أَحِنُّ إلى المَغْنى الأَنيسِ وأَيْنُقي ... تَجوبُ لِمَلْقاهُ الْقُرى والْفَيافِيا (١)
أَعِرْني جَناحاً فالمَسالِكُ وَعْرَةٌ ... وَأَخفافُ تلْكَ الْعِيسِ أَمْسَتْ دَوامِيا (٢)
أَعِرْني جَناحاً كَيْ أُلِمَّ بِجيرةٍ ... وشَمسٍ تَهادى في السَّماءِ كما هِيا
فَقالَ: أَعِشْتَ الدَّهْرَ في رأَسِ شاهِقٍ ... وَما زِلْتَ عَنْ مَجْلَى الحَضارَةِ نائِيا! (٣)
مِنَ الإِنسِ أَسْرابٌ تَطيرُ كأَنَّها ... بُروقٌ إذا مَرَّتْ تَشُقُّ الدَّياجِيا
فَكُنْ طائِراً لا يَسْتَعيرُ قَوادِماً ... -إذا رامَ مَغْنىً قاصِياً- أَوْ خَوافِيا (٤)
العُمر وعاء
عَهِدْتُكَ في الثَّقافَةِ عَبْقَرِيّا ... وَرَأْيُكَ يَكْشِفُ الأَمَدَ الْقَصِيّا (٥)
ونَفْسُكَ لا تُطيعُ هَوًى إذا ما ... غَزا الأَهْواءُ قَلْباً سَمْهَرِيّا (٦)
стр. 3376
عَلامَ صَمَدْتَ في وادٍ تلاقي ... عَلى جَنبَاتِهِ لَغْواً وَغَيَّا (١)
وآذاناً تَصامَمُ عَنْ رَشادٍ ... إذا هَزَّ الطُّغاةُ الْمَشْرَفِيّا (٢)
فَمَهْما اسْطَعْتَ مِنْ مَرْمَى فَعَرِّجْ ... عَلَيْهِ ولا تَني ما دُمْتَ حَيّا (٣)
فَعُمْرُ المَرْءِ في الدُّنْيا وِعاءٌ ... عَزيزٌ حينَ يَمْلَؤهُ حُلِيّا
وما حُلْيُ الحَياةِ سِوى صُنوفٍ ... مِنَ الحُسْنى حَلَتْ في العَيْنِ رِيّا (٤)
стр. 3377
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(١٤)
«نَقْضُ كِتَابِ فِي الشِّعْرِ الجَاهِلي»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 3378
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 3379
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
" نقض كتاب في الشعر الجاهلي" هذا الكتاب: أثر خالد من الآثار الرائعة للإمام الأكبر محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه -, أزاح به ستاراً من الزيف عن أغلاط علمية وتاريخية.
لقد ألقى طه حسين محاضرات "في الشعر الجاهلي" على طلاب كلية الآداب في الجامعة المصرية بالقاهرة، ثم جمع تلك المحاضرات في كتاب يقع في مئة وثلاث وثمانين صفحة، وأسماه: "في الشعر الجاهلي". فأهاج به الرأي العام الإسلامي منذ اللحظة الأولى لصدوره، فتناوله العلماء والكتاب والأدباء في شتى الأقطار الإسلامية بالرد والتفنيد، ووضعت عدة كتب في النقد، وقدمت عدة بلاغات إلى النيابة العمومية في مصر ضد مؤلف الكتاب.
ليس مهماً أن نذكر في هذه المقدمة تفصيل تلك الحادثة، وما رافقها من استقالة طه حسين من الجامعة بعد مصادرة الكتاب، وليس من غايتنا أن نسرد سرداً ما دار من مناقشات حادة بين الأنصار والخصوم؛ فقد أشبعتها أقلام المؤلفين بحثاً وتنقيباً. بل المهم عندنا أن كتاب "في الشعر الجاهلي" قد حكم عليه المسلمون بحكم قاطع، وقد نفذ ذلك الحكم في ميدان الحق.
