ليس الانتحال مقصوراً على العرب
* الاطلاع على تاريخ الأمم القديمة:
ذكر المؤلف في بدء هذا الفصل: أنه يجب على الباحث أن يتعود درس تاريخ الأمم القديمة؛ ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه. وقال: إذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم، فلم يوفقوا إلى الحق فيه، فهو أنهم لم يلمّوا إلمامًا كافياً بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر على بالهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها.
ثم قال في (ص ٤٣): "والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب، لتغير رأيهم في الأمة العربية، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم".
الاطلاع على تاريخ الأمم القديمة يفيد في درس تاريخ العرب وآدابهم، وهذا الاطلاع إنما يفيد الباحث الذي يستقبل الحقيقة بنظر مستقل، وقلب خالص من التحيز إلى ناحية، فإن كان المطلع على تاريخ الأمم القديمة يحمل فكرًا غير منتظم، أو كان يحمل للأمة العربية ازدراء وجفاء، كان اطلاعه شراً من عدم اطلاعه، وكذلك حال وسائل الخير إذا وقعت إلى يد لم تكن مستعدة لأن تعمل صالحاً.
стр. 3538
إن الذي يتلقى تاريخ الأمم القديمة كما يتلقاه القرطاس بسذاجة، أو بما معه من بحث وتعليل، لا ينتظر منه أن يتناول تاريخ العرب وآدابهم، فيجيد النظر، ويحسن القياس، وينبت في الأدب نباتًا حسناً، فإذا ضم إلى عجزه عن التفكير الصحيح نزعة شعوبية، ثم ترامى على قياس الوقائع بأشباهها، رأيت الواقعة العربية تقاس على الواقعة اليونانية أو الرومانية في حال أن الواقعتين يفترقان مبدأ، ويختلفان أثراً. وهذا كتاب "في الشعر الجاهلي" قد خاض في تاريخ الأدب العربي، ومؤلفه مُلمّ بجانب من تاريخ اليونان والرومان، ولم يأت هذا الكتاب بقياس مقبول، أو رأي محدث سليم، ونحن لا نرى سبباً لعدم توفقه سوى أن مؤلفه يبحث في غير رفق وأناة، ويحرص على أن يهضم حق العرب بعد الاسلام.
هل يجد المطلع على تاريخ اليونان والرومان أثراً يتصل بموضوع الشعر الجاهلي أكثر من أن شعراً كثيراً اصطنع في هاتين الأمتين، وحمل على القدماء من شعرائهم، أو على شعراء خياليين؟ وهل يستطيع الباحث الملمّ بذلك التاريخ أن يبني على هذا الأثر شيئاً سوى إمكان أن يكون رواة الشعر الجاهلي قد نظموا شعراً، وعزوه إلى القدماء زوراً وكذباً؟.
أنصار القديم يسلمون باحتمال أن يكون في هذا الشعر الجاهلي ما هو مختلق مصنوع، بل يقولون: إن من هذا الشعر ما هو مختلق لا محالة. وإذا لم يكن لإلمامهم بتاريخ اليونان والرومان أثر في قضية الشعر الجاهلي، سوى أن يخطر على بالهم احتمال أن يكون هذا الشعر مصنوعاً كالشعر المعزو إلى قدماء اليونان والرومان، فإن علماء اللغة والأدب قد انتهوا إلى هذه الغاية قبل أن يعلموا أن من شعر تينك الأمتين ما هو محمول على قدمائهم، وشاهد
стр. 3539
هذا: أنهم ينقدون ما يقع إليهم من الأشعار، ويتساءلون عن طريق روايتها، فلا يصح في أي أدب أو منطق أن يُعدّ قبولهم لكثير من هذا الشعر عدم توفق إلى الحق، أو أنه ناشئ عن عدم إلمامهم بتاريخ هذه الأمم القديمة إلماماً كافياً.
* مقارنة بين الأمم الثلاث: العربية، واليونانية، والرومانية:
ثم أخذ المؤلف يذكر الأمة اليونانية، والأمة الرومانية، ويعقد بينهما وبين الأمة العربية ما يشبه المقارنة، وهو أن كلاً من هذه الأمم تحضّر بعد بداوة، وخضع في حياته الداخلية لصروف سياسية مختلفة، وانتهى إلى نوع من التكوين السياسي دفعه إلى تجاوز حدوده الطبيعية، وبسطِ سلطانه على الأرض.
ثم قال في (ص ٤٤): "وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة، إن لم نقل متحدة. ولم لا؟ أليست هذه الإشارة التي قدمناها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم، فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة؟ ".
في استطاعتنا أن نناقش هذه الجمل كما جاءت في غير صراحة، ولكن القلم لا يرغب حين يخوض بحثاً علمياً أن يمتطي المواربة، أو يكلم الناس رمزاً، فلنطو الستار الذي سدله المؤلف، وجلس يتحدث من ورائه، فقد ينزع محارب الحقيقة إلى الكنايات البعيدة، والإيماء الخفي، حتى يحوك مقالُه في بعض النفوس دون أن يجد في طريقه زاجراً، ولا يرضى الذائد عن سبيلها إلا أن يضع الغرض على ظاهر يدك، ويريك المعنى في مرآة نقية،
стр. 3540
فإما أن تقبل، وإما أن تأبى.
يذهب المؤلف إلى أن شأن العرب حين فتحوا الممالك، وقاموا على سياسة الأمم، لا يختلف عن شأن الأمتين اليونانية والرومانية في المؤثرات والنتائج، يقول هذا، وهو يقصد إلى أن يجحد ما للإسلام وشريعته من مزية أو أثر في تلك النهضة العربية؛ لأنه يزعم أن مؤثراتها ونتائجها متحدة، أو متقاربة مع مؤثرات ونتائج نهضة لم تقم على أساس شريعة سماوية. وقد تعرض لهذه المؤثرات المشتركة بين الأمم الثلاث، فاذا هي تحضّر بعد بداوة، وصروف سياسية مختلفة، وتكوين سياسي انتهى بها إلى تجاوز الحدود الطبيعية. أما النتائج الواحدة أو المتقاربة، فهي بسط السلطان على الأرض، ثم إن اليونان تركو افلسفة وأدبًا، والرومان تركوا تشريعاً ونظاماً، والعرب تركوا أدباً وعلماً وديناً.
لا نخالف التاريخ في أن الوقائع تقوم على أسباب، ولا نعارضه في أن تكون الأسباب ذاهبة في الغابر كسلسلة لا يعلم مبدأها إلا مبدع الخليقة، والتاريخ أيضاً لا يخالفنا في أن من الأسباب ما يخفى على الباحث، ومن الأسباب ما يلحظه الباحث في صورة لا تنطبق على صورته الثابتة.
فمن المحتمل أن المؤلف لم يدرك بعض أسباب النهضة العربية، أو أنه تخيله في غير صورته الواقعة، ولا سيما بعد أن عرفتم أن إلمامه بجانب من تاريخ اليونان أو الرومان لم يحمه من أن يضع في كتابه رأياً ذا عوج، أو خيالة في ثوب حقيقة.
لا يلتبس على أحد أن هذه الأمم تحضرت بعد بداوة، وأتت عليها صروف سياسية مختلفة، ثم انتهى بها تكوينها السياسي إلى بسط سلطتها
стр. 3541
في الأرض. وهل اشتراكها في هذه الأطوار العامة يكفي لتحقيق أن مؤثراتها ونتائجها واحدة أو متقاربة؟.
ذلك ما نريد بحثه في كلمة نفصلها على مقدار ما يذكّرك بانحراف المؤلف عن الواقع، ويريكه كيف يخرج عن نظام البحث؛ ليقضي وطر الدعوة إلى غير هداية القرآن.
يكاد الذين يدرسون تاريخ الأمم لا يختلفون في أن فتح العرب لهذه الممالك كان أمراً عجباً. وشهودُ هذا لا يأخذهم عدّ، وإنما أسوق منهم شاهدين: أحدهما غربي، والآخر شرقي، وكلاهما لا يتهم بأنه تحدث عن عاطفة، أو محاباة للإسلام.
بسط في دواعي العجب من ذلك الانقلاب البديم (لوثروب ستودارد) في"حاضر العالم الإسلامي" (١)؛ حيث قال: "كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الذي دوّن في تاريخ الأعصار، ظهر الإسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطة الشأن، فلم يمض على ظهوره عشرة عقود، حتى انتشر في نصف الأرض ممزقاً ممالك عالية الذرا، مترامية الأطراف، وهادمًا أديانًا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيراً ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانياً عالماً متراصَّ الأركان، هو عالم الإسلام".
وقال: "كلما زدنا استقصاءً باحثين في سر تقدم الإسلام وتعاليه، زادنا ذلك العجب العجاب بهرًا، وارتددنا عنه بأطراف حاسرة".
