مرة، ويهزه الباطل ليسطو به على الحق مرة أُخرى.
* ماذا تفعل الخطابة ؟
الخطيب البارع يقف في الجند المتباطئ، ويصف له ما يناله الأبطال من عزة يوم يعيشون، أو سعادة يوم يموتون، فينقلب التردد عزماً صارماً، والإحجام هجوماً رائعاً.
الخطيب البارع يقف في الجماعة الخاملة، فيهزّ قلوبها هزاً، فإذا هي ناهضة من خمولها، عاملة لإعلاء ذكرها، مقتحمة كلّ عقبة تقوم في طريقها.
الخطيب البارع يقف بين قوم نشؤوا في بيئة مغبَّرة جهلاً وعماية، أو تلقتهم دعاة الغواية قبل أن تألف الحق بصائرهم، ويشتد في العلم ساعدهم، فلا يبرح يعرض عليهم سبل الهداية في استوائها ونقائها، فإذا هم الرجال المصلحون، أو الزعماء الناصحون.
الخطيب البارع يقف بين طائفتين استعرت بينهما نار العداوة، ولم يبق بينهم وبين أن يصبح لون الأرض أحمر قانياً إلا شبر أو ذراع، فيذكرهم بعواقب التدابر، وينذرهم مصارع التقاتل، فإذا القلوب راجعة إلى ائتلافها، والسيوف عائدة إلى أغمادها.
والشعراء يقرنون الخطابة بالسيف؛ لتشابههما في إعلاء كلمة الحق، وحمل النفوس الجامحة على أن تعود إلى السكينة والنظام، وهذا أحد الشعراء يسمي فعل السيف خطبة، فيقول:
السيف أصدق من زياد خطبة ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا
وآخر يسمي نفسه يوم يطعن بالسيف خطيباً، فيقول:
إذا لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي في يوم الوغى لخطيب
стр. 3082
وربَّ كلمة يلقيها الخطيب، فتنفذ في قلب السامع، وينتفع بها في سيرته ما دام حياً. قال الحسن: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجّاج، فقيل له: وإن كلام الحجاج ليقذك؟ فقال: نعم، سمعته على هذه الأعواد يقول: إن أمرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له، لحري أن تطول عليه حسرته.
ولشدة وقع الخطب في نفوس الملأ ترى الرئيس المستبد ينظر إلى الخطباء الأذكياء بعين عابسة، يحذر من أن يحوموا حول سيرته، ويقنعوا الناس بأن لا طاعة لمن يضطهد ولا ينصح في تدبير شؤونهم.
* أطوار الخطابة:
كان للعرب في الجاهلية خطابة أدبية، ولكنهم كانوا يقدمون الشاعر على الخطيب من جهة أن الشعر أعلق بالأذهان، وأسرع تقلبًا في البلاد، فهو أرفع صوتاً بمفاخرهم، وأكثر إذاعة لمثالب أعدائهم. وتقديم العرب للشاعر على الكاتب، داقبالهم على حفظ الشعر أكثر من إقبالهم على حفظ الخطب، كان السبب في قلة ما وصل إلينا من خطبهم في الجاهلية.
والخطب التي يمكننا أن نستخلص منها صورة الخطابة في ذلك العهد، هي هذه الخطب التي تؤثر في كتب الأدب والتاريخ؛ كخطب وفود العرب عند كسرى، ثم هذه الخطب المروية في كتب السيرة النبوية لزعماء العرب الذين يفدون على رسول الله ﷺ ، مبدأ اعتناقهم للإسلام.
والنظر إلى جملة هذه الخطب يجعلنا على ثقة من أن الخطابة قبل كانت بهذه المنزلة المناسبة لأمة هي إلى البداوة أقرب منها إلى الحضارة، ولكنها كانت ذات ذكاء وحسن تصرف في فنون البيان.
وهذه الخطب تمثل الخطابة في عهد الجاهلية، سواء علينا أكانت مأثورة
стр. 3083
على نحو الواقع، أم وصلت أثارة منها إلى أيدي الرواة، وأضاف إليها بعضهم جملاً تحاكيها في أسلوبها وطرز تفكيرها.
ولا وجه لإنكار أن يكون في العرب قبل الإسلام خطابة ممتازة؛ فإن الخطابة أثر انفعالات تنشأ عن حوادث تمس الجماعات، ولم تخل حال العرب من حوادث على هذا النحو؛ فقد كانوا مطبوعين على التفاخر بخصال السؤدد؛ كإباءة الضيم، وحماية الجار، وعلى التفاخر بمجد الآباء والعشيرة والقبيلة، فتثور بينهم لهذه الطبيعة محاورات شديدة، وجدال عنيف، وكانت الحروب بينهم لا تكاد تضع أوزارها، وكانت لهم بعد هذا مجامع ينشرون فيها مصنوعات قرائحهم؛ ليباهوا بما فيها من بلاغة وحكمة.
وإذا كان في لغة القوم بلاغة، وفي نفوسهم طموح إلى السيادة، وفي ألسنتهم قوة على الجدل وشدة في المحاورة، وفي أيمانهم سيوف تتجافى عن أغمادها، وفي بلادهم أسواق بضاعتها ما تبتدعه القرائح، فما الذي يمنعهم من أن يلدوا خطباء يقرعون الأسماع بذكر مفاخرهم، ويثيرون العواطف إلى الدفاع عن أعراضهم وأنفسهم وأموالهم؟
طلع الإسلام بشأنه الخطير، فاتسع مجال الخطابة، واشتدت البواعث على ركوب منابرها، ومن أهم هذه البواعث: الدعوة إلى هداية الإسلام، والتحريض على الوقوف في وجه خصومه بعزم وطيد، وإقدام حكيم، ويضاف إلى هذا: أن من أسباب إجادتها وإبداعها: ما بهرهم به القرآن ومنطق رسول الله ﷺ من بلاغة القول، وروعة الأسلوب.
وقد تنفس صدر الإسلام برجال سبقوا في حلبة الخطابة، حتى أصبح الخطباء لذلك العهد يقدمون على الشعراء، ويرفعون فوقهم درجات، خصوصاً
стр. 3084
عندما انحط الشعر بالإسراف في المديح، والإقذاع في الهجاء، والإغراق في التشبيب، وفي المديح المفرط مَلَق، وفي الهجاء المقذع دناءة. وأقل ما يدل عليه الإسراف في التشبيب: أن صاحبه لا يرجى لمقامات الجد، ولا يصلح لأن تناط به جلائل الأعمال.
واستمرت الخطابة لأول عهد الدولة العباسية بمنزلتها التي بلغتها في صدر الإسلام، ومن بلغاء الخطباء في هذا العهد: أبو جعفر المنصور، والمأمون ابن الرشيد، وجعفر بن يحيى، وشبيب بن شيبة.
ولما اختلط العرب بالعجم، وأصبح الموالي يتقلدون إمارة الجيوش وولاية الأعمال، ساءت حال الخطابة العربية، فاغبرَّ وجهها، وبلي ثوبها، وتضاءل على المنابر صوتها. وفي هذا العهد قامت سوق السجع، واندفع يستولي على النثر كتابة وخطابة. وإذا كان في بعض الخطب المنسوجة على منوال السجع فصاحة ورونق؛ كخطب ابن نباته، فإن كثيراً منها لم يكسبه السجع إلا سماجة وثقلاً. والتزام السجع -كما يقول ابن خلدون- ناشئ من القصور عن إعطاء الكلام حقه في مطابقة مقتضى الحال.
عندما سقطت بغداد في أيدي التتار، وصارت الدولة إلى أيدي أمراء لا يعنيهم شأن العربية، انحطت اللغة إلى درك سافل، وظلت الخطابة بعد هذا مقصورة على أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج، وموقوفة على مواعظ محدودة، بعد أن كانت تخوض الإرشاد إلى وسائل العزة، ووجوه الإصلاح.
وما برحت الخطابة في موقفها حتى أقبل عهد الخديوي إسماعيل باشا، واهتزت في مصر حركة اجتماعية سياسية، فنشطت الخطابة من عقالها، بل بُعثت من مرقدها، وتخلصت من قيود السجع، فأتت من الآثار ما تقرؤون
стр. 3085
اليوم وما تسمعون.
* أسباب ارتقاء الخطابة:
إذا اعتبرنا بأطوار الخطابة عند العرب، نجد الخطابة أخذت ترتقي في ثلاثة أحوال: في أواخر عهد الجاهلية، في صدر الإسلام، في صدر نهضتنا الحاضرة.
نأخذ من الحالة الأولى: أن من أسباب رقي الخطابة - بعد فصاحة اللغة -: حياة الأمة في بيئة حرة، وشعورها بأنها ذات سؤدد وفخار، وكثرة ترددها على حروب تدافع فيها عن أعراضها ونفوسها وأموالها.
