← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

اطلاع الناس عليه. ومن المحتمل أن يصوغ الشاعر المعنى، فتأخذ جهة الحسن بقلبه مأخذاً بليغاً، ثم يعثر في صورته على وجه من الخلل، ولا يتمكن من تلافيه وإكمال نقصه إلا برفض الصورة من أصلها، وحيث يرى أن جهة الحسن أرجح، ويرجو أن تسبل على ذلك المغمز فضل ردائها، فلا يشعر به الناقدون، يبقي صورة المعنى على حالها، ويجيزها للرواة، وهو بصير بعلتها. ولا أخال أن النابغة حين قال: نظرتْ إليكَ لحاجةٍ لم تقضِها ... نظَرَ السقيم إلى وجوه العُوَّد لم يخدش عاطفته أن يضع المحبوبة بمنزلة السقيم، ولكنه عزّ عليه أن يضرب عن هذا التشبيه الذي لا يلحق شأوه، وإن وخز لفظ السقيم في ضميره وخزات بالغة. * التفاضل في التخييل: أتينا في الفصل الذي كنا بصدد تحريره على الوجوه التي تفضل بها صور المعاني التخييلية؛ أعني: غرابة الجامع بين الأجزاء المؤلفة، ثم التوسع في الخيال، وبعده عن البساطة، مع الالتئام بالذوق السليم، فيصح لمن انتصب للموازنة بين الشعراء في التخييل، أن يتخذ هذه الوجوه مدخلاً للحكم، وأساساً يبني عليه في التفضيل. تعقد الموازنة تارة بالنظر إلى معنى خاص يتناوله كل من الشاعرين، وهذا إما أن تتحد الواقعة فيه، أو تختلف. وتارة تجري في غرض خاص يصوره كل منهما بغير ما يصوره به الآخر، فهذه ثلاث حالات تضاف إليها حالة رابعة، وهي المفاضلة بين الشاعرين يختلفان معنى وغرضاً، وحالة

стр. 2977

خامسة، وهي أن تقام الموازنة بين الشاعرين على أن يقضى لأحدهما بالأفضلية المطلقة. الحالة الأولى: أعني: ما تعقد فيه الموازنة بالنظر إلى معنى خاص، والواقعةُ واحدة؛ كقول أبي عبدالله بن الزين النحوي يصف بركة نثر عليها الياسمين: نثر الغلامُ الياسمينَ ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائِها المندفقِ فكأنه نثر النجومَ بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماءٍ أَزرقِ فإذا قسته بقول علي بن ظافر في هذه البركة نفسها: زهرُ الياسمين ينثر في الما ... ءِ أمْ الزهرُ في أديم السماء ظلَّ يحكي عقودَ دُرٍّ على صد ... رِ فتاةٍ في حُلَّةٍ زرقاءِ رأيت كلاً من الشاعرين شبه الياسمين بالنجوم بادية في السماء، وتشبيه ابن الزين في هذا الوجه أجودة لأنه ذهب به الخيال إلى تفاصيل لم يأت عليها ابن ظافر، فإذا التفتَّ إلى تشبيه ابن ظافر في البيت الثاني، رأيت خطور هيئة النجوم والسماء عند مشاهدة الياسمين يطفو فوق الماء، أقرب من خطور عقود الدر تتقلدها الفتاة المتبرجة في حلة زرقاء، فيكون تشبيه علي بن ظافر أجودة لندرة المشبه به، وقلة ابتذاله بمشاهدة كل ذي عين باصرة. ولولا أن ابن الزين أسند نثر النجوم إلى الغلام، ونبّه على كرة الياسمين بقوله: نثر النجوم بأسرها - لانتفت عنه المزية، وكان تشبيهه من التخيلات الموضوعة في طريق كل من خطر على باله أن يذهب في تصوير المعنى من باب التشبيه. ومن هذا الضرب قول ابن المنجم يصف مطلع الهلال عند غروب الشمس:

стр. 2978

وعشاءٌ كأنما الأفق فيه ... لازوردٌ مرصَّعٌ بنضارِ قلتُ دنت لمغربها الشمـ ... ـسُ ولاحَ الهلالُ للنظّارِ أقرض الشرق صِنْوَهُ الغربَ دينا ... راً فأعطاه الرهنَ نصفَ سوارِ مع قول ابن قلاقس، ولم يطلع على ما قاله ابن المنجم: لا تظنّوا الظلامَ قد أخذ الشمـ ... ـسَ وأعطى النهارَ هذا الهلالا إنما الشرقُ أقرضَ الغربَ دينا ... راً فأعطاه رهنَه خلخالا فقد سار الشاعران في التخييل على طريق واحد، وزاد ابن المنجم على ابن قلاقس نظرة في السوار، فلم يأخذ منه إلا المقدار الذي يطابق حال الهلال، وهو الشطر، فكان تخيله أحكم وقعاً. الحالة الثانية: وهي ما تكون الواقعة فيها مختلفة؛ كقول بعضهم: خلقنا لهم في كل عينٍ وحاجبٍ ... بسمرِ القنا والبيضِ عيناً وحاجبا مع قول ابن نباتة: خرقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً لها وقعُ السيوفِ حواجب فقد اتفق الشاعران على تصوير المعنى، وهو تأثير السيوف والرماح في أجسام الأعداء، ولكن تصوير ابن نباتة أجود؛ لأنه يزيد على الأول بما فيه من الإيماء إلى انهزامهم وتوليهم بظهورهم حتى تصنع فيها الرماح والسيوف عيوناً وحواجب. ولا يغيب عنك أن تفضيل بيت ابن نباتة إنما يتم إذا تماثلت الواقعتان، أوكان كل من البيتين صادراًعن تخييل محض، وأما إذا قصد كل من الشاعرين وصف الواقع، وكان الأعداء المشار إليهم في البيت الأول لم ينهزموا، بل

стр. 2979

ثبتوا للطعن في وجوههم إلى أن وقعوا في مضاجعهم، أو لم ينلهم السلاح بعد أن ولّوا مدبرين، لم يكن لك أن تفضل عليه بيت ابن نباتة من جهة التخييل، وإن أشار إلى معنى يعود إلى مدح قومه بالشجاعة والمهارة في الطعن والضرب. ومن قبيل هذا الضرب: قول عبد الرحمن الفنداقي في وصف حال الندى، وتقاطره من زهر النرجس: والندى يقطرُ من نرجسه ... كدموعٍ أسكبتهن الجفون وقول ابن زيدون في مثله: نلهو بما يستميلُ العينَ من زَهَرٍ ... جالَ الندى فيهِ حتى مالَ أعناقا كأن أعيُنَه إذ عاينتْ أرقي ... بكت لما بي فجالَ الدمعُ رقراقا ومما يفضل به هذان البيتان على بيت الفنداقي: إيماؤهما إلى سبب إرسال الأزهار للمدامع، وهو معاينتها لأرق الشاعر، وإشفاقها عليه. الحالة الثالثة: وهي ما يقصد الشاعران فيه إلى غرض واحد، ويختلفان في المعنى الذي يصورانه فيه، ومثال هذا: أن يكون الغرض وصف شخص بالندى، فيقع الاختلاف في الطريق الذي يقرر به هذا الوصف؛ كما قال بعضهم: سألتُ الندى هلْ أنتَ حرٌّ؟ فقال: لا ... ولكنَّني عبدٌ ليحيى بنِ خالدِ فقلتُ: شراءً؟ قال: لا بل وراثةً ... توارثني عن والد بعد والد وقال الآخر: ولما رأيت البحرَ في الجود آية ... ومن جوده الدرُّ الثمين المقلدُ سألته من في الناس علَّمك الندى ... فقال أمير المؤمنين محمَّد

стр. 2980

ومثل هذا مما يرجع بالتفضيل فيه إلى القوانين السابقة، فما كان أقل خطوراً على الذاكرة، أو أوسع نطاقاً في التخييل، أو ألذ وقعاً على الذوق، فهو المشهود له بمزية الرجحان. ومن الجليّ أن تشبيه الكريم بالبحر من المعاني التي وعاها كل قلب، وتناولها كل إنسان، فصاحب البيتين الأخيرين بنى محاورته على أمر اشتهر ذكره عند الحديث في هذا الغرض، وإنما زاد عليه شيئاً من التخييل، فتكون المحاورة الأولى أبدع؛ لأنها قائمة من أول حالها على شعور غريب، فضلاً عما امتازت به من الإيماء إلى دعوى قصر الندى على الممدوح، وهذا ما يجعلها أبلغ في الدلالة على ما يرمي إليه الشاعر من غرض الوصف بالسخاء. ويدخل في هذا القسم قول عنترة: ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ ... منّي وبيضُ الهندِ تقطر من دمي فوددت تقبيلَ السيوفِ لأنها ... لمعت كبارقِ ثغرك المتبسمِ مع قول بعضهم: ولقد ذكرتُكِ في السفينة والردى ... مُتوقَّعٌ بتلاطم الأمواج وعلى السواحل للأعادي جولةٌ ... والليلُ مسوَدُّ الذوائبِ داجي فعلت لأصحاب السفينةِ ضجةٌ ... وأنا وذكرُكِ في أَلذِّ تناجي فغرض الشاعرين واحد، وهو أنهما ذكرا الحبيب في حال تقتضي لشدة هولها وعظم خطرها دهشة القلب، وتفرغه لانتظار الفرج، أو الاحتيال على وسيلة النجاة، وإنما يصح لنا أن ندخل للمفاضلة بين الشعرين إذا كانا من التخييل المحض، فنقول: إن شعر عنترة أبلغ؛ لأنه صوَّر ذكره للحبيب بوقوعه