стр. 3380
لقد نهج الإمام محمد الخضر حسين في كتابه أسلوباً رائعاً في النقض؛ حيث ينقل الفقرة أو الفقرات التي يريد نقدها بحروفها، وكما صدرت عن منشئها، ثم يورد النقض؛ مما يجعل الكتاب قائماً بنفسه، فيسهل على القارئ تحقيق البحث، وفهم ما تدور عليه المناقشة، وهو أسلوب نهجه في كل الردود التي كتبها.
ومن الجدير بالإشارة أن هذا الكتاب هو نقض لكتاب "في الشعر الجاهلي" المطبوع عام (١٣٤٢ هـ - ١٩٢٦ م) بمطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة. وأن أرقام الصفحات الواردة في النقض تعود إلى الطبعة المذكورة.
ولا بأس أن نورد ما ذكره العلامة محمد الفاضل بن عاشور من كبار علماء تونس في كثير من مجالس العلم والمحاضرات، ومما سمعته منه بالذات: أن الدكتور طه حسين أسر له في إحدى لقاءاته معه "أن رد الشيخ محمد الخضر حسين من أهم الردود، وأشدها حجة".
ومن الأمانة في العلم القول: إنني ارتأيت -وآمل أن أكون قد أصبت- وضع عناوين فرعية للبحوث التي تناولها الكتاب؛ تسهيلاً للقارئ، ولا سيما في حال رغبته الرجوع إلى نبذة معينة، أو فقرة من البحث محددة. وقد راعيت في انتقاء العنوان الفرعي أن يكون مستمداً من المادة ذاتها، بل - وزيادة في الحرص - أن يكون وارداً بنصه في السطور اللاحقة به.
وإتماماً للفائدة من هذا الكنز الزاخر، فقد أردفته بملحق موجز يتضمن الأعلام والأماكن التي وردت في الكتاب، ورتبتها حسب حروف المعجم. فإذا صادف القارئ أثناء المطالعة اسم علم أو مكان، فسيجد ترجمته في الملحق، وتحت الحرف الذي يبتدئ به الاسم.
стр. 3381
إن الكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" يعتبر بحق من المراجع الهامة لدراسة الأدب الجاهلي، فلا عجب أن يحظى بهذه المكانة العلمية المرموقة لدى أوساط الباحثين والمفكرين وطلاب العلم.
والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
стр. 3382
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية ابتدأت بطلوع كوكب الإسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث، وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى.
سادت هذه النهضة، وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب، ومن فروعها: نهضة أدبية لغوية جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على ساقها في أيام بني العباس.
أمسِكْ بيدك كتب التاريخ والأدب ملتمساً الحقيقة بذكاء موزون، وقلب سليم، فلا أحسبك تصدر عنها إلا بنفس مطمئنة لإِجلال أولئك الذين درسوا أدب اللغة، وخاضوا في فنونه، فأمتعوا البحث، وكانوا القدوة الحسنة في حسن التصرف وحكمة البيان.
تمتع الشرق بنهضته الاجتماعية والأدبية حقباً، ثم وقف التعليم عند غاية، وأخذ شأناً غير الشأن الذي تسمو به المدارك، وتنمو به نتائج العقول، فإذا غفوة تدبّ إلى جفون هذه الأمم، ولم تكد تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها.
هبَّ بعض أولي الحكمة منا يقلبون وجوههم في العلل التي مست أمم الشرق، فقعدت بهم سنين عدداً، وبعثوا أقلامهم من مراقدها تصف
стр. 3383
هذه العلل، وتنذر الناس موتة اليأس والجبن والخمول، وتلقي عليهم دروساً في أسباب الحياة ووسائل الخلاص.
التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مجد، والى من شبَّ في مهده من أعاظم الرجال. أخذ ينظر إلى ماضيه ليميز أبناؤه بين ما هو تراث آبائهم، وبين ما يقتبسونه من الغرب، وليشعروا بما كان لهم من مجد شامخ، فتأخذهم العزة إلى أن يضموا إلى التالد طريفاً، وليذكروا أنهم ذرية أولئك السراة، فلا يرضوا أن يكونوا للمستبدين عبيداً.
