← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

يكتبون هجاءهم لقريش، ويحرصون على ألا يضيع". حديث أن الأنصار كانوا يكتبون أشعارهم مما حدثه به صاحب "الأغاني" في رواية هذه القصة نفسها، وقد طوى المؤلف الرواية دونه، وأتاك به في صورة ما لا شك فيه؛ ليكون قبولك له أسرع، وثقتك به أشد. وإذا كتب الأنصار أشعارهم، فليس من المتعين أن يكون حرصهم على كتابتها من جهة أنهم "يجدون في ذلك من اللذة والشماتة ما لا يشعر به إلا صاحب العصبية القوية". فمن المحتمل أن يكون الذين كتبوها إنما يريدون الاحتفاظ بها؛ لأنها نتيجة أعمال فكرية، وكل إنسان يعز عليه إهمال آثاره، أو آثار قومه الأدبية، ومن المحتمل أن يحرصوا على كتابتها؛ لأنها آثار تشهد بأنهم جاهدوا في إعلاء كلمة الإسلام بكل ما ملكوا من بسالة وبلاغة، ومن الملائم لسيرة عمر بن الخطاب - متى صحت الرواية- أن يكون إذنه لهم بكتابتها نظراً إلى هذا الوجه الذي يجعلها أمراً مشروعاً. * حديث عن العصبيات: قال المؤلف في (ص ٥٤): "ولما قتل عمر، وانتهت الخلافة بعد المشقة إلى عثمان، تقدمت الفكرة السياسية التي كانت تشغل أبا سفيان خطوة أخرى، فلم تصبح الخلافة في قريش فحسب، بل أصبحت في بني أمية خاصة. واشتدت عصبية قريش، واشتدت عصبية الأمويين، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب، وقد هدأت حركة الفتح، وأخذ العرب يفرغ بعضهم لبعض، وكان من نتائج ذلك ما تعلم من قتل عثمان، وافتراق المسلمين، وانتهاء الأمر كله إلى بني أمية بعد تلك الفتن والحروب". استنبط المؤلف من تاريخ أبي سفيان: أنه حين أظلته خيل النبي - عليه

стр. 3572

السلام - بمكة، دخل فيما دخل فيه الناس، وهو يرجو أن ينتقل هذا السلطان من الأنصار إلى قريش، لناع للمؤلف هذا الاستنباط، ولا نحرجه بالسؤال عن الطريق الذي ألهمه: أن أبا سفيان أسلم على رجاء أن يعود السلطان السياسي إلى قريش مرة أخرى، وأنه لولا هذا الرجاء، لما آثر المصالحة والمصانعة على المضي في المقاومة؛ فإن لمثل المؤلف هواتف لا تحوم على خاطر الذي يستقبل البحث خالي الذهن من كل ما قيل فيه. وإنما نريد أن نبحث عن مبلغ العصبية في عهد عثمان ﵁، فالذي يظهر أن المؤلف اشتد في الحديث عنها أكثر من اشتدادها. ميل الرجل إلى قومه وعشيرته أمر مغروز في الطبيعة؛ كحبه أباه وابنه وأخاه، وهي فطرة لا يمكن اقتلاعها من نفوس البشر ما داموا بشراً، بل لا ينبغي العمل على محوها؛ لأنها من أقوى وسائل العمران، وأشد البواعث على التعاون والتناصر، ولكنها قد تزيغ وتطغى، فتنقلب وسيلة دمار، وداعية تخاذل وتقاطع، وهذه الطبيعة الزائغة الطاغية هي التي حمل عليها الإسلام، وقعد لها كل مرصد، وأنفق في تقويمها قسطاً وافرًا من حكمه الرائعة، ومواعظه الحسنة. يحث الإسلام على إيثار العشيرة بخير لا يعود على غيرهم بشرّ، ويأذن بنصرتهم حين يسامون ضيمًا، أو يجاهدون في سبيل حق، والذي يكرهه، ويريد تطهير الصدور من خبثه: أن يعمل الرجل على نفع رهطه، ولو ألقى برهط غيره في شقاء، وأن يقف في صفوفهم، أو يغمض الطرف ولو أبصرهم يرمون حبات القلوب البريئة بالسهام النافذة، أو الكلمات اللاسعة. والتحيز للعشيرة بالمعنى الأول مأذون فيه شرعاً، ومرضي عنه عقلاً،

стр. 3573

وهذا هو الذي يوجد في عهد النبوة، وفي عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، أما التحيز للقومية بمعنى نصرة العشيرة وإن كانت ظالمة، والحرص على نفعها وإن جرّ غيرها إلى أذى، فلا أحسب أحداً يستطيع أن يرمي به الأمة في عهد الخلفاء الثلاثة. قد توجد حمية الجاهلية في أفراد قليلة، كما يوجد النفاق والإلحاد، ولكن الإخاء والائتلاف السائد يغمر هذه الحمية الشاذة، ويمنع المؤرخ من أن يجعلها طورًا من أطوار الأمة، وكذلك فعل الفيلسوف ابن خلدون في "تاريخه" (١) حين قال: "كان لبني عبد مناف في قريش جُمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش، وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم، إلا أن بني أمية كانوا أكثر عدداً من بني هاشم، وأوفر رجالاً، والعزة إنما هي بالكثرة، ولما جاء الإسلام، دهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحي، ونسي العصبية مسلمهم وكافرهم، أما المسلمون، فنهاهم الإسلام عن أمر الجاهلية، وأما المشركون، فشغلهم ذلك الأمر العظيم عن شأن العصائب، وذهلوا عنها حينًا من الدهر إلى أن ملك معاوية، واتفقت الجماعة على بيعته عندما نسي الناس شأن النبوة والخوارق، ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب، وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب". فمن ينظر إلى تاريخ المسلمين لعهد الخليفة الثالث من الطرق الموثوق بها، يجد العصبية مغلوبة على أمرها، ويكاد التحيز إلى القبيلة لا يتجاوز حدوده المشروعة، ويتفقه في هذا من درس سيرة ذلك العهد في كتب علماء

стр. 3574

الحديث، الذين هم أعرف بنقد الأخبار، وأهدى إلى الحقائق من مؤرخين كثيرين يجمعون إلى الرشد سفهاً، وإلى الجد لهواً ولعباً، فأمثال هذه القصص التي تجدها في كتب أهل الخلاعة، أو من عرفوا بنزعة التشيع إلى قبيل، لا تجدها في كتب من زاولوا نقد الآثار، وأسقطوا من حسابها زوراً كثيراً. اقرأ سيرة عثمان -مثلاً- في "تاريخ ابن جرير الطبري"، أو مؤلفات أبي بكر بن العربي مثل: "العواصم والقواصم"، و"عارضة الأحوذي"، اقرأها في أمثال هذه الكتب، فإنك تنصرف عنها برأي أخف وأهون من الرأي الذي يحدثك به هذا الذي يتبع أذناب الروايات الواهية أو المصنوعة، وتقع يده على رجس غير قليل. * العصبية في عهد معاوية ويزيد: قال المؤلف في (ص ٥٥): "في ذلك الوقت تغيرت خطة الخليفة السياسية، أو بعبارة أدق: فشلت هذه الخطة التي كان يختطها عمر، وهي منع العرب أن يتذاكروا ما كان بينهم من الضغائن في الإسلام. وعاد العرب إلى شرّ مما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإِسلامية، ويكفي أن أقص عليك ما كان من تنافس الشعراء من الأمصار وغيرهم عند معاوية، ويزيد بن معاوية؛ لتعلم إلى أي حد عاد العرب في ذلك الوقت إلى عصبيتهم القديمة". رفعت العصبية رأسها في أيام معاوية، واستوت جالسة، أو انتصبت قائمة لعهد ابنه يزيد، وعاد كثير من العرب إلى بعض الشرّ الذي كانوا فيه في جاهليتهم، وهو التفاخر بالأنساب، والنظر إلى ذوي القربى بغير العين

