← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

- النعمان بن المنذر (... - نح و ١٥ ق. ه ـ): أشهر ملوك الح ي رة في الجاهلية، توفي في خانقين سجيناً. - نهشل بن حَرِّي (... - نحو ٤٥ هـ): شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم، وصحب علياً في حرويه. وكان من خير بيوت بني دارم. - هـ - - هدبة (... - نحو ٥٠ هـ): هدبة بن خشرم، شاعر وراوية من أهل بادية الحجاز بين تبوك والمدينة، وقتل بالمدينة. - هشام بن حكيم (... - بعد: ١٥ هـ): صحابي جليل أسلم يوم فتح مكة، كان يتنقل في البلدان للهداية والنصيحة والترغيب والترهيب. - هوميروس: أعظم شعراء اليونان، نظم الإلياذة والأوديسا، والمرجح أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد. - و - - وائل بن حجر (... - نحو ٥٥ هـ): من أقيال حضر موت، وفد على النبي ﷺ ، وروى عنه الأحاديث. - والبة بن الحباب (... - نحو ١٧٠ هـ): شاعر غزل ماجن من أهل الكوفة، هاجى بشاراً وأبا العتاهية فغلباه، ولما توفي رثاه أبو نواس. - الوليد بن عبد الملك (٤٨ - ٩٦ هـ): من ملوك الدولة الأموية في الشام، توفي بدير مران من غوطة دمشق. - ي - - ياقوت (٥٧٤ - ٦٢٦ هـ): ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، مؤرخ ولغوي وأديب، أصله من الروم، وتوفي

стр. 3852

بحلب، من آثاره: معجم البلدان - إرشاد الأريب. - يحيى بن سعيد القطان (١٢٠ - ١٩٨ هـ): من أهل البصرة ومن حفاظ الحديث. - اليرموك: نهر من فروع الأردن، ويصب في بحيرة الحولة، حدثت إلى جانبه موقعة انتصر فيها العرب على البيزنطيين عام ٦٣٦ م. - يزيد بن معاوية (٢٥ - ٦٤ هـ): ثاني ملوك الدولة الأموية في الشام، توفي بحوارين من أراضي حمص. - يعقوب بن السكيت (١٨٦ - ٢٤٤ هـ): إمام في اللغة والأدب، توفي ببغداد. من آثاره: إصلاح المنطق - الألفاظ - الأجناس - سرقات الشعراء. - يونس بن حبيب (٩٤ - ١٨٢ هـ): إمام نحاة البصرة في عصره. من آثاره: اللغات - الشعراء - الأمثال - معانى القرآن.

стр. 3853

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (١٥) «نَقْضُ كِتَابِ الإسْلامِ وَأصُوْلِ الحكمِ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 3854

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 3855

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة أصول الحكم في الإِسلام، ومفهوم الدولة الإِسلامية، موضوع التف حوله الداني والقاصي، وجذب إليه كثيراً من المفكرين والباحثين والكتاب، سواء من الذين أنعم الله عليه بنعمة الإِسلام، أو الذين تصدوا للرسالة الخالدة، ولم يزدهم فحيحهم إلا خساراً. ومكان الإمام محمد الخضر حسين من هذا الموضوع في عصره، مكان القطب من الرحى؛ فهو الشهاب الثاقب على كل شيطان مارد يتخيل أن في صرح الإِسلام ثلمة يمكن خرقها، أو شبهة ينفخ في رمادها لتستعر الفتنة؛ إرضاء لشهوته وشهوات من ينطق باسمهم، ويكتب بقلمهم. ولا غرابة أن يتخذ أولئك عبداً من عبدان بلد إسلامي، ارتدى الجبة والعمامة شعاراً، وسلك في غفلة من الوقت طريق القضاء الشرعي. نقول: لا غرابة أن يقع اختيار الدوائر المعادية للإسلام على شيخ أزهري معمم، جمع بين صفتي العالم الأزهري، والقاضي الشرعي؛ لأنه صيد ثمين، وأي صيد أفضل من عربي له زي إسلامي، ويخفي في صدره العداوة للإسلام؟!. إن ضلالة فصل الدين عن السياسة ما زالت -وستظل- الشغل الشاغل لأعداء الإِسلام، يروجون لها بما أوتوا من وسائل النشر والإذاعة

стр. 3856

والرؤيا، التي فتحت أبوابها على الرحب والسعة، ووضعت بين أيديهم قدراتها الفنية الحديثة. وما هذا الذي يطرق اَذاننا صباح مساء كل يوم من تسميات يلصقونها بالإِسلام، ويطيرون بها كل مطار، ويعقدون لها الاجتماعات والمؤتمرات في السر والعلن، ويصنعون لها دمى متحركة، تنطق باسمهم، وتتراقص على صفحات المجلات والصحف بخيوط يمسكون بها خوف أن تقع، ويلبسونها أسماء عجيبة غريية، فهناك: "لمستشار"، و "الباحث الجامعي الحر"، و"الدكتور العميد" إلخ المسميات التي يحاولون أن يضلوا بها الناس، فيضحكونهم، وإذا هم وأفكارهم وأموالهم سراب في سراب. ولعل قصة كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" الذي وضعه في القاهرة "القاضي الشرير والشيخ الأزهري" علي عبد الرازق، وما أوحاه الشيطان إليه من أفكار، والشيطان يوحي إلى أوليائه، أو ما أوحاه إليه أولئك الذين يتخذون أمثاله شعاراً للضلالة والإفساد، لعل قصة هذا الكتاب مثال للمكائد الخبيثة التي تنصب للإسلام في وكر خبيث. لنضرب صفحاً عما قيل من أن الكتاب صناعة قلم غير مسلم، وأن اسم علي عبد الرازق لم يكن إلا زينة لقبيح الكتاب، ولنضرب عرض الحائط كل إطراء وثناء وتشجيع تقاطر من دول الغرب وأبالسته وجامعاته ومستشرقيه على الكتاب، وشيخ الكتاب، لندع الأقوال الزائغة عن الحق تموت غيظاً، ولا يجدي نباحها فتيلاً فإن في الانتشار الواسع للإسلام في العالم، وتمسك أهله به، وحرصهم عليه، والدفاع عنه بالمال والروح، صفعة على وجه أولئك الذين يزعمون أن الإِسلام في طريق الاندثار. والحق يقال: إن الإِسلام يزداد

