← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

يرفعه: أن أبا عمرو بن العلاء قال: ما زدت في شعر العرب إلا بيتاً واحداً، يعني: ما يروى للأعشى من قوله: "وأنكرتني ... إلخ البيت". وهذه الرواية -على فرض صحتها- لا تدل إلا على أمانة أبي عمرو الثابتة بإجماع الرواة. قال ابن جنّي بعد حكايته ما سلف: أفلا ترى إلى هذا البدر الباهر، والبحر الزاخر، كيف تخلّصه من تبعات هذا العلم، وتحرّجه، حتى إنه لما زاد -فيه على سعته وانتشاره- بيتاً واحداً، وفّقه الله تعالى للاعتراف به؟!. وجاءت القصة في "مراتب النحويين" لأبي الطيب اللغوي على وجه لا يصرح بأنه هو الذي زاده في شعر الأعشى، ولفظه: "ومما كتب به إليّ أبو روق الهمذاني البصري، قال: أخبرني الرياشي عن ابن مناذر، قال: قال أبو عمرو: أنا قلت: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا فألحقه الناس في شعر الأعشى، وكان سيد الناس، وأعلمهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب". وقد يمس قلبك بالريبة في أصل القصة أمران: أحدهما: أن الأصمعي يقول في الحديث عنه: "وكان نقش خاتمه: إن امرأً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور وهذا البيت له، وكان رجلاً صالحاً، ولا نعرف له شعراً إلا هذا البيت" (١). والأصمعي من أشهر الرواة الذين أخذوا عن أبي عمرو، فيخطر على البال أن بيت: "وأنكرتني ... إلخ" لو كان أبو عمرو هو الذي زاده

стр. 3712

في بيت الأعشى، واعترف به، لكان من شأن الأصمعي أن يطلع عليه، ولا يقول: ولا نعرف له شعراً غير هذا البيت. ثانيهما: أن بعض أهل الأدب يعزو وضع البيت إلى حمّاد، قال ابن عبد ربه في "العقد الفريد": إن حمّاد الراوية يقول: ما من شاعر إلا قد حققت في شعره أبياتاً، فجازت عنه، إلا الأعشى -أعشى بكر-، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت: فأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا * الأصمعي واصطناع الشعر: قال المؤلف في (ص ١٢٢): "ويعترف الأصمعي بشيء يشبه هذا". تواردت كلمة الرواة على أن الأصمعي كان ثقة فيما يروي، صدوقاً فيما يقول. وبلغ به الورع حيث يتحامى أن يفسر كلمة في القرآن؛ حذراً من أن يخطئ المعنى، ويسيء التأويل. قال أبو الطيب اللغوي في "مراتب النحويين": لم ير الناس أحضر جواباً ولا أتقن لما يحفظ من الأصمعي، ولا أصدق لهجة منه. وقال ابن جني في "الخصائص": فأما إسفاف من لا علم له، وقول من لا مسكة به: إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، فكلام غير معبوء به. وكان أبو زيد، وأبو عبيدة يخالفان الأصمعي، ويناوئانه كما يناوئهما، فكلهم كان يطعن علي صاحبيه بأنه قليل الرواية, ولا يذكره بالتزيد (١). وُيبعد الأصمعيَّ من تهمة اصطناع الشعر، وإضافته إلى الجاهليين: أنه

стр. 3713

لم يكن معدوداً في قبيل الشعراء، قال ابن عبد ريه في "العقد الفريد": وكان الخليل بن أحمد أدرى الناس بالشعر، ولا يقول بيتاً، وكذلك كان الأصمعي، وقيل للأصمعي: ما يمنعك من قول الشعر؟ قال: نظري لجيده. * معانقة الكذب للزندقة: قال المؤلف في (ص ١٢٢): "ويقول اللاحقي: إن سيبويه سأله عن إعمال العرب فَعِلاً، فوضع له هذا البيت: حَذِرً أموراً لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار" قال سيبويه في "الكتاب" (١): ومما جاء على فَعِل: قول الشاعر: "حذر أموراً ... إلخ"، وقد طعن بعض أهل العلم في الاستشهاد بهذا البيت، فأضافه بعضهم إلى اللاحقي، وأضافه آخر إلى ابن المقفع (٢). واختلاف هذه الرواية قد هيأ السبيل لطائفة من النحاة أن يقولوا: إن سيبويه رواه عن بعض العرب، وهو ثقة لا سبيل إلى رد ما رواه (٣)، وكان لهم فيما يتهم به اللاحقي وابن المقفع من الزندقة وجه لرد ما يدعيه على سيبويه، والكذب إذا رأى الزندقة، هام بها صبابة، ولم يرض إلا بمعانقتها. * فصحاء الأعراب: تحدث المؤلف عن الأعراب الذين يرحل إليهم رواة الأمصار ليسألوهم عن الشعر والغريب، وزعم: أن هؤلاء الأعراب لما أحسوا ازدياد حرص

стр. 3714

الأمصار على هذه البضاعة، انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، فنفقت بضاعتهم. ثم قال في (ص ١٢٣): "فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب". ذكر بعض المؤلفين -كابن النديم في "الفهرست"- أسماء طائفة من فصحاء الأعراب الذين نزلوا من البادية إلى الحضر، ولم يرموهم بالكذب، فضلاً عن الإسراف فيه، فما كان أولئك الأعراب إلا كسائر الطوائف يكون فيها الألمعي، والغبي، والثقة، وغير الثقة، وقد رأينا في الباحثين الذين هم أعرف بأحوال هؤلاء الأعراب من المؤلف من يصف بعضهم بالثقة والعلم، قال أبو الطيب اللغوي في الحديث عمن روى عنهم أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي: "وعن جماعة من ثقات الأعراب وعلمائهم، مثل: أبي مهدية، وأبي طفيلة، وأبي البيداء، وأبي خيرة واسمه إياد بن لقيط، وأبي مالك عمرو بن كركرة صاحب النوادر من بني نمير، وأبي الدقيش الأعرابي، وكان أفصح الناس، وليس الذين ذكرنا دونه، وقد أخذ الخليل عن هؤلاء، واختلف إليهم" (١). وقال في الحديث عن أبي عمرو الشيباني: "ومن أعلمهم باللغة، وأحفظهم، وأكثرهم أخذاً عن ثقات الأعراب: أبو عمرو إسحاق ابن مرار الشيباني" يقول الرواة عن طائفة: إنهم ثقات، ويقول المؤلف عنهم: إنهم مسرفون في الكذب، ومن لم يتابعه على هذه الشهادة، أخرجه من حساب "هذه الطائفة القليلة من المستنيرين"!.

стр. 3715

* قصة داود وأبي عبيدة: قال المؤلف في (ص ١٢٤): "ويحدثنا ابن سلام عن أبي عبيدة: أن داود بن متمم بن نويرة ورد البصرة فيما يقدم له الأعراب، فأخذ أبو عبيدة يسأله عن شعر أبيه، وكفاه حاجته، فلما فرغ داود من رواية شعر أبيه، وكره أن تنقطع عناية أبي عبيدة به، أخذ يضع على أبيه ما لم يقل، وعرف ذلك أبو عبيدة". نصُّ ابن سلام في "الطبقات" حاكياً قول أبي عبيدة: "فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علينا، علمنا أنه يفتعله". لو كنا نرضى بطريقة المؤلف إذ يذكر الواقعة، ويلحق بها ألفاً، ويذكر بضعة أشخاص فسّاق، ويجعلهم مثال أمة كاملة، لسبقناه إلى إيراد هذه القصة، وقلنا: إن الرواة كانوا يميزون كل شعر منحول؛ فإن أبا عبيدة عرف الشعر الذي نحله داود بن متمم أباه. ولكنا لا نرغب في هذا الضرب من الاستدلال، ولا نحمّل الأشياء فوق ما تطيق، ولا نقول سوى أن القصة تدل على أن في الناس من يفتعل الشعر، ويضيفه إلى أبيه، وتدل -مع هذا- على أن في الرواة من ينقد الشعر، ويفرق بين الصحيح والمصنوع. ونذكّر المؤلف بقصة أخرى تشبه قصة داود وأبي عبيدة: وهي أن الأغلب العجلي كان له ولد ينحله شعراً، قال خلف في الحديث عن الأغلب: "وكان من ولده إنسان يصدق في الحديث والروايات، ويكذب عليه في شعره" (١). ولو