стр. 3575

التي ينظر بها إلى الأباعد، وإيثار أولئك بالمنافع، وإن كان هؤلاء أحق بها، أو أحوج إليها، وتقليدهم الأعمال، وإن كان غيرهم أقوم عليها، وهذه السيرة تستدعي بطبيعتها تنافراً بالقلوب، واسترخاء عقدة الإخاء، وتكوّن حزباً أو أحزاباً معارضة. وقد أدركنا الأمة العربية وهي متصلة بالخلافة العثمانية اتصال الأنامل بالراحة، حتى قام نفر في الآستانة يوقدون نار العصبية التركية، فطارت شرارة منها إلى البلاد العربية، وسرعان ما سرت في قلوب الفتيان، وظهروا في أحزاب معارضة، ولم يتوفق رجال الدولة إلى أن يسوسوهم بحكمة، وكانت العاقبة ما كنا نسمع، وما كنا نرى. على الرغم من تلك الفتنة الساهرة أيام معاوية ويزيد، لم تكن العواطف الدينية والآداب الإسلامية ملقية السلم إلى تلك الأهواء، وتاركة جماحها يذهب إلى غير منتهى، ويكفي أن أذكرك بن تلك الأمة -على ما مسها من طائف العصبية- قد سكنت تحت راية معاوية، ثم ابنه يزيد، وكانت تجاهد تحت رايتهما، وتفتح البلاد بكل ما تملك من إقدام وإخلاص، وهذا أبو أيوب -وهو من الأنصار- قد سار لفتح قسطنطينية في جيش، وعلى رأسه راية يزيد بن معاوية. فالعصبية نهضت لعهد معاوية ويزيد، ولكنها وجدت مقاوماً خفف من ويلاتها، ولم يتركها إلى أن يُجَنَّ جنونها، وتفقد شعورها كما كانت في الجاهلية، وهو أدب الإسلام. * تشبيب عبد الرحمن برملة: قال المؤلف في (ص ٥٥): "ولعلك قرأت تلك القصة التي تخبرنا

стр. 3576

بأن عبد الرحمن بن حسان شبب برملة بنت معاوية؛ نكاية ببني أمية". قصة تشبيب عبد الرحمن برملة رواها صاحب "الأغاني"، ولم يقل: "نكاية ببني أمية"، ولا أحسب هذه الكلمة إلا من طينة الاستنباطات التي يصعد إليها المؤلف على سلم العاطفة، وتشبيب الرجل بالمرأة يكون من داعية صبابة، ويكون لرفع قيمة الشعر، أو التطلع إلى فخر، ويكون نكاية بأبيها أو أخيها وحده، والظاهر، أن تشبيب عبد الرحمن برملة -إن صحّ- لا يُحمل إلا على مثل هذين الباعثين؛ وقد ذكر صاحب "الأغاني" نفسُه أن معاوية قال لعبد الرحمن: ألم يبلغني أنك تشبب برملة؟ قال له: بلى، ولو علمت أن أحداً أشرف لشعري منها، لذكرته. فإن لم يرض المؤلف عن هذا الوجه، ورآه من الاعتذار الذي يراد به التخلص، فليكن ذلك التشبيب للنكاية بيزيد، فقد حكى الجمحي في "طبقاته": أن يزيد وعبد الرحمن كانا يتقاولان الشعر حتى استعلاه عبد الرحمن. ومما يجعل أصل القصة في وهن: أن صاحب "الأغاني" حدثنا تارة أخرى بأن تشبيب عبد الرحمن كان بأخت معاوية، لا بابنته، وأن يزيد قال لمعاوية: إنه شبّب بعمتي. يتواضع المؤلف إلى الروايات التي توافق هواه، ولا يكفيه أن تكون واهية محفوفة بالريبة من كل جانب، حتى يعمد إلى أن يستنبط منها ما لا يخطر على خيال الباحث الرصين. كل أنصاري يشبب بأموية، أو يهجو أموياً، فللنكاية ببني أمية، وكل قرشي يشبب بأنصارية، أو يهجو أنصارياً، فللنكاية بالأنصار. فالعصبية ثائرة، والفتنة غاشمة. إذاً، هذا الشعر الجاهلي منتحل، وليس من الجاهلية في شيء!.

стр. 3577

* يزيد بن معاوية: قال المؤلف في (ص ٥٥): "وأما يزيد، فقد كان صورة لجدّه أبي سفيان، كان رجل عصبية وقوة وفتك، وسخط على الإسلام، وما سنّه للناس من سنن". يصف المؤلف يزيد بالسخط على الإسلام، وما سنه للناس من سنن، وهذا أحد آراء في يزيد بن معاوية، ومنهم من كان يزعم أنه من الخلفاء الراشدين، وكلا القولين باطل يعلم بطلانه كل عاقل (١). فلم يكن يزيد ملكاً ملحداً، ولا خليفة راشداً، بل كان ملكاً يأخذه الهوى بالإثم، وقد يلقي به الغضب في سياسة عرجاء، ومن يخلص نفسه من شهوة تكثير المارقين، ويجردها من داعيتي التعصب للأمويين، أو التحامل عليهم، ثم ينظر في تاريخ يزيد من كل ناحية، يصل إلى أنه لم يكن من الملوك الراشدين، ولا يستطيع أن يحكم عليه بأنه من قوم لا يؤمنون. فالمؤلف يرمي أبا سفيان ويزيد بالسخط على ما سنّه الإسلام من سنن، ويستند في هذا إلى استنباط أشبه شيء بالسراب، أو قصة يتفق المحققون على وضعها، وكان حقاً عليه ألا يحرمهما من التأويل الذي ابتغاه لنفسه، ولم يتق وصمته الخلقية، وسقطته العلمية، وهو أن الإيمان بالقرآن، والتكذيب به قد اجتمعا له في وقت واحد، فهو مسلم بقلبه، جاحد بعقله، واعتقاد أن النقيضين لا يجتمعان، إنما يوجد في أدمغة أنصار القديم. * وقعة الحرَّة: قال المؤلف في (ص ٥٥): "وأنت لا تنكر أن يزيد هو صاحب وقعة

стр. 3578

الحرة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة، والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر، والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة. ولأمر ما يقول الرواة حين يقصون وقعة الحرة: إنه قد قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدراً؛ أي: من الذين أذلوا قريشاً". يعلم كل من له إلمام بالتاريخ: أن سبب وقعة الحرة: سخط طائفة عظيمة من المسلمين على سيرة يزيد، واشترك في هذا السخط فريق من الأنصار، وفريق من قريش، وكان على رأس قريش: عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي العدوي، وعلى رأس الأنصار: عبد الله بن حنظلة الأنصاري، ثم إن قائد جيش يزيد، وهو مسلم بن عقبة حين أرهق أهل المدينة، وأسرف في قتلهم، لم يميز قرشياً من أنصاري، فالحرب وقعت بين جيش يزيد وجماعة المسلمين القاطنين بالمدينة، وقائد هذا الجيش الذي أسرف في الفتك بأهل المدينة، هو الذي سار بالجيش نفسه إلى محاربة ابن الزبير القرشي ومن معه من آل مكة القرشيين. يحكي المؤلف عن الرواة: أنه قتل في وقعة الحرة ثمانون من الذين شهدوا بدراً، وليس في كتب التاريخ ما يصدق هذه الرواية، فمن المؤرخين من لم يتعرضوا لإحصاء القتلى بهذه الواقعة؛ كابن جرير، وابن الأثير، ومنهم من ذكروا عددهم في إجمال، ولم يعرجوا على ذكر أهل بدر، كما صنع ابن الجوزي في "المنتظم"، والصفدي في "الوافي بالوفيات"؛ حيث قالا: إن القتلى يوم الحرة سبع مئة من وجوه الناس؛ من قريش، والأنصار، والمهاجرين، ووجوه الموالي، ومن لا يعرف عشرة آلاف. وتعرض لذكر أهل بدر صاحب كتاب "الإمامة والسياسة"، فقال: "وذكروا أنه قتل يوم

стр. 3579

الحرة من أصحاب النبي ﷺ ثمانون رجلاً، ولم يبق بدري بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبع مئة، ومن سائر الناس عشرة آلاف"، وهذه الرواية لا تشهد للمؤلف في ادعائه أن الثمانين من أهل بدر. * أمانة صاحب "الأغاني ": قال المؤلف في (ص ٥٦): "ولست في حاجة إلى أن أقص عليك هذه القصة الأخرى التي تمثل لنا عمرو بن العاص، وقد ضاق ذرعًا بالأنصار، حتى كره اسمهم هذا، وطلب إلى معاوية أن يمحوه، واضطر النعمان بن بشير، وهو الأنصاري الوحيد الذي شايع بني أمية إلى أن يقول: يا سعدُ لا تجب الدعاء فما لنا ... نسبٌ نجيب به سوى الأنصار نسبٌ تخيّره الإله لقومنا ... أثقلْ به نسباً على الكفار إن الذين ثووا ببدرٍ منكم ... يوم القليب هم وقود النار وقد سمع معاوية هذا الشعر، فلام عمرًا على تسرعه ليس غير". هذه القصة ذكرها صاحب "الأغاني"، وأول ما تجيء الريبة من ناحيته؛ فإن الكاتبين في التعريف بحياته يصفونه بالتشيع (١)، ومنهم من يقول: كان ظاهر التشيع، والمتشيع يضيق ذرعاً بعمرو بن العاص ومعاوية، ويكره اسمهما، ويضاف إلى هذا: أن أهل العلم طعنوا في أمانته، قال ابن الجوزي في "المنتظم": "ومثله لا يوثق بروايته؛ فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب

стр. 3580

"الأغاني"، رأى كل قبيح ومنكر". ونقل ابن شاكر في "عيون الأخبار": أن ابن تيمية يضعفه، ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي به. ونرى صاحب "معجم الأدباء" ينقل من كتاب "الغرباء" أحدِ مؤلفات أبي الفرج أشياء يحكيها أبو الفرج عن نفسه، فتجد فيها تهتكاً، واعترافاً بالفسوق. وإذا كان الرجل يجفو طائفة، ويضم إلى هذا الجفاء عدم استقامة، فلا تحفلْ بما يرويه من حديث يقدح في سيرتهم، وصاعر له خدك، إلا أن تكون ذا هوى، وتجده مصبوباً في قالب هواك. * قصيدة حسان في مدح الزبير: ساق المؤلف قصة الزبير حين مر بنفر من المسلمين، وحسان ينشدهم، وهم غير حافلين به، فلامهم على ذلك، فمدحه حسان بقصيدته: أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والقول بالفعل يعدل وبعد أن أورد المؤلف القصيدة، وهي تحتوي تسعة أبيات: قال في (ص ٥٧): "فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي، وحزنه عليه، وأسفه على ما فات الأنصار من موالاته لهم، وإنصافه إياهم. ولكن بقية هذه الأبيات تدعو إلى شيء من الاستطراد لا بأس به؛ لأنه لا يتجاوز الموضوع كثيراً، فقد يظهر من قراءة هذه الأبيات أنه قد قصد بها إلى الإلحاح في مدح الزبير، وإحصاء مآثره. وقد يظهر أن في آخرها ضعفاً لا يلائم قوة أولها". ثم قال المؤلف: "وقد روى هذه القصة نفر من آل الزبير، ومن أحفاد عبد الله بن الزبير بالدقة، أفنستبعد أن تكون عصبية الزبيريين قد مدت هذه الأبيات وطولتها، وتجاوزت بها ما كان قد أراد حسان من الاعتراف بالجميل إلى ما كانت

стр. 3581

تريد العصبية الزبيرية من تفضيل الزبير على منافسيه، أو على منافسي ابنه عبد الله بنوع خاص". المؤلف في حاجة إلى جلب شواهد على أن العصبية القرشية تنظر إلى الأنصار بعين عابسة، وفي حاجة إلى جلب شواهد على أن حرفة اصطناع الشعر رائجة، ولما وقف على قصيدة حسان هذه، ورأى في البيتين الأولين منها إيماء إلى أن من رجال قريش من لم يرع عهد الأنصار، أو عهد حسان بنوع خاص، رغب في أن يقضي بالقصيدة الوطرين، فآمن بالبيتين؛ لأنهما يدلان في نظره على تنكر قريش للأنصار، وجحد بسائرها، ليزداد شاهداً على أن التعصب للقبيلة أو العشيرة باعث على اصطناع الشعر، وإضافته إلى بعض الأقدمين. القصيدة في تسعة أبيات كما في كتاب "الأغاني"، وجاءت في ثمانية أبيات فقط كما في كتابي "الإصابة" لابن حجر، و"الاستيعاب" لابن عبد البر. والبيت المزيد في رواية "الأغاني" قوله: ثناؤك خيرٌ من فعال معاشر ... وفعلك يابن الهاشمية أفضلُ وأنت إذا جمعت نظرك على ما اتفقت عليه الروايات، وجدت نسج الأبيات متماثلاً، والروح الذي يتخللها واحداً، فالبيتان اللذان اعترف بهما المؤلف هما: أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والعدل بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل والبيات التي يرميها بالاصطناع:

стр. 3582

هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يومٌ محجّل إذا كشفت عن ساقها الحربُ حشَّها ... بأبيض سباقٍ إلى الموت يُرقل وإن امرأً كانت صفيةُ أمه ... ومن أسدٍ في بيتها لمرفل له من رسول الله قربى قرابة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل فكم كربة ذبَّ الزبير بسيفهِ ... عن المصطفى والله يعطي فيجزل فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل ومن لا يقصد قصدَ المؤلف، يرى أن هذه الأبيات رميت عن القوس التي رمي عنها البيتان الأولان، وأنهما لا يتفاوتان إلا كما تتفاوت أبيات القصيدة في البلاغة أو المتانة، مع العلم بن مصدرها قريحة واحدة. من المعقول أن يأسف حسان على ما فات الأنصار من ولاء النبي ﵊ لهم، ولكن البيتين لا يمثلان هذا الأسف، ولا يزيدان على أن يمثلا ارتياحه لما صنع الزبير، وحمده على إقامته على عهد الرسول ﵇, فإن كان هناك شيءآخر، فهو التعريض بمن لم يشملوه بمثل هذا العطف والعناية. فالبيتان صالحان لأن يقولهما حسان، ولم يخطر على باله حال الأنصار مع قريش. ولا سيما حين يكون هؤلاء النفر الذين لم ينشطوا لسماع إنشاده من الأنصار أنفسهم. * قصيدة النعمان بن بشير: ذكر المؤلف قصة النعمان بن بشير حين غضب من هجاء الأخطل للأنصار، وخاطب معاوية في هذا الشأن بقصيدة يقول في طالعها: معاوي إن لم تعطنا الحق تعترف ... لحى الأزد مشدوداً عليها العمائمُ

стр. 3583

وبعد أن سرد المؤلف القصيدة المروية في "الأغاني" (١) أيضاً، قال في (ص ٦٠): "فظاهر جداً أن هذه الأبيات الثلاثة الأخيرة على أقل تقدير حملت على النعمان بن بشير حملاً، حملها عليه الشيعة". القصيدة لا توجد في ديوان النعمان بن بشير، وإنما ألحقها به ناشره نقلًا عن كتاب "الأغاني"، وقد حكى القصة المبرّد في "الكامل" (٢)، وقال: فقال النعمان: معاوي إلا تعطنا الحق تعترف ... لحى الأزد مشدوداً عليها العمائم أيشتمنا عبد الأراقم ضِلَّةً ... وماذا الذي تجدي عليك الأراقم فمالي ثأر دون قطع لسانه ... فدونك من ترضيه عنك الدراهم ولم يزد على هذه الأبيات الثلاثة، فللمؤلف أن يعد ما زاد عليها من المصنوع على النعمان بن بشير، ولعله لا يفعل؛ مخافة أن يفوته شعر يعزى لأنصاري، وفيه روح عصبية هائجة. * ميل الأنصار إلى علي وتأييده: ثم قال المؤلف في (ص ٦٠): "ومع أننا نعلم أن الأنصار حين أخطأهم الحكم، فاضطغنوا على قريش، مالوا بطبيعة موقفهم السياسي إلى تأييد الحزب المناوئ لبني أمية، فانضموا إلى علي". إذا كان علي بن أبي طالب أتقى قلباً، وأقوم سيرة، وأجمع لشروط الخلافة من معاوية، أفلا يكون ميل الأنصار إلى تأييده ناشئاً عن علمهم بأنه

стр. 3584

أحق بالخلافة وأولى؟ لماذا نجتهد في أن تلطخ سرائرهم بمقاصد غير شريفة، ونجعل العلة في تحيزهم إلى جانب علي ﵁ اضطغانهم على قريش حين أخطأهم الحكم؟ أليسوا هم الذين مالوا إلى تأييد رسول الله ﷺ ، ونصروه على قريش؟ والسيرة "تحدثنا بأن صلات المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة" (١)؟ وإذا مالوا إلى تأييد رسول الله ﷺ ، والخلفاء الثلاثة بعده بدافع الإيمان، أفلا يسبق إلى الظن أن ميلهم إلى تأييد على إنما كان على بينة وإخلاص طوية؟. نحن لا نعتقد للأنصار أو المهاجرين العصمة، ولا ننكر على أحد أن يخوض في تاريخ عصرهم بكل ما يملك من وسائل النقد، وإنما ندعو الباحث إلى التثبت في الرواية، والتأني في الاستنباط؛ حتى لا يأتي مثل هذا الذي يأتيه المؤلف، فيظلم التاريخ قبل أن يظلمهم، ويفسد على نفسه نظام البحث قبل أن يفسد على طلابه عقليتهم. * تهاجي ابن حسان وابن الحكم: تعرض المؤلف لقصة عبد الرحمن بن حسان، وعبد الرحمن بن الحكم، وتهاجيهما، وذكر ما ينقل عن الأنصار، وما ينقل عن قريش في سبب هذا التهاجي. ثم قال في (ص ٦١): "وليس من شك في أن هذه القصة خيال كانت تتفكه به الأنصار وقريش بعد أن هدأت نار الخصومة العملية بينهما، وأن ما يرويه صاحب "الأغاني" عن أصل هذه المهاجاة بعيد كل البعد عن النساء.