стр. 3857

قوة ومنعة يوماً بعد يوم، ولا تزيده معاول الهدم إلا شموخاً وانتصاراً. لندع الأباطيل الآنفة جانباً. وكنا نرجو ونأمل أن لا يعود إلى الكتاب وسواده وضلالاته، ولكنهم عادوا فعدنا، بل بلغت بهم القِحَة أن ترجموه إلى اللغات الأجنبية، وجعلوا منه في جامعات أوربا مرآة الإِسلام ونظراته في الحكم. ورأينا شرار الناس يسارعون إليه، ويحرصون على طباعته، فصدرت طبعات في القاهرة، وبيروت، والجزائر، ولعل هناك طبعات في بلدان أخرى لم نطلع عليها. وطرحت في الأسواق على نطاق شاسع، وبأبخس الأثمان. وسعى خفافيش الظلام وخبثاء الكتّاب مجدداً إلى تناول الكتاب في الصحافة اليومية، والمجلات الأسبوعية؛ ليدافعوا عن أفكار الكاتب من جديد. حقَّقت كتاب الإمام محمّد الخضر حسين "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وأصدق القارئ أنني ترددت في طبعه مرة بعد مرة، وقلت في نفسي: كتاب الإمام في المكتبات العمومية محفوظ لمن يهمه البحث، ولِمَ أطرحه في الأسواق، فأعيد مغالطات علي عبد الرازق إلى الأذهان؟ أما كفى الإِسلام مئات الأقلام الطاعنة فيه شرقاً وغرباً تحت أستار متنوعة، وعناوين مختارة، تخفي وراءها الكفر والإلحاد؟!. ولكنهم عادوا فعدنا، والحق أجدر أن يتبع، وإذا جاء الحق، زهق الباطل، ومن هنا لبّينا دعوة الحق، وللحق دعوة تستجاب. "تناول هذا الكتاب نقض ما جاء في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" مما يخالف المبادئ الإِسلامية، ويحود عنها، بطريقة تدل على رسوخ قدم الأستاذ السيد محمّد الخضر في العلوم الإِسلامية والعربية، وتضلعه منها تضلعاً يجعله في صفوف كبار العلماء الباحثين الذين يعرفون كيف يصلون بالقارئ

стр. 3858

إلى الحق الناصع في رفق وسهولة، دون أن يرهقوا ذهنه، أو يحرجوا صدره. فأدلة ناصعة، ولغة بيّنة، وقصد في التعبير من غير غموض أو إبهام، وأدب صريح، وخلق متين، يدل على أن صاحبه ممن تأدبوا بالأدب الإِسلامي، وتشبعوا به، وفهموا معنى قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ثم حسن ترتيب وتنسيق في المناقشة وسوق الأدلة لا يدع في نفس القارئ مجالاً للشك، ولا يترك شبهة تتردد في صدره دون أن يقضي عليها قضاء نهائياً. كل ذلك في تواضع العالم الصادق النظر، النزيه الغرض، الذي لا يقصد من بحثه ودله إلا إحقاق الحق، وإزهاق الباطل" (١). وخير تقديم وتقريظ للكتاب: أن يقدم ويقرظ نفسه بنفسه، وكتابة الإمام محمد الخضر حسين مرآة لقلم بليغ، ونفس طاهرة، وعقل حصيف، وكتاباته جوامع الحكم، وحكم بالغات صيغت باللفظ العذب والسبك الجيد، إذا تليت على الأسماع، ركنت إليها النفوس؛ لطهارتها وصدقها، وإذا قرأها القارئ، عاش في روضة علمية ساحرة. إن الإمام محمد الخضر حسين عالم جليل، يغرف العلم من بحر لا ساحل له، ويعتبر كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" أهم المراجع للرد على كتاب علي عبد الرازق، وإذا فرح الضالّون المضلّون بكتاب "الشيخ القاضي الشرعي"، فقد فرح المؤمنون الصادقون بكتاب الإمام الصالح. وشتان بين الضلال والهدى، وبين الشر والخير!.

стр. 3859

ونشير في هذه المقدمة الموجزة: أن كتاب النقض في طبعته الأولى جاء خالياً من عناوين البحوث والتعليقات، ومن أجل التسهيل والتيسير على الباحث والقارئ أخذنا العناوين من فهرس الكتاب في طبعته الأولى، ووضعنا كل عنوان في موضعه من الكتاب. والحمد لله على الهدى ودين الحق، والحمد لله على نعمة الإِسلام. علي الرّضا الحسيني

стр. 3860

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة للإمام محمّد الخضر حسين أحمد الله على الهداية، وأسأله التوفيق في البداية والنهاية، وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمد المبعوث بأكمل دين وأحكم سياسة، وعلى آله وصحبه وكل من حرس شريعته بالحجّة أو الحسام وأحسنَ الحراسة. وقع في يدي كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، فأخذت أقرؤه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال بالشبهات. وكنت أمر في صحائفه الأولى على كلمات ترمز إلى غير هدى، فأقول: إن في اللغة كناية ومجازاً، ومعميات وألغازاً؛ ولعلها شغفته حباً حتى تخطّى بها المقامات الأدبية إلى المباحث العلمية. وما نشبت أن جعلت المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء، وتناديها قوانين المنطق، فلا تعبأ بالنداء. وكنت -بالرغم من كثرة بوارحها- أصبِّر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر، فأخطأ مقدماتها الصادقة. وما برحت أنتقل من حقيقة وضّاءة ينكرها، إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرفت على خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء، أو الغراب بالغراب. فوّق المؤلف سهامه في هذا الكتاب إلى أغراض شتى، والتوى به البحث

стр. 3861

من غرض إلى آخر، حتى جحد الخلافة، وأنكر حقيقتها، وتخطى هذا الحد إلى الخوض في صلة الحكومة بالإِسلام، وبعد أن ألقى حبالاً وعصياً من التشكيك والمغالطات، زعم أن النبي ﵇ ما كان يدعو إلى دولة سياسية، وأن القضاء وغيره من وظائف الحكم ومراكز الدولة ليست من الدين في شيء، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها. ومسَّ في غضون البحث أصولاً لو صدق عليها ظنه، لأصبحت النفوس المطمئنة بحكمة الإِسلام وآدابه مزلزلة العقيدة، مضطربة العنان. كنا نسمع بعض مزاعم هذا الكتاب من طائفة لم يتفقهوا في الدين، ولم يحكموا مذاهب السياسة خبرة، فلا نقيم لها وزناً، ولا نحرك لمناقشتها قلمًا، إذ يكفي في ردها على عقبها صدورها من نفر يرون الحطّ في الأهواء حرية، والركض وراء كل جديد كياسة. كنا نسمع هذه المزاعم، فلا نزيد أن نعرض عمّن يلغطون بها حتى يخوضوا في حديث غيرها. أما اليوم، وقد سرت عدواها إلى قلم رجل ينتمي للأزهر الشريف، ويتبوأ في المحاكم الشرعية مقعداً، فلا جرم أن نسوقها إلى مشهد الأنظار المستقلة، ونضعها بين يدي الحجّة، وللحجّة قضاء لا يستأخر، وسلطان لا يحابي ولا يستكين. لا أقصد في هذه الصحف إلى أن أعجم الكتاب جملة، وأغمز كل ما ألاقيه فيه من عوج؛ فإن كثيراً من آرائه تحدثك عن نفسها اليقين، ثم تضع عنقها في يدك، دون أن تعتصم بسند، أو تستتر بشبهة، وإنما أقصد إلى مناقشته في بعض آراء يتبرأ منها الدين الحنيف، وأخرى يتذمر عليه من أجلها التاريخ الصحيح، ومتى أميط اللثام عن وجه الصواب في هذه المباحث الدينية التاريخية،

