← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

أخرى حتى بلغ المنزلة التي ظهر بها شعر هؤلاء الإسلاميين. ومما لا يحسن النزاع فيه أن يكون لأولئك الشعراء أسماء معروفة لدى قبائلهم وغير قبائلهم؛ إذ لا يقف شعر الشاعر البليغ عند حدود قبيلته، بل الشأن أن يتجاوزها إلى قبائل أخرى، فيسير الشعرُ، ولا يكاد اسم قائله يتأخر عنه إلا قليلاً. ومن الثابت أن العرب في الجاهلية كانوا يفرغون عنايتهم في حفظ الأشعار وإنشادها، ويرفعون مقام الشاعر إلى ما ليس بعده مرتقى. وهذا ما يقتضي أن يبقى من قصائد أولئك الشعراء ومقطوعاتهم مقدار تحفظه الرواة، وتتناقله عنهم الناس؛ حرصاً على ما فيه من حكمة وبلاغة. وإذا كان للجاهلية شعر، وكان لشعرائهم أسماء، وكانت عناية العرب بالشعر تستدعي حفظه وتداوله على ألسنة الرواة طبقة بعد أخرى، لم يبق إلا النظر في نسبة الشعر إلى شعراء بأعينهم، وفي مبلغ الثقة بهذه النسبة، وذلك ما نخوض في بحثه عندما يقع المؤلف في الحديث عنه. يدّعي المؤلف أن هاهنا فريقاً يقال لهم: أنصار القديم، وعزا إليهم مذهباً قال عليه: إنه رسم للأدب دائرة، وحجر على الباحث مجاوزتها. ونحن لا ندري ما هذا المذهب، ومن هؤلاء الأنصار، ولا نفهم إلا أن الرهط الذي وضع يده في يد المؤلف عرف أن بيانه يضيق عن قضاء ما في نفسه من مآرب، فالتجأ إلى اختراع ألقاب يحسبها كافية في استدراج أبناء الشرق إلى تلك المآرب، فقال: "قديم"، و"جديد"، و"أنصار القديم"، و"أنصار الجديد"، حتى سمّوا الداعي إلى العفاف: "رجعيا"، وسمّوا الخلاعة: "تجدداً".

стр. 3397

* التوسع في البحث وحريته: قال المؤلف في (ص ٣): "فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف، وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت، فلنوازن بينهم، ولنرجح رواية على رواية، ولنؤثر ضبطاً على ضبط، ولنقل: أصاب البصريون، وأخطأ الكوفيون، ووفق المبرّد، ولم يوفق ثعلب. ولنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد؛ وهذا مذهب أنصار القديم، وهو المذهب الذائع في مصر، وهو المذهب الرسمي أيضاً، ومضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومناهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف". لا نعرف في الأدب مذهباً يضع الباحث في قيد، فللمؤلف أن لا يقف عند ترجيح رواية على رواية، وإيثار ضبط على ضبط، والحكم للبصريين على الكوفيين، والانتصار للمبرد على ثعلب، وله أن يقول: كلتا الروايتين مصطنعة، وكلا الضبطين تحريف، والبصريون والكوفيون جميعاً في عماية، والمبرّد وثعلب كلاهما محروم من التوفيق، وله أن يقطع الصلة بين كل شعر وقائله، وأن ينفي الشعراء قاطبة من الأرض، وليس عليه إلا أن يأتي البحث من طرقه المعقولة، ولا ينسى حكمة القرآن في قوله: [وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] [يوسف: ٧٦]. وأكاد لا أثق بأن المؤلف يعتقد بوجود مذهب أدبي ينكر التوسع في البحث إلى ما يستطيع العالم التحرير، ولا أراه إلا أنه صمم على أن يتنحّى عن الأدب في بعض المواضع، ويقضي مأرب الطعن في الإسلام. وحيث عرف أن المؤمنين يأبون أن يسمعوا صوت الجاهل على دينهم، رأى أن يحمي تلك الأقوال اللاذعة بما ينادي به في طالع كتابه من أن في الأدب

стр. 3398

مذهباً لا يرضى عن حرية الفكر، وأن لهذا المذهب أنصاراً ينظرون إلى كل بحث جديد نظراً شزراً، حتى إذا لقي كتابه من أولي العلم حذراً، أمكنه أن يخيل للناس أن المحترسين منه إنما ينتصرون لمذهب الأدب القديم ... * لباب الأدب وموضوعه: قال المؤلف في (ص ٤): "ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور، ويحاول أن يدخل فيه شيئاً من الترتيب والتنظيم، فذلك كله عناية بالقشور والأشكال، لا يمس اللباب ولا الموضوع". يخال قرّاء هذه الجملة أن المؤلف سيقيم الشاهد بهذا الكتاب على أن سبيل الكاتبين في آداب اللغة قبله لا يمر إلا بالقشور والأشكال، وأنه هو الذي غاص في البحث حتى مسَّ اللباب والموضوع، فيقرؤون الكتاب بقلوب مستبشرة، وأذهان متيقظة، فإذا هو ينتقل من حديث استعاره من كتب ادعى عليها أنها لم تعدُ القشور والأشكال، أو من كتب حسب أن بينها وبين أدباء الشرق حجاباً مستوراً، إلى حديث انفلت عن شرائط الإنتاج، إلى نفي خبر الصادق نفياً ما له به من سلطان، وفي خلال هذا وذاك مُكاء على أنصار القديم، وتصدية لأحلاف الجديد. ذلك ما يسميه المؤلف: لباب الأدب وموضوعه، وهنالك انقلب رأس الأدب على عقبه. * باب البحث الأدبي ما يزال مفتوحاً: قال المؤلف في (ص ٤): "هم لم يغيروا في الأدب شيئاً، وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئاً، وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء، وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه،

стр. 3399

والمتكلمون في الكلام". من الحقائق ما لا يسعى إليه الباحث إلا على مسالك الظنون، ولا يجد السبيل إلى أخذه بما فوق الاحتمال الراجح، وأكثر مباحث تاريخ الأدب من هذا القبيل، فتغيير الأدب على معنى البحث في نسبة قصيدة أو بيت إلى شاعر، لا يزال بابه مفتوحاً على مصراعيه، وأما تغييره بقلب رأسه على عقبه، فإن الأقلام التي يمكنها أن تعمل في سبيله لم تنبت بعد. فلسنا ممن يدعي أن في مؤلفات الأدب تبياناً لكل شيء، أو يبرئها من أن تكبو في بعض المباحث، أو تنطوي بعض رواياتها على دَخَل، فذلك ما لا يستطاع الخلاص منه، وهذا صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي" على الرغم من قبضه على منهج "ديكارت"، ونعيه الاطمئنان إلى ما يقوله القدماء، قد اطمأن في كثير من هذا النحو الجديد من البحث إلى ما يرويه صاحب "الأغاني" وغيره، وسنريك أن في تلك الروايات ما لا يقبله إلا ذو عاطفة ثائرة. * اللذة في اعتناق الحكمة: تحدث المؤلف عن أنصار الجديد، ووصف الطريق أمامهم بأنها معوجة ملتوية ذات عقبات لا تكاد تحصى. وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث. ثم قال في (ص ٥): "ذلك لأنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان؛ فقد خلق الله لهم عقولاً تجد في الشك لذة، وفي القلق والاضطراب رضاً. وهم لا يريدون أن يخطوا في الأدب خطوة حتى يتبينوا موضعها، وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم،

стр. 3400

أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف". البحث في الرأي أو الرواية دأب كل عالم نقّاد، وما البحث إلا أثر الشك في صحة الرأي، أو صدق الرواية، والشك قد يكون ذريعة للعلم، وقد ينحدر بصاحبه في جهالة، وربما تلجلج فيه القلب، فلا يجد متقدماً عنه ولا متأخراً. والأول محمود العاقبة، والثاني والثالث لا خير فيهما، والأنواع الثلاثة حرج في الصدر، وعنت للضمير، وهيهات أن تجد النفوس في واحد منها لذة؛ إذ لا لذة إلا في اعتناق الحكمة. قد نغمض للمؤلف في زعمه أن في الشك لذة؛ أو نحمل كلمته على أنها ضرب من الشعر؛ فقد يعمد الخيال إلى معنى يختص بحقيقة، وينقله إلى بعض وسائلها. ولا نكتمه أننا منذ الآن لا نعدّه في أنصار الجديد؛ لأن هذه النعوت التي شرح بها حالهم لا تنطبق على سيرته في البحث، فأنصار الجديد لا يكادون يمضون إلا في أناة ورَيْث، وهو لا يكاد يمضي إلا في عجل واندفاع، كأنه لا يحس بأن الطريق أمامه معوجة ملتوية ذات عقبات لا تكاد تحصى، وأنصار الجديد لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان، وهو لا يعثر في رواية تخدش سيرة رجل من عظماء الشرق، أو ترمي أحداً بزيغ العقيدة، إلا قبض عليها بكلتا يديه، وآمن بها إيماناً جامداً، ولو رواها مسيلمة عن فاختة!. * الشك .. خفته وشدته: قال المؤلف في (ص ٥): "هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك، ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئناناً".

