فلا أورط الأزهر في شيء، ولا أبغي من ورائه مالاً أو قصوراً أو جزاءاً.
رحم الله فضيلة الشيخ، وأنا أشهد بأنني حضرت عليه، وأنه والد لي، وأضمه إلى جميع الذين تلقيت عنهم العلم فملؤوني عزة وكرامة).
стр. 4867
كلمة الدكتور عبد الصبور شاهين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
(هذه أول مرة أعلم للأستاذ الأكبر محمد الخضر حسين له في مصر قرية، وقد كنت أتخذه دليلاً على قضية أؤمن بها وهي أن العالم الإِسلامي كله قرية متكاملة لا تتميز، وأنه ليس من الغريب أن يكون العالم التونسي الشيخ محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر؛ لأن الأزهر ليس مؤسسة مصرية ولكنه معقل الإِسلام، وكل عالم جدير بأن يؤم المسلمين وصالح لأن يكون شيخاً للأزهر، ولكن الناس وقد غاب هذا المعنى، فهموا أن هذه المسألة غريبة جداً أن يكون تونسي شيخاً للأزهر).
стр. 4868
فقيد الإِسلام والعروبة (١)
انتقل إلى جوار ربه شيخ الجامع الأزهر السابق وعضو جماعة كبار العلماء وعضو المجمع اللغوي ورئيس جمعية الهداية الإِسلامية شقيق السيد زين العابدين التونسي من كبار العلماء بدمشق والسيد محمد المكي بن الحسين من كبار العلماء بتونس، وعم السادة كاظم المدرس بدمشق وعلي الضابط بحلب وأحمد بالجيش السوري وعبد الرحمن وحسين الطالبين بدمشق، وحمادي ومحمد علي نجلي الشيخ حسونة بتونس، وجد محمد بوزارة الدفاع السعودي والطيب صالح التونسي مدير سلاح الصيانة السعودية وعبد الرحمن صالح بالبعثة التعليمية بالرياض، وصهر الشيخ محمد سحنون الجزائري من طلبة العلم بالمدينة المنورة ومحمد الشريف بالطائف وقريب عائلات عمر وعزوز بجمهورية تونس ومدكور بمصر والبطران بالجيزة.
وسيصلى على الفقيد اليوم بالجامع الأزهر على أثر صلاة الظهر، ثم يشيع جثمانه إلى مقره الأخير بالإمام الشافعي، ويدفن مع صديقه الأوفى المغفور له أحمد تيمور باشا بمدفن الأسرة التيمورية تنفيذاً لوصيته، وتقام ليلة المأتم أمام منزله رقم ١٦ شارع صفية زغلول، تغمده الله بواسع رحمته.
"جريدة الأهرام - العدد ٢٥٩٨٨ - الاثنين ١٤ رجب ١٣٧٧ - ٣ فبراير ١٩٥٨"
стр. 4869
نعي من مشيخة الأزهر
مشيخة الأزهر تنعي بمزيد الأسى إلى العالم الإِسلامي والعربي المغفور له فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر السابق.
اختاره الله لجواره بعد حياة حافلة بالآثار الطيبة والجهاد في سبيل العروبة، وهي إذ تنعاه تفقد بوفاته علماً من أعلام الإِسلام. تغمده الله العلي الكبير بواسع رحمته، وأجزل له المثوبة وأكرم مثواه جزاء ما قدم للعلم والدين.
"جريدة الأهرام - العدد ٢٥٩٨٨ - تاريخ ٣/ ٢/ ١٩٥٨"
стр. 4870
نعي من سفارة الجمهورية التونسية بالقاهرة
تنعي سفارة الجمهورية التونسية إلى العالم العربي الإِسلامي فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر سابقاً.
كان رحمة الله عليه من المجاهدين الأوائل الذين أرسوا دعائم الحركة الوطنية التونسية، وممن شردهم الاستعمار عن وطنهم، فهاجر يحمل صوت بلاده إلى مختلف الأقطار، حتى استقر به الطواف في مصر الشقيقة حيث واصل نشاطه في سبيل الإِسلام والعروبة.
﵀ رحمة واسعة وأقر عين الإِسلام والعروية بما كان الشيخ الخضر يأمله لهما.
"جريدة الأهرام - العدد ٢٥٩٨٨ - تاريخ ٣/ ٢/ ١٩٥٨"
стр. 4871
نعي من مجلة "لواء الإِسلام "
استأثرت رحمة الله تعالى بعلم من أعلام الإِسلام المجاهدين الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر ورئيس مجلة لواء الإِسلام السابق.
ومجلة لواء الإِسلام تنعي إلى العالم الإِسلامي عالماً جاهد في سبيل الله بقلمه ولسانه ونفسه، وإماماً من أئمة السلف الصالح في خلقه وورعه وزهده وتقواه، طرح الدنيا في سبيل عزة الإِسلام وكلمة الحق. تغمده الله بواسع رحمته، وعوض الإِسلام فيه خيراً.
"جريدة الأهرام - العدد ٢٥٩٨٨ - تاريخ ٣/ ٢/ ١٩٥٨"
стр. 4872
شكر الأزهر
مشيخة الأزهر تذكر بخالص الشكر وعظيم التقدير جميل مواساة السيد الرئيس جمال عبد الناصر والسيد الرئيس شكري القوتلي لتفضلهما بايفاد مندوبين للاشتراك في تشيع جنازة المغفور له فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق. ونرجو الله أن يديم لهما نعمة العافية.
كما تقدم عظيم شكرها لكل من تفضل بالتعزية، ولا سيما السادة الوزراء والسفراء ورجال الأديان والتعليم وسائر الهيئات. ونسأل الله أن يجزيهم أحسن الجزاء.
