← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وكيف أنام وأنا بين أسدين: الأبي بفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله. وفي هذا القرن أنشأ الأمير أبو فارس عبد العزيز خزانة كتب في الجانب الشمالي من جامع الزيتونة، ووقع عليها آلافاً من المجلدات. * في القرن العاشر: وكان الأمير في مبتدأ القرن العاشر أبا عبد الله محمد الحفصي، وكان له عناية بالعلم، ومن آثاره: إنشاء مكتبة لجامع الزيتونة، وهي التي تسمى الآن: "المكتبة العبدلية". وفي سنة ٧٠ من هذا القرن بليت تونس بحلول عساكر الإسبان، فعاثوا في المكاتب، وأطلقوا أيديهم في إتلافها حتى صارت نفائس الكتب ملقاة في الطرق تدوسها خيلهم بأرجلها، ولم يبق في مكتبة جامع الزيتونة -فيما يقال- إلا بضع نسخ من "صحيح الإمام البخاري". ويقول بعض الشيوخ معتذراً عن قلة ما يوجد من مؤلفات التونسيين: إن هذه الكارثة الإسبانية قد أتلفت وأضاعت كثيراً مما ألفوا. ولكن البلاد لم تلبث بيد الإسبان حتى جاء الأتراك وطردوهم منها سنة ٩٨١، وصارت تونس من الأقطار المتعلقة بالدولة العثمانية، ويظهر من مطالعة التاريخ: أن سوق العلم بتونس كانت في القرن العاشر خاملة؛ إذ لم نجد فيها ما وجدنا في القرون قبلها أو بعدها من الأعلام الذين يدل وجودهم في القطر على أن هناك علوماً ساطعة، وأنظاراً واسعة، وأفهاماً راسخة. * في القرن الحادي عشر: بمناسبة اتصال تونس بالدولة العثمانية وردها في أوائل القرن الحادي

стр. 4902

عشر بعض علماء الروم، فأخذت بهم الحركة العلمية نشاطاً، ومن هؤلاء الواردين: أستاذ يقال له: "منلاً أحمد"، كان بارعاً في الفقه والأصول والتفسير والنحو والبيان والمنطق، فتخرج في درسه جماعة من أعلام القرن الحادي عشر؛ مثل الشيخ: محمد الغماد، والشيخ أبو يحيى الرصّاع. وينبئكم برسوخ منلا أحمد هذا في الفهم: أن بعض الطلاب أراد أن يسرد عليه تركيباً من كتاب، فقال له: إني لست بقصاص، فعبر لي من شدقك بعبارة تنبئ عن مراد المؤلف. * في القرن الثاني عشر: تدلنا آثار كثيرة على أن الحياة العلمية في القرن الثاني عشر قد أخذت في نشاط؛ فإنا نرى لكثير من أمراء تونس في ذلك العهد اعتناء بإحياء العلم، وتهيئة وسائله. نرى محمد بن مراد باي المتوفى سنة ١١٠٨ بنى مدارس في نواح مختلفة من المملكة؛ كالقيروان، والكاف، وقابس، وباجة، والجريد، ونرى الأمير حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية القائمة حتى الآن قد أنشأ مدارس بالحاضرة، والقيروان، وسوسة، وصفاقس، ونفطة. ونرى علي باشا قد أنشأ مدارس، ووقف في كل مدرسة خزانة من الكتب، وأرسل الشيخ حسين البارودي مفتي دولته إلى الآستانة ليشتري له ما يصل إلى يده من الكتب القيمة. ونقرأ في تاريخ حسين بن علي الثاني: أنه كان من الأدباء والشعراء، ومن شعره قصيدة ميمية شرحها الشيخ أبو عبد الله محمد الشافعي، وقصيدة قافية شرحها العلامة الشيخ محمد صالح الكواش.

стр. 4903

ونقرأ في تاريخ علي باي بن حسين بن علي: أنه كان مشتركاً في العلوم، وكان يصطفي العلماء. ويقص علينا التاريخ: أن طائفة من العلماء كانوا قد رحلوا إلى تلقي العلم بالأزهر؛ مثل: علي بن موسى الأندلسي، ورد الأزهر، فأخذ عن الشيخ الأجهوري، وعبد الباقي الزرقاني، ومحمد الخرشي، وعاد إلى تونس بعلم كثير. ومن أعلام هذه المئة الشيخ محمد زيتونة، والشيخ محمد الخضراوي، والشيخ حموده فتاتة، ونجم الدين المعروف بابن سعيد صاحب "حواشي شرح الخيصي"، "للتهذيب وحواشي شرح الأشموني للخلاصة". وفي ذلك القرن كان للأدب سوق نافقة، وظهر فيها الشاعران: علي الغراب الصفاقسي، ومحمد الورغي، بل نجد في أشعار أهل العلم جزالة وإحكام نسج. وأذكر من شعر الشيخ ابن سعيد قوله يشكو حساده: ومالي ذنب عندهم غير أنني ... إذا شئت قلت الشعر وهو رقيق وإن خضت في بحر من العلم لجَّ بي ... تطاير دُرٍّ فوقه وعقيق خليلي هل يجني على المرء مجده ... فإني بالمجد العريق حريق وأذكر من شعر الشيخ حمودة بن عبد العزيز يتحدث عن الحرب: فلا وأبي لا يبلغ المجد عاجز ... يعلل نفساً بالأماني الكواذبِ ولكن فتى قد جرَّد السيف طالباً ... به من حقوق الحمد أسنى المطالبِ يهاب الدنايا أن تدنس عرضَه ... وليس لأسباب المنايا بهائبِ

стр. 4904

هي الحرب من يعلق بها يبلغ المنى ... وهل نال أقصى المجد غير المحاربِ * نشأة جامع الزيتونة: كانت القيروان منذ الفتح الإسلامي عاصمة للملكة التونسية، وكان جامعها الذي اختطه عقبة بن نافع ﵁ من أكبر المعاهد التي يؤمها طلاب العلم من نواح مختلفة، ولما استولى على القطر الفرنسي أصحاب المهدي بن تومرت: عبد المؤمن بن علي وحلفاؤه، اتخذوا مدينة تونس دار الإمارة، وبقيت العاصمة إلى هذا اليوم. وبعد أن صارت مدينة تونس عاصمة البلاد، أصبحت مورد العلوم، ومحط رحال العلم، فأخذ جامع الزيتونة يغالب جامع القيروان، وأخذ اسمه يتردد أكثر مما كان يتردد على الألسنة والآذان. ابتدأ بناء جامع الزيتونة الأمير حسان بن النعمان الغساني الداخل لإفريقية سنة ٧٩، ثم جاء الأمير عبد الله بن الحبحاب الداخل سنة ١١٤، وأتم بناءه سنة ١٤١، ولما تولى زيادة الله بن الأغلب الإمارة بالقيروان، أحدث به أبنية فخمة، وصار من أحسن الجوامع القائمة على أساطين من المرمر والرخام. * جامع الزيتونة والنظام: رأى أمير تونس المشير أحمد باشا أن تكون الدولة قائمة بنفسها، وأخذ ينظر في وسائل القوة والمنعة، وأول ما يعنى به طالب القوة: ترقية شأن التعليم، وإنبات طلاب العلم نباتاً حسناً، فكان من تدبير هذا الأمير: أن قصد إلى تنظيم التعليم بجامع الزيتونة، وأصدر في ذلك مرسوماً سنة ١٢٥٨، وتلي هذا المرسوم في يوم مشهود، ورسم في صحيفة محاطة بإطار، وعلق داخل باب من أبواب الجامع يقال له: "باب الشفاء".

стр. 4905

واقتضى هذا المرسوم أن ينتخب للتدريس بجامع الزيتونة خمسة عشر عالماً من المالكية، ومثلهم من الحنفية، على أن يقرئ المدرس في كل يوم -ما عدا يومي الخميس والجمعة- درسين من أي فن أراد، وفي أي وقت تيسر له، وإذا فقد أحد هؤلاء المدرسين، انتخب نظَّار الجامع بدله أعلم الموجودين في العصر، وإذا اشتبه عليهم الحال فيمن يستحق ولاية التدريس، عقدوا مسابقة بين من يرغبون في إحرازها بطريق المسابقة، ومن وقع عليه الاختيار، فصل في تعيينه المشايخ النظّار، وبعثوا قرارهم إلى حضرة سمو الباي يصدر مرسوماً في ولايته. وفي عهد الأمير محمد الصادق باي، ووزيره المصلح خير الدين باشا صاحب كتاب "أقوم المسالك في أحوال الممالك"، دخل على نظام التعليم تبديل وتهذيب، ووضعت مناهج سارت به إلى الإمام مرحلة كبيرة، وكان هذا الوزير يتردد على الجامع، ويشهد حلقات الدروس بنفسه، فكان فيما يظهره رجال الدولة من العناية بهذا المعهد الإسلامي داعية إقبال وتنافس في ميدان العلوم. وفي سنة ١٣١٠، وسنة ١٣١٢ دخل على هذا النظام شيء من التنقيح. وفي سنة ١٣٢٩ عقدت الحكومة لجنة من كبار أهل العلم وبعض رجال الدولة؛ للنظر فيما تحتاج إليه مناهج التعليم من تهذيب وإصلاح، فصار التعليم بما قررته اللجنة أقرب إلى التعليم المحاط بالنظم المدرسية من كل جانب. وكانت أقسام التعليم من ابتدائي وثانوي وعال، كلها في نفس جامع الزيتونة، وفي سنة ١٣٤٥ فصل التعليم الابتدائي عن الثانوي والعالي، فخصص

стр. 4906

للابتدائي جامع فسيح يقال له "جامع سيدي يوسف"، ويقي القسمان الثانوي والعالي في جامع الزيتونة. ونؤمل من ذوي الشأن هنالك أن ينشئوا في الجامعة الزيتونية قسماً للتخصص؛ حتى تسير تلك الجامعة بجانب الأزهر الشريف في المستقبل كما سارت بجانبه فيما سلف من الأيام. وظهر في عهد النظام نبغاء في علوم الدين واللغة العربية؛ مثل: الشيخ معاوية الذي يذكره الشيخ الأنباني في تقاريره البيانية، فيناقشه تارة، ويسلم آراءه تارة أخرى. وفي أوائل ذلك العهد أخذت تونس في حياة مدنية نامية، وصارت في مقدمة الشعوب التي تيقظت لما تحتاج إليسه من إصلاح. ومن شواهد هذا: قصائد المفتي المالكي الشيخ محمود قبادو المتوفى حوالي سنة ١٢٨٠، فإن قارئها يجد فيها تذكرة وتنبيهاً على جانب من طرق الإصلاح، ويحضرني من شعره قوله في إحدى القصائد: أرى الملك مثل الفلك تحت رئيسه ... عويزاً إلى الأعوان فيما يؤمُّه فذلك نوتيٌّ يعين بفعله وآخر ... خِرِّيتٌ قُصاراه علمُه ومقصده جري السفين وحفظها ... ليسلم كل أو ليعظم غنمه أيركب هول البحر دون مقاوم ... وفي طيه حرب كما يؤذن اسمه لذاك ترى ملك الفرنج مؤثلاً ... بعلم على الأيام يمتد يَمُّهُ ومملكة الإسلام يقلص ظلها ... وينقص من أطرافها ما تضمُّه على أنها أجدى وأبسط رقعة ... وأوسط إقليماً من الطبع عظمه

стр. 4907

وأعرق في منمى الحضارة موضعاً ... وأطول باعاً يقلق الهام دمه ودوخ مغزاها الأقاليم سبعة ... وتاخمها من سد يا جوج رَدْمُه ويقول في الأمم الغربية: هم غرسوا دوح التمدن فرعه الر ... ياضي والعلم الطبيعي جذمه أيجمل يا أهل الحفيظة أنهم ... يبزوننا علماً لنا كان فخمه ويقول: لقد قتلوا دنيا الحياتين خبرة ... فمن لم يساهمهم فقد طاش سهمُه ومن نبغاء ذلك العهد: الأستاذ الشيخ أحمد بن أبي الضياف، تولى رياسة الديوان بالوزارة الكبرى، وكان الأمير أحمد باي قد جعل اللسان الرسمي للدولة اللغة العربية بعد أن كانت المراسلات تحرر باللسان التركي، فأخذ الشيخ ابن أبي الضياف ينسج في رسائل الدولة على طرز لسان الدين ابن الخطيب، وتلاه الشيخ محمد العزيز بوعتور في رياسة الديوان، وكان كاتباً بليغاً، فصارت مخاطبات الحكومة ببراعة هذين الأستاذين ومن ينحو نحوهما تحرر بأقلام راقية. * إدارة المعهد الزيتوني: يتولى إدارة شؤون ذلك المعهد أربعة من الشيوخ، وهم: رئيس الإفتاء الحنفي، ورئيس الإفتاء المالكي، والقاضي الحنفي، والقاضي المالكي، ويسمى هؤلاء الشيوخ من جهة نظرهم في شؤون المعهد: "المشايخ النظّار"، ويرأس المجلس شيخ الإسلام الحنفي، واكتسب الحنفية التقدم على المالكية في المواطن الرسمية؛ حيث إن أمراء الدولة الحسينية القائمة لهذا العهد

стр. 4908

يتقلدون مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁. يجتمع النظار بمكان معد لهم بجانب من المعهد في صبيحة يوم السبت من كل أسبوع، ثم يتناوبون بعد هذا بقية الأيام، فيجيء كل واحد منهم في يوم لإجراء ما قرروه عند اجتماعهم، وينص القانون على أن للناظر أن يختبر أحوال المدرسين بنفسه، فيجلس قريباً من المدرس بحيث يسمع إلقاءه؛ حتى تتميز عنده مراتب المدرسين. ويساعد المشايخ النظار في الإشراف على التعليم أستاذان من المدرسين يحضران جلسات المشايخ النظار، ولهما إبداء ملاحظاتهما في تلك الجلسات، ولا يعتد برأيهما عند الاقتراع. وهذان الأستاذان يحرران -أو أحدهما- كل يوم أحوال الطلبة، وأحوال المدرسين غيبة وحضوراً، ويعرضان ذلك على من يحضر من المشايخ النظار في يومه. * العلوم والفنون التي تدرس بالمعهد الزيتوني: يدرَّس في ذلك المعهد: التفسير، والحديث، والسير، والتوحيد، والقراءات، والمصطلح، والفقه، والأصول، وآداب الشريعة، والنحو، والبيان؛ واللغة، والأدب، وعلم العروض، والمنطق، والتاريخ، والجغرافية؛ والحساب، والهندسة، والهيئة والميقات، والمساحة. ينص القانون على أن هذه العلوم والفنون تدرس في نفس الجامع، ولكن الطلاب -فيما أعرف- يتلقون بعض العلوم الحديثة؛ كالجغرافيا والهندسة بمدرسة الخلدونية، وهي مدرسة بمقربة من المعهد تقوم بها جمعية أهلية، إلا أنها تتناول مساعدة سنوية من إدارة الأوقاف.

стр. 4909

ولم يكن الإنشاء مما يتلقاه الطلاب على طريقة التمرين، وأذكر أني كنت وجهت إلى المشايخ النظار خطاباً مفتوحاً أطلب فيه العناية بدرس الإنشاء على طريقة عملية، آثرت أن يكون الخطاب نظماً، ويحضرني منه الآن: بذلتم في نَفاق العلم وسعاً ... وذللتم طرائقه الصعابا فأصبح معهد العرفان صرحاً ... رفيعاً لا نظير له غرابا ولكن الخصاصة في فنون ... تساورنا المخافة أن نعابا أصاب صناعة الإنشاء محل ... وغاض معينها إلا سرابا أنرمي نحو وادينا بقشر ... ويحرز غيرنا منها اللبابا * * * أفي علم البيان نغوص فهماً ... ونملأ من جواهره الوطابا وإن ركبت أناملنا يراعاً ... تعاصى أن يشق بها عبابا ومن ركب الأتان لدى سباق ... أبى إلا الزراية والعتابا وليس بنافع تقليد رمح ... لشخص لم تعلمه الحرابا وأذكر منها: ولا ترقى شؤون الشعب إلا ... بأقلام تناقشه الحسابا وتكشف عن شموس الجو لبساً ... تراكم تحت غرتها سحابا وما الحادي بشعر أبي فراس ... وقد جست أنامله الربابا بأعذب من صدى قلم تهادى ... على طرس يخط به كتابا

стр. 4910

وأرشق منظراً من لحظ قلبي ... توسد باللوى الذهب المذابا دواة في زجاجتها مداد ... نصوغ على البعاد به خطابا * الكتب التي تدرس بالقسم العالي: أقتصر هنا على ذكر ما يدرس في المرتبة العالية من الكتب؛ إذ هي التي يعرف بها مدى التعليم، وكفاية المتخرجين الذين استمروا على تلقي العلم إلى انتهاء أمد الدراسة. يعين القانون لقراءة التفسير: "الجلالين"، و"أسرار التنزيل" للقاضي البيضاوي، ولقراءة الحديث: "الموطأ بشرح الزرقاني"، و"صحيح الإمام البخاري بشرح القسطلاني"، و"صحيح الإمام مسلم بشرح الأبي"، وكتاب "الشفا" للقاضي عياض بشرح الشهاب. ولقراءة علم الكلام؛ "العقائد العضدية بشرح السعد"، و"المواقف بشرح السيد الشريف"، ولقراءة الأصول: "التوضيح بشرحه المسمى بالتلويح"، و"مختصر ابن الحاجب بشرح العضد"، و"جمع الجوامع بشرح الجلال المحلي". ولقراءة علم النحو: "مغني اللبيب"، و"شرح الأشموني على الخلاصة"، ولعلم البلاغة: "التلخيص بشرح المطول للسعد"، والقسم الثالث من "المفتاح بشرح السيد"، ولقراءة علم اللغة والأدب: "المزهر" للسيوطي، و"الحماسة بشرح المرزوقي"، و"المثل السائر لابن الأثير"، ولقراءة المنطق: "شرح القطب على الشمسية"، ومما يدرس للتاريخ: "مقدمة ابن خلدون". ومن هنا يستبين الناظر أن الأزهر وجامع الزيتونة يتحدان في أغلب ما يدرس من الكتب، إذن، فالثقافة في المعهدين واحدة، أو متقاربة.

стр. 4911

المدرسون: الذين يقومون بالتدريس في ذلك المعهد ثلاث طبقات: ١ - مدرسون من الطبقة الأولى، وهم ثلاثون مدرساً. ٢ - ومدرسون من الطبقة الثانية، وهم اثنا عشر مدرساً. ٣ - ومدرسون من الطبقة الثالثة، وهم خمسون مدرساً. وبعد هؤلاء أستاذان يختصان بدرس القراءات. والمدرسون من الطبقة الأولى يقرئون كتب المرتبة العالية، ويشتركون مع مدرسي الطبقة الثانية في إقراء كتب المرتبة المتوسطة، والمدرسون من الطبقة الثانية يدرِّسون كتب المرتبة المتوسطة، ويشاركون في تدريس كتب المرتبة الأخيرة. والمدرسون من الطبقة الثالثة مقصورون على دراسة كتب المرتبة الثالثة، وللنظارة أن تأذن لهم في إقراء كتب المرتبة المتوسطة. لا يجلس للتدريس في المعهد إلا من كان بيده شهادة من نفس المعهد، أما العلماء الذين يردون على حاضرة تونس، فإنما يسوغ لهم التدريس بعد إجازة المشايخ النظارة، وموافقة الدولة. ويحتوي القانون على نصائح وآداب للمدرسين؛ كما يقول: "على المدرس أن يتثبت في الفهم والنقل حتى يكون على بصيرة من أمرهما، ولا يتوثق بأول بارق، ويستبرئ لدينه ولعوضه من نقل الخطأ عنه، وإذا أخطأ في فهم أو نقل، فعليه بمقتضى ديانته أن يصدع بالحق". ومما يقول: "ليس لأحد أن يبحث في الأصول التي تلقتها العلماء جيلاً بعد آخر، ولا أن يكثر من تغليط المصنفين؛ فإن كثرة التغليط أمارة الاشتباه

стр. 4912

والتخليط، بل عليه أن يبذل الوسع في فهم مراد الفضلاء، ولا يلقي البحث إلا بعد التحري والإحاطة بأطراف الكلام، والتدبر في فهم المراد". * التلاميذ: يتخذ كل تلميذ دفتراً يكتب له فيه أساتذته في كل شهر شهاداتهم بالحضور، وحال المواظبة، ودرجته في النجابة والفهم، ويذكرون الباب أو المسألة التي كانت مبدأ حضوره في الكتاب، كما يذكرون البحث الذي انتهى إليه وقت كتابة الشهادة. ويبلغ عددهم في هذا المعهد زهاء ألفين، ومعظمهم من القطر التونسي، ومن بينهم كثير من القطر الجزائري، ويوجد من بينهم طلاب من طرابلس الغرب، والمغرب الأقصى. وقد اشتمل قانون المعهد على نصائح وآداب للطلاب؛ كما يقول: "يلتزم التلميذ آداب السؤال، فيسأل سؤال مسترشد ملتزماً اللطف في سؤاله". ويقول: "لا يسوغ للتلميذ التلهي عن الدرس بحديث أو غيره، وإذا سأل التلميذ، فليس لغيره من الطلاب أن يجيبه إلا إذا أذن له الشيخ في الجواب". ويقول في التلميذ يسيء الأدب مع أستاذه: "فعلى الشيخ أن يلومه أولاً فيما بينهما، فكان عاد، وبخه بمحضر أقرانه، فكان عاد، رفع الأمر للنظارة كتابة؛ لتجازيه بما ترى من لومه أو توبيخه أو رفته من المعهد رفتاً مؤقتاً أو باتاً". * الامتحان: تعقد عند انتهاء أيام الدراسة من كل سنة لجان من المدرسين لاختبار التلاميذ فيما قرؤوه في تلك السنة، (وهو امتحان النقل).

стр. 4913

ويجرى امتحان لأخذ شهادة "التطويع"، وهذه الشهادة منظور إليها كشهادة العالمية في الأزهر؛ من جهة ما يترتب عليها من نيل بعض المناصب، إلا أن دراسة الطالب نحو سبع سنين تكفي لقبوله للامتحان، وإحرازه هذه الشهادة، والمقرر لهذا الامتحان مقالة تحرر ارتجالاً، وعلى مرأى من المراقبين في باب من أبواب الفقه، ثم إلقاء درس بعدها في الأصول، أو الفقه، أو الكلام، أو النحو، أو المنطق، أو البلاغة، على حسب ما تقع عليه يد الطالب من أوراق كثيرة تعين فيها دروس من هذه العلوم، وتوضع في ربعة، ومدة مطالعة الدرس -فيما أعرف- ست ساعات، ثم تلقى على الطالب في يوم بعد يوم الدرس تسعة أسئلة من تسعة علوم ليجيب عنها حال السؤال، والعلوم التي تطرح منها الأسئلة هي: الفقه، والنحو، والصرف، والمنطق، والبلاغة، والحساب، والهندسة، والجغرافية، والتاريخ. يتولى هذا الامتحان المشايخ النظار بأنفسهم، ويلقي الممتحنون الدروس، وتلقى عليهم الأسئلة في مجمع عام يشهده من شاء من المدرسين والطلاب وغيرهم. والذي يلاحظ: أن ليس في مواد الامتحان علم الحديث والتفسير، مع أنهما يدرسان في المعهد، ونحن نود أن يكون هذا العلمان في أول ما يجري فيه الامتحان، ولو أفضى الحال إلى مد أجل الدراسة سنتين أو ثلاثاً. ونود لو أن المشايخ النظار يأخذون بطريقة مناقشة الطلاب في درس الامتحان حتى يتضح مقدار فهم الطالب جلياً، ولتكون هذه المناقشة من دواعي مواظبتهم على الدروس، وإقبالهم على ما يقرره الأستاذ؛ ليكونوا من كل ما يلقيه على بينة.

стр. 4914

* مثل ممن تلقينا عنه في ذلك المعهد: أذكر لحضراتكم من كبراء أساتذتنا ثلاثة امتاز كل واحد منهم بناحية جعلته عبقرياً متناهياً: أحدهم: أستاذنا المرحوم الشيخ سالم أبو حاجب، حضرت دروسه عندما أخذت في قراءة الكتب العالية، فشعرت بأني دخلت في مجال أفسح للنظر، وأدعى لنشاط الفكر؛ إذ لم يكن الأستاذ مما يقصر مناقشته على عبارات المؤلفين، بل كان يتجاوزها إلى نقد الآراء نفسها، ويتجاوز النقد إلى الغوص على أسرار المباحث، دينية كانت أم عربية، ولا يترك في درس الكتب الشرعية أن يعقد الصلة بين أصول الإسلام ومقتضيات المدنية الحاضرة. ثانيهم: أستاذنا المرحوم الشيخ عمر بن الشيخ، وكان هذا الأستاذ نافذ الفكر في المباحث الغامضة، قديراً على حل المسائل العويصة، ولكنه لا يكثر من مناقشة المؤلفين وذوي الآراء، وإذا ناقش في عبارة أو رأي، فبأدب واحترام، وقد درس هذا الأستاذ كتاب "المواقف" من فاتحته إلى منتهاه، وكان يوم ختمه لهذا الكتاب يوماً مشهوداً. ثالثهم: أستاذنا المرحوم الشيخ محمد النجار، وكان هذا الأستاذ واسع الاطلاع، غزير العلم، وإذا صح لنا أن نعد الأستاذ الشيخ سالم أبا حاجب إخصائياً في علوم اللغة والنحو والبلاغة والأدب؛ لظهور رسوخه في هذه العلوم أكثر من غيرها، وصح لنا أن نعد الأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ إخصائياً في الفقه والكلام والمنطق والفلسفة؛ لظهور مكانته في هذه العلوم أكثر مما سواها، فإن الأستاذ الشيخ محمد النجار كان نحريراً في العلوم

стр. 4915

التي تدرس في جامع الزيتونة في درجات متساوية أو متقاربة. هذا ما وسع المقام من الحديث عن الحالة العلمية في جامع الزيتونة، وكانت الحكومة منذ أشهر قد ألفت لجنة للنظر في إصلاح قانون ذلك المعهد، ونرجو أن تكون اللجنة قد عملت صالحاً.

стр. 4916

الدولة الحسينية في تونس (١) بقيت البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي ولاية تابعة للخلافة في الشرق حتى تولى أمرها إبراهيم بن الأغلب بعهد كتبه له هارون الرشيد سنة ١٨٤ هـ، فأسس دولة تسمى: الدولة الأغلبية، ثم انقرضت هذه الدولة، وقامت بعدها الدولة العبيدية، ومؤسسها عبيد الله المهدي جد المعز لدين الله الذي انتقل إلى مصر وأسس الدولة الفاطمية. وخلفت الدولة العبيدية الدولة الصنهاجية، ومؤسسها بلكين بن زيري من قبيلة صنهاجة إحدى القبائل البربرية، ثم وقعت البلاد في يد عبد المؤمن بن علي، أحد أصحاب المهدي بن تومرت، فساسها الموحدون حيناً، ولم تلبث أن تولاها أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد الحفصي، فأعلن استقلاله عن سلطان مراكش من آل عبد المؤمن، وأقام بانفصاله عنهم دولة تسمى: الدولة الحفصية، ولما ذهبت ريح هذه الدولة، وتداعت إلى السقوط، أزمع خير الدين باشا -الذي كانت صناعته (القرصنة) في البحر الأبيض- الاستيلاء على تونس، وضمها إلى ممالك الدولة العثمانية، فدخلها سنة ٩٣٥، وخطب بها للسلطان سليمان القانوني. ثم أن الأمير الحفصي الذي فر من وجه خير الدين باشا استنجد بملك

стр. 4917

إسبانيا (شارلكان)، فأمده بقوة بحرية استطاع بها أن يستعيد ملك تونس، ولكن تحت الحماية الإسبانية. ثم إن علي باشا أحد ولاة الدولة العثمانية ببلاد الجزائر زحف إلى تونس فطرد منها الإسبان سنة ٩٧٧، وأخذ البيعة للسلطان سليم الثاني. وقدم بعد هذا أسطول ملك إسبانية، واستولى على تونس مرة أخرى، ونصبوا بها محمد بن الحسن الحفصي على شرط الحماية والمشاركة. ثم إن السلطان سليمان الثاني جهز أسطولاً، وبعث به تحت قيادة الوزير سنان باشا سنة ٩٨١، فأنقذ تونس من يد الإسبان، وخطب فيها باسم السلطان سليم، ووضع لحكومتها نظاماً، ثم قفل راجعاً إلى الآستانة. ومما صنع في هذا النظام: أن رتب لحراسة البلاد عسكر، وجعل على كل مئة منهم ضابطاً يلقب بالداي، وجعل لهؤلاء الضباط رئيسا يدعى: (الآغا)، وأقام لجباية الأموال والياً يلقب: (الباي)، وعهد بالسفن الحربية إلى قائد يدعى: (قبودان رائس)، أما ما سوى هذا من قضاء، أو تدبيرِ شأن، فيجتمع إليه هؤلاء الأمراء بمحضر طائفة اختارهم سنان باشا من أعيان البلاد. واستقل بالأمر بعد هذا رؤساء يلقبون بالدايات، وظهرت بعدهم الدولة المرادية، وكان رجالها يلقبون بالبايات، وصارت الولاية من بني مراد إلى المدعو إبراهيم الشريف باي الذي أقام حسين بن علي تركي (مؤسس الدولة الحسينية) كاهية له، يتولى النظر في كثير من شؤون الحرب والسياسة. وجرى بعد هذا ما دعا أهل الحل والعقد من العقلاء والأعيان ورجال العسكرية أن اجتمعوا، وبايعوا حسين بن علي تركي في ٢٠ ربيع الأول ١١١٧،

стр. 4918

وكان هذا مبدأ عهد الدولة الحسينية. وعلي تركي من "كندية" (بلد بجزيرة كريت)، وفد إلى تونس في عهد الدولة المرادية، وانتظم في الجندية إلى أن توفي سنة ١١٠٣، ونشأ ابنه حسين تحت رعاية البايات من بني مراد، وتقلب في مناصب كبيرة إلى أن بويع الإمارة كما قصصنا. ومن مآثر حسين باي: أنه شاد بمدينة تونس (المسجد الحسيني)، وأقام بجانبه المدرسة الحسينية، وأنشأ مدرسة إزاء جامع الزيتونة يقال لها: مدرسة النخلة، وبنى مدارس بالقيروان، وسوسة، وبلاد الجريد. وقام بالأمر بعده ابن أخيه علي بن محمد، وكان حسين باي قد وجه عنايته إلى تعليمه حتى أدرك في العلم منزلة عالية، وله على كتاب "التسهيل" لابن مالك شرح لا يزال موجوداً بالمكاتب التونسية. ومن مآثره: المدرسة الباشية، والمدرسة السليمانية (نسبة إلى ابنه سليمان)، ومدرسة بئر الحجار، ومدرسة حوانيت عاشور، وأقام في كل مدرسة بالحاضرة وغيرها من البلاد خزانة كتب، وكان قد بعث الشيخ حسين البارودي أحد كبار أهل العلم إلى الآستانة ليشتري له جانباً من أعز الكتب وأنفسها، ومن الأدباء الذين اشتهروا في عهده: الشاعر علي الغراب الصفاقسي، وأبو عبد الله محمد الورغي. وقام بالأمر بعده محمد الرشيد بن حسين باي، وكان عالماً بارعاً في الفنون الأدبية، وما لبث أن توفي سنة ١١٧٢، وخلفه أخوه علي بن حسين باي، كان مولعاً بمجالسة العلماء، وله مشاركة في العلوم الإسلامية، وبالأحرى: علم الحديث.

стр. 4919

ومن منشأته: المدرسة التي أقامها بجانب تربته، وملجأ (تكية) يحتوي قسمين: قسماً للرجال، وآخر للنساء، ووقف عليه ما يقوم بحاجاتهم من طعام وكسوة وفراش، ومما يذكر عنه: أنه قاد إليه بنفسه نفراً من العُمي، وأطعمهم بيده، ومن محامده: أنه هدم الحانات، ونفذ حكم الشرع في المنع من تعاطي المسكرات. وخلف علي بن حسين ابنه حمودة بن علي، قرأ هذا الأمير العلوم الدينية والأدبية، ومن مزاياه: أنه كان يفاخر بمصنوعات مملكته، ويسابق إلى لبسها، فيقتدي به رجال الدولة وغيرهم، ومن أقواله المأثورة: "الحلية للنساء لا للرجال، وزينة الرجل ماله وأعماله"، ومن آثاره: المسجد المعروف بجامع حمودة باشا (١). وقام بالأمر بعده أخوه عثمان بن علي، وتولى بعد عثمان محمود بن محمد الرشيد. وتولى بعد محمود ابنه حسين باي الثاني، وهو الذي أمر أرباب الوظائف والرتب العسكرية بتغيير زيهم على نحو ما جرى في الدولة العثمانية. وقام بالأمر بعده أخوه مصطفى بن محمود باي، وهو أول من وضع أوسمة الافتخار تصاغ مرصعة بالألماس، ومنقوشاً عليها اسم ملك البلاد. وتولى الملك بعده ابنه أحمد باي، ونحا هذا الأمير في سياسته نحو الاستقلال التام، فأنشأ مدرسة حربية بباردو، وطلب إليها أساتذة من أوروبا

стр. 4920

سنة ١٢٥٥، وأخذ في ترجمة كتب في الفنون العسكرية، وهو أول من وضع نظاماً للتعليم في جامع الزيتونة، وأقام به نحو عشرين خزانة من الكتب القيمة، وهو أول من احتفل بمولد أفضل الخليقة محمد ﵊ في المظهر الذي يقام به في الحاضرة لهذا العهد، فيشهد الملك في اليوم الحادي عشر صلاة العصر، ثم صلاة العشاء في جامع الزيتونة، وهو حافل بقراءة القرآن، ثم يعود في صبيحة اليوم الثاني عشر إلى الجامع نفسه ليحضر تلاوة قصته التي ألفها الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي. ومما يذكر في تاريخ هذا الأمير: أنه أصدر أمراً بمنع بيع الرقيق في المملكة التونسية سنة ١٢٦٢، وبعتق كل من كان بها من الأرقاء، وقد رأيت للعلامة الشيخ إبراهيم الرياحي -الذي كان يمثل في كثير من مواقفه أمام أمراء تونس موقف عز الدين بن عبد السلام في مصر والشام- كتاباً يستحسن فيه ما صنعه هذا الأمير من تحرير الأرقاء، ومنع الاتجار بهم، استناداً إلى أن أصل الاستيلاء عليهم لم يكن على وجهه المشروع، ونظراً إلى ما غلب على مالكيهم من سوء معاملتهم، وعدم الاحتفاظ بما تأمر به الشريعة من الرفق بهم، واتخاذهم كإخوان أو أبناء، وهو أول من خاطب الدولة العثمانية في مكاتبيه باللسان العربي، وكانت قبل هذا تحرر باللسان التركي. وقام بالأمر بعد أحمد باي ابن عمه محمد بن حسين الثاني، ومما يذكر به هذا الأمير: أنه وضع قانوناً أساسياً يكفل لسكان البلاد الحرية والمساواة في الحقوق، ويدعى هذا القانون: "عهد الأمان"، وقرئ هذا القانون في موكب شهده رجال الدولة، وأعيان البلاد، ومعتمدو الدول الأوربية في ٢٠ المحرم سنة ١٢٧٤، وحلف الملك في هذه الحفلة على إنفاذه.

стр. 4921

وعني هذا الأمير بتنظيم المحكمة الشرعية، فأقام دار الشريعة التي تسمى: "الديوان"، وحضر يوم فتحها بنفسه، وهو أول من استجلب أدوات الطباعة، واستعملها في البلاد التونسية، وأول من ضرب السكة باسمه جاعلاً اسمه، في أحد وجهي المسكوك، واسم السلطان العثماني في وجهه الآخر. وتولى بعد محمد باي أخوه محمد الصادق بن حسين الثاني، نظم هذا الأمير منهج التعليم في جامع الزيتونة، وأضاف إلى خزائنه التي أنشأها أحمد باي كتباً كثيرة، وأنشأ هذا الأمير مدرسة الصادقية، وهي معهد أنشأه لتدرس فيه مبادئ العلوم الإسلامية والعربية، ثم العلوم العصرية واللغات الأجنبية، وأحيا المكتبة القائمة بجوار جامع الزيتونة، وهي مكتبة عامة تدعى: (المكتبة الصادقية)، وأوسع العمل بدار الطباعة، فظهرت بها الصحيفة التي تسمى: "الرائد التونسي"، وانتخب للتحرير بها أساتذة من كبار العلماء بجامع الزيتونة، فكانت صحيفة علمية أدبية سياسية، زيادة على ما تنشره من القوانين والمرسومات الحكومية. وقام بتنفيذ مشروع عهد الأمان الذي أسسه محمد باي، وأنشأ مجالس أهلية، وألف مجلساً أعلى للنظر في مصالح الأمة. وفي عهد هذا الأمير وضعت الدولة الفرنسية يدها على تونس، ولم يلبث أن توفي سنة ١٢٩٩، وخلفه أخوه المغفور له علي باشا باي، وبعد وفاته سنة ١٣٢٠ انتقل الملك إلى المغفور له ابنه محمد الهادي باي، وعرف هذا الملك بشهامة وغيرة جذبتا إليه قلوب الأمة، وكان أثرها يظهر في شؤون الدولة بقدر الإمكان، وتوفي سنة ١٣٢٤، وورث الملك بعده المغفور له ابن عمه محمد الناصر بن محمد باي حتى توفي سنة ١٣٤٠، وخلفه المغفور له

стр. 4922

محمد الحبيب بن المأمون بن حسين الثاني، وهو الذي توفي في يوم الاثنين غرة رمضان من هذه السنة، وجلس على عرش الملك بعده حضرة صاحب الجلالة أحمد باي، وهو أحمد الثاني بن علي باي الثالث بن حسين الثاني ابن محمود بن محمد الرشيد بن حسين الأول مؤسس الدولة الحسينية. ومجمل القول: أن آثار البيت الحسيني في نشر العلوم، والمحافظة على أصول الدين الحنيف غير قليلة، وما زهت العلوم الإسلامية والعربية وغيرها في تونس، وتسابق فيها العلماء والأدباء إلى غاية بعيدة إلا بما كان يظهره أمراء هذه الدولة من العناية بالعلم ورعاية العلماء، ولولا جامع الزيتونة، وما أحيوا فيه من علوم، لبقيت تلك البلاد في عذاب من الجهالة مهين.

стр. 4923

الشعر التونسي في القرن الخامس (١) نهضة أدبية راقية، ظهرت بتونس في القرن الخامس للهجرة، نهضة أشرقت سماؤها بنجوم زاهرة، وقذفت بحارها بدرر فاخرة، ولهذه النهضة مهيئات ساعدت على نشأتها، وسمو غايتها، وبهجة أثرها. من مهيئاتها: أن للأدب في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس سوقاً قائمة في الشرق؛ أعني: العراق والشام ومصر، وسوقاً قائمة بالغرب؛ كبلاد الأندلس. وموقع البلاد التونسية بين هاتين النهضتين، بحيث يعبر عليها أدب الشرق إلى الغرب، وأدب الغرب إلى الشرق، فلا جرم أن تهز تونس نشوة البلاغة حتى تسابق في حلبة البيان بخطا واسعة المدى. ومن مهيئات تلك النهضة الأدبية: أن القيروان التي هي مبعث نورها، كانت دار العلوم بالمغرب، يرحل إليها طلاب العلم، ويغترفون من بحار معارفها الزاخرة، ومن بين علومها الزاهرة: علوم اللغة العربية وآدابها. ولا أطيل الحديث عن ازدهار هذه العلوم بالقيروان، فقد ألف في أخبار القيروان وتراجم علمائها وأدبائها كتب كثيرة، وأكتفي بأن أقول:

стр. 4924

إن من علمائها الذين عاشوا في أواخر القرن الرابع، أو أدركوا بضع سنين من القرن الخامس رجالاً يشار إليهم بالبنان؛ مثل: محمد بن جعفر القزاز صاحب المؤلفات في اللغة والأدب ونقد الشعر، وهو صاحب كتاب "ضرائر الشعر"؛ أي: الضرورات التي يجوز للشاعر ارتكابها دون غيره، ومثل: عبد العزيز بن أبي سهل الخشني؛ فقد كان من الراسخين في اللغة والنحو، وكان الشعراء الحذاق يجلسون بين يديه، ويعرضون عليه أشعارهم لنقدها. وانتشار علوم اللغة وآدابها في وطن، مما يبعث قرائح أبنائه على صناعة الشعر، ويساعدها على أن تصوغ القريض في أسلوب حكيم. ومن مهيئات تلك النهضة الراقية: أن الشعر التونسي كان له في القرن الرابع جودة وحسن بيان، ومن حذاق شعرائه: علي بن العباس الأيادي، وهو الذي وصف سجع الحمائم عند فلق الصبح في أبيات قال فيها: قد ولد الصبح فمات الدجى ... صاحت فلم ندر غِنا أم نواح ومنهم: ابن عبدون السوسي، رحل إلى صقلية، ومما قال أيام رحلته متشوقاً إلى القيروان: يا قصر طارق همي فيك مقصور ... شوقي طليق وخطوي عنك مأسور إن نام جارك إني ساهر أبداً ... أبكي عليك وباكي العين معذور عندي من الوجد ما لو فاض من كبدي ... إليك لاحترقت من حولك الدور ويدلكم على ازدهار الشعر التونسي في القرن الرابع: أنه كان في متناول بعض السيدات المهذبات؛ مثل: خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافري. وفي ذلك القرن ورد القيروان الشاعر المبدع أبو القاسم المعروف

стр. 4925

بابن هانئ، وحط بها رحله، ونال لدى المعز العبيدي حظوة وكرامة. وأديب عبقري كابن هانيء ينزل وطناً، لا بد أن يكون له في حركته الأدبية أثر مبين. ومن مهيئات تلك النهضة الراقية: أن الحضارة بالقيروان ما زالت تتقدم شوطاً فشوطًا، إلى أن أدركت في أوائل القرن الخامس غاية بعيدة، وأخذت مناظر أنيقة، فارتقت الصناعة، واتسعت طرق التجارة، وأنشئت القصور المشيدة، والمتنزهات الرائقة، فكان في بدائع المدنية وزخارف العمران ما ينمي قوة التخيل، وشماعدها على أن تسرح في حدائق فسيحة، وتصوغ المعاني في صور غريبة. ومن مهيئات تلك النهضة الأدبية: أن المعز بن باديس الذي تولى الملك سنة ٤٠٦ كان على جانب عظيم من علوم اللغة وآدابها، فكانت دراسته لآداب اللغة العربية معينة له على تقدير قيمة الشعر، وباعثة له على الاحتفال بنوابغ الشعراء؛ ويحدثنا التاريخ: أنه كان لا يسمع بشاعر بارع إلا ويدنيه من حضرته، حتى اجتمع حول قصره نحو مئة شاعر يرأسهم أستاذه ووزيره علي بن أبي الرجال. وتولى الملك بعد المعز ابنه تميم، وكان أديباً بليغاً، وقصدته الشعراء من الآفاق، فكانوا يجدون عنده من الاحتفاء البالغ ما كانوا يجدونه من والده المعز. ولا شك أن إقبال المعز وابنه تميم من بعده على الشعراء إقبالاً يفتح في وجوههم أبواب الأمل، ويجعلهم في هناءة وراحة بال، مما يزيد الهمم تعلقاً بهذه الصناعة النبيلة.

стр. 4926

ثم إن الأمة التي يجد منها الشعر أذواقاً لطيفة، وإحساساً رقيقاً، شأنها أن تحتفل بالأدباء، ولا ترفع إلا من رفعه أدبه، وذلك ما يدعو إلى التنافس في صوغ القريض، وإطلاق القرائح في مراعيه الخصيبة، وفنونه البهيجة. تجمعت هذه المهيئات بتونس، فولدت في القرن الخامس نهضة أدبية، قلما تجود بمثلها الأيام، فظهر في هذا العهد رجال أحكموا صناعة القريض، وذهبوا في فنونه كل مذهب، وأتوا بما يسترعي الأسماع، ويأخذ بالألباب. ولا يسع المقام أن أذكر من عرفتهم من شعراء ذلك العصر؛ وأورد لكل شاعر شيئاً مما قرأته له من الشعر، وإنما أريد أن أسوق شواهد على أن الشعر التونسي في ذلك العهد يساير الشعر الراقي في سائر البلاد العربية جنباً لجنب، وأن شعاره جودة التصرف في المعاني، وإيرادها في صور شيقة، ثم تخيّر الألفاظ المأنوسة الرشيقة ووضعها في سلك الوئام والائتلاف. فمن الأدباء البارزين في ذلك القرن: أبو علي الحسن بن رشيق، وشعره يدور في كتب الأدب كثيراً، ومن بديع شعره: قوله مخاطباً لشخص كان ابن رشيق قد رجاه في أمر، فساوفه فيه، ثم قطع رجاءه: رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أُمَنِّي النفس فيها الأمانيا فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا وكنت كأني نازف البير طالباً ... لإجمامها أو يرجع الماء صافيا فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا ويعجبني من شعره قوله: قد أحكمت مني التجا ... رب كل شيء غير جودي

стр. 4927

أبداً أقول لئن كسبـ ... ـت لأقبضن يدي شديد حتى إذا أثريت عد ... ت إلى السماحة من جديد وممن أحرز شهرة في ذلك العصر: أبو إسحاق المعروف بالحصري، وهو صاحب، كتاب "زهر الآداب". ومن شعره يصف سجع الحمائم في الأسحار: يا هل بكيت كما بكت ... وَرْقُ الحمائم في الغصون هتفت سحيراً والربا ... للقطر رافعة العيون ذكرتني عهداً مضى ... للأنس منقطع القرين فتصرمت أيامه ... وكأنها رجع الجفون ومن هذه الطبقة: أبو الحسن علي بن عبد الغني المعروف بالحصري أيضاً، ومن شعره السائر في الأندية قصيدته التي يقول في طالعها: يا ليلُ الصبُّ متى غده ... أقيام الساعة موعده وقد وازنها جماعة من الشعراء في القديم والحديث. ومن لذيذ شعره: قوله متشوقاً إلى صديقه أبي العباس النحوي ببلنسية من بلاد الأندلس: قامت لأنفاسي مقام طبيبها ... ذكرى "بلنسية" وذكر أديبها حدثتني فشفيت مني لوعة ... أمسيت محترق الحشا بلهيبها ما زلت أذكره ولكن زدتني ... ذكراً وحسب النفس ذكر حبيبها أهوى بلنسية وما سبب الهوى ... إلا أبو العباس أنس غريبها هب النسيم وما النسيم بطيب ... حتى يشاب بطيبه وبطيبها

стр. 4928

ومن هذه الطبقة الذائعة الصيت: محمد بن شرف، وشعره كشعر قرينه ابن رشيق، يجري في نوادي الأدب كثيراً، ومن أبدع تشابيهه قوله: إني وإن عَزَّني نيلُ المنى لأرى ... حرص الفتى خلّة زيدت على العدمِ تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم وقوله: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم هؤلاء الأدباء الأربعة: ابن رشيق، وابن شرف، والحصريين، قد طارت لهم سمعة في الشرق والغرب، وترددت أسماؤهم وأشعارهم في كتب الأدب كثيراً، وهناك شعراء أدرك أسماءهم شيء من الخمول، ولم يحفظ التدوين من آثارهم إلا قليلاً. ومن أهل هذه الطبقة: علي بن حبيب التنوخي الصفاقسي، ومن شعره يتشوق إلى ليال قضاها عند صديق كناه بابن حسين: قوله: يا ليالي في ذرا ابن حسين ... هل معاد قبل الممات إليّا قد نشرنا صحائف الحزن نشراً ... وطوينا العزاء بعدك طيّا وأطلنا البكا عليك وإني ... لعليم أن ليس يرجع شيّا فإلى الله من فراق رماني ... عنك بعد الدنو مرمى قصيّا ومن هذه الطبقة: الشاعر المعروف بالتراب السوسي، ومن رقيق شعره: قوله من قصيدة يمدح بها جبارة بن كامل المتغلب على سوسة: بات بالأبرق برق يتسامى ... فجفا الجفن لرؤياه المناما طلعت راياته خافقة ... خفقان القلب صبّاً مستهاما

стр. 4929

بذمام الحب يا برق عسى ... لك علم، حبهم أعيا الأناما آنسوا عاماً فلما ملكوا ... رِقَّ قلبي أوحشوا عاماً فعاما ومنهم: علي بن فضال القيرواني، ومما ينسب إليه من الشعر: تلك الأبيات السائرة: وإخوان حسبتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي وقالوا قد سعينا كلَّ سعي ... لقد صدقوا ولكن في فساد ولم تكن نهضة الأدب في ذلك العهد واقفة عند حد البراعة في النظم، وحسن التصرف في المعاني، بل تجاوزت هذه الناحية إلى ناحية النظر في قوانين هذه الصناعة، ووجوه نقدها، وفنون محاسنها، ففي هذا العهد ألف ابن رشيق كتاب "العمدة في صناعة الشعر ونقده"، وكتاب "قراصنة الذهب في نقد أشعار العرب"، وألف ابن شرف كتاب "مسائل الانتقاد" تعرض فيه لنيف وخمسين شاعراً، ونبه فيه لبعض أصول النقد، وألف قبلهما عبد الكريم ابن إبراهيم النهشلي كتابه المسمى "الممتع" بيَّن فيه أساليب النقد ومناحيه، ومن نظراته السامية: قوله في فصل من هذا الكتاب: "قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن في وقت مالا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه؛ وكثر استعماله عند أهله بعد أن لا تخرج من حسن الاستواء، وحد الاعتدال، وجودة الصنعة". دقت صناعة النقد في ذلك العهد، حتى نرى الأدباء يلحظون من خفي

стр. 4930

المآخذ في الشعر ما لا يتنبه له إلا ذو ألمعية متقدة، وكان المعز بن باديس نفسه يباري الأدباء في هذا المجال، فيبدي لبعض الشعراء عثرات قد يخفى عليهم مكانها، وهم من أبصر الناس بصناعة الشعر، وأدراهم بوجوه نقده، ومما يساق مثلاً لهذا: أن ابن رشيق أنشده قصيدته التي يقول أولها: تثبت لا يخامرك اضطراب ... فقد خضعت لعزتك الرقاب فعاب المعز قوله في هذا البيت: "تثبت"، وقال له: متى عهدتني لا أتثبت! أيها السادة! هذا الحديث نبهنا به لنهضة الشعر بتونس في القرن الخامس؛ وإذا كانت صروف الأيام قد جعلت البلاد بعد ذلك العهد لا تنبت من الشعراء المبدعين إلا قليلاً؛ فليس ببعيد أن يكون لتلك النهضة الفذة أثر في رقي الشعر التونسي لعهدنا هذا؛ حتى تقف تونس في صف أخواتها: مصر والشام والعراق؛ فإن القوم الذين يشعرون أن لأسلافهم ضرباً من شواهد النبل والفخار جالت فيه يد الحوادث، يجدون من الحرص على إحيائه؛ والجد في رفع بنائه، ما لا يجد مثله العاملون لإنشاء فخار لا عهد لهم به من قبل. وقد ظهر في شباب تونس اليوم أدباء ينحون في الشعر نحو الإجادة، بل الإبداع؛ وكأني بعهد الحصريين، وابن شرف، وابن رشيق، قد عاد؛ ولكن في زي يلائم روح هذا العصر؛ وأرجو أن يسير مع المدنية الفاضلة شبراً بشبر، وذراعاً بذراع؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 4931

حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية (١) * نسب ابن خلدون: هو وليُّ الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي (٢). ويتصل هذا النسب إلى وائل بن حجر الصحابي الذي وفد على النبي ﷺ ، فبسط له رداءه، وأجلسه عليه، ودعا له. ذكر ابن خلدون نسبه على هذا النسق، وقال: لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء العشرة. * دخول سلفه إلى الأندلس: كان خلدون المذكور قدم من المشرق في رهط من قومه أهل حضرموت، ونزل "إشبيلية"، وهي حمص التي يقول فيها صاحب مرثية الأندلس: وأين حمصٌ وما تحويه من نُزَهٍ ... ونهرها العذب فَيّاضٌ وملآن

стр. 4932

تفرّع آل خلدون في إشبيلية، وكانت لهم فيها زعامة ورياسة، ثم رحل جده الحسن عقب فتنة خفقت ريحها في تلك البلاد، فنزل "سبتة"، ثم أرخى زمام مطيته متوجهاً إلى مدينة "عناية"؛ لصلة كانت بين بعض أسلافه وبين صاحبها الأمير زكريا، فلقيه الأمير باحتفاء، وأدخله في سلك رجال دولته، وجرى ابنه محمد على سنته في خدمة الدولة، وأدرك ما ناله والده من وجاهة وإقبال. وانتهى أمر ابنه محمد -الذي هو الجد الأدنى للفيلسوف ابن خلدون- إلى السكنى بمدينة "تونس"، والانتظام في هيئة الدولة، وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من مدينة تونس يستعمله عليها، ولكن ابنه محمداً -وهو والد الفيلسوف المتحدث عن حياته- عدل عن مسلك السياسة وخدمة الدولة، وآثر مدارسة العلم ومجالسة الأدباء، فأصبح معدوداً في زمرة العلماء، ومشهوداً له بالتقدم في فن الأدب. * نشأة ابن خلدون في تونس: في هذا البيت -الذي تقلَّب رجاله في أطوار خطرة، ثم بسط فيه العلم أشعة باهرة- ولد أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون في غرة رمضان سنة ٧٣٢، فكانت نشأة ابن خلدون في أسرة امتطت ذرا الرياسة، وخفق فيها روح العلم والأدب، مما ساعد ذكاءه الفطري على أن يشتعل بشدة، وجعل نفسه الذكية بمقربة من الهمم الكبيرة. نشأ ابن خلدون وكانت رياض العلم في مدينة تونس زاهية، وسوق الأدب نافقة. فاستظهر بالقرآن، وتلقى فن الأدب عن والده، ثم أقبل يجتني ثمار العلوم بشغف، ويتردد على مجالسة العلماء الراسخين - مثل: قاضي القضاة محمد بن عبد السلام، والرئيس أبي محمد الحضرمي، والعلامة الأبلي -.

стр. 4933

ولم يكد يستوفي سن العشرين حتى تجلت عبقريته، واستدعاه أبو محمد ابن تافراكين المستبد وقتئذ إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحاق، وهي "الحمد لله، والشكر لله" تكتب بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم، وهذا مبدأ دخول ابن خلدون في حياته السياسية. * عزمه على الارتحال: تولى هذا العمل وهو يطوي ضميره على الرحلة من إفريقية؛ لوحشة أثارها في نفسه معظمُ شيوخه، وانطواء مجالس كانت أنهار علومها دافقة، وقطوف آدابها دانية. ويمكنك من هاهنا أن تعرف لابن خلدون وهو في شرخ شبابه مبدأ من مبادئ الفطرة السليمة، والهمة الشامخة، وهو الاستخفاف بالمقام الوجيه لدى الدولة، وإيثار ما فيه كمال نفسي ولذة روحية على مظاهر الأبهة ومواطن الراحة والنعيم. * رحلته إلى بجاية: لبث ابن خلدون بعد تقليده رسم العلامة أمداً غير بعيد حتى أمكنته الفرصة من أمنيته، وغادر تونس سنة ٧٥٣ إلى "قفصة"، ثم إلى "بسكرة"، ونزل فيها ضيفاً مكرماً لدى صاحبها يوسف بن مزني. ثم خرج منها قاصداً السلطان أبا عنان، وهو يومئذ "بتلمسان"، فصرفه عن قصد أبي عنان، وحمله على المسير معه إلى "بجاية"؛ ليغتبط بصحبته، وتزدهي بمثل ابن خلدون أيام دولته. * ابن خلدون عنه سلطان تونس: لم يكد ابن خلدون يقضي في كنف صاحب "بجاية" برهة حتى طار صيته، وعبق ذكره في حضره السلطان أبي عنان، وقد جعل هذا السلطان

стр. 4934

بعد عوده إلى "فاس" يؤلف من جلة العلماء مجلساً حافلاً، فاستدعاه من "بجاية" سنة ٧٥٥، فأكمل به نظام مجلسه العلمي، واختاره للكتابة والتوقيع بين يديه. قال ابن خلدون: "فتحملت هذا العمل على كره مني؛ إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي". * اتهامه بالمؤامرة على ما يغضب السلطان: حظي ابن خلدون لدى أبي عنان، وارتقى في دولته مكاناً علياً، فأخذ حَرُّ الحسد يلفح قلوب بعض منافسيه، فأخذوا يبيِّتون له المكايد، وينصبون له شرك السعاية، حتى استطاعوا أن يدخلوا إلى إفساد قلب السلطان عليه من باب السياسة؛ إذ رموه بالدخول في مؤامرة مع الأمير محمد صاحب "بجاية". ولتهمة الائتمار على نقض شيء مما تبنيه يد الدولة سهام لا تكاد تخسأ، إذا لم تصب المقاتل، أوهت العظم، وقلقلت الحشا، وسلبت الأجفان نومتها الهادئة، ويالأحرى حيث لم تكن قضاياها مما يوكل إلى اجتهاد محكمة عادلة، وإنما ينفرد بسماع بلاغها، ويستبد بتقدير عقوبتها أحد الخصمين الذي هو الرئيس الأعلى. * ابن خلدون في السجن: انطلت تلك التهمة على فكر أبي عنان، فقبض على ابن خلدون والأمير محمد، وزجَّهما في السجن. وكانت هذه النكبة أول ما لقيه ابن خلدون من بلاء السياسة، وأيقن بها أن إقبال الدولة سرعان ما ينقلب إدباراً، وأنَّ عزاً تبنيه للرجل صباحاً قد يأتي عليه المساء فإذا هو الدرك الأسفل من الهوان. ثم إن السلطان أطلق سبيل الأمير محمد، وترك ابن خلدون يقاسي شدة

стр. 4935

الحبس، ويتجرَّع مرارة المحنة، حتى التجأ في استعطافه وجلب مرضاته إلى وسيلة الشعر والمديح، وخاطبه بالقصيدة التي يقول في طالعها: على أيَّ حال لليالي أعاتبُ ... وأيَّ صروفِ للزمان أغالبُ وقد تنجح شفاعة الشعر لدى الحاكم المطلق، وتأتي بالأثر الذي تذهب الحجج الساطعة دونه عبثاً، وما كان من أبي عنان إلا أن هشَّ للقصيدة -وكان وقتئذ بتلمسان-، ووعد بالإفلاج عن ابن خلدون عند حلوله بحاضرة "فاس"، ولكنه لم يلبث بعد إيابه إلى الحاضرة إلا خمس ليالي، فطرقه الوجع، لقي أجله قبل أن يفي بوعده لابن خلدون. * خروجه من السجن، وولايته كتابة السر وخطَّة المظالم: وبعد مهلك السلطان بادر الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق سراح ابن خلدون من الاعتقال، وخلع عليه من الإكرام بُرداً ضافياً، وأعاد إليه ما كان يتقلده من أعمال الدولة. وعندما استلم السلطان أبو سالم زمام الملك استعمل ابن خلدون على كتابة سرِّه، وألقى إليه الأمر في إنشاء مخاطباته، فعدل بالإنشاء عن طريقة التسجيع، وأخذ به في طريق الترسل -ولم يكن كتَّاب الدولة لذلك العهد من يجيد صناعة الترسل-، فكانت هذه المزية من أسباب تفوقه، وإحرازه قصب السبق في حلبة البيان والتحرير. ولم تزل مكانته لدى أبي سالم راضية، ولم تزحزحه سعاية ابن مرزوق -التي تناولت أكثر رجال الدولة- عما كان يتولاه من كتابة السر، وإنشاء المخاطبات، بل لم تقف في سبيل تقليده خطةَ المظالم آخر عهد الدولة، حتى ثار الوزير عمر بن عبد الله على السلطان، ونبذ الناس بيعته من أعناقهم.

стр. 4936

* ابن خلدون في دولة الوزير عمر بن عبد الله: وقع زمام الحكم في قبضة الوزير عمر بن عبد الله، وكانت بينه وبين ابن خلدون قبل توليه أمر الدولة مودة وصحبة، فأقره على ما كان يتولاه من العمل، وزاد في جرايته. وكان ابن خلدون يطمح بطغيان الشباب إلى غاية أسمى مما يتولى من الأعمال، وفي أمله أن عناية صديقه المقتدر لا تتريث في إسعافه ببغيته. ولما لاح له أن الوزير أخلَّ بعهد الصحبة، أخذه الاستياء من تقصيره إلى أن انقطع عن دار السلطان وهجرها إدلالاً بسابق المودة، ولكن منصب الوزارة أنسى عمر بن عبد الله أن من أساليب عتب الأصدقاء وتذكيرهم بحق أغمضوا عنه هجرهم من غير جفاء، وصرف القدم عن زيارتهم لا عن ملل، ولم يشأ منصب الوزارة إلا أن يفهمه أن تقاعد ابن خلدون عن مقر السلطان زلةٌ، جرَّه إليها تعاظمه، وقلة وفائه بما يستحق مقام الرياسة العليا من إكبار وخضوع، فبدلاً من أن يرعى الوزير مقام الصداقة، ويجعله أرفع مكاناً، وأقوى سلطاناً من مقام الرياسة، أخذته نخوة السلطة، وقابل هجر العتاب والإدلال بهجر الجفاء والتقاطع. ولما رأى ابن خلدون منه التنكر، والإصرار على الإعراض عنه، استأذنه في العود إلى أفريقية، فلم يجز له ذلك، وشدَّد في منعه، حتى دخل عليه يوم عيد الفطر، وخاطبه بقصيدة يقول في طالعها: هنيئاً لعيد لا عراه قبول ... وبشرى لعيد أنت فيه منيل فحلت هذه القصيدة عقدة من إبائه، وأذن له في السفر، على شرط أن لا يتخذ سبيله إلى "تلمسان"؛ كراهة أن يتصل بصاحبها أبي حمو، ويشتد به أزر دولته.

стр. 4937

* رحلة ابن خلدون إلى الأندلس: احتمل ابن خلدون هذا الشرط، ووليَّ وجهه شطر الأندلس وافداً على السلطان ابن الأحمر بغرناطة. ولما بات بمقربة منها، وافته من وزيرها لسان الدين بن الخطيب رسالة يهنئه فيها بالقدوم، ويعبِّر بها عن شدة ابتهاجه للقياه، ووضع في صدر الرسالة أبياتاً -على سنة من يجيد صناعتي الشعر والنثر-، وهي: على الطائر الميمون والرحب والسهل ... حللت حلولَ الغيثِ في البلد المحْلِ يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المعصب والكهل لقد نشأت عندي للقياك غبطةٌ ... تُنَسي اغتباطي بالشبيبة والأهلِ * إرساله سفيراً إلى ملك الإسبان: نزل ابن خلدون من السلطان ابن الأحمر منزلة الاحتفاء والإنعام، وندبه للسفارة بينه وبين ملك الإسبان، فعرف الملك قيمته، وأعجب بكماله ومقدرته، حتى دعاه إلى الإقامة معه بدار ملكه "إشبيلية"، ملتزماً له بأن يرد عليه ما كان لسلفه من أملاك، فرفض ابن خلدون هذه الدعوة، ولم يكن ممن يشغفه المال حبًا، فيؤثره على المقام بين أمته التي يشرف بشرفها، وينحط شأنه بانحطاط سمعتها. * تنكر وزير الأندلس له: حاز ابن خلدون لدى ابن الأحمر رعاية ضافية، فجأش الحسد في نفوس بعض معاديه، وطفقوا يُسرون لابن الخطيب ما يزلزل الصداقة بينه وبين ابن خلدون، حتى اغبرَّ صدره، وبدا عليه انقباض أحسَّ به ابن خلدون، فجعل وجه البلاد في عينيه قاتماً، ولم يسعه بعد تنكر ابن الخطيب -وهو

стр. 4938

القابض على مقاليد الدولة- إلا أن يعتزم على الرحلة، واتفق أن وافته كتب من أبي عبد الله صاحب "بجاية" يستدعيه للقدوم عليه، فاتخذها ذريعة لاستئذان السلطان في الانصراف إلى أفريقية دون أن يطلعه على ما كان بينه وبين ابن الخطيب، فامتعض في مبدأ الأمر ضَناً بفراقه، ثم ادكر أن للحنين إلى الوطن حكماً لا يغالب، فأذن له بالظعن، وأصدر في تشييعه مرسوماً من إملاء ابن الخطيب، يشهد له فيه برفعة القدر، واستقامة السيرة، والتحقيق في العلم، ويوصي قواد الدولة وأعوانها برعايته وإسعافه في كل حال. * سفره الثاني إلى بجاية: سافر إلى "بجاية" سنة ٧٦٦، وأقيمت له يوم مقدمه حفله مشهودة، فأركب السلطان خاصته لاستقباله، وهرع إليه أهل البلد بنفوس متعطشة إلى لقائه، وانهالوا يمسحون أعطافه، ويلثمون يده. فاجتمع له في هذا الاحتفال إقبال الدولة، وانعطاف الأمة، وهما لا يجتمعان لشخص بانتظام إلا حيث تكون الدولة رشيدة، وإذا كانت الدولة قد تقبل على غير عظيم، فإن الأمة لا تخلع عطفها وإجلالها إلا على من تقدر عظمته، وتثق بإخلاصه. * ولايته الحجابة لسلطان "بجاية": تقلد ليوم خلا من قدومه منصب الحجابة، وهي لدى دول المغرب: الاستقلال بإدارة شؤون الملك، والانفراد بالوساطة بين السلطان وبين أهل دولته. بيد أنه استلم زمام السياسة بعد أن نشأت بين السلطان أبي عبد الله وابن عمه أبي العباس صاحب "قسنطينة" فتنة نفدت التدابير دون إطفائها، وما برحت تتأجج إلى أن كانت عاقبتها قتل أبي عبد الله، واستيلاء أبي العباس على "بجاية".

стр. 4939

خرج ابن خلدون باسطاً يد الطاعة إلى أبي العباس، ولقي منه احتفاء وإنعاماً، وسرعان ما أنكفأت عقارب السعاية به تدب حول السلطان، فلم ينشب أن استأذنه في الانصراف، فأجاب طلبه بعد تمنع، وارتحل حتى عرَّج على "بسكرة"؛ لصحبة كانت بينه وبين أميرها أحمد بن يوسف بن مزني. * انصرافه إلى العلم: وما كان يمتحن به ويقاسيه من مشاكسة المنافسين له في مقاعد الرياسة، ونصبهم حبائل السعاية به، ثم تنكر السلطان له بعد الرعاية والإقبال، صرفَ قلبه عن التعلق بأسباب السياسة، وجعله يفرغ همته في تحقيق العلوم ودراستها. ومن أجل هذا قعد عن السفر إلى أبي حمو صاحب "تلمسان" حين استدعاه ليقلده الحجابة وكتابة العلامة، ووجه إليه أخاه يحيى ليقوم بعمل هذه الوظيفة مكانه. * المراسلة بينه وبين الوزير ابن الخطيب: بعث إليه الوزير ابن الخطيب من "غرناطة" برسائل يشكو فيها مضض النوى، ويتلهف على عهد اللقاء. وقلوب الأصدقاء قلَّما تتصدع بحزازات الوشاية، وتعود إلى عنفوان ودها الصميم، ولكن الرقة الدافقة على ذوق ابن الخطيب، والأدب المنسجم في مزاج خلقه الرصين، ذهبا بأثر ما سعى به إليه قوم لا يفقهون، ونهضا به إلى تأكيد صداقة انتظمت بينه وبين رجل يدانيه علماً وأدباً، ويضاهيه في طرق التفكير، والعمل لرقي نظام الاجتماع. وإذا كانت الرسائل مثالاً لمنهج الرجلين في المحاورة ساعات اللقاء، فإن هذه المراسلة تنبئك أن المجالس التي كانت تعقد بين هذين الوزيرين

стр. 4940

الخطيرين لم تكن مضمار علم وأدب فقط، بل كانت ممتعة بالنظر في الشؤون السياسية الداخلية والخارجية، فقد أتى ابن الخطيب في بعض هذه الرسائل على تفاصيل من أحوال الدولة بغرناطة، وألم فيها بأنباء عن دولة الإسبان في إشبيلية. وكذلك تجد ابن خلدون تعرض في الجواب عن تلك الكتب لحوادث دول شتى: فنسق فيها قسطاً من الحديث عن شؤون دول: تونس، والجزائر، والمغرب الأقصى، والحجاز، ومصر. ولو أن علماء الإِسلام أخذوا في هذا السبيل أينما كانوا، ومدوا جانباً من عنايتهم إلى الاطلاع على تصاريف الدول ومجاري سياستها، لبلغوا منتهى السؤدد، وبرئوا من تبعة وقوع الشعوب الإِسلامية في هذا البلاء المبين. * مساعيه السياسية وهو في بسكرة: أقام ابن خلدون في "بسكرة" مقبلاً على دراسة العلم، ولم ينكث يده مع ذلك من التدخل في شؤون الدولة، فكان يشايع أبا حمو صاحب "تلمسان" حين نهض يجلب بخيله ورجله على "بجاية"، فكان وسيلة إلى توثيق عرا الصلة بينه وبين السلطان أبي إسحاق صاحب "تونس". وحمل بعض القبائل على مناصرته حتى سار إليه بطائفة من قبيل "الذواودة"، والتقى به في البطحاء، ثم قفل معه راجعاً إلى تلمسان، إذ بلغ أبا حمو أن السلطان عبد العزيز صاحب "المغرب الأقصى" يتحفز للوثوب على "تلمسان". ولما اقتربت ساعة استيلائه عليها، وأخذ أبو حمو في أهبة الانجلاء عنها إلى الصحراء، اعتزم ابن خلدون على الارتحال إلى الأندلس، وحمله أبو حمو رسالة إلى ابن الأحمر صاحب "غرناطة"، فاتصل نبأ سفره بالسلطان عبد العزيز، ونمى إليه أنه يحمل وديعة إلى ابن الأحمر، فأنفذ إليه سرية اعترضت سبيله، فلم تلق عنده ما يحقق هذه
следующие страницы →