стр. 3862

بقي الكتاب ألفاظاً لا تعبر عن معنى، ومقدمات لا تتصل بنتيجة. والكتاب مرتب على ثلاثة كتب، وكل كتاب يحتوي على ثلاثة أبواب، وموضوع الكتاب الأول: الخلافة والإِسلام، وموضوع الكتاب الثاني: الحكومة والإِسلام، وموضوع الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ. وطريقتنا في النقد أن نضع في صدر كل باب ملخصَ ما تناوله المؤلف من أمهات المباحث، ثم نعود إلى ما نراه مستحقاً للمناقشة من دعوى أو شبهة، فنحكي ألفاظه بعينها، ونتبعها بما يزيح لَبْسها، أو يحل لُغزها، أو يجتثها من منبتها. وتخيَّرنا هذا الأسلوب؛ لتكون هذه الصحف قائمة بنفسها، ويسهل على القارئ تحقيق البحث، وفهم ما تدور عليه المناقشة، ولو لم تكن بين يديه نسخة من هذا الكتاب المطروح على بساط النقد والمناظرة. محمّد الخضر حسين

стр. 3863

الكتاب الأول

стр. 3864

الباب الأول * ملخص الباب: تعرض المؤلف في فاتحة هذا الباب إلى معنى الخلافة، وأورد ما قاله بعض علماء الإِسلام في تعريفها، وأردفه بنقل كلمات أهل العلم في الحثّ على نصح الخليفة، ولزوم طاعته، وأضاف إليها كلمة من خطبة تعزى لأبي جعفر المنصور (١)، وصاغ خلال ذلك، وعقب ذلك جملاً صوّر بها منزلة الخليفة في نظر المسلمين؛ بزعم أنها منتزعة من تعريفهم للخلافة، أو مما يقولونه في الندب إلى طاعة الأمراء، ولم يتمالك بعد هذا أن طالب المسلمين بأن يبينوا له مصدر تلك القوة التي أفاضوها على الخليفة، وخرج في البحث إلى دعوى: أن للمسلمين في سلطة الخليفة مذهبين: أحدهما: أنها مستمدة من سلطان الله. وثانيهما: أنها مستمدة من الأمّة.

стр. 3865

وضرب المثل لهذين المذهبين بمذهبي "هبز" الألماني، "ولوك" الإنكليزي. * مناقشة المؤلف في جمل أوردها للدلالة على أن المسلمين يتغالون في احترام الخليفة: افتتح صاحب الكتاب البحث بحكاية كلمات وردت في تعريف الخلافة، وهي قول الشيخ عبد السلام (١): "رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي ﷺ . وقول البيضاوي (٢): "الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول ﵇ في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة". وقول ابن خلدون (٣): "الخلافة هي: حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها". ثم أخذ ينحت في تفسير هذه الكلمات جملاً تشعر - بما انطوت عليه من غلو وإسهاب -: أن منشئها سيتخذها سلّماً لدعوى إفراط المسلمين في إكبار مقام الخليفة، وتوسيع سلطته. وإليك نبذة من هذه الجمل ذات الكلمات المطلقة، والمعاني المكررة:

стр. 3866

قال المؤلف في (ص ٣): "فالخليفة عندهم ينزل من أمته بمنزلة الرسول ﷺ من المؤمنين، له عليهم الولاية العامة، والطاعة التامة، والسلطان الشامل". ثم قال: "وعليهم أن يحبوه بالكرامة كلها؛ لأنه نائب رسول الله ﷺ ، وليس عند المسلمين مقام أشرف من مقام رسول الله ﷺ ، فمن سما إلى مقامه، فقد بلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق من البشر". شغل المؤلف مقدار صحيفتين أو أزيدَ بتكرار معان تعدّ من المعلومات الموضوعة على ظاهر اليد؛ ليلمح بتأكيد إلى أن المسلمين يقررون لمقام الخلافة سلطاناً ومكانة فوق ما يستحقه رئيس حكومة عادلة، ثم هو لم يقف في بيان عبارات أولئك العلماء على حد ما تحتمله ألفاظهم؛ كما هو شأن طلاب الحقيقة بإنصاف، بل أخذ يرمي الكلم على عواهنه، ويعدل عن الألفاظ المطابقة إلى غيرها من الألفاظ التي ربما قدحت في الذهن معاني غير صحيحة. فعلماء الإِسلام يقولون: تجب طاعة الخليفة فيما يأمر به من معروف. والمؤلف يقول: له عليهم الطاعة التامة، فيحذف ما اشترطوه للطاعة من الاقتصار بها على المعروف، ويضع بدله كلمة تذهب بها إلى أن تتناول الطاعة العمياء. وهم يقولون: "يجب أن يكون مكرماً بين الناس -أي: غير مهان-؛ ليكون مطاعاً" (١). والمؤلف يقول: وعليهم أن يحبوه بالكرامة كلها! فيصرف القلم عن تعليلهم الذي يأخذ به المعنى قوة الحقائق، ويضع مكانه لفظ الشمول الذي يذهب بنفس القارئ إلى أقصى غاية.

стр. 3867

وهذا النوع من التصرف في أقوال أهل العلم مما يغمز في أمانة صاحبه. وقد يغمض عنه الطرف في المقالات الأدبية، أو في مقام الوعظ، أما الباحث في العلم، فإنه حقيق بأن يؤاخذ به، وبالأحرى حيث يكون بصدد بيان رأي أو حكم انتصب لمناقشته أو نقضه. وأعجب من هذا قوله بعد: لأنه نائب رسول الله ﷺ ، وليس عند المسلمين مقام أشرف ... إلخ؛ فإنه ساق هذه الكلمة مساق التعليل لما عزاه إلى المسلمين في حق الخلافة، ومقتضى نسج الكلام: أن المسلمين يرون أن الخليفة بلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق من البشر. وهذه الكلمات إنما هي من مصنوعات قلم المؤلف، وعليها طابع مبالغته الشعرية. والميزان الذي يرجع إليه المسلمون في المفاضلة بين البشر إنما هي الأعمال الصالحة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فمنزلة القائد الخطير ينقذ الأمة من سطوة عدو هاجم، والعالم الحكيم يحميها من ضلالات مبتدع خليع، هي أسمى في نظر المسلمين من صف له الخليفة إذا لم يكن له من العمل ما يساوي عملهما في عظيم الأثر، وشرف الغاية. ولم يزد أولئك العلماء أن قالوا في الخليفة: إنه نائب رسول الله ﷺ . وهذا لا يقتضي أن يقال: سما إلى مقام رسول الله ﵇ وبلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق. ولو جرينا على هذا الضرب من الاستنتاج، لقلنا: قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، فداود ﵇ سما إلى مقام الألوهية، أو بلغَ الغاية التي لا مجال فيها لمخلوق. وهذا الضرب من الاستنتاج باطل بالبداهة، فليكن ما صنعه المؤلف خارجاً عن الأقيسة الصادقة.