أنشأ أولو الأحلام الراجحة من الزعماء والكتّاب، يأخذون بما يظهر من جديد صالح، ولا ينكثون أيديهم من قديم نافع، فاستطاعوا بهذه الحكمة والروية أن يسلكوا قلوب الأمة في وحدة، ويخطوا بها إلى حياة العلم والحرية والاستقلال.
نظر إلى هذه النهضة الزاكية من لا يرغبون في تقدم هذه الأمم إلى خلاصها ولو خطوة، وعرفوا أن بايدي هذه الأمم كتاباً فيه نظم اجتماعية، وآيات تأخذ في شرط إيمانهم به ألاّ يلينوا لسلطة شأنها أن تسوسهم على غير أصوله، فما كان من هؤلاء القوم الذين يستحلون إرهاق الأمم، إلا أن يبتغوا الوسيلة إلى فتنة القلوب وصرفها عن احترام ذلك الكتاب، والغاية تقويض بناء هذه الوحدة السائرة بنا إلى حياة سامية، وعزّ لا يبلى.
فسقت طائفة عن أدب الإِسلام، وأرهفت أقلامها لتعمل على هذه الخطة الخاذلة، غير مبالية بسخط الأمة، ولا متحرجة مما سينطق به التاريخ من وضع يدها في يد خفية، لا شأن لها إلا نصب المكايد لأمة كان لها العزم النافذ، والكلمة العليا.
стр. 3384
تلهج هذه الطائفة باسم حرية الفكر، وهي لا تقصد إلا هذا الفن الذي أكبت عليه صباحها ومساءها، وهو النَّيل من هداية الإسلام، والغضّ من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. يكفي شاهداً على رياء هؤلاء الرهط: أنهم يقيمون مآتم يندبون فيها حرية الفكر، ثم ينصرفون ويقولون فيما يكتبون: للحكومة أن ترهق الشعب، وترغمه على ما تراه أمراً لائقاً. ولو سبق ظنك إلى أن مؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي" هو عينهم الناظرة، وسهمهم الذي يرمون به في مقاتل أمتهم الغافلة، لخليت بينك وبين هذا الظن؛ إذ ليس لي على هذه الظنون الغالبة من سبيل.
فالقلم الذي يناقش كتاب "في الشعر الجاهلي" إنما يطأ موطئأ يغيظ طائفة احتفلت بهذا الكتاب، وحسبته الطعنة القاضية على الإسلام وفضل العرب.
[وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا] [الأحزاب: ٢٥].
محمّد الخضر حسين
стр. 3385
محمّد الخضر حسين
سفكتْ دمي في الطرس أنملُ كاتبٍ ... وطوتني المبراة إلا ما ترى
ناضلتُ عن حق يحاول ذو هوى ... تصويره للناس شيئاً منكرا
لا تضربوا وجه الثرى ببقية ... مني كما تُرمى النواة وتزدرى
فخزانة الأستاذ تيمور ازدهت ... بحلى من العرفان تبهر منظرا
فأنا الشهيد وتلك جنات الهدى ... لا أبتغي بسوى ذراها مظهرا
"أبيات من ديوان "خواطر الحياة" للإمام قالها على لسان آخر قلم استعمله في تحرير الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي"، وأهديت بقيته إلى خزانة المرحوم أحمد تيمور باشا".
стр. 3386
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
هذا طرز من نقد كتاب "في الشعر الجاهلي" طريف، سيألفه الناس لهذا العهد، وسيألفه أبناء الأجيال القابلة من بعد، وأكاد أثق بأن الدكتور طه حسين سيلقاه ساخطاً عليه، وبأن فريقاً من أشياعه سيزورّون عنه ازوراراً، ولكني -على الرغم من سخط ذاك، وازورار هؤلاء- أريد أن أذيع هذا النقد؛ فرِضا الحقيقة خير من رضا الناكب عنها، وإقبال مريدها أجلّ من إقبال المظاهر عليها.
