← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

* الفرق بين مذهب (هبز) وحق الخليفة في الإِسلام: قال المؤلف في (ص ١١): "ويكاد المذهب الأول يكون موافقاً لما اشتهر به الفيلسوف (هبز)؛ من أن سلطان الملوك مقدس، وحقهم سماوي". يقول "هبز" (١): إن كل فرد في المملكة يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحكم، وخضوع الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، والنزوع للخروج عن إرادة الحاكم أو ردها يعتبر ثورة وتمرداً، والدين يجب أن لا يخضع لإرادة الحاكم. هذا مذهب "هبز" الذي يحاول المؤلف ضربه مثلاً لمذهب عامة العلماء، وعامة المسلمين في سلطان الخليفة. أقم الوزن بالقسط، تر "هبز" يقول: إن كل فرد يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحاكم، وعلماء الإِسلام يقولون: لا يطاع الحكم إلا حين يأمر بحق. وهو يقول: خضوع الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، وعلماء الإِسلام يقولون: على الحاكم أن يخضع لأدنى الناس منزلة، متى أمره بمعروف، أو نهاه عن منكر. وهو يقول: ردّ إرادة الحاكم يعتبر ثورة أو تمرداً، وعلماء الإِسلام يقولون: إذا أراد الحاكم أن يدير شأنا من شؤون الأمّة على غير مصلحة، أو يفصل في قضية على وجه يخالف قانون العدل، فلا حرج على الأمة أن تردّ إرادته بطريق الحكمة، ولا يصح له أن يعد مقاومتهم لهذه الإرادة ثورة أو تمرداً. قال أحد أمراء بني أمية لبعض التابعين: أليس الله أمركم أن تطيعونا في

стр. 3887

قوله ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ فأجابه بقوله: أليس قد نُزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩] (١). ويقول "هبز": الدين يجب أن يخضع لإرادة الحاكم، وعلماء الإِسلام يقولون: يجب على الحاكم أن يخضع لقانون الإِسلام نصاً أو استنباطاً، وعليه أن يخلي السبيل للطوائف المخالفة تتمتع بالحرية في أديانها وإقامة شعائرها، ولا يحل له أن يعترضها بحال. * * *

стр. 3888

الباب الثاني حكم الخلافة تعرض المؤلف في هذه الباب لحكم الخلافة، وما جرى فيه من اختلاف، وحكى كلام ابن خلدون في انعقاد الإجماع على الوجوب، وشذوذ بعض الطوائف عنه. ثم نقل الدليل النظري على وجوبها من كتاب "القول المفيد" للأستاذ الشيخ محمد بخيت (١)، وتخلص بعد هذا إلى إنكار أن يكون في الكتاب أو السنّة دليل على الوجوب، وأخذ يتكلم في تفسير بعض آيات ليبين عدم اتصالها بشيء من أمر الإمامة. ثم أخذ يناقش الأستاذ السيد محمد رشيد رضا (٢) في أحاديث استشهد بها على وجوب الخلافة، فأومأ إلى الارتياب في صحتها، وذهب يتأولها على وجه غريب، ويسوق على هذا التأويل أمثلة ليست جارية على قانون المنطق في كثير ولا قليل. * الإجماع على نصب الإمام: المناقشة: قال المؤلف في (ص ١٢): "ولكنهم لا يختلفون في أنه -يعني: نصب

стр. 3889

الإمام - واجب على كل حال، حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع". لم ينفرد ابن خلدون بحكاية الإجماع على نصب الإمام، بل تضافر عليها كثير من علماء الكلام؛ كالعضد (١) في "المواقف"، والسعد (٢) في "المقاصد"، وإمام الحرمين (٣) في "غياث الأمم"، وغيرهم. وقال ابن حزم (٤) في كتاب "الفصل" (٥): اتفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، ما عدا النجدات من الخوارج (٦)؛ فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن

стр. 3890

يتعاطوا الحق بينهم. ثم قال: وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي في الرد عليه إجماع كل من ذكرنا على بطلانه. فقول المؤلف: "حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع "عبارة يصوغها من لم يطلع على الإجماع محكياً في غير "مقدمة ابن خلدون"، أو من يريد أن يضع في نفس القارئ" عقيدة: أن هذا الإجماع إنما جاء حديثه في تلك المقدمة. ولا أدري لماذا اختار هذه العبارة، وهو يشعر بأنه سينجر به البحث في (ص ١٥ و ٢١) إلى الاعتراف بأن الإجماع محكي في كتاب "المواقف". * التباس حاتم الأصم بحاتم الصوفي على المؤلف: نقل المؤلف في (ص ١٢) قول ابن خلدون: "وقد شذّ بعض الناس، فقال بعدم وجوب هذا المنصب رأساً، لا بالعقل، ولا بالشرع، منهم: الأصم من المعتزلة". وقال في أسفل الصحيفة معرفاً بالأصم: "حاتم الأصم الزاهد المشهور البلخي". التبس على المؤلف حال الاسم المعتزلي، (١) وهو أبو بكر عبد الرحمن ابن كيسان، بحاتم الأصم الصوفي (٢)، وقد ذكره السيد في "شرح المواقف"، والسعد في "شرح المقاصد" بلقب أبي بكر، وذكره إمام الحرمين في كتاب "غياث الأمم" باسمه عبد الرحمن بن كيسان، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى

стр. 3891

في "طبقات المعتزلة" بين اسمه ولقبه، فقال: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (١). قال المؤلف في (ص ١٣): "لم نجد- فيما مرّ بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن إقامة الإمام فرض - من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم". استدل بعض أهل العلم على الإمامة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقد نقل المؤلف نفسه الاستدلال بهذه الآية عن ابن حزم. وأوردها سعد الدين التفتزاني في "شرح المقاصد" (٢)، فقال: وقد يتمسك بمثل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقوله ﷺ : "من مات ولم يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية"؛ فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي وجوب الحصول. وقال صاحب "مطالع الأنظار" (٣) بعد أن قرر الدليل النظري على وجوب الإمامة: قيل: صغرى هذا الدليل عقلية من باب الحسن والقبح، وكبراه أوضح عقلاً من الصغرى، والأولى أن يعتمد فيه على قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وهذه النصوص تريك قيمة قول المؤلف: لم نجد من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم.

