ما يجعلها أبلغ في الدلالة على ما يرمي إليه الشاعر من غرض الوصف بالسخاء.
ويدخل في هذا القسم قول عنترة:
ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ ... منّي وبيضُ الهندِ تقطر من دمي
فوددت تقبيلَ السيوفِ لأنها ... لمعت كبارقِ ثغرك المتبسمِ
مع قول بعضهم:
ولقد ذكرتُكِ في السفينة والردى ... مُتوقَّعٌ بتلاطم الأمواج
وعلى السواحل للأعادي جولةٌ ... والليلُ مسوَدُّ الذوائبِ داجي
فعلت لأصحاب السفينةِ ضجةٌ ... وأنا وذكرُكِ في أَلذِّ تناجي
فغرض الشاعرين واحد، وهو أنهما ذكرا الحبيب في حال تقتضي لشدة هولها وعظم خطرها دهشة القلب، وتفرغه لانتظار الفرج، أو الاحتيال على وسيلة النجاة، وإنما يصح لنا أن ندخل للمفاضلة بين الشعرين إذا كانا من التخييل المحض، فنقول: إن شعر عنترة أبلغ؛ لأنه صوَّر ذكره للحبيب بوقوعه