стр. 3401

نسي المؤلف ميزة أنصار الجديد الذين "لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث"، فيمر في البحث على عجل، ويخطو فيه الخطوة قبل أن يتبين موضعها. من مبلغٌ "ديكارت" عن أنصار مذهبه أن "أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئناناً"؟!. إن المؤلف ينساب في مبالغات يغبطه عليها الشعراء، ولا أدري كيف يخف شك الباحث في الأمر حيث يرى القدماء على شيء من التردد فيه، ويشتد شكه حين يجدهم على ثقة منه، واطمئنان له؟! من المحتمل أن تكون ثقتهم بالأمر نازلة في نظر الباحث منزلة العدم، فتكون حال شكه عندها مساوية لحال شكه عند ترددهم في الأمر، أو إهمالهم النظر فيه، وليس من المعقول أن تكون ثقتهم واطمئنانهم للأمر علة لإثارة شك فوق الشك الذي يجده عند ترددهم في الأمر، أو انصراف أذهانهم عنه. * مسألة الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص ٥): "هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي، فيتجاهلون إجماع القدماء على ما أجمعوا عليه، ويتساءلون: أهناك شعر جاهلي؟ فإن كان هناك شعر جاهلي، فما السبيل إلى معرفته؟ وما هو؟ وما مقداره؟ وبم يمتاز من غيره؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة، وإلى جهود الجماعات العلمية، لا إلى جهود الأفراد". لأنصار الجديد أن يتجاهلوا ما أجمع عليه القدماء، أو يتساءلوا عن أنباء الشعر الجاهلي حتى يصوغوا من حلقات أسئلتهم سلسلة لا يأتي النظر على آخرها. ولا باع في الأسئلة؛ فإنها معان يقرب مأخذها، وألفاظ يسهل النطق بها، وإنما فضل الكاتب أن يتفقه في المسائل، ويمتعك بالجواب عنها

стр. 3402

حتى تطمئن وترضى. ونحن لم نر المؤلف -وهو اللهج بالمذهب الجديد- قد حل شيئاً من هذه الأسئلة، ما خلا السؤال الأول، وهو قولهم: أهناك شعر جاهلي؟ فإنه حرر في بعض الفصول الآتية أن للجاهلية شعراً يُتلى، ولم يبحث في سائر المسائل، فيرينا السبيل إلى معرفة الشعر الجاهلي، أو يشرح حقيقته، أو يفصل مقداره، أو يأتي على مميزاته. وكأنه رأى الطريق دونها ملتوية، فأنكر هذا الشعر الجاهلي حتى لا يجهد نفسه في حل هذه الأسئلة ويشقى ... * عناية القدماء بشؤون العرب: قال المؤلف في (ص ٥): "هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة، وعاربة ومستعربة، ولا أولئك من جرهم، وهؤلاء من ولد إسماعيل، ولا أن امرأ القيس، وطرفة، وابن كلثوم قالوا هذه المطولات، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك، ويرون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين، أم مخطئين؟ ". عني القدماء بشؤون العرب، وذهبوا بالبحث عنها في كل ناحية، فإذا القرآن يلقي شيئاً من أنبائهم، والقائمون على الأخبار يتناقلون الحديث عن أنسابهم، وبعض وقائعهم، ووعاة الأدب يحملون قسماً من منظومهم ومنثورهم، فأخذوا ما تلقوه وهم على بينة من مصادره المتفاوتة المراتب، فأنزلوا هذه المصادر فيما يليق بها من يقين أو ظن، أو شكّ أو وَضْع، ولشدَّ ما سردوا أسانيدهم وفتحوا بصرك في طرق روايتهم، ووقفوا بك على منتهى علمهم، ولم يكتموك وجوه نقدهم. فمن الميسور عليك أن تعرف أن هذا يوثق به في التاريخ واللغة، وذاك يعوّل عليه في اللغة دون التاريخ، والآخر

стр. 3403

لا يقضي في التاريخ ولا علوم اللغة وطراً. وإنكار انقسام العرب إلى بائدة وياقية، وعاربة مستعربة، مما عثر عليه المؤلف فيإ ذيل مقالة في الإسلام"، وستسمع كلام الذيل، وبحث الباقية والبائدة، والعاربة والمستعربة في فصل غير بعيد. * الثورات الفكرية: قال المؤلف في (ص ٦): "والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر، فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر، وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقيناً، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه". الثورات الفكرية من الحوادث التي عرفها التاريخ في أطواره، وقد أرانا ثوّاراً راشدين، وآخرين مبطلين، فداعي الأمة الغاوية إلى حكمة قائمٌ بثورة فكرية، ومخاتل النفوس الغافلة ليجعل مكان رشدها غيّاً عاملٌ على ثورة فكرية. وإذا كانت الثورة الفكرية تحسن تارة، وتسيء تارة أخرى، وجب أن نتساءل عن الثورة التي يرمي إليها المؤلف: هل هي ثورة أدبية خالصة، أم هي ثورة تضع رأسها تحت راية الأدب، وتكُنّ في صدرها ما لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم؟. واحتفال المؤلف بالشك فيما يراه الناس يقيناً، وعدّه في جملة الغنائم التي يسوقها المذهب الجديد، يُشعر بأن الغرض صرف الناس عما يرونه يقيناً، ولو إلى الشك الذي لا يغني من العلم شيئا. * تغيير التاريخ: قال المؤلف في (ص ٦): "فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ، أو ما اتفق

стр. 3404

الناس على أنه تاريخ، وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها". من الجائز على الثقافة الجديدة أن تلد بشراً سوياً، فينتهي إلى تغيير التاريخ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ. وإذا كان مبلغها في ابتداع طريق البحث ما يمثله المؤلف في هذا الكتاب، رأينا أنفسنا مضطرين إلى اعتقاد أنها لم تبلغ أشدها، ولم يأن لها أن تلد ذلك البشر القدير على تغيير ما اتفق الناس على أنه تاريخ. أستغفر الله! لست ممن يقضي بحكم الفرد على الجماعة، فقصور يد المؤلف عن تغيير ما اتفق الناس على أنه تاريخ، لا يكفي شاهداً على أن تلك الثقافة مقضي عليها بالإفلاس، أو أن مذهبها مضروب على غير أساس، فإن كثيراً ممن درسوا القياس المنطقي لا يهتدون إلى تأليف أقيسة ذات مقدمات محكمة، ونتائج صادقة، ولعل المؤلف قتل المذهب الجديد خبرة، ولم يرزق القوة والحذق في تطبيقه. * الطعن والغمز: قال المؤلف في (ص ٦): "أحب أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أعلن إلى الناس ما أنتهي إليه بعد البحث والتفكير، ولا كره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني، أو سخطهم عليّ حين أعلن إليهم ما يحبون أو يكرهون". يعرف كل من قرأكتاب "في الشعر الجاهلي" أن ليس فيه ما يثير سخط الناس سوى ما كان طعناً في الإسلام صراحة أو غمزاً، وما عدا هذا، إنما هو الخطأ، أو الشذوذ الذي اعتاد أهل العلم سماعه في طمأنينة، وتقويمه برفق وأناة، إذن فالآراء التي يقول المؤلف: إنه سيعلنها إلى الناس على