стр. 3585

كانا صديقين يتصيدان بأكلُب لهما، فقال القرشي لصاحبه: ازجركلابك إنها قلطية ... بُقع ومثل كلابكم لم تصطد فرد عليه ابن حسان: من كان يأكل من فريسة صيده ... فالتمر يغنينا عن المتصيد إنا أناس ريقون وأمكم ... ككلابكم في الولغ والمتردد حزناكم للضبّ تحترشونه ... والريق يمنعكم بكل مهنّدِ وعظم الشر بين الصديقين من ذلك اليوم". لعلك تقرأ هذه الجمل، فينساق ذهنك إلى أن صاحب "الأغاني" لم يعرج على السبب الذي اعتمده المؤلف، وأن المؤلف استمده من كتاب غير "الأغاني"، والواقع أن صاحب "الأغاني" -بعد أن حكى ما يعزى إلى الأنصار وقريش في سبب تهاجي الشاعرين- قال: وأما هشام بن الكلبي، فإنه حدّث عن خالد د سحاق ابني سعيد بن العاص: أن سبب التهاجي بينهما: أنهما خرجا إلى الصيد بأكلب لهما في إمارة مروان، فقال ابن الحكم لابن حسان: "ازجر كلابك ... إلخ" (١). والمؤلف يأخذ في بعض الأحيان بهذه الطريقة، وهي أنه يقطع الرواية عن "الأغاني"، ويأتيك ببقية الحديث في صورة المعروف في غيرها، حتى لا تعده ضيفاً ثقيلاً يأوي إليها كلما احتاج إلى رواية تبلّ صدى عاطفته. * عقوبة الشاعرين جزاء تهاجيهما: أراد المؤلف ألا يبقي صبابة من حديث عبد الرحمن بن الحكم،

стр. 3586

وعبد الرحمن بن حسان، فملأ نحو صحيفتين بحكاية بعث معاوية إلى سعيد ابن العاص يأمره بضرب كل واحد من الشاعرين مئة سوط جزاء تهاجيهما، وتعطيل سعيد أمر معاوية إلى أن خلفه مروان بن الحكم، فنفذ الأمر في عبد الرحمن بن حسان دون أخيه، وأبيات كتب بها عبد الرحمن بن حسان إلى النعمان بن بشير يشكوه فيها ما صنع مروان، وقصيدة النعمان التي خاطب بها معاوية في هذا الشأن، وبعث معاوية إلى مروان بتنفيذ أمره في أخيه عبد الرحمن بن الحكم أيضاً. ثم قال في (ص ٦٤): "ولقد يستطيع الكاتب في التاريخ السياسي أن يضع كتاباً خاصاً في هذه العصبية بين قريش والأنصار، وما كان لهما من التأثير في حياة المسلمين أيام بني أمية، لا نقول: في المدينة ومكة ودمشق، بل نقول: في مصر وإفريقيا والأندلس. ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرًا مستقلاً فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام، وفي الشعر الذي انتحله الفريقان على شعرائهما في الجاهلية". لا جناح على الرجل يعطف على قبيلته، ويحرص على أن يكون لهم مجد، وأن يكون لهذا المجد ذكر سائر، فهذا أمر تنساق إليه النفس بفطرتها، وقد قلنا: إن هذه الخصلة متى سارت على منهج الاعتدال، فحملت صاحبها على القيام بمصالح عشيرته، أو ذكر مآثرهم الحميدة، دون أن يتعرض لغيرهم بسوء، لا تعد من الحمية الممقوتة، ولا العصبية التي يريد الإسلام محوها. وليس في تلك القصة على طولها وعرضها ما يقع في عين الموضوع،

стр. 3587

وهو العصبية المشتدة بين قريش والأنصار، فمعاوية أمر بعقوبة الشاعرين: القرشي، والأنصاري، وسعيد بن العاص لم يجر العقوبة على واحد منهما، ومروان قد يكون انتقم لعبد الرحمن بن الحكم من جهة كونه ابن أبيه الحكم، لا من جهة أنه من قريش، وقد يفعل مثل هذا من يكون خالي الذهن من معنى التعصب للقبيلة، وشكاية عبد الرحمن إلى ابن بشير من قبيل الالتجاء إلى ذي وجاهة وقربى؛ ليرفع عنه مظلمة، وخطاب النعمان بن بشير لمعاوية عرض لقضية اضطهد فيها مروان عامله رجلاً من الأنصار، وإن سمّي مثل هذا تعصبًا، فهو من نوع التعصب المقبول، وقد انتهت الرواية بأن معاوية كتب إلى مروان بتنفيذ أمره في عبد الرحمن بن الحكم، فنفذه، ولم يعص له أمراً. وفي الأبيات التي قيل: إن النعمان خاطب بها معاوية، ذكر ليومي بدر وفتح مكة، وإراءته الأنصار في كثرة عدد، وعزّة جانب، ولا حرج في رفع الشكاية بهذا الأسلوب إذا ألجأ إليه حال الدفاع، ولم يرتجف له قلب السياسة حمقاً، وتجنّ له يدها بطشاً. ومن المحتمل القريب أن تكون قصة تهاجي ابن الحكم وابن حسان قصيرة ذات لون واحد، فأصبحت في كتاب "الأغاني" ذات ذيول وألوان مختلفة، وزادها المؤلف بتصرفه أصباغًا غريبة، وقد أوردها المبرّد في "الكامل" (١) بلون واحد، وجمل لا تشير إلى قصيدتي ابن حسان وابن بشير، فساق ثلاثة أبيات لابن حسان يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم، ثم قال:

стр. 3588

"فكتب معاوية إلى مروان أن يؤدبهما، وكانا قد تقاذفا، فضرب عبد الرحمن ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لابن حسان: قد أمكنك من مروان ما تريد، فأشد بذكره، وارفعه إلى معاوية، فقال: إذاً والله! لا أفعل، وقد حدني كما تحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد. فأوجعه بهذا القول". لا ينكر أحد أن الحمية المتطرفة ظهرت في عهد بني أمية، ولا يسلم أحد أنها بلغت بالعرب إلى مثل ما كانوا عليه من جاهليتهم، فضلاً عن أن يكون شراً منه، وهذا المؤلف يحكي أن معاوية لم يحد عن مبدأ المساواة حين أمر بتأديب القرشي والأنصاري، وحين أمر عامله بأن يضرب أخاه الأموي مقدار ما ضرب ابن حسان، وهل يستطيع المؤلف أن يقيم لنا شاهداً على أن عصبية قريش أو الأمويين في الإسلام بلغت عُشر عصبية هذه الدول أو الأمم التي يود أن يكون له في جوفه قلب آخر يملؤه باحترامها، ورأس ثان يهوي به ساجداً لعظمتها!. إن من هذه الأمم، أو الدول القابضة على شمال أفريقية من يعتدي على حياة الوطني، ولا يقضى عليه ولو بالسجن بضعة أيام، وإذا أنعمت النظر في عصبية هذه الدول أو الأمم، وقايسته بعصبية قريش الخارجة عن حد الاعتدال، وجدت بين العصبيتين فرقاً يكاد يشبه الفرق بين الحرية والاستبداد، أو العدالة والاضطهاد. وقد كانت عصبية الجاهلية تشبه في شدتها وآثارها عصبية هذه الأمم التي يقدس لها المؤلف، ولا تمتاز عنها بشيء إلا أنها كانت تخرج في غير نظام، بل رأينا سبعين مرة كيف تحمى عصبية المدنية، ويتخبطها الغضب، فتظهر في خلقتها الشوهاء، وتصبح أشبه بعصبية الجاهلية