стр. 2981

في حال انتشاب الخطر به، حيث ترتوي الرماح وتقطر السيوف من دمه الذي هو مادة حياته، ثم تمنى زيادة الاتصال بالسيوف التي هي مهبط العطب، وشاقه أن يقبلها؛ لأن بريقها يخيل إليه ثغر المحبوبة حال تبسمها، وأما شاعر السفينة، فاقصى غمراته توقع الهلاك بما أحاط به من أسبابه القريبة، فمزية من تذكر الحبيب وقد أنشب به الردى مخالبه، أعظم من مزية من يتذكره وهو يبصر الخطر، ولم يبسط إليه يده، فإن كان كل من الشاعرين حكى واقعة عرضت له في حياته، فلا تفاضل بينهما إلا من جهة تأليف اللفظ وصفاء ديباجته. الحالة الرابعة: وهي ما يختلف فيه الشعران معنى وغرضاً، وعقد المفاضلة في مثل هذا النوع قلَّما يخطر على بال الأديب، ولو قصد إلى ذلك، لوجد المسلك وعراً؛ إذ من المحتمل أن يكون كل من الشعرين ورد على أبدع غاية ممكنة في المقصد الذي سيق إليه، وإن كان أحدهما أوسع نطاقاً في الخيال. فلو نظرت إلى قول بشار: كأنَّ مثارَ النَّقْع فَوْقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه سهل عليك الدخول إلى المفاضلة بينه وبين قول ابن المعتز: وعمّ السماءَ النقعُ حتى كأنها ... دخانٌ وأطرافُ الرماحِ شَرارُ ولو عمدت إلى الموازنة بينه وبين قول أحمد بن دراج يصف حالة وداعه لزوجته وابنه الرضيع: تناشدني عهد المودةِ والهوى ... وفي المهدِ مبغومُ النداء صغيرُ عَيِيٌّ بمرجوعِ الخطابِ ولحظُهُ ... بموقع أهواءِ النفوسِ خبير

стр. 2982

أو قول بعضهم: لئن بكيتُ دماً والعزمُ من شيمي ... على الخليط فقد يبكي الحسامُ دما لم تجد الطريق إلى التفضيل بينهما أمراً ميسوراً. وليس لك أن تعول على ابتهاج النفس واهتزازها، وتجعل تفاوته ميزاناً للتفاضل؛ لأن شدة الابتهاج لسماع الشعر قد تكون تابعة للعواطف والأهواء، فمن رقت عاطفته لولده الصغير حتى كاد قلبه يذوب لنظراته المكحولة بالتبسم، يهتز لقول أحمد بن دراج: "ولحظه بموقع أهواء النفوس خبير" بأشد مما يهتز لغيره، ومن لم يذق حلاوة العطف على البنين، وكان كلفاً بمواقع الحروب، مغرماً بالحديث عن آثارها، يلتذ ببيت بشّار أكثر من التذاذه ببيت ابن دراج وما ذكر بعدهما. فلا أنكر أن يكون بين التخيلات المختلفة في المعنى والغرض فرق جليّ، وتفاوت واسع من جهة التركيب أو الغرابة، فيبني عليه الأديب حكمه بالتفضيل، وإنما أعني: أن الأشعار المتفقة في معنى أو غرض تجد المدخل للمفاضلة بينها سهلاً؛ إذ يتبين لك التفاوت بينها في التركيب، أو الغرابة من غير إطالة نظر، وعلى فرض اتحادها في ذلك، يمكنك الرجوع إلى وقعها على حاسة الذوق، وأخذها بالروح التي يتقوم بها المراد من الكلام، وأما الأشعار المختلفة في المعنى والغرض، فيتيسر القضاء فيها متى كان التفاوت بينها جلياً، فإذا كانت في مراتب متقاربة في الغرابة والتركيب، والتمكن من روح المعنى، أو الغرض الذي أفرغ فيها، فباب المفاضلة بينهما لا يطرقه إلا الماهرون في هذه الصناعة، حيث وصلوا إلى أن هذا الشعر لم يتجاوز في الغرض الذي عبّر عنه الدرجة الوسطى مثلاً، وأن الآخر انتهى في وجهته

стр. 2983

إلى غاية ليس وراءها مرتقى. وقد يكون مناط التخييل أمراً واحداً، ويختلف نظر الشاعرين بتوجه أحدهما إلى حال أو صفة قد أخذ نظر الآخر بغيرها، فيصير التخييل بهذا من قبيل التخييل في أمرين مختلفين في خفاء التفاضل بينهما، وهذا كما قال الوزير أبو فارس يصف النهر من جهة منظره: فنضنضَ ما بين الغروس كأنه ... وقد رقرقت حصباؤه حيةٌ رقطا وقال أبو القاسم الأبرش يصفه من جهة خريره: وأنَّ النهرَ يشكو من حصاه ... جراحاتٍ كما أنَّ الجريحُ وقد يجيد أحد شاعرين من جهة الغرابة، ويجيد الآخر من حيث التركيب؛ كقول الصنوبري يصف الشمعة: كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل مع قول الأرجاني يصفها أيضاً: تنفست نفس المهجورِ إذ ذكرت ... عهدَ الخليطِ فبات الوجدُ يذكيها فإن تشبيه الشمعة حين تدب فيها النار، وتتناقص شيئاً فشيئاً إلى أن تذهب في الجو هباء منثوراً بعمر الفتى حين ينقضي ساعة فساعة إلى أن يلتقي الأجل بآخر نفس منه فيعود إلى الفناء- تشبيه أدق وأخفى من تشبيهها بصب ذكر عهد الخليط، فقدحت الذكرى في مهجته وجداً بات يحترق بلوعته الملتهبة، ولكن هذا التشبيه أوسع، نطاقاً وأحلى مساقاً. وربما فاق أحدهما من جهة الغرابة، وفاقه الآخر من جهة المطابقة لحال المعنى؛ كقول ابن الخطيب يصف ليلة:

стр. 2984

رعشت كواكبُ جوها فكأنها ... وَرِقٌ تُقَلّبُها بَنانُ شحيح وقول عنترة: أراعي نجومَ الليلِ وهي كأنها ... قواريرُ فيها زئبقٌ يترجرجُ فتشبيه ابن الخطيب أدق وأخفى، وتشبيه عنترة أشد مطابقة لحال النجوم. الحالة الخامسة: وهي ما يجري فيه تفضيل أحد الشاعرين على آخر بإطلاق، وهذا لا يستقيم إلا ممن أتى على معظم شعرهما، حتى عرف الذي يستوفي في تخيلاته شرائط الجودة أكثر من غيره، ولا سيما إذا اهتدى للمقايسة بينهما في كثير من المعاني أو الأغراض التي يتفقان في نظمها. ومن الخطأ الحكم بتفوق شاعر على غيره لمجرد تخييل بديع يتفق له في بيت أو أبيات، فربما ترجح شاعر في معنى مرة، وفاقه غيره في معان أخرى، فلا يصح لك متى وقفت على قول ابن زمرك يصف البرق: وجرَّد من غمد الغمامةِ صارماً ... من البرق مصقولَ الصفيحةِ صافيا ورأيته متوغلاً في الخيال أكثر من قول ابن الخطيب: لك اللهُ من برق كأن وميضَه ... يد الساهرِ المقرورِ قد قَدحتْ زندا أن تقضي بتفضيل ابن زمرك على ابن الخطيب؛ إذ قد يكون لابن الخطيب تخيلات أخرى أدرك فيها شأواً لم يلحق ابن زمرك غباره، بل تجد له في هذا المعنى نفسه تخييلاً سبق فيه إلى الغاية القصوى، وهو قوله: وميض رأى برد الغمامة مغفلاً ... فمد يداً بالتبرأ علمت البردا ومما يصدك أن تكتفي في تفضيل الشاعر بإجادته في البيت أو الأبيات: أنك ترى حازماً الأندلسي قد فاق ابن هانئ في وصف التقاء الصبح بآخر