стр. 3716

سردنا في هذا الصدد سبعين قصة، لما دلت على شيء أكثر من أن في الشعر العربي انتحالاً، وهذا أمر يستوي في العلم به صغار القراء وكبارهم. * انتحال الشعر وتلفيقه في حياة المسلمين: قال المؤلف في (ص ١٢٤): "كل شيء في حياة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه، سواء في ذلك الحياة الصالحة حياة الأتقياء والبررة، والحياة السيئة حياة الفساق وأصحاب المجنون". جاء الإِسلام لينبت على ظهر هذه البسيطة رجالاً يمثلون الأحلام الراجحة، والسيرة القيمة، وتلقاه القوم الذين ملؤوا أعينهم بمشاهدة سيرة الرسول الأعظم ﷺ ، وأعلام نبوته، فكانوا المثل العالي لصدق اللهجة، ومضاء العزيمة، وحسن النظر في السياسة، وإذا ظهر العالم الإِسلامي بعد ذلك العهد في حال غير ملتئم، فإنما هو زمامه يقع في أيد تديره على غير بصيرة. وإذا ظهرت طائفة من المسلمين في حال تنبو عنها عين الأديب أو العالم، فإنما هي نفوسهم لم تكن على أثارة من هداية القرآن. لم يكن المسلمون في الاستقامة والصدق كالحلقة المفرغة، والعارفون بتاريخ صدرهم الأول لا يقبلون هذا الذي يقوله المؤلف من أن كل شيء في حياة المسلمين كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه، وكبر جناية على التاريخ والمنطق أن يقال: إن كل شيء في حياة الأتقياء والبررة في تلك القرون كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه؛ فإن مغزى هذا: أنه ليس هناك أتقياء ولا بررة، ولكن التاريخ يحدثنا بأن الذين كانوا يحيون حياة الأتقياء والبررة غير قليل، ويحدثنا علم النفس بأن التقي البارّ لا يتأثر بشيء من تلكم الأسباب تأثراً يدعو إلى اصطناع شعر، وإضافته إلى غير قائله.

стр. 3717

* نقد الرواية والرواة: قال المؤلف في (ص ١٢٤): "وقد قدمنا: أن هذا الكذب والانتحال في الأدب والتاريخ لم يكونا مقصورين على العرب، وإنما هما حظ شائع في الآداب القديمة كلها". وقع الانتحال في الشعر العربي، وقد كفانا القدماء معظم شرّه، وإليك كلمة تذكرك بما صنعوا في نقد الرواية والرواة: يرجع النظر في رواية الشعر إلى جهتين: أولاهما: جهة ما يترتب عليها من إثبات لغة، أو تقرير قاعدة، ومطمح أنظار العلماء في هذا أن يثقوا بن المروي صدر من عربي فصيح، ولا يعنيهم بعد هذا أن يكون قائلُ البيت امرأ القيس، أو ابن ميّادة، أو ما بينهما من جاهليين داسلاميين، ولا يمس غرضَهم بسوء أن يكون البيت منحولاً متى تلقوه من عربي مطبوع، ولهذا تجدهم يستشهدون بالبيت مع اختلاف الرواة في قائله. ثانيهما: جهة صلة الشعر بقائله، وصحة نسبته إليه. يقوم النظر في الجهة الأولى على أساس يجعل اللغة ونحوها وبيانها بمنعة من أن ينالها كاتب بفساد أو تحريف؛ فإن أهل العلم يوم قاموا لتدوين اللغة وتقرير قواعدها، وجدوا ألسنة العرب على لهجتها الأولى، ولم تزل مأخوذة باللغة الفصحى، فكانوا يتلقون شعرها ونثرها ممن يتكلمون بفطرهم العربية الخالصة، سواء أنشؤوا الكلام من أنفسهم، أو رووا لك ما قال غيرهم. فمدار ما يعتد به في إثبات كلمة، أو تقرير قاعدة لغوية: على أن

стр. 3718

يسمعه الثقة من عربي فصيح. ومن هنا عني علماء العربية بالبحث عن حال الرواة، وفصلوا القول فيما يرجع إلى الثقة بهم، أو الطعن في ذممهم، وجعلوا علماء اللغة طبقتين: طبقة من يوثق بهم، ويطمأن إلى روايتهم؛ كالخليل بن أحمد، وأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبّي، والأصمعي، وسيبويه، والكسائي، والنضر بن شميل، وأبي عمر والشيباني، وأبي سعيد البغدادي، وأبي الخطاب الأخفش، والفرّاء، وأبي زيد الأنصاري، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وابن الأعرابي، وطبقة لم يكونوا على استقامة، ولم يثق الناس بما ينفردون بروايته؛ كالجاحظ، وأبي بكر بن دريد، وأبي عمرو المعروف بغلام ثعلب، ومنهم من يثقون بروايته، ويرمونه بشيء من الغفلة في الرأي، كما وصف أبو منصور الأزهري في مقدمة "تهذيبه" محمدَ بن مسلم الدينوري. أما الجهة الثانية، وهي صلة الشعر بقائله، فقد نظر فيها المحققون من الرواة على وجه تشد آثاره بأنه كان دقيقًا قيماً، وقد سمعتم قول ابن سلام فيما يزيده بعض الرواة من الأشعار: "وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولا ما وضع المولدون. وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإِشكال". ولا أحسبهم إلا أنهم كانوا يصرفون في نقد هذا الذي يشكل عليهم بعض الإشكال أشدَّ عنايتهم، وبهذا عرفوا ما ينحله ولد متمم بن نويرة، وما ينحله ولد الأغلب العجلي. وقال يحيى بن سعيد القطّان: إن رواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع، ينتقدونه، ويقولون: هذا مصنوع (١).

стр. 3719

ومن أثر نظرهم في هذا الوجه من النقد: أنهم ينبهونك للشعراء الذين حمل عليهم شعر كثيرة كبشر بن أبي خازم، والأغلب العجلي، وعبيد، وعلقمة؛ وينكرون القصيدة تارة، وينكرون البيت منها، أو الأبيات تارة أخرى. وقد ينفون من شعر الشاعر كل ما يرويه راوٍ بعينه؛ كما أنكر صاحبُ "الأغاني الشعرَ الذي يورده ابن الكلبي لدريد بن الصمة، وقال: إن التوليد بيّن فيه (١). وقد تختلف الروايات في نسبة الشعر إلى قائله، فيذهبون في ترجيح إحداها مذاهب تشهد بأنهم كانوا يعنون بهذه الحجة، ويصرفون إليها من مجهودهم قسطاً كبيراً. وقد أشرنا فيما سلف إلى أن لهم في معرفة انتحال الشعر طريقتين: طريقة النقل؛ كقول الجاحظ في أبيات تنسب لأوس بن حجر: أخبرني أبو إسحاق: أنها لأسامة صاحب روح بن أبي همام، وهو الذي كان ولَّدها، وكما يقول ابن سلام في بيتين يرويهما الناس لأبي سفيان بن الحارث: أخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامة بن عمر الجمحي قالها، ونحلها أبا سفيان. ثانيتهما: طريقة العلم بحال الشاعر؛ كنسجه الذي يمتاز به عمن عداه، مثلما قال الأصمعي في شعر ينسب لامرئ القيس: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، وأحسبه للحطيئة. أو من جهة مخالفته لشيء عرف عنه في حياته؛ كما أنكر الأصمعي أن يكون بيت:

стр. 3720

فتوسع أهلها أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنىً شبعٌ وريّ لامرئ القيس؛ لأنه لا يلتئم مع حال من يطلب الملك ويقول: ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المالِ ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي ولا ننكر مع هذا أن يمر على الثقة النقاد شيء من الشعر، فينتبه لانتحاله من يجيء من بعده، ومثال هذا قصيدة قيس بن الحدادية التي رواها أبو عمرو الشياني، وأوردها صاحب "الأغاني" في ترجمة قيس، وقال: هذه القصيدة مصنوعة، والشعر بيّن التوليد. ويخفف التبعة عن أبي عمرو: أنه روى القصيدة في سياق قصة صدرها بقوله: "وزعموا". وصفوة المقال أن الشعر الذي يرويه أولئك الثقات النبهاء، ولم يمسه أحد منهم بنقد، فإننا نقبله على أنه شعر من نسبوه إليه إلى أن تقوم على انتحاله بيّنة.

стр. 3721

الكتاب الثالث الشعر والشعراء - قصص وتاريخ. - امرؤ القيس. - علقمة. - عبيد. - عمر بن قميئة. - مهلهل. - جليلة. - عمرو بن كلثوم. - الحارث بن حلزة. - طرفة بن العبد. - المتلمس.