стр. 3405

الرغم من سخطهم، إنما هي آراء الطعن والغمز، وأما ما هو عائد إلى الأدب وتاريخه، فقد سبقه إليه أو إلى أمثاله كتّاب آخرون، ولم يروا أنفسهم في حاجة إلى التبجح باحتمال الأذى في سبيل إعلان الرأي، ولا إلى اتهام الناس بأنهم يسخطون لتحقيق المباحث الأدبية، ومن الناس من تلقّى مؤلفاتهم بالرضا، ومنهم من ناقشها في سكينة ونفَس مستريض. * الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين: قال المؤلف في (ص ٧): "وإذن، فلأعتمد على الله، ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتّاب، ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة، وشيء من الاحتياط كثير". كأني بالمؤلف يبتسم لقوله: فلأعتمد على الله، وكأني بك تبتسم لقوله: ولأحدثك في صدق وأمانة، ونحن نبتسم لقوله: ولأحدثك في صراحة، وادعائه أنه اجتنب طرق المهرة من الكتّاب حيث يدخلون على الناس ما لم يألفوا في رفق واحتياط، والواقع أنه سطا حول القرآن ومقام النبوة بلسان غليظ، وأبى قلمه أن يسلو حرفة الغمز، فسلك في كثير من المواضع طرق المهرة من الكتّاب في صوغ عبارات ظاهرها البحث في الشعر الجاهلي، وباطنها الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين، ولو صح أن تعصر هذه العبارات، لتقاطر من خلالها قذف فاحش، وفسوق كثير. * نظرية الشك في الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص ٧): "وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث: هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي، وألححت في الشك، أو قل:

стр. 3406

ألحَّ عليّ الشك، فأخذت أبحث وأفكر، وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقيناً، فهو قريب من اليقين، ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء". كان الدكتور (مرغليوث) قد ادعى أن الشعر الجاهلي مزوّر ومصنوع، وتعرض لهذا البحث في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية سنة ١٩١٦ م (ص ٣٩٧)، وفي مادة "محمد" من "دائرة معارف الأديان والعقائد"، وفي كتابه "محمد" المطبوع سنة ١٩٠٥ م (ص ٦). وممن تصدى للرد عليه السر (تشارلس جيمس ليل) في مقدمة ترجمة "المفضليات" المطبوعة سنة ١٩١٨ م. ثم عاد الدكتور (مرغليوث)، وكتب في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية الصادرة سنة ١٩٢٥ م مقالاً مسهباً أتى فيه على الشُّبه التي جرّت إلى نظرية الشك في الشعر الجاهلي، فابتدأه بقوله: "بدأ المسلمون في حوالي نهاية العصر الأموي يدّعون وجود شعر جاهلي عربي، ولم يكتفوا بذلك حتى زعموا أنهم جمعوا الجزء الأعظم منه". وأنهاه بقوله: "أما الجواب عن الشعر الجاهلي: هل هو يرجع إلى عهد عتيق، أو أنه إسلامي؟ فخير ما يسلك الإحجام عنه؛ لأن الأدلة الموجودة أمامنا موقعة في حيرة". فالمؤلف أغار على نظرية الشك في الشعر الجاهلي، ولم يفترق عن (مرغليوث) إلا في تسليمه بأن هناك شعراً جاهلياً، فأخذ أصل النظرية، وأقوى الشُّبه التي استند إليها (مرغليوث)، وجعل يقول لك: هو أني شككت في الشعر الجاهلي، ويداعبك بقوله: ألححت في الشك، أو قل: ألحّ علي الشك. والحديث في صدق وأمانة خير من هذه المداعبة.

стр. 3407

* توارد طه حسين ومرغليوث: قال المؤلف في (ص ٧): "إنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين، وميولهم، وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين". قال الدكتور مرغليوث بعد أن ساق من الشعر الجاهلي أمثلة تحتوي معاني دينية: "والحقيقة أن الدين الوحيد الذي كان هؤلاء الشعراء يدينون به إنما هو الإسلام". وقال في موضع آخر: "إن الشعراء لم يكونوا ألسنة الوثنية، بل كانوا مسلمين في كل شيء، وليسوا بجاهليين إلا اسماً". توارد المؤلف و (مرغليوث) على هذا المعنى، بيد أن المؤلف يفوق على الثاني بنكتة، وهي أنه سيقول: إن هذا الشعر الجاهلي يمثل الجهل والغباوة، والغلظة والخشونة، والعرب في الجاهلية كانوا أصحاب علم وذكاء وعواطف رقيقة، وقال هنا: إن هذه الأشعار إسلامية تمثل حياة المسلمين. إذاً تكون حياة العرب قبل الإسلام في نظر المؤلف أرقى من حياتهم بعد أن صاروا مسلمين. وليس لهذا معنى سوى أن المؤلف قد يمسخ الحقائق لا عن خلل في التفكير، ولا عن اندفاع مع العاطفة، وإنما يمسخها ليضحك القرّاء حتى لا يساموا. * ما بقي من الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص ٧): "وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي". سيعقد المؤلف فصولاً مطولة بزعم أنها مقدمات تنتج أن الشعر

стр. 3408

الجاهلي، أو كثرته المطلقة لا تمثل شيئاً، ولا تدل على شيء، وسنناقشه في تلك الفصول حتى لا يبقى بيده سوى أن في الشعر الجاهلي تزويراً، وهو ما لا يختلف فيه القديم والجديد، أما أن يكون التزوير قد استحوذ على الشعر الجاهلي بأسره، أو أتى على الكثرة المطلقة؛ بحيث يكون الصحيح قليلاً جداً لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، فدعوى لا تتكئ على رواية، ولا يقوم بجانبها برهان. * مس شعور الأمة المسلمة: قال المؤلف في (ص ٧): "وأن أقدّر النتائج الخطرة لهذه النظرية، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها". ليس لهذه النظرية من نتائج خطرة لو أن المؤلف تحدث عن نشأتها، وأتى على الوجوه التي لفتت نظر (مرغليوث) إليها، ثم إن شاء زاد عليها ما يراه مؤكداً لها، أو منقحاً لبعض أطرافها. والدليل على أن النظرية في نفسها لا تأتي بنتائج خطرة: أن إنكار الناس لم يتوجه إلى أصلها، وإنما هو إنكار هاجته أقواله المقتضبة لمسِّ شعور الأمة المسلمة، ونوع آخر من الإنكار أثاره في نفوس بعض الكتّاب أن رأوا المؤلف يضع يده على نظرية لم يهبها له مخترعها. * إنكاره شعر امرئ القيس: قال المؤلف في (ص ٧): "ولا أضعف أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء: أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء". يقول المؤلف هنا: إن ما يقرأ على أنه شعر لهؤلاء الشعراء الذين من

стр. 3409

جملتهم امرؤ القيس ليس منهم في شيء، ثم تمضي في الكتاب إلى أن يدخل بك في الحديث عن امرئ القيس، فإذا هو يقول: "إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء"، فلا تدري: أهو ينكر شعر امرئ القيس برمته؛ كما هو الظاهر من قوله هنا: إن ما تقرؤه على أنه شعر لامرئ القيس ليس منه في شيء، أو هو ينكر أكثره فقط على ما يصرح به قوله فيما بعد: "إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ليس منه في شيء"؟ وستقف فيما تقرؤه من فصل: (الشعر الجاهلي واللغة) على ما يحكم بأن المؤلف ابتلي بالتناقض في شعر امرئ القيس، حكماً مسمَّطاً. * جواب على سؤال: قال المؤلف في (ص ٨): "وستسألني: كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة؟ ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤالي، بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه، ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل". صور المؤلف شخصاً ماثلاً بين يديه، وأنطقه بسؤال لا يخطر إلا على بال النائم عن الحركة الأدبية، ونشأة نظرية الشك في الشعر الجاهلي نوماً عميقاً، ثم جعل إجابته المقنعة في أن يتحدث إليه في طائفة مختلفة من المسائل. وقد تحدث بعد تلك الفقرة عن هذه الطائفة المختلفة من المسائل في نحو صحيفة، وهي ملخص المباحث المعقود عليها كتابه، وقد فاته أن يذكر أعظم وسيلة ابتغاها إلى هذه النظرية الخطرة، وهي إلمامه بمقالتي (مرغليوث) وما دار بينه وبين خصومه من المناقشة.

