← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

ويعاب الشعر بقصوره عن بلوغ الغرض؛ حيث يقصد الشاعر إلى ضرب من المدح - مثلاً -, ويصوغ له معنى يظنه وافيًا بالغرض، فلا يبلغ أن يكون مدحاً، وقد وقع في هذا العيب كثير عزّة حين قال: فما روضةٌ بالحزنِ طاهرة الثرى ... يمجُّ الندى جَثجاثها (١) وعرارَها بأطيبَ من أردانِ عزَّة موهِناً (٢) ... وقد أوقدت بالمجمر (٣) اللدن نارها أراد مدح عزّة بطيب الرائحة، فلم يبلغ ما أراد، فإن كل من يتجمر بالمجمر اللدن تطيب رائحته، وقد أشار إلى هذا القصور بعض من سمعه ينشد البيت، فقال له: لو فعل هذا بأمة زنجية، لطاب ريحها، ألا قلت كما قال امرؤ القيس: أم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدتُ بها طيباً ولم تتطيبِ ومن هذا الضرب قول الفرزدق - في رأي بعض الناقدين -: فمن يأمنِ الحَجّاجَ والطيرُ تتقي ... عقوبَتَه إلا ضعيف العزائم قال ناقدو البيت: إن الطير يخشى كل أحد، حتى أقصر الناس يداً؛ كالصبيان ونحوهم، فليس في اتقاء الطير للحجّاج كبير مدح للحجّاج، ويقال: إن الحجاج قال للفرزدق: ما عملتَ شيئاً، إن الطير تنفر من الصبي والخشبة. ومن الظاهر أن الفرزدق قصد إلى مدح الحجّاج بقوة السلطان وطول اليد؛ بحيث لا ينجو من سطوته مجرم، ولو كان الحيوان الذي شأنه أن يكون

стр. 3047

في منعة، كالطير يذهب في الجو صاعداً، فلا تناله يد حتى ينزل في مأمن من كل ذي قوة، فاتقاء الطير للحجاج كناية عن سعة سلطانه، وأنه لا يخلص منه مجرم، ولو شقّ عنان السماء هرباً. ويدخل في هذا الباب قول الجعدي: فتى كملت أخلاقُه غيرَ أنه ... جوادٌ فلا يبقي من المال باقيا أشمُّ طويلُ الساعدين شمردلٌ (١) ... إذا لم يرح في المجد أصبح غاديا أنشد هذا الشعر في مجلس هارون الرشيد، فأنكر منه قوله: "إذا لم يرح للمجد"، وقال: لِمَ لمْ يروحه في المجد كما أغداه؟ ألا قال: "إذا راح للمعروف أصبح غاديا" ومن معايب الشعر: بُعده عن الواقع إلى حد أن يدفعه العقل لأول نظرة، دون أن يعرض على السامع صورة بديعة من صنع الخيال؛ قال أبو بردة الثقفي: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب قول أعشى ميمون: لو أسْنَدَتْ ميتاً إلى نحْرِها ... عاش ولم يُنقل إلى قابرِ وقال محمد بن يزيد النحوي: أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبَّه، وعدل فيه عن الإفراط. كما قال القائل: ويمنعها من أن تطير زمامها أما إذا جاء الإفراط في صورة بديعة الصنعة، فليس به من بأس، ذلك

стр. 3048

لأن براعة التخييل تشفع في تجاوزه حد المعقول؛ ومثل هذا قول المتنبي يصف الجياد: عقدت سنابكها (١) عليها عِثْيَراً ... لو تبتغي عنقاً عليه لأمكنا ومنها: سوء تصرف الخيال، فيصوغ صورة ينقصها شيء من التناسب، ويظهر هذا في نحو التشبيه والاستعارة؛ ومن أمثلة هذا العيب قول الشاعر: وخالٌ على خديك يبدو كأنه ... سنى البدر في دعجاء بادٍ دجونها فإن مقتضى هذا التشبيه أن يكون الخال - وهو أسود - قد وقع مشبَّهاً بسنى البدر، وأن يكون الخد -وهو أبيض- قد وقع في مقابلة الظلماء، فهذه المحاكاة لا يحصل منها ما يريده الشاعر من إظهار الموصوف في صورة رائعة الجمال. ومما لحقها العيب من ناحية التخييل: قول أبي القاسم بن فرناس يمدح أحد أمراء الأندلس: رأيتُ أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجهه بذْرُ المحبة يثمرُ فإنه جعل وجه الممدوح موضوعاً للبذر، ووصف ما يبذر بعد بالإثمار، وهذا ما لا يسيغه الذوق السليم؛ ويقال: إن الشاعر لما أنشد هذا البيت، قال له مؤمن بن سعيد: قبحًا لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محرثًا يثمر فيه البذر! فخجل الشاعر، وما كان جوابه إلا أن شتم الناقد. وقد يقصد الشاعر في التخييل إلى المدح، فتجيء الصورة الخيالية وهي إلى الهجاء أقرب منها إلى المديح، ويمثل هذا العيب قول الشاعر

стр. 3049

يمدح أحد الأمراء بالشجاعة: يهتزُّ من تحتِ السلاحِ كأنه ... ريحانةٌ لعبت بها ريحُ الصَّبا ولو قيل هذا البيت في جبان فرَّ من وجه أعدائه، فأدركوه حتى وقع تحت سيوفهم، لكان وصفاً مطابقاً؛ ويقال: إن الممدوح لما سمع هذا البيت، ثار غضبه، وهمَّ بعقوبة الشاعر لولا أنه أنشد بعده: في كلِّ منبتِ شعرةٍ من جسمه ... أسدٌ يمدّ إلى الفريسةِ مخلْبا وقد ينظر في الصور الخيالية من لم يصفُ ذوقه، فينحو في نقدها نحو المعاني العلمية؛ ووقع مثل هذا لأحد الكاتبين في البيان إذ ناقش الشاعر في قوله: كالطيفِ يأبى دخولَ الجفنِ منفتحاً ... وليس يدخلُ إلا إذا انطبقا وقال: إن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما هو شيء يخيل إلى النفس، وهذا مدفوع بأن الصور الخيالية ليست بموضع لمثل هذه المناقشة الفلسفية، والشاعر يعلم أن الطيف لا يدخل الجفن، ولا يخرج منه، ولكن يخيل إلى النفس على وجه يشبه المرئي رأي البصيرة، فكان بمنزلة ما يدركه البصر من الصور المحسوسة في صحة التعبير فيه بدخول الجفن، كما صح أن يعبر عن امتناع تخييله حال انفتاح الجفن بإباية الدخول فيه. وقد يجيء العيب من ناحية الخلل الذي ينشأ من حذف بعض الكلمات، كما جاء في قول الشاعر: وإني لظلّام لأشعثَ بائسٍ ... عرانا ومقرورٍ بَرَى مالَه الدهرُ وجارٍ قريبِ الدار أو ذي جناية ... بعيدِ محلِّ الدار ليس له وفرُ

стр. 3050

فالشاعر يريد: أنه ظلّام للناقة بنحر فصيلها للأشعث البائس، أو المقرور الذي برى الدهر ماله، ولكنّ ألفاظه لا تدل على ما أراد، قال الجرجاني بعد أن أورد البيتين: هل يشك من أنشدهما أن الشاعر وصف نفسه بأقبح الصفة، وأضاف إليها أشنع الظلم؛ وإنما أراد: أني أظلم الناقة فأنحر فصيلها لأجل هذا الأشعث أو الجار، ولو قال: "وإني لنحّار"، لاتضح المعنى، وإنما يتضح المعنى نظراً إلى أن النحر الذي هو إصابة النحر معروف في تذكية الإبل، فهو مصروف إلى هذا المعنى. ومما يؤخذ على الشاعر في الرثاء والتعزية: أن يتوسل بالحط من شأن الميت إلى تخفيف مصابه على من يعز عليه فقده، كما قال البحتري يعزّي أبا نهشل الطوسي على وفاة ابنته: أتبكي من لا ينازلُ بالسيـ ... ـف مُشيحاً (١) ولا يهزُّ اللواءَ والفتى من رأى القبورَ لما طا ... ف به من بناته أكفاءَ قد ولدن الأعداء قدماً وورثـ ... ـن التلاد الأقاصيَ البعداءَ ثم قال: ولعمري ما العجزُ عندي إلا ... أن تبيتَ الرجالُ تبكي النساءَ فقد خرج البحتري من مقام تعزية أبي نهشل بوفاة ابنته إلى هجوها، والحط من شأنها, وليس هذا طريق تسلية الآباء عن بناتهم، وتخفيف حزنهم عليهن، والتحدث بنقائص الميت، أو بسلب خصال الكمال عنه، مما لا ترتاح له نفس قريب أو صديق يأسف لفراقه.