стр. 3892

* الفرق بين القاعدة الشرعية والقياس المنطقي: قال المؤلف في (ص ١٤): "ولكن المنصفين من العلماء، والمتكلفين منهم، قد أعجزهم أن يجدوا في كتاب الله تعالى حجة لرأيهم، فانصرفوا عنه إلى ما رأيت من دعوى الإجماع تارة، ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارة أخرى". سمى المؤلف طريق الاستدلال الذي نحاه الأستاذ الشيخ محمد بخيت، ومن تقدمه من علماء الكلام: قياساً منطقياً، وحكماً عقلياً، وهذا مما يخيل إلى القارئ أن هذا الضرب خارج عن الأدلة الشرعية، والتحقيق أنه راجع إلى الأدلة السمعية، ويشهد بهذا قولهم: إن نصب الإمام عندنا واجب سمعاً؛ لوجهين: الوجه الأول: الإجماع، والثاني: هذا الدليل الذي اختار المؤلف أن يسميه: حكماً عقلياً. وإن شئت بيان ما صرف عنه المؤلف عبارته -من أن ذلك الاستدلال قائم على نظر شرعي-، فإليك البيان: يعتمد استنباط الأحكام على نظرين: أحدهما: يتعلق بالأدلة السمعية التي يقع منها الاستنباط، وثانيهما: يرجع إلى وجود الدلالات المعتد بها في الاستعمال. أما الأدلة السمعية، فهي الكتاب، والسنّة، والإجماع. وأما وجوه الد لالات، فدلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالمعقول. ويندرج في دلالة المعقول ما يسمونه بالقياس. فانحصرت الأدلة الشرعية العالية في الكتاب والسنّة والإجماع والقياس. وهناك أدلة أخرى ترجع إلى هذه الأصول العالية، وهي: القواعد

стр. 3893

المقطوع بصحتها؛ كقاعدة: "الضرر يزال"، و "المشقة تجلب التيسير"، و"العادة محكمة"؛ فإن مثل هذه القواعد لم يقررها العلماء بمحض العقل، بل رجعوا في كل قاعدة إلى استقراء موارد كثيرة من كليات الشريعة وجزئياتها، حتى تحققوا قصد الشارع إليها، وأصبحت بمنزلة الخبر المتواتر في وقوعها موقع اليقين الذي لا تخالجه ريبة. قال أبو إسحق الشاطبي في "موافقاته": إن المجتهد إذا استقرأ معنى عاماً من أدلة خاصة، واطرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تظهر، بل يحكم عليها -وإن كانت خاصة- بالدخول تحت عموم المعنى؛ كالمنصوص بصيغة عامة. فالذين يستدلون على وجوب نصب الإمام بأن ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم عن الباطل وازع، يفضي إلى تبدد الجماعة، وإضاعة الدين، وانتهاك حرمة الأموال والنفوس والأعراض، إنما يطبقون قاعدة شرعية، وهي قاعدة: "الضرر يزال"، أو قاعدة: "ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدوراً، فهو واجب". * ترجيح حمل "أولي الأمر" في الآية على الأمراء: قال المؤلف في (ص ١٥): "وغاية ما يمكن إرهاق الآيتين به أن يقال: إنهما تدلان على أن للمسلمين قوماً منهم ترجع إليهم الأمور، وذلك معنى أوسع كثيراً، وأعم من تلك الخلافة بالمعنى الذي يذكرون، بل ذلك معنى مغاير الآخر، ولا يكاد يتصل به ". عبّر بالإرهاق؛ ليخيل إليك أن حمل أولي الأمر في الآيتين على قوم ترجع إليهم الأمور، هو من باب صرف اللفظ إلى ما فيه عسر وتكلف. لندع

стр. 3894

مناقشته في آية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] جانباً، فإن الصواب ما قاله المحققون من أن المراد بها: كبار الصحابة البصراء في الأمور، ونأخذ بأطراف الحديث معه في آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فنقول: إن حمل الآية على الأمراء راجح من وجوه: أحدها: سبب النزول، ففي "صحيح الإمام البخاري"، رواية عن ابن عباس: أن: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي (١)؛ إذ بعثه النبي ﷺ في سرية. ثانيها: ورودها بعد آية: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن عيينة (٢): سألت زيد بن أسلم (٣) عن قوله تعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ]، ولم يكن أحد بالمدينة يفسر القرآن بعد محمد ابن كعب مثله، قال: اقرأ ما قبلها، تعرف، فقرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، فقال: هذه في الولاة (٤).

стр. 3895

ثالثها: تعقيبها بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩]؛ فإن الخطاب للمؤمنين عامةً، ومن بينهم أهلُ الحل والعقد من العلماء، وشأن عامة المؤمنين أن ينازعوا أولي الأمر في بعضى تصرفاتهم، وليس لهم أن ينازعوا العلماء فيما يصدرونه من الفتاوى؛ إذ يراد من العلماء: المجتهدون، ومن أين لغيرهم من عامة الأمة أن ينازعهم في تقرير حكم، أو العرف كيف يرده معهم إلى كتاب الله وسنّة رسوله. وإذا ترجح حمل الآية على الأمراء، لم تكن دلالتها على أن للمسلمين قوماً ترجع إليهم الأمور، مما يستحق أن يسمّى إرهاقاً. وقول المؤلف: "وذلك معنى أوسع كثيراً، وأعم من تلك الخلافة" مما نتلقاه بتسليم، ولا يفوت الآية مع هذا أن تبعث من ناحية عمومها ما يشد ركن الإمارة العامة، ويعزز شواهدها على الوجه الذي سنقص عليك تحريره عندما يقتضيه الحال. وأما قوله: "بل ذلك معنى يغاير الآخر، ولا يكاد يتصل به"، فمن الكلم المبهم الذي لا ينطق به الباحث عن الحق دون أن ينفخ فيه روحاً من الشرح والبيان، اللهم إلا أن ينوي محاربة الخلافة، ولو بهمزات التشكيك فيما يعده الناس من مؤيدات سلطانها. * هل نأخذ أحكام الدين عن المستر أرنولد ؟! قال المؤلف في (ص ١٥): "وإذا أردت مزيداً في هذا البحث، فارجع إلى"كتاب الخلافة" للعلامة السير تومس أرنولد (١)، ففي الباب الثاني والثالث

стр. 3896

منه بيان ممتع مقنع". بحثنا عن هذا الكتاب في كثير من المكاتب لنطلع على ما انفرد به العلامة الإنكليزي في تحرير حكم الخلافة، فلم نهتد السبيل لإحراز نسخة منه. وما سلوناه إلا حين ذكرنا أن المؤلف قد أحاط بذينك البابين خُبراً، وعرفنا من نظره إلى الخلافة بعين عابسة: أنه لا يجد فيهما ما يشد عضده على تقويض صرحها، إلا وينقله دون أن يكتفي بالإحالة. ولو أحالنا المؤلف على كتاب السير أرنولد في بحث تاريخي، أو اجتماعي له مساس بالخلافة، لأخذ منا الأسف على أن فاتنا الاطلاع عليه ماخذاً بليغاً، ولكنه أحالنا على كتاب السير أرنولد في تحقيق حكم شرعي، فقلنا: لعله أراد الجد بشيء من الهزل، أو إخراج أحكام الشريعة من دائرة الراسخين في علومها. يجب أن تكون قيمة الأحكام الشرعية في نظر المؤلف فوق هذا التقدير، وما ينبغي له أن يخيل إلينا أنا في حاجة إلى الاقتداء بعقول الغربيين حتى في أمور الدين من واجب وحرام. وإذا كان المؤلف يدري أن للشريعة أصولاً ومقاصد لم يدرسهما السير أرنولد حق دراستهما، فإن إحالتنا على كتابه ليست سوى عثرة في سبيل البحث تعترض السذَّج من الأحداث، فتكبو بهم في تردد وارتياب. * معنى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [ الأنعام: ٣٨]: قال المؤلف في (ص ١٦): "إنه لعجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شيء من أمر هذا الدين ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ , ثم