стр. 3542
وتعرض جرجي زيدان في كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي" لما أخذ الناس من العجب لهذه النهضة العربية الاسلامية حين قال: "للكتّاب وأهل النقد بحث طويل، وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على فتح بلاد الروم والفرس، وقهر القياصرة والأكاسرة برجال يكاد عددهم لا يزيد على عدد حامية مدينة من مدن أولئك، مع ما كان عليه العرب يومئذ من سذاجة المعيشة، وقلة الدربة في فنون الحرب، وضيق ذات اليد، وضعف العدة، والروم والفرس أعظم دول الأرض يومئذ، وعندهما العدة والرجال، والحصون والمعاقل، وزد على ذلك: أن العرب - فضلاً عن قلتهم وسذاجة أحوالهم -, فقد جاؤوا مهاجمين في بلاد لا يعرفونها، ولا نصير لهم، وأغرب من ذلك كله: أنهم فتحوا المملكتين جميعاً في مدة لا تتجاوز بضع عشرة سنة".
هؤلاء الذين عجبوا لمظهر الأمة العربية في صدر الإسلام قد درسوا تاريخ اليونان والرومان، ولو كانت المؤثرات والنتائج في هذه الأمم واحدة أو متقاربة، لما تلقوا نبأ الحركة العربية بعجب وانبهار، ولما جرى للكتّاب وأهل النقد بحث طويل وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على قهر القياصرة والأكاسرة.
ثم إن هؤلاء الكتّاب قد بعثوا أنظارهم في البحث عن أسباب هذه النهضة العربية، ولم يستطيعوا إلا أن يحوموا حول المؤثر الأكبر، وهو الروح الذي بثه الإسلام في صدور العرب، والنُّظُم التي أخذ بها أعمالهم - قال (ستودارد): "كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق عوامل ساعدت عليه، أكبرها: أخلاق العرب، وماهية تعاليم صاحب الرسالة وشريعته، والحالة العامة
стр. 3543
التي كان عليها الشرق المعاصر لذلك العهد".
وقال جرجي زيدان: "إن العرب أصبحوا بعد الإسلام غير ما كانوا عليه قبله، كانوا قبائل مشتتة مبعثرة، فأصبحوا أمة واحدة بقلب رجل واحد". وذكر أسباباً أخرى من جملتها: اعتقادهم بالقضاء والقدر، وعدل المسلمين ورفقهم وزهدهم، ثم قال: "وكان لتلك المناقب تأثير عظيم، ومن هذا القبيل التسوية بين طبقات الناس رفيعهم ووضيعهم"، وعطف على هذا استبقاء الناس على أحوالهم، وقال: "كان العرب إذا فتحوا بلدًا، أقروا أهله على ما كانوا عليه من قبل، لا يتعرضون لهم في شيء من دينهم أو معاملاتهم، أو أحكامهم المدنية أو القضائية، أو سائر أحوالهم".
فالواقع ينفي أن تكون المؤثرات في حياة الأمم الثلاث واحدة أو متقارية. وليس التحضر بعد البداوة، وصروف السياسات المختلفة، والتكوين السياسي الدافع إلى فتح البلاد إلا أطوارًا عامة، ولا بد من البحث في سبب التحضر بعد البداوة، وفي أساليب تلك السياسات المختلفة، وفي كنه هذا التكوين السياسي؛ فإن الأمم إذا اختلفت في سبب تحضرها، أو في صروف سياستها، أو في شخصية تكوينها السياسي، لا تكون نتائج حياتها واحدة أو متقاربة.
ولعل القارئ يفهم رجحان حياة العرب على حياة اليونان والرومان من تسوية المؤلف بينهما في المؤثرات والنتائج؛ فإن ما يحمله للأمة العربية المسلمة، يدعوه إلى أن يغير تاريخها، ولو في أذهان طلابه في الجامعة، فإذا جعل نتائج حياة العرب مماثلة لنتائج حياة اليونان والرومان، فذلك الشاهد على أن فضل حياة العرب واضح، وأنه لو وجد كفة العرب تساوي
стр. 3544
كفة تينك الأمتين، أو ترجح عنها بقليل، لصاغ البحث في غير هذه الصورة، ونحا بالعبارة نحو الغض من العرب، وإنزالهم إلى الدرجة السفلى.
يقول المؤلف: إن المؤثرات في حياة الأمم واحدة أو متقاربة، وتجده حين يتحدث عن النتائج يبتدئها بتجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض، ثم يصله بالتراث الذي تتركه الأمة، وهو بالنسبة لليونان فلسفة، وللرومان تشريع ونظام، وللعرب أدب وعلم ودين. فالدين في زعمه كالفلسفة اليونانية والتشريع الروماني يصح أن يعد في نتائج تلك المؤثرات المتحدة أو المتقاربة، ويصح أن يسمّى تراثاً تركه العرب كما تركوا علماً وأدباً.
ليس الدين من نتائج التحضّر بعد بداوة، أو صروف السياسات المختلفة، أو التكوين السياسي الدافع إلى فتح البلاد، وإنما هو هداية سماوية أطلت شمسها على أفق عربي، ثم ألقت أشعتها هكذا وهكذا، وما كانت الصلة بين العرب وهذا الدين إلا صلة الإيمان والجهاد في سبيله، وقد انعقدت هذه الصلة بينه وبين أمم أخرى ليست بالعدنانية، ولا القحطانية، وإنما هي العقول الراجحة تبصر الحقائق محمولة على سواعد الحجج، فلا تقعد حتى تعتنقها.
* تكرار الشكوى من أنصار القديم:
قال المؤلف في (ص ٤٤): "ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان، فنحن لم نكتب لهذا، وإنما نريد أن نقول: إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب، والتي يجزع لها أنصار القديم جزعًا شديداً، ليست مقصورة على الأمة العربية".
стр. 3545
لا يفتأ المؤلف يشكو إليكم أشخاصاً يسميهم: أنصار القديم، ويدعي عليهم: أنهم يجزعون جزعًا شديداً لهذه الظاهرة الأدبية، التي يحاول أن يدرسها في هذا الكتاب. وهذا ما دعاه إلى أن يقصّ عليكم شيئاً من تاريخ اليونان والرومان؛ حتى لا يخالط ظنكم أنه رمى الأمة العربية بوصمة لم ترم بها أمة من قبلها.
ولسنا على ثقة من أن في أهل الأدب من يجزع جزعاً شديداً أو هيناً لظاهرة أدبية.
فإن جزعوا، فلاتخاذه البحث في هذه الظاهرة جسراً يعبر منه إلى طعن في الدين ما له به من شبهة أو سلطان، وإن جزعوا، فإنما يجزعون إشفاقًا على تلك الفطر السليمة يحدثها على غير نظام، ويطبعها على عادة البحث الذي يهوي برأس الحقيقة إلى عقبها، ويرفع عقبها إلى مكان الرأس، وإن شاقك أن تشاهد أمثال هذه الصورة النادرة، فادرس كتاب "في الشعر الجاهلي" وأنت خالي الذهن من كل ما قيل فيه.
* منهج ديكارت، ومنهج ابن خلدون:
عاد المؤلف إلى الحديث عن منهج (ديكارت):
وقال في (ص ٤٥): "ولا بد أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم، ذلك أن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية، أو قل: أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية، وهي كلما مضى عليها الزمن، جدت في النفس، وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب".
ألم يكن من أدب الأستاذ أن يربي نفوس التلاميذ على عزة ونخوة،
стр. 3546
ومن أسباب عظمة النفس ومقامرتها في الشرف: شعورها بأنها غصن من شجرة نبتت نباتًا حسنا، وآتت كلها ضعفين.
إن شعور نشئنا بما كان للشرق من حلوم راجحة، وحياة علمية زاهرة، ليجعلهم من سمو الهمة وقوة العزم بمكان لا تحظى به نفوس يقال لها: انسلخي من شرقيتك، إنها مرذولة، اخرجي في صبغة غربية، إنها أخذت الكمال من جميع أطرافه.
ولا أقصد بانكار نزعة المؤلف أن نشعر الناشئ بأن الشرق في غنى عن الغرب، أو أن نذكر الشرق بكثر مما تسعه الحقيقة، فإن الأول صد عن سبيل الرقي، والثاني جناية على التاريخ، وعلى ما يسميه الأخلاقيون أو اللغويون: صدقاً وأمانة.
يسرنا من أستاذ في الجامعة أو في غير الجامعة أن يتحدث عن (ديكارت)، ومنهج (ديكارت)، وعن الثمرات التي جناها أهل العلم من سيرهم على منهج (ديكارت)، ونكره مع هذا أن يغلو الأستاذ في جحود ما كان للشرق من عبقرية، حتى يتناهى به الغلو إلى أن يسمي الثقافة: عقلية غربية.
تدرس الأمم الراقية تاريخها؛ لأنه علم، وتُعنى بدرسه؛ لأنه يفضي إلى أبنائها بما كان لسلفهم من مآثر فاخرة، فيدخلون معترك هذه الحياة بشعور سام، وهمم يصغر لديها كل خطير، أما المؤلف، فإنه يدسّ في محاضراته فقرات شأنها الإزراء بأي قومية شرقية، وقد نفذت هذه الدسيسة في نفر حتى تيسر لها أن تجمع في نفوسهم بين المهانة والغرور.