وقع تحت نظري هذا الكتاب، وكنت على خبرة من حذق مؤلفه في فن التهكم -ولو بالقمر إذا اتسق- والتشكيك -ولو في مطلع الشمس الضاربة بأشعتها في كل واد- فأخذت أقرؤه بنظر يزيح القشر عن لبابه، وينفذ من صريح اللفظ إلى لحن خطابه، وما نفضت يدي من مطالعة فصوله، حتى رأيتها شديدة الحاجة إلى قلم ينبه على علاّتها، ويرد كل بضاعة على مستحقيها. وما هو إلا أن ندبت القلم لقضاء هذا المأرب، وسِداد هذا العوز، فلم يتعاص عليّ.
وقد ارتأيت ألا أنقد فقرة أو فقرات إلا بعد أن أنقلها بحروفها، وأحكيها
стр. 3387
كما صدرت من منشئها، وإن كان موضع البحث يتوقف على جمل سلفت، ولم نتعرض لمناقشتها، أتينا بها في تلخيص ضابط للمعنى الذي لا يتهيأ فهم المناقشة إلا به، حتى يكون كتابنا هذا قائماً بنفسه، ويستقيم للقارئ أن يدخل في البحث وهو على استبانة من أمره.
يحتوي الكتاب المعروض للنقد ثلاثة كتب، ويحتوي كل كتاب طائفةً من الفصول. وقد أبقينا كتبه وفصوله على نسقها، فنضع الكتاب والفصل بموضعه، ثم نأخذ في فحص ما يدخل تحت عنوانه من فقرات.
وإنا لا نغمض لذلك الكتاب في مقال ينهبه، أو غمز في الإسلام يستعذبه؛ فإن وجدتنا نحاوره في نهب أو غمز، فإنا لم نخرج عن دائرة نقده، ولم نتجاوز حد الباحث عن مقتضيات لفظه، فإن كان في فمك ملام، فمُجَّه في سمعه، فهو الذي ألقى على سمعك نحواً من حديث قوم لا يتدبرون.
стр. 3388
الكِتابُ الأَوَّلُ
- تمهيد.
- منهج البحث.
- مرآة الحياة الجاهلية في القرآن لا في الشعر الجاهلي.
- الشعر الجاهلي واللغة.
- الشعر الجاهلي واللهجات.
تَمهيد
* قيمة البحث العلمي:
قال المؤلف في (ص ١): "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقاً آخر سيزورّون عنه ازوراراً. ولكني -على سخط أولئك، وازورار هؤلاء- أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح: أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة، وليس سراً ما تتحدث به إلى أكثر من مئتين".
جِدة النحو من البحث لا تكفي لإعلاء شأن التأليف، وإحرازه في نفوس القراء موقع القبول، وإنما يرجح وزن الكتاب بمقدار ما يتجلّى فيه من حكمة النظر، وصدق المقدمات، ووضوح النتيجة. ولو نعت المؤلف هذا البحث بكونه نافعاً أو صائباً، لقلنا: تخيله نافعاً أو صائباً، فجرى في نعته على حسب ما وقع إلى ظنه، ووجدنا لبراءته من تعمّد الزور مخرجاً، ولكنه وصفه بالجدّة، ولم يأل جهداً في الاغتباط بهذا الوصف حتى ضاق به القلم ذرعاً، وانزوت عنه نفوس القراء سآمة.
كنا نتمنى أن يهتدي المؤلف إلى نحو من البحث "لم يألفه الناس عندنا من قبل"، وقد أبت الليالي أن تسمح بهذه الأمنية، فلم يكن منه إلا أن أغار
стр. 3391
على كتب عربية، وأخرى غربية، فالتقط منها آراء وأقوالاً نظمها في خيوط من الشك والتخيل، وقال: "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد".
* إعجاب المؤلف ببحثه:
قال المؤلف في (ص ١): "ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعاً ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث، ونشره في هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخط، ولا مكترث بازورار المزورّ".
ينبئنا المؤلف بأنه قنع بنتائج هذا البحث، وأن هذه القناعة التي لا يعرف أنه شعر بمثلها هي التي دفعته إلى تقييد هذا البحث ونشره، غير حافل بسخط ساخط، ولا مكترث بازورار مزورّ، وننبئه بأن هشام ابن عمر الغوطي أنكر محاصرة عثمان وقتله (١)، وأن هشاماً وعبّاداً أنكرا وقعة الجمل، ومحاربة علي بن أبي طالب ﵁ لمن خالفه (٢)، وأطلقا ألسنتهما بهذا الإنكار، أو قيداه في الدفاتر غير حافلين بسخط ساخط، ولا مكترثين بازورار مزورّ. فإعجاب الرجل ببحثه، وإيمانه به إيماناً لا يعرف أنه شعر بمثله، لا يكسبان البحث ذرة من قوة، ولا يدنياه من الحقيقة فتيلاً.