"جريدة الأهرام - العدد ٢٥٩٩٠ - تاريخ ٥/ ٢/ ١٩٥٨"
стр. 4873
خطبة تأبين من العلامة الشيخ محمد العزيز جعيط
أما بعد:
فيا عباد الله، إن موت العلماء الراسخين ثلمة في الإِسلام، تثير الانزعاج والأحزان والآلام، ذلك أنهم الذابّونَ عن الدين، الحارسون له من كيد الكائدين الذائدون عنه افتراء المفترين، وتحريف المبطلين. يجتهد العلماء الأبرار في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، في دفعهم إلى سلوك ما يفضي إلى الابتهاج والحبور، وينقذهم من الشرور والثبور، ويدأبون على تخليصهم من الأوهام الباطلة، ويغرسون في نفوسهم الأخلاق الفاضلة، ويبذلون ما استطاعوا لانتشالهم من الأيدي العاتبة الصائلة.
فهم ما بين مقاومة للطغيان، ونشر للعرفان، وإعزاز للأوطان، اشتهر من هؤلاء جماعة من الأخيار، في مختلف الأقطار، على مرور الأعصار، ويعد من بين هذا الفريق بحق العلامة النظّار، ابن هذه الديار، الشيخ الخضر الحسين الرفيع المقام، الذي وافاه الحمام، في هذه الأيام. فأثار نعيه لعارفيه الآخذين عنه الأسف والسقام، إذ كان ﵀ كنيفاً ملئ علماً، وعبقرياً فإنْ نبلاً وفضلاً وفهماً، مصلحاً صادقاً لا يخشى في الحق لوماً ولا هضماً، رحل عن هذه الديار، فراراً من بغي الاستعمار، واستنكافاً من تحمل الذل والصغار، بعد ما أرّج الأرجاء التونسية بذكره المعطار، واشتهر علمه اشتهار الشمس في رابعة
стр. 4874
النهار، وتدفقت تحريراته العلمية الإصلاحية المزرية بالأزهار، وما أن رحل إلى الربوع الشرقية حتى تلقته بالإجلال والإكبار، ورسمته في سلك علمائه الكبار، فأخذ يبث مختلف العلوم، ويحل منها المعكوم والمختوم، وينشئ الرسائل والتآليف الفاضحة زيغ الزائغين، ويقوم اعوجاج المتنطعين، ويبذل في نهوض الأوطان عصارة الفكر وسحر البيان، فولته مصر اعترافاً بفضله مشيخة الأزهر الرفيعة الشأن، فاقدروا أيها الإخوان هذا العالم الراحل حق قدره، وسلوا الله أن يجزيه جزيل ثوابه وأجره، وتأسوا به في طلب العلم وشد أزره (١).
стр. 4875
طود هوى
ورد نبأ من القاهرة يعلن وفاة علم من الأعلام الذين أنبتهم وطننا التونسي، ثم قدمهم إلى الشرق العربي مفاخراً ومعتزاً.
هذا العلم هو فضيلة العلامة الجليل والبحاثة الفذ والنبراس المنير، شيخ الشيوخ، وطود الرسوخ، الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر السابق، وعضو هيئة كبار العلماء في الجامعة الأزهرية، وعضو المجمع اللغوي العربي بمصر.
والفقيد على مكانته العلمية الفائقة رجل عمل وإصلاح، طوى حياته على تقوى ورضوان من الله، يخشى ربه، ويقدر واجبه كعالم، ويعمل لصلاح أحوال الإِسلام والمسلمين في نطاق الدين وفي دائرة ما أمر به الله.
لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يأبه لما قد يصيبه بعد قولة الحق. وقد لازمته هذه الخلال الطيبة منذ عهد شبابه، ودفعت به إلى الهجرة من وطنه ومسقط رأسه، فجاب البلاد الإِسلامية المختلفة عاملاً في سبيل ما أخذ نفسه من العمل لصلاح أحوال المسلمين وجمع شتاتهم، جاعلاً نصيباً كبيراً من سعيه موقوفاً على خدمة وطنه الأصلي وخدمة بنيه الذي يحطون رحالهم في أي بلد يكون فيه. وكان من نتائج جهاده في سبيل تونس أن حكم عليه قضاء الاستعمار بالموت غيابيًا، وباستصفاء مكاسبه في مسقط رأسه، فما أبه لذلك
стр. 4876
وما صده قضاء الاستعمار عن المضي في سبيله الذي اختطه لنفسه، والذي حافظ على السير فيه إلى آخر نفس من حياته.
ومنذ أسابيع قليلة تلقى أحباؤه وعارفوا فضله الجم بسرور بالغ وشكر جزيل نبأ الدعوة الكريمة التي وجهها إليه فخامة رئيس الجمهورية، وتقبلها فضيلته قبولًا حسناً على أمل أن يلبيها في شهر مارس المقبل. ولكن المنية عاجلته، وحالت بينه وبين أن يرى التقدير اللائق بمقامه وعرفان الجميل من وطنه الذي سيعرب له عنه باسم هذا الوطن العزيز فخامة رئيس الجمهورية.
﵀ رحمة واسعة، وأغدق على مرقده الطاهر شآبيب الرضوان، وأسكنه فسيح الجنان مع الأبرار والصديقين، جزاء ما قدمه للعلم والإِسلام والمسلمين من جليل الخدمات (١).
стр. 4877
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٢٠)
«توْنس وَجامِعُ الزَّيْتُونَة»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 4878
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 4879
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
لئن كان العلامة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين لم يدع باباً من أبواب العلوم الدينية والعربية إلا زانه، ولئن كان - رضوان الله عليه - علَماً إسلامياً خفاقاً في العالم الإسلامي أجمع، يجاهد في ميادينه الواسعة بقلمه وفكره، فإنه ﵀ كان دائم الذكر والحنين لتونس التي ولد فوق أديمها الطاهر، وتحت سمائها الصافية، من أسرة شرف وعلم، فخصَّها ببعض الدراسات والتراجم لبعض عظماء رجالها ومعاهدها، وازدهارها العلمي والأدبي، مما يطالعه القارئ في هذا الكتاب.