стр. 3051

ومن وجوه النقد: أن يقصد الشاعر إلى تحسين شيء قد يعده بعض الناس شائنًا، فيصرّح في الشعر بعيب الناس له، والأفضل أن يبين وجه حسنه حتى يتلقاه السامع من حيث لا يشعر بأنه مظنة لأن يعاب؛ وأسوق مثلاً على هذا: أن المعزّ بن باديس استخلى محمد بن شرف، وابن رشيق، وقال لهما: أريد أن تصنعا شيئاً تمدحان به الشَّعرَ الرقيق الذي يكون على سُوق بعض النساء، فإنيّ أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أرِيهُنَّ هذا، وأدَّعي أنه قديم؛ لأحتج به على من عابه، فكان الذي قال ابن رشيق: يعيبون بلقيسية أنْ رأوا لها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا فانتقد المعزّ على ابن رشيق قوله: "يعيبون بلقيسية"، وقال له: "أوجدت لخصمها حجّة بأن بعض الناس قد عابه". وقد يجيء العيب في الشعر من عدم رعاية الشاعر للغرض الذي يتحدث عنه؛ كما قال أبو نواس في مطلع قصيدة يهنئ فيها الفضل بن يحيى البرمكي ببناء دار: أَرَبْعَ البِلى إن الخشوعَ لبادِ ... عليك وإني لم أخنك ودادي يقال: إن الفضل عندما سمعها تطيَّر، ونكس رأسه، وأخذ الناس ينظر بعضهم إلى بعض، يعجبون لأبي نواس إذ كبا في هذه الحلبة جواده، ولم يسعده عند الحاجة ذكاؤه. ومن الزلل الذي يقع فيه الشاعر: أن يسيء الأدب مع الخالق، أو الرسول، أو من يجب احترامه في نظر الدين؛ وللسيوطي رسالة تسمّى: "تنزيه الأنبياء

стр. 3052

عن تشبيه الأغبياء" أورد فيها نبذة من هذه الأشعار الرقيعة، وقال: إنما أكثرت الشواهد مع استثقالنا لحكايتها؛ للتعريف بأمثلتها. ومن هذا النحو: الأشعار التي تحمل المجنون والفحش من القول، وتزيِّن لقرائها الخنا والخلاعة؛ وإنما ينحدر في هذه الحمأة من لم يتربوا في مهد الأدب الرفيع، ولم تستقبلهم الفضيلة يوم يخرجون من بطون أمهاتهم. وإن تعجبوا لطائفة من فسقة الشعراء يقتبسون آيات من كتاب الله، ويقصدون بها معاني قبيحة منكرة، فاعجبوا لفئة أخرى يوردون في بعض مؤلفاتهم من هذه الأشعار ما يتصبب له الجبين من الحياء عرقاً. هذا نموذج من وجوه نقد الشعر، وأكثرها يجري في غير الشعر أيضاً؛ كمخالفة قانون الصرف والنحو؛ ومنها ماله مزيد اختصاص بالشعر؛ كالنقد العائد إلى تصرفات الخيال، أو صناعة النظم، وهذا الوجه من النقد لا يحكم عليه إلا من كان بصيرًا بهذه الصناعة، فضعف النسج - مثلاً -، ونبوّ الكلمة عن موقعها في النظم، وطيش الخيال عن غرض الإجادة في تصوير المعنى، لا يدركه أينما كان إلا شاعر واسع المدى، أو ألمعي قضى دهراً في تدبر أشعار البلغاء. وإذا حاضرنا في نقد الشعر بعد هذا، فإنما نوجّه العناية إلى الوجوه التي لها مزيد اختصاص بالشعر، ولا نعبأ بما يدركه النحوي أو العروضي أو اللغوي على البداهة؛ فإنه سهل المأَخذ، وفي دراسة العلوم العربية الكفاية.

стр. 3053

الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية (١) في أوائل النصف الثاني من القرن الرابع صار أمر مصر إلى العبيديين، وكان المعزّ مؤسس دولتهم معدوداً في طبقة الأدباء، وكذلك كان ابنه تميم الملقب بالعزيز، فلا جرم أن يكون لسوق الأدب في أيامهم نفَاق، وللأدباء حظوة، ونرى في التاريخ: أن يعقوب بن كِلِّس وزير العزيز كان له مجلس يحضره العلماء، فإذا فرغ من هذا المجلس، قام الشعراء ينشدونه ما أنتجته قرائحهم من الشعر. ويقال: إن هذا الوزير قد رثاه حين توفي نحو مئة شاعر. ويمر بنا التاريخ بعد هذا على رجال كان لهم في الأدب أقدام راسخة؛ مثل: الأمير المختار المعروف بالمسجّى (٢)، ومثل: أحمد بن علي المعروف بابن خيران (٣)، وأذكر من شعره قوله: ولوسعى بك عندي في ألذِّ كَرًى ... طيفُ الخيالِ لبعتُ النومَ بالسهرِ وما زال الأدب موصول الحلقات إلى أن جاء القرن السادس، فظهر فيه نبغاء مثل: أبي الغمر محمد بن علي الهاشمي الذي قال فيه العماد الأصفهاني:

стр. 3054

كان أشعر أهل زمانه، وأفضل أقرانه. ومثل: محمد بن قادوس شيخ القاضي الفاضل، وكان يسميه: ذا البلاغتين. ومثل: الحسن بن علي الأسوانيّ المعروف بالمهذب الزبيري، الذي قال فيه العماد الأصفهاني أيضاً: لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه. ومن بديع شعره قوله يتشوق إلى نهر بردى في دمشق: بالله يا ريحَ الشما ... لِ إذا اشتملتِ الرَّوح بردا وحملتِ من نَشْرِ الخزا ... مى ما اغتدى للنَّد نِدا ونسجت ما بين الغصو ... ن إذا اعتنقن هوى وودا وهززت عند الصبح من ... أعطافها قدّاً فقدَّا نهر كنصل السيف تكـ ... ـسو متنه الأزهار غمدا صقلته أنفاس النسـ ... ـيم بمرهنَّ فليس يصدا وظهر لذلك العهد شاعرات مجيدات، منهن: تقية بنت غيث الصورية الإسكندرية، نظمت هذه الشاعرة مرة قصيدة تعرضت فيها - على عادة الشعراء - لمعان من قبيل اللهو، فظن بعض من قرأ القصيدة أنها وصفت ذلك اللهو لحضورها بعض مجالسه، فنظمت قصيدة وصفت فيها الحرب، وما يتصل بها أحسنَ وصف، وبعثت إلى من ظن بها ذلك الظن تقول له: علمي بهذا كعلمي بذاك، تعني: أن الشاعر يصف ما لا يرى، ويقول مالاً يفعل. وممن شد أزر الحركة الأدبية لذلك العهد طلائع بن رُزّيك الملقب بالصالح؛ إذْ كان هو نفسه من الشعراء المجيدين، وأذكر من شعره قوله في الحكمة: تنامُ ومقلةُ الحدثانِ يقظى ... وما نابَ النوائبَ عنك نابي

стр. 3055

وكيف بقاءُ عمرك وهو كنزٌ ... وقد أنفقت منه بلا حساب ولحسن تقديره للأدب العربي، قصده الشعراء من أقاصي البلاد، وفي أيامه دخل عُمارة اليمني مصر، ولقي منه ومن ابنه العادل إقبالاً ورعاية، وعمارة هذا هو الذي يقول: ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سمومِ العقارب ويقول: إذا كان رأسُ المال عمرَك فاحترزْ ... عليه من الإنفاق في غير واجبِ وموجز القول: أن من طالع كتاب "الخريدة" للعماد الأصفهاني، وغيرها من كتب الأدب، وجد في شعراء النصف الأول من القرن السادس كثرة، ووجد في شعرهم إجادة وإبداعاً. كذلك كان الشعر في سمو مكانته، وكثرة من يجيدون صنعه، وبهذا العهد اتصل عهد الدولة الأيوبية، فإنه يبتدى" بسنة أربع وستين وخمسمائة، وينتهي بسنة اثنتين وخمسين وستمائة. وأريد من الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية: شعر من نشؤوا في هذا العهد، أو قضوا فيه جانباً من حياتهم الأدبية. وإذا تحدثت عن شعراء مصر في هذا العهد، فإنما أتحدث عمن نشؤوا في مصر نشأتهم الأدبية، ولا أبالي بعد هذا أن تكون ولادتهم في أرضها، أو في أرض غيرها, ولا أبالي أيضاً بأن يكونوا قد أقاموا فيها طول حياتهم، أو يكونوا قد هاجروها إلى قطر آخر، واتخذوه وطناً. تولى صلاح الدين الأيوبي أمر مصر، وكان من نواحي عظمته: الارتياح