стр. 3897

لا تجد فيه ذكراً لتلك الإمامة العامة، أو الخلافة. إن في ذلك لمجالاً للمقال". في القرآن بيان كل شيء من أمور الدين، وأحكام الوقائع، وليس معنى هذا التبيان أنه يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل، حتى إذا رجعنا إليه في قضية، ولم نجد لها حكماً مفصلاً، خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنّة، أو انعقد عليه إجماع أهل العلم، أو شهدت به القواعد المسلَّمة. وإنما معنى تبيانه لكل شيء: أنه أتى بكليات عامة، وهي معظم ما نزل به، وفصّل بعض أحكام، وأحال كثيراً من آياته على بيان السنّة النبوية، ثم إن الكتاب والسنّة أرشدا إلى أصول أخرى؛ كالإجماع، والقياس، وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات كثيرة؛ كقاعدة: "المصالح المرسلة" وقاعدة: "سد الذرائع" قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي (١) ... فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، ومكمل كل واحد منها، وهذا كله ظاهر أيضاً، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو: السنّة، والإجماع، والقياس، وجميع ذلك إنما نشأ عن القرآن (٢). فإن لم ينص القرآن على حكم الخلافة، فإن في أيدينا من طرق تبيانه السنّة والإجماع والقياس، والقواعد التي لا يأتيها الريب من بين يديها ولا من خلفها.

стр. 3898

* لماذا لم يحتج بعض علماء الكلام في مسألة الخلافة بالحديث ؟ قال المؤلف في (ص ١٦): "ولو وجدوا لهم في الحديث دليلاً، لقدموه في الاستدلال على الإجماع". لما انتقل مبحث الخلافة إلى علم الكلام، ودارت المناظرة فيها مع طائفة ألقت عليها شيئاً من صبغة العقائد، رأى أهل العلم أن هذه الطائفة لا يكف بأسها، ويسد عليها طرق المشاغبة إلا بالأدلة الحاسمة، ولهذا وقعت عنايتهم على الاحتجاج بالإجماع، والقواعد النظرية الشرعية؛ لكونهما من قبيل ما يفيد العلم. ومن لم يستند من علماء الكلام في هذا المبحث إلى الحديث، فلأنه اكتفى بذينك الدليلين، أو لأن أخبار الآحاد في نفسها لا تتجاوز مراتب الظنون، ولا يكبر على ذوي الأهواء الغالبة أن ينسلخوا منها، ويخترعوا منفذاً للطعن في صحتها، أو صرفها عن وجه دلالتها. قال المؤلف في (ص ١٨): "لا نريد أن نناقشهم في صحة الأحاديث التي يسوقونها في هذا الباب، وقد كان لنا في مناقشتهم في ذلك مجال فسيح". لا ندري ما هو الميزان الذي يرجع إليه المؤلف في قبول الحديث وعدم قبوله، حتى ننظر كيف ينفتح أمامه مجال فسيح للطعن في حديث: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، وقد جاء في "صحيحي البخاري (١) ومسلم"، وحديث: "من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية"، وحديث:

стр. 3899

"من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخَرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر"، وكلا الحديثين في "صحيح الإمام مسلم". تفضل المؤلف بطرح المناقشة في صحة هذه الأحاديث، ونحن نعلم أنه لو دخل في المناقشة، لا يخلو حاله من سبيلين: فإما أن يذهب إلى الطعن فيها من الطرق التي أحكم السلف وضعها، وميزوا بها صحيح الأخبار من سقيمها، ولا نمتري حينئذٍ في أنه سينقطع به القول دون أن يمسها بوهن، أو يزحزحها عن مرتبتها فتيلاً، وإما أن يأخذ للطعن فيها مذهباً يبتدعه لنفسه، فلا نراه إلا أن يخلقه من طينة هذه الآراء المترددة في ريبها، الفاتنة للنفوس الزاكية عن أمر ربها. ولعل الواقع أنه رمى هذه الكلمة محافظة على خطة التشكيك، متى حبط عمله في رواية: "أعطوا ما لقيصر لقيصر"، وما جرى على شاكلتها. قال المؤلف في (ص ١٨): "ثم لا نناقشهم في المعنى الذي يريده الشارع من كلمات: إمامة، وبيعة، وجماعة إلخ، وقد كانت تحسن مناقشتهم في ذلك؛ ليعرفوا أن تلك العبارات وأمثالها في لسان الشرع لا ترمي إلى شيء من المعاني التي استحدثوها بعد، ثم زعموا أن يحملوا عليها لغة الإسلام". من ذا يصدق أن المؤلف أبصر هؤلاء العلماء ارتكبوا في تفسير البيعة والإمام والجماعة خطة جهل وضلال، ويترك مناقشتهم في ذلك التفسير إلى التشبث بمغالطات يملك أمثالها من أحب أن يقول: إن هذا النهار ليل، أو إن باقلاً (١) أفصحُ من سَحبان؟! (٢).

стр. 3900

وماذا أعجل المؤلفَ عن أن يبين للناس خطأ أهل العلم في فهم البيعة والجماعة والإمام، وما باله لم ينفق ساعة من نهار في شرح ثلاثة مفردات، أو أربعة، ينكث بها الأيدي من التمسك بأحاديث يصعب عليه الطعن في صحتها، أو تحريفها عن وجه دلالتها؟ يستخف المؤلف أحيانا بما يحكيه عن أهل العلم، فلا يصوغ عبارته على قدر كلامهم، وكذلك صنع عقب تلك الجمل، فذكر أن معنى جماعة المسلمين في حديث "تلزم جماعة المسلمين وإمامتهم" عند أولئك العلماء: حكومة الخلافة الإسلامية. ولم يكن بين العلماء من يذهب إلى أن جماعة المسلمين هي حكومة الخلافة، وإنما يحملون جماعة المسلمين على معنى أهل الحل والعقد الذين بيدهم نصب أمير المؤمنين. قال القسطلاني (١) في "شرح صحيح البخاري" (٢): "والمراد -كما قال الطبري- (٣) من الخبر: الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته، خرج عن الجماعة".