стр. 3868

* بحث في قولهم: طاعة الأئمة من طاعة الله: وجاء المؤلف بعد هذا بقطع التقطها مما قيل في احترام الخليفة، ومحض النصيحة له، وحيث إنه أتى بها كمقدمات، بني عليها استعظام القوة التي توضع في يد الخليفة، واستنكارها حسبما انجرّ إليه البحث في (ص ٦)، وجب أن نطارحه الحديث فيما يراد منها، أو في أهلية قائليها, لأن يوثق بهم، أو يحتج بأقوالهم. قال المؤلف عازياً إلى "حاشية الباجوري (١) على الجوهرة": "عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ظاهراً وباطناً". وعلله بقول أبي هريرة (٢) أخذاً من "العقد الفريد": "إن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله". نتحدث مع المؤلف فيما عزاه إلى أبي هريرة، فنذكره بأن "العقد الفريد" كتاب أدب، لا يليق برجل يبحث في موضوع ديني أن يستند إلى شيء مما ينقله ذلك الكتاب عن صحابي أو غيره. وإذا أباح لنفسه الاستشهاد بما بين دفتي "العقد الفريد"، فلا يحق له بعد هذا أن يعمد إلى أحاديث في "صحيحي البخاري ومسلم" يراها واقفة في سبيل بعض اَرائه، فيقول: لنا أن ننازع في صحتها. وأصل خبر أبي هريرة في الصحيفة التي رمز إليها المؤلف من "العقد الفريد": "لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أمرنا بطاعة الأئمة، وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم

стр. 3869

من عصيان الله". وقد تصرف المؤلف في الخبر بحذف كلمة "أمرنا". ولفظ أمرنا في قول الصحابي إما أن يجعل الخبر حديثاً نبوياً كما هو رأي جمهور أهل العلم؛ إذ الظاهر أن الآمر هو صاحب الشريعة، وإما أن يبقى محتملاً لأن يكون الآمر بعض الخلفاء والأمراء، وعلى كلا المذهبين، فأبو هريرة راوٍ إما لحديث عن رسول الله ﷺ ، وإما لأثر عن بعض الخلفاء أو الأمراء. وقد جاء في معنى خبر أبي هريرة حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وهو: "من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصى أميري، فقد عصاني". وليس في هذا الحديث ولا ذلك الخبر ما يدعو إلى غرابة، ما دمنا نعلم أن الأمير الذي يقال: إن طاعته من طاعة الله، وعصيانه من عصيان الله، هو الأمير المسلم الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكذلك تكون طاعته ظاهراً وباطناً؛ لأنه لم يكن سوى لسان يعبر عن أحكام الشريعة الثابتة بنص جلي، أو استنباط صحيح. * بحث في قولهم: النصح للأئمة لا يتم إيمان إلا به: قال المؤلف في (ص ٤) عازياً إلى "العقد الفريد": "فنصح الإمام، ولزومُ طاعته فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه". ساق المؤلف هذه الجملة، ولا داعي لمساقها -فيما يظهر- إلا أن يطلع قراء كتابه على مقالة للمسلمين، تجعل تمام الإيمان وثباتَ الإِسلام موقوفين على نصح الإمام ولزوم طاعته. وهذا في رأيه موضع غرابة وإنكار, فإنه أورده في نسق ما رتب عليه قوله في (ص ٦): "كان واجباً عليهم إذا أفاضوا على

стр. 3870

الخليفة تلك القوة ... إلخ". ونص عبارة "العقد الفريد" في الصحيفة التي رمز إليها: وقال ﷺ : "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة "، قالوا: لمن يا رسول الله؛ قال: "لله ورسوله، ولأولي الأمر منكم". فنصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه. فصاحب "العقد الفريد" أورد العبارة كالبيان للحديث النبوي، وهو بيان لا غبار عليه؛ لأنه إذا كانت النصيحة للأمراء معدودة في حقائق الدين، وبالغة مبلغ ما يقرن بالنصح لله ورسوله، كانت بلا ريب من قبيل ما لا يكمل إيمان إلا به، ولا يستقيم إسلام إلا عليه. ولا يبقى معنى سوى أن "العقد الفريد" كتاب أدب، لا يحلّ لنا الاعتماد عليه في شيء من المباحث الشرعية، فلا بد من الرجوع إلى كتب السنّة؛ لنعلم مبلغ هذا الحديث من الصحة. وهو مروي في "صحيح مسلم (١) " عن تميم الداري (٢)، ولفظه: أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؛ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم". * بحث في قولهم: السلطان ظل الله في الأرض: قال صاحب الكتاب في (ص ٤): "وجملة القول: أن السلطان خليفة

стр. 3871

رسول الله ﷺ ، وهو أيضاً حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده. ومن كان ظل الله في أرضه، وخليفة رسول الله ﷺ ، فولايته عامة ومطلقة، كولاية الله تعالى، وولاية رسوله الكريم". أورد المؤلف هذه الجمل على طريق الحكاية لما يقول المسلمون، وهو غير مؤمن بها، ثم أضاف إليها أسفل الصحيفة نبذة من خطبة ألقاها أبو جعفر المنصور بمكة، وموضع إنكاره منهاة كما دلّ عليه في (ص ٧): قوله في مستهلها: "إنما أنا سلطان الله في أرضه"، ودل في تلك الصحيفة أيضاً على عدم رضاه عن قولهم: "ظل الله الممدود". فقوله: حمى الله في بلاده، لم يعزه المؤلف إلى قائل بعينه، ومعناه قريب المأخذ، بعيد عن مواقع اللبس، فإن الحمى يقال على المكان الذي يحميه الشخص، ويمنع غيره من أن يدانيه، فيرجع إلى معنى: الحرم، والكنف، ومعنى كون السلطان حمى الله: أنه الحرم الذي يأمن به كل خائف، والكنف الذي يضرع إليه كل ذي خصومة. وقوله: وظله الممدود على عباده، ليس بمستنكر" إذ قد روي في معناه حديث نبوي، وهو: "السلطان ظل الله في الأرض"، والمعنى: أنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس (١). * مناقشة المؤلف في زعمه: أن ولاية الخليفة عند المسلمين كولاية الله ورسوله: وقوله: فولايته عامة ومطلقة؛ كولاية الله تعالى، ورسوله الكريم.