стр. 3056

للأدب العربي، والاحتفاء بالأدباء البلغاء، تقرأ في تاريخه: أنه كان يستحسن الأشعار الجيدة، ويرددها في مجالسه، ومما عرف عنه أنه كان مولعاً بشعر أسامة ابن منقذ الذي دخل مصر في أيامه، ونال مكانة سامية، وأذكر من شعر أسامة هذا: قوله: وما أشكو تلؤُّنَ أهلِ ودّي ... ولو أجدَت شكيَّتهم شكوتُ إذا أدْمتْ قوارصُهم فؤادي ... كَظَمتُ على أذاهم وانطويتُ ورحتُ عليهمُ طلقَ المحيا ... كأني ما سمعتُ وما رأيتُ ولارتياح صلاح الدين للشعر العربي، ونظره إليه نظر من يقدر قيمته، قوي التنافس في هذا الفن، واشتد اتصال الأدب في غير مصر بالأدب المصري؛ فإن كثيراً من أدباء الأقطار الأخرى يفدون على صلاح الدين، أو يراسلونه بقصائدهم، مثل التلِّعفري، وسبط ابن التعاويذي، وابن الساعاتي، وعمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي، وهو القائل: وإني امرؤ أحببتكم لمكارمٍ ... سمعتُ بها والأذنُ كالعينِ تعشقُ ومحمد بن يوسف البُحراني صاحب القصيدة الفريدة التي يقول فيها: تخصَبُ الأرضُ فلا أقربها ... رايداً إلا إذا عزَّ حماها لايراني الله أرعى روضةً ... سهلة الأكناف من شاء رعاها ومن أمراء الأسرة الأيوبية بعد صلاح الدين الأيوبي من يقول الشعر الجيد؛ مثل: الأفضل بن صلاح الدين، والكامل بن العادل، وأخويه: الأشرف، والمعظم، قال ابن سعيد في "تاريخه": "وأولاد العادل في صدر المئة السابعة: الكامل، والمعظم، والأشرف، الثلاثة شهروا بحب

стр. 3057

الفضلاء، وقول الشعر". وفي هؤلاء الأمراء الثلاثة يقول ابن عُنَيْن من قصيدة يمدح بها العادل: وله البنون بكلِّ أرضٍ منهم ... ملكٌ يقول إلى الأعادي عسكرا من كل وضّاحِ الجبين تخاله ... بدراً وإن شهد الوغى فغضنفرا نهض الشعر العربي في عهد الدولة الأيوبية نهضة راقية، واشتمل على أمثال: البهاء زهير، وابن الجزّار، وابن سناء الملك، وابن شمس الخلافة، وابن مطروح، وابن الفارض، وشرف الدين محمد بن سعيد البوصيري، وابن النبيه، وابن النقيب، ومظفر الدين بن إبراهيم الضرير، وابن أبي الإصبع، وابن الخيمي. وكيف لا يرفع الأدب رأسه وهو في ظلال دولة يقوم على المهم من أمورها أمثال: العماد الأصفهاني، وعبد الرحيم البيساني الملقب بالقاضي؟. وسيما الشعر في ذلك العهد: رقة الألفاظ، وقرب المعاني من أذهان قارئيه وسامعيه. ومما أخذ بمجامع قلبي لأبي الحسين الجزار جمع بين السهولة والمتانة، أعني قوله: هو ذا الركبُ ولي نفسٌ مشوقه ... فاحبسِ الركبَ عسى أقضي حقوقَهْ فاضَ دمعي مذ رأى ربعَ الهوى ... ولَكَمْ فاضَ وقد شام بروقَه نفد اللؤلؤ من أدمعه ... فغدا ينثر في الترب عقيقَه قم معي واستوقف الركبَ فإن ... لم يقفْ فاتركه يمضي وطريقَه فهي أرضٌ قلَّما يلحقها ... أملٌ والركبُ لم أعدمْ لحوقَه كانت مَيزة الشعر: السهولة والعذوبة، حتى إن بعضهم لا يبالي أن يورد

стр. 3058

في شعره عبارة تجري على ألسنة الجمهور بعد أن يكسوها مسحة خفيفة من العربية الفصحى؛ كقول ابن النبيه: قل لأحبابٍ كسوني الأرقا ... ماتَ صبري فلهم طولُ البَقا نعم، وجد في هذا العصر ما وجد، وفشا في بعض العصور قبله وبعده من الاستكثار من أنواع البديع؛ كالجناس، والتورية، ولكن قصد الشعراء البارعين إلى نحو هذين النوعين من البديع إنما يكون في بعض المقطعات، أو الأبيات المعدودة من القصائد، ثم إن قصدهم إلى هذه الأنواع لا يمس براعتهم في صناعة الشعر؛ لأنهم يحسنون صنعها، فتسيغها أذواق الأدباء دون أن تحس بشيء من الثقل والكلفة. وللشعر الحماسي في ذلك الوقت باعث قوي هو انتصار الدولة، وعزة مكانتها، فإذا شعر الأديب بأنه يعيش تحت سماء عزة وكرامة، كان شعوره هذا من مهيئات البراءة في فن الحماسة، فإذا انضم إلى هذا كبرُ نفس الشاعر، رأيته يذهب في هذا الفن من فنون الشعر مذاهب بديعة، وانظر إلى البهاء زهير كيف يقول: أهوى التذلُّلَ في الغرام وإنما ... يأبى صلاحُ الدين أن أتذللا ومن أبلغ ما وقع في الشعر من الحماسة قول ابن سناء الملك: سوايَ يهابُ الدهرَ أو يرهبُ الردى ... وغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا ولكنني لا أرهبُ الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموتَ الزُّؤامَ إذا عَدا توقُّدعزمي يتركُ الماءَ جمرةً ... وحليةُ حلمي تترك السيفَ مِبْرَدا وأظمأ إن أبدى لي الماءُ مِنَةً ... ولو كان لي نهرُ المجرَّةِ موردا

стр. 3059

ولي قلمٌ في أنملي إن هززته ... فما ضرَّني أنْ لا أهزَّ المهنَّدا أما الحكم والأمثال، فكثيراً ما نجدها في بعض مقطوعات، أو في أثناء قصائد مطولة؛ يقول ابن سناء الملك: وَمنْ يغرسِ المعروف يجني ثمارَه ... فعاجلُه ذِكْرٌ وآخرُه أَجْرُ وقوله: ألا إن إقليماً نبتْ بك دارُه ... وإنْ كَثُرَ الإثراء فيه لمعدمُ وكقول ابن النبيه: والعمرُ كالكأسِ تستحلى أوائلُهُ ... لكنَّه ربما مُجَّتْ أواخرُهُ ومما سار مسير المثل قول ابن سناء الملك: "ولابد دون الشهد من إبر النحل" وللنسيب في ذلك العهد جولة واسعة، وابتكر فيه بعض الشعراء طرقاً يستبينها الأديب من مطالعة دواوينهم، وقد أعجب الأديب الأندلسي ابن سعيد بطريقة البهاء زهير في هذا الفن من الشعر، وسأله عندما قدم مصر أن يرشده إلى وجه سلوكها، فأشار عليه البهاء بأن يطالع ديواني: الحاجري، والتلعفري، ثم يراجعه بعد ذلك، فغاب ابن سعيد عنه مدة أكثر فيها من مطالعة الديوانين، ثم اجتمعا وتذاكرا، وكان من البهاء أن أنشد شطرًا من بيت هو قوله: "يا بأن وادي الأجرع" وقال لابن سعيد: أشتهي أن تكمله، فقال ابن سعيد: سقيت غيث الأدمع

стр. 3060

فقال البهاء زهير: حسن والله، ولكن الأقرب إلى هذا الطريق أن تقول: هل ملت من طرب معي وترى في هذا العصر تنافساً شديداً بين الشعراء، حتى إن الشاعر قد يدعي لنفسه شعر آخر، وهو في قيد الحياة، وأسوق على هذا حادثتين: إحداهما: نزل وقع بين ابن شمس الخلافة، وابن مطروح في بيت ادعى كل منهما أنه قائله، وبلغ بهما النزاع أن أقام كل منهما شاهداً على أن البيت له، والبيت هو: وأقولُ يا أختَ الغزالِ ملاحةً ... فتقول لا عاشَ الغزالُ ولا بقي ثانيتهما: نزاع جرى بين ابن الخيمي، وابن إسرائيل، تنازعا في القصيدة التي جاء فيها البيت المشهور: يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكوت ولكنْ فاتك الشنبُ ثم إن الشاعرين تراضيا على تحكيم ابن الفارض. فأمر كلاً منهما أن ينظم قصيدة في وزنها، فذهبا وأتياه وأنشداه ما نظما، فحكم بها لابن الخيمي، وقال لابن إسرائيل: لقد حكوت ولكن فاتك الشنب ولا بدع أن يعرف الأديب الألمعي أن هذا الشعر من نظم زيد أو عمرو، مستنداً في ذلك إلى قوة شبهه بأسلوبه، فللأشعار قافة يعرفون أنسابها من روح المعنى وطرز النظم، كما أن للناس قافة يعرفون أنسابهم من النظر في خلقتهم وملامح وجوههم. وكان الشعر المصري في ذلك العهد يصل إلى بلاد المغرب والأندلس