стр. 3722

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ] [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥] (صدق الله العظيم)

стр. 3723

قصص وتاريخ * السخط على الرأي: قال المؤلف في (ص ١٢٥): "نظن أن أنصار القديم لا يطمعون منا في أن نغير لهم حقائق الأشياء، أو أن نسمي هذه الحقائق بغير أسمائها، لنبلغ رضاهم، ونتجنب سخطهم". عرف القراء أن ما تحدث المؤلف بإنكاره، أو الشك فيه من أخبار أو شعر جاهلي، قد سبقه إليه قوم آخرون، وقرأ الأدباء ما كتبه أولئك الباحثون، ولم يسخطوا عليه. وإذا لم يسخطوا على الرأي عند صدمته الأولى، أفيسخطون عليه حين يردده قلم المؤلف بعد أن ألفوا سماعه؟! وقد قلنا فيما سلف: إن الناس لم يغضبوا لما تحدث به في هذا الكتاب إلا حين مد يده إلى مطاعن، ورمى بها إلى ناحية الإِسلام في هيئة ينبذها أدب الاجتماع جانباً!. * نية الانحراف عن الأدب: قال المؤلف في (ص ١٢٥): "ولن نستطيع أن نسمي حقاً ما ليس بحق، وتاريخاً ما ليس بتاريخ. ولن نستطيع أن نعترف بأن ما يروى من سيرة هؤلاء الشعراء الجاهليين، وما يضاف إليهم من الشعر تاريخ يمكن الاطمئنان إليه، أو الثقة به". يقع في ذهن القارئ أن في مصر طائفة تحمل الكاتب على أن يسمّي

стр. 3724

ما ليس بحق حقاً، وأن يسمّي ما ليس بالتاريخ تاريخاً، وأن هذه الطائفة هي التي تتراءى للمؤلف عند كل بحث، فتأخذه لوثة، ويقبل على هذه الخيالات إقبال المشير بسبابته، يريها أنه لا يمتثل أمرها, ولا يبالي نهيها. وشأن الكاتب لإخلاص أن يجيل نظره، ويطلق قلمه، وإذا انتهى به البحث إلى الرأي، حفّه بأدلته، وأذاعه بين الناس، فإما أن يمكث في الأرض، وإما أن يذهب جفاء. ولو لم يكن في نية المؤلف الانحراف عن الأدب إلى غايات مؤذية، لما أنطق كتابه بمثل هذه الجمل التي لا تتقدم بالبحث خطوة، ولا يكون بها عند ذوي العقول الراجحة وجيهاً. * القابض على الماء: قال المؤلف في (ص ١٢٥): "وإنما كثرة هذه كلها قصص وأساطير لا تفيد يقيناً، ولا ترجيحاً، وإنما تبعث في النفوس ظنوناً وأوهاماً، وسبيل الباحث المحقق أن يستعرضها في عناية وأناة، وبراءة من الأهواء والأغراض، فيدرسها محللاً ناقداً، مستقصياً في النقد والتحليل". ليس في هذا شيء زائد على المنهج المقرر لتحقيق ما يرجع إلى الرواية والتاريخ، وليست المزية في تصوير المنهج، وإنما المزية في العمل عليه بجد واستقامة، وقد رأيتم المؤلف كيف يجد الخبر أو الشعر مفصلاً على قدر بغيته، فيغمره بالتصديق من كل وجه، وأنت لو استعرضته بعناية وأناة، لسقط من يدك، ولم يبق فيها من أثره إلا مقدار ما يبقى من الماء في يد القابض على الماء. * عناية العرب برواية الشعر وإنشاده: قال المؤلف في (ص ١٢٦): "ذلك أن أخبار الجاهليين وأشعارهم لم

стр. 3725

تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة، وإنما وصلت إلينا من هذه الطريق التي تصل منها القصص والأساطير: طريق الرواية والأحاديث، طريق الفكاهة واللعب". يعرف القراء ما كان للعرب من العناية برواية الشعر وإنشاده، لا يمتاز بذلك الرجال عن الغلمان، ولا الطبقة المستنيرة عن طبقة العوام، وكانوا يتنافسون في هذا المجال، وكادوا لا يعرفون فناً من فنون العلم سواه. جاء الإِسلام، فقلت هذه العناية، وضعف أمر هذا التنافس، بمعنى أن قسماً عظيماً ممن شأنهم العناية بالشعر، والتنافس في روايته، شغلوا بالجهاد، أو صرفوا هممهم إلى التفقه في الدين، ولكن الطبقة التي عنيت بالأشعار أيام جاهليتها قد بقي منها عدد وافر إلى العهد الذي راجعت فيه رواية الشعر شبابها. ترى من هذا القبيل الشعراء الذين عاشوا حيناً في الجاهلية، وحينًا في الإِسلام؛ كلبيد، وسويد بن أبي كأهل، وحسّان، والنابغة، والحطيئة، ومتمم ابن نويرة، والشماخ، ونهشل بن حرّى. وإذا كنا نرى للشعراء الإِسلاميين والمحدثين عناية بحفظ أشعار من تقدمهم، فلا شك أن هؤلاء المخضرمين كانوا يحملون من شعر الجاهليين أوقاراً يتلقاها عنهم الناس إلى أوائل عهد الدولة الأموية. ومن المستفيض في كتب الأدب: أن للشعراء رواة يصحبونهم، ويروون عنهم أشعارهم، كما كان عبيد راوية للأعشى، وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير. واستمرت هذه العادة في الإِسلام، فكان هدبة راوية الحطيئة، وجميل راوية هدبة.

стр. 3726

وإذا كان الشعراء الذين يضاف إليهم هذا الشعر الجاهلي إنما يبعدون عن عهد الإِسلام بنحو عصر، وكانت العناية برواية الشعر وإنشاده في القبائل والحواضر بالغة متواصلة، فليس بمستنكر أن يصح معظم هذا الشعر الذي يضيفه الرواة الثقات إلى الجاهليين، ولا يكون من المنحول في شيء. * كلحم خنزير ميت، حرام في حرام: قال المؤلف في (ص ١٢٦): "القرآن وحده هو النص القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته، ويعتبره مشخصاً للعصر الذي تلي فيه". المؤرخ الذي يؤمن بنبوة من نزل عليه القرآن، لا يسعه إلا أن يعتبر ما جاء في القرآن من أنباء الأمم واقعاً على نحو ما تنطق به آياته المحكمات، والعصر الذي تلي فيه ذلك الكتاب والعصور الخالية، تقف تجاه هذا الإيمان على سواء. وقد شهدنا المؤلف كيف اشتد حرصه على أن يمس القرآن بخدشة، وما كان منه إلا أن فلّى "ذيل مقالة في الإِسلام"، ووقعت يده على أذى مخلوق في شكل يلائم ذوقه، فانقلب يرمي به نحو قصة إبراهيم وإسماعيل - سلام الله عليهما -، والباطل الملقوط خفية كلحم خنزير ميت، حرام في حرام. * نوبة أنصار القديم وأنصار الجديد: ذكر المؤلف أن لكل أمة تاريخاً صحيحاً، وتاريخًا منتحلاً. ثم قال في (ص ١٢٧): "ولسنا ندري لم يريد أنصار القديم أن يميزوا الأمة العربية والأدب العربي من سائر الأمم والآداب؟ ومَن الذي يستطيع أن يزعم أن الله قد وضع القوانين العامة لتخضع لها الإنسانية كلها إلا هذا

стр. 3727

الجيل الذي كان ينتسب إلى عدنان وقحطان؟ ". يزعم المؤلف: أن طائفة يسميها: أنصار القديم يسوءها تقسيم تاريخ الأمة العربية وأدبها إلى صحيح ومنحول، والمعروف لدى القراء: أن القدماء والمحدثين يجمعون على أن للأمة العربية وآدابها تاريخاً صحيحاً، وتاريخاً منتحلاً، وكم أنكر المؤرخون من حوادث! وكم من منظوم حكم عليه نقاد الأدب بالتوليد والانتحال!. ما كان لأستاذ في الجامعة أن يلهج بسخف إنما تلهج به أقلام لا تفصل بين الحق والباطل، ولا تفرق بين الحجة والشبهة، وإنما تعرف الجديد والقديم، وتدعو إلى الجديد وإن كان سماً ناقعاً، وتتهكم بالقديم وإن كان قمراً ساطعاً. ليس ببعيد أن يكون المؤلف من هذه الفئة التي ترى اسم الجديد بمنزلة البرهان على أن المسمّى به حق، وترى اسم القديم كافياً في الدلالة على أنه باطل ث فإن نوبة "أنصار الجديد" و"أنصار القديم" تكاد تحضره عند كل حديث. * حديث قيس بن الملوّح: ذكر المؤلف أن للعرب خيالهم الشعري، وأن هذا الخيال أثمر هذه القصص والأساطير التي تروى عن العصر الجاهلي والإِسلامي. ثم قال في (ص ١٢٧): "وقد رأيت في فصولنا التي سميناها: "حديث الأربعاء": أنا نشك في طائفة من هذه القصص الغرامية التي تروى عن العذريين وغيرهم من العشاق في العصر الأموي". أنكر جماعة من الرواة حديث قيس بن الملوح "مجنون ليلى"، وقالوا:

стр. 3728

إن الشعر المعزوّ إليه كله مولّد، وقال بعضهم: إنه اسم مستعار لا حقيقة له (١). وقال جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (٢): "ومما وضعه العرب من عند أنفسهم أيضاً قصص العشاق العذريين ونحوهم". وقال: "وأخبار العذريين في العفة أكثرها موضوع، وقد أجمع الرواة على أن أخبار مجنون ليلى موضوعة، ويراد بها: تمثيل العفة مع الثبات على الحب، وقس على ذلك أكثر ما يروونه من هذا النوع" (٣). فنظرية الشك في طائفة من هذه القصص الغرامية قد أذاعها جرجي زيدان من قبل، ولكن المؤلف يجد في صدره حاجة مما يؤتى هؤلاء المحدثون، فيغبطهم حتى في نظرية شك لا يضرهم فقدها, ولا ينفعه أن يضيفها الناس إليه. * الطيب والخبيث في كتب الأدب: قال المؤلف في (ص ١٢٧): "ويجب حقاً أن نلغي عقولنا -كما يقول بعض زعماء السياسيين- لنؤمن بأن كل ما يروى لنا عن الشعراء والكتّاب والخلفاء والقواد والوزراء صحيح؛ لأنه ورد في كتاب "الأغاني"، أو في كتاب الطبري، أو كتاب المبرّد، أو في سفر من أسفار الجاحظ". هذه الكلمة مما يلقى في كل سبيل، وليست من النوع الذي يُعزى إلى زعيم سياسي، ولعل المؤلف أحس بابتذالها كما أحسسنا، فلم يحرص

стр. 3729

على أن يقطع نسبها من ذلك الزعيم، ويجرها إليه. يعرف الأدباء والعلماء أن في هذه الكتب طيبّاً وخبيثاً، ويتمنون لمطالعها أن ينقدها بحكمة وأناة، ويهتزون طرباً لباحث ماز فيها خبيثاً عن طيب، وإذا رآهم المؤلف ينقلون عنها تاريخاً أو أدباً، فها هو ذا يرجع إليها فيما يحتاج إليه من أدب أو تاريخ، وإذا قال: إنهم يأخذون منها أشياء، ولا ينقدونها كما أنقدها، قلنا له: قد أخذت منها آثاراً لم تحس باصطناعها، وأخرى لم تشعر بتحريفها. * أداة حاكية، وكتب ومقالات متحركة: قال المؤلف في (ص ١٢٨): "لأنصار القديم أن يرضوا لأنفسهم بهذا النحو من أنحاء الحياة العلمية، أما نحن، فنأبى كل الإباء أن نكون أدوات حاكية، وكتباً متحركة، ولا نرضى إلا أن تكون لنا عقول نفهم بها، ونستعين بها على النقد والتمحيص في غير تحكم ولا طغيان". يخرج المؤلف للتردد على مثل هذه الجمل الداخلة في استطاعة كل كاتب؛ ليتخذ منها شاهداً على أن له عقلاً يستعين به على النقد والتمحيص! لا نستبعد أن يكون لتلاوة هذه الجمل سرّ يظهر أثره في نفوس الطائفة التي يسميها: مستنيرة. وإنما الذي نراه لائقاً بمن يبحث وهو على ثقة من حسن تصرفه، وقوة حجته، أن يسترسل فبم الموضوع، ويأخذ البحث بالنقد والتمحيص، فلا يسع القراء إلا أن يشهد وابن له عقلاً ينقد ويمحص، ولا خير في مؤلف يدّعي أنه يأبى أن يكون أداة حاكية أو كتاباً متحركاً، وأنت إذا قلبت نظرك فيما يؤلّف، وجدته يشهد بملء صفحاته على أن صاحبه أداة حاكية، وكتب ومقالات متحركة.

стр. 3730

* الملكات الناقدة: تحدث المؤلف عمن يسميهم: أنصار القديم. وقال في (ص ١٢٩): "فما بالهم يصطنعون ملكاتهم الناقدة بالقياس إلى المعاصرين، ولا يصطنعونها بالفياس إلى القدماء". لا يزال الذين أوتوا رسوخاً في العلم يفحصون كل رواية، أو أي رأي تقع عليه أنظارهم، وهذا شأنهم في كل عصر، ولكن الرسوخ في العلم يدور على ما يتهيأ لطلاب العلم من حسن نظام التعليم، ومن الظروف المساعدة لهم على أن تكون هممهم كبيرة، وجدّهم متواصلاً. ننظر إلى ماضي الشرق، فنرى العصور والبيئات التي يجري فيها التعليم على طريقة التحقيق، كانت تنبت رجالاً مجتهدين في كل علم تناله أيديهم، وعلوم الشريعة والاجتماع واللغة والفلسفة في هذا الاجتهاد سواء، فالمئة الثامنة -مثلاً- أخرجت كثيراً ممن اصطنعوا ملكاتهم الناقدة بالقياس إلى القدماء. ثم بليت الحالة العلمية بخمول، ولم تجد أيدياً قوية تنهض بها إلى أن يتنافس في مثلها المتنافسون، فلا عجب إذا لم بقص علينا التاريخ بعد ذلك القرن أسماء رجال كثير يصطنعون ملكاتهم الناقدة في صورة بارزة. فاصطناع الملكات الناقدة يتبع غزارة العلم، وانتظام أسلوب التعليم، فكل من غاص في علم، ومشى في مباحثه على نظام، فلا بدّ من أن يصطنع ملكته الناقدة بالقياس إلى القدماء، وربما خرج من ناحية التعليم غير المنتظم رجال يتصرف في معلوماتهم الذكاء الفطري، فينظمها، ثم ينهض بهم إلى أن يضعوا كل رأي أو رواية تحت النظر، ولا يقبلوا منها إلا ما ثبت على النقد والتمحيص.

стр. 3731

* نقد خرافات في أفواه العجائز: قال المؤلف في (ص ١٣٠): "وزعموا أن الرجل من الأجيال القديمة كان من الطول والضخامة والقوة، بحيث كان يغمس يده في البحر، فيأخذ منه سمكاً، ثم يرفع يده في الجو، فيشويه في جذوة الشمس، ثم يهبط بيده إلى فمه، فيزدرد شواءه ازدراداً". يتواضع المؤلف إلى نقد خرافات لم يبق لها أثر إلا في أفواه العجائز حين يؤانسون الأطفال، مرت علينا سنون، وقصة عوج بن عنق أو "عوق" غائبة عنا، لا نلمحها إلا في بعض كتب قديمة تسوقها في معرض الإِنكار، ولم يكن يخطر على بالنا أنها ستحيا بعد أن أقبرت وأصبحت عظاماً نخرة، ثم تتجول في نوادي الأدب إلى أن تشهد محاضرات أستاذ لآداب اللغة العربية في الجامعة. كتب القدماء في إنكار هذه الأسطورة وأمثالها، وجعلوا هذا من أساطير القصّاص الذين يقولون ما لا يعلمون، قال الفيلسوف ابن خلدون في "مقدمة تاريخه" (١): "وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظروا إلى آثار الأقدمين، ومصانعهم العظيمة، مثل: إيوان كسرى، وأهرام مصر، وحنايا المعلقة (٢) وشرشال بالمغرب: أنها كانت بقدرهم متفرقين أو مجتمعين، فيتخيل أجساماً تناسب ذلك أعظم من هذه بكثير في طولها وقدرها؛ لتناسب بينها وبين القدر التي صدرت تلك المباني عنها .. وإنما هذا رأي أولع به القصّاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة"، وساق قصة عوج التي تحدث بها المؤلف،