стр. 3589

من الغراب بالغراب. لا نطيل القول في الاستشهاد على أن المؤلف لا يقيم للكلام وزناً أو حسابًا، ويكفي القارئ دليلاً على أنه لا يستطيع أن يضع كتاباً ضخمًا في العصبية بين قريش والأنصار، أنه طاف على أبواب "الأغاني"، ولم يستطع أن يحدثك في هذا الفصل حديثاً يدنيك من نظرية أن العرب عادوا بعد عمر ابن الخطاب إلى شر مما كانوا فيه في جاهليتهم. وهو لا يستطيع أن يضع سفراً مستقلاً فيما كان لهذه العصبية من التاثير في الشعر الذي انتحله الفريقان على شعرائهم في الجاهلية، إلا أن تغمض فيما يحدثك به من روايات موضوعة، وآراء يخذل بعضها بعضاً. * العصبية في بني أمية: قال المؤلف في (ص ٦٥): "وأنت تعلم حق العلم أن هذه العصبية هي التي أزالت سلطان بني أمية؛ لأنهم عدلوا عن سياسة النبي التي كانت تريد محو العصبيات، وأرادوا أن يعتزوا بفريق من العرب على فريق، قووا العصبية، ثم عجزوا عن ضبطها، فأدالت منهم، بل أدالت من العرب للفرس". جاء الإسلام بمحو العصبيات، وهي إنما تمحى بالسيرة التي تمثل هدايته ومبادئه، وقوام هذه السيرة أمران: التعليم، والعدالة. كان النبي ﵊ يقوم على أدب الأمة وتعليمها؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. وكانت أحكامه وسياسته ﵊ تمثل العدل والمساواة في أحكم صورة. وبعاملي التعليم والعدل ذهبت عصبية الجاهلية بين المهاجرين

стр. 3590

والأنصار، وارتبطت قلوبهم بأشد ما ترتبط به القلوب من الإلفة والإخاء، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. وقال في وصف الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. فالعصبية تضعف بقوة ذينك العاملين، وتقوى بضعفهما. وفي كل أمة نفوس لا تقبل الأدب، أو لا تأخذها السياسة العادلة إلى حسن الطاعة، فلا غنى لأولي الأمر من أن يضبطوا سياستهم بالحزم، وكذلك كان الخلفاء الراشدون يشربون سياستهم من العزم والاحتراس بمقدار ما يقتضيه حال الأمة، حتى أواخر عهد الخليفة الثالث، وقد أصبح لينه أكثر من لين الخليفتين قبله، فانتهز عبد الله بن سبأ اليهودي ذلك اللين فرصة، وسعى في طائفة وقعت في مكيدته إلى فتنة يوقدونها باسم الدين تارة، وباسم السياسة تارة أخرى، حتى نزلوا وأراقوا دم الخليفة عثمان بن عفان ﵁. كان قتل هذا الشيخ البريء من عصبية بني أمية سبباً لإذكاء هذه العصبية، ولكن حرصهم على الخلافة، وأخذهم بمقاليدها، جعلهم يكتمون أنفاس هذه العصبية في كثير من صروف سياستهم، ولعلك لا تستطيع أن ترى لها مظهراً إلا حيث يلمحون يداً تعمل على تقويض سلطانهم. فعصبية بني أمية كانت فاسقة عن أمر الإسلام من ناحية، ومغلوبة لسلطانه من ناحية أخرى، وهذا ما ساعدها على أن تبلغ من العمر ما لا تبلغه

стр. 3591

دولة ذات عصبية جاهلية لو بسطت يدها على أمم أكثر من قبيلتها عدداً، وليست أقل منها علماً وخلقاً. للعصبية أثر في سقوط دولة بني أمية، وكبر سبب في سقوطها ذلك الحزب الذي يرى أن بني هاشم أحق بالخلافة، وأخذ يبدو تارة، ويحتجب تارة أخرى، حتى وقعت الدولة في ترف، وفقدت الرجال القوامين على الحروب، وبعدت عن خطة الخلافة الرشيدة، فنهض هذا الحزب، وسرعان ما جمع حوله شعوباً وقبائل تنقم على تلك الدولة خلل سياستها، فافتكّ منها الخلافة، ووضعها في أيدي بني العباس. فدولة بني أمية -على ما كان فيها من عصبية أو هوى- قد خدمت الإسلام بفتوحات واسعة، وكان لكثير من رجالها مآثر عمرانية فاخرة، ولا تنس أن من رجال تلك الدولة من يبرأ من العصبية، ولم يأت في سياسته على ناحيتها؛ كعمر بن عبد العزيز، ومنهم من كان يغمرها بالهمم الكبيرة، والقيام على كثير من المصالح العامة؛ كالوليد بن عبد الملك. فنسبة سقوط دولة بني أمية إلى العصبية وحدها، من نوع المبالغة التي لا تقبلها المباحث العلمية، ودعوى أن العرب وقعت بعد عمر بن الخطاب في أشد مما كانوا عليه في جاهليتهم، لا تصدر إلا ممن يريد إذاية هذه الأمة الكريمة، وجحود ما كان لها من مزية وفضل، حتى على هذه الدول الغربية التي يود المؤلف أن يكون له لسان آخر وقلم ثان يصرفهما في سبيل الدعوة إلى ما ينفعها. * رواية الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص ٦٥): "وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر

стр. 3592

الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وإنما كانت ترويه حفظاً. فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردة، ثم الفتوح، ثم الفتن، قتل من الرواة والحفاظ خلق كئير. ثم اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية، وراجعت شعرها، فإذا كثره قد ضاع، وإذا أقلّه قد بقي". بحث (مرغليوث) في طريق تلقي هذا الشعر الجاهلي، فقال: أول ما نسأل عنه: طريق وصول هذا الشعر إلى الرواة؛ هل هو الرواية حفظاً، أم الكتابة؟ والرأي الأول هو الذي يذهب إليه الجمهور، وينقلون عن الخليفة الثاني: أنه قال: "تشاغل العرب عن الشعر وروايته في صدر الإسلام بالجهاد، ولما جاءت الفتوح، واطمانت العرب، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤُولوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه كثير". ثم قال (مرغليوث) منتقداً هذا المقال الذي يعزى إلى عمر بن الخطاب ﵁: "من العبث نسبة هذا القول للخليفة الثاني؛ لأن زمن السلم لم يحن إلا في عهد الأمويين؛ أي: بعد موته بثلاثين سنة". ثم قال: "وبقاء قصائد تروى حفظاً غير متيسر، إلا إذا كان هنالك أشخاص وظيفتهم حفظها، وتعليمها لغيرهم باستمرار، وليس لدينا أي دليل على أن هنالك أشخاصاً يقومون بهذه الوظيفة، كما أنه من المستحيل أن ينجوا من حروب الفتوحات الإسلامية الأولى". وهذان النقدان من صنف آراء "كتاب في الشعر الجاهلي". والأول مدفوع بأنه يكفي في صحة المقال فتح الشام والعراق والفرس ومصر، وذلك كله مما تم في عهد الخليفة الثاني، وقد اقتصر في المقال على هذا، فقال:

стр. 3593

"وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم" (١)، وحيث أصبحت هذه الممالك مع الجزيرة العربية في أمن وسلم، فلا شيء يمنع المقيمين بها من الرجوع إلى الشعر، وصرف الهمة في روايته، ونحن نرى أن رواية الأشعار لم تنقطع حتى في الأيام التي استعرت فيها نار الحرب بين المسلمين ومشركي الجزيرة، وغاية ما طرأ على الرواية: أن خمل سوقها، وذهل أكثر الناس عنها، وليس الشعر بعمل يدوي حتى يقال: إن العرب نكثوا أيديهم منه جملة، ووضعوها في قبضة الحسام والعنان، وإنما هو عمل اللسان، فيصح أن يكون سلوة النازح عن وطنه، وسمر من يبطئ عنه نعاسه، وليس من البعيد أن يتناشدوه قبيل الزحف، وعقب الظفر، ففي الشعر ما يحمل على الثبات، وفي الشعر ما يلقي بالنفوس في معترك المنايا، وفي الشعر ما يقلب الجبان بطلًا لا يرهب الردى. وأما قول (مرغليوث): إن رواية الأشعار حفظاً لا تتيسر إلا إذا كانت وظيفة أشخاص يقومون عليها باستمرار، فمنشؤه الذهول عن عناية العرب بالشعر، وشغفهم بروايته، حتى أصبحت صناعة بالغة من الرواج إلى أن لا يحتكرها فريق معلوم، ودعواه أن الحروب الأولى حصدت كل من يروي شعراً عن الجاهلية، ملقاة على غير بينة، بل على غير روية، إذ من البديهي أن الحروب لم تسحق الجيوش الفاتحة على بكرة أبيها، فمن الجائز أن يبقى في هؤلاء الجنود الظافرين من يروون شعراً كثيراً، ولا سيما حيث نلحظ أن الرواية لا ينقطع معينها، ولا يسكن ريحها، ولو بين القوم الذين يصلون نار الحرب بكرة وعشيّا، قال الإمام عليّ في خطبة خطبها أهل الكوفة: "إذا

стр. 3594

تركتكم، عدتم إلى مجالسكم حلقاً عزين، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار". ثم قال (مرغليوث): "إن القرآن قد ذمّ الشعراء في قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٥]، وهذا الذم يكون من أقوى الدواعي إلى الانصراف عن الشعر وتناسيه، وهناك سبب آخر، وهو أن أكثر الأشعار الجاهلية كانت تشتمل على مفاخر قومية، وحيث كانت غاية الإسلام توحيد الأمة العربية -وقد أفلح في ذلك-، كان بالطبع يحتم على الناس تناسي كل قول يثير الأضغان، ويهيج الأحقاد". ذمُّ القرآن للشعراء قد فهمه أهل العلم على الشعر المشتمل على زور، أو مناهضة حق، وما عداه، فمأذون في إنشاده، قال النبي ﵊: "إن من الشعر حكمة" (١). وقال: "أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" (٢). ومن الثابت أن الصحابة ﵃ كانوا يتناشدون الأشعار. فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين، ولا متماوتين، وكانوا ينشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه، دارت حماليق عينيه. وروي من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت أجالس أصحاب رسول الله ﷺ مع أبي في المسجد، فيتناشدون الأشعار، ويذكرون حديث الجاهلية.