стр. 3061

على أيدي الراحلين من العلماء والأدباء، تقرأ في التاريخ: أن الكاتب ابن عبد ربه الأندلسي اجتمع في رحلته بابن سناء الملك، وأخذ عنه شيئاً من شعره، ورواه بالمغرب، وكذلك الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرندي الأندلسي أخذ في رحلته عن الشهاب ابن الخيمي قصيدته التي يقول في أولها: يا مطلباً ليس لي في غيره أربُ ... إليك آل القضى وانتهى الطلب وعاد بها إلى الأندلس. وكان للأدباء في ذلك العصر مجالس يتذاكرون فيها الأشعار، ومجامع يحتفلون فيها بمن يرد مصر من الأدباء. يقول ابن خلكان في ترجمة ابن سناء الملك: "واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكان لهم مجالس يجري بينهم فيها مفاكهات، ومحاورات يروق سماعها، ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف الدين بن عُنين، فاحتفلوا به، وعملوا له دعوات، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش، وجرت له محافل سطرت عنهم، ولولا خشية الإطالة، لذكرت بعضها". ونسوق على هذا: أن علي بن سعيد الأندلسي دخل مصر في أوائل القرن السابع، فاحتفل به أدباؤها، وأقاموا له في بعض المتنزهات بظاهر القاهرة مأدبة؛ ومما جرى في هذا الاحتفال من الملح الأدبية: أن أبا الحسين الجزار داس بساطاً من النرجس، فقال له ابن سعيد مرتجلاً: يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعينَ بالأرجل وجاراه بعض الأدباء وقتئذ بشعر يناسب هذا البيت. وكذلك كانت مصر تبسم في وجوه الأدباء منذ عهد قديم، وأذكر أن

стр. 3062

الشاعر المعروف بكشاجم قد وردها في القرن الرابع، وأقام بها مدة، ثم ارتحل عنها؛ فأخذه إليها شوق شديد، فلم يكن إلا أن عاد إليها، واتخذها دار إقامة، وقال: قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني ... فالآن عدت وعادت مصر لي دارا ولا يشتاق الأديب إلى وطن إلا أن يكون للأدب في ذلك الوطن نَفاق، ولمقام الأديب فيه نباهة. وأضيف إلى هذا: أن الأديب إبراهيم الرقيق التونسي أحد شعراء القرن الخامس، زار مصر، فاحتفى به أدباؤها, ولما عاد إلى تونس، قال شعراً يتشوق إلى هؤلاء الأدباء، ومما قال: هل الريحُ إن سارتْ مشرِّقَةً تسري ... تؤدي تحياتي إلى ساكني مصرِ فما خطرت إلا بكيتُ صبابةً ... وحمَّلْتُها ما ضاقَ عن حمله صدري تراني إذا هبَّتْ قبولاً بنشرهم ... شممت نسيم المسك من ذلك النشر ألا إن الأدب الزاهر إذا لقي فِطَراً سليمة، وأذواقاً صافية؛ كان من ألطف وسائل التأليف بين الأفراد والجماعات: وقرابةُ الأدباءِ يقصُرُ دونهَا ... عند الأديب قرابةُ الأرحام

стр. 3063

نظرة في شعر حسّان بن ثابت (١) حسان بن ثابت قضى شطراً من عمره في الجاهلية، وشطراً في الإسلام، وكان آباؤه من ذوي الشرف والوجاهة في الجاهلية، فنشأ في المدينة، وكان للشعر في ذلك العهد نهضة راقية، ففي ذلك العهد ظهر شعراء مبدعون؛ مثل: علقمة، وزهير، والنابغة، والأعشى، وقيس بن الخطيم، وكان لهؤلاء المبدعين ميدان يتبارون فيه، هو سوق عكاظ، فكلُّ من في قريحته استعداد لصنع الشعر؛ كحسان بن ثابت، يجد في هذه النهضة باعثًا على أن يقول الشعر، وينافس في مضماره بأقصى ما يستطيع. ويزيد حسان بمهيئ هو: أنه نشأ في بيت أصيل في صناعة الشعر، فقد كان أبوه ثابت، وجدّه المنذر معدودين في قبيل الشعراء. * سمو مكانة حسان في الشعر: في الشعراء من يتأنى في نظم الشعر، ولا يخرجه للناس إلا بعد أن يبالغ في تنقيحه؛ كالحطيئة فيما يقال، ويسمى هذا النوع من الشعر بالمصنوع، ومنهم من يقوله ويسمعه الناس على ما تجود به القريحة لأول مرة؛ كحسان ابن ثابت، ويسمى هذا النوع من الشعر بالمطبوع، وكان الأصمعي يعيب

стр. 3064

الحطيئة، وقال: وجدت شعره كله جيداً، فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع، إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه جيده على رديِّه. ولعلهم يريدون من الردي: الأبيات التي تكون في مرتبة دون مرتبة الإبداع؛ فإن اشتمال شعر الرجل الذي عرف بالبراعة على أبيات في مرتبة متوسطة، يدل على أنه لا يبالغ في تهذيب شعره، بل يلقيه على نحو ما تسمح به قريحته. ومن شواهد أن حسان لم يكن يتأنى ويتكلف للشعر: ما يروى من أنه قد يقول الشعر في المجلس الذي وجد فيه الباعث على الشعر؛ كقصته مع وقد تميم إذ جاؤوا إلى الرسول ﷺ ، وأنشد أحد شعرائهم الزبرقان بن بدر أبياتاً يفخر فيها بقومه، فأجابه حسان في المجلس بالقصيدة التي يقول في طالعها: إن الذوائبَ من فِهْرٍ وإخوتِهمْ ... قد بيّنوا سُنَّةً للناس تُتّبعُ والأصمعي الذي عاب الحطيئة بالتصنع في الشعر، شهد لحسان بسمو المكانة في الشعر، وقال: حسان بن ثابت أحد فحول الشعراء. وقال ابن رشيق في كتاب "العمدة": وأشعرُ أهل المدر بإجماع واتفاق من الناس: حسان بن ثابت، ثم قال: وقوم يرون تقدمة الشعر لليمن، في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت. كان عمر بن الخطاب يرجع في القضايا التي تتعلق بالشعر إلى حسان. استعداه وهي تميم على الشاعر المعروف بالنجاشي لما هجاهم، فألقى النظر في أمرهم إلى حسان، ونفذ عمرُ ما حكم به حسان، وكذلك فعل في هجاء الحطيئة للزبرقان بن بدر، فقد أخذ رأي حسان في أن ما قاله الحطيئة

стр. 3065

هجاء، وأودعه السجن. ويوجد فيما ينسب إلى حسان من الشعر شيء كثير فيه ضعف، وبعض علماء الأدب ينفي أن يكون هذا الشعر الضعيف من صنع حسان؛ مثل: الأصمعي؛ فإنه لما جعل حسان في مرتبة فحول الشعراء، قال له أبو حاتم: تأتي له أشعار لينة، قال الأصمعي: تنسب إليه أشياء لا تصح عنه. والواقع أن حسان لا يقل في صناعة الشعر عن النابغة، وزهير، وأمثالهم، بل عدّه ابن خلدون في الطبقة التي تفوق هؤلاء الجاهليين، من جهة أنهم سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث، فارتقت ملكاتهم، وكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقاً. فلحسان أشعار تضاهي في براعة الصنع وجودة التصرف أرقى شعر يقوله زهير، أو علقمة، أو النابغة، وله أشعار تضاهي ما يُعَدُّ في المرتبة المتوسطة من أشعار أولئك الفحول، وأرى أن أكثر هذا الشعر الضعيف الذي ينسب إليه ليس من صنعه؛ فإن الشاعر الفحل قد يضعف في الأبيات القليلة من القصيدة، وإذا تناول في شعره بعض المعاني المبتذلة، فإنه لا ينزل عن براعة الأسلوب ومتانة نسج الألفاظ إلا قليلاً. * الفخر في شعر حسان: تهيأت لحسان في الجاهلية أسباب البراءة في الفخر، فقد نشأ في بيت عريق في الشرف والتفاخر بالإنساب وخصال الشرف مما أولع بها العرب، ويضاف إلى هذا: أن الخزرج الذين هم قوم حسان كانت بينهم وبين الأوس حروب ووقائع، ثم جاء الإسلام، وقامت الحروب بين المسلمين والمشركين، والحروب تستدعي من الشاعر أن يجول في الفخر والحماسة جولات واسعة،