ونأخذ من الحالة الثانية: أن من أسباب رقي الخطابة: اعتناق الأمة ديناً تحملها الغيرة والعاطفة على أن تبث نصائحه وتجاهر في سبيله بما تملك من قوة.
ونأخذ من الحالة الثالثة: أن من أسباب رقي الخطابة: شعور الأمة بالحاجة إلى أن تأخذ الحالة الاجتماعية السياسية هيئة غير هيئتها، وتسلك سيرة أقوم وأهدى من سيرتها.
* تعلم الخطابة:
قد يدرس علوم الأدب - بما فيها من علمي العروض والقوافي - من لا يدري كيف يصنع شعراً مستقيم الوزن، سليم القافية، وقد يدرس علوم الأدب -بما فيها من علوم البلاغة- من لا يستطيع أن يكتب خطابًا يُسيغه الذوق الصحيح. كذلك الرجل قد يدرس قوانين الخطابة، ويضيف إليها التضلع من علوم اللغة وآدابها، ثم لا يكون له بعد هذا في الخطابة العملية جزء مقسوم.
стр. 3086
الخطابة لا يحكم صنعها إلا من يأخذ بها خاطره يوماً فيوماً، ويروض عليها لسانه في هذ المجمع مرة، وفي ذلك المجمع مرة أخرى.
نقرأ في كتب الأدب ما يدلنا على أن العرب كانوا يأخذون أنفسهم بالتدرب على الخطابة حتى تلين لهم قناتها، نجدهم حين يتحدثون عن عمرو ابن سعيد بن العاص يقولون: إنه كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقه، فلم يزل يتشادق ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه. ومن أجل هذا دعي بالأشدق، وإياه يعني الشاعر الذي يقول:
تشدّق حتى مال بالقول شِدقه ... وكلُّ خطيب لا أبالك أشدقُ
وربما تصدى بعض خطبائهم لتعليم الفتيان كيف يخطبون، يقص علينا صاحب "العقد الفريد": أن بشر بن المعتمر مرَّ بالخطيب إبراهيم بن جبلة السكوني، وهو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر يستمع، ثم قال لهم: اضربوا عما قال إبراهيم صفحًا، واطووا عنه كشحاً. ثم دفع لهم صحيفة من تنميقه تحتوي شيئاً من آداب الخطابة.
والخطابة - كسائر الصناعات -، يتفاوت الناس في إتقانها، والأخذ بزمامها، فمنهم من يمتلكها في أمد قريب، ومنهم من يحتاج إلى أن يصرف في مزاولتها زمناً بعيداً. وقد كان أهل الأدب يقولون: إنهم لم يروا قط خطيباً بلدياً إلا وهو في أول تكلفه للخطابة مستثقلاً إلى أن يتوقح، وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة.
وإذا كانت الخطابة صناعة تتعاصى على طلابها إلا أن يأتوها من طريق الدربة والممارسة، فمن اللائق برجال يتقلدون في هذه الأمة أمر التعليم أن
стр. 3087
يفرضوا لها من أوقات الدراسة نصيباً كافياً، حتى تخرج لنا هذه المعاهد والمدارس خطباء يقودون الأمة إلى حيث تلقى السيادة والعظمة.
* إعطاء الحروف حقها:
ومما يقيم الخطبة ويكسوها رونقاً: أن يلفظ الخطيب بالحروف متمكنة من مخارجها، وقد كان العرب يحتفلون بهذا الوجه من الحسن، فيأسف الخطيب على سقوط شيء من أسنانه، وإنما يأسف لأن يفوته النطق ببعض الحروف على وجهها الصحيح. سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان، فشدها بالذهب، وقال: لولا المنابر، ما باليت متى سقطت.
وكانوا يفضلون الخطيب الذي يمكّن الحروف من مخارجها على الخطيب الذي يضع الحرف بمخرج غير مكين. خطب الجمحيّ، وكان منزوع إحدى الثنيتين، فكان عندما ينطق يخالط نطقه شيء يشبه الصفير, وخطب عقِبَه زيد بن علي بن الحسين، فأجاد الخطيبان، إلا أن زيد بن علي فضل الجمحي بتمكين الحروف، وحسن مخارج الكلام، فقال عبد الله بن معاوية يذكر ذلك:
صحَّت مخارجه وتمّ حروفها ... فله بذاك مزية لا تنكر
ولهجنة الحروف غير المتمكنة ونبوها عن السمع كان بعض الخطباء الذين يبلون بنحو اللثغة يتجنبون في كلامهم الحرف الذي يتعذر عليهم أن يلفظوا به على وجه سليم، ومثل هذا: واصل الغزال؛ فقد كان ألثغ قبيح اللثغة في النطق بالراء، فكان يتحامى أن ينطق بكلمة تحتوي الراء على كثرة تردد الراء في الكلام، ولقوة عارضته وغزارة مادته من اللغة استطاع أن يلقي الخطب الطوال دون أن يأتي على لفظ يشتمل على هذا الحرف، وقد مدحه
стр. 3088
بهذا الصنيع بعض الشعراء، فقال:
عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحقَّ باطله
ومما يؤخذ به الخطيب: أن ينطق بالألفاظ في عجل حتى يصل الحرف أو اللفظ بأخيه قبل أن يستقر الحرف أو اللفظ الأول في موضعه، والأدب الجميل: أن يمكن الحروف تمكينًا، ويفصل الكلمات تفصيلاً، وكذلك كان كلام أفصح الخليقة - صلوات الله عليه -, قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: ما كان رسول الله يسرد سردكم هذا, ولكنه كان يتكلم بكلام بيِّنٍ فصلٍ، يحفظه من جلس إليه.
* حسن الإلقاء:
لاختيار المعاني وحسن تنسيق الألفاظ وقع في نفوس السامعين بليغ، ومما يزيد الخطبة حسناً على حسنها: أن يجيد الخطيب إلقاءها، ونعني بإجادة الالقاء: أن لا يستمر في نطقه بالجمل على حال واحدة، بل تكون الجمل متفاوتة في مظاهرها؛ من نحو رفع الصوت وخفضه، وتفخيمه وترقيقه، والوقوف عند جملة، أو وصله بأخرى، والضغط على الكلمة، أو التلفظ بها في هوادة، وأنتم تعلمون أن من هيئات النطق بالجملة ما يشعر بابتهاج الخطيب أو حزنه، ومنها ما يلائم الجمل التي يلقيها وهو واثق بصحتها، ومنها ما يلائم الجمل المرسلة لتهكم أو مزاح، ومرجع هذا كله إلى ذكاء الخطيب، وسلامة ذوقه.
وجودة إلقاء الخطبة هي التي تجعل لسماعها فضلاً على قراءتها في صحيفة، وكم من خطبة يحسن الرجل إلقاءها، فيجد الناس في سماعها من الارتياح وهزة الطرب فوق ما يجدونه عندما يقرؤونها في صحيفة، أو يستمعون
стр. 3089
إلى من يسردها عليهم سرداً متشابهاً.
* الإشارة في الخطابة:
من سنن الخطابة عند العرب وغير العرب أن يقرن الخطيب بعض أقواله بإشارات محسوسة؛ كرفع اليد وخفضها، أو قبضها وبسطها، أو إدارتها إلى اليمين في حال، دادارتها إلى اليسار في حال أخرى، وأمثال هذه الإشارات لا يكاد صاحب حديث يستغني عنها، قال ثمامة بن أشرس: لو كان ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة، لاستغنى جعفر بن يحيى عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة.
وقد يتكلف الرجل أن يتكلم في هدوء وسكون، ويحرص على أن لا يتحرك من جوارحه حين يتحدث غير شفتيه ولسانه، مثل ما كان يصنع أبو شمر، ويقول: ليس من المنطق أن تستعين عليه بغيره. وإنما تتيسر هذه الهيئة لمن يتحدث في راحة بال، وقرارة جأش، وليس هذا شأن الخطيب المطبوع، وإنما شأنه توقد الفؤاد، وهياج العاطفة، فهو في انفعال يضطره إلى أن يحرك يده، ولو قليلاً.
فالخطيب الأحوذ من يحتفظ بحسن الصمت, ولا يكثر من الإشارة، وإذا أشار، فإنما تكون إشارته من الحكمة كأنها شيء استدعاه المعنى بطبيعته.
* القيام بمكان مرتفع حال الخطابة:
يقف الخطيب بمكان مرتفع؛ لكي يمتد صوته إلى مدى أبعد مما يبلغه لو كان قائماً بمكان مساو لمقاعد المستمعين، ومن دواعي ارتفاع الخطيب: أن يشهد الحاضرون إشارته الممثلة لبعض المعاني المعقولة، ووقوف الخطيب بمرأى من المستمعين يدعوهم إلى الإقبال عليه بأوفى مما لو كانوا يسمعون
стр. 3090
حديثه وهو غائب عن أبصارهم.