стр. 3901

* لماذا وضع بحث الخلافة في علم الكلام ؟ قال المؤلف في (ص ١٨): "لا نجد في تلك الأحاديث بعد كل ذلك ما ينهض دليلاً لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين". يقول المؤلف: إنهم اتخذوا الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين، وما كان له أن يطلق عليها اسم عقيدة شرعية، وهو يراهم كيف يصرحون بأنها ليست من قبيل العقائد، وإنما هي فرع من فروع الشريعة كسائر أحكامها العملية. قال سعد الدين التفتزاني في "شرح المقاصد": "إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق؛ لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات ... ولا يخفى أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية، وقد ذكر في كتبنا الفقهية: أنه لا بد للأمة من إمام يحعي الدين، ويقيم السنّة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها". ثم قال: "ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة واختلافات، بل اختلاقات باردة ... ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين ... ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام". وقال السيد في شرح خطبة "المواقف": "إن الإمامة، وإن كانت من فروع الدين، إلا أنها ألحقت باصوله؛ دفعاً لخرافات أهل البدع والأهواء، وصوناً للأئمة المهديين عن مطاعنهم؛ لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم".

стр. 3902

فالواقع أن الخلافة ليست من نوع العقائد، وإنما حشروها في علم الكلام؛ للعذر الذي أبداه شارح "المقاصد"، وشارح "المواقف". * بحث في (أعطوا ما لقيصر لقيصر): قال المؤلف في (ص ١٨): "تكلم عيسى بن مريم ﵇ عن حكومة القياصرة، وأمر بأن يعطى ما لقيصر لقيصر، فما كان هذا اعترافاً من عيسى بأن الحكومة القيصرية من شريعة الله، ولا مما يعترف به دين المسيحية، وما كان لأحد ممن يفهم لغة البشر في تخاطبهم أن يتخذ من كلمة عيسى حجة له على ذلك، وكل ما جرى في أحاديث النبي ﵊ من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة إلخ، لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر". يعلم المؤلف أن البحث في حكم إسلامي، ولأحكام الإسلام أصول معروفة لا يدخل في حسابها ما يدور على ألسنة أهل شريعة أخرى؛ إذ لم نحط بمورده خبراً، ولم نملأ كفنا من الثقة بسنده، والقائلون من علماء الإسلام بالاعتماد على شرع مَن قبلنا في تقرير الأحكام يقيدونه بأمرين: أحدهما: أن يجيء محكياً في القرآن أو السنّة، ورواية "أعطوا ما لقيصر لقيصر" لم تقصها علينا آية ولا حديث. ثانيهما: ألا يرد في شريعتنا ما يقتضي نسخه. وما عزاه إلى المسيح ﵇ لا ينطبق على ما جاء في الشريعة من حرمة الإقامة تحت راية غير المسلم، والخضوع لسلطانه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] , ثم إن محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه - لم يعترف

стр. 3903

بسلطة دار الندوة بمكة، وحاربها حتى خضد شوكتها، واستأصل جرثومة فسادها، ولم يعترف بسلطة قيصر، وأخذ يعدّ ما استطاع من قوة ليدفع شره، ويقوض دعائم ملكه. قال المؤلف في (ص ١٩): "وإذا كان صحيحاً أن النبي- ﵊ قد أمرنا أن نطيع إماماً بايعناه، فقد أمرنا الله تعالى كذلك أن نفي بعهدنا لمشرك عاهدناه، وأن نستقيم له كما استقام لنا، فما كان ذلك دليلاً على أن الله تعالى رضي الشرك، ولا كان أمره تعالى بالوفاء للمشركين مستلزماً لإقرارهم على شركهم". دعوى أن الأمر بطاعة ولي الأمر لا يدل على طلب ولايته، كما أن الأمر بالوفاء لمشرك عاهدناه لا يدل على الشرك، تمثيل يمشي براكبه إلى وراء؛ فإن أقل ما في الصورة الأولى: أن المجتهد ينظر في طاعة أولي الأمر، فيفقه أنها لم تقصد لذاتها، ولا لمجرد الخضوع للأمراء، وإنما يراد بها: مصلحة وراء ذلك كله، وهي المساعدة على إقامة الحقوق، وانتظام شؤون الجماعة. ولا شك أن هذه الغاية تتوقف على نصب الأمير؛ كما تتوقف على حسن طاعته، فيصح أن يقال: إن الأمر باطاعة أولي الأمر نبه على طلب ولايتهم، وإن المجتهد أتى إلى وجوب نصب الإمام من طريق النظر في الأمر بطاعته. أما الأمر بالوفاء لمشرك عاهدناه، فخارج عن السبيل. لأن علته ترجع إلى الاحتفاظ بنوع من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وهو الصدق والثقة اللذان يقوم عليهما شرف المعاملات، ونظام السياسات. ويتضح جلياً: أن هذه الحكمة يختص بها الوفاء بالعهد، ولا يشاطره فيها الشرك بالله، ولا المعاهدة التي هي موكولة إلى اجتهاد صاحب الدولة.

стр. 3904

قال المؤلف في (ص ١٩): "أو لسنا مأمورين شرعاً بطاعة البغاة والعاصين، وتنفيذ أمرهم إذا تغلبوا علينا، وكان في مخالفتهم فتنة تخشى من غير أن يكون ذلك مستلزما لمشروعية البغي، ولا لجواز الخروج على الحكومة؟ ". الأحاديث الحاثّة على إطاعة ولي الأمر مطلقة، وإنما يقصد بها: المصلحة المترتبة عليها، وهي إقامة المصالح، وانتظام الحقوق، وبهذا أرشدتنا إلى طلب أصل ولايته. أما البغاة والعاصون، فقد أمر الإسلام بكفاحهم، وسلّ السيوف في وجوههم ما استطعنا لذلك سبيلاً، وأذن لنا بأن نجنح لسلمهم حينما نخشى فتنة أشد من محاربتهم، عملاً بقاعدة: "ارتكاب أخف الضررين"، والموازنة بين الضرر الذي نحتمله من ولايتهم، والفتنة التي نخشاها من محاربتهم يرجع إلى اجتهاد ذوي الخبرة بحقوق الأمة، ومبلغ قوتها، وعاقبة حربها أو مسالمتها. فالوجه الفارق بين هذه المسألة وإطاعة أولي الأمر: أن المعنى الذي روعي في الأذن بمسالمة البغاة والعاصين لا يتحقق في البغي والعصيان حتى نذهب من الإذن بمسالمتهم إلى القول بمشروعيتهما، كما ذهبنا من الأمر بإطاعة صاحب الدولة إلى القول بوجوب ولايته. ثم إن المؤلف عطف على هذه الأقيسة الخاطئة أمثلة أخرى، فقال: إن الله أمرنا بإكرام السائلين، والرحمة بالفقراء، ولم يكن هذا موجباً لأن يوجد بيننا فقراء ومساكين. وأمرنا أن نفك رقاب الأرقاء، ونعاملهم بالحسنى، ولم يدل ذلك على أن الرق مأمور به في الدين. وذكر الله الطلاق، والاستدانة والبيع والرهن وغيرها، وشرع له أحكاماً، ولم يدل ذلك بمجرده على أن

стр. 3905

شيئاً منها واجب في الدين. ولسنا في حاجة إلى مناقشة هذه الأمثلة بعد أن كشفنا لك عن وجه دلالة الأمر بإطاعة صاحب الدولة على حكم ولايته، وذلك الوجه من الدلالة لا يوجد في هذه الأمثلة، وما كان لها إلا أن تلف رؤوسها حياء، وتزدحم على باب هذا المبحث متسابقة إلى الخروج منه.