стр. 3872

هذا من مبالغاته التي تضع للخلافة في نفوس المستضعفين من الناس صورة مكروهة، ولو كان المؤلف يمشي في بحثه على صراط سوي، لتحرى فيما ينطق به عن المسلمين أقوالهم المطابقة، وهم لم يقولوا: إن ولاية الخليفة عامة ومطلقة كولاية الله؛ فإن الله يفعل ما يشاء فيمن يشاء، ولا يسأل عما يفعل، والخليفة مقيد بقانون الشريعة، ومسؤول عن سائر أعماله، وكذلك رسول الله ﷺ له خصائص لا يحوم عليها الطير، ولا يبلغها مدى البصر، منها: أن تصرفاته نافذة، ولا تتلقَى إلا بالتسليم، وتصرفات الخليفة قد تقابل بالمناقشة والنقض والإنكار، فإن عني بالعموم والإطلاق: مجردَ تناولها للرقاب والأموال والأبضاع (١)، قلنا له: إن نزاهة البحث، والأخذ فيه بفضيلة الإنصاف، يقضيان عليه بطرح هذه العبارة المرهقة بالعموم والإطلاق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]. قال المؤلف عازياً إلى "طوالع الأنوار"، وشرحه "مطالع الأنظار": "ولا غرو أن يكون له حق التصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم". قطف المؤلف هذه الجملة من أصلها، وأطلقها خالية من الروح التي تجعلها حكمة جلية، فإن صاحب "المطالع" إنما ألقاها في نسق التعليل لأخذ العدالة شرطاً من شروط الإمامة، فقال: الرابعة: أن يكون عدلاً؛ لأنه يتصرف في رقاب الناس، وأموالهم، وأبضاعهم. وقال شارحه في "المطالع": لو لم يكن -يعني: الإمام- عدلاً، لم يؤمَن تعديه، وصرْف أموال الناس في مشتهياته، وتضيع حقوق المسلمين. فالمراد من التصرف في الأموال والرقاب والأبضاع: التصرف بحق،

стр. 3873

وهو التصرف بنحو القضاء، أو بعمل مشروع؛ كاستخلاص الأموال المفروضة، وحمل الناس على أمر الجندية، وولاية نكاح من لا ولي لها. ثم ذهب المؤلف في نحو من صحيفة يكيل للخليفة من إطلاق اليد، وسعة السلطان، ما كففنا طغيان بعضه فيما سلف، وسنتولى تهذيب بعضه فيما يأتي، وقد شعر وهو منفلت العنان؛ بأن الحقيقة تصيح به من كل جانب، وتضرب بأشعتها على رأس قلمه، فوقف بمقدار ما اعترف بأن الخليفة عند المسلمين مقيد بحدود الشرع، ثم انقلب يصف السبيل التي رسمتها الشريعة بكلام له باب باطنه فيه النقد، وظاهره من قبله الرضاء. وإنما قلت: باطنه فيه النقد, لأنه سيصرح بإنكار الخلافة، وإنكار أن يكون للإسلام شأن في السياسة، دون أن تأخذه فيما أنكر أناة أو هوادة. ثم قال في (ص ٥): "نعم. هم يعتبرون الخليفة مقيداً بقيود الشرع، ويرون ذلك كافياً في ضبطه يوماً إن أراد أن يجمح، وفي تقويم ميله إذا خيف أن يجنح". يرى المسلمون أن الخليفة مقيد بقانون الشريعة على الوجه الذي سنحدثك عنه في نقض الكتاب الثاني، وأن الإِسلام قرر لهم من الحقوق أن تقوم حول الخليفة أمة من الذين أوتوا العلم، يتقصَّون أثره، فيأمرونه بالمعروف إن تهاون، وينهونه عن المنكر إن طغا، فإذا ركب غارب الاستبداد، وأعياهم تقويم أوده، خلعوه غيرَ مأسوف عليه. وقد كان بعض الخلفاء يرعى هذا الحق بصدق؛ كما أن الأمة في الصدر الأول كانت تعمل عليه بقوة، فانتظمت السياسة، وأشرق محيَّا العدالة، وقامت قاعدة المساواة على وجهها.

стр. 3874

قال المؤلف في (ص ٦): "قد كان واجباً عليهم إذ أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة، ورفعوه إلى ذلك المقام، وخصّوه بكل هذا السلطان، أن يذكروا لنا مصدر تلك القوة التي زعموها للخليفة، أنِّي جاءته، ومن الذي حباه بها، وأفاضها عليه؟ ". ألقى المؤلف هذا السؤال المشبع بالإنكار بعد أن قرر على لسان المسلمين واجبات الخليفة، وكساها صبغة غير الصبغة التي فطرها الله عليها، ولم يخرج هذا السؤال على قارئ الكتاب فجأة حتى يتلجلج لسانه في الجواب عنه دهشة، بل روح الصحف السابقة، والثوب الفضفاض الذي كانت تتبرج فيه جملها، يُشعران بأن المؤلف سيذهب في أمر الخلافة مذهب الجاحدين، ويتبع غير سبيل المسلمين، وقد عرفت إذ ناقشناه في أقواله ومنقولاته: أن الإِسلام لم يجع في أمر الخليفة ببدع من القول، ولم يملكه سلطة تبخيس المسلمين شيئاً من حريتهم، أو تجعله يتصرف في شؤونهم حسب أهوائه، فالقوة المشروعة للخليفة لا تزيد على القوة التي يملكها رئيس دولة دستورية، وانتخابه في الواقع إنما كان لأجلٍ مسمّى، وهو مدة إقامته قاعدة الشورى على وجهها، وبذله الجهد في حراسة حقوق الأمة، وعدم وقوفه في سبيل حريتها. * من أين يستمد الخليفة سلطته ؟ قال المؤلف في (ص ٧): "على أن الذي يستقرئ" عبارات القوم المتصلة بهذا الموضوع، يستطيع أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج: أن للمسلمين في ذلك مذهبين: المذهب الأوّل: أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى، وقوته من قوته".