لا نمتري في أن المؤلف درس مقدمة ابن خلدون، ولو كان فيه روح من إخلاص، لم ينصرف عن هذا الحديث حتى ينبه على منهج ذلك
стр. 3547
الفيلسوف، ولكنه لا يرغب في أن تشعر تلك الطائفة القليلة بذلك المقال؛ لأنه لا يستطيع بعد شعورهم هذا أن يريهم منهج (ديكارت) في صورة المبتكر الذي لم ينسج على مثال، ولا يستقيم له أن يسمّي الثقافة وتحقيق البحث: عقلية غربية.
أوردنا ذلك المنهج في (صفحة ٣٧). وقد زاده صاحبه إيضاحاً بقوله: "فإن النفس إذا كانت في حال الاعتدال في قبول الخبر، أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، صاذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله". ثم فصل القول في أسباب الكذب، فقال: "ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً: الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها: الذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه، فيقع في الكذب. ومنها: توهم الصدق، وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين. ومنها: الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع؛ لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ومنها: تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلَّة والمراتب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة الذكر بذلك، فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة" (١).
وإذا ضممت هذا إلى ما نقلناه عنه آنفا، رأيت منهجاً متى سلكه الباحث
стр. 3548
بذكاء وإخلاص، بلغ في تحقيق تاريخ العرب وآدابهم الغاية التي ليس بعدها مرتقى.
* العبقرية لا وطن لها:
قال المؤلف في (ص ٤٥): "وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم، وآخرون ينصرون الجديد، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوماً قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية، وآخرين لم يظفروا منها بحظ، أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل. وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد انتشاره من يوم إلى آخر، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العلم الغربي، كل ذلك سيقضي غداً أو بعد غد بن يصبح عقلنا غربياً".
لا يفوت أحداً أن في الغرب علماً وثقافة، واختيار أسلوب في البحث والتأليف، وذلك شأن كل أمة تجد من زعمائها أو أمرائها من يأخذون بأيديها إلى نهضة علمية ضافية. والذي نلفت له نظر القرّاء: ألا يأخذهم الاعتقاد بتفوق الغرب علماً وثقافة إلى أن يُطرقوا أمام كل رأي أو مقال يصدر من غربي حقاً، أو غربي تقليدًا، وحقيق عليهم أن يحتفظوا بألمعيتهم، ويناقشوا الآراء الغربية، أو المدعية أنها من نسل عقلية غربية، ولا يمنحوها من الاحترام ما يحجم بهم عن نقدها، والبحث عن منشئها، وما يترتب عليها من النتائج، ثم لا يترددوا في أن يحكموا عليها بالصحة أو البطلان حكماً لازباً.
ولا يقصد المؤلف حين يلهج بمنهج (ديكارت)، ويشير إلى أن عقليته أصبحت غربية، إلا التأثير على طلابه في الجامعة حتى يصغوا إلى حديثه كأن على رؤوسهم الطير، ويتلقوا آراءه بالتصديق والخضوع.
стр. 3549
في الغرب علم، وأساليب بحث وتأليف، وليس في يد الغرب أن يهب لك ذوقًا أو عقلاً لا يمشي في البحث إلا على صراط مستقيم. وهذا (مرغليوث)، وهو غربي عقلاً ومولداً، قد يورد آراء لا تلقى في الشرق إلا من يردها بالحجة على عقبها خاسئة. فإن كان للعلوم الغزيرة وطن؛ فإن العبقرية لا وطن لها.
* المستقبل للحقائق والحجج:
قال المؤلف في (ص ٤٦): "وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين، فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره، ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ. فالمستقبل لمنهج (ديكارت)، لا لمناهج القدماء".
عرف هؤلاء الأدباء والمؤرخون منهج (ديكارت) من قبل أن يخلق كتاب "في الشعر الجاهلي"، ولاقوه بطمأنينة وارتياح؛ لأنه المنهج الذي يسير عليه كل راسخ في العلم، وإذا لم يرضوا عن ذلك الكتاب، فلأن مؤلفه ينطق بغير حجة، ويحكي آراء في لهجة مستنبط، ويستعير للطعن في الإسلام لقب باحث، ويتخذ اسم منهج (ديكارت) حبالة لصيد الأغبياء. فنحن واثقون بأن نقد ذلك الكتاب، وافتضاح ما فيه من كيد وخطأ سيقلل تأثيره في الجيل الناشئ. فالمستقبل للحقائق والحجج، لا للتغني باسم الجديد، وأنصار الجديد.
стр. 3550
السياسة وانتحال الشعر
بنى المؤلف ما كتبه تحت هذا العنوان على الهجاء الذي دار بين قريش والأنصار لعهد النبوة، وبين قريش والأنصار لعهد معاوية بن أبي سفيان، ثم على تأثير العصبية في الحياة السياسية، وقد خاض في هذا الموضوع كتاب لا يخفى على المؤلف مكانه، وهو "تاريخ آداب اللغة العربية" لجرجي زيدان، فقال (١): "وقد راج الهجو السياسي في العصر الأموي؛ لاحتياج ولاة الأمور إليه بسبب الانقسام الذي قام بين الأحزاب المختلفة، وهو الهجو السياسي، وقد بدأت المهاجاة في الإسلام بين شعراء النبي وأعدائه القرشيين، ثم صارت بين المهاجرين والأنصار، أو هي بين قريش واليمن، وكان لكل من الجانبين شعراء يردون عنهم الهجاء بأشد منه، وكان المسلمون يحفظون ما يقوله هؤلاء من المهاجاة، وينشدونه، كل طائفة تنتصر لأصحابها، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فنهى عنه، وقال: "في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد الضغائن". فلما أفضى الأمر إلى معاوية، اقتضت سياسته ومصلحته أن يجدد تلك الضغائن، فجعل يغري الشعراء على الطعن بالأنصار؛ لأنهم أصحاب علي بن أبي طالب خصمِه. وكان يفعل ذلك تحت طي الخفاء، ومن الذين أغراهم على ذلك الطعن: الأخطل الشاعر التغلبي المشهور،
стр. 3551
فعظم ذلك على الأنصار، خصوصاً لأنه نصراني، واستعان به معاوية على المسلمين، فغضب متكلم الأنصار وشاعرهم، وهو يومئذ النعمان بن بشير، ودخل على معاوية، وأنشده قصيدة في الدفاع عن الأنصار مطلعها:
"معاوي إن لم تعطنا الحق تعترف" ... إلخ.
ثم تخلص إلى الفخر بأعمال الأنصار وأنسابهم، وختم القصيدة بالطعن على خلافة معاوية".
وقال: "وتحولت المهاجاة بين الأنصار والمهاجرين إلى المشاتمة بين بني هاشم وبني أمية، وانتشر ذلك في المملكة الإسلامية".
سقنا هذه المقالة؛ ليكون القراء على بينة من الأساس الذي عقد عليه المؤلف هذا الفصل.
* العرب لم يستطيعوا الخلوص من الدين:
ذكر المؤلف أن العرب خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم الأخرى من المؤثرات الداعية إلى انتحال الشعر والأخبار، وأن أهم هذه المؤثرات: الدين، والسياسة.
ثم قال في (ص ٤٧): "فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهر الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني".
لو قدر للمؤلف أن يكتب في علم الحساب أو الهندسة، لما طاب له الانصراف عن الحديث، حتى يرمي إلى ناحية الإسلام، أو رجال الإسلام بكلمة يمن بها على أوليائه من غير المسلمين.
يقول المؤلف: أرادت الظروف ألا يستطيع العرب أن يخلصوا من مؤثر
стр. 3552
الدين، وهو يعلم أن معنى الخلوص من الشيء: النجاة، والسلامة منه، ولا عجب أن يخيل المؤلف الإسلام في صورة ما ينبغي للناس أن ينجوا بأنفسهم من تأثيره؛ فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا ما يؤذي العقلية التي "أخذت منذ عشرات من السنين تتغير، وتصبح غربية".
* ظهور العرب على العالم بالإسلام:
قال المؤلف في (ص ٤٧): "هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام، فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام، ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور، وهذا السلطان الذي يحرصون عليه، وهم في الوقت نفسه أهل عصبية، وأصحاب مطامع ومنافع، ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم".
لم يظهر العرب على العالم إلا بالإسلام، وهم محتاجون إلى أن يعتزوا به ويرضوه، وكانوا يجدّون في اتصالهم به، ليقينهم بأن هذا الاتصال يضمن لهم الظهور والسلطان والسعادة في الآخرة والأولى. وكثير من رجال هذه الأمة النجيبة أرضَوا الإسلام، وجدوا في اتصالهم به من قبل أن يظهروا على العالم، ومن قبل أن يكون له سلطان، بل أرضوه، وجدّوا في اتصالهم به يوم كانوا يلقون من الذين أشركوا أذى كثيراً، ويوم كانوا يقاسون مضض الغربة عن أوطانهم، ويوم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس.