стр. 2985

الليل، حيث يقول الأول: كأن بياضَ الصبحِ معصمُ غادةٍ ... جنت يدها أزهارَ زهرِ الدجى لقطا ويقول الثاني: كأن عمودَ الصبح خاقانُ عسكر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى وترى ابن هانئ يقول في وصف الثريا: وولَّت نجومٌ للثريا كأنها ... خواتيمُ تبدو في بَنان يدٍ تخفى ففاق حازماً حين قال: كأن الثريا كاعبٌ أزمعت نوى ... وأمَّت بأقصى الغربِ منزلة شحطا وقد لوحنا فيما سلف إلى بعض الأسباب التي تقوم للشاعر، فيفضل في بعض المعاني أو الأغراض من هو كفؤاً له، أو أرسخ منه قدماً؛ كالتفاوت في قوة الباعث على النظم، فمن يخاطب إنساناً وقد ماجت مهجته بعواطف وده الخالص، وأضرمت النوى في فؤاده شوقاً إليه، يقع على دفائن من المعاني يقف دونها من يخاطبه تقصياً من ملامة، أو تعرضاً لمسألة ليست بذات بال، ويضاف إلى هذا: أن أحد الشعراء قد يمتاز بمعرفة العناصر التي يؤلف منها المعنى، كما امتاز البارودي عن بعض أدباء عصره بمشاهدة الكهرباءوإشراقها في أجرام كروية، فقال يصف الثريا: وكأنها أكرٌ توقَّد نورها ... بالكهرباءةِ في سماوةِ مصنعِ وقد يستوي الشاعران في الاطلاع على العناصر البسيطة، ولكن أحدهما يشاهدها مؤلفة في صورة لم يشهدها الآخر، فيساعده استحضار تلك الهيئة على انتزاع معنى لا يخطر على بال غيره، فصفوان بن إدريس الأندلسي عاش

стр. 2986

في قطر يرى فيه المقلة الزرقاء تلوح عليها حمرة الرمد، فقال يصف الورد مفتحاً على شاطئ الخليج: والورد في شطِّ الخليج كأنه ... رمدٌ أَلَمَّ بمقلةِ زرقاء ومن الشعراء من لم يأخذ في حافظته صورة المقلة الزرقاء وعليها مسحة من الرمد، كمن نشأ في ناحية الجنوب، وإنما رأى المقلة الرمداء، ولون الزرقة ينفرد أحدهما عن الآخر. وانظر إلى ابن الرومي- حين قال بعض اللائمين: لم لا تشبه تشابيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ ثم قص عليه تشبيهه للهلال بزورق من فضة وعليه حمولة من عنبر، وتشبيه الآذريون بمداهن من ذهب فيها بقايا غالية- قال ابن الرومي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ذلك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن خليفة، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا أنا وصفت ما أعرف أين يقع قولي من الناس. وقد يتفق الشاعران في معرفة العناصر والهيئة المؤلفة، ويكون أحدهما أشد علقة بها، وكثر تردداً عليها، فيكون خطورها على قريحته أكثر من خطورها على قريحة من شاهدها مرة أو مرتين. كنت رأيت مرة الآلة المصورة، وعرفت كيف ترسم الصورة في زجاجاتها، ولم يسنح لي أن أستمد منها معنى خيالياً حتى نزل بجواري في بعض البلاد أحد المولعين بها، وتكررت ملاحظتي لها، فريثما جال في خاطري معنى الخطأ في فهم الحقيقة، هجمت على صورة الآلة والزجاجة، فقلت: عذرتك إذ صوَّرت في نفسك الهدى ... ضلالاً وصورتَ الضلال رشادا فإن زجاجات المصوِّر تقلب الـ ... ـسوادَ بياضاً والبياضَ سوادا قد يستمد الشاعر من غيره تخييلاً يضيف إليه ما يوسع في نطاقه،

стр. 2987

ولهذا ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون الأصل من المعاني النادرة، والزيادة تساويه في غرابتها، أو تنقص عنه، وهنا لا يكون صاحب الزيادة أرجح ممن أنشأ أصل المعنى قطعاً؛ إذ من المحتمل أن تنبهه لهذه الزيادة، وإدراجه لها في صورة المعنى إنما تيسر له من تلقيه لذلك الأصل الذي أقامه له الشاعر الأول؛ بحيث لا يكون في قريحته فضل قوة على تحصيل هذا الأساس بنفسه، ومثال هذا قول علي الكوفي يصف النجوم: كأن التي حول المجرَّة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب وقول البارودي يصفها أيضاً: وكأنهاحول المجرِّ حمائمٌ ... بيضٌ عكفن على جوانب مشرعِ فلم يزد البارودي عما خيل إليك الكوفي، سوى أن جعل تلك النجوم الواردة حمائم بيضاً. ومن هذا القبيل قول المعتمد بن عباد يصف نهراً في روض: ولربما سلَّت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا وقول أبي القاسم البخاري: والنهر شقَّ بساطَ الروضِ تحسبه ... سيفاً ولكنه في السِلْمِ مشهورُ فهذا البيت أخذ في ضمنه معنى البيت الأول، وإنما زاد عليه بأن السيف مجرد في حال السلم. ثانيها: أن يكون المعنى الأصلي غريباً، وتكون الزيادة أدلّ منه على البراعة، ويصح لك في هذا الحال أن تقضي بفضل الثاني؛ إذ في يدك ما ينهض

стр. 2988

بالحجة على أن في قريحته قوة تمكنها من إنشاء الصورة من أصلها. ومثال هذا قول الخفاجي: كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبِّرُ حرب قد هَزَمْنَ له صفّا وقول البارودي يصف الليل أيضاً: متوشِّحٌ بالنيرات كباسلٍ ... من نسل حامٍ باللجين مدرعِ حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فوحى لهن من الهلالِ بأصبعِ فإن كان البارودي قد تنبه إلى تشبيه الليل بأمير حرب من بيت الخفاجي، فقد زاد عليه ماهو أغرب منه؛ أعني: ظنه أن النجوم تخلفت عن أمره، ثم إشارته إليها بأصبع من الهلال. ثالثها: أن يكون الأصل من المعاني التي تتناولها القرائح لأول لفتة؛ إذ أصبحت مبذولة ابتذال تمثيلك جميل الطلعة بالقمر، والمقدام بالأسد، ويسوغ لك بدون شبهة أن تعد التخييل فيما يرجح به وزن صاحب الزيادة البديعة، فالذين شبهوا الزهر بالدراهم كثير، ولكن ابن زمرك أضاف إلى ذلك أن جعل النسيم جابياً لها، فقال: كأنما الزهر في حافاتها سحراً ... دراهم والنسيم اللَّدْنُ يَجيبها ومن المتداول تشبيه الأقاح بالثغور، وقد بنى عليه ابن رشيق أن جعل الشمس ترشف منه ريق الغوادي، فقال: باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابقَ اللهوِ ذوات المزاحِ من قبل أن ترشف شمسُ الضحى ... ريقَ الغوادي من ثغورِ الأقاحِ ومن المعهود تشبيه الليل بالغراب، فتناوله عبد الرحمن الفنداقي

стр. 2989

الأندلسي، ورفعه في الحسن درجات، فقال: وانبرى جنحُ الدجى عن صبحهِ ... كغرابٍ طار عن بَيضٍ كَنين وقد يذهب الشاعران إلى محاكاة أمر، فيحاكيه أحدهما ناظراً إليه بانفراده، ويحاكيه الآخر ناظراً إليه في حال اقترانه بأمور أُخرى، فلا يحق لك متى قايست بينهما، ورأيت الأول أحكم، أن تقضي لصاحبه بالرجحان؛ إذ قد تكون محاكاة الثاني إنما جاءتها الجودة من ملاحظة ما اتصل به من المعاني، ولولا هذه المقارنة، لم يقدم صاحبه على هذه المحاكاة. ربما تسمع أن أبا جعفر الأندلسي خيل أصوات الحمام في الصباح بالخصام، فيبدو لك أن تشبيهها بالغناء أو النواح أقرب إلى الجودة، وأشد مطابقة لحالها، ولكنك إذا وقفت على قوله: فالصبحُ قد ذبح الظلامَ بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائمُ فيه أدركت جودة التخييل التي أحرزها بما انضم إليه من تمهيد سبب الخصام، وهو اعتداء الصبح على الظلام، وقتله بالنصل ذبحاً. يعدون في تخيلات (فكتور هيغو) تشبيهه الموج بالغنم، فإذا قيل لك: إن الشاعر العربي معروف الرصافي قد شبهه بالرجال، حسبت أنه وقع التشبيه إلى الحضيض، حتى إذا قرأت قوله يصف قصر البحر في بيروت: كأن الموجَ في الدأما رجالٌ ... وهذا القصر بينهم خطيبُ تخاطبهم مبانيه فيعلو ... من الأمواجِ تصفيقٌ رحيب تيقنت أن الرجل قد ذهب في التخييل البديع إلى الدرجة القصوى. فتشبيه الموج بالغنم هو أحكم من تشبيهه بالرجال متى نظرت إليه مستقلاً،