стр. 3875

الاستمداد من سلطان الله وقوته يجيء لمعنيين: أحدهما: الاستمداد بطريق الاستقامة والعدل، وهو معنى صحيح، وحقيقة واقعة، ومن شواهده: قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فالخليفة قد يستمد من سلطان الله وقوته، متى كان طيب السريرة، مستقيم السيرة، ينفق العزيز من أوقاته في إصلاح شؤون الأمة، ولا يألو جهداً في الدفاع عن حقوق البلاد بحكمة وثبات. ثانيهما: الاستمداد من قوة الله وسلطانه بطريق غيبي، ليس له من سبب سوى كونه خليفة، وهذا ما يقصد المؤلف إلى جعله أحد مذهبين في الإِسلام، وقد جاءت هذه الدعوى مكبّة على وجهها، ولم يسعفها المؤلف بما يبلّ ظمأها. قال المؤلف في (ص ٧): "ذلك رأي تجد روحه سارية بين عامة العلماء، وعامة المسلمين أيضاً، وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو، وتشير إلى هذه العقيدة". شدّ ما عُنينا بأمر الخلافة، وأنفقنا في مطالعة الكتب الممتعة بالبحث عنها نظراً طويلاً، ووقتًا واسعاً، فلم نعثر -مع هذا- على كلمة تنبئ -ولو بطريق التلويح-: أن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله، وقصارى ما يستنتج من كلماتهم عنها، ومباحثهم فيها: أن الله أوجب على الناس إقامة إمام، وأن ولايته تنعقد إما بمبايعة أهل الحل والعقد، وإما بعهد من الخليفة قبله، وأنه إذا سعى في السياسة فساداً، كان للأمة انتزاع زمام الأمر من يده، ووضعه في يد من هو أشد حزماً، وأقوم سبيلاً.

стр. 3876

والذي يؤخذ بطريق الاستنتاج: أن المؤلف عرف أن للغربيين في سلطة الملك مذهبين، فابتغى أن يكون للمسلمين مثلهما، ولما لم يجد في كلام أهل العلم عن الخلافة ما يوافق، أو يقارب القول بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله، تلمسه في المدائح من الشعر أو النثر، وادعى أنه ظفر ببغيته، وساقها كالشواهد على تقرير مذهب ليس له بين الراسخين في العلم من مبتدع ولا تبيع. ولا أظن المؤلف يجد في مباحث الخلافة ما يشتم منه رائحة هذا المذهب، ويتركه إلى الاستشهاد بأقوال الشعراء، أو كلمات صدرت على وجه المبالغة في الثناء. ولو رمى هذا المذهب على كتف الفرقة الغالية من الشيعة، لكان له في بعض مقالاتهم متكأ، ولكن حديث هذه الطائفة لا مساس له بالخلافة التي طرح عليها بحثه، وسلقها بكلماته الحداد. قال المؤلف في (ص ٧): "وقد رأيت -فيما نقلنا لك آنفاً-: أنهم جعلوا الخليفة ظل الله تعالى، وأن أبا جعفر المنصور زعم أنه سلطان الله في أرضه". إذا جعلوا الخليفة ظل الله تعالى، فللحديث المروي: "السلطان ظل الله"، وسبق شرحه بأنه خرج مخرج التشبيه، حيث إنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس عمن يأوي إليه، وإضافته إلى الله لأنه أمر بإقامته وإطاعته، وأين هذا من معنى استمداد السلطان من سلطان الله؟!. وقول أبي جعفر المنصور أنه "سلطان الله في أرضه" لا صلة له بالمعنى الذي يتحدث عنه المؤلف، وتأويل معناه -كما عرفت-: أن الله أمر بإقامة السلطان وطاعته، ومن هذه الجهة يصح إضافته إلى الله، وبالأحرى حيث يكون قائما على حراسة شرعه، ويسير في سياسة الناس على صراط مستقيم،

стр. 3877

فإن لم يكن المنصور على هذه السيرة، فغاية ما يقال عنه: أنه سمّى نفسه سلطان الله، وهو غير صادق في هذه التسمية. قال المؤلف في (ص ٧): "وكذلك شاع هذا الرأي، وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون الأولى، فتراهم يذهبون دائماً إلى أن الله - جل شأنه - هو الذي يختار الخليفة، ويسوق إليه الخلافة". يعرف العلماء أن بين الخالق - جلّ شأنه - وأمر الخلافة صلة القضاء والقدر، وذلك معنى لا يختص بالخلافة، بل يتحقق في كل ما يحدث في الكون من محبوب ومكروه، وهناك معنى آخر زائد عن القضاء والقدر، وهو الإرادة بمعنى: المحبة والرضا، وهذا أيضاً يتعلق بكل ما فيه خير وصلاح، ولا يتعلق بأمر الخلافة إلا بتفصيل، وهو أنْ يقال: متى كان الخليفة مستقيماً عادلاً، كانت ولايته خيراً وصلاحاً، وصح أن يقال: وقعت بإرادة الله؛ أي: محبته ورضاه، وإن كان جائراً فاسقاً عن أمر ربه، كانت ولايته شراً وفساداً، واستحقت أن يقال عليها: إنها لم تكن محبوبة لله، ولا مختارة عنده، وممن نبه على حقيقة هذه الإرادة واختصاصها بما هو خير ومأمور به: أبو إسحاق الشاطبي (١) في "موافقاته"، وشيخ الإِسلام ابن تيمية (٢) في "رسالة الأمر والإرادة" (٣). فدعوى أن العلماء يذهبون دائماً إلى أن الله هو الذي يختار

стр. 3878

الخليفة، ويسوق إليه الخلافة، لا نجد في أقوال العلماء ما يحوم عليها، وما هي إلا كلمة سقطت من قلم المؤلف قبل أن تأخذ حظها من البحث وإمعان التفكير. * مناقشة المؤلف فيما استشهد به من أقوال الشعراء: قال المؤلف في (ص ٧): "على نحو ما ترى في قوله: جاء الخلافة أو كانت له قَدَراً ... كما أتى ربّه موسى على قَدَرِ وقول الآخر: ولقد أراد الله إذْ ولاكها ... من أمة إصلاحَها ورشادَها وقال الفرزدق: هشامُ خيارُ الله للناس والذي ... به ينجلي عن كلِّ أرضٍ ظلامُها وأنت لهذا الناس بعد نبيهم ... سماءٌ يرجّى للمحول غَمامُها" البيت الأول من قصيدة لجرير (١) يهنئ بها عمر بن عبد العزيز (٢) بالخلافة، ولو كان المؤلف يقدر الخلفاء المستقيمين حق قدرهم، لأتينا في الاستشهاد على صحة معنى هذا البيت؛ بأن جريراً أنشده بين يدي عمر بن عبد العزيز بعد أن قال له: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً، وأقره عليه.