فالتاريخ يشهد بأن في العرب رجالاً أنفقوا في سبيل الإسلام كل ما استطاعوا من قوة، وسيرتهم تنطق بأنهم أقاموا الدعوة إليه بعقيدة أنه هداية ومنبع سعادة، وسواء عليهم بعد ذلك الجهاد الحق أن يعيشوا به أعزّاء، أو يموتوا شهداء، فإذا أرضى أولئك الرجال الإسلام، فإنما أرضوا الإنسانية،
стр. 3553
وإذا جدوا في الاتصال به، فإنما يجدّون في الاتصال بالفضيلة، ولكن المؤلف لا ينظر إلى الفضيلة وآداب الإنسانية الراقية بعين تقدرها.
فما كان للمؤلف أن يرمي العرب بهذه العبارة المطلقة الشائنة، وما كان له أن يخيل إلى قراء كتابه أن العرب لم يجدّوا في اتصالهم بالإسلام إلا رغبة في الظهور، وحرصًا على السلطان، فإن في الإسلام حجة وحكمة تأخذان ذوي الفطر السليمة والعقول السامية إلى أن يتصلوا به ويرضوه، ولو نسلت عليهم الخطوب من كل حدب، أو سخط عليهم أمثال هؤلاء الذين أخذت عقليتهم "منذ عشرات من السنين تتغير، وتصبح غربية".
* الدين والسياسة عند العرب:
قال المؤلف في (ص ٤٨): "فخليق بالمؤرخ السياسي أو الأدبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسًا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ. وسترى عندما نتعمق بك قليلاً في هذا الموضوع أننا لسنا غلاة، ولا مخطئين".
لم يوضح المؤلف وجه التأثر بالسياسة حتى يعلم القارئ أن هذا المعنى يختص بالعرب، أو هو شأن كل جماعة تساس بسلطان، وإذا كان دأب العرب خاصة، فهل هو عارض لهم في بعض أطوارهم السياسية، أم هو مظهر لم ينفكوا عنه منذ قامت لهم الدولة في الإسلام؟ ومن شأن المخلص في بحثه ألا يؤذي تاريخ أمة بحديث يبهمه، وكلام يلوي رأسه على ذنبه.
تتأثر الأمة بالسياسة على معنى أن يكثر فيها الطامحون إلى الرياسة؛ كالملك والوزارة وقيادة الجيش ونحوها، وذلك ما يبعث على التنافس، وبذل المستطاع في سبيل الوصول إليها، وتختلف الطرق التي يسلكها هؤلاء
стр. 3554
المتنافسون في كونها مشروعة أو غير مشروعة، والأخذ في نيلها بالطرق المشروعة خصلة مالوفة، وسعي لا بأس به، وفي العرب من وضعت مقاليد السياسة في يده دون أن يبذل في سبيلها درهما، أو ينتضي حسامًا، وذلك شأن الخلفاء الراشدين، فإن أردت أن تجعل لأبي بكر الصديق، أو علي بن أبي طالب سيفًا مسلولًا، فإنما هو الدفاع عن نظام الأمة، أو عن تلك الرياسة التي تدير شؤونها بحكمة وعدالة، والواقع أن هذا الضرب من التأثر بالسياسة لم يكن له في عهد الخلافة الرشيدة مظهر، وهو العهد الذي يمثل روح الإسلام، وينطبق على مبادئه من كل ناحية.
تتأثر الأمة بالسياسة على معنى: أن يبالغ القابضون على سياستها في التعرض لشؤون الأفراد، واستعمالهم فيما يعود على ولايتهم بالبقاء، ولو بغير حق، ومن طبيعة السياسة المستبدة أن يتزلف لها الناس بالملق رهبة من بطشتها، أو رغبة في أن ينالهم قسط من سرفها. وهذا المعنى لا يستطيع المؤلف أن يصف به العرب لعهد الخلفاء الراشدين، أو من ساروا على مبادئ الإسلام بإطلاق؛ كعمر بن عبد العزيز. وقد وجد هذا الضرب من التأثر بالسياسة في كثير من الدول التي تجعل دينها الرسمي الإسلام، عرباً كانوا أو غير عرب، كما يوجد في غير المسلمين، حتى الأمم التي يملأ المؤلف قلبه بإجلالها، فإننا نرى سياستها تستعمل أقلامًا في تغيير تاريخ بعض الأمم، وفك عرا وحدتها، وقلب أخلاقها وجميع مميزاتها إلى ما يجعلها تحت تلك السياسة كالأنعام أو أضلّ سبيلاً.
أما تأثر العرب بالدين، فلأن الإسلام عقيدة وآداب، وشريعة وسياسة، وقد أخذ العرب في يقينهم صحة تلك العقائد، ووضاعة تلك الآداب، وعدالة
стр. 3555
تلك الشريعة، وحكمة تلك السياسة، فلا بدع أن يكون للإسلام تأثير في آدابهم ومعاملاتهم، وأخلاقهم وسياستهم، ولا سيما بعد أن أبصروا بأعينهم يد النائم في المسجد تتناول تاج كسرى، وتضرب به بين لابتي يثرب، وتطوي سلطان قيصر عن ممالك بعيدة ما بين المناكب. فاجعل مسألة الدين عند العرب يوم أدهشوا العالم أساسًا للبحث عن الفرع الذي تريد أن تبحث عنه من فروع التاريخ، ولا تكن كمؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي" من المغالين أو المخطئين.
* الإسلام عقيدة وشريعة ونظام:
ذكر المؤلف أن النبي ﵊ وأصحابه كانوا بمكة مستضعفين، وأن الجهاد بينهم وبين قريش وأوليائهم كان جدليًا خالصاً، وأن النبي ﵇ كاد يقوم بهذا الجهاد الجدلي وحده، وكان كلما بلغ حظاً من إفحام قريش، انتصر له فريق من قومه حتى تكؤن له حزب ذو خطر، ولم يكن هذا الحزب سياسياً يطمع في ملك، ولا تغلب، ولا قهر، أو لم يكن ذلك في دعوته، وانتهى به الحديث إلى الهجرة.
ثم قال في (ص ٤٩): "ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعاً جديداً، جعلت الخلاف سياسياً يعتمد في حَلِّه على القوة والسيف، بعد أن كان من قبل دينياً يعتمد على الجدل والنضال بالحجة ليس غير". وقال: "فليس من شك إذن أن الجهاد بين النيي وقريش قد كان دينياً خالصاً ما أقام النبي في مكة. فلما انتقل إلى المدينة، أصبح هذا الجهاد دينياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصوراً على أن الإسلام حق أو غير حق،
стр. 3556
بل هو يتناول الأمة العربية، أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن، والطرق التجارية لمن تخضع".
نشأ محمد بن عبد الله ﷺ في بيئة تعبد الأصنام نشأة رشد وصدق وعفاف، وقد آمن بنبوته رجال من كبار قومه يعرفونه كيف ولد، وكيف شبّ، وأين يذهب، ومن أين يجيء، ولو لم يعرفوه رشيداً صادقاً عفيفًا، لذكروا ما يعرفونه له من هفوة أو هفوات، وكانت هذه الذكرى عرضة في سبيل إيمانهم، وسلاحاً يقفون به في وجه دعوته، فإيمان كثير من عظماء عشيرته الذين هم على كثب من سيرته يرقبونها بكرة وأصيلاً، يشهد بأن محمداً ﷺ شبّ في طهر واستقامة، وصدق لهجة وأناة.
قضى محمد بن عبد الله ﷺ أربعين حجة في سيرة تلألأ صدقاً ووفاء وتؤدة، فإذا هو بعد الأربعين يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة، لا يهاب جبارًا، ولا يحابي قريباً، ولا يبالي أن يتهكم به غير حليم.
أبصر أولئك القومُ الذين يعترف المؤلف بذكائهم ودهائهم واستنارتهم تلك الآيات المحكمات حقاً، فكانوا كلما استطاعت طائفة منهم أن تخلص من أهوائها، وما وجدت عليه آباءها، اطمأنت إلى دعوته، وانتصرت لما آمنت به، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
لم يدخر المشركون وسعاً في أذى المؤمنين، حتى ألجؤوا فريقاً منهم إلى الهجرة، وأخذوا يأتمرون في شأن الرسول ﵊, وقد تعرض القرآن لهذه المؤامرة، وحكى الآراء التي دارت بين المؤتمرين فقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
стр. 3557
خرج ﵊ على حين غفلة من أولئك الملأ الذين ائتمروا به، خرج ولا رفيق له من أصحابه سوى أبي بكر، وتواريا في غار ثور حذراً من أن تقع عليهما عين مشرك، وكذلك رسل الله يأمنون ويحذرون، وقد أتى القرآن على هذه الواقعة في آية: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وإسناد الإخراج في الآية إلى الذين كفروا؛ لأنهم تصدوا إلى ما يقتضي خروجه، وهو إذايتهم له بأشد مما كانوا يصنعون.