стр. 3066

فكان من فنون شعر حسان الفخر والحماسة. يفخر حسان بالكرم والسخاء كما قال: وإن أَكُ ذا مالِ قليلِ أَجُدْ به ... وإن يهتصرَ عودي على الجهدِ يُحمدِ وقال: وإني لمعطٍ ما وجدت وقائلٌ ... لموقدِ ناري ليلةَ الريحِ أوقدي ويفخر برعاية حق الجار كما قال: فما أحدٌ منا بمهدٍ لجاره ... أذاة ولا مزرٍ به وهو عائدُ لأنا نرى حق الجوار أمانة ويحفظه منا الكريمُ المعاهد ويفخر بالصبر على الشدائد كما قال: فلا المالُ ينسيني حيائي وعفتي ... ولا واقعاتُ الدهر يَفْلُلْنَ مِبْردي ويفخر بالعدل كما قال: فنحن ولاةُ الناسِ في كلِّ موطنٍ ... متى ما نقل في الناس قولاً نُصدَّقِ توفَّق في أحكامِنا حكماؤنا ... إذا غيرُهم في مثلها لم يوفَّقِ ويفخر بالبراعة في الشعر كما قال: لكل أناسِ مِيسمٌ يعرفونه ... ومِيسمنا فينا القوافي الأوابدُ ويفخر بالعزم كما قال: ونحن إذا لم يبرم الناس أمرهم ... نكون على أمر من الحق مبرمِ ويفخر بالشجاعة كما قال:

стр. 3067

ويثربُ تعلم أنا بها ... أسودٌ تنفِّض ألبادها نهزُّ القنا في صدور الكماة ... حتى نكسِّرَ أعوإدها وجمع الفخر بالشجاعة والسخاء في بيت فقال: لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ دما يفتخر حسان بالشجاعة، ولكن بعض المؤرخين يقولون: كان يجبن، وإن جهاده بشعره، وأنكر بعضهم أن يكون حسان جبانًا، وقال: إنه كان يهاجي قريشاً، ويذكر مثالبهم، ولم يبلغنا أن أحداً عيَّره بالجبن، والفرار من الموت. * المديح في شعر حسان: تهيأت لحسان أسباب البراءة في المديح في الجاهلية؛ فقد كان يفد على آل جفنة بالشام، فيهتزون لمديحه، ويبسطون إليه أيديهم بالجوائز، حتى روي أنه كان يرحل إليهم عاماً بعد عام، ومن أشهر قصائده في مدحهم القصيدة التي يقول في أولها: أسألتَ رسمَ الدارِ أمْ لم تسألِ ... بين الجوابي فالبُضَيع فحَوْمَلِ ويقول: لله درُّ عصابةً نادمتهم ... يوماً يجلَّق في الزمانِ الأول يمشون في الحللِ المضاعَفِ نسجُها ... مشيَ الجمالِ إلى الجمال البُزَّلِ الضاربونَ الكبشَ يبرق بيضُه ... حزماً يطيحُ له بنانُ المفصلِ والخالطونَ فقيرَهم بغنيهم ... والمنعمون على الضعيف المرمِلِ

стр. 3068

أولاد جفنةَ حول قبر أبيهم ... قبرِ ابن ماويةَ الكريم المفضلِ يُغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبلِ وروي: أنه تلا هذه القصيدة على عمر بن الحارث الغساني، وكان في المجلس علقمة والنابغة، فلم يزل عمر يزحل عن موضعه، حتى شاطر البيت، وهو يقول مخاطباً لعلقمة والنابغة: هذا - وأبيك - الشعر، لا ما تعللاني به منذ اليوم. وقد وقع البيت: "يغشون حتى ما تهر كلابهم" من الحطيئة موقع الإعجاب، فقال: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول: يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل وتهيأت لحسان أسباب المديح في الإِسلام بعد الجاهلية، إذ رأى من كمال رسول الله ﷺ ، وسمو مكانته، ومكارم أخلاقه فوق ما كان يراه في الناس بدرجات لا تحصى، فكان إيمانه الصادق يدعوه إلى مدح النبي ﷺ وأصحابه الكرام. ومن أبلغ ما روأنه في مدح الحضرة النبوية: قوله: وأحسنُ منك لم ترَ قطُّ عيني ... وأكملُ منك لم تلد النساءُ خُلِقْتَ مبرأً من كلِّ عيبٍ ... كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ وقوله: متى يبد في الليلِ البهيمِ جبينُهُ ... يلحْ مِثْلَ مصباحِ الدجى المتوقِّدِ فمن كان أو من قد يكون كأحمدٍ ... نظاماً لحق أو نكالاً لملحدِ * الهجاء في شعر حسان: يعزى إلى حسان أشعار على أنه هجا بها في الجاهلية بعض الأشخاص،

стр. 3069

أو بعض القبائل، وهجا حسان بعد دخوله في الإِسلام. وسبب هذا الهجاء: أن رهطًا من المشركين كانوا يهجون النبي ﷺ ، فقال المهاجرون: يا رسول الله! ألا تأمر علياً فيهجو هؤلاء القوم؟ فقال: "إن القوم الذي نصروا بأيديهم أحق أن ينصروا بألسنتهم"، فقالت الأنصار: أرادنا والله! فأرسلوا إلى حسان فأقبل، وأذن له رسول الله ﷺ في هجائهم. ومن عرف ما كان للشعر من الأثر في نفوس العرب، أدرك أن هجاء المشركين للنبي ﷺ يكون له أثر كبير في الصد عن الدعوة، وصرف النفوس عن قبولها، فلا بد من مدافعة هذا الشعر الهجائي بشعر مثله يبطل أثره، أو يخفف شره. وفي حديث عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ قال لنا: "قولوا لهم كما يقولون لكم"، فهجاء حسان في الإسلام إنما كان دفاعاً لمن اتخذوا الهجاء طريقاً لمحاربة الدعوة إلى الحق، وكذلك قال حسان مخاطباً أبا سفيان بن الحارث: هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرضِ محمد منكم فداء وكان حسان يهجو الأشخاص أو القبائل بالبخل، أو الجبن، أو الغدر، أو اللؤم، أو بنقص العقل، أو الكفر والضلال. وينسب إليه أبيات فيها فحش وإقذاع، وليس من المحتمل أن تكون تلك الأبيات المقذعة التي يحتويها الديوان المنسوب إليه قد صدرت منه بعد دخوله الإِسلام، بل أراها مصنوعة ومنسوبة إليه بغير حق، فإن الإسلام طبع نفوس الصحابة على آداب رفيعة، وسار بهم في سيرة نقية، لو عرضنا عليها هذا الشعر المقذع، رأيناها تدفعه، وحسان من الصحابة الذكره تأدبوا بأدب القرآن، ولازموا مجلس رسول الله ﷺ سنين كثيرة.

стр. 3070

ثم إنا نرى حسان يعني في فخره بخصلة النزاهة عن الفحش كما قال: أبي فعلنا المعروف أن ننطق الخنا ... وقائلنا بالعرف أن لاتكلما وقال في الفخر: مساميحُ بالمعروفِ وسط رحالنا ... وشباننا بالفحش أبخل باخل وقال يمدح قومه: إذا اختبطوا لم يفحشوا في نديهم ... وليس على سؤّالهم عندهم بخل وقال: مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام معاطي للعشيرة سؤلها وليس من شك في أن تلك الأبيات المقذعة فحش ليس بعده فحش. وإذا وجد بعض هذا الشعر المقذع في سيرة ابن إسحاق، فإن لدينا نصوصًا تجعلنا لا نتقبل ما يرويه ابن إسحاق في السيرة من الشعر إلا بتحفظ، فهذا ابن هشام قد يورد القصيدة منسوبة إلى من نسبها إليه ابن إسحاق، ويقول: وأهل العلم أو أكثر أهل العلم ينكرها لفلان؛ أي: الذي نسبها إليه ابن إسحاق. إذن ابن إسحاق نسب في السيرة أشعاراً كثيرة لأناس ينكر أهل العلم أن تكون لهم، وهذا يساعدنا على إنكار أن يكون هذا الشعر المقذع قد صدر من حسان في عهد النبوة. ونزيد على هذا: أن من نقّاد الرجال من أنكر على ابن إسحاق هذا الشعر الذي يرويه. قال ابن معين في حق ابن إسحاق: ماله عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة، والأشعار المكذوبة.