ففي الجنوب التونسي "نفطة" ولد الإمام ﵀، وفي تونس العاصمة، وفي جامعها الإسلامي "جامع الزيتونة" - الذي حفظ وحافظ على دين وعروبة المغرب العربي الكبير، بما دفع من أجيال مؤمنة قادت الثورات، فحررت الأرض، وحمت العرض، في هذا الجامع دَرَسَ ثم درَّس، وتولى القضاء في "بنزرت": وخاض غمار الصحافة، وأسس مجلة "السعادة العظمى"، فأغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي، ولم يدع درباً إلا سلكه في سبيل تحرير تونس، فألهب حماسة الجماهير فوق منابر المساجد والميادين، وفي الدروس الخاصة والعامة، وبثَّ في طلبة العلم روح النضال، ولما شعرت دولة الاحتلال بالأثر الذي أحدثه في الجماهير، لا حقته، وضيقت
стр. 4880
عليه السبل، فخرج فراراً بدينه إلى الشرق حاملاً قلمًا بليغاً، وعقلاً مؤمناً، يتابعه حكم بالإعدام أصدرته السلطة الفرنسية، وحطَّ به الترحال في دمشق؛ ليتابع فيها جهاده الكبير.
بعد رحيله إلى القاهرة لاجئاً سياسياً عام ١٩٢٠، بدأ هناك بالعمل السياسي إلى جانب الدعوة إلى الإسلام، وكانت داره "سفارة" تونس في القاهرة، يؤمها الأحرار والمناضلون من أبناء المغرب، وأسس "رابطة تعاون جاليات أفريقيا الشمالية"، فعقدت المؤتمرات، وشرحت قضايا المغرب العربي للعالمين العربي والإسلامي. وأنشأ "جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية" التي قامت بدور هام وفعال في توحيد نضال أبناء المغرب العربي -تونس والجزائر والمغرب-، وكانت إحدى الطعنات التي مزقت صدر الاستعمار الفرنسي.
والحديث عن الكفاح السياسي للعلامة محمد الخضر حسين لا تسعة هذه المقدمة، وإنما نتركه لكتاب يضم أمثولة عالم مجاهد، له في ميادين الدين جولات، وفي ميادين الدولة صولات (١).
والحنين إلى تونس نجده في شعر الإمام، وهو على كثرته -فإننا نكتفي- بأبيات نوردها من ديوانه "خواطر الحياة": وتحت عنوان "أنباء تونس" قال: عندما زاره أحد الأدباء القادمين من تونس إلى القاهرة:
أمحدِّثي رُبيّتَ في الوطن الذي ... رُبيّتُ تحتَ سمائه وبلغتُ رشدا
وجنيتَ زهْرَ ثقافةٍ من روضةٍ ... كنتُ اجتنيتُ بنَفسجاً منها ووردا
стр. 4881
هاتِ الحديثَ فإنني أصبو إلى ... أنباء تونسَ من صميمِ القلب جِدّا
والروضة في البيت الثاني هي جامع الزيتونة.
وكان أمير شعراء تونس الشاذلي خازندار قد بعث إلى المؤلف قصيدة مطلعها:
يزجي القوافيَ بين الأنجم الزُّهْرِ ... تحنانُ تونسنا الخضراء (للخِضْر)
فأجابه المؤلف بقصيدة نقتطف منها الأبيات التالية:
دَرَيتَ حقاً وما أدراكَ أنّيَ من ... حرِّ اشتياقي إلى الخضراء في ضَجَرِ
من لي بأن أردَ الأرض التي صدرتْ ... منها وأفتح في أرجائها بصري
هناكَ ما شئتَ من علمٍ ومن أدبٍ ... ومن حدائقَ تؤتي أطيب الثمر
ومن قصيدة أجاب بها على أبيات بعث بها إليه صديقه الحميم العلامة محمد الطاهر بن عاشور يذكر فيها تونس:
فأين ليالينا وأسمارها التي ... تُبَلُّ بها عند الظّماءِ كبودُ
ليالٍ قضيناها بتونسَ ليتها ... تعودُ وجيشُ الغاصبينَ طريدُ
ومن قصيدة راسل بها الأديب التونسي محمد المأمون النيفر رداً على أبيات بعث بها إلى الإمام:
ذكرتُ ربي المرسى الأنيقة والصَّبا ... تذيعُ شذا أزهارها البهجاتِ
وسامرَ آدابٍ حسانٍ كأنّهُ ... مراتعُ ما بالقاعِ من ظَبياتِ
وروضةَ علمٍ كنتُ أجني ثمارَها ... وأرشِفُ منها أعذَبَ اللَّهجاتِ
ومن قصيدة في محاورة شعرية مع صديقه الشيخ علي النيفر قال:
стр. 4882
طلعتَ علينا واشتياقي لتونسٍ ... يقلب جمراً بين جنبيَّ واقِدا
وفي حب الوطن ينشد:
وطني علَّمتني الحبَّ الذي ... يدعُ القلبَ لدى البينِ عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدرٌ ... وغدا الشرقُ من الغربِ بديلا
عزمةٌ قد أبرمتها همةٌ ... وجدَتْ للمجدِ في الظَّعنِ سبيلا
أنا لا أنسى على طولِ النَّوى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
في يميني قلمٌ لا ينثني ... عن كفاح ويرى الصَّبرَ جميلا
وللإمام قصيدة (تحية الوطن) قالها متشوقاً إلى تونس ومن فارقهم بها من الأصدقاء:
حيّا ربى تونس ذات الزهور ... عهد السُّرور
وافترَّ في طلعة تلك القصور ... أنس البدور
يا نسمة ماست كشارب راح ... قبل الصباح
هُبي وهاتي نفح أنس قَراح ... يشفي الجراح
هذا الحب الصادق لبلد رأى النور في رحابه، وتلقى العلوم في معهده العظيم جامع الزيتونة، وفي ميادينه سطر الصفحات الأولى من كفاحه الإسلامي المشهود له. هذا الحب كان له أثره الكبير في توجيه الإمام مجلة "الهداية الإسلامية" التي أصدرها في القاهرة في ثلاث وعشرين سنة إلى التعريف بتونس ورجالها وثقافتها (١)، وفتح صفحاتها أمام كبار العلماء والكتاب
стр. 4883
التونسيين؛ أمثال: الإمام محمد الطاهر بن عاشور، والعالم محمد البشير النيفر، وغيرهما.