стр. 3879

أما حيث يقول في (ص ٣٦): "إن الخلافة نكبة على الإِسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد"، فنخشى أن يعد إقرار عمر بن عبد العزيز لجرير على هذا البيت شرارة من تلك النكبة، أو قطرة من ذلك الينبوع، فلا مندوحة حينئذٍ عن أن ندخل إلى نقض كلامه من باب تحرير معنى البيت وشرحه على مقتضى الاستعمال العربي. قوله: "جاء الخلافة أو كانت له قدراً" وقعت "أو" هنا موقع الواو، وفي رواية: "إذ كانت له قدراً (١) ". وهذا الشطر وارد على ما يفيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠]. ومعنى الآية: جئت على قدر قدرتُه لأن كلمك وأستنبئك غيرَ مستقدم وقته المعين، ولا مستأخر (٢). وعلى مقتضى هذا التفسير يكون معنى: "جاء الخلافة أو كانت له قدرًا": أنه جاء الخلافة على القدر الذي قدره الله لها، ويراد بهذا: أنه نالها بغير تعب ولا معاناة، قال الدماميني في "شرح المغني" (٣): "كانت له قدراً": كانت مقدرة، لا سعي له فيها. فليس في البيت الذي أنشد بين يدي عمر بن عبد العزيز ما يدل على أن الله اختاره خليفة، وساق إليه الخلافة، إلا على معنى القدر الذي لا يغادر حادثاً من حوادث الكون إلا أتى عليه.

стр. 3880

وأما البيت الثاني، وبيت الفرزدق (١)، فلا حرج علينا أن نطوي بساط المناقشة دونهما؛ إذ المسألة تقرير مذهب في أحد المباحث العلمية أو الدينية، وحق هذا المقام ألا يوثق فيه بأقوال الشعراء، بعد أن عرفنا في فن البديع أن كلامهم ينقسم إلى؛ مبالغة، وإغراق، وغلوّ، ومع هذا الوجه الكافي في طرحهما من حساب تلك الشبه الواهية نقول: إن معنى البيتين لم يكن ناشئاً عن عقيدة خاصة في الخليفة والخلافة، وإنما هو مبني على العقيدة العامة؛ من أن ما كان خيراً وصلاحاً، تتعلق به الإرادة على وجه الرضا والمحبة، وهذا ما يدعيه الشاعران في ولاية ممدوحيهما، وقد يقولان ذلك وهما يعتقدان أن مدحهما غير مطابق للواقع، وأين هذا من تلك الدعوى الواسعة، وهي الاعتقاد بأن الله هو الذي يختار الخليفة؟! ولو تعلّم المؤلف تأويل الأحاديث، وتلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] لم يلتبس عليه قول الشاعر: "إذ ولّاكها"، أو يجره إلى شبهة أقرب إلى العدم من سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. قال المؤلف في (ص ٨): "ولقد كان شيوع هذا الرأي وجريانه على الألسنة، مما سهل على الشعراء أن يصلوا في مبالغاتهم إلى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية، أو قريباً منها، حتى قال قائلهم: ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ ... فاحكمْ فأنت الواحد القهارُ

стр. 3881

وقال طُرَيح (١) يمدح الوليدَ بن يزيد (٢): لوقلت للسيل دع طريقك والمو ... جُ عليه كالهضب يعتلج لساخ وارتد أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج" قبض المؤلف قبضة من أثر جرجي زيدان (٣)، ونبذها في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم". اقرأ كتاب "تاريخ التمدن الإِسلامي" (٤) تجده تعرض إلى ما حدث من الغلو في احترام الخلفاء أيام الدولة العباسية، ثم قال: "فلا غرو إذا سموا الخليفة في أيام المتوكل: ظل الله الممدود بينه وبين خلقه، أو قالوا قول ابن هانئ (٥) للمعز الفاطمي (٦): ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ ... فاحكم فأنت الواحد القهّار"

стр. 3882

فهذا البيت ينسب إلى ابن هانئ (١)، كما ترى، ونسبه المعري (٢) في "رسالة الغفران" (٣) إلى شاعر يدعى بابن القاضي، فقال: "حضر شاعر يعرف بابن القاضي بين يدي ابن أبي عامر (٤) صاحب الأندلس، فأنشده قصيدة أولها: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ... فاحكم فأنتَ الواحدُ القهّارُ ويقول فيها أشياء، فأنكر عليه ابن أبي عامر، وأمر بجلده ونفيه". فعلى رواية المعرّي خرج البيت على أن يكون خطاباً لخليفة كما يدّعي المؤلف. وعلى كلا الروايتين، لم يكن هذا الغلوّ في الوصف من أثر الاعتقاد بأن الخليفة -أو الأمير- يستمد سلطانه من سلطان الله، وإنما هو انحلال عقدة الإيمان بالله، ينضم إليه الإغراق في التملق وحب العاجلة، فينحدر الشاعر في مديحه طلق العنان، خالعاً على ممدوحه من ألقاب العظمة والقوة

стр. 3883

ما يتخطى به إلى مقام الألوهية. وقد وقع مثلُ هذا من عضد الدولة (١) في قوله يصف نفسه: مُبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح مَن فاق البَشَرْ عضدُ الدولة وابنُ ركنها ... ملكُ الأملاك غلّابُ القدر (٢) فالحقُّ أن علة هذا النوع من الشعر، إنما هي تجرد النفس من طبيعة الحياء والأدب مع الخالق، ينضم إليه داعي الطمع أو الفخر أو التباهي بالحذق في صناعة البيان. قال أبو بكر بن العربي (٣) في كتاب "الأحكام" (٤): إن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون، ألا ترى إلى قول بعضهم: ولو لم تلامس صفحةَ الأرض رجلُها ... لما كنت أدري علّة للتيمّم وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه. وأما بيتا طريح، فأراد بهما المبالغة في مدح الوليد بالسطوة ونفاذ

стр. 3884

الكلمة، حتى ادعى أنه لو أمر السيل الجارف بالانصراف عن طريقه، لم يسعه إلا الإذعان لأمره، والخضوع لسلطانه، ولا يصح أن يعد مثل هذا من أثر الاعتقاد بأن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله، وإنما هو من نوع الغلو الذي يرتكبه الشعراء في أكثر فنون الكلام؛ من غزل ومديح وهجاء وحماسة. قال المؤلف في (ص ٨): "وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء، خصوصاً بعد القرن الخامس الهجري، وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين، رفعوه فوق صف البشر، ووضعوه غير بعيد من مقام العزة الإلهية". بدا للمؤلف أن يبتدع للمسلمين في سلطان الخليفة مذهباً لا يعرفونه، ولما لم يجد في مباحث الخلافة ما ينبئ به، ولو بطريق التلويح أو الاقتضاء، صمّم أن يقرره، وصمّم على أن يعزوه لعامة العلماء، وعامة المسلمين، وعندما أفضت النوبة إلى تلاوة المستندات، قام ينشد من شعر جرير، والفرزدق، وابن هانئ، وطريح، وغيرهم، كأنه يبحث في حكم لغوي، أو سر من أسرار البيان، ولعله انتبه إلى أن ما أنشده من الشعر أقل من أن يثير شبهة، وأوهى من أن يستهوي النفوس إلى ظن، فأخذ ينبش عما يقوله العلماء في مديح الخلفاء من نثر، عسى أن يجدهم انفلتوا في هذا الصدد، وحام بهم الإغراق والغلوّ على نحو ما مر لأولئك الشعراء، فلم تقع يده إلا على بعض جمل نسجت على منوال السرف في مديح ملوك ليسوا بخلفاء، وما كان إلا أن أتى بما يوسع نطاق الدعوى، حتى يدخل تحت جناحيها الخلافة والملك، ويهيئ للاستشهاد بتلك الجمل موضعاً، فقال: "وجدتهم إذا