وكان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة مسنداً ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، ثم أمر فصنع له منبر من طرفاء الغابة، وكان المنبر مركباً من ثلاثة درج، ويقي بهذه الهيئة حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس.
وكان العرب يخطبون من قيام، ولا يخالفون هذه العادة إلا في خطبة النكاح، فإنهم يلقونها من جلوس؛ إذ ليس من شأنها أن تحتوي معاني تدعو الحاجة إلى أن يسمعها جميع الحاضرين.
وكان ﵊ يخطب قائماً، وكذلك كان شأن الخلفاء الراشدين، وروي أن معاوية بن أبي سفيان ﵀ خطب جالساً، وذكروا في وجه الاعتذار عنه: أنه جلس للخطبة حين ثقل جسمه، وروى مسلم في "صحيحه": أن عبد الرحمن بن الحكم خطب في يوم جمعة قاعدًا، فأنكر عليه بعض الصحابة وقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعدًا، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
وقد اتفق العلماء على أن القيام في الخطبة مشروع، وإنما اختلفوا في تقدير المشروعية، فذهب فريق إلى أنه شرط في صحة الخطبة، وقال آخرون: إنه واجب، والذي اعتمده الحنفية: أنه سنَّة، ولا يبلغ حد الوجوب، فلو خطب قاعدًا، مضت الخطبة على ما نقصها من أدب كان رسول الله ﷺ يحافظ عليه ما دام حيًا.
* الإرتاج في الخطابة:
قد يعرض للخطيب - وإن كان ذا عارضة قوية - ما يسمونه: إرتاجاً،
стр. 3091
وهو أن يقف، فتنقطع عنه مذاهب القول، فلا يدري أين يضع كلامه، ومن أسباب الإرتاج: الدهش والانبهار الذي يأخذ النفس من هيبة الملأ العظيم، أو هيبة الرجل الذي شأنه أن ينقد الأقوال بعقل موزون. وحال الدهش والانبهار إنما تغشى ذلك الذي لم يكن على ثقة من كفايته لمقام الخطابة، فيخشى أن يقع في معنى سخيف، أو لفظ مرذول. قال الكميت بن زيد: إنما يجترئ على الخطابة الغمر الجاهل، أو المطبوع الحاذق الواثق بغزارته واقتداره.
والخطيب المتصنع متى أُرتج عليه، لم يسعه إلا أن يدع الكلام، وينزل عن مقام الخطابة صاغراً. أما الخطيب المطبوع، فقد ينبو فكره عن الغرض الذي وقف من أجله، ولكنه لا يعجز أن يسمع الناس كلمات بليغة يصون بها موقفه من أن يسام بغضاضة أو ازدراء.
صعد خالد بن عبد الله القسري المنبر، فأُرتج عليه، فمكث ملياً لا يتكلم، ثم تكلم فقال: أما بعد: فإن هذا الكلام يجيء أحياناً، ويعزب أحياناً، فيسيح عند مجيئه سيبه، ويعز عند عزوبه طلبه، إلى أن قال: وقد يرتج على البليغ لسانه، ويختلج من الجريء جنانه، وسأعود فأقول -إن شاء الله-.
ويروى في هذا الصدد أن ثابت بن قطنة سعد منبر سجستان، فقال: الحمد لله. ثم أُرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإن لا أكنْ فيكم خطيباً ... فإنني بسيفي في يوم الوغي لخطيبُ
فقيل له: لو قلتها فوق المنبر، لكنت أخطب الناس.
* الارتجال في الخطابة:
في الناس من يقف ليخطب، فتنهال عليه المعاني، وتتسابق إليه الألفاظ،
стр. 3092
فيسترسل في القول دون أن يدركه حَصَر، أو يتعثر في لجلجة، وهذا ما نسميه: ارتجالاً. وفي الناس من تجيئه المعاني على مهل، وتتوارد إليه الألفاظ في تباطؤ، فلا يحسن أن يخطب إلا بعد أن يعدَّ لمقام الخطبة مقالاً.
قال أبو هلال العسكري: في الناس من إذا خل ابن فيه، وأَعمل فكره، أتى بالبيان العجيب، واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الفائق، فإذا حاور أو ناظر، قصر وتأخر، فخليق بهذا أن لا يتعرض لارتجال الخطب.
وكانوا فيما سلف يتهمون الخطيب المبدع بأنه يهيئ الخطب، ويحبرها تحبيرًا، وإنما ينفي عنه هذه التهمة أن يحدث داع للخطابة فجأة، فيقف ويخطب بما يشبه خطبه السابقة ارتجالاً. قيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعيره، فلو أمرت أن يصعد المنبر، لرجوت أن يفتضح. فأمر رسولاً فأخذ بيده إلى المسجد، فلم يفارقه حتى صعد المنبر، فارتجل كلاماً يشبه طرز خطبه، فعرفوا أنه من أولئك الذين يستطيعون أن يقتضبوا الخطب ساعة يقومون على أعواد المنابر اقتضاباً.
فبلاغة الخطبة في نفسها مزية، وارتجالها بعد هذا مزية أخرى، وإنما يقوى على ارتجال الخطبة وإلقائها متماسكة الحلقات، من سبق له أن أدرك معاني كثيرة تتصل بالموضوع، وكانت له حافظة قوية تؤدي إليه صورة هذه المعافي كما أودعها، وكان بعد هذا ألمعيًا مهذبًا، يحسن التصرف في هذه الصور، ويضع كل صورة بالمكان اللائق بها.
أيها السادة:
هذا ما سمح المقام بعرضه على أسماع شبابنا الأذكياء، وإنما قصدنا تذكرتهم بهذا الفن الجليل من الخطابة، لعلهم يمنحونه من إقبالهم جانباً؛
стр. 3093
فإن الحاجة الشديدة إليه قائمة، والدواعي إلى ترقيته وتوسيع نطاقه مجتمعة، وأولو الألباب هم الذين يقدرون الحاجات، فيبادرون إلى سدها، ويستمعون إلى الدواعي، فيحسنون إجابتها.
стр. 3094
نشأة علم البلاغة (١)
* المحاضرة الأولى:
دعتني الرياسة العامة للمعاهد الدينية في السنة الماضية إلى درس علم البلاغة بقسم التخصص، فكنت أطمح في مطالعة بعض أصول هذا العلم إلى أن أعرف من سبق إلى بحثها، وكيف تقلبت في أطوارها، وأود لو يساعدني الحال على أن أتحرى هذه السيرة في درس، وأمضي عليها في كل بحث. فهممت بأن أهيئ لهذا الأمر سبباً، وخطر لي أن ألقي عند إنتهاء الدراسة محاضرة تكون تمهيدًا لهذا العمل الذي يسمّى: تاريخ أصول البيان.
ثم إني اطلعت في بعض الصحف على محاضرات ثلاث ألقاها أستاذ في الجامعة المصرية تحت عنوان: (النقد الأدبي عند العرب)، فرأيته يصف نشاة علم البيان عند العرب، ويعرض فيها آراء لم تستو على سوقها، ودعاوى ثكلت أدلتها، ويطرح جملاً لا تتفق مع أخرى تتقدمها أو تجيء من ورائها.
وذلك ما دعاني أن أمر في أثناء هذه المحاضرة على نقد مواضع من تلك المحاضرات؛ فإننا أمة بحث واستدلال، لا نفتتن بزخرف الأقوال،
стр. 3095
ولا بمظاهر القائلين، ولا نقبل الآراء إلا أن تخرج في نور من الحجة مبين.
وأعتمد في مناقشة ذلك المحاضر على ما قرأته في جريدة "السياسة"؛ فإنها كانت تنشر لكل محاضرة تلخيصًا (١). وربما تناولت جملاً مما قرأته في جريدة "العلم"؛ فقد وقع إلى العدد (٢) الذي نشرت فيه المحاضرة الأولى.
"وقد كان فضيلة الأستاذ الشيخ عباس الجمل يشهد تلك المحاضرات، وينقدها في جريدة "الأهرام" نقداً عادلاً (٣)، ولولا أني أقصد إلى بحث الموضوع في نفسه، وهو يستدعي التنبيه على شيء من أغلاط تلك المحاضرات، لكان فيما كتبه الأستاذ ما يكفي غيره أن يجرد القلم لنقدها".
* تمهيد:
يتحد العرب في إيراد الكلام على ما تقتضيه قواعد الإعراب، وما توجبه النظم العامة؛ من نحو: التقديم والتأخير، أو الذكر والحذف، إلا ما تختلف فيه بعض القبائل اختلافاً يسيراً، أو ما ينطق به بعض الأفراد شذوذاً عن جماعتهم، وخروجاً عن السنن المألوف في لسانهم.