стр. 3732

وأنحى عليها بالإنكار. * قوة الحافظة عند القدماء والمعاصرين: قال المؤلف في (ص ١٣٠): "فهل تظن أن الذين يثقون بخلف، وحمّاد، والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، يثقون بهم لشيء غير ما قدمت لك؟ كلا! كان هؤلاء الناس أحسن من المعاصرين أخلاقاً، وأقل منهم ميلاً إلى الكذب، كانوا أذكى منهم أفئدة، كانوا أقوى منهم حافظة، كانوا أثقب منهم بصائر، لماذا؟ لأنهم قدماء؛ لأنهم كانوا يعيشون في هذا العصر الذهبي! أليس العصر العباسي عصراً ذهبياً بالقياس إلى هذا العصر الذي نعيش فيه؟! ". لم يكن رأي أهل العلم في هؤلاء الرواة إلا على نحو ما يسعه تاريخ حياتهم، فيجيزون على خلف أن يكون صنع أشعاراً، ونحلها طائفة من الشعراء، ثم أناب، وبيّن ما نحل من الشعر، ويرون أن حمّاداً لم يكن صادقاً في كل ما يرويه، وأن أبا عمرو بن العلاء، والأصمعي كانا على صدق فيما يرويان، وأنّ صدقهما لا يمنع من أن يطلع باحث ذو أناة على أن شعراً منحولاً دخل فيما روياه. ولم يغب عن الناس حال تلك المبالغات التي تدخل في تقدير محفوظات القدماء، وإذا كان ما يحفظه أولئك الرواة من الشعر أكثر مما يحفظ أدباء هذا العصر وعلماؤه، فلأنهم كانوا ينفقون مجهودهم في هذا السبيل، ولو أن قويّ الحافظة في عصرنا يصرف شبيبته في حفظ اللغة والشعر كما يصرفون، ويعرف أن لعمله قيمة كما عرفوا، لكان نصيبه منهما لا يقل عن نصيب حماد، أو أبي عمرو، أو خلف، أو الأصمعي.

стр. 3733

ولا ندري من هذا الذي يعتقد أن خلفاً، أو حمّاداً، أو أبا عمرو، أو الأصمعي أذكى من المعاصرين أفئدة! ولم يقع من الناس سوى أنهم يرجعون إليهم وإلى أمثالهم في أمر كانوا يقومون عليه، ولا طمع في الوصول إليه من غير طريقهم، وهو هذا الشعر العربي. والناس يعرفون تاريخ العصر العباسي، وما كان فيه من جد وهزل، وتقوى وفجور، وإذا سمّوه ذهبياً بالقياس إلى هذا العصر، فلأن الأمة كانت ذات عز وسلطان، تعزم فتقدم، وتقول فتفعل، وكيفما كان حالها، فإن أعداءها يهابون سطوتها، وحرام عليهم أن يطؤوا موطئاً يغيظها، وأدنى شيء يجعله ذهبياً هو أن فاقدي الفضيلة؛ كبعض رجال "حديث الأربعاء"، لم يجدوا طريقاً إلى أن يتصلوا بالعدوة ليتخذ من أقلامهم سلاحاً يحارب به هذا الإسلام، الذي يأبى لأهله إلا أن يعيشوا أعزاء، أو يموتوا شهداء. * عقول المحدثين والقدماء: قال المؤلف في (ص ١٣١): "كان القدماء يكذبون كما يكذب المحدثون، وكان حظ القدماء من الخطأ أعظم من حظ المحدثين؛ لأن العقل لم يبلغ من الرقي في تلك العصور ما بلغ في هذا العصر، ولم يستكشف من مناهج البحث والنقد ما استكشف في هذا العصر". يعلم الناس من هذه النظم المادية والفنون الحيوية أن المحدثين أوسعوا دائرة هذه العلوم، وحققوا أشياء كانت غامضة، واستكشفوا أموراً كانت مجهولة، وهذا لا يدل على أن العقول التي وضعها الله في أدمغة المحدثين أكبر من عقول القدماء، وإنما هي سنّة ترقي العلوم والفنون، وأن يبني المتأخر على الأساس أو الحجر الذي يضعه المتقدم، ولو أخذنا نبغاء هؤلاء المحدثين،

стр. 3734

وحشرناهم في بعض العصور المتقدمة، لم يأتوا بأحسن مما أتى به نبغاء ذلك العصر، ولم يكن نصيبهم من المؤلف إلا أن يجعل حظهم من الخطأ أكثر من حظه، ويقول عنهم: إن مناهجهم في النقد أضعف من مناهجنا. لا ينازع أحد في أن المحدثين قطعوا في هذه العلوم شوطاً واسعاً، وأظهروا لها آثاراً أكثر مما أظهر القدماء؛ والذي نقف في بحثه، ولا نمضي عليه في حين غفلة، هو أن المباحث والآراء التي لا تقوم على وسائل مادية محضة؛ كآداب الاجتماع، وعلم ما وراء الطبيعة، ونقد أدب اللسان، لم يبلغ المؤلف وأمثاله من المحدثين أن يكونوا أبصر بها وأصوب نظراً من أولئك القدماء.

стр. 3735

امرؤ القيس * قبيلة امرئ القيس: ابتدأ المؤلف هذا الفصل بالحديث عن امرئ القيس. وقال في (ص ١٣٢): "مَن امرؤ القيس؟ أما الرواة، فلا يختلفون في أنه رجل من كندة. ولكن مَن كندة؟ لا يختلف الرواة في أنها قبيلة من قحطان، وهم يختلفون بعض الاختلاف في نسبها، وفي تفسير اسمها، وفي أخبار سادتها. ولكنهم على كل حال يتفقون على أنها قبيلة يمانية". يزعم المؤلف أنه سيغيّر تاريخ العرب، والتغيير فنون، ومن فنونه هذا الذي يقوله هنا من أن الرواة اتفقوا على أن كندة قبيلة يمانية، يحكي هذا الاتفاق في حال أن كتباً كثيرة تنطق بأن طائفة كانت تذهب إلى أن كندة قبيلة عدنانية، فهذا ابن الكلبي يقول في كتاب "الافتراق": "وكان لجنادة بن معدّ الغمرُ: غمر ذي كندة وما صاقبها، وبها كانت كندة دهرها الأول، ومن هنالك احتج القائلون في كندة ما قالوا، لمنازلهم في غمر ذي كندة، يعني: من نسبهم في عدنان" (١). وهذا البكري يقول في "معجم ما استعجم": "وكندة ابن ثور من جنادة، ومن نسَب كندة في معد يقول: ثور بن عفير بن جنادة

стр. 3736

ابن معد، قال عمر بن أبي ربيعة: إذا سلكت غمر ذي كندة ... مع الركب قصداً لها الفرقد" * ترجمة امرئ القيس: أخذ المؤلف يذكر اختلاف الرواة في اسم امرئ القيس، واسم أبيه، واسم أمه، واختلافهم في أن له ولداً، أو كان عقيماً. ثم قال في (ص ١٣٣): أوأي شيء أيسر من أن نأخذ ما اتفقت عليه كثرة الرواة على أنه حق لا شك؟ وكثرة الرواة قد اتفقت على أن اسمه جندح ابن حجر، ولقبه امرؤ القيس، وكنيته أبو وهب، وأمه فاطمة بنت ربيعة، على هذا اتفقت كثرة الرواة. وإذا اتفقت الكثرة على شيء، فيجب أن يكون صحيحاً، أو على أقل تقدير يجب أن يكون راجحاً. أما أنا، فقد أطمئن إلى آراء الكثرة، أو قد أراني مكرهاً على الاطمئنان لآراء الكثرة في المجالس النيابية وما يشبهها. ولكن الكثرة في العلم لا تغني شيئاً؛ فقد كانت كثرة العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها، وظهر أن الكثرة كانت مخطئة. وكانت كثرة العلماء ترى كل ما أثبت العلم الحديث أنه غير صحيح. فالكثرة في العلم لا تغني شيئاً". لا ندري في أي بحث، أو في أي فن يحسن المؤلف أن ينطق، فيقول صواباً، يريد أن يخيل إلى الطائفة التي يسميها مستنيرة: أن أهل العلم في الشرق، يرجعون إلى الترجيح بالكثرة عند اختلاف الآراء، أو تعدد الروايات، وهذا التخييل غير مطابق للحقيقة، وهمم أهل العلم أكبر من أن تنحط إلى هذه الخطة المبتذلة. المعلوم إما معقول؛ كحدوث العالم، أو مشاهد؛ كالألوان والأصوات.