стр. 3906

الباب الثالث الخلافة من الوجهة الاجتماعية * ملخص الباب: حكى المؤلف الإجماع على نصب الخليفة بلفظ: زعموا، وتوخى في الحكاية عبارة العضد في "المواقف"، ثم أخذ يلمح إلى ما في حجية الإجماع من الاختلاف، وصرح بأن دعوى الإجماع في هذه القضية لا يجد لقبولها مساغاً على أي حال، ثم خيل إلى القارئ أن مناجزته لدعوى الإجماع تتوقف على تمهيد يكون كالطليعة تتقدم جيوش حججه الهاجمة، فطفق يلمز المسلمين بسوء الحظ في علم السياسة، وادعى أنهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم، ارتدوا دون مباحثه حسيرين، وسأل عن علة هذه الوقفة الحائرة والارتداد الحاسر، ثم انتصب ليجيب نفسه بلسانه، فزعم أن الخلافة في الإسلام لا ترتكز إلا على القوة الرهيبة، ولا ترتفع إلا على رؤوس البشر، وإن من الطبيعي في الأمم الإسلامية بوجه خاص أن لا يقوم فيهم ملك إلا بحكم الغلب والقهر. وأخذ يسرد بعض وقائع تاريخية، وتخلص منها إلى ضغط الملوك على حرية العلم، واستبدادهم بمعاهد التعليم، وانتهى إلى أن هذا الضغط هو سبب قصور النهضة الإسلامية في فروع السياسة، ونكوص العلماء عن التعرض لها، ثم وثب من الحديث على أن الضغط الملوكي إلى الطعن في

стр. 3907

الإجماع على نصب الإمام، وكانت نتيجة البحث -فيما يتخيل- أن لا دليل على الخلافة من كتاب أو سنّة أو إجماع. ثم عجم الدليل النظري القائم على قاعدة رعاية المصالح، فلم يهتد إلى شبهة لإنكاره، فاعترف به، ولكن ذهب إلى أنه يقتضي إقامة حكومة، ويبقى شكلها دائراً بين الدستورية والاستبدادية، والجمهورية والبلشفية، وغير ذلك. وذهب إلى أنه لا يوافق العلماء على الإمامة إلا أن يريدوا بها: الحكومة في أي صورة كانت، ثم انساب في ذيل البحث يقذف الخلافة بغير استثناء، ويحمل عليها أوزار قوم أطفؤوا نورها، وأسقطوا من القلوب مهابتها، وقفل الباب بزعم أن الإمامة العظمى لم تكن شيئاً قام على أساس من الدين القويم، أو العقل السليم. * المناقشة - بحث في الاحتجاج بالإجماع: قال صاحب الكتاب (ص ٢٣): "نسلّم أن الإجماع حجة شرعية، ولا نثير خلافاً في ذلك مع المخالفين". من أول ما عني به الإسلام في تشريعه: أن أطلق العقول من وثاق التقليد، وفتح أمامها باب النظر؛ حتى تعبر إلى قرارة اليقين على طريق الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. وقد جرى علماء الإسلام، ولا سيما السلف الصالح، على هذا المنهج، فكانوا لا يتابعون ذا رأي على رأيه، ولا يتقلدون حكماً قبل أن يعلموا مستنده، وإذا عرفوا المستند، عرضوه على قانون الأدلة السمعية، ووزنوه بميزان النظر؛

стр. 3908

ليعلموا مبلغه من الصحة، فإذا ثبت على النقد، وسلم من وجوه الطعن، رفعوه على كاهل القبول، وإلا، نبذوه نبذ الحذاء المرقع، غير مبالين بمقام مدعيه، وإن حاكى القمر رفعة وسناء، ومن درس مسائل الخلاف من عهد الصحابة ﵃ إلى العصر الذي ساد فيه القول بسد باب الاجتهاد، رأى الصحابة كيف يخالف بعضهم بعضاً، ولا ينقاد صغيرهم إلى كبيرهم إلا بزمام الحجة، وسار على هذا الاستقلال وحرية الفكر التابعون فمن بعدهم، ولا يكبر على أحد من المجتهدين أن يناظر أستاذه، أو من كان أوفر منه علماً، وأوسع نظراً، فيقارع حجته بالحجة، حتى إذا لم تمتلئ نفسه بالثقة من أدلته، اجتهد لنفسه، وأقام بجانب مذهبه مذهباً. ولتجدن من هؤلاء من يبلغه مذهب الصحابي في قضية لم ينعقد عليها إجماع، فيستأنف النظر في دلائلها، ولا يكون في صدره حرج أن يخالف الصحابي، أو يرجح مذهب تابعي على مذهبه. ومن عنايتهم بتحقيق الأحكام، وإبايتهم تناولها إلا من يد الدليل القاطع أو الراجح: أن دوّنوا الأحاديث، ونصبوا لها ميزاناً يعرف به صحيحها من ضعيفها، أو ضعيفها من موضوعها، ثم وضعوا لاستنباط الأحكام أصولاً، وقرروا لاستخراجها قواعد، وشرطوا في هذه الأصول والقواعد أن تكون قائمة على بيّنة قاطعة. فإذا كان الإسلام قد فتح للاجتهاد والنظر في الأدلة طريقاً واسعاً، وكان من سيرة علمائه الراسخين نقد الأقوال، وعدم السكوت عنها، إلا أن تستند إلى حجة عاصمة، فإن القضية التي تلقى على بساط البحث والاستفتاء، وتتداولها أنظارهم حتى تستقر على حكم يقررونه بإجماع، وينطقون فيه عن

стр. 3909

تصميم، نعرف بحكم العادة معرفة لا تخالجها ريبة: أن تلك القضية أخذت حظها من النظر، وأنه لم يبق فيها لمخالف وجه يلتفت إليه، وبالأحرى ما كان في عصر الصحابة الذين شهدوا الوحي، ووقفوا على روح التشريع، ولم يعرفوا في قول الحق هوادة ولا محاباة. وقد تأيد هذا القول بطول الاختبار والاستقراء، فلتجدنّ كل رأي يتهجم به مبتدعه على خرق إجماع أهل العلم متداعياً إلى السقوط، بل قائماً على رأسه؛ بحيث لا يكلفك هدمه إمعاناً في نظر، أو عناء في التماس حجة. قال أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته": "قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة". ولم تؤخذ حجية الإجماع من الكتاب والسنّة بنصوص معدودة، بل حجيته من آيات كثيرة، وأحاديث شتى، وإذا كان كل واحد منها يدل بانفراده على حجية الإجماع دلالة ظنية، فإن الظنيات الكثيرة إذا تواردت على معنى، أفادت علماً لا تخالجه ريبة. قال أبو إسحاق الشاطبي في "الموافقات": "الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع؛ فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع .... وإذا تأملت كون أدلة الإجماع حجة، أو خبر الواحد أو القياس حجة، فهو راجع إلى هذا المساق؛ لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوق الحصر". وهاهنا أدلة أخرى تدل -بوجه خاص- على حجية إجماع الصحابة ﵃ وقد وقف عند حد هذه الأدلة من قال: لا حجة إلا في إجماع الصحابة. ولنكتف بهذه الكلمة في التنبيه على وجه حجية الإجماع، وعدّه

стр. 3910

في الأدلة القاطعة. * الإمام أحمد والإجماع: قال المؤلف في (ص ٢٢): "ولا نقول مع القائل: من ادّعى الإجماع، فهو كاذب". وكتب في أسفل الصحيفة عازياً هذه المقالة إلى الإمام أحمد (١) بما نصه: "روي ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل. راجع: تاريخ التشريع الإسلامي لمؤلفه محمد الخضري". انتزع المؤلف هذه الكلمة المروية عن الإمام أحمد من "تاريخ التشريع الإسلامي" للشيخ محمد الخضري، (٢) وأطلقها في طليعة الباب؛ لتثير في نفوس القارئين شكاً، وتجعلهم على ريبة من حجية الإجماع. أطلق هذه الكلمة كأنه يجهل موردها، ويجهل أن الإمام أحمد لا يعني بها: الإجماع المعروف في الأصول، وإنما يعني بها: الرد على بعض الفقهاء الذين ينظرون إلى الواقعة، حتى إذا لم يطلعوا على خلاف في حكمها، سمّوه: إجماعاً. قال ابن القيّم (٣) في كتاب "إعلام الموقعين" (٤): "ولا يقدّم -يعني:

стр. 3911

الإمام أحمد -عدم علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس: إجماعاً، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادّعى هذا الإجماع، وكذلك الشافعي أيضا نصَّ في "رسالته الجديد" على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له: إجماع ... وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدّعي فيه الرجل الإجماع، فهو كذب، من ادّعى الإجماع، فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ... ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك. هذا لفظه .. ، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده". فالإمام أحمد بن حنبل إنما ينكر على الفقيه أن يسمي عدم علمه بالخلاف: إجماعا، وعلى مثل هذا جرى ابن حزم في كتاب "الأحكام"، فقال: "تحكم بعضهم فقال: إن قال عالم: لا أعلم هنا خلافاً، فهو إجماع، وإن قال ذلك غير عالم، فليس إجماعاً. وهذا قول في غاية الفساد، ولا يكون إجماعاً، ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزي" (١). * المسلمون والسياسة: قال المؤلف في (ص ٢٢): "من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين: أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود، فلسنا

стр. 3912

نعرف لهم مؤلِّفاً في السياسة، ولا مترجماً، ولا نعرف لهم بحثاً في شيء من أنظمة الحكم، ولا أصول السياسة، اللهم إلا قليل لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون". ظل المؤلف مستهتراً بشهوة فصل الإسلام عن وظيفة إصلاح السياسة، فرأى أن من المقدمات المساعدة له على هذا الغرض مخاتلةَ نفس القارئ، وأخذها إلى الاعتقاد بأن زعماء الإسلام أو علماءه أهملوا النظر في أنظمة الحكم وأصول السياسة. لم يكن حظ المسلمين من علم السياسة سيئاً، ولا وجودها بينهم كان أضعف وجود، وعرفنا لهم في السياسة مؤلفات شتى: اطلعوا على كتاب "السياسة" لأفلاطون (١)، الذي عربه حنين بن إسحاق (٢)، وترجم بعض فصوله أيضاً أحمد بن يوسف الكاتب (٣) المتوفى سنة ٣٤٠ هـ (٤)، وكتاب "السياسة" تأليف قسطا بن لوقا البعلبكي (٥)، وكتاب

стр. 3913

"المتوّج في العدل والسياسة" للصابي (١)، وأشار ابن خلدون في "مقدمته" (٢) إلى أن كتاب أرسطو في السياسة كان متداولاً بين الناس، وألف الكندي في السياسة اثني عشر تأليفاً، منها: "رسالته الكبرى في السياسة"، "ورسالة في سياسة العامة". وألّف أحمد بن الطيب، أحد المنتمين إلى الكندي كتاب: "السياسة الكبير"، وكتاب: "السياسة الصغير". وألّف أبو نصر الفارابي (٣) ثمانية مؤلفات في السياسة، منها: السياسة المدنية، "وهو الاقتصاد السياسي الذي يدعي أهل التمدن الحديث أنه من مخترعاتهم (٤) "، ومن مؤلفاتهم: كتاب "سياسة الملك" للماوردي (٥)، و"سياسة المالك في تدبير الممالك" لابن أبي الربيع (٦)، "وهو جليل جداً، لم يغالر بحثاً من أبحاث العمران والسياسة

стр. 3914

والأخلاق إلا طرقه (١) "، وكتاب "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي (٢)، وكتاب "نهج السلوك في سياسة الملوك" للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله (٣)، و"قوانين الدواوين في نظام حكومة مصر وقوانينها" لأبي المكارم أسعد بن الخطير (٤)، إلى غير ذلك من فصول ممتعة احتوى عليها كتاب "المسالك" لابن خرداذبة (٥)، و"مقدمة" ابن خلدون، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة (٦)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربّه (٧). ويتصل بهذا كتب في أخلاق الملوك؛ ككتاب: "أخلاق الملوك" للفتح

стр. 3915

ابن خاقان (١)، وكتاب: "التاج في أخلاق الملوك" للجاحظ (٢)، وكتاب: "أخلاق الملوك" لمحمد بن حارث التغلبي (٣)، و"التاج في سيرة كسرى أنوشروان" لابن المقفع (٤)، وكتاب: "السفارة والسفراء" (٥)، وكتاب: "جند الوزارة وحراسة حصن الصدارة" لحسن بن عبد الكريم البرزيخي (٦)، وكتاب: "لطائف الأفكار وكاشف الأسرار" في علم السياسة، ألفه القاضي حسين ابن حسن السمرقندي، للوزير إبراهيم باشا سنة ٩٣٦ هـ في خمسة أبواب، الأول: في السياسات، فهو من قبيل الموسوعات، لكنه يشتمل على ضروب من السياسة. منه نسخة في فيينا (٧) ". هذا ما اطلعنا عليه، أو على التعريف به في بعض كتب التاريخ، وقد منيت المكاتب الإسلامية من بلايا الأحراق والإغراق والإتلاف، التي سامها بها أعداء العلم على ما هو معروف في التاريخ من هجمات التتار على

стр. 3916

بغداد، ونائبة خروج المسلمين من الأندلس، ونكبات الحروب الصليبية في الشام ومصر وغيرهما؛ علاوة على ما غشي الأمة من ظلمات الجهل في عصورها الأخيرة، حتى ضاع من بين أيديها كثير مما أبقته تلك النكبات. هذا وقد شهد أولو العلم أن الإسلام قد رسم للسياسة خطة واسعة، وسنَّ لها نظماً عامة، حسبما نوافيك ببيانه في الموضع اللائق به؛ فصرفوا أنظارهم في دراسة تلك الخطة، والتفقه في هاتيك النظم؛ حيث كانت سياستهم العملية موصولة بها، وقائمة على أسسها، ومن المؤلفات على هذا النمط كتاب: "غياث الأمم" لإمام الحرمين، وكتاب: "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن القيّم، وكتاب: "السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية" لابن تيمية، وكتاب: "الأحكام السلطانية" للماوردي، وكتاب: "الأحكام السلطانية" للقاضي أبي يعلى (١)، وكتاب: "إكليل الكرامة" لصديق حسن خان (٢)، ورسالة "السياسة الشرعية" لإبراهيم يخشى زادة، توجد في برلين (٣). آثر المسلمون أن ينظروا إلى السياسة بمرآة الشريعة، فترى كثيراً من رجال الدولة إذا حركوا أقلامهم في تحرير سياسي، نفخوا فيه روحاً من

стр. 3917

حكمة الشريعة، وكسوه حلة من حلل آدابها الوضاءة، وانظر الكتاب (١) الذي أرسله طاهر بن الحسين (٢) إلى ابنه عبد الله بن طاهر -لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما- تجده يقول فيه: "واسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقه الأهدى، وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تتهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة؛ فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم في ذلك بالسنن المعروفة". ثم قال: "واقبل الحسنة، وادفع بها، وأَغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الزور والكذب، وأبغض أهل النميمة؛ فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب، والجراءة على الكذب. وإن النميمة لا يسلم صاحبها، وقابلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم له أمر". وكذلك يقول لسان الدين بن الخطيب (٣) في رسالة له في السياسة (٤): "رعيتك ودائع الله تعالى عندك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل

стр. 3918

إلى ضبطهم إلا بإعانة الله تعالى التي وهب لك، وأفضل ما استدعيت به عونه منهم، وكفايته التي تكفيهم: تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة ما لها وما عليها أخذاً يحوط مالها، ويحفظ عليها كمالها إلخ". ويجري على هذا المثال رسالة الحسن بن أبي الحسن البصري (١) لعمر ابن عبد العزيز في صفة الإمام العادل، ومما يقول فيها: "واعلم - يا أمير المؤمنين-: أن الله أنزل الحدود؛ ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ (٢) ". وكتب إليه في رسالة أخرى (٣): " ... فكن للمثل من المسلمين أخا، وللكبير ابناً، وللصغير أباً، وعاقب كل واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً؛ فتدخل النار". فالحق أن حظ المسلمين في السياسة لم يكن منقوصاً، وأن منزلتهم فيها كانت فوق المنزلة التي قعد بهم المؤلف عندها، وبالغ في استصغار شأنها. قال المؤلف في (ص ٢٣): "ذلك وقد توفرت عندهم الدواعي التي

стр. 3919

تدفعهم إلى البحث الدقيق في علوم السياسة، وتظاهرت لديهم الأسباب التي تعدهم للتعمق فيها، وأقل تلك الأسباب أنهم مع ذكائهم الفطري، ونشاطهم العلمي، كانوا مولعين بما عند اليونان من فلسفة وعلم، وقد كانت كتب اليونان التي انكبوا على ترجمتها ودرسها كافية في أن تغريهم بعلم السياسة، وتحببه إليهم". قام المؤلف ليذكر لنا سبباً شأنه أن يغري المسلمين بالسياسة، ويجعلهم مولعين بالخوض في غمارها، والتفت يميناً وشمالاً، فوقع اختياره على انكبابهم على ترجمة الفلسفة والعلوم اليونانية ودراستها، ولم يهتد إلى أن لدى المسلمين سببين عظيمين يحثانهم على النظر في السياسة، ويؤكدان حرصهم على البراعة في صناعتها: أحدهما: أنهم كانوا أمة فاتحة، بلغت في عزها وسطوتها أن قوضت عروش قوم جبارين، ومدت سلطانها العادل على شعوب مختلفة في طبائعها وعاداتها وطرق تفكيرها، والفاتح الغيور على استقلال بلاده أشد حاجة، وأسرع يداً إلى إتقان فن السياسة من مرتاح البال للبقاء تحت سلطة دولة أخرى. ثانيهما: أن الإسلام شرع للسياسة أصولاً في أحسن مثال، وحارب الاستبداد باليمين والشمال، فأذاق أمته طعم الحكومة اللينة الحازمة، وشب في أحضانه رجال شهد بدهائهم السياسي أعداؤهم المنصفون. هذان السببان ندبا المسلمين إلى النظر في مبادئ السياسة وأصول الحكم، فانتدبوا إليها، وكانوا أساتذة العالم في السياسة؛ كما كانوا أساتذته في العلوم الفلسفية، فهما أحق بأن يخطرا على قلب المؤلف، ولكنه يكره

стр. 3920

أن يعترف بأن في تعليم الإسلام مبادئ سياسية، أو أن حكومة من حكومات الإسلام أذاقت الناس طعم السياسة الرشيدة. قال المؤلف في (ص ٢٣): "وهناك سبب آخر: ذلك أن مقام الخلافة الإسلامية كان منذ الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - إلى يومنا هذا عرضة للخارجين عليه، المنكرين له، ولا يكاد التاريخ الإسلامي يعرف خليفة إلا عليه خارج". ثم قال في (ص ٢٤): "مثل هذه الحركة -حركة المعارضة- كان من شأنها أن تدفع القائمين بها إلى البحث في الحكم، وتحليل مصادره ومذاهبه، ودرس الحكومات وكل ما يتصل بها، ونقد الخلافة وما تقوم عليه، إلى آخر ما تتكون منه علوم سياسية، لا جرم أن العرب قد كانوا أحق بهذا العلم، وأولى من يواليه". لم يعارض طائفة من المسلمين الخلافة في نفسها، أو كونها ذات حكومة يرأسها فرد، حتى تدعوهم المعارضة إلى درس الحكومات؛ ليختاروا منها الشكل الذي يروقهم، وإنما ينكر المعارضون شيئاً من تصرف الخليفة، أو يدعون أن غيره أحق بالإمارة وأقوم عليها، وهذا يقتضي البحث في طرق العدل وشروط الخليفة، وحكم الخروج عليه، وقد بحث أهل العلم في هذه المطالب بأوفى عبارة، وأبسط بيان، حرروا الكلام في الأصول الفارقة بين عادل الأحكام وجائرها، وأفاضوا القول في شروط الأمراء وموجبات خلعهم، ومتى بحثوا في الحكم من حيث انطباقه على مبادئ العدالة، أو انحرافه عنها، فإنهم لا يعرفون قانوناً لعدالة الأحكام أو جورها غير موافقتها لأصول الشريعة، أو نشوزها عنها، فمن هذا الوجه كان المعارضون يبحثون في الحكم، وينقدون سيرة الخلفاء مقتدين بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