ووراء هذا أمر آخر كانوا يتفاوتون فيه تفاوتاً بعيداً، ويتفاضلون فيه مراتب ما بين أعلاها وأدناها مثل ما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، ذلك ما نسميه: بلاغة، أو حسن بيان.
حسن البيان الذي جعل في العرب قوماً يُذكرون بإعجاب، وجعل
стр. 3096
الناس يتنافسون في رواية أقوالهم، والاطلاع على أسرار تراكيبهم، لا يعدو ثلاث جهات:
١ - ما يقصد إليه المتكلم من معان يقتضيها المقام زائدة على أصل المعنى.
٢ - ما يقع من التصرف في المعاني بإيرادها في طرق تختلف بالوضوح والخفاء.
٣ - ما يعرض للكلام من وجوه تكسوه حسناً، وتزيده في نفس السامع وقعاً.
أخذت اللغة زينة البلاغة في عهد الجاهلية؛ إذ كانت حياة العرب تقوم على التفاخر بالأنساب والأحساب، وما فتئوا يخوضونها حروبًا حامية، والحروب مدعاة لإتقان صناعة البيان، ثم جاء الإسلام فبعثها مقامًا أرفع، وفتح في وجهها طرقاً أبدع، وألقى عليها ديباجة أنقى وأنصع، فازدادت سعة على سعتها، واكتست بهجة فوق بهجتها، وقد ظهرت آثاره في ألفاظها وأساليبها، في معانيها وأغراضها.
وقد دفع القدماء من علماء البيان ما يتوهم من أن وجوه البديع من صنع المحدثين في صدر الدولة العباسية، فهذا عبد الله بن المعتز يقول في كتابه "البديع": "إن بشاراً وأبا نواس ومسلم بن الوليد ومن يتقيلهم (١) لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه أكثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم". وهذا أبو هلال العسكري يقول: "هذه أنواع البديع التي ادعى من لا روية له ولا رواية
стр. 3097
عنده أن المحدثين ابتكروها، وأن القدماء لم يعرفوها، وذلك لما أراد أن يفخم أمر المحدثين".
وصدرت من ابن أفلح البغدادي مقالة فخَّم فيها من شأن المحدثين، وأسرف في التفخيم إذ قال في مقدمته: "أما المعاني المبتدعة، فليس للعرب منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون". وقد ردّ ابن الأثير في المثل السائر" على هذه المقالة الجائرة، وقال عقب الرد عليها: "لو قال: إن المحدثين أكثر ابتداعًا للمعاني، وألطف مأخذًا، وأدق نظراً، لكان قوله صواباً؛ لأن المحدثين عظم الملك في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون".
وقال ابن أبي الحديد: "إن هذا الفن من البديع لا يوجد منه في كلام غير الإمام علي ممن تقدمه إلا ألفاظ يسيرة غير مقصودة". وإنما يريد بالقصد في قوله "غير مقصودة": أنها تجيء عفوًا من غير تصنع وإجهاد نظر، وإلا، فالعرب كانوا يشعرون بوجه حسنها، فإذا صاغوا كلامهم في استعارة أو طباق أو جناس، أدركوا ما فيه من بديع، وفضّلوه على غيره مما يساويه في كل شيء إلا أنه لم يشاركه في هذا الوجه من الحسن.
* لماذا نهض النحو قبل أن ينهض البيان ؟
نهض علم النحو بالتأليف وتقرير القواعد قبل أن ينهض علم البيان ذلك النهوض، فكنا نرى النحاة يستنبطون القواعد، ويختلفون فيها مذاهب، ويودعونها الكتب الضخمة، في حين أناّ لا نرى من فنون البيان إلا كلمًا تجري على ألسنة البلغاء، أو تصدر من نقاد الخطب والأشعار، أو تقع في مباحث اللغويين أو النحاة، أو تجيء في بيان آيات من القرآن الكريم.
علة تأخر نهضة البيان عن نهضة - النحو فيما يظهر - هي: ما أومأنا إليه
стр. 3098
آنفاً من أن العرب على اختلاف طبقاتهم كانوا يقومون على قانون الإعراب، فأول لحن طرق آذانهم أشعرهم بالخطر الذي جعل ينتاب لغتهم الفصحى، فقاموا سراعًا يستخرجون القوانين التي تجري عليها هذه اللغة؛ حفظاً للألسنة من تحريف الكلم عن هيئاتها.
أما فنون البيان، فإن العرب يتفاوتون في مراعاتها، والنسج على منوالها، ففي العرب من يخرج المعاني في صورة جميلة، ويصوغ الكلام في وجوه بديعة، وفيهم من لا يطيق سوى تأدية المعنى الذي يستوي فيه الغبي والألمعي، والقروي والبدوي، وهو عما وراء ذلك من الغافلين.
ولوجود أفراد لا يذكرون في حساب البلغاء، حتى في عهد الجاهلية وصدر الإسلام، لم يكن ما نشأ عن اختلاط العرب بالعجم من قصور الألسن عن أمد الفصاحة، وجفافها من ماء البلاغة حادثاً مكشوف الوجه كحادث الخطأ في مباني الكلم أو الإعراب.
فلا غرابة أن ينهض علم الإعراب ومباني الكلم تلك النهضة البالغة، ويبقى علم البيان جملاً تطرح في المجالس، أو مباحث تلقى مفرقة في الكتب، أو صحفًا تحتوي قطعاً غير شافية، ولا ينهض نهضته العبقرية إلا في خلال المئة الخامسة.
وتفترق قوانين النحو من قوانين البيان من ناحية أخرى، هي: أن قوانين النحو تعرف بالاستقراء من غير أن يكون للذوق حكم نافذ في تقريرها.
أما قوانين البيان، ومزايا النظم، فلا يكفي في إدراكها الاطلاع على ما يصدر من البلغاء منظوماً ومنثوراً، بل لا يحكم صناعتها إلا من حاز ذوقاً صافياً فوق ما يملك من الذكاء. ونريد من الذوق: تلك الملكة التي تتربى
стр. 3099
بممارسة كلام البلغاء، والتنبه لما تكنه تراكيبهم من المعاني الدقيقة.
وما زال أئمة البيان يرشدون إلى أن صناعة البلاغة ليست كصناعة النحو، ويلهجون بأن عمادها الذوق والإحساس الرقيق، فهذا الإمام عبد القاهر يقول في "دلائل الإعجاز": "واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولاً حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة". وهذا السكاكي يقول في "مفتاحه": "وكان شيخنا الحاتمي يحيلنا، بحسن كثير من مستحسنات الكلام إذا راجعناه، على الذوق". وهذا سعد الدين التفتازاني يتحدث عن معاني أدوات الإنشاء من شرحه المطول، فيقول: ولا تنحصر فيما ذكره المصنف، ولا ينحصر شيء منها في أداة دون أداة، بل الحاكم في ذلك هو سلامة الذوق، وتتبع التراكيب.
وتوقُّفُ أحكام صناعة البيان على الذوق كان السبب في أن من ألّفوا فيها كتباً قيمة أقلَّ عدداً ممن ألّفوا في النحو، فأجادوا البحث والأسلوب.
* كيف نشأ علم البيان ؟
لامراء أن العرب الخلص - جاهلية وإسلاماً - كانوا يحسون وجوه البلاغة ومحاسن البيان، وتأخذهم لسماع القول البليغ هزة ارتياح وإعجاب، ويصفونه بنحو الفصاحة والبلاغة.
وليس بعيداً من المعقول أنهم كانوا يخوضون في الوجوه التي يرتفع بها شأن القول، ويضعون أيديهم على الناحية التي يظهر فيها أثر الصنعة، فيقولون: في هذه الناحية معنى دقيق، أو وجه من الصياغة بديع. أو يضعونها على الناحية التي يكبو فيها ذوق الشاعر أو الخطيب، فيذكرون عيبها، ويعدونها سقطة لصاحبها.
стр. 3100
وممن صرح بأن العرب كانوا يتحدثون عن محاسن الكلام ومعايبه، ويتدارسونها بينهم: أبو الحسن حازم (١) الأنصاري الأندلسي في كتابه "المناهج الأدبية" حين قال:
"لم تكن العرب تستغني بصحة طباعها عن تسديدها وتقويمها، باعتبار معاني الكلم، بالقوانين المصححة لها، وجعلها ذلك علماً تتدارسه في أنديتها، ويستدرك به بعضهم على بعض، وقد نقل الرواة في ذلك الشيء الكثير، لكنه مفرق في الكتب، لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك، لاستخرج منه علماً كثيراً موافقاً للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة".