стр. 3071

وهذا ابن سلام الجمحي يقول في كتاب "الشعر والشعراء": شعراء المدينة الفحول خمسة، وأشعرهم حسان، وقد حُمل عليه مالم يحمل على غيره، لما تباغضت قريش واستبت، وضعوا عليه أشعاراً كثيرة لا تليق به. وأريد من هذا: أن ما ينسب إلى حسان من الشعر، ننظر فيه من جهة ما يعبر عنه من المعاني، فإن وجدناه يلائم روح عهد النبوة، وما عرف به الصحابة من نزاهة وفضل، قبلناه ورويناه على أنه شعر حسان، وإن وجدناه ينافي روح ذلك العهد، أنكرناه، ولا سيما شعراً لم يرد منسوباً إلى حسان بسند متصل صحيح. * النسيب في شعر حسان: يذهب حسان في النسيب مذهب الشعراء من قبله، فيذكر الشوق والسهر وطول الليل، ويكثر من ذكر الديار وأطلالها، والرحيل وما يحدثه من روعات وحسرات، ويسوق نسيبه في نزاهة معنى، وجزالة نظم، ومثل هذا قوله: تطاولَ بالخمان ليلي فلم تكن ... تهم هوادي نجمه أن تصوبا أبيت أراعيها كأني موكَّل .. بها لا أريد النوم حتى تغيبا إذا غار منها كوكبٌ بعد كوكبٍ ... تراقبُ عيني آخرَ الليلِ كوكبا غوائر تترى من نجوم تخالها ... مع الصبح تتلوها زواحف لُغَّبا أخاف مفاجاةَ الفراق ببغتة ... وصرف النوى من أن تشب وتشعبا وأيقنت لما قوَّض الحيُّ خيمَهم ... بروعاتِ بَيْنٍ تترك الرأس أشيبا يصدر حسان المدح أو الفخر بالنسيب، بل قد يصدر المهاجاة بذكر البين والرحيل والبكاء، وكثيراً ما يخرج من النسيب إلى غيره من الفنون بقوله:

стр. 3072

"دع ذا"، أو نحوه، كما نرى هذا في شعر هاجى به قيسَ بن الخطيم إذ قال في أوائله: ما كنت أدري بوشك بينهم ... حتى رأيت الحدوجَ قد عزفوا فغادروني والنفس غالبها ... ما شفَّها والهموم تعتكف دع ذا وعد القريض في نفر ... يرجون مدحي ومدحي الشرف والقصيدة التي افتتح بها ديوان حسان الذي بأيدينا، قصيدة هاجى بها أبا سفيان بن الحارث، وهي مصدرة بنحو عشرة أبيات من النسيب، وأولها: عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء وقال بعد العشرة الأبيات متخلصاً إلى مخاطبة قريش وأبي سفيان بن الحارث: عدمنا خيلَنا إن لم تروها ... تثير النقعَ موعدُها كداءُ يبارين الأعنَّة مُصعداتٍ ... على أكتافها الأَسَلُ الظماء تظل جيادُنا مُتمطِّراتٍ ... تلطِّمهن بالخمُر النساء ونقل عن حسان أن أبيات النسيب من هذه القصيدة قالها في زمن الجاهلية، ثم وضعها في أول هذه المهاجاة بعد الإسلام. ومن نظر في تلك الأبيات، وجد عليها طابع شعر حسان في الجاهلية. * الحكمة في شعر حسان: من فنون الشعر التي برع فيها حسان: إرسال الحكم البالغة، ومن هذا الباب: قوله فيمن يوثق بصحبته من الإخوان: أخلّاء الرخاء هم كثيرٌ ... ولكن في البلاء هم قليلُ

стр. 3073

فلايغررك خلة من تؤاخي ... فمالك عند نائبة خليلُ وكلُّ أخٍ يقول أنا وفيٌّ ... ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خلٍّ له حَسَبٌ ودين ... فذاك لما يقول هو الفعول وقال مشيراً إلى أن الشباب محفوف بالأهواء، وناصحاً بعدم إطالته في كل أمر: إنَّ شرخ الشباب والشَّعَر الأسـ ... ـودَ مالم يعاص كان جنونا وقال يحذر من عاقبة اتخاذ وسائل الكيد للنفوس المقبلة على شأنها: وكم حافرٍ حفرةً لامرئ ... سيصرعه البغيُ فيما احتفر وقد تؤخذ الحكمة مما يقوله في الفخر؛ كقوله في بذل المال صيانة للعرض: أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض بالمال أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال وربما أخذت الحكمة مما يقوله في المهاجاة؛ كقوله مشيراً إلى أن عاقبة الجبن والهرب من مواقع الدفاع ذل وهوان: كرهوا الموتَ فاستبيح حماهم ... وأقاموا فعل اللئيم الذليل أمن الموت يهربون فإن الـ ... ـموتَ موتُ النذال غير جميل ومما يدخل في قبيل الحكمة، ويدل على جودة تخيله لاصطيادها: قوله يصف القول المزخرف للغرور به: إني لأعجب من قولٍ غررت به ... حلوٍ يمد إليه السمع والبصرُ

стр. 3074

لو تسمع العصم من شم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر كالخمروالشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعمٌ ولاخبر وكالسراب شبيهاً بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا أثر لا ينبت العشب عن برق وراعدة ... غرّاء ليس له سيل ولا مطر وخلاصة البحث: أن الشعر الذي تنسبه الرواية إلى حسان، ويوافق الرواية فيه النقد والفكر، هو شعر بالغ في براعة النظم، وجودة صياغة المعاني المرتبة التي هي أقصى ما بلغه الشعراء في الجاهلية وصدر الإسلام.

стр. 3075

الخطابة عند العرب (١) * ما هي الخطابة ؟ يذكر المناطقة الخطابة فيقولون: هذا القياس من قبيل الخطابة، وليس ببرهان، والخطابة على هذا القصد: ضرب من ضروب القياس، وهي القياس المؤلَّف من أقوال مظنونة أو مقبولة، والأقوال المظنونة ما يؤخذ فيها بالمحتمل الراجح، والأقوال المقبولة ما تُتلقى ممن يُعتقد صدقه، وسداد رأيه. ومثال الخطابة المؤلَّفة من أقوال مظنونة: أن تشير إلى أمة غربية أو شرقية، وتقول: هذه الأمة تساس بإرادتها؛ لأن لها مجلسًا نيابيًا ينظر في شؤونها، وهذا الاستدلال يرجع إلى الخطابة القائمة على أقوال مظنونة؛ إذ الشأن في الأمم ذات المجالس النيابية أن تكون مسوسة بإرادتها, ولا يبلغ هذا الاستدلال أن يكون قاطعًا إذ من الجائز - ولو على بعد - أن تجول عند انتخاب الأعضاء ريح ضاغطة، فلا يجري الانتخاب على وجهه الصحيح. ومثال الخطابة المؤلفة من أقوال مقبولة: أن تقول لمن يتخبطه الغضب حين يُنقد قوله: لا تستنكف من أن يُردّ عليك رأيك، فقد قال الخليفة المأمون:

стр. 3076

إن العلم على المناقشة أثبت منه على المتابعة. أو تقول لمن يبلى بسلطة جاهل: لا تطع من يأمرك بغير هدى، فقد قال أبو بكر الصديق ﵁: فإذا عصيتُ الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم. ومقابل الخطابة أربعة فنون: أحدها: البرهان، وهو القياس المؤلَّف من أقوال يقينية؛ كأن تقول: تونس مملكة غير مستقلة؛ لأنه يقيم في ثكناتها، ويقبض على زمام أمرها رجال فرنسيون. وإنما كان هذا القياس برهانًا؛ لأن العقل لا يستطيع أن يتصور لأمة استقلالاً إلا أن يكون لرجالها الرأي النافذ، والكلمة العليا. ثانيها: الجدل، وهو القياس المؤلف من أقوال مشهورة مسلَّمة بين الناس، أو أقوال يسلمها المخاطب، ولو لم تكن في نفسها صادقة. ومثال ما كان مؤلفًا من أقوال مشهورة مسلَّمة بين الناس: أن تشير إلى قوانين أو محاكم ترفع الأقوياء على المستضعفين درجة أو درجات، وتقول: هذه القوانين قبيحة الوضع، أو هذه المحاكم قبيحة الهيئة؛ لأنها لا تقوم على أساس المساواة بين الناس. وهذا الاستدلال يرجع إلى أقوال عرفها الناس، وتعاقدوا على صحتها، وهي أن عدم المساواة بين الناس ظلم، وأن قبح الظلم شديد. ومثال القياس المؤلف من أقوال يسلمها المخاطب، ولم تكن في نفسها صادقة: أن تحاور من لا يعرف الحق والباطل، أو الضار والنافع، وإنما يعرف الجديد والقديم، فتقول له: الخمر غير لائقة؛ لأن أحدث قانون وضع لها في البلاد الغربية يمنع من تناولها. وهذا القياس يعتمد على قول يسلمه مخاطبك الذي يدور مع الجديد أينما دار، وهو أن كل شيء يوضع له قانون جديد يمنع من تناوله فهو غير لائق. ولو قلت: الخمر غير لائقة؛ لأن علماء الاجتماع