وقلّما نجد جزءاً من المجلة لا يضم اهتماماً بتونس، وأثراً لها.
والحمد لله رب العالمين
علي الرّضا الحسيني
стр. 4884
فقهاء تونس (١)
ألقيت نظرة على تاريخ الفقه في تونس، واستخلصت منه هذا الحديث: وإذا تحدثت عن فقهاء تونس، فلا أتحدث عمَّن يحفظ أقوال أهل العلم ويلقيها في الدرس، أو يجمعها في كتاب على نحو ما حفظها، وإنما أتحدث عمَّن درس أحكام الشريعة، وعرف وجه ارتباطها بأصولها، وإذا تجددت حادثة، استطاع أن يرجع إلى دلائل الشريعة، ويستنبط لها حكماً ينطبق عليها.
أخذ الفقه الإسلامي يدخل البلاد التونسية منذ ابتداء فتحها في عهد معاوية بن أبي سفيان؛ فقد توارد عليها أيام الفتح جماعات من الصحابة والتابعين والمتفقهين في الدين؛ مثل: عبد الله بن الزبير، وعقبة بن نافع، وينبئنا التاريخ: أن الفقه كان في عهد عمر بن عبد العزيز يتلقى في تونس على طريق الدراسة والتعليم، فإن هذا الخليفة ندب عشرة من أعيان التابعين، وبعث بهم إلى أفريقية ليعلموا البربر واجبات الدين وأحكامه، ومن بين هؤلاء الأعيان: عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وهو أول من ولي القضاء بالقيروان، وكانت مدينة القيروان يومئذ مقر الإمارة، فأصبح جامعها الذي أسسه الفاتحون
стр. 4885
الأولون معهداً للعلوم الإسلامية، ومصدراً للفتاوى والأحكام.
وأخذ أهل تونس يرحلون إلى الشرق لتلقي علوم الشريعة، ومن هؤلاء الراحلين: عبد الرحمن بن زياد المعافري، فتلقى العلم عن جماعة من التابعين، وكان من رفقائه في طلب العلم الخليفة أبو جعفر المنصور، ثم عاد عبد الرحمن إلى القيروان بعلم غزير.
ورحل بعد هذه الطبقة طائفة أخذوا عن الإمام مالك وغيره من الأئمة، ثم عادوا إلى تونس بعلم واسمع؛ مثل: علي بن زياد، وهو أول من دخل تونس بموطأ مالك بن أنس، ومثل أسد بن الفرات الذي تلقى العلم عن مالك بالمدينة، ثم عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة بالعراق، وعاد إلى تونس وهو على علم بأصول مذهبي مالك وأبي حنيفة وفروعهما، وهذا الفقيه هو البطل الذي فتح صقلية في عهد الأغالبة، فجمع بين القضاء العادل، وقيادة الجيوش المظفرة.
وما أتى على تونس مئتا سنة من الهجرة النبوية إلا وقد ظهر فيها أعلام بلغوا الذروة في الفقه، وأحكموا صناعة القضاء
وظهر بعد هؤلاء الذين لاقوا مالكاً طبقة أشهرهم: الإمام عبد السلام ابن سعيد المعروف بسحنون، نشأ سحنون وشبّ في القيروان، ثم رحل إلى مصر، وتلقى فقهاً كثيراً عن ابن القاسم، وألف كتاب "المدونة"، وعنه انتشر مذهب مالك في تونس، بل في المغرب كله، وتخرج بين يديه رجال خدموا الفقه بالاستنباط والتدريس والتأليف.
هذا هو الأساس الذي ارتفع عليه صرح الفقه في تونس، واستمر جامع القيروان يخرج للناس أكابر الفقهاء الذين بلغوا درجة الاستنباط أو الترجيح
стр. 4886
بين الآراء، وألفوا فأحكموا صناعة التأليف، كما أخرج في المئة الثالثة محمد ابن إبراهيم بن عبدوسي، والقاضي موسى بن عمران المعروف بالقطَّان، وأخرج في المئة الرابعة عبد الله بن أبي زيد صاحب كتاب "النوادر"، وأخرج في المئة الخامسة عبد الحميد المعروف بابن الصائغ، وعلي بن محمد المعروف باللخمي، وعبد الخالق السبوري.
وبين أيدي هؤلاء الأساتذة تخرج الإمام محمد بن علي المعروف بالمازري، فازدهرت بعلومه المئة السادسة.
وفي أواخر المئة السادسة انتقل كرسي الإمارة إلى مدينة تونس؛ حيث اختارها عبد المؤمن بن علي وخلفاؤه مقراً للإمارة، وأصبحت الحركة العلمية تنمو في هذه المدينة إلى أن صار جامع الزيتونة محطَّ رحال طلاب العلم بدل جامع القيروان.
وظهر في المئة السابعة علماء أجلاءة مثل: أبي أحمد المعروف بابن زيتون، وهو أول من أظهر بعد عودته من الشرق مؤلفات فخر الدين الرازي في الأصول، ودرسها بتحقيق.
وظهر في المئة الثامنة أعلام يشار إليهم بالبنان؛ مثل: محمد بن عبد السلام الهواري، ومحمد بن هارون الكناني، وتحدث أبو عبد الله المقري قاضي فاس عن زيارته لتونس في ذلك العهد، وذكر لقاعه لهذين الإمامين، ثم قال: "ولقيت غير واحد من علمائها".
ومن تلاميذ محمد بن عبد السلام: أبو عبد الله محمد بن عرفة، وأبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وتخرج في دروس ابن عرفة علماء ازدانت المئة التاسعة بدراساتهم وآرائهم ومؤلفاتهم؛ مثل: أبي عبد الله
стр. 4887
الأبي، وأبي القاسم البرزلي.
وجرت في تونس بعد هذا فتن وحروب عطلت سير العلم، وأتلفت كثيراً من خزائن الكتب حتى كادت المئة العاشرة تنقضي دون أن يكون هنالك رجال لهم في الفقه أقدام راسخة، وأنظار ثاقبة.
وفي آخر المئة العاشرة التحقت تونس بولايات الدولة العثمانية. ويقول المؤرخون: أول من كسا القضاء فيها عظمة وكرامة بعد الاستيلاء العثماني: أبو الحسن النفاتي المتوفى سنة ١٠٤٩.
وكان القضاة بعد هذا يبعثون من البلاد التركية، وهم متفقهون على مذهب أبي حنيفة، وورد غيرهم من العلماء، فشدوا أزر النهضة العلمية، فسارت في قوة ونشاط، وأخذت تونس تخرج كبار الفقهاء؛ مثل: الشيخ محمد زيتونة، والشيخ محمد سعادة.
ومن هنا رأى الأمير محمد حسين باي أن البلاد في غنى عن القضاة الذين يبعثون من الآستانة، وعين من الوطنيين قاضياً مالكياً، وقاضياً حنفياً، وكان هذا الأمير يصطفي لمجلسه صفوة العلماء، فأقام للعلم سوقاً نافقة، وما أقبلت المئة الثالثة عشرة حتى كانت تونس عامرة بأجلة الفقهاء. وجاء الأمير أحمد باي، ونظم التعليم بجامع الزيتونة سنة ١٢٥٦ هـ، فازدادت النهضة العلمية قوة على قوتها، واشتهرت بيوت بإقبال أبنائها على العلم، وتوليهم للمناصب الشرعية، كآل النيفر، وآل عاشور بين فقهاء المالكية، وآل بيرم، وآل أبي الخوجة بين الفقهاء الحنفية.
كان نظام التعليم بالمعهد الزيتوني من أسباب تنافس أصحاب المذهبين: المالكي، والحنفي في ميدان العلم، ويضاف إلى هذا: أن في العاصمة محكمة
стр. 4888
مالكية، ومحكمة حنفية، وكل منهما يتألف من قاض، ورئيس للفتوى، وثلاثة أو أربعة من المفتين، أما القضاة والمفتون في سائر البلاد، فيعينون من الفقهاء المالكية، نظراً إلى أن المذهب المالكي هو الذي يأخذ به معظم الوطنيين.
وقد أخرج جامع الزيتونة بعد هذا النظام فقهاء أجلة، يعتزون بعلمهم، ويزهدون في المناصب، إلا أن تحيط بها العزة والكرامة، وأدركت من هؤلاء الفقهاء أساتذة بلغوا غاية بعيدة في سعة العلم، وتحقيق البحث؛ مثل: الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ أحمد بن الخوجة، والشيخ محمد النجار، ومن نظر في فتاوى هؤلاء الأساتذة، أو رسائلهم التي حرروا بها بعض المسائل العويصة، رآهم كيف يرجعون إلى الأصول والقواعد ومراعاة المصالح، ولا يقنعون بنقل الأقوال دون أن يتأوَّلوها بالنقد والمناقشة.
ويدلنا التاريخ القريب أن بعض رجال الدولة وجدوا عندما اتجهوا إلى إصلاح الحالة السياسية أو العلمية أو الاجتماعية فقهاء يدركون مقتضيات العصر، ويعرفون كيف تسعها أصول الشريعة بحق، فكانوا يعقدون منهم بعض لجانهم، ويستنيرون بآرائهم؛ مثل أساتذتنا: الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ سالم أبي حاجب، والشيخ مصطفى رضوان.
وما زال الرسوخ في الفقه، وربط الأحكام بأصولها، من عناية الأساتذة في جامع الزيتونة، يشهد بهذا ما نقرؤه من محاضراتهم وفتاواهم ومقالاتهم التي تنشر في الصحف التونسية أو المصرية.
وإذا كان لهذا الحديث خلاصة، فهي: أن كثيراً من فقهاء تونس كانوا يدرسون الفقه بأنظار مستقلة، وآراء تستضيء بالأدلة، وكانوا يتنافسون في هذه الطريقة، ويتفاوتون فيها على قدر تفاضلهم في العبقرية وسموِّ الهمة.
стр. 4889
فإذا ما تصدى مؤرخ للحديث عن الفقهاء الذين برعوا في فهم حكمة التشريع، وشملوا الحقوق برعاية وصيانة، فإن كثيراً من فقهاء تونس أهل لأن يذكروا في مقدمة أولئك الفقهاء.
стр. 4890
شعراء تونس (١)
دخل أدب اللغة العربية البلاد التونسية مع الفتح الإسلامي؛ فقد كان في الفاتحين الأولين من يجيد الشعر؛ مثل: أبي الخطار الحسام بن ضرار، والحسن بن حرب الكندي. ونشأ في أوائل المئة الثانية من الهجرة أدباء يقولون الشعر الجيد؛ مثل: عبد الرحمن بن زياد، وهو أول مولود ولد للعرب في أفريقية، ومما قاله في بغداد وقد عزم على العود إلى القيروان:
ذكرتُ القيروانَ فهاج شوقي ... وأين القيروانُ من العراقِ
مسيرة أشهرٍ للعير نصاً ... وللخيل المضَّمرة العتاق
فبلِّغ أنعماً وبني أبيه ... ومن يرجو لنا وله التلاقي
بأنّ الله قد خلى سبيلي ... وجدَّ بنا المسير إلى فراق
وفي ذلك العهد ولِّي القيروان يزيد بن حاتم، وقصده الشعراء من المشرق؛ مثل: مروان بن أبي حفصة، وربيعة بن ثابت الذي مدحه بذلك البيت السائر:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم واليزيد بن حاتم
стр. 4891
ويزيد نفسه كان شاعراً، وهو القائل:
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
وما من شك في أن ولاية أمير سخي يقدر الأدب قدره، من أقوى أسباب نهوض أدب اللغة، ولا سيما أميراً يفد إليه الشعراء البلغاء من آفاق شتى.
ويتراءى لنا في المئة الثالثة أدباء يجيدون الشعر؛ مثل: أحمد بن سليمان الربعي، بل نجد فيها أديبات ينظمن الشعر الجيد؛ مثل: ابنة الحسن بن غلبون، ومن شعرها الذي رثت به أخاها غلبون:
يا شقيقاً ليس في وجدي به ... علة تمنعني من أن أجنّ
وإذا تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
ومن بين أولئك الأدباء علماء تعلقوا بعد العلم بصناعة الشعر؛ مثل: عيسى بن مسكين؛ فقد كان معدوداً في زمرة الفقهاء الأدباء، ومن شعره قوله آسفاً على عهد الشباب:
لعمري يا شبابي لو وجدتك ... بما ملكت يميني لارتجعتك
ولو جعلت لي الدنيا ثواباً ... بما فيها عليك لما وهبتك
واشتملت المئة الرابعة على أدباء يقولون الشعر الحسن؛ مثل: زياد ابن يونس اليحصبي، وعلي بن العباس الأيادي، ومن شعره قوله في وصف سجع الحمائم عند فلق الصبح:
قد ولد الصبح فمات الدجى ... صاحت فلم ندر غِنا أم نواح
وابن عبدون السوسي، ومن شعره قوله متشوقاً إلى القيروان:
стр. 4892
يا قصر طارق همي فيك مقصور ... شوقي طليق وخطوي عنك مأسور
إن نام جارك إني ساهر أبداً ... أبكي عليك وباكي العين معذور
عندي من الوجد ما لو فاض من كبدي ... إليك لاحترقت من حولك الدور
وتناول الشعر في ذلك العهد بعض السيدات المهذبات؛ مثل: خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافري. وفي هذا العهد ورد القيران من الأندلس الشاعر المعروف أبو القاسم بن هانئ، واستوطنها، وشأن البلاد التي يستوطنها شاعر عبقري كابن هانئ أن تزداد فيها نهضة الأدب قوة وصفاء.
أما المئة الخامسة، فقد ازدهر فيها الأدب بتونس، وأصبح بمنزلة هي منزلته في أرقى البلاد، وأبهج العصور، ويصح لي أن أقول: إن هذا العصر واسطة عقد العصور الأدبية من جهة الإبداع في الخيال، وإتقان صناعة النظم.
ومن مهيئات هذه النهضة الفائقة: أن المعز بن باديس الذي تولى الملك بالقيروان في طالعة المئة الخامسة كان أديباً بارعاً، ومعنياً بإكرام الشعراء، حتى اجتمع حول قصره -فيما يقصه التاريخ- نحو مئة شاعر يرأسهم أستاذه ووزيره علي بن أبي الرجال.
فلا عجب أن يظهر في ذلك العصر أمثال: الحسن بن رشيق، ومحمد ابن شرف، وإبراهيم الحصري صاحب كتاب "زهر الآداب"، وابن خالته علي الحصري صاحب قصيدة:
ياليل الصبُّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
وظهر في المئة السادسة أدباء لهم شعر رائق؛ مثل: عبد العزيز بن أبي الصلت، وعلي بن فضال، ومن شعره الأبيات السائرة:
стр. 4893
وإخوان حسبتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... نعم صدقوا ولكن من ودادي
وإذا ألقينا نظرة على المئة السابعة، وجدنا للأدب نهضة ذات آثار مليحة، ومن رجال هذه النهضة: عثمان بن عتيق المعروف بابن عريبة.
ومن أسباب نهوض الأدب في هذا العهد: أن أمير تونس أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد، وابنه المستنصر بالله، عنيا بنشر العلم، والإقبال على الشعراء، وكان أبو زكريا هذا معدوداً من الشعراء، وفي عهد ولايته قدم من الأندلس محمد المعروف بابن الأبار، وأنشده قصيدته في الاستنهاض لإنقاذ الأندلس، وطالعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وفي هذا العهد ورد تونس من الأندلس أيضاً الأديب الكبير علي بن سعيد متمم كتاب "المغرب"، ومدح السلطان بقصائد بليغة.
وفي عهد ولاية ابنه المستنصر، وفد حازم بن محمد القرطاجني من الأندلس، ومدح المستنصر بمقصورته القصيدة الطائية التي يقول في طالعها:
أمن بارق أودى بجنح الدجى سقطا ... تذكرت من حل الأجارع والسقطا
ولما وجد هؤلاء الأدباء الثلاثة سوق الأدب في تونس نافقة، اتخذوها وطناً، وكان لهم في رقي الأدب أثر كبير.
وكانت المئة الثامنة عامرة بكثير من الأدباء، ومن أعيانهم: أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وأخوه يحيى بن خلدون، وشعر ابن خلدون معروف،
стр. 4894
ومن شعر يحيى القصيدة التي يقول في مطلعها:
ما على الصب في الهوى من جناح ... أن يُرى حلف عَبرة وافتضاح
أما المئة التاسعة والعاشرة، فقد انقطعت عنا أخبار أدبائها؛ لما كان يحدث في تونس من الحروب والفتن السياسية، وإنما وصل الباحثون في تاريخ الأدبي التونسي إلى طائفة قليلة جدّاً؛ مثل: أحمد بن عبد الرحمن بن الخلوف، ومثل: أبي الفتح محمد بن عبد السلام، ولهذا العالم الأديب قصيدة يتحسر فيها على ما حل بتونس لذلك العهد من حوادث اضطربت لها الحالة العلمية والسياسية.
ورجع الأدب في المئة الحادية عشرة إلى الظهور، وأخذ التاريخ يحدثنا عن رجال عاشوا في ذلك العهد، وكانت لهم في الأدب أقدام راسخة؛ مثل: الشيخ محمد فتاتة. واتصل أدب هؤلاء بأدب المئة الثانية عشرة، فكان حظ هذه المئة فوق حظ المئة السالفة. ومن أعيان أدبائها: الشيخ حمودة بن عبد العزيز، والشاعران البارعان: أبو عبد الله محمد الورغي، وأبو الحسن علي الغراب، ولكل منهما ديوان معروف عند التونسيين.
وكان لنهوض الأدب في المئة الثانية عشرة أثر كبير في رواج سوقه في المئة الثالثة عشرة، ومن أدباء ذلك العهد: الشيخ محمد الخضار، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ بيرم الرابع، والشيخ محمود قبادو، ولهؤلاء دواوين من الشعر، والذي طبع منها: ديوان الشيخ محمود قبادو، وهو أول من أخذ ينحو بالشعر نحو ما يقتضيه حال العصر، وأذكر من قصيدة له يحث فيها الأمة على مسايرة الأمم المجدة في إعداد وسائل القوة والعظمة:
لعمري ليس الميت من أودع الثرى ... ولكن مطيق للغنى بان عدمه
стр. 4895
وممن برعوا في النثر الفني: الأستاذ أحمد أبو الضياف، فقد تولى رياسة الديوان في عهد الأمير أحمد باي، وأخذ ينسج في مراسلاته على مثال لسان الدين بن الخطيب، فسار النثر الجيد بجانب الشعر، وما أتى هذا العصر -وهو القرن الرابع عشر- حتى تهيأت في تونس نهضة أدبية محكمة الأساس، فلم تتبطأ أن صارت تنافس نهضة الأدب في البلاد الشرقية.
стр. 4896
الحالة العلمية بجامع الزيتونة (١)
في قارة أفريقية ثلاثة معاهد إسلامية: الجامع الأزهر بالقاهرة، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس. أما الأزهر، فله الشهرة في الشرق والغرب؛ لأن دائرة التعليم فيه أوسع، وطلاب العلم يؤمونه من كل ناحية، والمكاتب -عامة أو خاصة- لا تكاد تخلو من مؤلفات علمائه.
أما المعهدان الآخران، فلعل موقعهما الجغرافي، وحال محيطهما الاقتصادي وقفا منهما دون أن يحوزا كما حاز الأزهر سمعة لم تدع داراً إلا غشيتها، ولا أذناً إلا ولجتها، فما كنت لأعجب إذا لقيت رجالاً من أهل العلم لا يعرفون من شأن جامع الزيتونة كثيراً أو قليلاً.
ولما كانت جمعية الهداية الإسلامية قد أخذت على نفسها أن تكون وسيلة تعارف بين جماعات المسلمين عامة، ورجال العلم خاصة، رأيت أن ألقي كلمة في الحالة العلمية بجامع الزيتونة، ولعلّ الجمعية توفّق إلى إلقاء محاضرة في الحالة العلمية بجامع القرويين، وبهذا العمل تكون الصلة
стр. 4897
بين المعاهد الثلاثة كما تقتضي مصلحة الأمة على متانة وصفاء.
وقد رأيت أن أمر بنظرة قصيرة على حال العلم منذ نشأته في تلك البلاد إلى أن دخل جامع الزيتونة في هيئته النظامية؛ لنرى كيف كان العلم هنالك ضارباً بشعاعه منذ أعصر قديمة، وإن اختلفت حالته قوة وضعفاً، وظهوراً وخمولاً.
* نشأة العلم في البلاد التونسية:
كان الذين يعمرون البلاد التونسية والجزائرية والمراكشية صنف البربر، ولكن بعد الفتح الإسلامي هاجر إليها خلق كثير من العرب الخلص، فانتشرت هنالك اللغة العربية، وأصبح سكان تلك البلاد بعد هذا الاختلاط أقواماً مستعربين، إلا قبائل متفرقة، معظمها بالمغرب الأقصى، ويعضها في الجزائر، وقليل منها في تونس.
وإذا نحن رجعنا إلى التاريخ؛ لنعلم كيف أخذت العلوم الإسلامية تنتشر في تلك البلاد، نجد أن الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ ندب عشرة فقهاء من أعيان التابعين، وبعثهم إلى أفريقية؛ ليعلموا البربر واجبات الدين وأحكامه.
وكان رئيس هؤلاء المبعوثين: أبا عبد الرحمن عبد الله الحبلي، ومن بينهم: أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وهو أول من ولي القضاء بالقيروان.
ومن ذلك العهد ابتدأ أهل تونس يرحلون إلى الشرق لتلقّي ما فيه من علوم، ومن هؤلاء الراحلين: عبد الرحمن بن زياد المعافري: رجل قروي من جماعة من التابعين، وكان قد صحب أبا جعفر المنصور طلب العلم، وعاد إلى القيروان بعلم غزير، وأدب جم، حتى تقلد أبو جعفر المنصور
стр. 4898
الخلافة، فولاه قضاء القيروان، وكانت مدينة القيروان عاصمة الإمارة، ومحط رحال طلاب العلم حتى أواخر المئة الخامسة.
ورحل في طلب العلم بعد طبقة عبد الرحمن بن زياد طائفة لقوا مالك بن أنس وغيره من الأئمة، ثم عادوا بما جمعوا من علم؛ مثل: علي بن زياد، وعبد الله بن غانم، وأسد بن الفرات فاتح صقلية.
وكانت المئة الثالثة مستنيرة بأمثال سحنون ومن أخذوا عنه؛ كأبي سعيد البرادعي، وحماس بن مروان الهمذاني.
وأذكر أن يحيى بن عمر رحل إلى العراق، ثم جاء القيروان، وحضر مجلساً كان يعقده حماس هذا للمذاكرة في الفقه، وبعد أن انصرف من المجلس، قال: ما تركت في بغداد من يتكلم في الفقه بمثل ما سمعت اليوم.
ومما قال أبو القاسم الفزاري أحد أدباء القيروان لذلك العهد:
فهل للقيروان وساكنيها ... عديل حين يفتخر الفخور
بلاد حشوها علم وحلم ... وإسلام ومعروف وخير
عراق الشام بغداد وهذي ... عراق الغرب بينهما كثير
بلاد خطها أصحاب بدر ... وتلك اختط ساحتها أمير
وفي ذلك العهد ظهر في تونس الطبيب المعروف بابن الجزار صاحب المؤلفات التي عني بها الأوروبيون، ونلقوها من العربية إلى اللاتينية.
* في القرن الرابع:
ومن أعلام المئة الرابعة: أبو العباس عبد الله بن إسحاق المعروف بالإبياني، وكان من حفاظ مذهب مالك، ويميل إلى مذهب الشافعي، ورد مصر، فقال في حقه ابن شعبان: ما عدا النيل منذ خمسين سنة أعلم منه.