نزل الرسول - صلوات الله عليه - المدينة، وحوله حزب استيقن أن هذه الدعوة حق، ووطّد نفسه لكل ما يلاقيه في سبيلها من خطوب، ولم يكن يخفى على الرسول ﵇ أن أشد الناس عداوة لهذه الدعوة، وأجمعهم قوة على محاربتها: مشركو قريش، وإذا كان عبدة الأوثان في مكة هم أشد الناس داعية إلى محاربة دين الحق، بل كانوا أول من بسطوا أيديهم إلى أوليائه بالسوء والأذى، كان من مصلحة هذه الدعوة أن تبتدئ بعمل الوسائل لإخلاء مكة وبناء إبراهيم وإسماعيل من رؤوس تسجد للّلات والعزّى، وقلوب لا تضمر لحماة هذه الدعوة إلا شراً.
فالرسول ﵇ وحزبه الطامح إلى السعادة الخالدة، لم ينتضوا سيفاً، أو يهزوا أسلاً، أو يرموا نبلاً؛ ليظفروا بملك، أو ليستأثروا بسلطة، كما يحاول المؤلف أن يصوره لقراء كتابه. والحق أن الإسلام عقيدة وشريعة ونظام، ولا بد لهذه الحقائق من حماية، ولا حماية إلا بقوة وسلطان.
وإذا كان من مقاصد الإسلام إنشاء دولة تجري على قانون شريعته،
стр. 3558
وتتحرى نظام سياسته، فالنبي ﵇ وحزبه من المهاجرين والأنصار، إنما يجاهدون في سبيل هذه المبادئ والمقاصد التي نزل بها القرآن في أحسن تقويم، فمحاربة المسلمين للمشركين يومي بدر وأحد لا يقصد بها إلا ظهور الإسلام، ونشر مبادئه، ونفاذ أوامره، وإذا نالت. أحد هؤلاء المجاهدين إمارة، أو حياة ناعمة، فتلك سنّة الله في الذين يجاهدون فينتصرون.
* مكافحة الهجَّائين بسلاحهم:
انقاد المؤلف بزمام المناسبة إلى الحديث عما أحدثته الهجرة النبوية من العداوة بين مكة والمدينة، أو بين قريش والأوس والخزرج بعد أن توثقت صلات الود بينهما، وذكر أن الشعر اشترك في هذه العداوة مع السيف، وأن شعراء الأنصار وشعراء قريش وقفوا يتهاجون.
ثم قال في (ص ٥٠): "ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف؛ فإن النبي كان يحرض عليه، ويثيب أصحابه، ويقدمهم، ويعدهم، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر والمثوبة عند الله، ويتحدث أن جبريل كان يؤيد حسّاناً".
لم يجئ الإسلام ليلقي بين القبائل عداوة، ولا ليطلق ألسنة الشعراء بالهجاء، ولكنه فتح بصائر الأوس والخزرج، فرأوا أبا جهل وشيعته في عماية، وتمنوا رشدهم، فاستحبوا العمى على الهدى، وإذا كانت القبيلتان تتفقان في الجاهلية على ضلالة، وتقتربان في شقاء، فإن اختلافهما بالهداية خير من ذلك الاتفاق، وتباعدهما بالسعادة أفضل من ذلك الاقتراب.
أما الهجاء، فالناس يعلمون ما للشعر من الاتصال بالنفوس، وما له من الأثر في استهواء القلوب، ولما جعل المشركون يسطون على مقام النبوة
стр. 3559
بالهجاء، ويتخذونه سلاحاً لمحاربة دين الحق، كان من الحكمة البينة أن يكافَح أولئك الهجاؤون بسلاحهم، فأذن الرسول - صلوات الله عليه - لحسّان بن ثابت وغيره أن يجازي تلك السيئة بمثلها، وأخبر أن جبريل يؤيد حسانًا، وكذلك كانت العاقبة للذين انتصروا من بعد ما ظُلموا.
فليس من الصواب أن يخلى السبيل لتلك الأشعار الطاعنة، فتطرق كل أذن، وتحوم على كل قلب، دون أن تقف أمامها قوة تعمل على مثالها، فتكف بأسها، وتنفض عن الصدور وساوسها.
وما مثل تلك الأشعار الغاوية إلا كمثل ما يكتبه دعاة الإباحية اليوم من الطعن في الدين وتقويض بناء الفضيلة، أفيحق لحملة الأقلام الناصحة أن ينزووا في بيوتهم، ويدعوا هذه الطائفة تنفث من سموم غوايتها ما يفتك بالآداب والأعراض؟!.
أما تأييد جبريل لحسّان، فقد أخبر به من قامت الآيات البينات على صدقه، والمؤلف لا ينازع في أن عدم رؤية الشيء ليس دليلاً على عدم وجوده.
* إسلام أبي سفيان:
ذكر المؤلف أن قريشاً جاهدت بالسنان واللسان، والأنفس والأموال، ولكنها لم توفق.
ثم قال في (ص ٥١): "وأمست ذات يوم وإذا خيلُ النبي قد أظلت مكة، فنظر زعيمها وحازمها أبو سفيان، فإذا هو بين اثنتين: إما أن يمضي في المقاومة، فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح، ويدخل فيما دخل فيه الناس، وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة،
стр. 3560
ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش، وإلى مكة مرة أخرى".
سار النبي ﵊ إلى فتح مكة في عشرة آلاف مجاهد بعد أن نبذ إليهم العهد على سواء، نزل بمرّ الظهران، فخرج أبو سفيان يلتمس الخبر، فاخذه حرس عليهم عمر بن الخطاب، وأتوا به رسول الله ﷺ ، فكانت العاقبة أن أصبح مسلمًا، وتألفه ﵇ بقوله: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، وكان يتألفه بالمال، ويذهب كثير من الرواة إلى حسن إسلامه، ومما يستدلون به على هذا: أنه شهد فتح الطائف، وهنالك فقئت إحدى عينيه بسهم أصابها من يد الأعداء، وشهد بعدها وقعة حنين، ثم وقعة اليرموك لعهد عمر بن الخطاب، ولو كان منافقاً، لقعد مع الخالفين، ولم يضق به الحال أن يلتمس عذراً، لا سيما إذ كانت السلطة العسكرية لذلك العهد لا تأخذ الناس إلى الجندية قهرًا، ولا تعاقب البُلُط (١) أو المتأخرين عن صفوف الحرب بالفصل بين الرؤوس والأعناق.
ويضاف إلى هذا: أن المنافق قلما استطاع أن يتصل بقوم ليسوا بأغبياء، ويعاشرهم حينًا من الدهر دون أن تظهر سريرته في لحظاته وبين شفتيه، وهذا شأن كل من يحمل سريرة سوداء؛ فإنه لا يملك مردّها، ويقوى على شد وكائها زمناً طويلاً.
فلو كان أبو سفيان منافقاً، لم يخفَ حاله على النبي ﷺ ، والصحابة المستنيرين المخلصين، ولو وُسم أبو سفيان بين هؤلاء بميسم النفاق، لكان أثره في التاريخ أوضح، وروايته أقوى. وقد تمرد على النفاق نفوس نشأت
стр. 3561
في خمول، ولا يسهل على الذي يكبر في زعامة كأبي سفيان أن يقضي سنين في كفر يحوطه الكتمان من كل ناحية.
لندع المؤلف يتحدث عن أبي سفيان بما يشاء، فإنه يجد في بعض الكتب أثراً يساعده على أن يمس عقيدته وإخلاصه، وقد اعتاد التمسك بالروايات التي يكثر بها سواد المنافقين والمتهتكين، وإن كانت هباء، وإنما نريد مناقشته في شيء آخر وراء إخلاص أبي سفيان.
يقول المؤلف عن أبي سفيان: "وإما أن يصانع ويصالح، ويدخل فيما دخل فيه الناس، لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش مرة أخرى".
نحن على يقين من أن المؤلف لم يتلق بطريق الرواية الصحيحة أو المصنوعة أن أبا سفيان احتمل هذه المصانعة رجاء أن ينتقل هذا السلطان السياسي من الأنصار إلى قريش. وإنما يحاول التشبه بفلاسفة التاريخ المستنبطين، وما هذا الاستنباط إلا من سقط المتاع الذي يقول له المؤرخ بيده هكذا، ويبعده عن ساحة تلاميذه؛ لأنه ناشئ عن عامل غير عامل الفكر، أو عن فكر لا يتمتع باستقلاله.
ينظر المؤرخ يوم فتح مكة، فيجد القائد الأعلى للجند الفاتح من صميم قريش، ويجد كثيراً من هذا الجند لا يمت للأوس والخزرج بنسب، وآخرين لا تزال بيوتهم التي ولدتهم بها أمهاتهم قائمة في بطحاء مكة، ولا يزال آباؤهم أو إخوانهم يغدون من هذه البيوت القائمة وإليها يروحون، وما الأوس والخزرج إلا فرقة من جند تألف حول ذلك القائد القرشي، فالسلطان يوم فتح مكة في يد قريش، ومن البعيد أن يخطر على بال أبي
стр. 3562
سفيان أنه في يد تلك الفرقة التي تسمّى: الأنصار حتى يقول؛ لعل هذا السلطان يعود إلى قريش، ولو قال المؤلف: لعل هذا السلطان الذي انتقل من عبدة الأوثان إلى عبّاد من خلق الأوثان أن يعود إلى عبدة الأوثان، لكان خطؤه قريباً، وشبهته محتملة.