стр. 3077

بأمريكا قرروا أنها قذى في عين المدنية، وعثرة في سبيل العمران، كان قياسك هذا من قبيل الخطابة. ثالثها: الشعر، وهو القياس المؤلف من أقوال خيالية، ومثال هذا: أن يزيِّن لك الرجلالخمول والقعود عن الناس في ناحية، فيقول: الخمول أهنأ حياة، وأقرب إلى السلامة من الظهورة فإن عواصف الرياح تحطم الأشجار الشامخة برؤوسهالأولا تمس الشجر القريب من الأرض بسوء. وإنما كان هذا القياس شعراً؛ لأنه لم يزد على أن خيّل إليك الظاهر بالعمل مع الجماعة في صورة ما تصرعه الرياح العاصفة، حتى تاخذك روعة، وتسل يدل من يدهم نفورأوفزعاً. ويمكنك أن تعارض هذا الخيال بخيال مثله، فتقول: الظهور خير من الخمول؛ فإن الثعالب تدوس النبات القريب من الأرض بأرجلها، ولا تصل إلى الأشجار الشامخة إلا أن ترمقها باعينها. وقد يجتمع في القياس الواحد الشعر والخطابة، ومثال هذا أن تقول: علِّموا البنات تحت ظلال الصيانة والحياءة فإنهن من البنين بمنزلة أعجاز القصيدة من صدورهالأولا يحسن في القصيدة الواحدة أن تكون صدورها محكمة، وأعجازها ضعيفة متخاذلة. وهذا القياس من جهة ما فيه من تخييل شعر، ومن جهة ما يضعه في الثفس من إقناع خطابة. وهذا النوع من الاستدلال هو ما يسميه الباحثون في فلسفة الأدب بالتمثيل الخطابي. رابعها: السفسطة، وهي القياس المؤلف من أقوال لم تستوف شرائط الإنتاج، ومثاله: أن يقول من في قلبه مرض: إن نبذ اَداب الدين تطوّر من تطورات العصر، وتطورات العصر لا تأتي مقاومتها بشيء. وإنما كان هذا القياس من نوع السفسطة؛ لأن التطورات التي لا تقاوم إنما هي التطورات الناشئة

стр. 3078

عن سنن كونية ثابتة، أو التطورات التي يأتيها الناس برجاحة عقل، وسلامة ذوق، أما التطورات الحادثة عن أهواء أو جهالة، فهي التي تجيء الشرائع، وتؤلف الكتب، وتلقى الخطب لمحاربتها، وتطهير الأرض من أرجاسها، وإن لبسها الرؤساء ومن في الأرض جميعاً. ولعل بعض السادة الحاضرين يلاحظون أنا سقنا أمثلة الخطابة وما يقابلها من فنون القياس على غير الطريقة المعروفة في درس القوانين المنطقية، فلم نقل - مثلاً -: تونس مملكة شرقية يقبض على زمامها رجال فرنسيون، وكل مملكة شرقية يقبض على زمامها رجال فرنسيون فهي غير مستقلة، النتيجة تونس غير مستقلة. وعذرنا فيما سلكنا: أن هذه المقاييس لا ترد في المخاطبات التي تراعى فيها قوانين البلاغة إلا محذوفة إحدى المقدمتين، أو النتيجة؛ أي: محذوفة ما تدل عليه قوة الكلام تفصياً من وصمتي التكرار والإطالة لغير جدوى. ويراد من الخطابة: القوة الصانعة للأقوال المقنعة. وعلى هذه البابة رسمها أرسطو، فقال: هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة. ومعنى هذا: أن الخطابة قوة يطيق صاحبها إقناع المخاطبين في كل شيء يدعي أنه غرض صحيح، والإقناع تقوية الظن، وهو ما تعتمد عليه صناعة الخطابة. وإنما وصف الإقناع بالإمكان، فقال: "تتكلف الإقناع الممكن"؛ لأن شأن هذه الصناعة إعداد النفوس لعمل الإقناع، وإن لم تبلغ غايتها القصوى.

стр. 3079

وكذلك الشأن في سائر الصناعات؛ فإنها تُعِدّ النفس لعمل خاص. ثم إن الناس يكونون فيها على درجات متفاوتة متفاضلة. وإنما قال: "في كل واحد من الأشياء المفردة"؛ لأن الخطابة تتناول كل العلوم والفنون، ويسوغ لها أن تدخل في كل شيء، صغيرًا كان أو كبيراً، معقولاً كان أو محسوساً. ومن هنا قال الباحثون في شؤونها: يلزم الخطيب أن يكون ملمًّا بالعلوم والفنون ما استطاع، وأن يسعى دائبًا إلى أن يزداد في كل يوم علماً. أما الخطابة في لسان الأدباءِ والبلغاء، فهي إلقاء الكلام المنثور, سجعاً أو مرسلاً؛ لاستمالة السامعين إلى رأي، أو ترغيبهم في عمل، وهذا ما يريدونه عندما يذكرون الخطابة، ويقولون: فلان يقوم على الخطابة أكثر مما يقوم على الكتابة. والخطابة عند هؤلاء - وإن كانت تعتمد على الأقوال المظنونة أو المقبولة - قد يدخل فيها ما يسمى عند المناطقة: برهانًا، قال صاحب "المناهج الأدبية": والأقوال الصادقة يقينًا لا تقع في الخطابة من حيث إنها خطابة، فإن ألمَّ بها الخطيب، فقد عدل بالخطابة عن أصلها. وربما أتى الخطيب على أقوال مموهة؛ أي: ذات جمل تشبه ما يكون صادقاً، وليست في نفسها صادقة، أو ذات هيئة تشبه ما يكون صحيحاً، وليست في نفسها بصحيحة، قال مالك ابن دينار: رأيت الحجّاج يتكلم على منبره، ويذكر حسن صنيعه لأهل العراق، وسوء صنيعهم له، حتى إنه صادق مظلوم. * شرف الخطابة: تشرف العلوم والصنائع بمقدار ما تشرف غاياتها. وللخطابة غاية ذات

стр. 3080

شأن خطير، وهي إرشاد الناس إلى الحقائق، وتشويقهم إلى ما ينفعهم في هذه الحياة وفي تلك الحياة. والخطابة معدودة في وسائل السيادة والزعامة، سمع الإِمام علي بن أبي طالب زيادًا يخطب - وكان زياد لا يدعي يومئذ لأبي سفيان -,فقال: لو كان هذا الفتى قرشياً، لساق العرب بعصاه. وكانوا يعدونها شرطاً للإمارة، ألا ترون إلى عبد الله بن زياد - وكان خطيباً على لكنة في لسانه - كيف يقول: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البرد، والتشرُّف للخطب. وقد عني الإِسلام بالخطابة إذ شرعها في أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج، شرع الخطابة وما شرعها إلا ليتولاها ذو نباهة وعلم وبلاغة. يتولاها ذو نباهة؛ ليكون بصيراً بما يطرأ على نظام الجماعة من خلل، وبما ينصبه أعداؤها من مكايد، وبما يبيته منافقوها من تضليل. يتولاها ذو علم حتى يفرق بين المعروف والمنكر، ويميز الأوهام من الحقائق، ويكون إرشاده مملوءاً بالمواعظ الحسنة، والحكم السامية. يتولاها ذو بلاغة؛ ليختار من أساليب البيان ما تألفه الأذواق، وتنفتح له الصدور. وكذلك كانت الخطابة يوم كانت اللغة في حياتها الزاهرة، وكان الخطباء كما ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. ففي الخطابة شرف عظيم، وشرفها في أن يكون القائم عليها نبيهاً عالماً بليغاً. قد يبلغ الخطيب بحذقه في فنون البيان أن يريك الباطل في صورة الحق، ويخيل إليك الشقاء سعادة. وهذا لا يزري بقدر الخطابة، وإن هي إلا ككثير من وسائل الخير التي قد يذهب بها بعض الناس في غير مذهبها، ويصفها فيما ليس من شأنها، ومثلها في هذا مثل السيف تهزه يد العدل لتضرب به الباطل

стр. 3081

مرة، ويهزه الباطل ليسطو به على الحق مرة أُخرى. * ماذا تفعل الخطابة ؟ الخطيب البارع يقف في الجند المتباطئ، ويصف له ما يناله الأبطال من عزة يوم يعيشون، أو سعادة يوم يموتون، فينقلب التردد عزماً صارماً، والإحجام هجوماً رائعاً. الخطيب البارع يقف في الجماعة الخاملة، فيهزّ قلوبها هزاً، فإذا هي ناهضة من خمولها، عاملة لإعلاء ذكرها، مقتحمة كلّ عقبة تقوم في طريقها. الخطيب البارع يقف بين قوم نشؤوا في بيئة مغبَّرة جهلاً وعماية، أو تلقتهم دعاة الغواية قبل أن تألف الحق بصائرهم، ويشتد في العلم ساعدهم، فلا يبرح يعرض عليهم سبل الهداية في استوائها ونقائها، فإذا هم الرجال المصلحون، أو الزعماء الناصحون. الخطيب البارع يقف بين طائفتين استعرت بينهما نار العداوة، ولم يبق بينهم وبين أن يصبح لون الأرض أحمر قانياً إلا شبر أو ذراع، فيذكرهم بعواقب التدابر، وينذرهم مصارع التقاتل، فإذا القلوب راجعة إلى ائتلافها، والسيوف عائدة إلى أغمادها. والشعراء يقرنون الخطابة بالسيف؛ لتشابههما في إعلاء كلمة الحق، وحمل النفوس الجامحة على أن تعود إلى السكينة والنظام، وهذا أحد الشعراء يسمي فعل السيف خطبة، فيقول: السيف أصدق من زياد خطبة ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا وآخر يسمي نفسه يوم يطعن بالسيف خطيباً، فيقول: إذا لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي في يوم الوغى لخطيب