стр. 3737

أما المعقول، وهو ما يكتسب بالأدلة النظرية، فلا يترجح فيه رأي الأكثرية على الأقلية عند عالم نحرير، وكثيراً ما تكون الأقلية في هذا القسم على حق، وتكون الأكثرية على باطل. وأما المشاهد، وهو ما يدرك بنحو السمع والبصر، فقد يحدثك عنه جمع كثير استوفى شرط التواتر، فيكون العلم الحاصل من هذا الحديث يقينياً، ويسقط بجانبه خبر الأقلية بلا مرية ولا نزل. فإن لم يستوف كل من الجمعين شرط التواتر، ترجح خبر أوفرهما صدقاً ونباهة، وإن كان أقلهما عدداً، فإن تساويا في الصدق والنباهة الكافية في ضبط حال المخبر عنه، وكان أحد الجانبين أكثر من الآخر عدداً، فهذا ما يمكن أن يكون موضع نظر أو خلاف، ومن فروع هذا: اختلاف الفقهاء في ترجيح بينة على أخرى بأكثرية شهودها، وكذلك اختلف الأصوليون في ترجيح الأخذ بحديث على الأخذ بحديث آخر؛ لأكثرية رواته. ومن يذهب إلى أن للكثرة أثراً في الترجيح، يعتمد على أن ظنّ موافقة الكثرة للحقيقة يكون أقوى، واحتمال وقوع الغلط أو الكذب على العدد الكثير أبعد من احتمال وقوعه في العدد القليل. ولا ننسى أن المسألة مفروضة فيما لا يمكن الوصول إليه إلا من طريق الرواية، ولا يجد الناظر لتقديم أحد الخبرين على الآخر وجهاً غير هذه الكثرة. وإذا رجعنا إلى علماء العربية، وجدناهم ينظرون في الترجيح إلى ثقة الراوي، فإن لم يجدوا لها ولا لغيرها من المرجحات سبيلاً، عادوا إلى الترجيح بكثرة الرواة كما يفعل جمهور الأصوليين. وخلاصة هذا: أن الأقوال إما أن تكون من قبيل الرأي، والترجيح

стр. 3738

فيها إنما يرجع فيه إلى الأدلة النظرية، وإما أن تكون من قبيل الرواية، وهذا هو الذي يمكن أن يُرجح فيه جانب الكثرة على جانب القلة. وقد رأيت المؤلف كيف خلط في حديثه بين الرواية والرأي، وحشر كثرة الآراء في المجالس النيابية، ونظرية كروية الأرض في موضع الكلام عن الترجيح بالكثرة فيما لا يمكن الوصول إليه إلا من طريق الرواية. * امرؤ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث: أراد المؤلف أن يضع قصة امرئ القيس في معمل فلسفته الممتازة، فحام على تاريخ كندة في الإسلام، ووقع على أسرة الأشعث بن قيس، وأخذ يقص كيف وفد من كندة وفد على النبي ﷺ ، وعلى رأسه الأشعث، وكيف ارتدت كندة، وكيف تاب الأشعث، واشترك في فتح الشام، وفتح الفرس، وتولى عملاً لعثمان، وظاهر علياً على معاوية، ثم انتقل إلى الحديث عن ابنه محمد بن الأشعث، وذكر اعتماد زياد عليه في أخذ حجر بن عدّي الكندي، وعرج على قتل معاوية لحجر بن عدّي هذا في نفر من أصحابه، وانتقل إلى سيرة عبد الرحمن بن الأشعث، وثورته بالحجّاج، وخلعه لعبد الملك، ووقوعه في يد عامل الحجّاج، وانتهاء واقعته بقتل نفسه. عقد المؤلف مشابهة بين امرئ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث، وزعم أن عبد الرحمن ثار منتقماً لحجر بن عدّي، كما أن امرأ القيس قام مطالباً بثأر أبيه، وذكر في وجه الشبه: أن كلاً منهما طامع في الملك، متنقل في البلاد، مستعين بملك: امرؤ القيس بقيصر، وعبد الرحمن بملك الترك، وأن كلاً منهما غدر به الملك الذي التجأ إليه، ويتشابهان في أن كلاً منهما مات في طريقه عائداً من بلاد الملك الذي التجأ إليه.

стр. 3739

ثم قال في (ص ١٣٧): "أليس من اليسير أن نفترض، بل أن نرجح: أن حياة امرئ القيس كما يتحدث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه القصّاص إرضاء لهوى الشعوب اليمانية في العراق، واستعاروا له اسم الملك الضلّيل اتقاء لعمال بني أمية من ناحية، واستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كانت تعرف عن هذا الملك الضلّيل من ناحية أخرى؟ ". ونحن نلقي عليك واقعة عبد الرحمن بن الأشعث في تلخيص وإيجاز، لتعلم أن بينها ويين قصة امرئ القيس من الفرق ما لا يجتمعان به إلا في مخيلة تتراكم فيها صور الأشياء على غير نظام. يذكرون أن الحجّاج كان يبغض عبد الرحمن بن الأشعث، ويقول: ما رأيته قط، إلا أردت قتله، وكان عبد الرحمن يعرف هذه السريرة من الحجّاج، ويقول: أنا أزيله عن سلطانه. كان الحجّاج والياً على العراق وخراسان وسجستان، فجهز جيشاً لفتح بلاد (رتبيل) ملك الترك، وبعثه تحت راية عبد الرحمن. سار عبد الرحمن بالجيش حتى دخل في طرف من بلاد (رتبيل)، ثم عقد الرأي مع الجيش على أن يرجئوا التوغل في البلاد إلى العام المقبل، وبلغ الحجّاج ما عزم عليه عبد الرحمن من هذه الهدنة، فأمره بالمضي في سبيل الفتح، وهدده بالعزل إذا هو لم يفعل، فائتمر عبد الرحمن والجيش الذي تحت قيادته بخلع الحجّاج، ثم نادوا بخلع عبد الملك، وبايعوا عبد الرحمن، وأقبلوا إلى العراق. دارت حروب بين عبد الرحمن والحجّاج كانت عاقبتها أن انقلب

стр. 3740

عبد الرحمن منهزماً إلى سجستان. لحق بكرمان، فلقي من عامله بها نزلاً مهيَّأً، ثم رحل إلى "زرنج" (١) فتنكر له عامله هنالك، وأغلق باب المدينة دونه، فانصرف إلى "بست"، وكان عامله عليها عياض بن هيمان، فاستقبله، ثم أوثقه في غفلة من قومه؛ لينال به عند الحجّاج قرباً وسلاماً، وكان (رتبيل) قد ركب لاستقبال عبد الرحمن، فنزل على "بست"، وهدد عياضاً، فأطلق سبيله، وحمله إلى بلاده، وأنزله في جواره. تتابعت كتب الحجّاج إلى (رتبيل) في أن يبعث إليه عبد الرحمن، وكان من أثر هذه الكتب، وما تحمله من ترغيب وترهيب: أن بعث (رتبيل) بعبد الرحمن مقيداً إلى عمارة بن تميم؛ ليضعه في يد الحجّاج، فرمى عبد الرحمن بنفسه من سطح قصر، فهلك، وأرسل عمارة برأسه إلى الحجّاج. نرى عرض هذه القصة على وجهها التاريخي كافياً لنقض ما يزعمه المؤلف من المشابهة بينها وبين قصة امرئ القيس، ومن أن قصة امرئ القيس موضوعة رمزاً لها. وأول ما يخطر لك: أن عبد الرحمن بن الأشعث لم يقم للأخذ بثأر حجر بن عدّي، وتستبعد هذا الذي يدعيه المؤلف من جهة أن القرابة بين عبد الرحمن وحجر لم تكن من الشدة بحيث تحمل على الخوض في محاربة دولة ذات شوكة انتقاماً لها؛ فإن عبد الرحمن إنما يلتقي بحجر في الأب الخامس، وهو معاوية بن جبلة، ويضاف إلى هذا: أن القاتل لحجر معاوية ابن أبي سفيان، وصاحب الدولة يوم ثورة عبد الرحمن عبد الملك بن مروان، ويزاد على هذا: أن قتل معاوية لحجر كان في سنة ٥١ هـ، وثورة عبد الرحمن