* الخلافة حقيقة شرعية:
قال المؤلف في (ص ٥١): "ولعل النبي لو عُمّر بعد فتح مكة زمناً طويلاً، لاستطاع أن يمحو تلك الضغائن، وأن يوجه نفوس العرب وجهة أخرى؛ ولكنه توفي بعد الفتح بقليل، ولم يضع قاعدة للخلافة، ولا دستورًا لهذه الأمة التي جمعها بعد فرقة. فأي غرابة في أن تعود هذه الضغائن إلى الظهور، وفي أن تستيقظ الفتنة بعد نومها، وفي أن يزول هذا الرماد الذي كان يخفي تلك الأحقاد؟ ".
تحدث النبي ﵇ عن الإمامة والإمام في أحاديث يرويها البخاري ومسلم وغيرهما، وقد شرع القرآن للخلافة قاعدة في قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وزادها النبي ﵇ بياناً؛ إذ ترك للأمة حريتها في انتخاب من ترى فيه الكفاية للقبض على مقاليد أمرها، حتى تكون السيرة المقتدى بها في كل عهد، أما طريقة أخذ الآراء، فموكولة إلى اجتهاد أهل الحل والعقد، ككل مصلحة أرشد إليها الإسلام، وفوض في وسائلها إلى اجتهاد الآراء.
فالخلافة حقيقة شرعية، ونظام كافل لحياة الأمة الاسلامية، ومن يدرس التاريخ بروية وأناة، يدرك بوضوح أن الخلافة رفعت الشرق مكاناً
стр. 3563
عاليًا، وأنه لم يفقد سيادته ومنعته إلا حين اختل نظامها، وسارت في غير سبيلها، وليس في سنّة الخلافة ما تضيق عنه الدساتير المعقولة، أو يمس الحرية المطمئنة، ولعل الذين عجلوا إلى التنكر لها لم يجدوا في مخيلاتهم إلا شبح الخلافة المشربة بروح استبدادية، ولو بحثوا فيها من حيث حقيقتها المشروعة، ونظروا سيرتها يوم مثلها الصلّيق أو الفاروق، لوجدوا في سعة نطاقها ما يحفظ حقوق الأمم، ويطابق مقتضيات كل عصر.
ترك النبي ﵊ القرآن، وما يُبينه من عمل متواتر، أو حديث صحيح، وفي القرآن وما يبينه من السنّة أحكم دستور لقوم يعقلون.
لم يرد الإسلام أن يضع الناس في حرج، فيرسم لهم نظم الإدارة، أو يبين لهم دستورًا على نمط هذه الدساتير التي تتغير على حسب العصور، وتختلف باختلاف البلاد، والذي يليق بحكمة التشريع السماوي أن ينص على بعض الأحكام القائمة على مصالح ثابتة عامة، ويضع أصولاً عالية يستنبط منها كل شعب ما يطابق مصالحه، ويلائم عوائده. وهذا ما يفهمه الراسخون في العلم، وهذا ما يسير عليه الأئمة المجتهدون.
فلو عُمّر رسول الله ﷺ بعد فتح مكة زمناً طويلاً، لم يزد على بناء هذا التشريع لبنة، ولم يبدُ له أن يسن دستوراً كدساتير هذه الدول لا يلبث أن تكبر عنه بعض العصور، فيكون غُلّاً في أعناقها، أو تصغر عنه، فيكون ثوباً فضفاضاً.
أما الضغائن التي ظهرت، والفتن التي استيقظت، فلم يكن منشؤها نقصًا في التشريع كما يزعم المؤلف، بل سببها قلة العلم بالتشريع، وعدم القدرة
стр. 3564
على التطبيق، أو تغلب الأهواء؛ إذ لا عصمة إلا لأنبياء الله المصطفين.
* خلافة أبي بكر قائمة على رضا الأمة:
قال المؤلف في (ص ٥٢): "وفي الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا، حتى اختلف المهاجرون من قريش، والأنصار من الأوس والخزرج في الخلافة أين تكون؟ ولمن تكون؟ وكاد الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين وحزم نفر من قريش، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك لقريش، فما هي إلا أن أذعنت، الأنصار، وقبلوا أن تخرج منهم الإدارة إلى قريش".
القوة المادية: الجند والسلاح والمال، ولم يكن هناك جيش تحت إمارة وزير أو قائد قرشي، وإنما هي الأمة تنفر للجهاد، وعندما تضع الحرب أوزارها يعود كل واحد إلى حرفته. ولم يكن هناك خزائن للسلاح مفاتيحها بيد رجل من قريش، بل كان سلاح كل أحد في يده، أو في بيته، ولم يكن السلاح الذي بأيدي قريش أجود من السلاح الذي كان يحمله الأنصار وسائر القبائل العربية. أما المال فقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب الأموال" عن الحسين بن محمد: أن رسول الله ﷺ لم يكن يقبل مالاً عنده ولا ببيته، قال أبو عبيدة: يعني: إن جاء غدوة، لم ينتصف النهار حتى يقسمه. وروى أبو داود عن عوف بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء، قسمه في يومه. إذاً، لم يكن هناك مال للأمة تحت يد أمير قريش.
فإن قال المؤلف: أريد من القوة المادية: أن قريشاً أكثر من الأنصار عدداً أو أنصاراً، قلنا: الرواية الموثوق فيها تقول: إن المجتمعين في سقيفة
стр. 3565
بني ساعدة طرحوا مسألة الخلافة على بساط الشورى، فاختلف المؤتمرون: أين تكون الخلافة؟ ولمن تكون؟ واشتدت رغبة سعد بن عبادة في أن يتقلد الإمارة على الأنصار، ولما احتدم الجدال، بسط عمر بن الخطاب يده، وبايع أبا بكر، فتتابع الحاضرون من المهاجرين والأنصار على مبايعته، ولم يتخلف عنها سوى سعد بن عبادة، ثم عقد اجتماع عام في المسجد، فتوارد الناس على مبايعته، وتوانى عنها علي بن أبي طالب حينًا، ثم أقبل وبايع ووفَّى.
والرواية تصرح بن الأوس جنحوا إلى ولاية أبي بكر، وتتابعُ الخزرج على مبايعته دليل على أنهم لا يجدون في صدصورهم حرجاً من خلافته، ويروى أن أول من قام من الأنصار وبايع أبا بكر خزرجي يقال له: بشير بن سعد، وهو أبو النعمان بن بشير. فالظاهر أن عمر لم يمد يده إلى المبايعة إلا بعد أن تراءى له أن أكثر الآراء متوجهة إلى اختيار أبي بكر، وسمى مبايعته: فلتة؛ لأنه بادر إليها قبل أن تخرج تلك الآراء في صراحة على ما هو المعهود في نظام الشورى، وعذره في هذه المبادرة: أن بعض الأنصار أسرف في الجدل، وهمّ بما لا تحمد عقباه.
فخلافة أبي بكر لم تعقد بمبايعة عمر، بل تقررت بآراء الأغلبية الساحقة، ولم تقع تحت تأثير جند يتحفز، أو سلاح يشهر، أو مال يبذل، وإذا فرض أن في المهاجرين أو الأنصار من بايعوا متابعة للكثرة السائدة، أو حذراً من سخطها، فمثل هذا لا يخرج خلافة أبي بكر عن أن تكون قائمة على رضا الأمة.
* مقتل سعد بن عبادة الأنصاري:
قال المؤلف في (ص ٥٢): "وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين،
стр. 3566
وأنهم قد أجمعوا على ذلك، لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر، وأن يبايع عمر، وأن يصلي بصلاة المسلمين، وأن يحج بحجهم، وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة، حتى قتل غيلة في بعض أسفاره".
قلنا لكم: إن المؤلف متى وقع نظره على رواية تمس سياسة العرب بعد الإسلام، ضرب منهج (ديكارت) برجله، وكان أجرى إليها من الماء في صبب.
يقول المؤلف: إن سعد بن عبادة قتل غيلة في بعض أسفاره، وسيقول في (ص ٧١): إن السياسة قتلته، ويشير إلى أن الباعث على قتله عدم إذعانه بالخلافة لقريش.
لم يذكر المؤرخون؛ كابن جرير، وابن الأثير، وابن خلدون، ولا الحفّاظ الكاتبون في التعريف بأحوال الصحابة؛ كابن حجر، وابن عبد البر، والذهبي، وجمال الدين المزي رواية أن سعد بن عبادة قتل غيلة بيد السياسة، وإنما تجدها في مثل "شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة" حين قال: "ويقول قوم: إن أمير الشام كمّن له من رماه ليلاً إلى الصحراء، فقتله؛ لخروجه عن طاعة الإمام". وابن أبي الحديد على مذهب الشيعة، والأقرب أن تكون هذه الرواية شيئاً يزعمه بعض غلاتهم.