стр. 3082

وربَّ كلمة يلقيها الخطيب، فتنفذ في قلب السامع، وينتفع بها في سيرته ما دام حياً. قال الحسن: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجّاج، فقيل له: وإن كلام الحجاج ليقذك؟ فقال: نعم، سمعته على هذه الأعواد يقول: إن أمرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له، لحري أن تطول عليه حسرته. ولشدة وقع الخطب في نفوس الملأ ترى الرئيس المستبد ينظر إلى الخطباء الأذكياء بعين عابسة، يحذر من أن يحوموا حول سيرته، ويقنعوا الناس بأن لا طاعة لمن يضطهد ولا ينصح في تدبير شؤونهم. * أطوار الخطابة: كان للعرب في الجاهلية خطابة أدبية، ولكنهم كانوا يقدمون الشاعر على الخطيب من جهة أن الشعر أعلق بالأذهان، وأسرع تقلبًا في البلاد، فهو أرفع صوتاً بمفاخرهم، وأكثر إذاعة لمثالب أعدائهم. وتقديم العرب للشاعر على الكاتب، داقبالهم على حفظ الشعر أكثر من إقبالهم على حفظ الخطب، كان السبب في قلة ما وصل إلينا من خطبهم في الجاهلية. والخطب التي يمكننا أن نستخلص منها صورة الخطابة في ذلك العهد، هي هذه الخطب التي تؤثر في كتب الأدب والتاريخ؛ كخطب وفود العرب عند كسرى، ثم هذه الخطب المروية في كتب السيرة النبوية لزعماء العرب الذين يفدون على رسول الله ﷺ ، مبدأ اعتناقهم للإسلام. والنظر إلى جملة هذه الخطب يجعلنا على ثقة من أن الخطابة قبل كانت بهذه المنزلة المناسبة لأمة هي إلى البداوة أقرب منها إلى الحضارة، ولكنها كانت ذات ذكاء وحسن تصرف في فنون البيان. وهذه الخطب تمثل الخطابة في عهد الجاهلية، سواء علينا أكانت مأثورة

стр. 3083

على نحو الواقع، أم وصلت أثارة منها إلى أيدي الرواة، وأضاف إليها بعضهم جملاً تحاكيها في أسلوبها وطرز تفكيرها. ولا وجه لإنكار أن يكون في العرب قبل الإسلام خطابة ممتازة؛ فإن الخطابة أثر انفعالات تنشأ عن حوادث تمس الجماعات، ولم تخل حال العرب من حوادث على هذا النحو؛ فقد كانوا مطبوعين على التفاخر بخصال السؤدد؛ كإباءة الضيم، وحماية الجار، وعلى التفاخر بمجد الآباء والعشيرة والقبيلة، فتثور بينهم لهذه الطبيعة محاورات شديدة، وجدال عنيف، وكانت الحروب بينهم لا تكاد تضع أوزارها، وكانت لهم بعد هذا مجامع ينشرون فيها مصنوعات قرائحهم؛ ليباهوا بما فيها من بلاغة وحكمة. وإذا كان في لغة القوم بلاغة، وفي نفوسهم طموح إلى السيادة، وفي ألسنتهم قوة على الجدل وشدة في المحاورة، وفي أيمانهم سيوف تتجافى عن أغمادها، وفي بلادهم أسواق بضاعتها ما تبتدعه القرائح، فما الذي يمنعهم من أن يلدوا خطباء يقرعون الأسماع بذكر مفاخرهم، ويثيرون العواطف إلى الدفاع عن أعراضهم وأنفسهم وأموالهم؟ طلع الإسلام بشأنه الخطير، فاتسع مجال الخطابة، واشتدت البواعث على ركوب منابرها، ومن أهم هذه البواعث: الدعوة إلى هداية الإسلام، والتحريض على الوقوف في وجه خصومه بعزم وطيد، وإقدام حكيم، ويضاف إلى هذا: أن من أسباب إجادتها وإبداعها: ما بهرهم به القرآن ومنطق رسول الله ﷺ من بلاغة القول، وروعة الأسلوب. وقد تنفس صدر الإسلام برجال سبقوا في حلبة الخطابة، حتى أصبح الخطباء لذلك العهد يقدمون على الشعراء، ويرفعون فوقهم درجات، خصوصاً

стр. 3084

عندما انحط الشعر بالإسراف في المديح، والإقذاع في الهجاء، والإغراق في التشبيب، وفي المديح المفرط مَلَق، وفي الهجاء المقذع دناءة. وأقل ما يدل عليه الإسراف في التشبيب: أن صاحبه لا يرجى لمقامات الجد، ولا يصلح لأن تناط به جلائل الأعمال. واستمرت الخطابة لأول عهد الدولة العباسية بمنزلتها التي بلغتها في صدر الإسلام، ومن بلغاء الخطباء في هذا العهد: أبو جعفر المنصور، والمأمون ابن الرشيد، وجعفر بن يحيى، وشبيب بن شيبة. ولما اختلط العرب بالعجم، وأصبح الموالي يتقلدون إمارة الجيوش وولاية الأعمال، ساءت حال الخطابة العربية، فاغبرَّ وجهها، وبلي ثوبها، وتضاءل على المنابر صوتها. وفي هذا العهد قامت سوق السجع، واندفع يستولي على النثر كتابة وخطابة. وإذا كان في بعض الخطب المنسوجة على منوال السجع فصاحة ورونق؛ كخطب ابن نباته، فإن كثيراً منها لم يكسبه السجع إلا سماجة وثقلاً. والتزام السجع -كما يقول ابن خلدون- ناشئ من القصور عن إعطاء الكلام حقه في مطابقة مقتضى الحال. عندما سقطت بغداد في أيدي التتار، وصارت الدولة إلى أيدي أمراء لا يعنيهم شأن العربية، انحطت اللغة إلى درك سافل، وظلت الخطابة بعد هذا مقصورة على أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج، وموقوفة على مواعظ محدودة، بعد أن كانت تخوض الإرشاد إلى وسائل العزة، ووجوه الإصلاح. وما برحت الخطابة في موقفها حتى أقبل عهد الخديوي إسماعيل باشا، واهتزت في مصر حركة اجتماعية سياسية، فنشطت الخطابة من عقالها، بل بُعثت من مرقدها، وتخلصت من قيود السجع، فأتت من الآثار ما تقرؤون

стр. 3085

اليوم وما تسمعون. * أسباب ارتقاء الخطابة: إذا اعتبرنا بأطوار الخطابة عند العرب، نجد الخطابة أخذت ترتقي في ثلاثة أحوال: في أواخر عهد الجاهلية، في صدر الإسلام، في صدر نهضتنا الحاضرة. نأخذ من الحالة الأولى: أن من أسباب رقي الخطابة - بعد فصاحة اللغة -: حياة الأمة في بيئة حرة، وشعورها بأنها ذات سؤدد وفخار، وكثرة ترددها على حروب تدافع فيها عن أعراضها ونفوسها وأموالها. ونأخذ من الحالة الثانية: أن من أسباب رقي الخطابة: اعتناق الأمة ديناً تحملها الغيرة والعاطفة على أن تبث نصائحه وتجاهر في سبيله بما تملك من قوة. ونأخذ من الحالة الثالثة: أن من أسباب رقي الخطابة: شعور الأمة بالحاجة إلى أن تأخذ الحالة الاجتماعية السياسية هيئة غير هيئتها، وتسلك سيرة أقوم وأهدى من سيرتها. * تعلم الخطابة: قد يدرس علوم الأدب - بما فيها من علمي العروض والقوافي - من لا يدري كيف يصنع شعراً مستقيم الوزن، سليم القافية، وقد يدرس علوم الأدب -بما فيها من علوم البلاغة- من لا يستطيع أن يكتب خطابًا يُسيغه الذوق الصحيح. كذلك الرجل قد يدرس قوانين الخطابة، ويضيف إليها التضلع من علوم اللغة وآدابها، ثم لا يكون له بعد هذا في الخطابة العملية جزء مقسوم.
следующие страницы →