ثم قال: "وكيف يظن ظان أن العرب -على ما اختصت به من جودة الطباع- كانت تستغني في قولها الشعر عن التعليم والإرشاد إلى كيفية المباني التي يجب أن يوضع عليها الكلام، والتعريف بأنحاء التصرف المستحسن في جميع ذلك، والتنبيه على الجهات التي يداخل الخلل المعاني، وأنت لا تجد شاعرًا مجيدًا منهم إلا وقد لزم شاعراً آخر المدة الطويلة، وتعلّم منه قوانين النظم، واستفاد عنه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية".
ومراد حازم بما ينقل من الروايات في هذا الشأن: ما يشبه قصة النابغة حين نقد قول حسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغرُّ يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وقال له: "قللت جفانك وأسيافك".
стр. 3101
هذا ما يصرح به أحد جهابذة البيان مستنداً إلى الروايات الكثيرة، ومقتضاه: أن الحديث في صناعة البيان قد بدئ في عهد الجاهلية، وليس في قوانين النظر، ولا في سنن نشء العلوم ما يقضي بامتناعه، فإذا كان الكلام العربي تقلب في أطوار البلاغة، وخرج في زينة البيان منذ عهد الجاهلية، فما الذي يمنع الطبقة المستنيرة الممتازة منهم أن يتحاوروا في هذا الذي يتنافسون في حلبته، ويراعونه عندما يفضلون شاعرًا على شاعر، أو خطيباً على خطيب؟.
ويذهب ذلك المحاضر إلى ان البيان العربي إنما نشأ عند علماء الكلام، فقال:
"وكما أن البيان اليوناني بعد نشأته في القرن الخامس قبل المسيح قد أخذ يتطور شيئاً فشيئاً بفضل المعلمين والمؤدبين قبل أن يصل إلى أن يكون علماً منظمًا توضع له القواعد، وتؤلف فيه الكتب، كذلك كان البيان عند العرب. فبعد أن نشأ عند المتكلمين أخذ يتطور شيئاً فشيئاً قبل أن تؤلف فيه الكتب، وتوضع له القواعد الفنية". وقال:
"لم ينشأ علم البيان عند العرب من الشعر، إنما نشأ من النثر حين ظهرت مذاهب الكلام عند المسلمين، وأخذ كل فريق منهم ينتصر لرأيه، ويأخذ على مناظره الحجة، ويعد عليه سقطته في اللفظ والمعنى".
لننظر في معنى نشأة العلم، أيراد بها: مبدأ الحديث عما يعده في مباحثه، ويدخل في موضوعه؟ أم يراد بها: حالة ما يأخذ الناس في وضع قواعده وجمع مسائله؟.
لا يصح للمحاضر أن يريد الوجه الأول، ويعني بنشأة البيان عند المتكلمين:
стр. 3102
أنهم سبقوا إلى الحديث عنه؛ فإن الحديث عن بعض فنونه قد جرى من قبل أن يظهر علماء الكلام، ومما يمنع المحاضر أن يريد من نشأة البيان عند المتكلمين: مبدأ الحديث عنه: أنه يعترف بشيء من هذا الذي يقوله حازم؛ إذ يقول في محاضرته الأولى: "إن الشعراء في آخر العصر الجاهلي كانوا قد وصلوا إلى تعلم الشعر بالصناعة"، وبعد أن ذكر تعليم أوس بن حجر زهيراً، وتعليم زهير ابنه كعبًا والحطيئة، وتعليم الحطيئة لكثير من شعراء الإسلام، قال: "وليس من شك في أن المعلمين كانوا حين يستحسنون شعراً يقولون: استحسن لكذا، وحين يستقبحونه يقولون: استقبح لكذا. وهذه العلل التي يذكرونها في الاستحسان إنما هي أوجه البديع".
ولا أظن المحاضر يقصد بقوله: "إنما هي أوجه البديع" إلى أن الذي كان يتعلم في الجاهلية أو في صدر الإسلام هو البديع دون غيره من فنون البيان؛ فإن الروايات في هذا الباب مطلقة، وقد سمعتم قول حازم: "لاستخرج منه علماً كثيراً موافقاً للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة".
وهذا المحاضر يعد فيما أخذه البيانيون من الجاهليين لفظ الإيجاز والمجاز، فيقول في المحاضرة الأولى: "وهناك ألفاظ أخذها البيانيون عن الجاهليين، ولم يضعوها, ولم يخترعوها اختراعاً؛ فقد عرف شعراء الجاهلية ألفاظ الإيجاز والأسباب والمجاز، وغير ذلك من الألفاظ".
ونحن لا نثق بأن كلمة المجاز بالمعنى الذي يريده البيانيون من أوضاع الجاهلية؛ إذ لا نعرف له شاهداً في شعر أو نثر، ولو كان معروفاً عند العرب بهذا المعنى، لاتخذ الجمهور من هذا الاستعمال حجة على من أنكروا أن يكون في كلام العرب مجاز، وما رأيناهم يفعلون.
стр. 3103
ونجد أبا عبيدة في كتاب "مجاز القرآن" يستعمل كلمة "مجاز" - عند تفسير اللفظ بمعنى فيه خفاء، كما قال: والرحمن مجازه ذو الرحمة، والرحيم مجازه الراحم، وكما قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢]: مجازه: ولا يحملنكم، ولا يغرينكم، ومجاز ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي: بغضاء قوم، وكما قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: ما أريد به، وله مجاز آخر، أي: ما ذكر عليه من أسماء آلهتهم. فليس المراد من المجاز في هذا المقام ما يقابل الحقيقة، وإنما يراد به: مخرج الكلام، وما يقال في تفسيره.
فإن أراد المحاضر من دعوى نشأة البيان عند المتكلمين: أنهم الذين أخذوا في وضع قواعده، وتنظيم مسائله، قلنا له: قد سميت هذا الذي كان يدور بين المتكلمين بملاحظات، فقلت: "وإن الجاحظ يرجع في ذلك إلى علماء الكلام، يعتمد على ملاحظاتهم التي كان يأخذها على بعضهم البعض".
وإذا كان ما يجري بين المتكلمين من قبيل الملاحظات، فهو من نوع ما يلاحظه البلغاء من غير المتكلمين عندما ينقدون شعراً أو خطبة، وليس النقد عند الأدباء ورواة الأشعار بعزيز.
ولم يقدم لنا المحاضر أمثلة من الملاحظات التي أخذها بعض المتكلمين على بعض حتى نستبين الفرق بينها وبين ملاحظات غيرهم من الأدباء، ونقضي بأن أصول البيان إنما نشأت عند علماء الكلام، ولو وجدنا شيئاً من هذه الملاحظات في مثل كتاب "البيان والتبيين"، لقلنا: إن المحاضر اجتزأ بما احتوته هذه الكتب عن ذكر أمثلتها.
وإذا كنا نجد الجاحظ قد نقل عن بشر بن المعتمر أحدِ جهابذة علم
стр. 3104
الكلام صحيفة تشتمل على شيء من أصول الخطابة وآدابها، فإن بشراً هذا كان معدوداً في أكابر البلغاء، فيصح أن يكون ما في هذه الصحيفة صادراً من ناحية ما تجمَّع لديه من وسائل البلاغة، لا من ناحية كونه متكلمًا؛ إذ لم يكن ما تحمله تلك الصحيفة بعيدَ المأخذ من مدارك البلغاء ونقاد الخطب ممن لم يدرسوا علم الكلام.
والصواب فيما نرى: أن نبحث عن نشأة علم البيان من طريق البلغاء وعلماء العربية، وسواء بعد هذا أكان البليغ أو العالم بالعربية من علماء الكلام؛ كالجاحظ، وبشر بن المعتمر، أم لم يملك سوى مزية البلاغة، ولم ينظر في غير علوم اللسان.
إذا وجهنا النظر إلى صدر الاسلام وعهد الدولة الأموية، وأخذنا نتحسس من الكلمات التي تقع على ناحية من نواحي علم البيان، نجد آثاراً تعزى إلى بلغاء من رجال ذلك العصر، مثل ما يروى في تعريف البلاغة عن الإمام علي ابن أبي طالب، وابنيه الحسن ومحمد بن الحنفية، وكما يروى عن يزيد بن معاوية في شأن الفصل والوصل، إذ يقول: "إياكم أن تجعلوا الفصل وصلاً؛ فإنه أشد وأعيب من اللحن". ونجدهم ينبهون في مقام النقد على شيء من فنون البيان.
ومثل هذا: قصة ذي الرمة حين أنشد بلال بن أبي بردة قوله:
رأيتُ الناسَ يَنْتجِعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالاً
فقال بلال: يا غلام! اعلفها قتاً ونوى. قال هذا تعريضاً بقلة فطنة ذي الرمة للوجه اللائق بالمديح، ونقرأ في هذه القصة: أن أبا عمرو أحدَ الحاضرين لإنشاد البيت قال لذي الرمة بعد أن انصرف: هلّا قلت له: إنما عنيتُ بانتجاع
стр. 3105
الناقة صاحبَها، كما قال الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يريد: أهلها، وهلاّ أنشدته قول الحارثي:
وقفت على الديار فكلمتني ... فما ملكت مدامعها القلوص
يريد: صاحبها. وهذا من أبي عمرو حديث عما يسميه البيانيون: مجاز الحذف.