стр. 3885

ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين، رفعوه فوق صف البشر إلخ"، وضرب المثل لهذا جملاً انتزعها من خطبة نجم الدين القزويني (١) في أول "الرسالة الشمسية"، وجملاً من خطبة شارحه قطب الدين الرازي (٢). وأخرى من خطبة "حاشية السيالكوني" (٣) على ذلك الشرح. ونناقش المؤلف في هذا الصنيع من ناحيتين: إحداهما: أن المقال معقود للبحث في سلطان الخليفة، وهؤلاء إنما يصفون ملوكاً ليسوا بخلفاء. وثانيهما: أن هذه الكلمات خرجت مخرج المبالغة في المديح والإطراء، وليس هذا من أثر الاعتقاد بأن سلطان الملك مستمد من سلطان الله، وإنما علته أحوال نفسية؛ كالرغبة في إحراز جاه، أو الحرص على متاع هذه الحياة. ومما ينبه على هذا: أن كلمات المديح والثناء كثيراً ما تجري على ألسنة قوم، وقلوبهم تتبرأ منها.

стр. 3886

* الفرق بين مذهب (هبز) وحق الخليفة في الإِسلام: قال المؤلف في (ص ١١): "ويكاد المذهب الأول يكون موافقاً لما اشتهر به الفيلسوف (هبز)؛ من أن سلطان الملوك مقدس، وحقهم سماوي". يقول "هبز" (١): إن كل فرد في المملكة يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحكم، وخضوع الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، والنزوع للخروج عن إرادة الحاكم أو ردها يعتبر ثورة وتمرداً، والدين يجب أن لا يخضع لإرادة الحاكم. هذا مذهب "هبز" الذي يحاول المؤلف ضربه مثلاً لمذهب عامة العلماء، وعامة المسلمين في سلطان الخليفة. أقم الوزن بالقسط، تر "هبز" يقول: إن كل فرد يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحاكم، وعلماء الإِسلام يقولون: لا يطاع الحكم إلا حين يأمر بحق. وهو يقول: خضوع الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، وعلماء الإِسلام يقولون: على الحاكم أن يخضع لأدنى الناس منزلة، متى أمره بمعروف، أو نهاه عن منكر. وهو يقول: ردّ إرادة الحاكم يعتبر ثورة أو تمرداً، وعلماء الإِسلام يقولون: إذا أراد الحاكم أن يدير شأنا من شؤون الأمّة على غير مصلحة، أو يفصل في قضية على وجه يخالف قانون العدل، فلا حرج على الأمة أن تردّ إرادته بطريق الحكمة، ولا يصح له أن يعد مقاومتهم لهذه الإرادة ثورة أو تمرداً. قال أحد أمراء بني أمية لبعض التابعين: أليس الله أمركم أن تطيعونا في

стр. 3887

قوله ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ فأجابه بقوله: أليس قد نُزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩] (١). ويقول "هبز": الدين يجب أن يخضع لإرادة الحاكم، وعلماء الإِسلام يقولون: يجب على الحاكم أن يخضع لقانون الإِسلام نصاً أو استنباطاً، وعليه أن يخلي السبيل للطوائف المخالفة تتمتع بالحرية في أديانها وإقامة شعائرها، ولا يحل له أن يعترضها بحال. * * *

стр. 3888

الباب الثاني حكم الخلافة تعرض المؤلف في هذه الباب لحكم الخلافة، وما جرى فيه من اختلاف، وحكى كلام ابن خلدون في انعقاد الإجماع على الوجوب، وشذوذ بعض الطوائف عنه. ثم نقل الدليل النظري على وجوبها من كتاب "القول المفيد" للأستاذ الشيخ محمد بخيت (١)، وتخلص بعد هذا إلى إنكار أن يكون في الكتاب أو السنّة دليل على الوجوب، وأخذ يتكلم في تفسير بعض آيات ليبين عدم اتصالها بشيء من أمر الإمامة. ثم أخذ يناقش الأستاذ السيد محمد رشيد رضا (٢) في أحاديث استشهد بها على وجوب الخلافة، فأومأ إلى الارتياب في صحتها، وذهب يتأولها على وجه غريب، ويسوق على هذا التأويل أمثلة ليست جارية على قانون المنطق في كثير ولا قليل. * الإجماع على نصب الإمام: المناقشة: قال المؤلف في (ص ١٢): "ولكنهم لا يختلفون في أنه -يعني: نصب

стр. 3889

الإمام - واجب على كل حال، حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع". لم ينفرد ابن خلدون بحكاية الإجماع على نصب الإمام، بل تضافر عليها كثير من علماء الكلام؛ كالعضد (١) في "المواقف"، والسعد (٢) في "المقاصد"، وإمام الحرمين (٣) في "غياث الأمم"، وغيرهم. وقال ابن حزم (٤) في كتاب "الفصل" (٥): اتفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، ما عدا النجدات من الخوارج (٦)؛ فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن

стр. 3890

يتعاطوا الحق بينهم. ثم قال: وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي في الرد عليه إجماع كل من ذكرنا على بطلانه. فقول المؤلف: "حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع "عبارة يصوغها من لم يطلع على الإجماع محكياً في غير "مقدمة ابن خلدون"، أو من يريد أن يضع في نفس القارئ" عقيدة: أن هذا الإجماع إنما جاء حديثه في تلك المقدمة. ولا أدري لماذا اختار هذه العبارة، وهو يشعر بأنه سينجر به البحث في (ص ١٥ و ٢١) إلى الاعتراف بأن الإجماع محكي في كتاب "المواقف". * التباس حاتم الأصم بحاتم الصوفي على المؤلف: نقل المؤلف في (ص ١٢) قول ابن خلدون: "وقد شذّ بعض الناس، فقال بعدم وجوب هذا المنصب رأساً، لا بالعقل، ولا بالشرع، منهم: الأصم من المعتزلة". وقال في أسفل الصحيفة معرفاً بالأصم: "حاتم الأصم الزاهد المشهور البلخي". التبس على المؤلف حال الاسم المعتزلي، (١) وهو أبو بكر عبد الرحمن ابن كيسان، بحاتم الأصم الصوفي (٢)، وقد ذكره السيد في "شرح المواقف"، والسعد في "شرح المقاصد" بلقب أبي بكر، وذكره إمام الحرمين في كتاب "غياث الأمم" باسمه عبد الرحمن بن كيسان، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى
следующие страницы →