ونحن لا نشك في هذه الرواية، ونبحثها بقلب خال من كل ما قيل في موت سعد بن عبادة.
لم ترد هذه الرواية في الكتب المبسوطة في التاريخ، أو في التعريف بأحوال الصحابة، وهذا أمارة على أنها لم تدخل في دائرة العلم التي جاس
стр. 3567
خلالها هؤلاء الحفّاظ والمؤرخون، ولا تجد من هؤلاء إلا من يذكر أن سعدًا مات حتف أنفه، أو يذكر ما يزعم من أن الجن قتلته، ومنهم من يحكي أن سبب موته النهش، كما قال ابن قتيبة في "المعارف": "ويقال: إنه نُهش (١)، وهو الصحيح".
وردت هذه الرواية في بعض كتب لا يؤخذ ما ترويه من الأخبار المتصلة بسياسة أبي بكر أو عمر إلا بالتحفظ والاحتراس، ثم إن ابن أبي الحديد لم يسندها إلى قوم بأسمائهم، فلا ندري من هؤلاء القوم، وما مبلغ نصيبهم من الصدق أو البهتان، ولا ندري أيضاً من هذا الأمير الذي كمن لسعد بن عبادة حتى رماه فقتله، وهم يختلفون في تاريخ وفاة سعد، فقيل: في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة، وقيل: في خلافة عمر سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة، أو ست عشرة.
انصب المؤلف على هذه الرواية، لأنها وصمة في سيرة الخلافة الرشيدة، وأعرض عن الرواية التي تقول: "وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد" (٢)؛ لأنها تجعل خلافة أبي بكر منعقدة بإجماع، وتنفي أن يكون هناك من يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة.
* المقيمون من قريش والأنصار:
قال المؤلف في (ص ٥٢): "وانصرفت قوة قريش والأنصار إلى ما كان من انتقاض العرب على المسلمين أيام أبي بكر وعمر، وإلى ما كان
стр. 3568
من الفتوح أيام عمر. ولكن المقيمين من أولئك وهؤلاء في مكة والمدينة، لم يكونوا يستطيعون أن ينسوا تلك الخصومة العنيفة التي كانت بينهم أيام النبي، ولا تلك الدماء التي سفكت في الغزوات".
خشي المؤلف أن يقول: إن قريشاً والأنصار لعهد أبي بكر وعمر لم ينسوا تلك الدماء المسفوكة في الغزوات، فيقال له: ما بالهم امتزجوا وظهروا في قلب رجل واحد، واندفعوا في حروب أهل الردة، وفتح بلاد الروم وفارس، لا يعنيهم أن يكون الخليفة قرشياً، ولا يفرقون بين أن يكون أمير الجيش قرشياً أو أنصاريًا؟ لهذه الحجة الدامغة استثنى المؤلف أولئك المجاهدين الفاتحين، وعرج على هؤلاء المقيمين يرميهم بالانطواء على الضغائن، ولا داعي له ولا بينة يضطرانه إلى قذف تلك النفوس المتآلفة إلا حرصه على أن يكسو تاريخ عهد أبي بكر وعمر لوناً قاتمًا.
* إنشاد حسان للشعر في المسجد النبوي:
قال المؤلف في (ص ٥٣): "وقد ذكر الرواة أن عمر مرّ ذات يوم، فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم شعراً في مسجد النبي، فأخذ بأذنه، وقال: أرغاء كرغاء البعير؟ قال حسان: إليك عني يا عمر، فوالله! لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك، فيرضى، فمضى عمر، وتركه. وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدمنا من أن الأنصار كانوا موتورين، وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم، فكانوا يتعزون بنصرهم للنبي، وانتصافهم من قريش، وما كان لهم من البلاء قبل موت النبي، وما أفادوا بألسنتهم من مجد".
وعد المؤلف بأنه سيمشي في البحث على منهج (ديكارت)، فقلنا:
стр. 3569
عوج في التاريخ سيقوّم، وتزوير في الرواية سينجلي، فإذا هو يهجم على ما يقصه التاريخ بلسان لا عقدة فيه، ويحرفه إلى معان ليس بينها وبين اللفظ صلة إلا على طرف لسانه.
قصة حسّان وردت في كتب الأدب على مثال ما قصها المؤلف نفسه، وقد رأيتم بأعينكم كيف خاض في أحشائها، وركض بين بدايتها ونهايتها، ثم خرج منها بادعاء أن حسّان كان ينشد من شعره الذي هجا به مشركي قريش، وأن عمر استاء من ذلك الصنيع، وأخذته الحمية لقريش أن أخذ بأذن حسّان معنفًا له عن تعرضه لقريش بإنشاد ذلك الهجاء. وها هي تلك القصة ماثلة بين أيديكم، فلا تدل بمنطوقها، ولا بلحن خطابها إلا على أن حسان كان ينشد شعراً في المسجد بصوت جهير، والناس حوله، فكره عمر أن تقام هذه الحفلة في المسجد الذي هو معدّ للعبادة. ولم يذكر في القصة نوع الشعر، ولحسان قصائد غير ما هجا به قريشاً، فقد قال في الجاهلية شعراً كثيراً، وقال في الإسلام ما ليس بهجاء، والشاهد من القصة على أن عمر إنما كره إلقاء الشعر في المسجد على تلك الهيئة: قول حسان: لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك، فيرضى، ولو كان حسان ينشد شعراً في هجاء قريش، لم يمض عمر ويتركه، وهو الذي نهى الناس أن ينشدوا شيئاً من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد للضغائن.
* سيرة عمر بن الخطاب متجلية:
قال المؤلف في (ص ٥٣): "وكان عمر قرشياً تكره عصبيته أن تُزدرى قريش، وتنكر ما أصابها من هزيمة، وما أُشيع عنها من منكر".
стр. 3570
كان عمر قرشياً مسلماً يكره له أدبه أن تزدرى قريش، كما يكره له أن تزدرى الأوس والخزرج، وقيس وتميم، ويكره له ذلك الأدب أن يزدرى عبد الله بن عمر كما يكره له أن يزدرى سلمان الفارسي، وبلال الحبشي. أما أنه ينكر ما أصاب قريشاً من هزيمة، وقد كان من أحرص الناس على هزيمتها، فذلك ما لا تحتمله إلا عقلية "أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية".
يسهل على المؤلف أن يضع إصبعه في سيرة يزيد بن معاوية، أو حماد الرواية؛ لأنه يجد في التاريخ الصحيح أو الباطل ما يعبر به إلى الحديث عنهما بغلو وإغراق، ثم لا يعدم أذنا تصغي إليه، أو قلبا يتلهى به، أما عمر بن الخطاب، فإن سيرته متجلية تحت نبراس من التاريخ الصحيح، لا يستطيع القلم أن يغير منها لوناً، أو يسومها كيدًا، وإن ركب منهج (ديكارت)، وتناول زاده من حقيبة (مرغليوث).
* كتابة الأنصار لأشعارهم:
حكى المؤلف قصة عبد الله بن الزبعرى، وضرار بن الخطاب، حين قدما المدينة، وذهبا إلى أبي أحمد بن جحش، وطلبا منه أن يدعو لهما حسّان لينشداه وينشدهم، فجاء حسان، وأخذا ينشدانه عما قالت قريش في الأنصار، ولما فرغا، استوى كل منهما على راحلته، ومضيا إلى مكة، وذهب حسان مغضباً إلى عمر، وقص عليه الخبر، فأرسل عمر من ردهما، وقال لحسان: أنشدهما ما شئت، فأنشدهما حتى اشتفى.
ثم قال المؤلف في (ص ٥٤): "وقال عمر -فيما يحدثنا صاحب "الأغاني"-: قد كنت نهيتكم عن رواية هذا الشعر؛ لأنه يوقظ الضغائن، فأما إذا أبوا، فاكتبوه. وسواء أقال عمر هذا، أم لم يقله، فقد كان الأنصار
стр. 3571
يكتبون هجاءهم لقريش، ويحرصون على ألا يضيع".
حديث أن الأنصار كانوا يكتبون أشعارهم مما حدثه به صاحب "الأغاني" في رواية هذه القصة نفسها، وقد طوى المؤلف الرواية دونه، وأتاك به في صورة ما لا شك فيه؛ ليكون قبولك له أسرع، وثقتك به أشد. وإذا كتب الأنصار أشعارهم، فليس من المتعين أن يكون حرصهم على كتابتها من جهة أنهم "يجدون في ذلك من اللذة والشماتة ما لا يشعر به إلا صاحب العصبية القوية". فمن المحتمل أن يكون الذين كتبوها إنما يريدون الاحتفاظ بها؛ لأنها نتيجة أعمال فكرية، وكل إنسان يعز عليه إهمال آثاره، أو آثار قومه الأدبية، ومن المحتمل أن يحرصوا على كتابتها؛ لأنها آثار تشهد بأنهم جاهدوا في إعلاء كلمة الإسلام بكل ما ملكوا من بسالة وبلاغة، ومن الملائم لسيرة عمر بن الخطاب - متى صحت الرواية- أن يكون إذنه لهم بكتابتها نظراً إلى هذا الوجه الذي يجعلها أمراً مشروعاً.