стр. 3410

* اليهودية والمسيحية في بلاد العرب: انبرى المؤلف في إجابتك المقنعة، وطفق يحدثك ببعض ما يحشره في الفصول الآتية من مباحث. حتى قال في (ص ٨): "ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإِسلام وبعده، وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة، ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية، وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة". تفهم من هذه الفقرات أن المؤلف سيتحدث عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام، ولا تدري ماذا يريد أن يأتي في حديثه عنهم؛ لأنه أجمل في العبارة إجمالاً، وتفهم منها أنه سيتحدث عن المسيحية، وأن حديثه عنها من جهة انتشارها وتأثيرها في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، ولا تكاد تشك في أنه سيمشي في هذا البحث خطوات، إن لم تكن واسعة، فمقتصدة، وإذا بلغت في مطالعة الكتاب موضع الحديث عن اليهود والنصارى في بلاد العرب قبل الإسلام، وجدت الحديث عنهما متقارباً، فقد ذكر أن اليهود استعمروا جزءاً غير قليل من بلاد الحجاز، وأن اليهودية جاوزت الحجاز إلى اليمن، واستقرت حينا عند سراتها، وأنها استتبعت حركة اضطهاد للنصارى في نجران. ثم ذكر أن المسيحية انتشرت انتشاراً قوياً في بعض بلاد العرب فيما يلي الشام حيث كان المناذرة، وفي نجران من بلاد اليمن. وقال: "تغلغلت النصرانية إذن كما تغلغلت اليهودية

стр. 3411

في بلاد العرب". فلم يزد في حديثه على أن كلاً من اليهودية والمسيحية انتشرتا في جزء غير قليل من بلاد العرب، ولم يُرك كيف أثرت المسيحية في حياة العرب العقلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأدبية، حتى تدرك الوجه في إجماله عنوان الحديث عن اليهود، وتفصيله عنوان الحديث عن المسيحية. فالمؤلف إما أنه لا يلتفت إلى ما وراءه، ونسي ما وعدك به في هذه الفقرات من أنه سيحدثك عن تأثير المسيحية في بلاد العرب عقلياً واجتماعياً واقتصادياً وأدبياً، وإما أنه لم يهتد في ذلك إلى شواهد يسوقها على منهج (ديكرت)، وإما أن يكون له في الاحتفال بعنوان المسيحية مأرب لو شئت أن تسميه تملقاً لذي سلطان، لم تكن مخطئاً. * البحث الفني اللغوي: قال المؤلف في (ص ٩): "ولكني - مع ذلك - لن أقف عند هذه المباحث؛ لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي، بل جاوزتها، وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة، وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها. ذلك هو: البحث الفني واللغوي". يعترف المؤلف -على وجه الظن- بأن هذا البحث الفني اللغوي أقوى دلالة، وأنهض حجة على عدم إمكان أن يكون هذا الشعر المنسوب لامرئ القيس وغيره هو منهم في شيء، وسنريك أن هذا البحث الفني اللغوي أخذه برمته من مقال (مرغليوث). ولولا أن المؤلف يمضي في التعسف إلى غير أجل، لقصرنا المناقشة على هذا البحث الأقوى، وأريناه مصرعه؛ لعله يلوي على غيره من المباحث الضعيفة، فيفتل أعناقها من وراء ستار، ولكنه

стр. 3412

امرؤ لا يرمي الشبهة من يده، ولو أثخنتها الحجة الدامغة، فلا بد من أن نأتي على قويه وضعيفه حتى تشهد "هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل" أن المؤلف كئيراً ما يقوده الخيال أسراً، وتسيطر عليه العاطفة فلا يعصي لها أمراً. * الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن: قال المؤلف في (ص ٩): "وينتهي بنا البحث إلى نتيجة غريبة، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله". لم تكن هذه النتيجة غريبة إلا عند من يتناول البحث خطفاً، ولا يمشي فيه على روية وأناة، وقد أنكر بعض أهل العلم - فيما سلف - على من يتوقف من النحويين في تقرير ألفاظ القرآن على شاهد عربي، ومن هؤلاء: فخر الدين الرازي حيث يقول في "تفسيره الكبير": "إذا جوّزنا إثبات اللغة بشعر مجهول عن قائل مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم كان أولى، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول، فرحوا به. وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته كان أولى". وأنكر أبو محمد بن حزم على من لا يمضي في الاحتجاج بظاهر القرآن، فقال في كتاب "الفصل": "ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحطيئة، أو الطرمّاح، أو لأعرابي أسدي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم

стр. 3413

يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلاماً، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجّة، وجعل يصرفه عن وجهه". وسيأتي هذا البحث في فصل آخر، ونذكِّرك بالمواضع التي يحق للمفسّر أن يستشهد فيها بالشعر العربي جاهلياً وإسلامياً. * عدم رسوخ المؤلف في أصول اللغة: قال المؤلف في (ص ٩): "أريد أن أقول: إن هذه الأشعار لا تثبت شيئاً، ولا تدل على شيء، ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت وسيلة إليه من علم بالقرآن والحديث، فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعاً؛ ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه". ادعى المؤلف آنفاً أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية ليس منهم في شيء، وقال: إن البحث سينتهي به إلى أن هذا الشعر لا ينبغي أن يستشهد به على تفسير القرآن وتأويل الحديث، واتسع في الكلام حتى قال في هذا الموضع: إن تلك الأشعار لا تثبت شيئاً، ولا تدل على شيء، ونفى أن يتخذ وسيلة إلى علم القرآن والحديث، وعلل هذا بأنها اخترعت ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه. اندفاع المؤلف في البحث على هذا النحو المتخاذل ناشئ عن عدم الرسوخ في أصول اللغة من جهة، وعدم أخذ البحث بضبط وانتباه من جهة أخرى. سيذكر المؤلف أن لانتحال الشعر الجاهلي أسباباً غير التعصب للدين؛ مثل: السياسة، والقومية، والتعصب للقبيلة. والانتحال للاستشهاد على

стр. 3414

تفسير القرآن وتأويل الحديث إنما هو ضرب من التعصب للدين. فلماذا يُنفى عن الشعر المنتحل للسياسة أو القومية، أو التعصب للقبيلة، أو لغرض ديني غير الاستشهاد في علم القرآن والحديث، أن يثبت شيئاً، أو يدل على شيء؟!. إن الشعر الذي يصطنعه عربي يحتج بكلامه لما يستشهد به في علوم اللغة، وتقرير أصولها وأحكامها، ومثل هذا: أن المؤلف سيلقي على الفرزدق تهمة اصطناع أبيات من معلقة امرئ القيس، والفرزدق ممن يصح الاستشهاد بشعره في المسائل اللغوية. فمن المعقول والمنقول صحة التمسك بمثل تلك الأبيات في تحقيق عبارة لغوية، وإن فاتها أن تدل على شيء من حياة امرئ القيس ونزعته الأدبية، بل يصح الاستشهاد بها في تفسير القرآن وتأويل الحديث؛ حيث لم تنتحل من أجل هذا الاستشهاد، وستجد مزيداً على هذا البحث حيث تدعو إليه مناسبة أخرى.