стр. 3741

على عبد الملك كانت في سنة ٨١ هـ، وثلاثون سنة تمر على الواقعة شأنها أن تخفف من تغيظ النفس لها إلى حد ألا يبقى فيها من أثر الغيظ ما يدفع إلى اقتحام الأهوال، والخطار بالحياة في فتنة عمياء. ويبدو لك بعد هذا: أن ابن الأشعث إنما طلب الملك بالجيش الذي كان تحت قيادته، ولم يستعن عليه بملِك كما يزعم المؤلف، والذي وقع في (رتبيل) أنه استقبله بعد عودته في هزيمة ويأس من الملك الذي طمع فيه، ولم يرج منه ابن الأشعث أكثر من أن يحميه ويؤامنه من سطوة الحجّاج. * شعر امرئ القيس: تحدث المؤلف بأن شعر امرئ القيس ينقسم إلى قسمين: أحدهما يتصل بهذه القصة، فشأنه شأنها في الانتحال، وأنه شعر إسلامي لا جاهلي، ثانيهما لا يتصل بهذه القصة، وإنما يتناول فنوناً من القول مستقلة من الأهواء السياسية والحزبية. ثم قال في (ص ١٣٨): "فامرؤ القيس هو الملك الضلِّيل حقاً، نريد: أنه الملك الذي لا يعرف عنه شيء يمكن الاطمئنان إليه. هو ضلُّ بن ضلٍّ كما يقول أصحاب المعاجم اللغوية". وبعد أن عقد مشابهة بينه وبين (هوميروس) الشاعر اليوناني، قال في (ص ١٣٩): "ونحن نذهب هذا المذهب نفسه في تفسير هذه الأخبار والأشعار التي تمس تنقل امرئ القيس في قبائل العرب، فهي محدثة انتحلت حين تنافست القبائل العربية في الإسلام، وحين أرادت كل قبيلة وكل حي أن تزعم لنفسها من الشرف والفضل أعظم حظ ممكن". لعلك عرفت أن ما يزعم المؤلف من أن قصة امرئ القيس رمز إلى

стр. 3742

واقعة ابن الأشعث قول مرغوب عنه، وهو إلى المزح أقرب منه إلى الجد، وما لنا إلا أن ننظر في تحقق شخصية امرئ القيس، ثم ننظر في مبلغ الثقة بأن هذا الشعر صادر عنه. يجد الباحث في كتب الأدب والتاريخ روايات متفرقة، وآثاراً مختلفة، تدل على أن شاعراً من كندة يقال له: امرؤ القيس. وربما يكون كل رواية أو أثر بانفراده محتملاً لأن يرتاب فيه، ولكن مجموعة هذه الروايات والآثار تلقي في نفسك الثقة بأن امرأ القيس كان شاعراً جاهلياً، وأن له شعراً يدور بين الناس. أما هذا الشعر المضاف إليه، فقد نقده علماء الأدب، ونفوا عنه قسماً ذكروا أنه محمول عليه، نفوا عنه أبياتاً من قصائد، وقد ضربنا فيما سلف، وسنضرب لهذا الصنيع مثلاً، وارتابوا في قصائد بجملتها، فتجدهم يوردون القصيدة، ويقولون لك: ويقال: هي لبشر بن أبي خازم، أو لأسامة البجلي، أو لعبد الله بن عبد الرحمن السلامي، أو لأبي دؤاد الإيادي، أو لرجل من كندة، أو لرجل من بني النمر يقال له: ربيعة بن جشم، أو لعمرو المرادي. نقدوا شعر امرئ القيس جهد استطاعتهم، فنفوا ما قام الدليل من رواية أو نظر على أنه منحول، وكفّوا عن البقية؛ لأنها جاءت على طريق الثقات، لم يجدوا لقطع صلتها عنه وإلحاقها بالمصطنع من سبيل. * قصيدة امرئ القيس في السموأل: قال المؤلف في (ص ١٣٩): "وقد أحسّ القدماء بعض هذا، فصاحب "الأغاني" يحدثنا أن القصيدة القافية التي تضاف إلى امرئ القيس على أنه قالها بمدح السموأل حين لجأ إليه منحولة، نحلها دارم بن عقال، وهو من

стр. 3743

ولد السموأل. وأكبر ظننا أن دارم بن عقال لم ينحل القصيدة وحدها، وإنما نحل القصة كلها، وانتحل ما يتصل بها أيضاً: نحل قصة ابن السموأل الذي قتل بمنظر من أبيه حين أبى تسليم أسلحة امرئ القيس". يصف القدماء الشعر بالانتحال مستندين إلى نقل موثوق به، أو نظر يصحبه ذوق سليم، وحكمهم على قصيدة، أو قصائد من شعر امرئ القيس لا يجعلونه وسيلة إلى إنكار كل ما يضاف إليه، أو يذهبون به إلى أن هذا الشعر الذي يعزى إلى الجاهليين ليس من الجاهليين في شيء. أعاد المؤلف الحديث عن قصيدة امرئ القيس في السموأل، وتنبيه صاحب "الأغاني" على انتحالها، وقال: إن دارماً نحل القصة، وما يتصل بها جميعاً، وقد مشى في هذا وراء جرجي زيدان، والفارق بينهما: أن المؤلف حسِبَك من الطائفة التي يسميها مستنيرة، فلم يزد على أن جعل هذا الزعم أكبر ظنه، أما جرجي زيدان، فقد حدثك في هيئة الباحث في العلم؛ حيث قال في "آداب اللغة العربية" (١) يصف السموأل: "وحديثه مع امرئ القيس الشاعر والأدرع أشهر من أن يذكر، حتى يتبادر إلى الذهن أن العرب وضعوا ذلك الحديث، أو بالغوا فيه على سبيل التمثيل؛ ترغيباً في الوفاء؛ فإن الطبيعة تأبى على الرجل أن يضحي ابنه في سبيل الوفاء، ولا نقول: إن ذلك مستحيل، لكنه بعيد الحدوث". * قصيدة الأعشى في شريح بن السموأل: قال المؤلف في (ص ١٣٩): "نحل قصة الأعشى الذي استجار بشريح

стр. 3744

ابن السموأل، وقال فيه هذا الشعر المشهور: شريح لا تتركني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري" ثم سرد القصيدة في ثلاثة عشر بيتاً. المعروف في طريق نقد الشعر: أن يستند الناقد إلى رواية، أو تاريخ ينفيه عمن نسب إليه، أو يستبين بالنظر الصحيح أن هذا الشعر لا يلتئم من حيث معانيه أو صناعته بحال الشاعر، أو العصر الذي أنشد فيه. بين يدي المؤلف قصيدة، وشاعر، وممدوح، فقال: إن هذه القصيدة منحولة، ولم يأتنا برواية تنسبها إلى غير الأعشى، أو بتاريخ يدل على أن الأعشى وشريحاً لم يلتقيا في عصر، أو يذكر وجهاً يعرف به قراء كتابه كيف لا يصح أن تكون هذه القصيدة من نظم الأعشى، وقصارى ما فعل بهذه القصيدة: أن قاسها على قصيدة امرئ القيس التي نقدها صاحب الأغاني، وساق الوجوه التي جعلته يرتاب في نسبتها إلى امرئ القيس. يذهب المؤلف في نقد الشعر هذا المذهب الذي ترونه بأعينكم، ثم يقول في غير أناة: إن مناهج القدماء في نقد تاريخ الأدب أضعف من مناهجنا!. * قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية: قال المؤلف في (ص ١٤٠): "ثم كانت هذه القصة سبباً في انتحال قصة أخرى هي قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية، وما يتصل بها من الأشعار". من الجائز أن يكون في الأخبار المتصلة بقصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية ما ليس بثابت، ولا سيما ما يحكيه الرواة أنفسهم بنحو قولهم:

стр. 3745

"ويقال"، أو "زعموا"، أو: "وذكروا". أما أصل القصة، فقد تواردت عليه الروايات، وما تتوارد عليه الروايات لا ينساب إلى الحكم عليه بالانتحال وهو أعزل من البينة إلا من يخف على لسانه أن يقول ما لا يمليه عليه العقل. وليست الروايات العربية وحدها تذهب إلى أن امرأ القيس رحل إلى القسطنطينية مستنجداً بملك الروم على بني أسد، فإنك تجده في كتاب "شعراء النصرانية" (١) معزوّاً إلى تاريخ الروم. وإليك ما في الكتاب: "وقد جاء ذكر امرئ القيس في تاريخ الروم مثل: "نونوز"، و"بركوب"، وغيرهما، وهم يسمونه: قيساً، وقد ذكروا أنه قبل وروده على قيصر "يوستينيانس" أرسل إليه وفداً يطلب منه النجدة على بني أسد، وعلى المنذر ملك العراق .. ثم أخبر المؤرخون المومأ إليهم: أن امرأ القيس لم يلبث أن سار بنفسه إلى قسطنطينية ... قد ذكر "نونوز" المؤرخ أن "يوستينيانس" قلده إمرة فلسطين، إلا أنه لم يسع في إصلاح أمره، وإعادة ملكه، فضجر امرؤ القيس، وعاد إلى بلده، وكانت وفاته نحو سنة ٥٦٥ م، أصابه مرض كالجدري في طريقه كان سبب موته". * امرؤ القيس: يمنيّ الأصل، نجدي المولد والنشأة: ذكر المؤلف ملاحظة، قال في التهويل بها: "لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم، وهي أن امرأ القيس -إن صحت أحاديث الرواة- يمنيّ، وشعره قرشي اللغة، فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز؟! ". ثم قال في (ص ١٤٢): "سيقولون: نشأ امرؤ