أما ما يشبه هذه الكلمات وهذا النقد، فهو في صدر الدولة العباسية غير قليل.
نجد في آثارهم: أن أبا العباس السفاح مؤسسَ تلك الدولة يصف البلاغة، ويجعل من حليتها المعرفةَ بمواضع الفصل والوصل، يروون عنه أنه قال لكاتبه: "قف عند مقاطع الكلام وحدوده، وإياك أن تخلي المرعى بالهمل، ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل".
وتجد في آثارهم أن المفضل الضبي سأل أعرابياً عن البلاغة، فقال: "الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل". قال ابن الأعرابي راوي هذا الأثر: فقلت للمفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وذكر ابن خلدون جعفرَ بن يحيى فيمن كتبوا في فن البيان، فقال في مقدمة "تاريخه": "وكتب في هذه العلوم جعفر بن يحيى، والجاحظ، وقدامة إملاءات غير كافية".
وتحدث شبيب بن شيبة عن ثلاثة أنواع من البديع: حسن الابتداء، وحسن الانتهاء، وجودة القافية. فقال: والناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع، وبمدح صاحبه، وحظ
стр. 3106
جودة القافية - وإن كانت كلمة واحدة - أرفع من حظ سائر البيت.
وإذا صرفنا النظر عن البلغاء إلى علماء اللغة والنحو، نجدهم كانوا يعرجون على جانب من وجوه البيان ومحاسنه.
نجد أبا عمرو بن العلاء المتوفى سنة ١٥٤ يشرح الأبيات، ويلوّح إلى ما فيها من مجاز. يورد الرواة هذا البيت:
أقامت به حتى ذوى العود والتوى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
ويقولون كان أبا عمرو يقول: "ألا ترى كيف جعل للفجر ملاءة، ولا ملاءة له؟ ". ونجده يذكر كلمة "قيد الأوابد" من قول امرئ القيس:
بمنجردِ قيدِ الأوابد هيكلِ (١)
ويقول: إنه أحسن في هذه اللفظة، وإنه اتبع فيها فلم يُلحق.
ونجد الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ و ١٧٠، قد تحدث عن الجناس والمطابقة، وعن الاستعمال المجازي، قال سيبويه: "وسألت الخليل ابن أحمد عن قول العرب: ما أُميلحه! فقال: حقّروا هذا اللفظ، وإنما يعنون الذي تصفه بالملح، كأنك مُليّح، شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئاً آخر، نحو قولهم: يطؤهم الطريق: أهل الطريق، وصيد عليه يومان: صيد عليه الصيد يومين، فحذف الصيد، وأقام اليومين مقامه".
ونجد سيبويه المتوفى سنة ١٨٠ يأتي في الكتاب على مباحث تدخل في فن البيان، نجده قد تناول في عدة مواضع من كتابه: التقديم والتأخير من الوجه الذي يبحث عنه علماء البلاغة، منها: قوله في باب الفاعل: "إنما يقدمون الذي
стр. 3107
بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم".
ونجده تناول شيئاً من دواعي الحذف، وهو الاستغناء عن المحذوف بعلم المخاطب، وبما يرى من شواهد الأحوال، وأقام له الشاهد من القرآن والحديث، وقول قيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
وقول ضابئ البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّارٌ بها لغريبُ
وعرج في مواضع من كتابه على المجاز، ولكنه يسميه بسعة الكلام، أورد قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
ثم قال: "فجعلها الإقبال والإدبار مجاز على سعة الكلام؛ كقولك: "نهارك صائم، وليلك قائم"، ومثل ذلك قول الشاعر متمم بن نويرة:
لعمري ما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا
وتحدث سيبويه عن مجاز الحذف إذ قال في قولهم: "هذه تميم، وهذه سلول": إنما تريد: هذه بنو تميم، وهذه بنو سلول، غير أنك حذفت المضاف تخفيفًا، كما قال : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وقولهم: "ويطؤهم الطريق"، وإنما تريد: أهل القرية، وأهل الطريق، وهذا في كلام العرب كثير".
وتناول الحديث عن التشبيه، وفرَّق بين ما اقترن بالأداة، وما لم يكن مقروناً بها، فقال: "تقول: مررت برجل أسد أبوه، إذا كنت تريد أن تجعله
стр. 3108
شديداً، ومررت برجل مثل الأسد أبوه، إذا كنت تشبِّهه".
ونجد الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ يتعرض في تفسيره معاني القرآن إلى وجوه تعد من فنون البيان، كتنبيهه على المجاز العقلي في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] حين قال: "ربما قال قائل: كيف تربح التجارة، وإنما يربح الرجل التاجر، وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وحسن بيعك، وحسن القول بذلك؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم".
ونبّه على بعض أنواع المجاز المرسل، كما نبه على إطلاق المحل وإرادة الحالّ في قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]. وقال: العرب يجعلون النادي والمجلس والمشهد والشاهد: القوم.
ونجد أبا عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٩ يأتي في تفسيره "مجاز القرآن" على جانب من فنون البيان، كما نبه على الالتفات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٣ - ٣٤]. وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. ونبّه على بعض أنواع المجاز المرسل؛ كاستعمال المصدر في اسم الفاعل أو اسم المفعول، في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ونبهَ على ما يسمونه: القلب في قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦].
ونجد الأصمعي المتوفى سنة ١١٦ يتحدثُ عن النوع الذي يسميه بعض البيانيين: التفاتاً. روى محمد بن يحيى الصولي: أن الأصمعي قال له: أتعرف التفاتات جرير؟ فقال: لا، ما هي؟ قال:
стр. 3109
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة سُقي البشام
ألا تراه مقبلاً على شعره، ثم التفت إلى البشام، فدعا له؟.
وتحدث عن التغليب، فقال: إذا كان أخوان أو صاحبان، وكان أحدهما أشهر من الآخر، سمِّيا باسم الأشهر، من هذا الباب: الأسودان: التمر والماء، والأبيضان: الخبز والماء.
جاء بعد هؤلاء عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥، وهو ممن جمع بين علم الكلام والرسوخ في اللغة وآدابها، ومن مؤلفاته كتاب "البيان والتبيين"، أورد فيه ما قيل في تعريف البلاغة، وتحدث عما يرجع إلى وصف الفصاحة من حسن الألفاظ، وخلوص الكلمات من التنافر والتعقيد، وتعرض إلى شيء من فنون البيان، وما يسمونه: البديع. وصفه أبو هلال العسكري بمثل ما وصفنا، ثم قال: "إلا أن إبانته عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومتنثرة في أثنائه، فهي ضالة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير".
ولم يقل الجاحظ: إني استمد من ملاحظات المتكلمين، ولا حدثنا عما يلاحظه بعضهم على بعض، فقول المحاضر في محاضرته الثانية: "وإن الجاحظ يرجع في ذلك إلى علماء الكلام، ويعتمد على ملاحظاتهم التي كان يأخذها على بعضهم البعض" هو إلى الفرض أقرب منه إلى التحقيق، وقد نطق المحاضر في محاضرته الثانية بغير هذا، فقال: "إن الجاحظ لم يرد أن يؤلف كتاباً في البيان، وإنما أراد تدوين خواطر كانت شائعة في ذلك الوقت عند الأدباء والشعراء".
وهل ما كتبه الجاحظ في البيان مأخوذ مما ترجم عن اليونان والفرس؟
стр. 3110
يقول ذلك المحاضر: "إن الجاحظ لم يقتصر في وضعه لأصول علم البيان على علماء الكلام، بل أخذ عن الفرس والعجم، بفضل ما كان هناك من اتصال بين الأمة العربية وبين الأمم الأخرى بواسطة الترجمة". وقال: "هذه القواعد التي ذكرت في "البيان والتبيين" لم يأخذها الجاحظ عن المتكلمين وحدهم، أو أن المتكلمين لم يخترعوها اختراعاً من عند أنفسهم، وإنما تأثروا فيها بما كان يصل إليهم من الفلسفة والبلاغة اليونانية".
هل يستطيع المحاضر أن يثبت أن في الكتب المنقولة إلى العربية كتاباً في أصول البيان اليوناني أو الفارسي غير كتابي "الخطابة"والشعر، لأرسطو؟ أو يستطيع أن يثبت أن الجاحظ عرف بيان اللسان اليوناني أو الفارسي، فاستمد منه فيما وضعه من أصول البلاغة العربية؟.