стр. 3415

منهج البحث * الخروج عن الأدب والطعن في الإسلام: قال المؤلف في (ص ١١): "أحب أن أكون واضحاً جلياً، وأن أقول للناس ما أريد أن أقول لهم دون أن اضطرهم إلى أن يتأولوا، أو يتمحلوا، ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير، والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها". شق المؤلف للقراء عن صدره، وأراهم ما فيه من نية الخروج عن الأدب إلى الطعن في الإسلام، وقد عرف أن من الصراحة ما لا يجد في النفوس منفذاً، فجنح في كثير من المواضع إلى استعمال الجمل التاريخية أو الأدبية في قضاء مآرب الدعاية، ونشر فيها روح التنكر للحق، لكيما تسلك هذه الروح في قلوب المستضعفين من الناس، وتبقي بها أثراً، دون أن يشعروا بما ينويه المؤلف في نشرها. فالمؤلف قد اضطر الناس -بما يبثه في كتابه من أرواح غير طيبة- إلى أن ينتقدوا ويكشفوا عن الأغراض التي يرمي إليها، ولو احتملوا هذا اللون من التعب، وحملوا عليه وزر الرد والدفع والمناقشة. * منهج ديكارت: قال المصنف في (ص ١١): لا أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج

стр. 3416

الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث". من المتحزبين لمنهج ديكارت "من استخرج منه نتائج على هوى ذوقه، وبنى عليه مذاهب بعيدة عنه مثل: (مالبرنش) و (سبينوزا)، و (فردلا)، ومنهم من اقتصر على التمسك بأفكار (ديكرت)، والاعتماد على نظامه؛ ليحاموا عن الحقيقة الدينية والأدبية؛ مثل: (أرنود)، و (بوصويه)، و (فنلون)، وبعضهم اتخذه عثرة في سبيل العقائد مثل: (بايل) " (١). وإذا سبق لأناس أن أشربوا حب منهج (ديكارت)، واستخرجوا منه نتائج على هوى أذواقهم، أو اتخذوه عثرة في سبيل العقائد، وجب علينا ألا ننخدع لما وعد به المؤلف من أنه سيصطنع هذا المنهج الفلسفي، وحق علينا أن نحترس من أن يتبع خطوات (سبينوزا)، فيفرغ لنا نتائج في قالب شهواته، أو يقتدي على آثار (بايل)، فيمد في طريق العقائد الصحيحة أسلاكاً شائكة. * تجرد الباحث من كل علم سابق: قال المؤلف في (ص ١١): "والناس جميعاً يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي: أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً". إذا كان منهج (ديكارت) يرجع إلى أن الشك أساس الفلسفة وتعرّف الحقائق، وألّا يسلم بشيء إلا بعد أن يفحصه العقل، فإن هذا المنهج ليس

стр. 3417

بالغريب عند علماء الشرق، فالذين يدخلون في المباحث النظرية لا يستعملون إلا عقولهم غير قليل، وممن صرح بهذا المسلك: أبو حامد الغزالي حيث قال في "المنقذ من الضلال": "إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب وكثرة الفرق، بحر عميق، غرق فيه الأكثرون ... ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر ... وأتفحص عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة؛ لأميز بين محق ومبطل، ومستن ومبتدع .. وقد كان العطش إلى درك الحقائق دأبي وديدني ... وحتى انحلت رابطة التقليد وانكسرت عني العقائد الموروثة". وقد أفصح عن مثله الفيلسوف ابن خلدون، وحث على العمل عليه في التاريخ بوجه خاص حين قال في "مقدمته": "فهو (التاريخ) محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط".

стр. 3418

وقال فيها أيضاً (١): "فإذاً يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعباً لأسباب كل حادث، واقفاً على أصول كل خبر. حينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها، وجرى على مقتضاها، كان صحيحاً، وإلا، زيفه، واستغنى عنه". ولا بدع أن ينبت الشرق رجالاً لا يستقبلون المطالب العلمية إلا بعقولهم، فإن من يتلو القرآن - ولو بغير تدبر - يعرف أن من مقاصد الإسلام: بعث العقول من مراقد الخمول، وتحريرها من أسر التقليد، فتراه يدعو بالبرهان وبيان الحكمة، غير مقتصر على الموعظة والمعجزات المشهودة، ويطالب ذوي الآراء المبتدعة بالحجة، ويذم كل من قلد في عقيدة ما له بها من سلطان. والآيات المتضافرة في هذا المعنى قد نفخت في العقول روح التفكير، وانطلقت بها تخوض في كل علم، وتبحث في كل واقعة. فالمذهب الذي يرى للباحث أن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه، لا يسخط

стр. 3419

عليه رجل الدين الذي كان بالعقل حفياً، ورفع العلم والحكمة مكاناً علياً، وإنما يزدرون الكاتب يحسب أن تصور هذا المذهب يكفي وسيلة إلى التهجم على كل علم، فيمشي في غير سبيل، ويدلج بغير دليل، ثم يزعم بملء فمه أنه أحاط بما لم يحط به أحد من قبله. * حرية البحث والاستقصاء في الأدب العربي القديم: قال المؤلف في (ص ١٢): "فلنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه، وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل، وخلصنا من هذه الأغلال الكثيرة الثقيلة التي تأخذ بأيدينا وأرجلنا ورؤوسنا، فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة، وتحول بيننا وبين الحركة العقلية الحرة أيضاً". ليس في الأدب العربي أغلال تشد على طلابه، فتحول بينهم وبين حركاتهم الحرة، جسمية كانت أو عقلية، وطالما تناولته أنظار ذهبت في البحث كل مذهب، فأماطت عن طريقه أذى كثيراً، ثم أبقت باب النقد من ورائها مفتوحاً على مصراعيه، فمن ساعده قانون البحث على طرح قسم آخر من حسابه، بسطوا له وجهاً رحباً، ونسجت له ألسنتهم الصادقة شكراً خالداً. فللمؤلف أن يحرك جسمه وعقله كيف يشاء، وله أن يتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء، وله أن يستقبلهما بعد أن يبرئ نفسه من كل ما قيل فيهما من قبل، وما عليه إلا أن يعلم أن للبحث في العلوم قوانين لا يسع "ديكارت" إلا أن يؤمن بها، وأن من وراء جدران الجامعة المصرية أقلاماً تغار على الحقيقة أكثر من غيرته على الشك فيما يراه الناس حقاً.

стр. 3420

* نسيان القومية والدين: قال المؤلف في (ص ١٢): "يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتنا، وننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية وما يضاد هذا الدين. يجب ألا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح". قال المتنبي: عجباً له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها فنقد هذا البيت عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز" حيث قال: كان ينبغي أن يقول: ما حفظ الأشياء من عاداتها؛ لأن المعنى على أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة، وإضافته الحفظ إلى ضميرها في قوله: "ما حفظها الأشياء" يقتضي أن يكون قد أثبت لها حفظاً. فنقول على هذا المثال: كان ينبغي للمؤلف أن يقول: وننسى الأديان؛ لأنه يريد أن يضع في أذهان القراء أنه أصبح عن الدين في ناحية، والإِضافة في قوله: "ديننا" تقتضي أن يكون قد أثبت لنفسه ديناً. ولا نتجاوز هذا إلى نقد الإضافة في قوله: "قوميتنا"؛ لأنا لا نريد نقد المؤلف، وإنما نريد نقد كتاب "في الشعر الجاهلي". * محاباة وإرضاء العواطف المضادة للدين: قال المؤلف في (ص ١٢): "ذلك أننا إذا لم ننس قوميتنا وديننا، وما يتصل بهما، فسنضطر إلى المحاباة، دارضاء هذه العواطف". لو نسي المؤلف قوميته ودينه، لما تطوح في البعد عن الحقائق إلى

стр. 3421

هذه الغاية، ولكنه ربط قلبه بعواطف تضاد هذه القومية وهذا الدين، فاضطر إلى محاباتها وإرضائها، وستناجيك الفصول الآتية بسطوة هاتيك العواطف، وما نفشت فيه من أدب وتاريخ. * العلم لا يعترض حقائق الدين: قال المؤلف في (ص ١٢): "وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟ ". للقدماء عواطف دينية، وأخرى قومية، وقد تأخذ عاطفة العقيدة أو القومية من خف وزنه، فيقول ما ليس بحق، أما الذين أوتوا العلم الراسخ والاستقامة، فإن الذي يتقصى أثرهم بذكاء وإنصاف يقف على أنهم كانوا يطلقون أعنة النظر في كل بحث، ويأخذون أنفسهم بالأدلة من محسوس أو معقول. وهذه مؤلفاتهم في العلوم النظرية من إلهيات وكونيات، أو في العلوم السمعية من شرعيات وأدبيات، تشهد بأنهم كانوا في حرية الفكر والتحري في الرواية بالمنزلة التي تجعلهم أساتذة العالم ونجوم هدايته. كانوا يستقبلون البحث بعقولهم، ولم يروا أنفسهم في حاجة إلى التجرد من دينهم؛ لأن حقائقه الناطقة لا يعترضها العلم في كبير أو صغير، ولو فرضنا أن إتقان البحث يتوقف على التجرد من الدين، وصنعوا ما صنع المؤلف عند أخذه في هذا النحو الجديد من البحث، لعادت بهم أحلامهم الراجحة إلى لباس التقوى، ولم يرزأهم العلم من دينهم شيئاً، ولم يرزأهم دينهم من العلم نقيراً.