стр. 3921

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ومتى صح أن يكون الخروج على الخليفة سبباً للبحث عن مبادئ السياسة، فقد أريناك وسنريك آية نهوض المسلمين بعلم السياسة، وتفوقهم في إدارة شؤونها. * كلمات سياسية لبعض عظماء الإسلام: قال المؤلف في (ص ٢٤): "فما لهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم، وارتدوا دون مباحثه حسيرين؟ ما لهم أهملوا النظر في كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، وكتاب "السياسة" لأرسطو، وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه: المعلم الأول؟! ". عني المسلمون من علوم اليونان بالفنون التي كانت غير معروفة لهم، أو كانت بضاعتهم فيها مزجاة، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من فائدة، وعلى حسب ما تمس إليه الحاجة، فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم، وأعطوا جانباً من عنايتهم إلى ما نقل لهم من سياسة أفلاطون وأرسطو، مع علمهم بأن أيديهم مملوءة بمبادئ السياسية الكافية في تدبير مصالح الأمة، وصيانة حقوقها على منهج الحرية السامية، والعدالة الصادقة. كانوا يرون أن فيما أضاء لهم من مشكاة الشريعة، أو جرى على ألسنة حكمائهم، ما إذَا اتَسق لذي فطرة سليمة، وألمعية مهذبة، أصبح سائساً خطيراً، أو مصلحاً كبيراً. ومن نظر في تاريخ عظماء الإسلام ببصيرة، لم تفتتن بزخرف المدنية الغربية، رأى في سيرتهم العملية، وما يلفظون به من نوابغ الكلم ما يشهد

стр. 3922

له بأنهم أدركوا في فن السياسة شأواً بعيداً، ولم يكن حظهم منها أقل من حظ دارسي كتابي "الجمهورية"، و"السياسة". ولا أسرد في هذا المقام شيئاً من الآيات والأحاديث التي تعد في مبادئ السياسة المثلى؛ فإنها مقروءة بكل لسان، ومشهود لها بالحكمة من كل ذي عقل، وإنما أسوق من أثر أولئك العظماء كلمات أضربها كالمثل؛ ليتبين القارئ ماذا نريد من تلك الكلم النوابغ، وليعرف أن رجالاً في الإسلام أحرزوا في السياسة القدح المعلى، ورموا عن قوس لم تكن من صنع أفلاطون، ولا أرسطو، فأبعدوا المرمى، وأصابوا الغاية. أريد من تلك الكلم النوابغ أمثال قول عمر بن الخطاب -لما قيل له: إنك تستعين بالرجل الفاجر-: "إني لأستعين بالرجل لقوته، ثم أكون على قفّانه" (١). وقول أبي سفيان (٢) لعثمان (٣) ﵁ حين همّ أن يردّ إليه مالاً صادره عمر بن الخطاب، ووضعه في بيت المال-: "لا تردّ على من قبلك، فيرد عليك من بعدك". وقول عمر بن عبد العزيز -حين قال له ابنه عبد الملك (٤): مالك

стр. 3923

لا تنفذ الأمور؟ -: "لا تعجل يا بنيّ؛ إني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيتركوه جملة، وتكون فتنة". وقول معاوية (١) بن أبي سفيان: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة، ما انقطعت". وقوله: "إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم، ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا". وقوله: "والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني، وتحت قدمي". وقول المهلب (٢) للحجّاج (٣) -حين كتب إليه يستعجله في حرب الأزارقة-: "إن من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره". هذا نموذج من كلماتهم السياسية المقولة على البداهة، ولو أخذنا نملي عليك من أنبائها، لأخرجنا بها كتاباً قيماً، ولو تناولها ذو فكر خصب

стр. 3924

وقلم مثمر، لأنشأ من أصولها فروعاً، وأجرى من منابعها أنهاراً. وقد كان القوم يقومون على هذه الأصول، ويجمعون إليها علم التاريخ الذي هو الركن الأعظم لإجادة النظر في السياسة، ولهذا المعنى كانوا يتحرون في تقليد المناصب من له خبرة واسعة بأنباء الأمم وأيامها الخالية. أرسل عمر بن هبيرة (١) إلى إياس بن معاوية (٢)، وساله أسئلة أجاب عنها، ثم قال له: تعرف من أيام العرب شيئاً؟ قال: نعم. قال: فهل تعرف من أبناء العجم شيئاً؟ قال: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. ثم قال له: قم قد وليتك". وصفوة القول: أن المسلمين اطلعوا على سياسة أفلاطون، وسياسة أرسطو، وألّفوا في السياسة المدنية، والسياسة الشرعية، فملكوا من السياسة النظرية كنزاً قيّماً، ولولا أنهم كانوا ينفقون من هذا الكنز القيّم، لما ارتفعت سياستهم العملية على سياسة تلاميذ أفلاطون وأرسطو درجات. * النحو العربي ومناهج السريان: قال المؤلف في (ص ٢٤): "وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان في علم النحو". هذا شيء ظنه جرجي زيدان، فالتقطه المؤلف من ورائه، وجاء به على أنة قضية مسلمة.

стр. 3925

قال في "تاريخ التمدن الإسلامي "، وفي "تاريخ آداب اللغة العربية": "ويغلب على ظننا أنهم نسجوا في تبويبه -يعني: النحو- على منوال السريان؛ فإن السريان دونوا نحوهم، وألّفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس للميلاد". ثم قال: "فالظاهر أن العرب لما خالطوا السريان في العراق، اطلعوا على آدابهم، وفي جملتها النحو، فأعجبهم، فلما اضطروا إلى تدوين نحوهم، نسجوا على منواله؛ لأن اللغتين شقيقتان، ويؤيد ذلك: أن العرب بدؤوا بوضع النحو وهم بالعراق، وبين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية هي نفس أقسامه في السريانية". ثم قال: "وكأنه -يعني: أبا الأسود (١) - تعلم لغة السريان، أو اطلع على نحوها، فرغب في النسج على منواله". فالمسألة لم تزل في حدود الافتراض، وليس لها من شبهة سوى أن واضعي علم النحو من العرب كانوا بالعراق بين السريان والكلدان، وأن أقسام الكلام في العربية هي أقسام الكلام في السريانية. ولكن كتاب "الإسلام وأصول الحكم، لا يبالي أن يسوق المشكوك فيه مساق المعلوم، أو يورد المعلوم في صورة المشكوك فيه. * الإسلام والفلسفة: قال المؤلف في (ص ٢٤): "بل رضوا بأن يمزجوا لهم علوم دينهم
следующие страницы →