стр. 3392
* الحجة وصدق اللهجة:
قال المؤلف في (ص ١): "وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث -وإن أسخط قوماً، وشق على آخرين-، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل، وقوام النهضة الحديثة، وذخر الأدب الجديد".
كم كتاب صنع ليطعن حقاً، وكم كتاب صنع ليمحو أدباً، ولا يعجز أحد من صانعي هذه الكتب أن يقول: وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوماً، فسيرضي هذه الطائفة المستنيرة. ويأتي في وصف هذه الطائفة على كل ما تحمله اللغة من ألقاب المديح والإِطراء، ولكن الذي يعجزه، ولا يهتدي إليه طريقاً: أن يصدق اطمئنانه، ويأخذ كتابه في نفوس الطائفة المستنيرة مأخذ الرضا؛ فإن هذه الطائفة إنما تقاد بزمام الحجة، وصدق اللهجة، لا بكلمات تحرّف عن مواضعها، وشُبه من الباطل تخرج في غير براقعها.
* وجوه البحث الأدبي:
ذكر المؤلف تناول الناس لمسألة القديم والجديد، وما اشتد فيها من اللجاج بينهم، ورأى أن المختصمين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها؛ لأنهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب من نثر وشعر، والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني والألفاظ التي يعبر بها الكاتب أو الشاعر عن عواطف نفسه، أو نتيجة عقله.
ثم قال في (ص ٢): "ولكن للمسألة وجهاً آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري، وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه".
стр. 3393
يذهب النظر في بحث الأدب إلى وجوه مختلفة، ومرجع هذه الوجوه إما إلى الألفاظ وتأليفها، وإما إلى المعاني وكيفية تصويرها، وإما إلى غرض غير اللفظ والمعنى، وهو البحث عن الأدب وتاريخ فنونه. وقد اعترف المؤلف بأن الناس تناولوا البحث في الغرضين الأولين، وزعم أنهم لم يتجاوزوهما إلى الغرض الثالث، وسيزعم أنه أول من خاض غماره، ونفض بالنقد غباره. والقائم على العلوم الأدبية يشهد بأن الناس لم يقصروا نظرهم على نقد الشعر من ناحية ألفاظه ومعانيه، بل تجاوزوهما إلى البحث في صلته بمن يعزى إليهم، وسيضطر المؤلف إلى نقل شيء من آثار بحثهم الذي قعدت به الظروف عن أن يتخطاه ويقول صواباً.
* البحث في علم المتقدمين:
قال المؤلف في (ص ٢): "نحن بين اثنين: إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث، والذي يتيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعي أو أصاب، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفَّق، واهتدى الكسائي أو ضلّ الطريق؛ وإِما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث. لقد أنسيت، فلست أريد أن أقول: البحث، وإنما أريد أن أقول: الشك، أريد ألا نقبل شيئاً مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبت، إن لم ينتهيا إلى اليقين، فقد ينتهيان إلى الرجحان".
ما برح الناس في القديم والحديث يبحثون في العلوم ما استطاعوا، ويقلبون أنظارهم في الفنون كيف أرادوا. وليس هناك خطة لا يلوي الباحث عنها، أو حدود لا يتجاوزها. وما على العلماء النقّاد إلا أن يكونوا لهؤلاء
стр. 3394
الكتّاب بالمرصاد، ويعرضوا أقوالهم على قانون العلم الصحيح، فإما أن يرجح وزنها، فيرفعوا لها ذكراً، وإما أن يطيش وزنها، فينسفوها بالحجج الرائعة نسفاً.