стр. 3746

القيس في بني أسد، وكانت أمه من بني تغلب، وكان مهلهل خاله، فليس غريباً أن يصطنع لغة عدنان، ويعدل عن لغة اليمن. ولكننا نجهل هذا كله، ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس، ونحن بشك (١) في هذا الشعر، ونصفه بأنه منتحل. وإذاً، فنحن ندور: نثبت لغة امرئ القيس التي نشك فيها بشعر امرئ القيس الذي نشك فيه". لسنا في حاجة إلى إعادة البحث في مقدار الفرق بين لغة اليمن ولغة نجد والحجاز قبل الإسلام بنحو عصر؛ فإن امرأ القيس يمني الأصل، نجدي المولد والنشأة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء" (٢) يذكر امرأ القيس: هو: "ابن حجر بن عمرو الكندي، وهو من أهل نجد من الطبقة الأولى، وهذه الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد". يقول الرواة: إن امرأ القيس يمنيٌّ نشأ في نجد، والمؤلف يخرج على أدب البحث، فيؤمن لهم بأنه يمني، ويتعاصى عن قبول أن يكون نشأ في نجد، يقسم كلامهم شطرين، فيؤمن بشطر، ويكفر بشطر؛ حتى يجد الوسيلة إلى مجادلتهم، أو مغالطتهم بأن لغة اليمن غير لغة عدنان، وأن هذا الشعر الذي يعزى إلى امرئ القيس مصوغ في لسان عدناني مبين. ومن البديهي أن الذي يتصدى لمجادلة من يقولون: امرؤ القيس يمني نشأ في نجد، وليس له علم بهذا الشاعر من غير طريقهم، إما أن يصدقهم في يمنيته ونشأته في نجد، وإما أن يكذبهم في الأمرين كليهما، فهذا الدوران

стр. 3747

الذي يشكوه المؤلف إنما وقع فيه من جهة أنه قَبِلَ من الرواة أن يكون امرؤ القيس يمنياً، وأبى لهم أن تكون نشأته في نجد!. * شعر امرئ القيس في أخواله: تعرض المؤلف لما يقوله بعض الرواة من أن امرأ القيس ابن أخت مهلهل، وكليب، وذكر حرب البسوس. ثم قال في (ص ١٤٣): "فمن العجيب ألا يشير امرؤ القيس بحرف واحد إلى مقتل خاله كليب، ولا إلى بلاء خاله مهلهل، ولا إلى هذه المحن التي أصابت أخواله من بني تغلب، ولا إلى هذه المآثر التي كانت لأخواله على بني بكر". لا ندري من ذا يقول للمؤلف: إن ما يعزى إلى امرئ القيس، أو إلى أي شاعر عربي هو كل ما صنعته قريحته من منظوم، وإذا جمع بعضُ الرواة منظوم أحد الشعراء، فإنما يجمع المقدار الذي انتهى إليه، فمن الجائز أن يكون امرؤ القيس قد أشار في شعر آخر إلى مقتل خاله كليب، وبلاء خاله مهلهل، والمحن التي أصابت أخواله، والمآثر التي كانت لهم، وذهب هذا الشعر مع الرواة الذين قتلوا في حروب الردة، أو الفتن، أو الفتوح، والمؤلف نفسه يحكي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه كان يقول: ما بقي لكم من شعر الجاهلية إلا أقله، ولو جاءكم وافراً، لجاءكم علم وشعر كثير (١). وإذا فرضنا أن هذا الشعر الذي بين أيدينا هو كل ما جادت به قريحة امرئ القيس، وجارينا المؤلف في رأيه أن الشاعر لا بدّ أن يأخذ في شعره

стр. 3748

حروباً لم يشهدها، ويذكر فيه مقتل خاله إن قتل، وبلاءه إن أبلى، لما ترتب على هذا أثر أكثر من أن تكون رواية أن امرأ القيس ابن أخت مهلهل وكليب رواية باطلة، وطرحُ هذه الرواية التي تجيء في بعض كتب الأدب أقرب إلى المعقول من طرح هذا الشعر الذي يقول الرواة الثقات: إنه لامرئ القيس. * معلقة امرئ القيس: قال المؤلف في (ص ١٤٤): "وهذا البحث ينتهي بنا إلى أن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء، وإنما هو محمول عليه حملاً، ومختلق عليه اختلاقاً". ذهب المؤلف في بعض الصحف من كتابه (١) إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون له. ومقتضى تمسكه بأن امرأ القيس يمني مولداً ونشأة، وأن لغة قحطان نازلة من لغة عدنان منزلة اللغات غير العربية: أن يكون جميع هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس منحولاً، فإنا لم نجد شيئاً منه على غير اللغة التي ينظم فيها شعراء نجد والحجاز. ولكن المؤلف يقول في هذه الصحيفة: إن البحث يتتهي به إلى أن أكثر هذا الشعر ليس من امرئ القيس في شيء، ومعنى هذا: أن في الشعر المضاف إلى امرئ القيس شعراً هو منه في شيء، وأظن أن المؤلف سيجد كثيراً من المشقة والعناء ليحل هذه المشكلة. وأقبل المؤلف على المعلَّقة، وذكر أنه لا يعرف قصيدة يظهر فيها التكلف

стр. 3749

أكثر مما يظهر في هذه القصيدة، وأنه لا يحفل بقصة تعليق هذه القصائد السبع أو العشر؛ لأنها نشأت في عصر متأخر جداً، ولا يثبتها شيء في حياة العرب وعنايتهم بالآداب. ثم قال في (ص ١٤٤): "ولكننا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكّون في بعض هذه القصيدة، فهم يشكون في صحة هذين البيتين: ترى بعَر الأرآم في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حبّ فلفلِ كأني غداة البينِ يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظلِ وهم يشكون في هذه الأبيات: وقربة أقوامٍ جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل" وسرد المؤلف الثلاثة الأبيات بعدها. القدماء وأنصار القديم هم الذين أنكروا رواية تعليق هذه القصائد على الكعبة، ومنهم من لم يرض عن رواية تعليقها في الدفاتر أيضاً، وقالوا: إنما سمّيت معلقات؛ لعلوقها بأذهان صغارهم وكبارهم، ومرؤوسيهم ورؤسائهم، وذاك لشدة عنايتهم بها، ولعل هذا أحسن وجه في تسميتها معلقات. وإنا لنجد في تاريخ الأدب آثاراً قديمة تشهد بصحتهما، ففي "اختيار المنظوم والمنثور" (١): "روي أن معاوية أمر الرواة أن ينتخبوا قصائد يرويها ابنه، فاختاروا له اثنتي عشرة قصيدة؛ منهن: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" "لخولة أطلال ببرقة ثهمد"

стр. 3750

"أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم" "آذنتنا ببينها أسماء" "عفت الديار محلها فمقامها" "ألا هبّي بصحنك فاصبحينا" "إن بدّلت من أهلها وحوشا" "بسطت رابعة الحبل لنا" "يا دار ميّة بالعلياء فالسند" "يا دار عبلة بالجواء تكلّمي" وبعد أن تكلم أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر عن هذه القصائد، قال: "ولولا شهرة هذه القصائد، وكثرتها على أفواه الرواة وأسماع الناس، وأنها أول ما يتعلم في الكتاب، لذكرناها". والمروي عن المفضّل الضبّي: أن العرب كانوا يسمون القصائد السبع: السموط، ذكر صاحب "جمهرة أشعار العرب" امرأ القيس، وزهيراً، والنابغة، والأعشى، ولبيداً، وعمرو ابن كلثوم، وطرفة، ثم روى عن المفضّل الضبّي: أنه قال: "هؤلاء أصحاب السموط، فمن قال: إن السبع لغيرهم، فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة". ذكر المؤلف: أن القدماء يشكّون في صحة بعض أبيات من معلقة امرئ القيس، أما البيتان الأولان، وهما: "ترى بعر الأرآم ... إلخ"، فهما من رواية أبي عبيدة، ولم يروهما الأصمعي، وقال: الأعراب ترويهما. ونقل عنه أبو جعفر أنهما من المنحول. وفي "كتاب التصحيف والتحريف"
следующие страницы →