* حديث عن العصبيات:
قال المؤلف في (ص ٥٤): "ولما قتل عمر، وانتهت الخلافة بعد المشقة إلى عثمان، تقدمت الفكرة السياسية التي كانت تشغل أبا سفيان خطوة أخرى، فلم تصبح الخلافة في قريش فحسب، بل أصبحت في بني أمية خاصة. واشتدت عصبية قريش، واشتدت عصبية الأمويين، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب، وقد هدأت حركة الفتح، وأخذ العرب يفرغ بعضهم لبعض، وكان من نتائج ذلك ما تعلم من قتل عثمان، وافتراق المسلمين، وانتهاء الأمر كله إلى بني أمية بعد تلك الفتن والحروب".
استنبط المؤلف من تاريخ أبي سفيان: أنه حين أظلته خيل النبي - عليه
стр. 3572
السلام - بمكة، دخل فيما دخل فيه الناس، وهو يرجو أن ينتقل هذا السلطان من الأنصار إلى قريش، لناع للمؤلف هذا الاستنباط، ولا نحرجه بالسؤال عن الطريق الذي ألهمه: أن أبا سفيان أسلم على رجاء أن يعود السلطان السياسي إلى قريش مرة أخرى، وأنه لولا هذا الرجاء، لما آثر المصالحة والمصانعة على المضي في المقاومة؛ فإن لمثل المؤلف هواتف لا تحوم على خاطر الذي يستقبل البحث خالي الذهن من كل ما قيل فيه. وإنما نريد أن نبحث عن مبلغ العصبية في عهد عثمان ﵁، فالذي يظهر أن المؤلف اشتد في الحديث عنها أكثر من اشتدادها.
ميل الرجل إلى قومه وعشيرته أمر مغروز في الطبيعة؛ كحبه أباه وابنه وأخاه، وهي فطرة لا يمكن اقتلاعها من نفوس البشر ما داموا بشراً، بل لا ينبغي العمل على محوها؛ لأنها من أقوى وسائل العمران، وأشد البواعث على التعاون والتناصر، ولكنها قد تزيغ وتطغى، فتنقلب وسيلة دمار، وداعية تخاذل وتقاطع، وهذه الطبيعة الزائغة الطاغية هي التي حمل عليها الإسلام، وقعد لها كل مرصد، وأنفق في تقويمها قسطاً وافرًا من حكمه الرائعة، ومواعظه الحسنة.
يحث الإسلام على إيثار العشيرة بخير لا يعود على غيرهم بشرّ، ويأذن بنصرتهم حين يسامون ضيمًا، أو يجاهدون في سبيل حق، والذي يكرهه، ويريد تطهير الصدور من خبثه: أن يعمل الرجل على نفع رهطه، ولو ألقى برهط غيره في شقاء، وأن يقف في صفوفهم، أو يغمض الطرف ولو أبصرهم يرمون حبات القلوب البريئة بالسهام النافذة، أو الكلمات اللاسعة.
والتحيز للعشيرة بالمعنى الأول مأذون فيه شرعاً، ومرضي عنه عقلاً،
стр. 3573
وهذا هو الذي يوجد في عهد النبوة، وفي عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، أما التحيز للقومية بمعنى نصرة العشيرة وإن كانت ظالمة، والحرص على نفعها وإن جرّ غيرها إلى أذى، فلا أحسب أحداً يستطيع أن يرمي به الأمة في عهد الخلفاء الثلاثة.
قد توجد حمية الجاهلية في أفراد قليلة، كما يوجد النفاق والإلحاد، ولكن الإخاء والائتلاف السائد يغمر هذه الحمية الشاذة، ويمنع المؤرخ من أن يجعلها طورًا من أطوار الأمة، وكذلك فعل الفيلسوف ابن خلدون في "تاريخه" (١) حين قال: "كان لبني عبد مناف في قريش جُمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش، وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم، إلا أن بني أمية كانوا أكثر عدداً من بني هاشم، وأوفر رجالاً، والعزة إنما هي بالكثرة، ولما جاء الإسلام، دهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحي، ونسي العصبية مسلمهم وكافرهم، أما المسلمون، فنهاهم الإسلام عن أمر الجاهلية، وأما المشركون، فشغلهم ذلك الأمر العظيم عن شأن العصائب، وذهلوا عنها حينًا من الدهر إلى أن ملك معاوية، واتفقت الجماعة على بيعته عندما نسي الناس شأن النبوة والخوارق، ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب، وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب".
فمن ينظر إلى تاريخ المسلمين لعهد الخليفة الثالث من الطرق الموثوق بها، يجد العصبية مغلوبة على أمرها، ويكاد التحيز إلى القبيلة لا يتجاوز حدوده المشروعة، ويتفقه في هذا من درس سيرة ذلك العهد في كتب علماء
стр. 3574
الحديث، الذين هم أعرف بنقد الأخبار، وأهدى إلى الحقائق من مؤرخين كثيرين يجمعون إلى الرشد سفهاً، وإلى الجد لهواً ولعباً، فأمثال هذه القصص التي تجدها في كتب أهل الخلاعة، أو من عرفوا بنزعة التشيع إلى قبيل، لا تجدها في كتب من زاولوا نقد الآثار، وأسقطوا من حسابها زوراً كثيراً.
اقرأ سيرة عثمان -مثلاً- في "تاريخ ابن جرير الطبري"، أو مؤلفات أبي بكر بن العربي مثل: "العواصم والقواصم"، و"عارضة الأحوذي"، اقرأها في أمثال هذه الكتب، فإنك تنصرف عنها برأي أخف وأهون من الرأي الذي يحدثك به هذا الذي يتبع أذناب الروايات الواهية أو المصنوعة، وتقع يده على رجس غير قليل.
* العصبية في عهد معاوية ويزيد:
قال المؤلف في (ص ٥٥): "في ذلك الوقت تغيرت خطة الخليفة السياسية، أو بعبارة أدق: فشلت هذه الخطة التي كان يختطها عمر، وهي منع العرب أن يتذاكروا ما كان بينهم من الضغائن في الإسلام. وعاد العرب إلى شرّ مما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإِسلامية، ويكفي أن أقص عليك ما كان من تنافس الشعراء من الأمصار وغيرهم عند معاوية، ويزيد بن معاوية؛ لتعلم إلى أي حد عاد العرب في ذلك الوقت إلى عصبيتهم القديمة".
رفعت العصبية رأسها في أيام معاوية، واستوت جالسة، أو انتصبت قائمة لعهد ابنه يزيد، وعاد كثير من العرب إلى بعض الشرّ الذي كانوا فيه في جاهليتهم، وهو التفاخر بالأنساب، والنظر إلى ذوي القربى بغير العين
стр. 3575
التي ينظر بها إلى الأباعد، وإيثار أولئك بالمنافع، وإن كان هؤلاء أحق بها، أو أحوج إليها، وتقليدهم الأعمال، وإن كان غيرهم أقوم عليها، وهذه السيرة تستدعي بطبيعتها تنافراً بالقلوب، واسترخاء عقدة الإخاء، وتكوّن حزباً أو أحزاباً معارضة.
وقد أدركنا الأمة العربية وهي متصلة بالخلافة العثمانية اتصال الأنامل بالراحة، حتى قام نفر في الآستانة يوقدون نار العصبية التركية، فطارت شرارة منها إلى البلاد العربية، وسرعان ما سرت في قلوب الفتيان، وظهروا في أحزاب معارضة، ولم يتوفق رجال الدولة إلى أن يسوسوهم بحكمة، وكانت العاقبة ما كنا نسمع، وما كنا نرى.
على الرغم من تلك الفتنة الساهرة أيام معاوية ويزيد، لم تكن العواطف الدينية والآداب الإسلامية ملقية السلم إلى تلك الأهواء، وتاركة جماحها يذهب إلى غير منتهى، ويكفي أن أذكرك بن تلك الأمة -على ما مسها من طائف العصبية- قد سكنت تحت راية معاوية، ثم ابنه يزيد، وكانت تجاهد تحت رايتهما، وتفتح البلاد بكل ما تملك من إقدام وإخلاص، وهذا أبو أيوب -وهو من الأنصار- قد سار لفتح قسطنطينية في جيش، وعلى رأسه راية يزيد بن معاوية.
فالعصبية نهضت لعهد معاوية ويزيد، ولكنها وجدت مقاوماً خفف من ويلاتها، ولم يتركها إلى أن يُجَنَّ جنونها، وتفقد شعورها كما كانت في الجاهلية، وهو أدب الإسلام.
* تشبيب عبد الرحمن برملة:
قال المؤلف في (ص ٥٥): "ولعلك قرأت تلك القصة التي تخبرنا