стр. 2990

ولكنك إذا راعيت ما انضم إليه من تشبيه القصر القائم على ضفة البحر بالخطيب، وتلاطم الأمواج بالتصفيق، لم يكن في وقوعه على ذوقك أقل تأثير من تشبيهه بالغنم السائمة. * الغرض من التخييل: عادة النفس الارتياح للأمر تشاهده في زي غير الذي تعهده به، والتخييل يأتيها من هذا الطريق، فيعرض عليها المعاني في لباس جديد، ويجليها في مظهر غير مألوف. فللتخييل فائدة عامة لا تتخلى عنه، وهي تحريك نفس السامع لتلقي المعنى بارتياح له، وإقبال عليه، ولو كان من قبيل الحديث المألوف أو المعلوم بالبداهة. وانظر إن رمت الثقة بهذا إلى قول الشاعر: أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا ... وسالت بأعناقِ المطي الأباطحُ فالمعنى الذي صيغ البيت لتأديته لا يتعدى قولك: أخذنا نتناوب الحديث، والإبل تسير مسرعة في الأباطح. وهذا كما رأيته معنى مبذول، وحديث لا يختص به عابر سبيل دون آخر، ولولا أن الشاعر أورده في هذه الصورة التي خيلت إليك بطاحاً تتدفق بسيل من أعناق المطايا، لم ينل عندك هذا الموقع من الحظوة والاستحسان. قد يكون للمعنى في ذاته وجه يدعو نفس السامع إلى النفور عنه، وصناعة التخييل تبقي له أثراً لذيذاً في النفس، فتأتيها اللذة من ناحية غير الناحية التي يجيءُ منها النفور، فلو سمع أشياع ابن بقية قول عمارة اليمني شامتاً به وهو مصلوب: ونكَّسَ رأسه لعتاب قلبٍ ... دعاه إلى الغواية والضلالِ

стр. 2991

لوجدوا لهذا البيت في أنفسهم ألماً بليغاً يدخل عليها من جهة القدح في كرامة رجل امتلأت صدورهم بإجلاله، وهذا الألم لا يمنع من أن يبقى للبيت في نفوسهم أثر لذة تسري إليها من جهة التخييل، وإن كانوا لها كارهين. ومما قلت في بعض الخواطر: "قد يهذب السياسي حاشية ظلمه، فيكون كالبيت البليغ يؤثر في نفس من يهجى به لذة وألماً". قد يبدو لك أن هذه الفائدة العامة إنما تتحقق فيما إذا كان المعنى معروفاً للسامع من قبل التخييل؛ كوصف حال القمر والكواكب والبرق والسحاب والرياض والأنهار، والمقلة والثغر والقلم والدواة، أو حال الرجل من كرم وشجاعة وعلم وغيرها من الخصال؛ إذ يصح أن يقال: إن التخييل قد عرض على السامع هذه المعاني في صور حديثة. وأما الوقائع والأحوال المجهولة، فلم يعرفوا لها صورة من قبل، حتى تعد الصورة الخيالية جديدة، وتحدث في النفس لذة زائدة عن لذة العلم بأصل المعنى. والجواب: أن المعنى الذي تتلقاه من الشاعر دون أن تسبق لك معرفة به، قد يلقيه إليك بوجه صريح، ثم يدخل به في الخيال، كما هي في الطريقة الشائعة في التشبيه والتمثيل، وعد التخييل في هذا صورة جديدة بالنسبة إلى الصورة التي نقشها التصريح أولاً مما لا تعتريك فيه شبهة. وقد يلقيه لأول الخطاب في صورة خيالية، وهذا مما يصح عده في الصور المستجدة؛ إذ للمعاني صور أصلية، وهي التي ترتسم في النفس لأول ما تدرك المعنى بمشاهدة أو وجدان، فالنفس تشعر حال تلقيها للصورة الخيالية أن للمعنى الذي تحمله تلك الصورة صورة أخرى، هي الصورة البسيطة التي يعبر عنها بالقول الصريح.

стр. 2992

ولعلك تقول بعد هذا: إن صور المعاني تختلف ما اختلفت العبارات، سواء كانت تصريحية، أو تخييلية، فالصورة التي يعطيها قولك: "زيد يكتب " غير الصورة التي يفصح عنها قولك: "زيد يخط بالقلم على القرطاس "، وكل منهما صريح لا مدخل فيه للخيال، وإذا كان التخييل يلذ للنفس من جهة أنه يكسو المعنى لباساً جديداً، فيمكن لنا أن نصوغ للمعنى عبارة صريحة غير التي يعرفها المخاطب، فيأخذ بها صورة جديدة، ولا يفوز التخييل بهذه الفائدة ويختص بها دون التصريح. والجواب: أن الصور التي تنشأ من العبارات الصريحة - وإن تفاوتت في مواقع البلاغة، واختلفت بالإيجاز والإطناب - لا تعد كما تعد الصورة الخيالية غريبة عن المعنى المراد، ألا ترى أنك تعرض المعنى الواحد في صور خيالية متعددة، والشعر واحد، فيجد السامع عند كل صورة داعية لذة، ولو ألقيت المعنى في عبارة صريحة، ثم بدا لك أن تخرجه في عبارة أخرى تشاكلها في الصراحة، والمخاطب واحد، لقيت في نفس المخاطب سآمة؛ لأنك لم توافها بصورة غريبة تخيل بها أنك تعبر عن معنى غير ما ألقيته عليها أولاً. فلا أنكر أن الصور في العبارات الصريحة تتفاوت بحسب اختلاف العبارات في كيفية تأليفها، ومقدار ما تشتمل عليه من المعاني الزائدة عن أصل المراد، وأن هذا الاختلاف هو الذي يجعلها متفاضلة في مقامات البلاغة، وإنما أذهب إلى أن تلك الصور - وإن أحكمت نسقها، وأضفت إليها من المعاني ما يرتفع به شأنها - لا تهيج في نفس السامع هزة الطرب التي تثيرها العبارات الخيالية. فالعبارات الخيالية تشارك العبارات الصريحة في جودة نسجها، واشتمالها

стр. 2993

على المعاني التي ترتقي بها في مدارج البلاغة، وتزيد عليها بإراءتك المعنى في صورة بديعة، تتعشقها النفس، وتهتز لوقعها طرباً. ثم إن التخييل لا يخلو في أكثر أحواله من صوغ المعنى في صورة ما، تكون معرفة المخاطب له أقوى، وفهمه إليه أسرع، وهذا مما يجعل أنس النفس أوفر، وارتياحها له أكمل. ولا أحسبك تقع من هذا الوجه في شبهة، أو تقف في حيرة، حين ترى الوجه السابق يقتضي أن لذة التخييل جاءت من غرابة الصورة، وهذا يقتضي أن انبساط النفس لها جاء من جهة إلفها، وكثرة التردد عليها؛ فإن غرابتها بالنظر إلى المعنى المراد لا تنافي أن تكون معرفتها بهيئاتها أو عناصرها أجلى لدى المخاطب في ذاتها، فالشاعر الذي يقول: كأن شعاع الشمسِ في كلِّ غدوةٍ ... على ورقِ الأشجار أوَّلَ طالعِ دنانيرُ في كفِّ الأشلِّ يضمُّها لقبضٍ ... فتهوي من فروجِ الأصابع قد خيل إليك حال تدفق الأشعة وقت الغداة، وتجليها على الأوراق بصبغتها الصفراء في صورة دنانير يضم عليها الأشل يده ليقبض عليها، فتنساب من بين أصابعه متساقطة إلى الأرض، وهذه الصورة بالنظر إلى مساق الحديث - وهو حال الأشعة - غريبة، ولكنها في نفسها جلية؛ إذ السامع للبيتين - وإن لم يشاهد من قبلهما دنانير تتناثر من يد الأشل -، فإن المواد المؤلفة منها الصورة كالدنانير ويد المرتعش من أوضح معلوماته. وللتخييل بعد هذا أغراض خاصة يرمي إليها الأدباء، ويتفاوتون في التمكن منها، ولا يسع هذا المقال سوى أن نلم بمهماتها، فنقول: قد يقصد الشاعر من التخييل:

стр. 2994

- تقوية الداعية إلى الأخذ بالشيء؛ حيث يصوره بصورة ما لا يستغنى عنه؛ كما قال بشار: فلا تجعلِ الشورى عليكَ غضاضةً ... فإن الخوافي قوةٌ للقوادمِ ضرب المثل للشورى في تثبيت الرأي، وإقامته على وجه السداد بالخوافي من الجوانح؛ حيث تساعد القوادم على الطيران، وهذا التمثيل يلقي في نفس السامع أنه محتاج إلى الشورى حاجة القوادم إلى الخوافي، ويؤكد داعيته إلى العمل على سنتها. - أو الحث على الثبات والصبر على الأمر حيث يخرجه في مثال ما لا يمكن بطبيعة هذه الحياة الخلاص منه، كما قال بشار أيضاً: إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبُهْ فعشْ واحداً أوصلْ أخاك فإنه ... مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبُهْ إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى ... ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربُهْ فالأبيات مسوقة في الإرشاد إلى تحمل ما يصدر عن الإخوان من جفاء أو هفوة، فضرب لهم المثل بالمشارب؛ حيث لا مندوحة للإنسان عن ورودها، وهي لا تصفو له سائر حياته، بل يصادفها في بعض الأحيان كاشفة له عن وجه كالح، وماء كدر، ولا يسعه في حال الظمأ إلا الشرب منها، وإغضاء الجفن عن أقذائها، فهذا التمثيل يريك أنك لا تستطيع أن تعيش مستقلاً عن الإخوان، وأن ليس في طبيعتهم أن يسيروا في مرضاتك بحيث لا تلاقي منهم طول حياتك إلا ما يلائم طبيعتك، ويوافق بغيتك، ومقتضى هذا: أن تشد يدك بُعرا صحبتهم، وتغضي عما يعرض لهم في بعض الأوقات من جفاء، أو يزلون فيه من عثرات.