فللمؤلف وغير المؤلف أن يقول: أخطأ الأصمعي، ولم يوفَّق أبو عبيدة، وضلَّ الكسائي. وله أن يضع علم المتقدمين كله موضع البحث أو الشك، على شرط أن يتحرى في بحثه أو شكه أدباً يشهد بأنه ينشد حقيقة، ويسعى وراء علم. وستفضي إليك الفصول الآتية أن المؤلف حريص على إرضاء عاطفته، ولو ذهب الأدب والمنطق إلى غير لقاء.
* البحث العلمي بين مذهبي المناقشة والنقد:
قال المؤلف في (ص ٣): "المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء، ولا يناله بتغيير ولا تبديل، ولا يمسه في جملته وتفصيله إلا مساً رفيقاً. أما المذهب الثاني، فيقلب العلم رأساً على عقب. وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئاً كثيراً".
هما مذهبان: مذهب المتابعة، أو المناقشة في دائرة ضيقة، وهي ما سماه المؤلف: مساً رفيقاً، ومذهب نقد النظرية أو الرواية حتى تقوم على وجهها الحق، أو تسقط في جرف الباطل، وهذا المذهب معروف لعلماء الشرق، ولقوة فريق منهم على العمل به استطاعوا أن يزيحوا عن الفلسفة القديمة كثيراً من أوهامها، وينقوا الشريعة من أقوال زائفة تخلط بحقائقها، وينقدوا آداب اللغة فيكشفوا عن نصيب وافر من مصنوعها. ولا مزية لمن يحدّث الناس عن مذهب يقلب العلم رأساً على عقب، وإذا وازنوه بمن لم يمسوه في جملته وتفصيله إلا مساً رفيقاً، وجدوه لا يرجح عنهم إلا بأنه
стр. 3395
يطلق حول كل مبحث بخاراً، ويثير فوق كل صحيفة غباراً.
* دراسة الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص ٣): "بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها، وننتهي فيها إلى الحق، فأما أنصار القديم، فالطريق أمامهم واضحة معبدة، والأمر عليهم سهل يسير. أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام، وقالت كثيراً من الشعر؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس، ولا يكادون يختلفون فيها؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقداراً من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس، حتى جاء عصر التدوين، فدوّن في الكتب، وبقي منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا؟ وإذا كان العلماء قد أجمعوا على هذا كله، فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها، ونقلوا إِلينا آثار الشعراء وفسروها، فلم يبق إلا أن نأخذ ما قالوا راضين به، مطمئنين إليه. فإذا لم يكن لأحدنا بد من أن يبحث وينقد ويحقق، فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم".
لا مراء في أن للأمة الجاهلية قسطاً من الشعر، فإن الشعراء الذين اعتنقوا الإسلام؛ كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة، ومتمم بن نويرة، والنابغة الجعدي، ولبيد، وكعب بن زهير، لم يبتدعوا هذا المنظوم ابتداعاً، بل اقتدوا فيه على أثر رجال سبقوهم بحين من الدهر، وكان هؤلاء الرجال على طبقات لا يزال الشعر ينتقل فيها من طبقة إلى
стр. 3396
أخرى حتى بلغ المنزلة التي ظهر بها شعر هؤلاء الإسلاميين.
ومما لا يحسن النزاع فيه أن يكون لأولئك الشعراء أسماء معروفة لدى قبائلهم وغير قبائلهم؛ إذ لا يقف شعر الشاعر البليغ عند حدود قبيلته، بل الشأن أن يتجاوزها إلى قبائل أخرى، فيسير الشعرُ، ولا يكاد اسم قائله يتأخر عنه إلا قليلاً.
ومن الثابت أن العرب في الجاهلية كانوا يفرغون عنايتهم في حفظ الأشعار وإنشادها، ويرفعون مقام الشاعر إلى ما ليس بعده مرتقى. وهذا ما يقتضي أن يبقى من قصائد أولئك الشعراء ومقطوعاتهم مقدار تحفظه الرواة، وتتناقله عنهم الناس؛ حرصاً على ما فيه من حكمة وبلاغة.