стр. 3595

وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، من حديث جابر بن سمرة، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون الشعر، وحديث الجاهلية عند رسول الله ﷺ ، فلا ينهاهم، وربما يبتسم (١). ولا يمنع الإسلام من إنشاد أشعار تشتمل على مفاخر قومية، إلا أن تنطوي على هجاء يتأذى منه بعض السامعين؛ كالأشعار التي نهى عمر بن الخطاب عن إنشادها. ثم تصدى (مرغليوث) للبحث في الطريق الثاني -وهو الكتابة-، فقال: "بقي لدينا أن يقال: إنها كانت تنقل على طريق الكتابة، ولو صح زعم أن هذه القصائد كانت عندما تنشد، ويعجب الناس بها، يكتبونها، ويسألون عن منشئها، لكان من البديهي أن تنقل صور هذه الصحائف، وتباع حتى يستفيد منها أربابها". الشعر الجاهلي مرويّ بطريق الحفظ، ومن الجائز أن تصل بعض الأشعار إلى الرواة على طريق الكتابة، والقصيدة تكتب في صحيفة أو صحيفتين، ولم يكن لأمثال هذه الصحف المفرقة قيمة ورواج، حتى يذكر التاريخ أنها كانت تباع، ويستفيد منها أربابها. ثم قال (مرغليوث): "طالما جرى ذكر الكتابة في هذه القصائد، حتى إن بعض الشعراء ذكرها في شأن أشعاره نفسها، فالحارث بن حلزة ذكر (في البيت ٦٧) من معلقته عقد معاهدات مسطورة على مهارق" (٢).

стр. 3596

ويقول شاعر من هذيل: فيها كتاب ذبر (١) لمقترئ ... يعرفه البهم ومن حشدوا ويقول شارحوها: أراد بذلك الكتابة الحميرية على جريد النخل. ومن المروي: أن شاعراً اسمه قبيصة كتب على سرجه شعراً. كما أن ذا رعين أحد ندماء ملك حمير كتب لهذا الملك بيتين (٢)، بيد أن نوع الكتابة غير معروف. وذو جدن ملك حمير الذي كشفت جتته الضخمة في صنعاء، وجد على رأسه لوح مسطور عليه شعر بلغة عربية فصحى (٣)، وغالب الظن أنه هو الذي سطر هذه الأشعار. والشاعر لقيط نظم شعراً عنوانه: كتاب في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إيادِ والشعر في تحذيرهم من حملة يدبرها ملك الفرس ضدهم (٤).

стр. 3597

وأنشد شاعر جاهلي قطعة من كتاب أملاه عليه آخر كما في "ديوان هذيل" (١). ثم قال: "إذاً، من الممكن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهليين؛ حيث نفرض أنها كانت تكتب، وتنشر بانتظام، ولكن وجود أدبيات مسطورة قبل الإسلام بقلم حميري، أو بخط آخر، يناقض نصوص القرآن حين يقول للعرب: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] القلم: ٣٧، ويقول: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١]. ولو أن الشعر الجاهلي كان محفوظاً في كتاب، لثبت أن للجاهليين جملة كتب مهمة، وسؤال القرآن وإنكاره يدل على عدم وجودها". وقد تعرض (إدور براونلش) إلى هذه الشبهة في مقاله الصادر في "مجلة الأدبيات الشرقية"، ودفعها بما هو حق واضح، فقال: "القرآن يقول لأهل مكة: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾، و (مرغليوث) يرى أن هذا حجة قوية على أن الشعر الجاهلي في عهد محمد - صلوات الله عليه - لم يكن موجوداً، أو على الأقل لم يكن مدونًا، وإلا، لأجابه الخصوم بقولهم: نعم، وأروه جملة دواوين. ولكن لا يريد القرآن بنفي الكتاب عن أهل مكة أيّ كتاب كان، وإنما يريد: نفي كتاب مثل القرآن في معانيه، أو على الأقل يكون قريباً منه".

стр. 3598

فشبهة (مرغليوث) مدفوعة بأن القرآن إنما ينفي عن المشركين أن يكون لهم كتاب حكمة وهداية، وهذا لا يناقضه أن تكون لهم أشعار مخطوطة تحتوي على غزل أو فخر، أو مديح أو هجاء، أو وقائع حروب. وصفوة البحث: أن الشعر العربي كان يُتلقى بالرواية حفظاً، ومن المحتمل أن يصل شيء منه إلى الرواة على طريق الكتابة، فقد رأيتم المؤلف يعترف بما رواه صاحب "الأغاني" من أن الأنصار كانت تكتب أشعارها، وحكى ابن جني في "الخصائص" (١): أن النعمان بن المنذر أمر، "فنسخت له أشعار العرب في الطنوج، قال: وهي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إنّ تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار". ولكن (مرغليوث) رأى ابن جني يسند هذه القصة إلى حمّاد الرواية، فقال: "إذا كان مصدر هذه الرواية حمادًا الرواية، فإنه لم يقصد بها إلا أن يظهر للناس أنه يعرف من أشعار الجاهلية ما لا يعرفه غيره". وقد أورد ابن سلام في "طبقات الشعراء" ما يوافق هذه القصة، ولم يسندها إلى راوٍ بعينه، فقال: "وقد كان عند النعمان بن المنذر منه - الشعر- ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان، أو ما صار منه". فمن يعتدّ بهذه الآثار يرى أن من الشعر العربي ما وصل إلى الرواة على طريق الكتابة، فإن لم تكن بالغة مبلغ ما يعبأ به، فإن اعتياد العرب

стр. 3599

لرواية الشعر حفظاً، واتساعهم في الحفظ إلى غاية بعيدة، يقوم مقام كتابته، إلا أن يلحقه تغيير بعض الكلمات، أو ترتيب بعض الأبيات، أو نسيان شيء منها. يروى عن ذي الرمة: أنه قال لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أحبّ إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها. * قريش وانتحال الشعر: قال المؤلف في (ص ٦٥): "وليس هذا شيئاً نفترضه نحن، أو نستنبطه استنباطاً، وإنما هو شيء كان يعتقده القدماء أنفسهم. وقد حدثنا به محمد ابن سلام في كتابه "طبقات الشعراء"، وهو يحدثنا بأكثر من هذا، يحدثنا بأن قريشاً كانت أقل العرب شعراً في الجاهلية، فاضطرها ذلك إلى أن تكون أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام". أخذ المؤلف يبحث عن حتف كتابه بقلمه، فقد جعل يعترف بأن القدماء وجهوا عنايتهم إلى هذا الشعر الجاهلي، وتناولوه بالنقد من جهة نسبته إلى من يعزى إليهم، وتحدثوا في هذا بالإجمال تارة، وبالتفصيل تارة أخرى، وسنبسط البحث عن عنايتهم بنقد الشعر من هذه الجهة في مقالة أخرى، وإنما نريد مناقشته فيما نقله من كتاب "الطبقات"، وتخيَّله حجة قائمة. إذا قال القدماء: إن قريشاً كانت أقل العرب شعراً، فهم لا يقولون هذا إلا بعد موازنتهم بين أشعار القبائل، ولا بد أن تكون هذه الموازنة بين ما وثقوا بصحة نسبته إليهم، وإذا كان الفصحاء من الشعراء لا يبعدون عن عهد النبوة بأكثر من عصر أو عصرين، فنظراً لعناية العرب بأنسابهم، ومعرفة

стр. 3600

أخبار رجالهم، لا يستطيع قريش أن يخلقوا رجلاً غير شاعر، وينحلوه شعراً لم يقله؛ إذ لا بدّ أن يكون هذا الشعر المنتحل معزوًا إلى رجال عرفوا بنظم الشعر؛ كعبد الله بن الزبعرى، وأبي عزة الجمحي، ونحوهما، والأشعار التي تنسب إلى من له شعر متداول يسهل على الحاذق في صناعة نقد الشعر تمييز حقها من مصنوعها، ثم إن ابن سلام نفسه يكاد يجعل ما انتحلته قريش في معنى مباراة الأنصار وحسان، فقد قال في "الطبقات" (١): "وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار، والرد على حسان". وإذا كان المنتحل من شعر قربش يعود بجملته أو بمعظمه إلى مفاخرة الأنصار ومهاجاتهم، فإن ابن هشام قد نبَّه في "السيرة" على قسم كبير منه، ويحكي أن أهل العلم بنقد الشعر أنكروه، ووصفوه بالاصطناع. وإذا ثبت أن العلماء بنقد الشعر قد وضعوا شعر قريش تحت أنظارهم، وقلبوا فيه أذواقهم، وقاسوه بما عرفوا من أسلوب الشاعر، وما يناسب حال بلاغته، فالذي يغلب على الظن أن الباقي من شعر قريش بعد المطروح في "سيرة ابن هشام" وغيرها من كتب الأدب هو شعر ثابت النسبة إلى من يعزى إليهم، ونستمر على هذا الظن حتى يعمد المؤلف أو غيره إلى شعر بعينه، وينفيه عن صاحبه ببينة. * رواية ابن إسحق: حكى المؤلف ما يراه ابن سلام من أن الرواة المصححين لم يحفظوا لطرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص إلا قصائد بقدر عشر، وأنه حُمل عليهما شعر كثير.

стр. 3601

ثم قال في (ص ٦٦): "ولكن ابن سلام لا يقف عند هذا الحد، بل هو ينقد ما كان يرويه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير في الشعر يضيفونه إلى عاد وثمود، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق. وأي دليل على ذلك أوضح من هذه النصوص القرآنية التي تثبت أن الله قد أباد عاداً وثمود، ولم يبق منهم باقية؟! ". هذه شواهد يسوقها المؤلف على أن القدماء من علماء الأدب بذلوا مجهودهم في نقد الشعر الجاهلي، وأنهم ذهبوا في نقده مذاهب شتى، ألا ترى ابن سلام كيف جعل في الرواة مصححين، وهم الذين ينقدون ما يعزى إلى الشعراء من نظم، فيحفظون ما صحت نسبته إليهم، وينفضون أيديهم مما عداه؟ أو لا ترى الرواة كيف كشفوا عن حال ما يرويه ابن إسحاق، وأسقطوا جزءاً كبيراً من هذه الأشعار المنتحلة؟! قال ابن سلام: "وممن هجّن الشعر وأفسده، وحمل كل غثاء: محمد بن إسحاق مولى آل مخرمة ابن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به، فأحمله، ولم يكن له ذلك عذراً، فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر، ومن رواه منذ ألوف من السنين؟ والله يقول: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم: ٥٠ - ٥١]. وقال في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وقال ابن النديم في وصف ابن إسحاق أيضاً: "ويقال: كان يُعمل له

стр. 3602

الأشعار، ويُسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة، فيفعل، فضمّن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر، وأخطا في النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى، ويسميهم في كتبه: أهل العلم الأول، وأصحابُ الحديث يضعفونه، ويتهمونه". فقد عرف علماء الأدب شأن ابن إسحاق، وبفضل ما لديهم من روية وأناة نظروا إلى قلة أمانته، أو تسرعه إلى حمل ما يؤتى به من الأشعار، وجعلوا نسبة ما يرويه من الشعر إلى شخص معين لاغية، ولم يتخذوه وسيلة إلى الطعن فيما يرويه غيره من الشعر، بل وجهوا إلى كل واحد من الرواة نظراً خاصاً، وتناولوا كل ما يرد عليهم من الشعر بنقد مستقل. * القدماء ونقد الشعر: قال المؤلف في (ص ٦٧): "وسنعرض بعد قليل لهذا النحو من البحث من شعر عاد وثمود، وغير عاد وثمود، ولكننا إنما ذكرناه الآن؛ لنبين كيف كان القدماء يتبينون كما نتبين، ويحسون كما نحس: أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين أكثره منحول، لأسباب منها السياسي، ومنها غير السياسي، كان القدماء يتبينون هذا، ولكن مناهجهم في النقد كانت أضعف من مناهجنا، فكانوا يبدؤون، ثم يقصرون عن الغاية". يقول المؤلف هذا، وهو يحسب أن نظرية الشك في الشعر الجاهلي ستبقى معزوة إليه، وأن الناس لا يشعرون بما كتبه الباحثون من قبله، ولو نظر إلى صلته بهذا البحث نظراً عادلاً، لكبر في فمه أن يقول: "ولكن مناهجهم في النقد كانت أضعف من مناهجنا". القدماء ألّفوا في نقد الشعر جملاً عامة؛ كما تال ابن سلام -بعد ذكر

стр. 3603

اْبيات نسبت إلى النابغة-: "وأنا منها في شك، ولكنه قلَّ ما لا شك فيه"، وكشفوا الستار عن حال رجال حتى لا يعول على روايتهم في شيء ينفردون به، كما صنعوا فيما حدثوك به عن ابن إسحاق، وابن دأب، وغيرهما، ثم تناولوا بالنقد المفصَّل كثيراً من أشعار عُزيت لأشخاص معينين، ففتحوا للنقد طرقاً أقلّ ما يستحقون بها الخلاص من أذى التطاول الذي يدّعيه الطيش، وينازعه فيه الغرور. ونحن لا ندعي أن القدماء أتقنوا تاريخ الأدب من كل جانب، ولا نكره للناشئ الألمعي أن يبحث فيما صدر عنهم من رأي، أو مرّ عليهم من رواية، ولكن المؤلف يرفع مناهجه على مناهجهم، وهو بالطبيعة لا يريد غير هذه المظاهر التي خرج فيها كتاب "في الشعر الجاهلي". ومن أشد الحيف على الذين أوتوا العلم أن تجعل هذه المظاهر الهازلة خيراً مما صنعوا. * أثر السياسة في اصطناع الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص ٦٧): "ومهما يكن من شيء، فإن هذا الفصل الطويل ينتهي بنا إلى نتيجة نعتقد أنها لا تقبل الشك، وهي أن العصبية، وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر، وإضافته إلى الجاهليين، وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة". عقد المؤلف الفصل في نحو عشرين صحيفة قضاها في الحديث عن أمر كتب فيه القدماء والمحدثون، وهو شأن العصبية في صدر الإسلام وعهد الأمويين وما كان من التهاجي بين بعض شعراء الأنصار وآخرين من قريش، والتوى في أثناء هذا الحديث إلى آراء قد عرفت مصدرها، وأخرى ناجتك

стр. 3604

بسريرتها، ورجعتَ بها إلى صف دون الصف الذي وضعها فيه صاحبها. ولم يستطع المؤلف أن يضرب في هذا الفصل الطويل مثلاً لشعر جاهلي اخترعته نزعة سياسية، وذلك ما يقتضيه عنوان الفصل "السياسة وانتحال الشعر"، وقد أدرك أنه لم يجر في حديثه تحت هذا العنوان، ولم يأت بمقدمات تنتج أن في الشعر الجاهلي ما اصطنع لغاية سياسية، فقال: "ينتهي بنا إلى نتيجة نعتقد أنها لا تقبل الشك، وهو أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر، وإافته إلى الجاهليين". فالقدماء ذكروا في أسباب انتحال الشعر للجاهليين: العصبية القومية، ومن أراد أن يقرر أن من الشعر الجاهلي ما افتعل لغرض سياسي، ويضع لذلك عنوانًا يكتبه بأحرف ممتازة، فليأت ولو بمثل أو مثلين واضحين، ويريح القارئ من أقوال لا تقع في عين الموضوع، فضلاً عما فيها من صبغ بعض الوقائع بألوان لا تلائمها. فالواقع أن السياسة اغترفت من قرائح الشعراء مديحًا أو هجاء، أما أن يكون لها أثر في اصطناع شعر جاهلي، فذلك ما لم يسق له المؤلف في طول هذا الفصل وعرضه شاهداً، وهو ما ينتظره كل من يقرأ عنوانه: "السياسة وانتحال الشعر". * الشك في صحة الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص ٦٧): "ونحن لا نقف عند استخلاص هذه النتيجة وتسجيلها، وإنما نستخلص منها قاعدة علمية، وهي أن مؤرخ الآداب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهلياً، أن يشك في صحته، كلما رأى شيئاً

стр. 3605

من شأنه تقوية العصبية، أو تأييد فريق من العرب على فريق". إن أراد من الشك ذلك الاحتمال الذي يحوك في النفس، فيحملها على البحث، ويرسي بها على حال يرتضيه العلم، فهو مبدأ كل ناقد نحرير، ولا يحتاج إلى هذه المقدمات الممدودة على آراء ملقوطة، وقصص لا يُدرَى مبلغها من الصحة. صان أراد من الشك معنى إلغائه، وعدم الثقة به، فمما لا يسيغه العلم أن يطعن في نسبة شعر، وتقطع صلته من قائله لمجرد ما فيه من تقوية عصبية، أو تأييد فريق على فريق.

стр. 3606

الدين وانتحال الشعر أتى المؤلف في صدر الفصل على أن العواطف والمنافع الدينية، ليست أقل من العواطف والمنافع السياسية أثراً في تكلف الشعر وانتحاله، وإضافته إلى الجاهليين، وزعم أن هذا الانتحال المتأثر بالدين ربما ارتقى إلى أيام الخلفاء الراشدين. ثم قاد في (ص ٦٩): "ولو أن لدينا من سعة الوقت وفراغ البال ما يحتاج إليه هذا الموضوع، للهونا وألهينا القارئ بنوع من البحث لا يخلو من فائدة علمية أدبية قيمة، وهو أن نضع تاريخًا لهذا الانتحال المتأثر بالدين". رأيتم المؤلف كيف عقد فصلاً تحت عنوان: "السياسة وانتحال الشعر"، ولم يستطع أن يسوق في ذلك الفصل الطويل شعرًاا نتحل لدل سياسي، وأضيف إلى الجاهليين، وها هو ذا يعقد فصلاً آخر تحت عنوان: "الدين وانتحال الشعر"، ثم لا تجدونه يضرب لكم مثلاً صحيحاً فوق ما عرفتموه من ضروب الشعر التي تحدث عنها الأقدمون. يقول المؤلف: ربما ارتقى عصر الانتحال المتأثر بالدين إلى أيام الخلفاء الراشدين. ولعل القراء يتيقنون حرص المؤلف على تشويه سمعة العرب لعهد أولئك الخلفاء بوجه خاص، فلا يفوتهم أنه لو لمست يده شعراً انتحل لذلك العهد، لطار به فرحًا، وكتبه كما كتب عنوان الفصل بأحرف ممتازة.

стр. 3607

وحشوُه هذا الفصلَ بما تقرؤونه من لهوالحديث، دليل على أنه لو ملك من سعة الوقت وفراغ البال أكثر من هذا الذي يملك، لم يزد على أن يلهو أو يلهي القراء بنوع من البحث لا يخرج عن هذه الدعاية المتصلة بالمعمل الذي خرج منه "ذيل مقالة في الإسلام دا، ثم لا يخلو من تحريف حقائق تاريخية، أو أدبية قيمة. أنكر المؤلف في (ص ٦٩) كل ما يروى من الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدًا للبعثة النبوية، وكل ما يتصل به من الأخبار، وزعم أنها "تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم، وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي يخرج من قريش أو من مكة". كان لحماة حقائق الإسلام في المناظرة موقفان: موقف مع المخالفين، وهؤلاء إنما كانوا يناضلونهم في أصول العقائد، ويحاكمونهم إلى النظر والحجج العقلية البحتة. وموقف مع موافقيهم في الأصول، ومناظرة هؤلاء إنما تكون في ظل تلك الأصول، فتجري المناظرة في نظام، وتنتهي في الغالب بسلام. وقد خرج في هذا العصر طائفة يقولون بأفواههم: إنهم مسلمون بقلوبهم، جاحدون بعقولهم، فإذا أنكروا رواية، أو فرعًا يتصل بالدين، لا تدري أتحاصرهم تحت ظل الأصول المقررة، أم ترجع بهم إلى النظر الصرف، وتعود بهم إلى البحث في الإيمان بالله وكتبه ورسله؟. ينكر المؤلف كل ما يروى من الشعر والأخبار الممهدة للبعثة النبوية، وإنكارها على هذا الوجه إنما تسمعه ممن ربط قلبه على نفي النبوة، إذ ليس من المحتمل عنده أن يقال فيها شعر، أو يرد عنها خبر قبل أن يدعيها صاحبها.

стр. 3608

أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخليقة حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر، أو خبر يتصل بها، وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد، ويضعونه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام، فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع؛ كالأخبار والأشعار المعزوّة إلى قس بن ساعدة. * شياطين الشعراء: قال المؤلف في (ص ٧٠): "فقد يظهر أن الأمة العربية لم تكن أمة من الناس الذين ينتسبون إلى آدم ليس غير، وإنما كان لإزاء هذه الأمة الإنسية أمة أخرى من الجن كانت تحيا حياة الأمة الإِنسية، وتخضع لما تخضع له من المؤثرات، وتحس مثلما تحس، وتتوقع مثلما تتوقع، وكانت تقول الشعر، وكان شعرها أجود من شعر الانس، فأنت تعرف قصة عبيد وهبيد، وأنت تعرف أن الأعراب والرواة قد لهوا بعد الإِسلام بتسمية الشياطين الذين كانوا يلهمون الشعراء قبل النبوة وبعدها". ينقل الرواة ومن يكتبون في الأدب العربي أن الشعراء في الجاهلية يقولون، أو يقال عليهم: إن لهم قرناء من الجن يلهمونهم الشعر. وممن روى هذا: الجاحظ، وسمّاه زعماً، فقال في "كتاب الحيوان" (١): "يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطاناً يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر، ويقولون: اسم شيطان المخبل عمرو، واسم شيطان الأعشى مسحَل (٢) "،

стр. 3609

ونقل عن أبي إسحاق النظام كلاماً في أصل هذا الزعم ومنشئه، حتى قال: "ومما زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومدّ لهم فيه: أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم، صالا غبيًا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يوجب التكذيب أو التصديق أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط، وأما أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرواة عندهم كلما كان الأعرابي أكذب في شعره، كان أظرف عندهم، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر". وممن تعرض لهذا من الكتاب المتقدمين على المؤلف: جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"، فقال: "كان العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه المعاني، حتى لقد يتوهم الشاعر منهم أنه رأى شيطانه، وخاطبه، وأوحى إليه". وقال: "ومن غريب اعتقادهم في شياطين الشعراء: أن للشعر شيطانين، يدعى أحدهما: الهوبر، والآخر: الهوجل، فمن انفرد به الهوبر، جاد شعره، وصحّ كلامه. ومن انفرد به الهوجل، فسد شعره. وزاد ادعاؤهم ذلك حتى سموا شيطان كل شاعر باسم خاص به، فكان شيطان الأعشى يسمّى مسحل". وتعرض لهذا أيضاً الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "آداب لغة العرب"؛ إذ عقد فصلاً في شعر الجن، فقال: "والقصاصون إنما قلدوا في ذلك الأعراب أيضاً، وذهبوا مذاهبهم، فللأعراب شعر كثير يزعمونه للجن، ويعقدون له الأخبار، وقد تناقله عنهم الرواة، وتظرفوا به في الأحاديث، وأمثلته كثيرة". فمزاعم بعض الناس لرؤية الجن، وتلقيهم الأشعار عنهم، مما كتب

стр. 3610

فيه القدماء والمحدثون، وهذا عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب" تكلم عن قصيدة: أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما وقصيدة: أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا صباحا وقال: الأولى نسبت إلى سمير بن الحارث الضبي، والثانية منسوبة إلى جذع بن سنان الغساني، ثم قال: "وكلا الشعرين كذوبة من أكاذيب العرب". فلم يكن المؤلف هو الذي عقل بطلان ما يزعم من أن للشعراء شياطين يلهمونهم الشعر، بل نبه عليه أناس من قبل أن يخلق (ديكارت)، ويوضع منهج (ديكارت). إذاً، لا تعد هذه النظرية في حساب ما وصل المؤلف إلى استطلاعه على منهج (ديكارت). * وجود الجن حقيقة: قال المؤلف في (ص ٧٠): "وفي القرآن سورة تسمى: "سورة الجن"، أنبأت بأن الجن استمعوا للنبي وهو يتلو القرآن، فلانت قلوبهم، وًامنوا بالله ورسوله، وعادوا فأنذروا قومهم، ودعوهم إلى الدين الجديد، وهذه السورة تنبئ أيضاً بأن الجن كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع، ثم يهبطون وقد ألموا إلمامًا يختلف قوة وضعفاً بأسرار الغيب، فلما قارب زمن النبوة، حيل بينهم ويين استراق السمع، فرجموا بهذه الشهب، وانقطعت أخبار السماء عن أهل الأرض".
следующие страницы →