стр. 2995

- أو التحذير مما يرغب فيه؛ كما قال أبو نواس: إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق لو ذهب إلى ذم الدنيا صراحة، وهي حلوة خضرة، لم يأخذه السامع بمأخذ التسليم، وأنكر أن يكون في لذيذ المذاق جميلِ المنظر ما يجب الحذر منه، فعدل إلى إخراج الذم في مثال يريه كيف يتزيّي الشر بزي الخير، ويظهر المؤذي في بهجة ما يعد نافعاً. - أو تخفيف الرغبة فيه، وتقليل الاهتمام به؛ كما قال المعري: وإن كان في لبس الفتى شرفٌ له ... فما السيف إلا غِمدُه والحمائلُ فمن تمثلت له الملابس بمنزلة الغمد والحمائل من السيف، لم يطمح بنظره إلى تنميقها، أو يجهد سعيه في اتخاذها من النسيج الفاخر، وإنما يصرف همته إلى ما تسمو به النفس من علم وفضيلة، كما أن البطل لا يعبأ بالغمد والحمائل، وإنما يقبل على السيف، فينفق سعه في إجادة صنعه، وإرهاف حده. - أو التسلية؛ كقول صاحبنا الأمير شكيب يسلي البارودي وهو في المنفى: إن يحجبوك فما ضرَّ النجومَ دجى ... ولا زرى السيفَ يوماً طيُّ أغماد لابأس إن طال نجز السعدموعده ... فأعذب الماء شرباً في فم الصادي أراد أن ينفث في نفس مراسله كلمة تحل منها عقدة الضجر، وتطرد عنها غيم الوحشة، فذكَّره بأن ما جرى عليه من التغريب والإخفاء عن أعين من ألفوه وألفهم، قد ابتليت بمثله الكواكب، فلم يمسها بنقيصة، ومنيت به

стр. 2996

السيوف، فلم يضع من قيمتها فتيلاً. ورام بعد هذا تخفيف ما عساه أن يساور قلبه من لوعة الحنين إلى الوطن، والهم بما طال عليه من الأمد، فأقام له مثالاً من حال الماء حيث يكون مذاقه في فم من بعد عهده به- وهو الظمآن- ألذ وأشهى. ومما صنعت في غرض التسلية: بثثت شعاع علمك في نفوس ... تسوق إليك ما اسطاعت حتوفا كذا الأقمار تكسو الأرض نوراً ... ولولا الأرض ما لقيت خسوفا - أو إزالة ما يخالط النفس من النفور عن الأمر، أو عده عيباً؛ كما قال الفرزدق: تفاريقُ شيبٍ في الشبابِ لوامعٌ ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم ضرب المثل للشعر الأسود تتخلله شعرات من الشيب، بحال ليل داج تتألق في سمائه الكواكب؛ ليخيل أن الشيب مما يحدث في الخلقة حسناً، ويزيدها بهجة، حتى يضع الأنس به مكان التجافي عنه. ومن هذا القبيل قول قابوس: ياذا الذي بصروف الدهر عيَّرنا ... هل عاندَ الدهرُ إلا من له خطرُ أما ترى البحر تطفو فوقه جيفٌ ... وتستقرُّ بأقصى قعره الدررُ وفي السماء نجومٌ لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمسُ والقمرُ - أو الدلالة على أن الذي تحكي عنه صفة قد بلغ فيها غاية قصوى، لتستدعي له في نفس المخاطب إجلالاً، أو إشفاقاً، أو تحقيراً له، أو جفاء عنه، ويرجع إلى هذا الغرض كثير من التخيلات الواردة على طريق المبالغة

стр. 2997

في المديح والفخر والاعتذار والهجاء والوشاية، وأمثلتها كثيرة الدوران في كتب الأدب والبيان. وقد يكون المعنى مما لم تتداوله الأفكار، وليس من البعيد أن يلاقيه المخاطب بالتعجب الذي هو مطية الإنكار، ليجيء التخييل عقب هذا لإزالة التعجب منه، وبيان أن وقوعه داخل في حوزة الإمكان، وهذا كما يقول أبو تمام الأندلسي: لا يفخر السيفُ والأقلامُ في يده ... قد صار قطعُ سيوفِ الهند للقصبِ فإن يكن أصلها لم يقو قوتها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنبِ ادعى في البيت الأول أن القطع الذي عهدت به السيوف قد انتقل إلى الأقلام التي تهزها يد ممدوحه، فلم يبق للسيوف خصلة تفاخر بها، وليست هذه الدعوى من الجلاء بحيث تفتح لها النفوس باب القبول بسرعة، وأول ما يطعن فيها: أن الأقلام مشتقة من القصب، وهي أوهن من العصا، دع السيف ومضاءه، فاحتاج إلى تأييدها بما يدفع الشبهة، ويحشرها في زمرة الأقوال المسلَّمة، فضرب لها المثل في البيت الثاني بالخمر التي هي عصارة العنب، وقد امتازت عن بقية العصيربإطفاء نور العقل، وإطلاق اللسان يخبط في فلاة الهذر خبط عشواء، فصارت بهذه الخاصية حقيقة قائمة بنفسها، ومالكة لقوة لم تكن في جنسها. وقد يكون المعنى مما تألفه العقول، ولا يتشبث به في سياقه ما يجر السامع إلى ارتياب، أو يحمله على إنكار، وإنما يقصد الشاعر إلى إيراده في مثال أوضح، حتى يقع من نفوس السامعين في قرار مكين، ومثال هذا: قول سيف الدين بن المشد:

стр. 2998

إن ترقًّى إلى المعالي أولو الفضـ ... ـل وساخت تحت الثرى السفهاءُ فحباب المدام يعلو على الكأ ... سِ محلاً وترسبُ الأقذاء فارتفاع الفضلاء إلى المراتب العالية، وهبوط أهل السفه إلى ما تحت الثرى ليس في نفسه بأمر يتعجب منه، أو يتلقي بإنكار، فمحاكاته بارتفاع الحباب على وجه الكأس، ونزول الأقذاء إلى أسفله، إنما كانت مؤكدة له، ومفصحة عن مناسبته للحكمة، وانطباق على سنة الله الجارية، بارتفاع العناصر النقية، ورسوب الأجرام المتعفنة. ومما صغت على هذا النمط: لايألفُ العزُّ شعباً لجَّ في وسن ... من الخلاعة لامسعى ولا أملا كالدرِّ يزهو على صدر الفتاة وإن ... دبَّ النعاسُ إلى أجفانها اعتزلا ومن الدواعي إلى التخييل: تخصيص بعض السامعين أو القارئين بفهم المعنى، إما لفضل ألمعيته، أو لأن في يده من القرائن المساعدة له على الفهم ما ليس في يد غيره، فلو حاورك إنسان في أمة من الناس أقاموا على فريق من أموالهم رقباء، فأردت أن تذكر له أن أولئك الرقباء لم يحرسوها بعين الأمانة حتى تناولها قوم ملؤوا منها حقائبهم، ونثروها في سبيل شهواتهم، فكتبت إليه على مثال ما كنت قلت: يا رياضاً خانَها الحراسُ إذْ ... غرقت أحداقُهم في وسنِ سرقت ريح الصبا منك شذى ... طاب وانسابت به في الدمن لم يستطع فهم ما أردت من الكلام إلا من دارت بينك ويينه تلك المحاورة. وقد يذهب الشاعر إلى التخييل لقصد التهكم؛ كما قال المعري يتهكم بمن يحكي أن أول من شاب إبراهيم ﵇:

стр. 2999

ما أقبح المين قلتم لم يشب أحد ... حتى أتى الشيب إبراهيم عن أَمَمِ كذبتم ونجوم الليل شاهدة ... أن المشيب قديماً حلَّ في الأُمَمِ فكأَنه يقول: هذه الرواية الملفقة ليست أهلاً لأن تقابل بغير هذا الرد القائم على الخيال. ويقرب من تخييل نجوم الليل بالمشيب قولُ أحمد بن دراج القسطلي يصف المجرة: وقد خيلت طرق المجرَّةِ أنها ... على مفرقِ الليل البهيم قتيرُ وربما لا يجد الشاعر داعياً إلى مسلك التخييل بعد بسط النفس، سوى التنبيه على ما بين المعاني من المناسبات الخفية، أو مجاراة البلغاء، وإقامة الشاهد على الحذق في هذه الصناعة، ومما يرمي إلى أحد هذين الغرضين: ما يتعلق به الأدباء في وصف بعض المناظر الفطرية؛ كالكواكب، والحدائق، أو الصناعية؛ كالشمعة، والسفينة. * أطوار الخيال: كان العرب في الجاهلية يعيشون في مواطن لا يشهدون فيها غير مناظر فطرية؛ كالكواكب، وبعض النبات والحيوان، أو مرافق حيوية، ووسائل حربية؛ كالرحى، والجفنة، والرمح، والحسام، ولصفاء قرائحهم، وسلامة أذواقهم أضافوا إلى هذه الحقائق ما يخطر على ضمائرهم، ويدركونه بحاسة وجدانهم من المعاني التي لا تنالها الحواس الظاهرة؛ كالغضب، والرضاء، والبغض، والمحبة، ونسجوا على مثال التخيل صوراً بديعة. وإن رأى المدني اليوم أن معظم تلك الصور من التخيلات القريبة،