ولم يأت الجاحظ في كتابه بما فيه رائحة البيان اليوناني أو الفارسي إلا نحو ما رواه له الكاتبان: أبو الزبير، ومحمد بن أبان في حد البلاغة عند الفرس واليونان، وهذا لا يقتضي أن البيان العربي مأخوذ من البيان اليوناني، وإن هي إلا كلمة وقعت إلى الجاحظ على طريق هذين الكاتبين كما وقعت إليه كلمة في حد البلاغة عند أهل الهند. وقد ذكر المحاضر في محاضرته الثانية أن الجاحظ يجهل أن لليونان خطابة وشعرًا، فقال: إن الجاحظ حين جعل الخطابة والشعر من خصائص العرب، وقال عن اليونان: إنهم أهل منطق، كان يجهل أن عند اليونان خطابة وشعرًا، ولم يقرأ كتاب أرسطاطاليس في الخطابة والشعر، ولو قرأه، لما قال ذلك عن العرب واليونان.
وممن كتبوا في آداب اللغة، ونشؤوا في عهد الجاحظ: عبد الله بن قتيبة المتوفى سنة ٢٦٧، وقد تكلم في شيء من فنون البيان، كما نبه على المجاز
стр. 3111
في "أدب الكاتب" حين قال: "والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له, وكان منه بسبب ما بينت لك في باب تسمية الشيء باسم غيره". وحكى عنه صاحب "العمدة" بحثاً في باب المجاز، وأنه رد على من أنكر أن يكون في لغة العرب مجاز، وقال: لو كان المجاز كذباً، لكان أكثر كلامنا باطلاً.
وإذا وقع إنكار المجاز في عهد ابن قتيبة، أو قبله (١)، عرفنا أن أبا إسحاق الإسفرائيني الذي يعزى إليه هذا المذهب، أو أبا علي الفارسي الذي يحكيه عنه بعض المؤلفين، لم يكن بأول من أنكر المجاز؛ لأن أبا أسحاق الإسفرائيني توفي سنة ٤١٨، وأبا علي توفي سنة ٣٧٧.
وممن نشؤوا في عهد الجاحظ، وابن قتيبة: أبو العباس المبّرد المتوفى سنة ٢٨٢ هـ , فقد تكلم على بعض فنون البيان، كما نبّه في كتاب "الكامل" على نوع من أنواع المجاز المرسل، وهو استعمال الكلمة في ضد معناها الأصلي، إذ قال: والسليم: الملسوع، وقيل له: سليم على جهة التفاؤل،
стр. 3112
كما يقال للمهلكة: مفازة، وللغراب: الأعور على المغيرة منه لصحة بصره، وكما نبه على الفن الذي يسميه قدامة: "إشارة"، وسيأتي بيانه.
والمبرّد أول من نظر في سر التأكيد - على ما نعلم -، وفرَّق بين قولهم: "عبد الله القائم"، و"إنّ عبد الله قائم"، و"إن عبد الله لقائم"، فنبه على أن الأول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال، والثالث جواب عن إنكار منكر لقيامه، وصار كلام المبرد هذا أصلاً من أصول علم المعاني تتفرع منه مباحث دقيقة.
وممن نشؤوا في عهد هؤلاء، وتكلموا في بعض وجوه البيان: ابن دريد المولود سنة ٢٢٣، المتوفى سنة ٣١١، ومن أثره في هذا: أن نراه قد عقد في كتاب "الجمهرة" بحثًا عنوانه: (باب الاستعارات)، ولم يسلك في هذا الباب طريق الفرق بين الاستعارة والمجاز المرسل، بل ساق أمثلة وشواهد هي قائمة على التشبيه، كما قال:
الظمأ: العطش، وشهوة الماء، ثم ذكر ذلك حتى قالوا: ظمئت إلى لقائك، وقالوا: الوجور: ما أوجره الإنسان من دواء أو غيره، ثم قالوا: أوجره الرمح: إذا طعنه في فيه. وساق أمثلة وشواهد أخرى ترجع إلى المجاز المرسل، كما قال: والغيث المطر، ثم صار ما نبت بالغيث: غيثاً، وقال: الوغى: اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثرت وصارت الحرب وغى، وقال: الظعينة: المرأة في الهودج، ثم صار البعير والهودج ظعينة.
وظهر بعد ابن قتيبة والمبرد عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦، فألّف كتاباً سمّاه: "البديع"، ونبّه على أنه أول من كتب في هذا الفن مستقلاً، فقال في ديباجة هذا التأليف: "وما جمع قبلي فنون الأدب أحد،
стр. 3113
ولا سبقني إلى تأليفها مؤلف".
أورد ابن المعتز في هذا الكتاب سبعة عشر نوعاً من فنون البيان والبديع، وهي: التشبيه، وا لاستعارة، والتجنيس، والطباق، ورد العجز على الصدر، والمذهب الكلامي، والالتفات، والتمام، والاستطراد، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف، وحسن التضمين، والإفراط في الصفة، وعتاب المرء نفسه، وحسن الابتداء، والهزل الذي يراد به الجد.
وممن نشؤوا في عهد ابن المعتز وابن دريد: قدامة بن جعفر المتوفى سنة ٣٣٧ كما يقول ابن الجوزي في "تاريخه" (١)، وكان قد أدرك زمن ثعلب، والمبرد، وابن قتيبة، فقرأ مجتهداً حتى برع في صناعة البلاغة، وصنف كتابه المعروف بـ "نقد الشعر" سنة ٣٠٢، وهو الكتاب الشائع اسمه، الحاضر لدينا بشخصه، وصنف كتاب "نقد النثر"، ولا نعرف لهذا الكتاب اليوم طريقاً ولا أثراً. وقد بحث قدامة في نقد الشعر عن عشرين نوعاً من أنواع البديع، اشترك مع ابن المعتز في سبعة أنواع، وانفرد عنه بثلاثة عشر نوعاً.
هل ما كتبه قدامة مستمد من بيان اليونان؟
يقول ذلك المحاضر: "وفي القرن الثالث للهجرة حدثت ظاهرة في تاريخ البيان العربي؛ فإنا نجد رجلاً نصرانيًا ذا بيان ومنطق أسلمَ حين رأى نصرانيته تحول بينه وبين الحظوة عند الرؤساء، ذلك الرجل هو قدامة بن جعفر".
стр. 3114
ولم يحاول المحاضر هنا إقامة الدليل على أن قدامة إنما أسلم لينال الخطوة عند الرؤساء، لا لأنه بصر بالحجة، واهتدى إلى أن الإسلام دين القيمة، ولعله يوفق إليه في محاضرة أخرى.
ونحن لا نستطيع أن نقول في هذا شيئاً سوى أن المحاضر يريد أن يقضي وطر التملق لأهل ديانة أخرى؛ إذ لا نجد في تاريخ قدامة ما يثير الشبهة في أنه أسلم بإخلاص، وقد أسلم قدامة على يد المكتفي بالله، والمكتفي بالله من خلفاء بني العباس الذين لا يبخلون بالحفاوة لديهم عن نصراني يجدون عنده أثارة من علم، وقد كان المكتفي من قبل أن يتقلد الخلافة قد اتخذ كاتبًا نصرانيًا اسمه: الحسين بن عمرو، وهذا ابن جرير الطبري يقول في "تاريخه": لما توفي المعتضد، ووصل الخبر إلى المكتفي، وكان مقيمًا بالرقة، "أمر الحسين بن عمرو النصراني كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من بعسكره، ففعل ذلك الحسين".
ثم قال المحاضر: "ونحن نلاحظ عندما نقرأ كتاب قدامة: أنه قد قرأ ما كان معروفاً عند العرب من الأدب العربي الخالص، وما كان الشعراء قد استكشفوه من أنواع البديع، كما أنه قد قرأ ما كان معروفاً في ذلك الوقت من فلسفة أرسطاطاليس وشعره وخطاباته. وقال: "إن قدامة قد تأثر باليونان، وأخذ عنهم ما كتب من قواعد البيان في كتابه: نقد الشعر".
قدامة ضربَ في نقد البيان بسهم، وخطا به خطوة واسعة، ولكنها ليست من الغرابة بحيث تحملنا على فرض أن تكون مستمدة من بيان اليونان، بل إن ذلك المقدار الذي نتج من أقوال البلغاء، وأبحاث علماء العربية، وما وضع عبد الله بن المعتز، إذا انتهى إلى المعنى جلس إلى علماء اللغة حيناً من الدهر
стр. 3115
أمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به قدامة، وإن لم يكن ملمًا بقواعد البيان في لغة اليونان، ونحن لا نجد قدامة يستأنس في شيء من كتابه بما يعرفه من بيان اليونان، إلا كلمة قالها في فصل استحسن فيه الغلو الذي مثل له يقول أبي نواس:
وأخفتَ أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطفُ التي لم تخلق
فقال: وهذا مذهب فلاسفة الشعر من اليونان، وهذا الرأي الذي اختاره واستأنس له بمذهب فلاسفة الشعر من اليونان، قد رده عليه أهل الذوق والنظر الصائب في البيان.