стр. 3422

* التعصب للحقيقة: قال المؤلف في (ص ١٢): "كان القدماء عرباً يتعصبون للعرب، أو كانوا عجماً يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد؛ لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم، فأسرفوا على أنفسهم، وعلى العلم؛ لأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم، فأسرفوا على أنفسهم، وعلى العلم أيضاً". خذ مثلاً من الأمثلة التي يضربها المؤلف للدلالة على أن عاطفته استولت على قلمه، وإذا ظهرت العاطفة على القلم، فلا تسمع إلا غلواً في القول، وجحوداً لكثير من الحقائق. هل رأيت كاتباً شرقياً أو غربياً، بقي على دينه أو تجرد منه، احتفظ بقوميته أو تبرأ منها، يساعده قلمه وقد تصدى لبحث علمي أن يقول: كان القدماء عرباً يتعصبون للعرب، أو كانوا عجماً يتعصبون على العرب، ألا يقوى عقله أمام هذه العاطفة على أن يزحزح القلم قليلاً، ولو إلى أن يقول: كان من القدماء عرب، وكان منهم عجم. في القدماء عرب يتعصبون للحقيقة أكثر مما يتعصبون لقوميتهم، وفي القدماء عجم يتعصبون على الزور والبهتان أكثر مما يتعصبون على العرب، وهذان الفريقان لم يسرفوا على أنفسهم أو على العلم، ولم يغلوا في تمجيد العرب، وما همّوا بتحقيرهم، وهم معظم من قاموا ببحث العلوم وتدوينها. ولسنا في حاجة إلى سرد أسماء هؤلاء، وبسط القول فيما قدموه للشرق من علم قيّم، وعمل صالح، إذ لا بد لهذه الطائفة المستنيرة من أن يدرسوا تاريخ سلفهم، ويدركوا مغزى الكلمات التي يصُبّها أمثال المؤلف في آذانهم.

стр. 3423

* دراسة القدماء من المسلمين للعلوم: قال المؤلف في (ص ١٢): "كان القدماء مخلصين في حب الإسلام، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه، ولم يعرضوا لمبحث علمي، ولا لفصل من فصول الأدب، أو لون من ألوان الفن إلا من حيث إنه يؤيد الإسلام ويعزه، ويعلي كلمته، فما لاءم مذهبهم هذا، أخذوه، وما نافره، انصرفوا عنه انصرافاً". درس القدماء من المسلمين علوماً شتى، ولم يتلقوها كما يتلقاها الإمَّعة من الرجال بمتابعة وتقليد، فخاضوا غمارها، وسابقوا واضعيها في الوقوف على أسرارها، وأبصروا فيها حقاً وباطلاً، ولم يقتصروا في علمهم بالحق حقاً على دليل موافقته للدين، ولا في معرفتهم للباطل باطلاً على دليل مخالفته له، بل كانوا يترسمون في ذلك منهج المنطق الصادق، ويقرعون الحجة النظرية بمثلها، وعدم ارتدادهم عن الإسلام لا يدل على أنهم أخضعوا له كل شيء، وإنما هو الدين القيم يخضع له الحق بنفسه، ولا يحوم الباطل في ناحيته. وأما العلوم الأدبية، فربما كان الباعث لهم على وضعها وتدوينها تمهيد الوسائل إلى فهم الكتاب والسنّة، ثم انطلقوا في فنونها إلى ما لا تمس إليه حاجة الإسلام في حال. وأخذها من حيث إنها تؤيد الإسلام وتعزّه وتعلي كلمته لا يستدعي تحريفها عن مواضعها، أو خلطها بما ليس من قبيلها؛ فإن في الحقائق المؤيدة للإسلام لغناء عن محاولة تأييده بالزور والانتحال. وعلى المؤلف حرج فيما رمز إليه بقوله: "لهذا الإسلام"؛ فإن الناس يعتقدون - وما اعتقدوا إلا حقاً - أن من خدم الإسلام خدم السياسة الرشيدة،

стр. 3424

والمدنية المبصرة، والإنسانية الكاملة. * المتعصبون على الإسلام: قال المؤلف في (ص ١٣): "أو كان القدماء غير مسلمين؛ يهوداً أو نصارى أو مجوساً أو ملحدين، أو مسلمين في قلوبهم مرض، وفي نفوسهم زيغ، فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر المسلمون الصادقون، تعصبوا على الإسلام، ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغضّ منه، والتصغير من شأنه، فظلموا أنفسهم، وظلموا الإسلام، وأفسدوا العلم، وجنوا على الأجيال المقبلة". العلوم إما عائدة إلى العقل، وما كان المسلمون ليقلدوا فيها يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو ملحداً أو مسلماً، ولو كان ناسكاً تقياً، وإما عائدة إلى الشرع، وهذه إما أن تكون رواية، والرواية لا يتلقونها إلا من مسلم بلوا سيرته، فكانت مظهر الصدق والعدالة، وإما أن تكون استنباطاً، والذين استنبطوا، وتقلد الجمهور مذاهبهم كانوا على ذكاء واستقامة؛ بحيث لا يدرج بينهم متعصب على الإسلام ينحو نحو الغفمنه والتصغير من شأنه. وقد وضعوا فوق هذا موازين يعرف بها صحيح الرواية من سقيمها، ويميز بها خالص الآراء من رديئها. وإما أن تكون أدباً أو تاريخاً، وهذه الفنون -وإن أخذ منهم نقدها وتمحيصها أقل مما أخذ من العلوم الشرعية- قد أقاموا لها معالم تهتدي بها الأجيال المقبلة، وتكفيهم شر أولئك المتعصبين، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن الجوزي قد نقدا صاحب "الأغاني" الذي يستمد منه المؤلف أدبه، وعلموا الأجيال المقبلة أنه لا يوثق بروايته، ولا يعول عليه في تحقيق علم أو تاريخ.

стр. 3425

ولا أحسب أمة يوجد فيها أمثال هؤلاء النبغاء، يروج بينها ما يضعه المتعصبون على الإسلام للتصغير من شأنه دون أن يجد ناقداً ومفنداً. * التفريق بين العقل والقلب: قال المؤلف في (ص ١٣): "ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلويهم، وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون، لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين، ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء، لتركوا لنا أدباً غير الأدب الذي نجده بين أيدينا، ولأراحونا من العناء الذي نتكلفه الآن". كأن لم يبق في المؤلف رمق من احترام التاريخ، فأخذ يتحدث عن القدماء في هذه النزعة المتناهية غلواً يشبه غلو اللعّانين في الأسواق! في القدماء من استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم، وفي المحدثين من تضاءلت عقولهم حتى تفانت تحت سلطان أهوائهم، ولكن المؤلف لا يصدق أن أحداً فرق بين قلبه وعقله حتى يخرج على الدين ولو في كل بحث مرة أو مرتين. وليس من الميسور أن تجادله بالتي هي أحسن ما دام قانعاً بأن كل من يعتنق ديناً قامت الآيات البينات على صحته، لم يضع بين عقله وقلبه حاجزاً، وأن من يسوق الشاهد من "الأغاني" ونحوه، دون أن يبحث في رواته، ويدري صحة طريقه، فذلك الذي جعل بين عقله وقلبه سداً لا تستطيع العاطفة أن تظهره، ولا تستطيع له نقباً. * لا تثريب على القدماء: قال المؤلف في (ص ١٣): "فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في