стр. 3000

فعذرهم في ذلك: أنهم لم ينفذوا في مسالك الفلسفة، ولم يعودوا أنفسهم التنقيب عن المعاني الغامضة، وإنما كانوا ينطقون بالشعر على البداهة، فمن وقفت له على معنى رائع؛ كقول النابغة يخاطب النعمان بن المنذر: وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ فقد لفظته قريحته عفواً، وانساق إليها بدون إجهاد نظر، ومن ثم كانت أمثال هذا التخيل الجيد نادرة في أشعارهم، ولو كانوا ممن يذهب في صوغ المعاني إلى إزعاج الفكر، وحثّه على استخراجها من مغاصها العميق، كما يفعل المولدون، لظفرنا له بنظائر لا تحصى، ثم إن فن التخيل كسائر الملكات والصنائع، إنما يترقى شيئاً فشيئاً، ويتكامل يوماً فيوماً، فتطلع لزهير ابن أبي سلمى مثلاً على تخيلات لا تظفر بها في أشعار من تقدموه بأمد بعيد، فالعهد الذي يعبر فيه هذا الشاعر عن معنى أن من لم يجب إلى الأمر الصغير يقع تحت وطأة الأمر الكبير بقوله: ومن يعصِ أَطرافَ الزَّجاج فإنه ... يطيع العوالي ركِّبت كلَّ لهذمِ لا يصح أن يكون من أوائل العصور التي ظهر فيها التخيل الشعري، فهذه الغاية من حسن البيان لا يدركها الناس بفطرتهم إلا بعد أن يتقلبوا في سبيلها أطواراً، ويقضون في السير إليها أحقاباً، كما أن ابن سفر الأندلسي لو نشأ في البيئة والعصر اللذين نشأ فيهما زهير، لم يسهل عليه أن يصف نهر إشبيلية الذي يصعد فيه الماء مسافة بعيدة، ثم يحسر بقوله: شقَّ النسيمُ عليه جيبَ قميصه ... فانساب من شطيه يطلبُ ثاره فتضاحكت وُرْق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمَّ من الحياءِ رداءه

стр. 3001

ثم بزغت شمس الإسلام، وكان من أساليب القرآن في الدعوة أن ضرب الأمثال الرائعة، وصاغ التشابيه الرائقة، والاستعارات الفائقة، والكنايات اللطيفة، ويضاف إلى هذا: ما كان ينطق به الرسول ﵊ من الأقوال الطافحة بالأمثال والاستعارات والكنايات، التي لم تخطر على قلب عربي قبله، فكان مطلع الإسلام مما زاد البلغاء خبرة بتصريف المعاني، وترقى بهم إلى منزلة سامية في صناعة التخييل. أخذ الخيال يتقدم بخطوات أوسع مما كان يسير به في الجاهلية، ولكن الأدباء إلى أواخر عهد الدولة الأموية، لم يبعدوا عن طرقه المعهودة، ويغيروا أساليبه تغييراً يشعر به كل أحد. فلو قال قائل: إن عبدالله بن الدمينة، أو عمر ابن أبي ربيعة، أو جميل، أوكثير، شاعر جاهلي، لم يكن لك أن تدخل إلى مغالبته وإبطال دعواه بإقامة الحجة من مناهج تخيلاتهم؛ كأن تجلب له من أشعارهم أمثلة ينكشف بها جلياً أنهم ساروا في التخيل على نمط لم ينسج عليه الجاهلية، ولكنك إذا نظرت في مجموعة الشعر الجاهلي، ثم وازنته بمجموعة الشعر الإسلامي، تيقنت أن الخيال قد بعد شأوه، واتسع نطاقه؛ لأنك تقف على تصرفات كثيرة من تشابيه مبتكرة، واستعارات لم يحم عليها شعراء الجاهلية، وإن كانت مفرغة في قوالبهم، مرسومة على خططهم. ثم ظهر في أوائل عهد الدولة العباسية مثل بشار، وأبي العتاهية، وأبي نواس، وعبد السلام الملقب بديك الجن، فأصبحت مسافة الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي واضحة لكل من له أدنى بصيرة، فلو ادعى مدع أن ديك الجن شاعر جاهلي، أو من شعراء صدر الإسلام، لكفاك في إفحامه أن تتلو عليه نبذة من شعره الذي أوغل فيه إلى حد يبدو عليه أثر التصنع؛

стр. 3002

كالبيت الذي أعجب به أبو نواس، وقال له عندما اجتاز بحمص: إنك قد فتنت به أهل العراق، أعني قوله يصف الخمر: مورَّدةٌ من كفِّ ظبي كأنما ... تناولها من خدِّه فأدارها وجاء بعد هؤلاء ابن المعتز، وابن الرومي، ومسلم بن الوليد، وأبو تمام، وقد استحكمت عرا المدنية، وتجلت لهم الحضارة في أجلى مظاهرها، فكانوا أكثر ممن تقدمهم تفنناً في صناعة التشبيه والاستعارة، وما يلحق بها من تصرفات الخيال؛ كالتورية، والمقابلة، وحسن التخلص من غرض إلى آخر. وهذا لا يمنعك أن تقضي للسابقين بأنهم أقوى عارضة، وأدرى بصناعة الشعر من ناحية سبك الألفاظ، ومتانة بنائها. وبعد أن عني الناس بالنظر في شؤون الكون، وسلكوا في البحث عن أسراره طريقاً فلسفياً، أخذ الخيال الشعري يعمل في الحقائق الفلسفية، ويجري وراء الفكر كالمسعف له في تصوير تلك المعاني الغامضة؛ كما تراه في مثل قصيدة ابن سينا في النفس المفتتحة بقوله: هبطت إليك من المحل الأرفعِ ... ورقاءُ ذاتُ تعزُّزٍ وتمنعِ وقصيدة المعري المفتتحة بقوله: غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نَوْحُ باكٍ ولاترنُّمُ شادِ وقول أبي بكر بن الطفيل يصف حال الروح والجسد: نورٌ تردد في طين إلى أجلٍ ... فانحاز علواً وخلىّ الطين للكفن ياشدَ ما افترقا من بعدما اجتمعا ... أظنها هدنةً كانت على دَخَنِ إن لم يكن في رضا الله اجتماعُهما ... فيالها صفقةً تمت على غبنِ

стр. 3003

وفي هذه الصبغة خرج كثير من أشعار الصوفية؛ كما تراه فيما ينسب إلى الشيخ ابن عربي، وابن الفارض. وقام بإزاء هذه النزعة الفلسفية: أن الشعراء عندما اتسعت دائرة العلوم الإسلامية، ونقلت العلوم النظرية إلى العربية، مدَّ بعضهم يده إلى قضايا هذه العلوم واصطلاحاتها، فخلط بها الصور الخيالية؛ كقول أبي تمام: خرقاءُ يلعب بالعقول حبابُها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء وقول ابن جابر يمدح الرسول الأعظم - صلوات الله عليه -: أضفت إلى رحماك نفسي فأصبحت ... ذنوبي كالتنوين تستوجب الحذفا وقول الشاعر حيص بيص: لا تضع من عظيم قدر وإن ... كنت المشار إليه بالتعظيم ولع الخمر بالعقول رمى الخمـ ... ـر بتنجيسها وبالتحريم وقول ابن الخطيب: ونقطةُ قلبٍ أصبحت منشأ الهوى ... وعن نقطةٍ موهومةٍ ينشأ الخطُّ وقول أبي علي المهندس: كأن فؤادي مركز وهمُ له ... محيطٌ وأهوائي لديه خطوط وكذلك كانوا يقتبسون من سائر العلوم، حتى راق لكثير من المتأخرين أن يجعلوا قصائدهم كنموذج يلوح به إلى علوم شتى، ومن أثر ممارستهم للعلوم النظرية: إيراد التشابيه في أساليب منطقية؛ كقول بعضهم: لو لم يكن أقحواناً ثَغْرُ مبسمها ... ما كان يزداد طيباً ساعةَ السحر