وإذا كان للجاهلية شعر، وكان لشعرائهم أسماء، وكانت عناية العرب بالشعر تستدعي حفظه وتداوله على ألسنة الرواة طبقة بعد أخرى، لم يبق إلا النظر في نسبة الشعر إلى شعراء بأعينهم، وفي مبلغ الثقة بهذه النسبة، وذلك ما نخوض في بحثه عندما يقع المؤلف في الحديث عنه.
يدّعي المؤلف أن هاهنا فريقاً يقال لهم: أنصار القديم، وعزا إليهم مذهباً قال عليه: إنه رسم للأدب دائرة، وحجر على الباحث مجاوزتها. ونحن لا ندري ما هذا المذهب، ومن هؤلاء الأنصار، ولا نفهم إلا أن الرهط الذي وضع يده في يد المؤلف عرف أن بيانه يضيق عن قضاء ما في نفسه من مآرب، فالتجأ إلى اختراع ألقاب يحسبها كافية في استدراج أبناء الشرق إلى تلك المآرب، فقال: "قديم"، و"جديد"، و"أنصار القديم"، و"أنصار الجديد"، حتى سمّوا الداعي إلى العفاف: "رجعيا"، وسمّوا الخلاعة: "تجدداً".
стр. 3397
* التوسع في البحث وحريته:
قال المؤلف في (ص ٣): "فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف، وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت، فلنوازن بينهم، ولنرجح رواية على رواية، ولنؤثر ضبطاً على ضبط، ولنقل: أصاب البصريون، وأخطأ الكوفيون، ووفق المبرّد، ولم يوفق ثعلب. ولنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد؛ وهذا مذهب أنصار القديم، وهو المذهب الذائع في مصر، وهو المذهب الرسمي أيضاً، ومضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومناهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف".
لا نعرف في الأدب مذهباً يضع الباحث في قيد، فللمؤلف أن لا يقف عند ترجيح رواية على رواية، وإيثار ضبط على ضبط، والحكم للبصريين على الكوفيين، والانتصار للمبرد على ثعلب، وله أن يقول: كلتا الروايتين مصطنعة، وكلا الضبطين تحريف، والبصريون والكوفيون جميعاً في عماية، والمبرّد وثعلب كلاهما محروم من التوفيق، وله أن يقطع الصلة بين كل شعر وقائله، وأن ينفي الشعراء قاطبة من الأرض، وليس عليه إلا أن يأتي البحث من طرقه المعقولة، ولا ينسى حكمة القرآن في قوله: [وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] [يوسف: ٧٦].
وأكاد لا أثق بأن المؤلف يعتقد بوجود مذهب أدبي ينكر التوسع في البحث إلى ما يستطيع العالم التحرير، ولا أراه إلا أنه صمم على أن يتنحّى عن الأدب في بعض المواضع، ويقضي مأرب الطعن في الإسلام. وحيث عرف أن المؤمنين يأبون أن يسمعوا صوت الجاهل على دينهم، رأى أن يحمي تلك الأقوال اللاذعة بما ينادي به في طالع كتابه من أن في الأدب
стр. 3398
مذهباً لا يرضى عن حرية الفكر، وأن لهذا المذهب أنصاراً ينظرون إلى كل بحث جديد نظراً شزراً، حتى إذا لقي كتابه من أولي العلم حذراً، أمكنه أن يخيل للناس أن المحترسين منه إنما ينتصرون لمذهب الأدب القديم ...
* لباب الأدب وموضوعه:
قال المؤلف في (ص ٤): "ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور، ويحاول أن يدخل فيه شيئاً من الترتيب والتنظيم، فذلك كله عناية بالقشور والأشكال، لا يمس اللباب ولا الموضوع".
يخال قرّاء هذه الجملة أن المؤلف سيقيم الشاهد بهذا الكتاب على أن سبيل الكاتبين في آداب اللغة قبله لا يمر إلا بالقشور والأشكال، وأنه هو الذي غاص في البحث حتى مسَّ اللباب والموضوع، فيقرؤون الكتاب بقلوب مستبشرة، وأذهان متيقظة، فإذا هو ينتقل من حديث استعاره من كتب ادعى عليها أنها لم تعدُ القشور والأشكال، أو من كتب حسب أن بينها وبين أدباء الشرق حجاباً مستوراً، إلى حديث انفلت عن شرائط الإنتاج، إلى نفي خبر الصادق نفياً ما له به من سلطان، وفي خلال هذا وذاك مُكاء على أنصار القديم، وتصدية لأحلاف الجديد. ذلك ما يسميه المؤلف: لباب الأدب وموضوعه، وهنالك انقلب رأس الأدب على عقبه.