стр. 3426

حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم". حكى التاريخ أن أفراداً قصر في الفهم باعهم، أو قلَّ من أدب النفس نصيبهم، فأساؤوا التصرف في العلم لأهواء شتى، وشهد قبل هذا بأن الجهابذة من القدماء نظروا، فأحكموا النظر، ورووا، فصدقوا في الرواية، وأنهم تصدوا بأنفسهم إلى إصلاح ما يلحق العلم من آفة الاحتيال، أو سوء التأويل. فلا تثريب على القدماء، وإنما التثريب على تلك الفئة التي لا تخلو من أمثالها العصور، حتى العصر الذي أزبد فيه كتاب "في الشعر الجاهلي" وأرغى. * الغض من العرب والنعي على الإسلام: قال المؤلف في (ص ١٣): "ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا، وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوه. لنجتهد في أن ندرس الأدب غير حافلين بتمجيد العرب، أو الغض منهم، ولا مكترثين بنصر الإسلام، أو النعي عليه". يعد المؤلف قراء كتابه بأنه سيجتهد في ألا يتأثر كما تأثر القدماء، وفي ألا يفسد العلم كما أفسدوه، وقد خانه قلمه، ولم يستطع أن يجني لنا من حديثه المسهب ثمرة. قال المؤلف: إنه سيجتهد في درس الأدب غير حافل بتمجيد العرب، ولا مكترث بنصر الإسلام، وقد صدق القراء، وقال ما لا يخطر على قلوبهم سواه. وقال: إنه سيجتهد في درس الأدب غير حافل بالغض من العرب، ولا مكترث بالنعي على الإسلام، وهذه الجملة لا تكاد تلتقي مع الواقع؛ فإن المؤلف احتفل بالغض من العرب منذ خلعوا الجاهلية من أعناقهم،

стр. 3427

واكترث بالنعي على الإسلام، وألحف في هذا النعي حتى ركب من التعسف ما أفسد عليه علمه، وجعله يتشبث بقصص لا يسيغها المذهب الجديد. * الدين والعلم: قال المؤلف في (ص ١٤): "ولا معنيين بالملاءمة بينه ويين نتائج البحث العلمي والأدبي". يرمز المؤلف بهذا إلى ما يكتبه صراحة من أن الدين والعلم على خلاف، وهي كلمة يضاهي بها قول فئة تجادل بغير بينة، وتقضي على غير نظام. للعقل أحكام قاطعة، وهي ما تستند إلى يقينيات؛ كالمشاهدات والمتواترات، وللعقل أحكام غير قاطعة، وهي ما تستند إلى ظن، وقد رفع الله الظنون بعضها فوق بعض درجات، فمن الظن ما يقوى فيوشك أن يكون علماً، ومن الظن ما يضعف فيكون شكاً، وقوة الظن وضعفه يرجعان إلى تفاوت الأمارات والدلائل التي توجده وتربيه في النفس. وليس في قبيل العلم أو الظن الذي يكاد يكون علماً ما يعترض نصوص الدين في قليل أو كثير، وإذا وجد في الظنيات البعيدة عن حدود العلم ما يعترض قرآناً أو سنّة، آثرنا العمل على ما في القرآن والسنّة الثابتة، وتركنا أمثال هذه الظنون يموج بعضها في بعض، ويتقلب فيها أصحابها إلى يوم الفصل. وما تسميه هذه الفئة البائسة علماً، وتزعم أن الدين على خلافه، لا يخرج عن هذا الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً. ومن المكايد التي تنصبها هذه الفئة لاقتناص المستضعفين من الناس: أن يقولوا في غير خجل: إن الدين يتلقنه القلب، أما العلم فمورده العقل،

стр. 3428

والقلب غير العقل، ويمكن في زعمهم اطمئنان الإنسان إلى عقيدتين متناقضتين، يطمئن إلى إحداهما بقلبه؛ لأنها واردة من ناحية الدين، ويطمئن إلى أخراهما بعقله؛ لأنها انساقت إليه بالدلائل العلمية. ولا يلتبس على ذكي أو غبي أن مرمى حديثهم هذا إنما هو سلخ النفوس من كل ما أرشد إليه الدين من علوم إلهية أو أدبية أو اجتماعية. * عثرة في طريق العقائد: قال المؤلف في (ص ١٤): "فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد، فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء". وقع إلينا أن من مريدي (ديكارت) من توسل بمذهبه إلى استخراج نتائج على هوى ذوقه، ومنهم من اتخذه عثرة في طريق العقائد. ونزعة المؤلف ترمي إلى أنه يجري على هذا الأثر، ولا ينشد إلا هذه الغاية، وها هو ذا قد أسهب في كتابه ما شاء أن يسهب، ولم يضع يده على نتيجة، ما خلا عثرات يلقيها في سبيل العقائد، وأقوال يفصلها على قياس أهوائه، وموعدك بحث الفصول القادمة، وما أنت من بحث هذه الفصول ببعيد. * لا تصلح لمنهج ديكارت إلا البصيرة النافذة: قال المؤلف في (ص ١٤): "فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصباً في العلم والفلسفة والأدب فحسب، وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضاً". إن منهج (ديكارت) كمثل منطق (أرسطو) لا يخرج العقل من غسق الجهالة أو الحيرة إلى وضح اليقين أو الرجحان، وإنما يرسم خطة التفكير،

стр. 3429

والسير في هذه الخطة موكول إلى ذكاء الباحث وأمانته، فإذا كان عقل الباحث غير موزون، أو كان حظه من الإخلاص هضيماً، لا يروع الناس إلا أن يقول ما يستعيذ منه (ديكارت)، ويتهانف (١) منه الذين أوتوا الحكمة "الجديدة". وحسبك شاهداً على أن هذا المنهج لا تصلح له إلا البصيرة الخالصة النافذة: أن أحد دعاته، وهو (سبينوزا) قد ابتغاه وسيلة إلى نظرية "الحلول"، وهي نظرية ذاهبة في السخافة إلى مكان سحيق. * منهج ديكارت لا يحمي المؤلف من المناقشة: قال المؤلف في (ص ١٤): "وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرؤوا من القديم، ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء، حين يقرؤون العلم، أو يكتبون فيه، ألا يقرؤوا هذه الفصول. فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحراراً حقاً". إني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين يستطيعون أن ينقدوا الجديد، ويخلصوا من أغلال التقليد، حين يقرؤون العلم، أو يكتبون فيه، أن يقرؤوا تلك الفصول، فقد تفيدهم قراءتها؛ إذ يجدون فيها المثل الأجلى لتهافت الديكارتيين على ما يسميه المناطقة: تناقضاً أو تخيلاً. والوجه الذي يخرج منه مقلّدة هذا المنهج إلى ما يؤاخذهم عليه العلم، هو أن واضعه يجعل من أركانه عدم التسليم بشيء إلا أن يكون واضحاً لدى العقل، ومن هنا يمكن لغير المخلص، إنكار بعفالحقائق بزعم إبهامها،

стр. 3430

وعدم إيضاح أمرها، كما يمكنه تقرير شيء من الباطل بإيهام أنه فحصه، فكان حقيقة واضحة. فمنهج (ديكارت) لا يحمي المؤلف من أن يناقشه الأحرار حقاً، فيوضحوا حقيقة أنكرها، أو يفضحوا زوراً ادعى أنه حق لا غبار عليه.

стр. 3431

مرآة الحياة الجاهلية في القرآن لا في الشعر الجاهلي * دراسة الحياة الجاهلية: افتتح المؤلف هذا الفصل بمؤانسة الذين يكلفون بالأدب العربي القديم، فأخذ يؤامنهم من الخوف على الحياة الجاهلية، ويعدهم بأنه لا يقطع الطريق بينهم وبين هذه الحياة التي يجدون في درسها لذة علمية وفنية. ثم قال في (ص ١٥): "فأزعم أني سأستكشف لهم طريقاً جديدة واضحة، قصيرة سهلة، يصلون منها إلى هذه الحياة الجاهلية، أو بعبارة أصح: يصلون منها إلى حياة جاهلية لم يعرفوها، إلى حياة جاهلية قيمة مشرقة ممتعة، مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما ينسب إلى الشعراء الجاهليين". لا عجب أن يخيل إلى المؤلف أن الناس سيلاقون ذلك البحث بإعجاب وتقليد، ولا يلبثون أن يلتقطوا كل شعر جاهلي حواه كتاب لغة أو أدب، ويضربوا به ثبج هذا البحر، ولا عجب أن يرق لحال الذين يكلفون بالأدب العربي القديم، ويهدئ فزعهم على الحياة الجاهلية، بما يبادرهم به من أن كتابه لا ينوي محو أثرها وحرمانهم من التمتع بمشاهدتها. وإن تعجب، فعجب له يدعي في غير مزاح أنه استكشف للحياة الجاهلية طريقاً جديدة، ثم لا يكون منه إلا أن يذكر في بيان هذه الطريق الجديدة

стр. 3432

كتاب الله الذي درسه أولو حكمة لم يأت المؤلف حتى الآن بأثر قيم يجعله شيئاً مذكورًا في حسابهم. ماذا صنع علماء العربية، ومن أفرغ قريحته في تفسير القرآن منهم؟ ألم يتفقه أولئك الحكماء في معاني الكتاب العزيز؟! وهل كانت الحياة الجاهلية المقتبسة من القرآن غير المعاني التي يفصلها هؤلاء العلماء عند تفسير آية تحكي شيئاً من شؤون أولئك الجاهليين، أو ترد عليهم بعض أقوالهم؟. فعلماء الشرق درسوا الحياة الجاهلية فيما صح من أشعارهم، وفيما يقصه القرآن من أقوالهم وأفعالهم. نعم، هم لم يعرفوا الحياة الجاهلية في الصورة التي سيلفقها المؤلف، ولا يريدون أن يعرفوها إلا أن تنقلب عقولهم شهوات، وعلومهم شكوكاً وتخرصات. * القرآن لم يات مؤرخاً ولا مادحاً: قال المؤلف في (ص ١٥): "فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية، فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقاً أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن؛ فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي". احتوى القرآن نبذة من أنباء الجاهلية جاءت في سبيل النعي على بعض عقائدهم الضالة؛ كالشرك بالله، ومبتدعاتهم الخاسرة؛ كعبادة الأوثان، وعوائدهم الممقوتة؛ كوأد البنات، وآرائهم الجامدة؛ كقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وما جاء عنهم في هذا الصدد لا ينفي أن يكون فيهم ذكاء وبلاغة وحكمة

стр. 3433

وشيء من مكارم الأخلاق؛ لأن القرآن لم ينزل لتمجيدهم، أو ليكون مرآة لحياتهم، وإنما هو كتاب نزل لتقويم العقائد، وتهذيب الأخلاق، وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، وإماطة الأذى عن طريق الحياة الاجتماعية الراقية. وهذا يستدعي توجهه إلى ما في الأمم من نقص ليكمله، أو فساد ليصلحه، وهذا يقتضي ألا يعرج على ما يدل أو يشعر بشيء من محاسن العرب إلا قليلاً. فالمقتصر في تاريخ العرب قبل الإسلام على القرآن إنما يأخذ صورة خالية من تلك المزايا التي لم يهملها القرآن إنكاراً لها، وإنما سكت عنها؛ لأنه لم يأت مؤرخاً ولا مادحاً. فدعوى أن القرآن يمثل "حياة جاهلية قيمة مشرقة" إنما يهجم عليها من لا يدري أن للمباحث العلمية وقاراً ترتجف أمامة كل لاغية. * شعراء عصر النبوة: قال المؤلف في (ص ١٦): "وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه". الشعراء الذين شهدوا عصر النبوة أربع طوائف، منهم من كان يهجو النبي ﷺ ، أو يحثّ على محاربته، وهذه الطائفة صنفان: صنف استمر بحالته الجاهلية؛ كأبي عزة الجمحي، وصنف عاد إلى الإسلام؛ كعبد الله ابن الزبعرى. ومنهم من لم يسمع عنه شعر في هجاء النبي ﷺ ، أو الإغراء عليه، وهذه الطائفة صنفان أيضاً: صنف لبس هدى الإسلام؛ كحسان بن ثابت، وصنف لم يعرف له إسلام؛ كالأعشى ميمون بن قيس.

стр. 3434

وعبارة المؤلف صريحة في أنه يثق بشعر الذين جادلوا النبي ﷺ ، فتتناول الصنفين الأولين فقط، ومقتضى هذا: أنه يعتمد في حياة الجاهلية شعر أبي عزة الجمحي، وعبد الله بن الزبعرى، ولا يعتمد فيها شعر حسان والأعشى، وهذا من تعسفاته التي لا يجد لها القارئ رائحة ولا طعمًا. ثم إن درسه الحياة الجاهلية في شعر الذين جاؤوا بعد النبي ﷺ يقضي عليه بأن يدرسها في شعر المخضرمين؛ كحسان، ولبيد، والنابغة الجعدي، بالأحرى. ولعل كلمة: "وجادلوه" إنما زينتها له العاطفة، ودفعتها على حين غفلة من الفكر، فأخذت في الفقرة موقعاً لا يليق بها. * الحياة الجاهلية في الشعر الأموي: قال المؤلف في (ص ١٦): "وفي شعر هؤلاء الشعراء الذين جاؤوا بعده، ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام، بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية". من الشعر ما يشتمل على وصف أمر، أو حكاية واقعة، ومنه ما يعبّر عن معان في نفس الشاعر؛ كالحب والبغض، والسرور والحزن، والرغبة في الشيء والنفور منه. وله بعد هذا المعنى الذي تدل عليه الألفاظ بحسب وضعها معنى آخر يذهب إليه الناظر من طريق الاعتبار؛ كطرز تفكير الشاعر، ومبلغ جودة قريحته وقوة خياله، وسموّ بلاغته وآداب خطابه. وهذا القسم بسائر مدلولاته لا يستفاد من الشعر، إلا أن تكون نسبته لقائله صحيحة.

стр. 3435

وهنالك معنى ثالث، وهو أن الناظر في شعر كثير يعزى إلى شعراء أمة في عصر أو عصور، يمكنه أن يستفيد من مجموع هذه الأشعار معاني عامة، ويثبتها للأمة في جملتها، ومثَل هذا آداب خطابها، ومبلغ فصاحتها، وقوة تعقلها، وسعة تخيلها، وكيفية تنقلها من معنى إلى معنى، ومن غرض إلى غرض، إلى ما يشاكل هذا من تصرفها في الكلام بنحو الرقة والجزالة، والإيجاز والإطناب. وإذا كان الشعر الأموي إنما يمثل من حياة الجاهلية هذا المعنى الدائر حول آداب اللغة، فإن الشعر الذي ينسب للأعشى وزهير والنابغة وطرفة، ويدّعي المؤلف أو غيره انتحاله، يمثل هذا المعنى أيضاً بمقدار ما يمثله شعر الفرزدق وجرير، حيث كان مصطنعوه من شعراء العهد الأموي. * الشماخ عاصر النبي ﷺ ، ولم يجادله ! قال المؤلف في (ص ١٦): "فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي، أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي خازم". إذا جعل المؤلف موضوع كتابه البحث عن الشعر الجاهلي، فما خطبه يذكر الشماخ بن ضرار، وقد أدرك الإسلام، وشهد وقعة القادسية، وتوفي في غزوة موقان لعهد عثمان بن عفان ﵁؟. فإن كان عذر المؤلف في التعرض للشماخ أنه نشأ في الجاهلية، أفسد عليه هذا الاعتذار تصريحه بأنه يدرس الحياة الجاهلية في شعر الذين عاصروا النبي ﷺ وجادلوه، وشعر الشعراء الذين جاؤوا بعده، والشماخ عاصر النبي ﷺ ، ولكنه لم يجادله، ولا أحسب عدم مجادلته علة تقتضي رفع الثقة
следующие страницы →