стр. 3004

ترقى التخيل يوم دخل الشعر في طور التصنع، ولكن التصنع هو الذي جر إلى استعارات مكروهة، وتشابيه سمجة أيضاً، فقد اقتحم أبو نواس، وأبو تمام، والمتنبي، ومن بعدهم في هذا الصدد مساوي لم يرتكبها العرب زمن جاهليتهم، فالعربي الصميم - وإن كان معظم تخيلاته ساذجة- لا يعالج قريحته ليستنبط لك منها مثل قول أبي نواس: بخَّ صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح أو قوله: ما لرِجْلِ المال أضحت ... تشتكي منك الكلالا وتمادى الشعر ما بين تخيل فطري، وتخيل فلسفي، وتخيل علمي إلى هذه الأعصر، وإن كان النوع الأول هو الغالب في النظم، والمألوف في التخاطب؛ لأن التخيلين الفلسفي والعلمي إنما يليقان بكلام يوجه به إلى الخاصة من الناس، وأما التخيل الفطري، فيصلح لخطاب الخاصة والجمهور. ثم إن الضرب الفلسفي لم يكن تطوراً في نفس التخييل، وإنما هو تطور لحقه من جهة دخوله في منزع جديد؛ أعني: الخوض في حقائق وسنن كونية على طريق النظر العميق. * خاتمة: من فنون التخييل: عقد محاورة، أو إنشاء قصة يسوقها الشاعر لمغزى سياسي، أو أخلاقي، أو لغرض التفكه والإطراف بملح الحديث. ويدخل في هذا الضرب كثير من أشعار الغزل التي يخترع فيها الشاعر محاورات بينه وبين الحبيب والطيف والعاذل والواشي والراحلة والأطلال، بل الغزل التقليدي، وهو ما لا يكون صادراًعن عاطفة عشق خاصة، كلُّه معدود في هذا القبيل،

стр. 3005

وهذا الفن هو الذي يعنيه بعض المستشرقين من أُدباء أوربا حيث يرمون الشعر العربي بقلة الحظ، وقصر الخطا في مضمار الخيال، وقد تعلق به أُدباؤنا في منثور كلامهم؛ كمقامات الهمذاني والحريري وغيرهما، ولكن الشعراء لم يحتفلوا به فيما سلف كما احتفل به غيرهم من شعراء أُوربا؛ إذْ أفرغوا معظم شعرهم في الروايات التمثيلية، والقصص الموضوعة على لسان حالة إنسان أو حيوان أو جماد. ومن الأمثلة المضروبة لهذا النوع من كلام العرب: قول بعضهم: قد زارني طيفُ من أهوى، فقلت له: ... كيف اهتديتَ وجنحُ الليلِ مسدولُ فقال: آنستُ ناراً من جوانِحكم ... يضيءُ منها لدى السارينَ قنديلُ فقلت: نار الهوى معنى وليس لها ... نورٌ يضيءُ فماذا القول مقبول فقال: نسبتنا في الأمر واحدة ... أنا الخيال، ونارُ الشوقِ تخييلُ هذا ما طاوعني عليه القلم من التحرير في فن لا يجيد الغوص في أغواره، ويأتي عليه من أطرافه، إلا من بات فكره في صفاء، وضميره في ارتياح، وإني لجدبر بإغضاء الناظر عن قصور أعثر في أذياله؛ فإني أرسلت نظري، وهززت قلمي إلى هذه المقالات يوم وضعت رحلي ما بين وادي النيل والأهرام. ولسان حالي ينشد متمثلاً: إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشامِ أُخرى كيفَ يلتقيانِ والحمد الله الذي أنعم فوفّى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

стр. 3006

الشعر البديع في نظر الأدباء (١) * حقيقة الشعر: كلام العرب إما نثر: مرسَل، أو سجع. وإما شعر، وهو كلام موزون مقفّى. وقال بعض الباحثين في حقيقة الشعر: إن الشعر كلام موزون لا يتوقف معناه على نثر يتصل به، فإن كان لا يظهر معنى موزون إلا أن ينضم إليه ما يتصل به من النثر، فليس الموزون بشعر. فما كتبه الكاتب الذي أمره بعض الأمراء أن يكتب إلى عامل بإنذار ووعيد موجز، فكتب إليه: "أما بعد: فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن، عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن، أغنت عزائمه، والسلام ". فمن هذا الخطاب يتكون بيت، وهو: أناةٌ فإن لم تغن عَقَّب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنتْ عزائمُه فلا يسمى هذا البيت شعراً؛ لأن معناه يتوقف على ما قبله من النثر، وهو قوله: "فإن لأمير المؤمنين أناة". فالألفاظ الموزونة في القرآن لا تسمى شعراً؛ حيث إن معناها يتوقف على ما يتصل بها من التنزيل.

стр. 3007

* الشعر عند البلغاء: وإنما يعتد البلغاء بالموزون إذا كان حسن التأليف، بارع التخيل، غريب المعاني؛ بحيث لا تحضر في ذهن كل ناظم، وتكون واردة في الغرض الذي سيقت إليه مورداً مقبولاً. وعلى قدر حسن السبك، وبراعة التخيل، وغرابة المعاني، وورودها في الغرض الذي سيقت إليه مورداً سائغاً، يرتفع الشعر في مرتبة البلاغة. والذي يكون مجرداً من هذه الغايات لا يسمى عند الأدباء شعراً، كما قال بعضهم: إذا كنتَ لا تدري سوى الوزن وحده ... فقلْ: أنا وزّانٌ ولست (١) بشاعرِ ويشترط بعض البلغاء في الموزون: أن يكون مطابقاً للواقع. قال حسان بن ثابت ﵁: وإنما الشعر عقلُ المرءِ يعرضهُ ... على البريةِ إن كيْساً وإن حمقا وإنَّ أشعر بيتٍ أنت قائُلهُ ... بيتٌ يقال إذا أنشدته: صَدَقا وقال عمر بن الخطاب ﵁: "أشعرُ شعرائكم زهير، فإنه لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال". وقال عمر بن عبد العزيز، لما دخل عليه جرير ليهنئه بالخلافة: "اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً". ويدخل في قبيل بلاغة الكلام: المجاز العقلي واللغوي، مفرداً أو مركباً، والتشبيه والاستعارة والكناية والتعريض، ومستتبعات التراكيب،

стр. 3008

وهي الوجوه التي يحسن بالمتكلم أن يراعيها عند الكلام، كما يستعمل في المتحدث عنه الموصول لدلالة الصلة على مدحه أو ذمه، ووجود هذه المعاني في الكلام هو الذي به ارتفاع شأنه، ولا يخرج به عن دائرة الصدق، وقد سلك القرآن والحديث بذلك مسلكاً بديعاً. وهذا الشعر الوعر طرريقه، الصعب مركبه. وأشار إليه من يقول: الشعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمُهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمُهْ زلَّت به إلى الحضيض قدمُه ... يريد أن يُعربَه فيعجِمُه ومما يعده البلغاء من محاسن البيان: حسن التعليل، وهو أن يذكر المتكلم للأمر علة خيالية غير العلة الحقيقية المعروفة؛ كقول الشاعر في رثاء المصلوب: ولما ضاق بطنُ الأرضِ عن أن ... يضمَّ علاكَ من بعدِ الوفاةِ أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا ... عن الأكفانِ ثوبَ السافياتِ فإن العلة في قتله مصلوباً هي إرادة الانتقام منه، لا أنهم راعوا أن بطن الأرض لا يضم علاه بعد الوفاة. وكقول بعضهم مترجماً عن الفارسية: لو لم تكن نيةُ الجوزاءِ خدمته ... لما رأيت عليها عِقْدَ منتطق فإن انتطاق الجوزاء ثابت قبل وجود الممدوح. والقول الفصل الذي يقصد به تقرير الحقائق؛ كالقرآن، والحديث النبوي لا يوجد فيه هذا النوع من حسن التعليل، وإنما البلغاء أجازوه، بل عدّوه من محاسن البديع، فإنه قريب من الاستعارة؛ حيث لا يستعمل إلا إذا كانت

стр. 3009

الحقيقة معروفة عند السامعين. والذي لا يجوز باتفاق الأدباء: الكذب المحض؛ كقول أبي نواس: وأخفتَ أهلَ الشِّرْكِ حتى إنه ... لتخافك النطفُ التي لم تُخلقِ ويقال: إن العتبي قال لأبي نواس: "ألا تخاف الله فتقول: وأخفت أهل الشرك؟ " إلى آخره. فقال أبو نواس: وأنت تقول: ولم تزل دائماً تسعى بلطفك بي ... حتى اختلست حياتي من يَدَيْ أجلي فقال له: إنك تعلم أن هذا غير ذاك. والواقع أنهما يتحدان في الكذب. ويرتفع شعر الشاعر في مراتب البلاغة إذا كانت فطرة الشاعر سليمة، وعاشر شاعراً قديراً؛ كالحطيئة، وأبي تمام، وبشار بن برد. واطلاع الإنسان على دواوين الشعراء يقوم مقام هذه الوسيلة، واطِّلاعه على ما يجري في عصره من معاني الحضارة. قيل لابن الرومي: لم لا تشبِّه كتشابيه ابن المعتز، وأنت أشعر منه؟. وذكروا له بعض تشابيه ابن المعتز، فقال: ذلك يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن خليفة. فانظروا إذا وصفت ما أعرفه أين يقع من الناس!! وأن يعرف أدب لغة أخرى؛ فقد يكون فيها من التخييل والمعاني الغريبة ما لا يكون في اللغة العربية، وقد قدمنا قول الشاعر: لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق مترجماً من الفارسية. وحدثني صديق لي: أن أحد التونسيين الذين لهم ولوع بالأدب العربي والأدب الفرنسي قال: وجدت في الأدب الفرنسي بيتاً من الشعر لم أجد معناه