* باب البحث الأدبي ما يزال مفتوحاً:
قال المؤلف في (ص ٤): "هم لم يغيروا في الأدب شيئاً، وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئاً، وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء، وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه،
стр. 3399
والمتكلمون في الكلام".
من الحقائق ما لا يسعى إليه الباحث إلا على مسالك الظنون، ولا يجد السبيل إلى أخذه بما فوق الاحتمال الراجح، وأكثر مباحث تاريخ الأدب من هذا القبيل، فتغيير الأدب على معنى البحث في نسبة قصيدة أو بيت إلى شاعر، لا يزال بابه مفتوحاً على مصراعيه، وأما تغييره بقلب رأسه على عقبه، فإن الأقلام التي يمكنها أن تعمل في سبيله لم تنبت بعد.
فلسنا ممن يدعي أن في مؤلفات الأدب تبياناً لكل شيء، أو يبرئها من أن تكبو في بعض المباحث، أو تنطوي بعض رواياتها على دَخَل، فذلك ما لا يستطاع الخلاص منه، وهذا صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي" على الرغم من قبضه على منهج "ديكارت"، ونعيه الاطمئنان إلى ما يقوله القدماء، قد اطمأن في كثير من هذا النحو الجديد من البحث إلى ما يرويه صاحب "الأغاني" وغيره، وسنريك أن في تلك الروايات ما لا يقبله إلا ذو عاطفة ثائرة.
* اللذة في اعتناق الحكمة:
تحدث المؤلف عن أنصار الجديد، ووصف الطريق أمامهم بأنها معوجة ملتوية ذات عقبات لا تكاد تحصى. وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث.
ثم قال في (ص ٥): "ذلك لأنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان؛ فقد خلق الله لهم عقولاً تجد في الشك لذة، وفي القلق والاضطراب رضاً. وهم لا يريدون أن يخطوا في الأدب خطوة حتى يتبينوا موضعها، وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم،
стр. 3400
أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف".
البحث في الرأي أو الرواية دأب كل عالم نقّاد، وما البحث إلا أثر الشك في صحة الرأي، أو صدق الرواية، والشك قد يكون ذريعة للعلم، وقد ينحدر بصاحبه في جهالة، وربما تلجلج فيه القلب، فلا يجد متقدماً عنه ولا متأخراً. والأول محمود العاقبة، والثاني والثالث لا خير فيهما، والأنواع الثلاثة حرج في الصدر، وعنت للضمير، وهيهات أن تجد النفوس في واحد منها لذة؛ إذ لا لذة إلا في اعتناق الحكمة.
قد نغمض للمؤلف في زعمه أن في الشك لذة؛ أو نحمل كلمته على أنها ضرب من الشعر؛ فقد يعمد الخيال إلى معنى يختص بحقيقة، وينقله إلى بعض وسائلها. ولا نكتمه أننا منذ الآن لا نعدّه في أنصار الجديد؛ لأن هذه النعوت التي شرح بها حالهم لا تنطبق على سيرته في البحث، فأنصار الجديد لا يكادون يمضون إلا في أناة ورَيْث، وهو لا يكاد يمضي إلا في عجل واندفاع، كأنه لا يحس بأن الطريق أمامه معوجة ملتوية ذات عقبات لا تكاد تحصى، وأنصار الجديد لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان، وهو لا يعثر في رواية تخدش سيرة رجل من عظماء الشرق، أو ترمي أحداً بزيغ العقيدة، إلا قبض عليها بكلتا يديه، وآمن بها إيماناً جامداً، ولو رواها مسيلمة عن فاختة!.
* الشك .. خفته وشدته:
قال المؤلف في (ص ٥): "هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك، ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئناناً".