القيس في بني أسد، وكانت أمه من بني تغلب، وكان مهلهل خاله، فليس غريباً أن يصطنع لغة عدنان، ويعدل عن لغة اليمن. ولكننا نجهل هذا كله، ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس، ونحن بشك (١) في هذا الشعر، ونصفه بأنه منتحل. وإذاً، فنحن ندور: نثبت لغة امرئ القيس التي نشك فيها بشعر امرئ القيس الذي نشك فيه".
لسنا في حاجة إلى إعادة البحث في مقدار الفرق بين لغة اليمن ولغة نجد والحجاز قبل الإسلام بنحو عصر؛ فإن امرأ القيس يمني الأصل، نجدي المولد والنشأة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء" (٢) يذكر امرأ القيس: هو: "ابن حجر بن عمرو الكندي، وهو من أهل نجد من الطبقة الأولى، وهذه الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد".
يقول الرواة: إن امرأ القيس يمنيٌّ نشأ في نجد، والمؤلف يخرج على أدب البحث، فيؤمن لهم بأنه يمني، ويتعاصى عن قبول أن يكون نشأ في نجد، يقسم كلامهم شطرين، فيؤمن بشطر، ويكفر بشطر؛ حتى يجد الوسيلة إلى مجادلتهم، أو مغالطتهم بأن لغة اليمن غير لغة عدنان، وأن هذا الشعر الذي يعزى إلى امرئ القيس مصوغ في لسان عدناني مبين.
ومن البديهي أن الذي يتصدى لمجادلة من يقولون: امرؤ القيس يمني نشأ في نجد، وليس له علم بهذا الشاعر من غير طريقهم، إما أن يصدقهم في يمنيته ونشأته في نجد، وإما أن يكذبهم في الأمرين كليهما، فهذا الدوران
стр. 3747
الذي يشكوه المؤلف إنما وقع فيه من جهة أنه قَبِلَ من الرواة أن يكون امرؤ القيس يمنياً، وأبى لهم أن تكون نشأته في نجد!.
* شعر امرئ القيس في أخواله:
تعرض المؤلف لما يقوله بعض الرواة من أن امرأ القيس ابن أخت مهلهل، وكليب، وذكر حرب البسوس.
ثم قال في (ص ١٤٣): "فمن العجيب ألا يشير امرؤ القيس بحرف واحد إلى مقتل خاله كليب، ولا إلى بلاء خاله مهلهل، ولا إلى هذه المحن التي أصابت أخواله من بني تغلب، ولا إلى هذه المآثر التي كانت لأخواله على بني بكر".
لا ندري من ذا يقول للمؤلف: إن ما يعزى إلى امرئ القيس، أو إلى أي شاعر عربي هو كل ما صنعته قريحته من منظوم، وإذا جمع بعضُ الرواة منظوم أحد الشعراء، فإنما يجمع المقدار الذي انتهى إليه، فمن الجائز أن يكون امرؤ القيس قد أشار في شعر آخر إلى مقتل خاله كليب، وبلاء خاله مهلهل، والمحن التي أصابت أخواله، والمآثر التي كانت لهم، وذهب هذا الشعر مع الرواة الذين قتلوا في حروب الردة، أو الفتن، أو الفتوح، والمؤلف نفسه يحكي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه كان يقول: ما بقي لكم من شعر الجاهلية إلا أقله، ولو جاءكم وافراً، لجاءكم علم وشعر كثير (١).
وإذا فرضنا أن هذا الشعر الذي بين أيدينا هو كل ما جادت به قريحة امرئ القيس، وجارينا المؤلف في رأيه أن الشاعر لا بدّ أن يأخذ في شعره
стр. 3748
حروباً لم يشهدها، ويذكر فيه مقتل خاله إن قتل، وبلاءه إن أبلى، لما ترتب على هذا أثر أكثر من أن تكون رواية أن امرأ القيس ابن أخت مهلهل وكليب رواية باطلة، وطرحُ هذه الرواية التي تجيء في بعض كتب الأدب أقرب إلى المعقول من طرح هذا الشعر الذي يقول الرواة الثقات: إنه لامرئ القيس.
* معلقة امرئ القيس:
قال المؤلف في (ص ١٤٤): "وهذا البحث ينتهي بنا إلى أن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء، وإنما هو محمول عليه حملاً، ومختلق عليه اختلاقاً".
ذهب المؤلف في بعض الصحف من كتابه (١) إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون له.
ومقتضى تمسكه بأن امرأ القيس يمني مولداً ونشأة، وأن لغة قحطان نازلة من لغة عدنان منزلة اللغات غير العربية: أن يكون جميع هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس منحولاً، فإنا لم نجد شيئاً منه على غير اللغة التي ينظم فيها شعراء نجد والحجاز. ولكن المؤلف يقول في هذه الصحيفة: إن البحث يتتهي به إلى أن أكثر هذا الشعر ليس من امرئ القيس في شيء، ومعنى هذا: أن في الشعر المضاف إلى امرئ القيس شعراً هو منه في شيء، وأظن أن المؤلف سيجد كثيراً من المشقة والعناء ليحل هذه المشكلة.
وأقبل المؤلف على المعلَّقة، وذكر أنه لا يعرف قصيدة يظهر فيها التكلف
стр. 3749
أكثر مما يظهر في هذه القصيدة، وأنه لا يحفل بقصة تعليق هذه القصائد السبع أو العشر؛ لأنها نشأت في عصر متأخر جداً، ولا يثبتها شيء في حياة العرب وعنايتهم بالآداب.
ثم قال في (ص ١٤٤): "ولكننا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكّون في بعض هذه القصيدة، فهم يشكون في صحة هذين البيتين:
ترى بعَر الأرآم في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حبّ فلفلِ
كأني غداة البينِ يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظلِ
وهم يشكون في هذه الأبيات:
وقربة أقوامٍ جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل"
وسرد المؤلف الثلاثة الأبيات بعدها.
القدماء وأنصار القديم هم الذين أنكروا رواية تعليق هذه القصائد على الكعبة، ومنهم من لم يرض عن رواية تعليقها في الدفاتر أيضاً، وقالوا: إنما سمّيت معلقات؛ لعلوقها بأذهان صغارهم وكبارهم، ومرؤوسيهم ورؤسائهم، وذاك لشدة عنايتهم بها، ولعل هذا أحسن وجه في تسميتها معلقات. وإنا لنجد في تاريخ الأدب آثاراً قديمة تشهد بصحتهما، ففي "اختيار المنظوم والمنثور" (١): "روي أن معاوية أمر الرواة أن ينتخبوا قصائد يرويها ابنه، فاختاروا له اثنتي عشرة قصيدة؛ منهن:
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"
"لخولة أطلال ببرقة ثهمد"
стр. 3750
"أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم"
"آذنتنا ببينها أسماء"
"عفت الديار محلها فمقامها"
"ألا هبّي بصحنك فاصبحينا"
"إن بدّلت من أهلها وحوشا"
"بسطت رابعة الحبل لنا"
"يا دار ميّة بالعلياء فالسند"
"يا دار عبلة بالجواء تكلّمي"
وبعد أن تكلم أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر عن هذه القصائد، قال: "ولولا شهرة هذه القصائد، وكثرتها على أفواه الرواة وأسماع الناس، وأنها أول ما يتعلم في الكتاب، لذكرناها". والمروي عن المفضّل الضبّي: أن العرب كانوا يسمون القصائد السبع: السموط، ذكر صاحب "جمهرة أشعار العرب" امرأ القيس، وزهيراً، والنابغة، والأعشى، ولبيداً، وعمرو ابن كلثوم، وطرفة، ثم روى عن المفضّل الضبّي: أنه قال: "هؤلاء أصحاب السموط، فمن قال: إن السبع لغيرهم، فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة".
ذكر المؤلف: أن القدماء يشكّون في صحة بعض أبيات من معلقة امرئ القيس، أما البيتان الأولان، وهما: "ترى بعر الأرآم ... إلخ"، فهما من رواية أبي عبيدة، ولم يروهما الأصمعي، وقال: الأعراب ترويهما. ونقل عنه أبو جعفر أنهما من المنحول. وفي "كتاب التصحيف والتحريف"
стр. 3751
للعسكري: أن أبا الوثيق يضيف البيت الثاني من هذين البيتين، وهو: "كأني غداة البين ... إلخ" لابن خذام.
وأما أبيات "وقربة أقوام ... إلخ"، فقد رواها بعض الرواة. وقال الأصمعي، وأبو عبيدة، ويعقوب بن السكيت، وغيرهم: إنها ليست منها، قال التبريزي: وزعموا أنها لتأبط شراً.
ونقد الرواة للقصيدة، وتمييز هذه الأبيات الستة بالانتحال، يدل على أن أصلها ثابت النسبة لامرئ القيس أكثر مما يدل على انتحال القصيدة بأسرها.
* اختلاف الرواة في ألفاظ القصيدة:
قال المؤلف في صفحة (١٤٥): "وهم -بعد هذا- يختلفون اختلافاً كثيراً في رواية القصيدة: في ألفاظها، وفي ترتيبها، ويضعون لفظاً مكان لفظ، وبيتاً مكان بيت. وليس هذا الاختلاف مقصوراً على هذه القصيدة، وإنما يتناول الشعر الجاهلي كله، وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر".
اختلاف الرواة في ألفاظ القصيدة ناشئ عن أمرين:
أحدهما: أن الراوي قد يعمد إلى البيت ثطق به الشاعر على لغته، فيغير منه الكلمة إلى ما يوافق لغته.
ثانيهما: أن الراوي قد تسقط منه الكلمة على وجه النسيان، فيجتهد لأن يضع مكانها كلمة تؤدي معناها أو تقاربها، وما كانوا يرون في هذا من بأس ما دام الغرض الذي يرمي إليه الشاعر قائماً.
ومن المحتمل أن يكون الشاعر نفسه قد أنشد البيت على وجهين، أو
стр. 3752
وجوه في أوقات مختلفة، فقد يبدو له أن كلمة أليق من كلمة، أو تسقط من حافظته الكلمة التي أنشأ عليها القصيدة أولاً.
وأما اختلاف الرواة في ترتيب الأبيات في بعض القصائد، فلا يظهر للاستشهاد به على انتحالها وجه سائغ، وقد رد هذه الشبهة المستشرق (تشارلس لايل) في مقدمة "المفضليات"، فقال: "إن في كثير من هذه الأشعار كلمات، أو أشطار أبيات منقولة عن محلها. وهذا شيء طبيعي في أشعار لم تدوّن قط، بل كانت مروية حفظاً، ينقلها المتأخر عن المتقدم، وليس في هذا التغيير معنى للتزوير، ونجد في آخر بعض القصائد أبياتاً -يعني: أن الراوي لم يعرف محلها، فوضعها في الآخر-, وهذا أيضاً لا يدل على الاختلاق بحال".
فالمؤلف يلقط الشبهة، ويدع جوابها؛ لأنه لا يولي وجهه شطر الحقيقة حيثما كانت.
* أبيات لامرئ القيس:
قال المؤلف في (ص ١٤٦): "ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن هذين البيتين قلقان في القصيدة، وهما:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطَّى بصُلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فقد وضع هذان البيتان للدخول على البيت الذي يليهما، وهو:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذان البيتان أشبه بتكلف المشطر والمخمس منهما بأي شيء آخر".
стр. 3753
ليس ببعيد من أنصار القديم أن يخالفوا في أن هذين البيتين قلقان، ويروا أنهما بالنظم المألوف أشبه منهما بتكلف المشطر والمخمس. وقد يستدلون على براءتهما من هذا القلق والتكلف بأنهما مرّا على فصحاء العرب ونقاد الأدب، ولم يحسوا منهما بشيء من هذا الذي يرميهما به المؤلف، وربما ساقوا من كتب الأدب ما يشهد بأن هذه الأبيات كانت تقع منهم موقع الإعجاب، ويضربون لها أرجلهم طرباً.
حكى المرزباني في كتاب "الموشح" (١): أن مَسلمة بن عبد الملك أنشد قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
إلى قوله في البيت الخامس لها: "بأمراس كتّان إلى صمّ جندل", فضرب الوليد برجله طرباً. وأورد الباقلاني في كتاب "الإعجاز" هذه الأبيات الثلاثة، وقال: إنهم يعدونها من محاسن القصيدة، وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء، فقدم أبيات امرئ القيس، واستحسن استعارتها. والباقلاني -على وقوفه لهذه الأبيات موقف الناقد بكل ما لديه من نظر وذوق- لم يغمزها إلا من جهة استعارتها، فوصفها بالتكلف،
стр. 3754
وليس التكلف في هذه الأبيات سوى المبالغة في الخيال، وهي لا تنفي أن يكون صاحب الشعر جاهلياً، فإن للمبالغة في الخيال مثُلاً واردة في الأشعار المعزوّة إلى الجاهليين.
وليس في هذه الأبيات بعد هذا سوى ما يسمونه: "التضمين"، وهو عدم استقلال البيت بإفادة المعنى، وله أمثلة في الشعر الجاهلي، ومن علماء الأدب من يفصل فيه القول، ولا يعد النحو الواقع في مثل: "أقول له لما تمطى" من عيوب الشعر.
ولا نعني بهذا البحث أن يكف المحدثون عن نقد الشعر الذي وقع تحت أنظار القدماء من خلص العرب، أو نبغاء الأدب، ووصل إلينا سالماً من أثر نقدهم، فإن من الجائز ألا يتناولوا البيت بالنقد حتى يلوح لهم ما فيه من مغمز خفي، ومن الجائز أن يلوح لهم، وشمتهينوا به، فلا يلقنوه غيرهم، ومن المحتمل أن يتحدثوا به، ولا تحمله إلينا هذه الكتب الباقية مما تركوا، وإنما أقصد أن الوجه الذي تعرض به المؤلف لهذه الأبيات، لا ينهض بدعوى أنها ملصقة باصل القصيدة حتى يرجو من أنصار القديم ألا يخالفوه.
* تقسيم القصيدة إلى ثلاثة أقسام:
ذكر المؤلف أنه فرغ من الشعر الذي لا اختلاف في أنه دخيل، وزعم أنه يستطيع أن يرد القصيدة إلى أجزائها الأولى، وقسّمها ثلاثة أقسام:
أحدها: وصف اللهو مع العذارى، وما فيه من فحش، وقال فيه: هذا أشبه أن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً.
ثانيها: وصف امرئ القيس لخليلته، وزيارته إياها، وتجشمه ما تجشم للوصول إليها، وتخوفها الفضيحة حين رأته، وخروجها معه، وتعفيتهما
стр. 3755
آثارهما بذيل مرطها، وما كان بينهما من لهو، وقال: هذا أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بشيء آخر، وزعم أن الذي أضافه إلى امرئ القيس راوٍ متأثر بهذا الشاعر.
ثالثها: ما هو من قبيل الوصف، ولا سيما وصف الفرَس والصيد، وقال في هذا: وأكبر الظن أن هذا الوصف فيه شيء من ريح امرئ القيس، ولكن من ريحه ليس غير.
لا أحسب القراء في حاجة إلى أن يسمعوا منا كلمة في مناقشة هذا الحديث؛ فان عوجه ملموس باليمين واليسار، ومن شاء أن نفتح له باب النقد، فإليه كلمة تريه ما في ذلك التقسيم من خطأ مبين:
يقول المؤلف في (ص ١٤٦): "ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبه بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً".
ثم ذكر قصة الفرزدق حين انتهى إلى غدير فيه نساء يستحممن، وقصّ عليهن قصة امرئ القيس، وأنشدهن:
ألا ربّ يومٍ لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
ثم قال: "والذين يقرؤون شعر الفرزدق، ويلاحظون فحشه وغلظته، وأنه قدير على هذا الفحش، وعلى هذه الغلظة، لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه هذه الأبيات".
يزعم المؤلف أن هذا القسم الأول من انتحال الفرزدق، ثم لا يستند في هذا الزعم إلا إلى أن فيه فحشاً وغلظة يشبهان فحش الفرزدق وغلظته. وتشابهُ الشعرين في الفحش والغلظة يحتمل هذا الذي يقوله المؤلف من أن
стр. 3756
الشعر المعزوّ إلى الأول نحله إياه الشاعر الثاني، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون الشاعر الثاني جرى على سنّة الشعراء من متابعة المتأخر للمتقدم في بعض المعاني أو الأساليب، وحملُ التشابه بين شعر الفرزدق وامرئ القيس على هذا الوجه أقرب إلى القبول؛ لأنه الملائم للرواية، ولأن المؤلف لم يقم دليلاً تاريخياً على أن سيرة امرئ القيس تبرأ من هذا الفحش، ومن هذه الغلظة، ولن يستطيع لهذا الدليل طلباً.
ومما يجعلنا نستبعد أن ينحل الفرزدق امرأ القيس شيئاً من شعره: أن الفرزدق لم يكن من قبيلة كندة، ولا أن امرأ القيس من تميم. ثم إنا نجد في تاريخ الأدب قصصاً تنطق بأن الفرزدق كان حريصاً حرص المؤلف على أن ينهب ما تلده أفكار غيره من الرجال، ويجره إليه.
روى المرزباني في كتاب "الموشح": أن أبا عمرو بن العلاء لقي الفرزدق في المِرْبد، فقال له: يا أبا فراس! أحدثت شيئاً؟ فقال: خذ، وأنشده:
كم دون ميّه من مستعمل قذف ... ومن قلاة بها تستودع العيس
فقال له أبو عمرو: هذا للمتلمِّس، فقال: اكتمها، فلضوالُّ الشعر أحبُّ إليّ من ضوالّ الابل. وفي "خزانة الأدب" للبغدادي: أن الفرزدق نحل نفسه بيتين من شعر ابن ميّادة (١). وذكر صاحب "الأغاني": أنه انتحل أربعة أبيات من قصيدة لذي الرمة (٢)، وأنشد بيتاً على أنه من شعره، فقال حمّاد: هذا لرجل من اليمن (٣). فالذي يرغب في أن يكاثر بما ليس من نتائج قريحته،
стр. 3757
شأنه ألا ينحل غيره شعراً، ويقتل خبره جحوداً، حتى لا يجد له الرواة -على شدة تحسسهم- أثراً.
* الحديث عن القسم الثاني من القصيدة:
تحدث المؤلف عن القسم الثاني من قصيدة امرئ القيس.
وقال في (ص ١٤٧): "فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فن عمر بن أبي ربيعة، قد احتكره احتكاراً، ولم ينازعه فيه أحد، ولقد يكون غريباً حقاً أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفن، ويتخذ فيه هذا الأسلوب، ويعرف عنه هذا النحو، ثم يأتي ابن أبي ربيعة، فيقلده فيه، ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تاثر بامرئ القيس، مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف، فكيف يمكن أن يكون امرؤ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل، الذي عاش عليه ابن أبي ربيعة، والذي كون شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية، ولا يعرف له ذلك؟ ".
يقع تشابه بين شعرين، فيدعي المؤلف أن الشعر المعزوّ إلى المتقدم منحول: نحله بعض من تأثر بالشاعر المتأخر. وإذا قلت: لماذا لا يكون الشاعر المتأخر اقتدى في ذلك الأسلوب أو الفن بالشاعر المتقدم؟ قال لك: لو كان السابقَ إلى هذا الفن امرؤ القيس، لأشار أحد النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة تأثر بامرئ القيس، وحيث لم يبلغه أن ناقداً أشار إلى هذا التأثر، كان القسم الثاني من "قفا نبك" منحولاً: نحله بعض المتأثرين بشعر عمر ابن أبي ربيعة.
الرواة يتلقون هذا القسم من القصيدة على أنه شعر امرئ القيس، فإذا
стр. 3758
كان بينه وبين شعر عمر بن أبي ربيعة تشابه واضح، فمن مقتضيات هذا أن يعتقدوا أن امرأ القيس سابق إلى هذا الفن، وإذا أدركوا أن امرأ القيس سابق إلى هذا الفن، فعدم إشارتهم إلى تأثيره في عمر بن أبي ربيعة إنما يكون لذهول ونحوه، ولا يدل على أنه انتحل في عهد ابن أبي ربيعة، أو من بعده.
* الحديث عن القسم الثالث من القصيدة:
تحدث المؤلف عن القسم الثالث من "قفا نبك"، وزعم أن اللغة تضطره إلى أن يقف فيه موقف التردد.
وقال في (ص ١٤٨): "فالظاهر أن امرأ القيس كان قد نبغ في وصف الخيل والصيد والسيل والمطر، والظاهر أنه قد استحدث في ذلك أشياء كثيرة لم تكن مألوفة من قبل، ولكن أقال هذه الأشياء في هذا الشعر الذي بين أيدينا؟ أم قالها في شعر آخر ضاع وذهب به الزمان، ولم يبق إلا الذكرى، وإلا جُمل مقتضبة أخذها الرواة، فنظموها في شعر محدث نسقوه ولفقوه وأضافوه إلى شاعرنا القديم؟ هذا مذهبنا الذي نرجحه". ثم قال: "وكبر الظن أن هذا الوصف الذي نجده في المعلقة، وفي اللامية الأخرى فيه شيء من ريح امرئ القيس، ولكن من ريحه ليس غير".
امرؤ القيس كان شاعراً يجيد وصف الخيل والصيد والسيل والمطر، واستحدث في ذلك أشياء كثيرة، ولكنه قالها في شعر ضاع وذهب به الزمان، وإنما بقيت منه الذكرى، وجمل مقتضبة نظمها الرواة في شعر محدث، وأضافوها اليه!!!.
قال الرواة: إن امرأ القيس يمني نشأ في نجد، فقال المؤلف لهم: هو
стр. 3759
يمني لم ينشأ في نجد، قالوا: امرؤ القيس أجاد في وصف الخيل ونحوها، فقال لهم: أجاد في وصف هذه الأشياء، ولكن في شعر غير هذا الذي تضيفونه إليه، ولا ندري لماذا اعترف بأن امرأ القيس يجيد وصف الخيل والصيد في حال أن الرواة لا يستندون في هذا إلا إلى الشعر الذي قال عنه: إنه منحول! وإذا أنكر هذا الشعر الذي تناقله الرواة، لم يكن مضطراً إلى هذا الاعتراف الذي لا يزيد حديثه إلا خيالاً، والذي أوقفه موقفاً جعله يقول: إن هذا الشعر فيه شيء من ريح امرئ القيس ليس غير!.
* امرؤ القيس و (هوميروس):
قرأ المؤلف -كما حكى في (ص ١٣٨) -: أن شاعراً يونانياً يقال له: (هوميروس) قد تنقل في البلاد، وأثقل الناس تاريخه بأشياء مزوّرة، فأراد أن يقيسه بشاعر عربي، ويقول في هذا الشاعر العربي ما قاله مؤرخو الآداب اليونانية في (هوميروس)، فوقع اختياره على امرئ القيس.
فمؤرخو الآداب اليونانية لا يشكون الآن في أن شخصية (هوميروس) "قد وجدت حقاً، وأثرت في الشعر القصصي حقاً، وكان تأثيرها قوياً باقياً، ولكنهم لا يعرفون من أمرها شيئاً يمكن الاطمئنان إليه، وإنما ينظرون إلى هذه الأحاديث التي تروى، كما ينظرون إلى القصص والأساطير لا أكثر ولا أقل" (١).
والمؤلف يريد أن يحاكي كلامهم في (هوميروس)، فقال: إنه يرجح، بل يكاد يوقن بأن امرأ القيس قد وجد حقاً. وبقي عليه ما قالوه من أن
стр. 3760
(هوميروس) أثّر في الشعر القصصي حقاً، فأراد أن يجعل لامرئ القيس تأثيراً في فن من فنون الكلام، حتى يكون الشاعر العربي محاذياً للشاعر اليوناني حذو النعل للنعل، ورأى نفسه قد ذهب إلى أن لغة امرئ القيس من هذه اللغة الأدبية بمنزلة لغة أجنبية، فاكتفى بأن جعل لشخصية امرئ القيس تأثيراً في وصف الخيل ونحوها، ولكن تأثيرها بالروح التي بقيت في جمل مقتضبة أخذها الرواة، فنسقوها، وأضافوها إليه! ولم يحدثنا المؤلف عن هذه الجمل المقتضبة: هل وصلت إلى الرواة في لغتها اليمنية التي يعدها المؤلف بمنزلة لغة أجنبية، أم جاءتهم في هذه اللغة الأدبية التي يسميها: لغة قريش؟!.
* امرؤ القيس وعلقمة:
عرَّج المؤلف على القصيدة التي يروى: أن امرأ القيس قالها في مباراة بينه وبين علقمة، وهي:
"خليلي مرّا بي على أم جندب"
وقال في (ص ١٤٩): "نجزم نحن بأنها منتحلة انتحالاً".
خاض المؤلف في انتحال هذه القصيدة، كان الرواة أجمعوا على إضافتها إلى امرئ القيس، وقد سبقه طائفة إلى إنكارها، وممن نشر رأي هذه الطائفة: المرزباني في كتاب "الموشح" (١) حين ساق مباراة امرئ القيس وعلقمة، ثم قال: "وقد روى هذا الحديث أيضاً ابن الكلبي، ورواه أيضاً عبدالله بن المعتز، وذكره فيما أنكر من شعر امرئ القيس".
стр. 3761
وينبئك باختلاف الرواة في شأن هذه المباراة: أن أحمد بن عبيد يقول: كان ابن الجصّاص وحمّاد يرويان: "ذهبت من الهجران في كل مذهب" لامرئ القيس، وكان المفضّل يرويها لعلقمة (١).
* * *
стр. 3762
علقمة
* معاصرة امرئ القيس لعلقمة:
انتقل المؤلف إلى الحديث عن علقمة:
فقال في (ص ١٥٥): "فأما علقمة، فلا يكاد الرواة يذكرون عنه شيئاً إلا مفاخرته لامرئ القيس، ومدحه ملكاً من ملوك غسان ببائيته التي مطلعها:
طحا بل قلبٌ في الحسان طروبُ ... بُعيد الشباب عصرَ حان مشيبُ
وإلا أنه كان يتردد على قريش، ويناشدها شعره، وإلا أنه مات بعد ظهور الإسلام؛ أي: في عصر متأخر جداً بالقياس إلى امرئ القيس الذي مهما يتأخر، فقد مات قبل مولد النبي، والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً".
يقول الرواة: إن امرأ القيس كان معاصراً لعلقمة، وإنه كان في منتصف المئة السادسة عائشاً، والمؤلف ينكر هذه المعاصرة، ويرى أنه عاش قبل القرن السادس، أو قبل القرن الخامس أيضاً.
شأن الباحث المستقيم ألا ينكر ما يقوله الرواة حتى يقدم بين يدي إنكاره بيّنة، والمؤلف لا يرغب في أن يأتي ببينة، كأنه لا يحتفل بتاريخ هذا الأدب إلى حد أن ينكر ما تتوارد عليه الروايات، دون أن يثير حول هذا الإنكار ولو شبهة يمكنه أن يسميها مستنداً.
стр. 3763
عبيد
* عبيد بن الأبرص:
انتقل المؤلف إلى حديث عبيد بن الأبرص، وأخذ يذكر ما ألصق به من أساطير؛ كاسم شيطانه، وما له من أحاديث مع الجن.
وقال في (ص ١٥١): "ولكن كل ما نقرأ من أخبار عبيد لا يعطينا من شخصيته شيئاً، ولا يبعث الاطمئنان إلا في أنفس العامة، أو أشباه العامة".
لعلك لا تجد تاريخ عصر أو تاريخ رجل خالصاً من أن يدخله الاختلاق، سالماً من أن تضاف إليه مزاعم إنما تتقبلها العامة أو أشباه العامة، ولكن الذين أوتوا العلم والألمعية في كل عصر، هم الذين ينقدون الأخبار، ويميزون الخياليات مما يجري على سنّة الله في الخليقة. وقد نبه العلماء على كثير من هذه المزاعم، وما كل من يحكي خبراً يعد مطمئناَ إليه، قال الجاحظ في هذا الشأن: "ولم أعب الرواية، وإنما عبت الإيمان بها، والتوكيد لمعانيها، فما أكثر من يروي هذا الضرب على التعجب منه، وعلى أن يجعل الرواية سبباً لتعرف الناس حق ذلك من باطله" (١).
ومن أخبار عبيد ما يقول صاحب "الأغاني" فيه: "وهو خبر مصنوع
стр. 3764
يتبين التوليد فيه". ومنها ما عزاه إلى شرقي بن القطامي، وشرقي بن القطامي معروف بين أهل العلم والأدب بأنه "كان كذّاباً" (١)، وأنه "كان صاحب سمر" (٢)، فما يروى عنه إنما يطرح على بساط السمر، ولا يأخذه الناس على أنه تاريخ صحيح. ومنها ما يرويه عن ابن الكلبي، وابن الكلبي معدود فيمن لا يوثق بروايته (٣)، وقالوا: إنما هو صاحب سمر.
فأهل العلم الذين يضيفون إلى نباهتهم العلم بأحوال من يروي عنهم صاحب الأغاني، هم أبعد الناس عن قبول هذا الذي يتحدث به عن عبيد.
* قول ابن سلام في شعر عبيد:
انصرف المؤلف للحديث عن شعر عبيد، وأتى على قول ابن سلام في "الطبقات": إنه لم يبق من شعر عبيد وطرفة إلا قصائد بقدر عشر.
ثم قال في (ص ١٥١): "ولكنه يحدثنا في موضع آخر أنه لا يعرف له إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوبُ ... فالقُطَبيات فالذَّنوب
ثم يقول ابن سلام: ولا أدري ما بعد ذلك. ولكن رواة آخرين يروون هذه القصيدة كاملة".
يقول ابن سلام: لا أعرف لعبيد إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
стр. 3765
ومن المحتمل أن يكون معنى كلامه: أنه لا يعرف له إلا هذه القصيدة، وأشار إليها بذكر طالعها، ثم هو لا يدري ما وراءها من الشعر المعزوّ إليه، ومن المستبعد أن يقول ابن سلام: إن الرواة المصححين لم يحفظوا لعبيد وطرفة إلا قصائد بقدر عشر، ثم يقول: إنه لا يعرف لعبيد إلا هذا البيت الذي هو مطلع قصيدته.
* قصيدة عبيد:
قال المؤلف في (ص ١٥٢): "ويكفي أن نقرأ هذه القصيدة التي قدمنا مطلعها لنجزم بأنها منتحلة لا أصل لها. وحسبك أن يثبت فيها وحدانية الله، وعلمه، على نحو ما يثبتها القرآن فيقول:
والله ليس له شريك ... علّام ما أخفت القلوب
القصيدة غير منسوجة على وزن منتظم، ولا يزيد العرب على أن يعدوه عيباً، ويسمّى بالرّمل، قال المرزباني في كتاب "الموشح" (١): "والرمل عند العرب كل شعر ليس بمؤلف البناء، ولا يجدون فيه شيئاً إلا أنه عيب، وقد ذكر الأخفش أنه مثل قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
وربما سمّوه: "التخليع". قال قدامة بن جعفر في كتاب "نقد الشعر" (٢): "من عيوب أوزان الشعر: "التخليع"، وهو أن يكون قبيح الوزن، قد أفرط قائله في تزحيفه". وضرب لهذا أمثلة منها قول عبيد:
стр. 3766
والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
وقال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر في "اختيار المنظوم والمنثور" يصف هذه القصيدة: "لم يقل أحد في وزنها وعروضها، ولا على مثالها إلا ذو الأصبع العدواني، وما قاربها، ولا دنا منها".
لعل المؤلف لا ينكر القصيدة من ناحية اختلال وزنها، فإنه سيدهشك في الحديث عن مهلهل، ويعد في أسباب إنكاره لقصيدة "أليلتنا بذي حسم" استقامة وزنها، وإطراد قافيتها.
وأما بيت:
"علّام ما أخفت القلوب"
فقد التقط (مرغليوث) أبياتاً من هذا النوع، وفي هذا المعنى، وساقها في مقاله المنشور في مجلة "الجمعية الآسيوية الملكية" مستشهداً بها على أن هذا الشعر لم يصدر عن العرب قبل الإسلام.
وقد سبق القدماء إلى نقد الشعر الجاهلي من هذا الوجه، فإذا رأوا بيتاً فيه شيء من روح القرآن، أو احتوى معنى يختص بالإسلام، ارتابوا فيه، وذهبوا به مذهب المنحول.
أورد ابن قتيبة قصيدة للبيد ذكر أنه قالها قبل الإسلام، وفي آخر القصيدة:
وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصلُ
ثم قال: "هذا البيت يدل على أنه قيل في الإسلام، وهو شبيه بقول الله ﵎ ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠]، أو كان لبيد قبل إسلامه
стр. 3767
يؤمن بالبعث والحساب، ولعل البيت منحول" (١). وبيت:
هي الخمر تكنّى بأم الطلا ... كما الذئب يكنّى أبا جعده
يُعزى إلى عبيد بن الأبرص، وربما وجد في بعض النسخ من ديوانه، وقد ذهب المعري في "رسالة الغفران" إلى أنه منحول، فقال: "والذي أذهب إليه: أن هذا البيت قيل في الإسلام بعد أن حرّمت الخمر".
فالقدماء يعنون بنقد الشعر الجاهلي من هذه الناحية، وحيث جاز أن تكون القصيدة في أصلها ثابتة، وأن التزوير إنما يقع في بيت منها، أو أبيات، يأخذون إلى المنحول ما دخلته الريبة، ويذرون ما عداه معزواً إلى صاحبه حتى يطلعوا له على وجه من هذه الوجوه الدالة على التزوير.
فبيت: "والله ليس له شريك" إنما يحمل الاعتقاد بالإله، وما يجب له من صفة العلم، ومن يسلم أن عبيد بن الأبرص لم يكن من أصحاب هذه العقيدة، فأقصى ما يبني على هذا المعنى أن يكون البيت منحولاً، ولا يسري حكمه إلى القصيدة بأسرها، ولعل هذا البيت لم يتفق عليه رواة القصيدة، فقد رويت في "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد، ولم يجئ هذا البيت في روايتها.
* الكيد للحقيقة والتاريخ:
قال المؤلف في (ص ١٥٣): "وقد رأيت من هذه الإلمامة القصيرة بهؤلاء الشعراء الثلاثة -امرئ القيس، وعبيد، وعلقمة-: أن الصحيح من شعرهم لا يكاد يذكر، وأن الكثرة المطلقة من هذا الشعر مصنوعة، لا تثبت شيئاً،
стр. 3768
ولا تنفي شيئاً بالقياس إلى العصر الجاهلي".
لم يأت المؤلف في حديثه عن هؤلاء الشعراء الثلاثة بتتيجة زائدة على ما وصل إليه علماء الأدب من قبله، وهو أن فيما يضاف إليهم من الشعر منحولاً كثيراً، وسواء ألمَّ بهؤلاء الشعراء إلمامة قصيرة، أم ألمّ إلمامة طويلة، لا ينتظر منه أن يأتي إلى شعر اتفق الرواة على صحته، ويلقي إليك من فكره كلاماً يقنعك بأنه منحول، نقول هذا بعد أن رأيناه -فيما سلف- لا يكتب إلا وهو ينظر إلى كتاب، أو مقال، أو ذيل، وإذا خرج عنها، فإلى حرفة الكيد للحقيقة، أو التاريخ.
* قصيدتان لعلقمة:
قال المؤلف في (ص ١٥٢): "لا نستثني من ذلك إلا قصيدتين اثنتين لعلقمة:
الأولى: "طحا بك قلب للحسان طروب".
الثانية: "هل ما علمت وما استودعت مكتوم".
فقد يمكن أن يكون لهاتين القصيدتين نصيب من الصحة، مع شيء من التحفظ في بعض أبيات القصيدة الثانية، ولكن صحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي، فقد رأيت أن علقمة متأخر العصر جداً، وأنه مات بعد ظهور الإسلام، ورأيت أيضاً أنه كان يأتي قريشاً، ويعرض عليها شعره".
إذا كانت القاعدة التي يقيم عليها المؤلف رأيه في صحة نسبة الشعر الجاهلي إلى قائله أن يموت الشاعر بعد ظهور الإسلام، وأن يأتي قريشاً، ويعرض عليها شعره، فالأعشى مات بعد ظهور الإسلام، وكان يأتي كل
стр. 3769
سنة سوق عكاظ (١)، وذلك معنى إتيانه قريشاً، وعرض شعره عليها، والشمّاخ مات بعد ظهور الإسلام، بل اعتنق الإسلام، وقد كان بالطبيعة ينشد قريشاً شعره، فلماذا لم يستثن المؤلف شيئاً من شعرهما، وعدَّهما في صدر كتابه ممن لا يعتمد على شعرهم في درس الحياة الجاهلية؟!.
يقول المؤلف: وصحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي. ولعله نسي -وأمثاله لا ينسون كثيراً- ما كتبه تحت عنوان: الشعر الجاهلي واللهجات حين قال: "من المعقول جداً أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها، ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات، وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل، الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة، ولهجات متقاربة (٢) "، ومن المعروف أن علقمة من بني تميم، والقصيدتان اللتان استثناهما، ورضي بقبولهما لا يخرجان عن هذه اللغة الأدبية التي يسميها: لغة قريش. فقبوله لهاتين القصيدتين ينقض أساس ذلك الفصل الذي وجد له من الحديث ما يملأ نحو عشر صفحات.
* * *
стр. 3770
عمرو بن قميئة
* عمرو بن قميئة، مهلهل، جليلة:
تحدث المؤلف في هذا الفصل عن هذين الشاعرين، وهذه الشاعرة، فابتدأ بحديث عمرو بن قميئة، وتعرض للوجه الذي يذكرونه في تسميته بالضائع.
ثم قال في (ص ١٥٥): "قال الرواة: إن ابن قميئة عُمّر طويلاً، وعرف امرأ القيس، وقد انتهت به السن إلى الهرم، ولكن امرأ القيس أحبّه، واستصحبه في رحلته رغم سنه. قال ابن سلام: إن بني أقيش كانوا يدعون بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة، وليس هذا بشيء. وفي الحق أن هذا ليس بشيء، فإن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة، كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس، فهو شعر محدث محمول".
يختلف الرواة الذين كانوا يلاقون أقواماً من كندة، وأقواماً من قيس في أن هذا الشعر هل هو لكندي يقال له: امرؤ القيس، أو لقيسي يقال له: عمرو بن قميئة، ويرجّح الثقات من هؤلاء الرواة أنه لامرئ القيس، ونحن نعلم من سيرتهم في نقد الشعر: أنهم لا يرجحون نسبته إلى شاعر على نسبته إلى آخر إلا لوجوه تعتمد في الترجيح. ولكن المؤلف يقول: إن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة، كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس،
стр. 3771
وإذا كان تاريخ الأدب يُعيَّر بمثل هذه الكلمة الساذجة، فمن الجائز أن يأتي آخر ويقول: وفي الحق أن ما قاله المؤلف ليس بشيء، فلا يلبث الأدب أن يعود إلى تاريخه القديم.
* قصة ابن قميئة وقصيدته في عمه:
أتى المؤلف بقصة عمرو بن قميئة، وقصيدته التي يعتذر بها لعمه.
ثم قال في (ص ١٥٧): "ونظن أن النظر في هذه القصة، وفي هذه القصيدة يكفي ليقتنع القارئ بأننا أمام شيء منتحل متكلف، لا حظّ له من صدق".
القصة واردة في كتاب "الأغاني" (١)، ولم يكن في سياقها ما يقتضي المبادرة إلى إنكارها، كما أن طريق روايتها لا يبلغ من الشدة أن يفيد علماً، أو ظناً قريباً منه، فهي محتملة لأن تكون واقعة، وراويها أبو عمرو الشيباني، ومؤرج، وهذا يرويها عن جماعة كثيرة من قيس بن ثعلبة قبيلة عمرو بن قميئة، ولو كان السند بيننا وبين مؤرج متصلاً متيناً، لكنا من صحة القصة على ظن قريب؛ لأن مؤرجاً ممن يوثق بروايته، وتلقيه لها عن جماعة من قبيلة عمرو يدل على أن القصة دائرة على ألسنتهم، مستفيضة فيما بينهم.
أما القصيدة فقد حكم المؤلف بانتحالها مستنداً إلى أن فيها سهولة وليناً، وإذا لم يكن يعرف من عمرو بن قميئة إلا اسمه، فما أدراه أنه لا ينظم في سهولة ولين؟
* أبيات لابن قميئة:
تعرض المؤلف إلى الشعر الذي يقال: إن عمرو بن قميئة أنشأه لما
стр. 3772
تقدمت به السن، وجاوز التسعين.
وقال في (ص ١٥٧): "ويزعم الشعبي، أو من روى عن الشعبي: أن عبد الملك بن مروان تمثل به في علته التي مات فيها".
ثم ساق المؤلف الشعر في سبعة أبيات.
هذا مروي في كتاب "الأغاني" (١). أما قصة إنشاء عمرو بن قميئة للأبيات، فرواها أبو الفرج عن ابن الكلبي، وأما تمثل عبد الملك بن مروان بها في علته، فرواه عن الهيثم (٢) بن عديّ، وما يقرؤه أهل العلم لهذين الراويين لا يلحقونه بالتاريخ الصحيح، ولا يأخذ منهم مأخذ الظن الراجح، وإذا حكوه، فلأنه من أدب الشعر أو النثر.
* العودة لقصة حرب البسوس:
عاد المؤلف يلهج بقصة حرب البسوس، ولم ينس أن ينبهك على أنه غير ساذج حتى يسلم بما يتحدث به الرواة من أمرها الطويل العريض، ولكنه اعترف بأن خصومة عنيفة كانت بين القبيلتين، وأن هذه الخصومة سفكت فيها الدماء، وكثرت فيها القتلى.
ثم قال في (ص ١٥٩): "على أن بعض الرواة كانوا يظهرون كثيراً من الشك فيما كانت تتحدث به بكر وتغلب من أمر هذه الحروب".
إذا كان المؤلف يعلم أن من الرواة من كان يظهر كثيراً من الشك في
стр. 3773
حديث هذه الحروب، أفلا يكفكف من غلوائه حين ينسب إلى الرواة باطلاق: أنهم كانوا يقبلون ما يروى من أيام العرب، أو أيام الناس على أنه جد من الأمر! أو لا يخفف من نزقه حين يسمي القول بأن في حرب البسوس توسيعاً: نظرية له؟!.
حرب البسوس وردت في الجزء الرابع (١) من كتاب "الأغاني"، وتجد في مساقها ما ينبئك بأن القوم أعرف بطرق العلم، وأرفع من هذه المنزلة التي يلصقهم بها المؤلف في شيء من الازدراء: تجد في مساقها بعد أن يذكر لك اسم الراوي كلمة: "يزعم"، و"يزعمون"، وتجد مع هذا نقداً صريحاً، وإنكاراً لبعض ما تحتويه القصة من أخبار. وكيفما كان مسلكهم في هذه الأخبار، فإنه لا يليق بالمؤلف أن يباهي بنظرية دخول الوضع في حرب البسوس، فقد سبقه إلى هذه النظرية جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (٢).
* * *
стр. 3774
مهلهل
* مهلهل:
ذكر المؤلف قول ابن سلام: إن العرب كانت ترى أن مهلهلاً كان يتكثر، ويدّعي في شعره، وزعم أن مهلهلاً لم يتكثر، أو لم يدع، وإنما تكثرت تغلب في الإسلام، وادعت.
وقال في (ص ١٦٠): "ولم تكتف بهذا الانتحال، بل زعمت أنه أول من قصد القصيد، وأطال الشعر. ثم أحست ما نحس الآن، أو أحسه الرواة أنفسهم، وهو أن في هذا الشعر اضطراباً واختلاطاً، فزعمت، أو زعم الرواة: أنه لهذا الاضطراب والاختلاط سمّي مهلهلاً؛ لأنه هلهل الشعر. والهلهلة الاضطراب. ويستشهد ابن سلام على هذا بقول النابغة:
أتاك بقول هلهل النسج كاذب
وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب فيه هلهلة واختلاط".
شاعر نشأ في عصر جاهلي، ليس في البيئة التي عاش فيها عناية بالكتابة، وإنما ينقل حديثه وأشعاره الناس الذين شهدوا عصره، ويتلقاها من بعدهم فمن بعدهم إلى عصر التدوين، وكل أهل العلم أو أشباه أهل العلم لا يفوتهم أن أخباراً هذا شأنها لا تخلو من إضافات، أو إعطائها لوناً غير لونها الموافق للحقيقة، ومن الذي لا يشعر بأنه يطمئن إلى أن قصيدة: "السيف أصدق أنباءً
стр. 3775
من الكتب" لأبي تمام أكثر مما يطمئن إلى أن قصيدة: "خليلي لا تستعجلا أن تزوّدا" لعمرو بن قميئة؟.
وهذا ما دعا الثقات النبهاء من الرواة أن نقدوا تلك الأشعار من جهة نسبتها إلى قائليها، وما لم يبد على طريقه أثر الاختلاق، ولم يلقوا في نفس الشعر ما ينبو به عن أن يكون لمن نسب إليه، رووه على هذا الوجه، وتلقاه الناس عارفين بمبلغ هذه النسبة من قوة أو ضعف.
وما ذكره المؤلف من أن مهلهلاً مأخوذ من الهلهلة، وهي الاضطراب،
شيء يقوله بعض الرواة، ويذهب آخرون إلى أن هذا الاسم مأخوذ من الهلهلة، وهي رقة نسج الثوب، ويقولون: سمّي مهلهلاً؛ لأنه أول من رقق الشعر، وتجنب الكلام الغريب الوحشي (١)، فهما روايتان، وقد تخير المؤلف منهما الرواية التي تساعده على أن يداعب القراء.
هذا وقد نظر الرواة النبهاء في شعر مهلهل، ولم يقبلوه مطوياً على ما فيه من مصنوع، ونبهوا على هذا بكلمات عامة؛ كقول الأصمعي: "وأكثر شعره محمول عليه (٢) ". وتراهم ينقدون أبياتاً بعينها؛ كما قال الأصمعي أيضاً: "إن هذا البيت الذي يروى لمهلهل مصنوع محدث، وهو قوله:
انبضوا معجس القسي وأبرقْنا ... كما توعد الفحول الفحولا
فقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لم أر أكثر حفظاً وفهماً منه، نعم، هذا من قديم المولد (٣) ".
стр. 3776
وبلوغهم في نقد شعر مهلهل هذا المبلغ، يجعلنا على ظنّ من أن هذا المقدار الذي يرويه الثقات لمهلهل بعيد عن أن يكون من المحمول عليه.
* المتقدمون من الشعراء:
قال المؤلف في (ص ١٦١): "ويحسن أن نظهرك على شيء من شعر مهلهل؛ لترى كما نرى أنه لا يمكن أن يكون أقدم شعر قالته العرب".
وساق قصيدة:
أليلتنا بذي حُسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
ثم قال: "أليس يقع من نفسك موقع الدهش، أن يستقيم وزن هذا الشعر، وتطرد قافيته، وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم، لا يشذ في شيء، ولا يظهر عليه شيء من أعراض القِدم، أو مما يدل على أن صاحبه هو أول من قصد القصيد، وطول الشعر؟ أليس يقع في نفسك هذا كله موقع الدهش، حين تلاحظ معه سهولة اللفظ ولينه، وإسفاف الشاعر فيه إلى حيث لا تشك أنه رجل من الذين لا يقدرون إلا على مبتذل اللفظ وسوقيه؟ ".
لا يعرف لإنشاء الكلام الموزون بداية، ولم يتفقوا في شاعر على أنه أقدم من نظم القصيد، وقد اختلفوا في أول من أطال الشعر، فادعت كل قبيلة لشاعرها أنه الأول: "ادعت اليمانية لامرئ القيس، وبنو أسد لعبيد ابن الأبرص، وتغلب لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة، والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دؤاد، وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي أقدم من هؤلاء، وأنه أول من قصّد القصيد" هكذا يقول عمر بن شبة في "طبقات الشعراء"، ثم قال: "وهؤلاء النفر المدّعى لهم التقدم في الشعر يتقاربون. لعل أقدمهم لا يسبق
стр. 3777
الهجرة بمئة سنة أو نحوها". وإذا كانوا معترفين بأن أصل نظم الشعر سابق على هؤلاء بقرون، وكان الذي ادعي لمهلهل إنما هو إطالة الشعر، لم يكن من الموقع في دهشة أن يستقيم وزن ما يقوله مهلهل، وتطرد قافيته، وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم، بل الذي يقع في نفوسنا موقع الدهش أن يطعن في نسبة شعر إلى عربي قحّ بأنه مستقيم الوزن، مطرد القافية، ملائم لقواعد النحو! ولم يصف المؤلف أعراض الشعر لعهد إطالته، حتى ننظر إلى هذه القصيدة المعزوّة إلى مهلهل كيف لم تقم بها هذه الأعراض.
يذهب المؤلف إلى زعم اصطناع القصيدة من ناحية سهولتها ولينها، وهو مدفوع بأنه لا يعرف مهلهلاً، ولم يثبت له شيئاً من الشعر صعباً خشناً، حتى يتبيّن أن هذا الشعر السهل اللين لم يكن من منظومه.
وأما ما رماها به من الإسفاف، فكلمة هو قائلها، والقصيدة لائقة بمقام شاعر بليغ، وهذا الأصمعي يقول: لو قال مهلهل مثل قوله: "أليلتنا بذي حسم أنيري" خمس قصائد، لكان أفحلهم.
* * *
стр. 3778
جليلة
قال المؤلف في (ص ١٦٢): "ولكنا لا نريد أن نترك مهلهلاً دون أن نضيف إليه امرأة أخيه جليلة، التي رثت كليباً -فيما يقول الرواة- بشعر لا ندري أيستطيع شاعر أو شاعرة في هذا العصر الحديث أن يأتي بأشد منه سهولة وليناً وابتذالاً، مع أننا نقرأ للخنساء، وليلى الأخيلية شعراً فيه من قوة المتن وشدة الأسر، ما يعطينا صورة صادقة للمرأة العربية البدوية".
وساق بعد هذا قصيدة جليلة في أحد عشر بيتاً.
قصة جليلة والأبيات التي سردها المؤلف واردة في كتاب "الأغاني" مروية عن شرقي بن القطامي، وإذا كانت روايتها تدور على شرقي، فأهل العلم ينظرون إليها بمنزلة الأسمار، ويأخذونها حرصاً على ما فيها من حلية أدبية. وسواء علينا أوجد لروايتها سند غير ابن القطامي، أم لم يوجد، فالقصيدة ليست على ما يصف المؤلف من الابتذال، فإنك تجد فيها نظماً محكماً، ومعاني سامية، وأبياتها تختلف بحسب روايتها في المقدار، وترتيب بعض الأبيات. وعلى أي حال كانت، لا يصح لأستاذ الآداب أن يصف بالابتذال وضعف الأسر هذا الشعر:
يا قتيلاً قوّض الدهر به ... سقف بيتيَّ جميعاً من علِ
ورماني فقدُه من كثبٍ ... رمية المصمى به المستأصَل
стр. 3779
هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول
مسّني فقدُ كليبٍ بلظى ... من ورائي ولظًى مستقبلي
ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي
يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل
ليته كان دمي فاحتلبوا ... دركاً معه دمي من أكحلي
ولا ندري كيف غاب عن المؤلف أن يشفق على هذه الثكلى، ويترك لها من هذا الشعر ولو ريحه، فهلّا قال كما قال في قسم من "قفا نبك": فيه شيء من ريح جليلة، ولكن من ريحها ليس غير!.
ولا عجب أن يتصور المؤلف، أو يصور تاريخ العرب على غير وجهه الحق، ولا عجب ألا يبصر ما في حقائق الإسلام من وضاءة وحكمة، فإنه أصبح غريباً عن العرب والإسلام، والغريب -كما يقولون- أعمى، وإنما العجب من أستاذ الآداب أن ينقد الشعر بما لا ينقده به ذوو الأذواق السليمة!.
стр. 3780
عمرو بن كلثوم
ابتدأ المؤلف بحديث عمرو بن كلثوم، وذكر أنه أحيط بطائفة من الأساطير، وحكى قصة مهلهل في أمره لزوجته بوأد ابنته ليلى التي يقال: إنها أم عمرو بن كلثوم، وحديث الهاتف الذي أنشده في منامه بيتين يومئ بهما إلى أن ليلى ستلد فتى يكون له شأن، وأتى بما يزعم من أن أتياً أتى ليلى وهي حامل بعمرو، وأتاها وقد مرت على ولادته سنة، وينشدها في المرتين وهي نائمة شعراً ينوه فيه بشأن الجنين والرضيع.
هاتان القصتان من النوع الذي يتحدث به الناس في السمر، ولا يذهبون به مذهب التاريخ الموثوق به، فهما يناديان على أنفسهما بالاصطناع، ولا سيما حين ترى صاحب "الأغاني" يرفع سندهما إلى رجل من بني تغلب لم يذكر اسمه (١)، فللمؤلف أن يشغل وقته بنقد هذا السخف متى كان غرضه تمرين الأطفال على نقد الأساطير، أما الطلبة الذين يصلون إلى أن يترددوا على الجامعة، فإنهم عن هذا النقد المبتذل السوقي لفي شغل.
* قصيدة عمرو بن كلثوم:
قال المؤلف في (ص ١٦٥): "وسواء أكان عمرو بن كلثوم شخصاً
стр. 3781
من أشخاص التاريخ، أم بطلاً من أبطال القصص، فإن القصيدة التي تنسب إليه لا يمكن أن تكون جاهلية، أو لا يمكن أن تكون كثرتها جاهلية".
تردد المؤلف في أن المنحول من القصيدة جميعها، أو كثرتها، وسيذهب في (ص ١٧٢) إلى أنها منحولة بجملتها، وهذا هو الذي يلتئم مع الدليل الذي يسميه دليلاً فنياً، وهو اختلاف اللهجات، فإن القصيدة مصبوبة في لهجة هي هذه اللهجة التي تتماثل فيها أشعار البلغاء. ونحن نرجح أن تكون القصيدة جاهلية، إذ ليس في ألفاظها أو معانيها ما يجعلها بموضع الريبة، ما عدا اختلاف الروايات في بعض أبياتها، وسننظر في شأنه قريباً، ونرجح أن تكون لعمرو بن كلثوم؛ لأن الرواة ينسبونها إليه، ولم يقم في سبيل هذه النسبة ما يقطعها، ويضاف إلى هذا: أنّا نجد في كتب الأدب آثاراً تدل على أن القصيدة كانت مستفيضة على ألسنة بني تغلب، كبارِهم وصغارِهم، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء": "وكان ابن كلثوم قام بها خطيباً فيما كان بينه وبين عمرو بن هند، ولشغف تغلب بها، وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمةٍ ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لفخر غير مسؤوم
وجاء هذا في كتاب "الأغاني" (١) أيضاً، فقال أبو الفرج: "وبنو تغلب تعظمها جداً، ويرويها صغارهم وكبارهم حتى هُجوا بذلك، قال بعض شعراء بكر بن وائل: "ألهى بني تغلب" البيتين.
стр. 3782
ويقولون بعد هذا: إنه كان قام بها خطيباً بسوق عكاظ، وقام بها في موسم مكة (١). وهذه الآثار ليست بأقل قيمة من الأثر الذي أخذ به المؤلف في أن علقمة كان يتردد على قريش، ويعرض عليها شعره.
فالقصيدة سالمة من دواعي الريبة، والرواة يشهدون بأنها لابن كلثوم، وهذه الآثار تدل على أنها كانت مستفيضة على ألسنة بني تغلب، فهي لعمرو ابن كلثوم لا تخرج عن حوزه حتى يقيم (مرغليوث)، أو حتى يقيم المؤلف على اصطناعها بينّة.
* قصة قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند:
ساق المؤلف قصة قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند، وما يذكره بعض الرواة في سبب هذا القتل.
وقال في (ص ١٦٦): "أليس هذا لوناً من الأحاديث التي كان يتحدث بها القصّاص يستمدونها من حاجة العرب إلى المفاخرة والتنافس؟ بلى! وقصيدة عمرو بن كلثوم نفسها نوع من هذا الشعر الذي كان ينتحل مع هذه الأحاديث".
القصة التي حكاها المؤلف جاعت في كتاب "الأغاني" (٢) مروية عن ابن الكلبي عن شرقي بن القطامي، وإذا كان هذا مبلغها من الرواية، فهي لا تعدو أن تكون من الأسمار، وأهل العلم لا يدخلون مثل هذا في التاريخ الموثوق به، وقد رواها بعض شراح المعلقات عن أبي عمرو الشيباني أيضاً، وهي بعد هذا محتملة لأن تكون واقعة، بل الظاهر أن أصلها، وهو قتل عمرو بن
стр. 3783
كلثوم لعمرو بن هند كان أمراً واقعاً؛ فإن هذه الحادثة كانت مذكورة في عهد جرير والأخطل، وأشار إليها الأخطل في قوله:
أبني كليبٍ إن عَمَّيَّ اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
ولم يمض وقتئذ على عهد عمرو بن كلثوم وعمرو بن هند إلا نحو مئة سنة، وقتل ملك كعمرو بن هند واقعة عظيمة، شأنها أن يبقى ذكرها دائراً في النوادي، مستفيضاً على الألسنة، ولا يتضاءل في هذه المدة إلى أن يكون أمراً منسياً، حتى تدعيه تغلب لأحد عظمائها بالباطل، ثم لا يقوم بالإنكار عليها خصمها الذي هو أحرص الناس على ألا يكون لها أثر من فخر، وأبعد من هذا أن يموت ذلك الملك حتف أنفه، وتزعم تغلب أنه مات قتيلاً، وأن قاتله أحد زعمائه. وحيث لم يقم وجه للريبة في أصل القصة، وهو قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند، عرّج عليه العلامة ابن خلدون في "تاريخه" (١) فقال في الحديث عن عمرو بن هند: "فتك به في رواق بين الحيرة والفرات عمرو بن كلثوم سيد تغلب، ونهبوا حياءه".
ومن يسلم أن تلك القصة المفضلة لا تأخذ الظن المعتد به في التاريخ، لا يلزمه أن يذهب في القصيدة التي يرويها الثقات من النبهاء إلى أنها مصطنعة؛ فإن الباحث بجدّ، لا يعمد إلى الخبر يرد عن الرجل من طريق واهية، ويلحق به خبراً آخر لم يدخل عليه من هذا الطريق.
* اختلاف الرواة في أبيات من قصيدة ابن كلثوم:
ذكر المؤلف شك الرواة في بعض قصيدة عمرو بن كلثوم، واختلافهم
стр. 3784
في بعض أبياتها.
وقال في (ص ١٦٦): "وأولئك وهؤلاء لا يختلفون في إنطاق عمرو ابن عدّي بالبيتين:
صددت الكأس عنّا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرُ الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
من الرواة من لم ينطق بهذين البيتين عمرو بن عدي، وهو من يعزوهما إلى عمرو بن معدي كرب أحد الشعراء المخضرمين المتوفى في آخر خلافة عمر ﵁، ذكر صاحب الأغاني البيتين، وقال: "قد زعم بعض الرواة أن هذا الشعر لعمرو بن معدي كرب"، وساق على هذا ما يرويه الهيثم بن عديّ عن ابن عباس من أن: "هذا الشعر لعمرو بن معدي كرب في ربيعة ابن نصر اللخمي" (١).
ومن الرواة من يرجح أن يكونا لعمرو بن عديّ، ويقول: إن ابن كلثوم أدخلهما في قصيدته (٢). وسواء أكان البيتان لابن عديّ، وأدخلهما ابن كلثوم في قصيدته، أم نحلهما ابن كلثوم بعضُ الرواة، فإن ورودهما في القصيدة وشأنهما ظاهر لا يسري إلى سائر القصيدة بالاصطناع، وربما كان نقدهما من دلائل صحة ما لا يختلف الرواة في أنه لعمرو بن كلثوم.
* ألا لا يجهلن أحد علينا:
قال المؤلف في (ص ١٦٧): "وستجد فيها أبياتاً تمثل إباء البدوي
стр. 3785
للضيم، واعتزازه بقوته وبأسه؛ كقوله:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قلت: إن هذا البيت يمثل إباء البدوي للضيم، ولكني أسرع فأقول: إنه لا يمثل سلامة الطبع البدوي، وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحد الممل:
ألا لايجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فقد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات، واشتد هذا الجهل حتى ملّ".
مَن الذي يقرأ هذا البيت، ويجد له في النطق عسراً، أو في الذوق ثقلاً، أو في النفس مللاً؟ إن هذا البيت سهل على اللسان، خفيف على الذوق، طريف في النفس، والتكرار في ذاته لا يخدش وجه الفصاحة، وإنما مرجعه الذوق السليم، فهو الذي يقضي بسوء أثره، أو حسن موقعه من الكلام، وقد بسط البحث وحققه على هذا الوجه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز"، وضرب أمثلة للتكرار الذي لا يمس فصاحة الكلام، ومن هذه الأمثلة:
وجهلٌ كجهل السيف والسيفُ منتضىً ... وحِلْمٌ كحلم السيف والسيفُ مغمد
ولعل بعض أشياع المؤلف يذهب إلى أنّ من لم يرم هذا البيت بقلة الفصاحة، فذوقه غير سليم، فنقول لهم: اقرؤوا البيت خالية أذهانكم من كل ما قاله صاحبكم فيه، ثم انظروا ماذا ترون؟!.
نحن نعلم أن الذوق هو الذي يستفتى في شأن التكرار، ولهذا لم نعب