стр. 3010

في الأدب العربي. ومعنى البيت الفرنسي: أنه رآها تكسر الجوز بأسنانها. فقال الشاعر الفرنسي: ما رأيت خشباً يكسر بالدرر إلا اليوم. فقلت له: يقرب من هذا قول الحريري: ولاح ليلٌ على صبحٍ أقلهما ... غصن وضرَّستِ البلّور بالدررِ وترجم إلى اللغة العربية من اللغة الفارسية معان متعددة؛ كقول الشاعر: قالوا إذا جَمَلٌ حانت منيتُه ... يطوف (١) بالبئر حتى يهلك الجملُ وذكر الشهاب الخفاجي في "طراز المجالس " أبياتاً نقلها من ديوان الطغرائي، ثم قال: هذا نظم لما في بعض الكتب الفارسية، ومنها: أن بعض الأشجار رأت فأساً ملقاة في الرياض، فقالت: ما تفعل هذه هنا؟ فأجاب بعضها: بأنها لا تضر إلا إذا دخل فيها عود منا. وهذا المثل ينطبق على حالنا مع المستعمر، فإنه لا يصل إلى أغراضه إلا بافراد لنا منا؛ كما دلت عليه المشاهدات. * إدراك الشعراء لبراعة الشعر: ومن دلائل براعة الشعر: تداول الرواة له، وتناقل ألسنة أهل الفضل إياه. ومنها: قصد الشعراء له بالمعارضة والتشطير؛ كما عارض الأصم السّراي أبي تمام: السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجدِ واللعبِ بقصيدة يمدح فيها عبد المؤمن بن علي يقول في طالعها:

стр. 3011

ما للعدا جُنَّةٌ أوقى من الهربِ ... أينَ المفرُّ وخيلُ اللهِ في الطلبِ كما عارض نجم الدين يونس بن محمد المصري قصيدة الحصري القيرواني التي يقول في مطلعها: يا ليلُ الصبُّ متى غدُهُ ... أقيامُ الساعة موعده؟ بقصيدته التي يقول في طالعها: قد ملَّ مريضَكَ عُوّدُه ... ورثى لأسيرِكَ حسَّدُه وعارضها الشاعر شوقي بقصيدة يقول في مطلعها: مُضناك جفاه مرقدُه ... وبكاه ورحَّم عُوّدُهُ وكما صدر الشيخ قبادو التونسي وشطر القصيدة التي مطلعها: أفاطمُ لو شهدتِ ببطن خَبْتٍ ... وقد لاقى الهزبرُ أخاك بِشْرا وهو الذي فتح باب الشعر العصري في تونس إذ يقول في بعض قصائده: ومن لم يجس خبر أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانعِ فهمُه فذلك في كنِّ البلاهةِ داجنٌ ... وفي مضجعِ العاداتِ يلهيه حُلْمُه واقترح المنصور بن أبي عامر على شاعره أحمد بن دراج أن يعارض قصيدة أبي نواس التي يقول فيها: "أجارة بيتينا أبوك غيور" إلخ. فعارضها بقصيدة يقول فيها: أَلمْ تعلمي أن الثواءَ هو الثوى ... وأن بيوتَ العاجزين قبورُ وقال فيها يصف ابنه الصغير عند رحيله: تناشدني عهدَ المودة والهوى ... وفي المهدِ مبغومُ النداءِ صغير

стр. 3012

عَييٌّ بمرجوعِ الخطابِ ولحظُهُ ... بموقع أهواء النفوسِ خبيرُ ومما يدل على براعة الشعر: تعدد من يدعيه؛ بأن يقول شاعر القصيدة، فينسبها بعض الأدباء لنفسه؛ لينال فخر نظمه لها، وقد ذم ابن الرومي بعض من يأخذ شعر غيره، وينسبه إلى نفسه. وتشكى السريُّ الرفّاء بأديبين في قصيدة بعث بها إلى المفضل الضبي. ومما يدل على بلاغة الشعر: اتخاذه مثلاً يضرب لمن حصل له معناه؛ كقول عبد العزيز بن نباتة السعدي: ومن لم يمتْ بالسيفِ مات بغيره ... تعددت الأسبابُ والموتُ واحدُ أو من حصل له ما يماثل معناه؛ كقول المتنبي: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابةَ إلا من يعانيها وقول أبي نواس: لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوْتُ المرَّ مِنْ ثمره وهذا مثل يضربه من ناله مكروه من رجل يجرعه غصص الأذية مرة بعد أخرى. ومن طرق التنبه على براعة الشعر: قول الأدباء: من كمال الظرف في الإنسان: أن يحفظ قصيدة فلان، أو شعر فلان، كما قال الأدباء: من كمال الظرف: أن يحفظ الإنسان قصيدة ابن زريق التي يقول في طالعها: لا تعذليه فإن العذْلَ يولِعُهُ ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه إلى أن يقول: أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته ... كذاك من لا يسوس الملك يخلعه

стр. 3013

وقال أدباء الأندلس: من كمال الظرف: أن يحفظ الإنسان شعر ابن زيدون. ومن هذا القبيل: قصيدة أبي القاسم عامر بن هشام التي يسميها أهل الأندلس: "كنز الأدب"، والقصيدة يذكر فيها متنزهات قرطبة، وفيها حكم بليغة. يقول في طالعها: يا هبة باكرت من نحو دارينِ ... وافت إليّ على بُعد تحييني إلى أن يقول: وأنكدُ الناس عيشاً من تكون له ... نَفْسُ الملوك وحالاتُ المساكين * العلماء والشعر: وتبرأ بعض العلماء من الشعر، ورأى أنه يزري بالعلماء، فقال: ولولا الشعرُ بالعلماء يُزري ... لكنت اليومَ أَشعرَ من لَبيدِ ولكن الشعر في ذاته لا يزري بالعلماء، بل هو فن من فنون أدب اللغة، فمن تعلق به، فقد ضم إلى أدبه أدباً. والشعر الذي يزري بالعلماء هو الشعر الذي يُقبل عليه الجاهلون، ويدعوهم إلى ما فيه خيبة وخسر، والذي يتيه بصاحبه في كل ناحية من الباطل، ومن يقول صاحبه مالا يصدر منه. وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٦]. فمن الشعراء من يقول غير الحق؛ كقول بعضهم: ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا وقول الآخر:

стр. 3014

ومن لا يَظْلِم الناسَ يُظْلَمِ وحتى بلغ ابن الرومي أن مدحَ الحقد، فقال: وما الحقدُ إلا توأمُ الشكرِ في الفتى ... وبعضُ المزايا (١) ينتسبن إلى بعضِ فحيث ترى حقداً على ذي إساءة فثمَّ ... ترى شكراً على واسع (٢) القرض فالحقد عند علماء الأخلاق خلق ذميم، وإنما يجوز للإنسان أن يمسك الإساءة في قلبه بقدر ما تستقيم به السيرة، أو تعتدل به السياسة. ولعل هذا هو مراد ابن الرومي بالحقد. وفي الشعر خصلة أخرى تزري بالعلماء؛ أعني: اكتساب الرزق به، وهو قادر على الاكتساب بغيره من الحرف اللائقة، وهجاء من لا يجازيهم على مدحهم، حتى قال ابن الجزّار: كان فضلي على الكلاب ومذ صر ... ت أديباً رجوتُ فضلَ الكلابِ فمراده من الكلاب في الشطرة الثانية: اللؤماء من الناس. ومن العلماء من يجمع بين العلم والأدب؛ كالقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي الذي قال فيه أبو العلاء المعري: والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملكَ الضليِّلَ إن شعرا ومن شعر القاضي عبد الوهاب قوله:

стр. 3015

متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحارُ من الركايا (١) ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ... وقد جلس الأكابرُ في الزوايا وكالقاضي أحمد بن عمر الأرجاني؛ فقد كان فقيهاً أديباً، وهو يقول: اقرنْ برأيك رأيَ غيرِك واستشرْ ... فالحقُّ لا يخفى على الإثنينِ المرءُ مراَةٌ تُريه وجَهه ... ويرى قفاه بجمع مِرْآتين ومثل القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني؛ فقد كان فقيهاً أديباً، وهو القائل: يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما يقولون: هذامورد. قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما وقد يولع العالم الكبير بالشعر البارع؛ كما فعل تقي الدين بن دقيق العيد عالم الإسكندرية لمّا بلغته قصيدة ابن خميس الشاعر التلمساني الذي يقول في طالعها: عجباً لها أيذوق طعمَ وصالِها ... من ليس يأملُ أن يمرَّ ببالها فقام لها، وجعل يكررها المرة بعد الأخرى، ووضعها بمكان قريب منه إعجاباً بها. وهؤلاء ينظرون إلى قول علي بن الجهم: وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ... ولكنَّ أشعاري يسيِّرها ذكري وكثير من فحول الشعراء يفتتحون قصائدهم في المديح بالغزل؛ لتنبسط
следующие страницы →