ونجده يسلك في بعض مباحثه طريقة العاطفة كما قال في حد الشعر: "إنه موزون مقفّى يدل على معنى". ثم أخذ يشرح كلمات هذا الحد، ويبين ما هو جنس، وما هو فصل، ويسلك طريقة الفلسفة؛ كبحثه في نعت المدح عن أصول الفضائل، وأصناف تركيب بعضها مع بعض، ومثل هذا الوجه من البحث لا يدخل في قوانين البلاغة، ولا يجعل لقوانين البيان اليوناني أثراً في نشأة البيان العربي.
ونقف في هذه المحاضرة عند هذا الحد، وسنأخذ في محاضرتنا الثانية -إن شاء الله- ببسط القول فيما كتب قدامة، وفي حال البيان بعد قدامة، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب.
стр. 3116
نشأة علم البلاغة (١)
* المحاضرة الثانية:
أتينا في المحاضرة الأولى على بداية علم البيان، وسقنا ليلتئذ الشواهد على أن ثروة من هذا الفن قد تجمعت من أقوال البلغاء، ومباحث علماء العربية، فكانت كالأساس تقام عليه علوم البلاغة بحثًا وتأليفًا، وعطفنا في أثناء تلك المحاضرة على نقد ما يدعيه أحد المحاضرين من أن البيان العربي نشأ من ملاحظات علماء الكلام، وأن علماء الكلام تأثروا فيه بما كان يصل إليهم، من الفلسفة والبلاغة اليونانية.
وسبق لنا أن المحاضر انتزع شبهة من قدامة بن جعفر الذي كان عارفاً باللسان اليوناني، ثم أسلم، وألف في البيان العربي كتابيه: "نقد الشعر"، "ونقد النثر"، فادعى أن قدامة أخذ ما كتبه في النقد من بيان اللغة اليونانية، وناقشناه في هذه الدعوى بأن ليس فيما كتب قدامة ما يشعر بأنه مأخوذ من بيان لغة أخرى.
والقصد من محاضرة هذه الليلة: أن ننبه في شيء من التفصيل على أن قدامة قد استمد ما كتبه في النقد من آداب اللغة العربية، وأقوال بلغائها، ونمر
стр. 3117
على كلمات ألقاها المحاضر كشُبه يحاول بها تقرير تلك الدعوى المضروبة في قالب الخيال.
عرضنا على حضراتكم فيما سلف: أن أول من ألف في فن البيان مستقلاً هو عبد الله بن المعتز، وأنه أورد فيما ألف سبعة عشر نوعاً مما يسمونه: البديع، ثم جاء قدامة، وتكلم فيما كتب على عشرين نوعاً، اشترك مع ابن المعتز في سبعة أنواع، وانفرد عنه بثلاثة عشر نوعاً.
لندع السبعة الأنواع المشتركة في ناحية - وهي: الجناس، والطباق، والالتفات، والتشبيه، والمبالغة، والاستعارة (١)؛ إذ ادعاء أن قدامة أخذها من بيان اليونان لا يقبل في حال. وإذا نظرنا إلى ما انفرد به قدامة، نجده يقتدي فيه بأقوال البلغاء، أو علماء العربية، وإليكم الشاهد على ما نقول:
انفرد قدامة بالنوع الذي يسمّى: (صحة التقسيم)، وهو أن يبتدئ الشاعر أو الخطيب، فيضع أقسامًا، فيستوفيها, ولا يغادر قسمًا منها، وكان هذا النوع معروفاً عند علماء العربية من قبل قدامة، وقد ذكره الجاحظ في حد البلاغة عند اليونان، فقال: وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ فقال: "تصحيح الأقسام، واختيار الكلام". ونحن نجد في كتب الأدب ما يدلنا على أن العرب قد عرفوا هذا الوجه من حسن البيان، ومن هذه الدلائل ما يروونه من أن عمر ابن الخطاب ﵁ سمع قول زهير:
وإنّ الحق مقطعه ثلاث ... يمين أَو نفار أو جلاء
стр. 3118
فأعاد عمر البيت متعجباً من تفصيله بين الحقوق، وإقامة أقسامها. وينبه لهذا النوع ما حكاه قدامة نفسه من أنه أنشد في حضرته رجل من بني حنيفة قول جرير:
كانت حنيفة أثلاثاً فثلثُهم ... من العبيد وثلث من مواليها
وقيل للرجل: من أيهم أنت؟ فقال: أنا من الثلث الملغى! فقد عرف العرب من قبل قدامة أن إقامة الأقسام من حسن البيان، وأن الإخلال بواحد منها وصمة تقف به دون حد البلاغة.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمّى: "صحة المقابلة". وملاك هذا النوع: المواخاة بين المعاني، ولم يكن قدامة بالذي تحدث عنه في كلام العرب حديثاً لا سلف له فيه، فما نقرأ في كتب الأدب ككتاب "الأغاني"، و"موشح" المرزباني: أن نصيباً، والكميت، وذا الرمة اجتمعوا، فأنشد الكميت:
أم هل ظعائن بالعلياء رابعة ... وإن تكامل منها الدَّلُّ والشنَبُ
فعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي؟ فقال: خطأك؛ فإنك تباعدت في القول، فأين الدل من الشنب؟! ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لَمياءُ في شفتيها حُوة لَعَسٌ ... وفي اللثاة وفي أنيابها شنبُ
وقد ذكر قدامة نفسه أن الأدباء كانوا يعيبون قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
حيث جعل "سوية" في مقابلة "تساقط أنفسا"، قال: ولهذا غيّروها وأبدلوهاب "جميعة"؛ لأنه الذي يقع في مقابلة "تساقط أنفسا".
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "المساواة"، وهو أن يكون اللفظ
стр. 3119
مساوياً للمعنى حتى لا يزيد عليه، ولا ينقص منه، وللأدباء من قبل قدامة حديث في هذا الشأن، وقدامة نفسه يقص علينا أن بعض الكتاب قال في وصف أحد البلغاء: "كانت ألفاظه قوالب لمعانيه"؛ أي: أنهما متساويتان لا تزيد إحداهما على الأخرى.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "الإيغال"، وهو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل أن يبلغ مقطع البيت، ثم يأتي بالمقطع، فيزيد معنى آخر يزداد به الغرض حسناً وبيانًا. وهذا النوع قد تحدث عنه علماء الأدب من قبل قدامة، وقدامة نفسه يقص علينا أن التوزيَّ قال للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي بالمعنى الخسيس، فيجعله بلفظه كبيراً، أو الكبير، فيجعله بلفظه خسيسًا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها، أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال نحو ذي الرمة حيث يقول:
قف العيس في أطلال ميّة فاسألِ ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه بالرداء، ثم قال: "المسلسل"، فزاد شيئاً بقوله: المسلسل.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "ائتلاف القافية"، وهو أن تكون القافية متعلقة بما تقدم من المعنى، وملائمة له. وقد سبق إلى التنبيه على العناية بشأن القافية شبيب بن شيبة حين يقول: "وحظ جودة القافية -وإن كانت كلمة واحدة- أرفعُ من حظ سائر البيت". وكذلك يقول بشر بن المعتمر: "فإن كانت القافية لم تحل مركزها، وكانت قلقة في مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها".
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "إشارة"، وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة يدل عليها بايماء، وقد سبقه إلى التنبيه على هذا النوع
стр. 3120
أستاذه المبرد إذ قال في كتاب "الكامل": "من كلام العرب: الاختصار المفهم، والإطناب المفحم، وقد يقع الإيماء إلى الشيء، فيغني عند ذوي الألباب عن كشفه". وساق عليه من الشعر أمثلة، وقدامة نفسه ينقل لنا أن بعضهم، وهو خلف الأحمر، وصف البلاغة، فقال: "في لمحة دالة". ويشابه هذا قول خلف أيضاً: "إن كلام العرب أوعية، والمعاني أمتعة، فربما جعلت ضروب من الأمتعة في وعاء واحد".
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "الارداف"، والإرداف من وادي الكناية؛ فإنه يسوق في أمثلته: "بعيدة مهوى القرط"، وقول امرئ القيس:
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضُّل
والكناية تحدَّث عنها ابن المعتز، ومن تقدم ابن المعتز؛ كالجاحظ، والفراء، وقدامة نفسه يقول: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها: "أبيات المعاني (١) ". ونحن نعلم أن ابن قتيبة ألف فيها مجلداً حسناً.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "التمثيل"، وهو أن يريد الشاعر معنى، فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك الكلام ومعناه ينبئان بما أراد الإشارة إليه.
وإذا نظرنا إلى الأمثلة التي ساقها قدامة، وأبو هلال العسكري على