стр. 4899
ومن أعلام هذا القرن أبو محمد عبد الله بن أبي زيد صاحب المؤلفات التي من جملتها كتاب "النوادر"، والزيادات على "المدونة"، وقد أخرجه في نحو مئة جزء.
* في القرن الخامس:
ومن أعلام المائة الخامسة عبد الحميد بن محمد الهروي المعروف بابن الصائغ، وأبو الحسن علي بن محمد المعروف باللخمي صاحب كتاب "التبصرة"، وله آراء في الفقه، وإليه يشير بعض الأدباء بقوله:
لقد مزقت قلبي سهام لحاظها ... كما مزق اللخمي مذهب مالك
وفي هذا العهد ظهر الأدب في تونس ظهوره في العراق والشام والأندلس، فظهر بالقيروان: الحسن بن رشيق صاحب كتاب "العمدة"، وابن شرف صاحب الرسائل التي من جملتها "أعلام الكلام"، وأبو إسحاق إبراهيم الحصري صاحب كتاب "زهر الآداب"، وابن خالته أبو الحسن علي الحصري صاحب القصيدة التي حاكاها كثير من الأدباء في القديم والحديث:
ياليلُ الصبُّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
* في القرن السادس:
ومن أعلام المئة السادسة: أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بالمازري، وكان معدوداً فيمن بلغوا رتبة الاجتهاد، ومن مؤلفاته "شرح كتاب البرهان" لإمام الحرمين، و"شرح التلقين" للقاضي عبد الوهاب.
* في القرن السابع:
ومن أعلام المئة السابعة: أبو أحمد بن أبي بكر المعروف بابن زيتون،
стр. 4900
رحل إلى الشرق، وأخذ عن عز الدين بن عبد السلام، وعاد إلى تونس، وكان بها قاضي القضاة، وهو أول من أظهر ودرَّس في تونس مؤلفات فخر الدين الخطيب الأصولية.
وفي هذا العهد أنشأ الأمير أبو زكريا يحيى داراً للكتب جمع فيها نحو ستة وثلاثين ألف مجلد.
وورد تونس في هذا القرن حامل لواء العربية بالأندلس علي بن موسى المعروف بابن عصفور، وأقام حتى توفي، وقبره بمكان قريب من جامع الزيتونة.
* في القرن الثامن:
ومن أعلام المئة الثامنة محمد بن عبد السلام، وهو معدود فيمن بلغوا رتبة الاجتهاد، ومن مؤلفاته "شرح جامع الأمهات لابن الحاجب".
ومن أعلام هذا القرن: أبو عبد الله محمد بن عرفة المؤلِّف في الفقه والتفسير والمنطق، وأصول الفقه، وأصول الدين، ومر في رحلته إلى الحج بالقاهرة، وأخذ عنه البدر الدماميني، واجتمع بالملك الظاهر، فأكرمه، وأوصى أمير الحج بخدمته.
ومن أعلامها: المؤرخ الشهير عبد الرحمن بن خلدون المتوفى في القاهرة سنة ٨٠٧.
* في القرن التاسع:
ومن أعلام المئة التاسعة: محمد بن عمر الأبي شارح "المدونة"، و"صحيح الإمام مسلم"، وأبو القاسم البرزلي صاحب "الفتاوى"، ويحكى: أن الشيخ ابن عرفه ليم على كثرة الاجتهاد، وإتعاب نفسه في النظر، فقال:
стр. 4901
وكيف أنام وأنا بين أسدين: الأبي بفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله.
وفي هذا القرن أنشأ الأمير أبو فارس عبد العزيز خزانة كتب في الجانب الشمالي من جامع الزيتونة، ووقع عليها آلافاً من المجلدات.
* في القرن العاشر:
وكان الأمير في مبتدأ القرن العاشر أبا عبد الله محمد الحفصي، وكان له عناية بالعلم، ومن آثاره: إنشاء مكتبة لجامع الزيتونة، وهي التي تسمى الآن: "المكتبة العبدلية".
وفي سنة ٧٠ من هذا القرن بليت تونس بحلول عساكر الإسبان، فعاثوا في المكاتب، وأطلقوا أيديهم في إتلافها حتى صارت نفائس الكتب ملقاة في الطرق تدوسها خيلهم بأرجلها، ولم يبق في مكتبة جامع الزيتونة -فيما يقال- إلا بضع نسخ من "صحيح الإمام البخاري". ويقول بعض الشيوخ معتذراً عن قلة ما يوجد من مؤلفات التونسيين: إن هذه الكارثة الإسبانية قد أتلفت وأضاعت كثيراً مما ألفوا.
ولكن البلاد لم تلبث بيد الإسبان حتى جاء الأتراك وطردوهم منها سنة ٩٨١، وصارت تونس من الأقطار المتعلقة بالدولة العثمانية، ويظهر من مطالعة التاريخ: أن سوق العلم بتونس كانت في القرن العاشر خاملة؛ إذ لم نجد فيها ما وجدنا في القرون قبلها أو بعدها من الأعلام الذين يدل وجودهم في القطر على أن هناك علوماً ساطعة، وأنظاراً واسعة، وأفهاماً راسخة.
* في القرن الحادي عشر:
بمناسبة اتصال تونس بالدولة العثمانية وردها في أوائل القرن الحادي
стр. 4902
عشر بعض علماء الروم، فأخذت بهم الحركة العلمية نشاطاً، ومن هؤلاء الواردين: أستاذ يقال له: "منلاً أحمد"، كان بارعاً في الفقه والأصول والتفسير والنحو والبيان والمنطق، فتخرج في درسه جماعة من أعلام القرن الحادي عشر؛ مثل الشيخ: محمد الغماد، والشيخ أبو يحيى الرصّاع.
وينبئكم برسوخ منلا أحمد هذا في الفهم: أن بعض الطلاب أراد أن يسرد عليه تركيباً من كتاب، فقال له: إني لست بقصاص، فعبر لي من شدقك بعبارة تنبئ عن مراد المؤلف.
* في القرن الثاني عشر:
تدلنا آثار كثيرة على أن الحياة العلمية في القرن الثاني عشر قد أخذت في نشاط؛ فإنا نرى لكثير من أمراء تونس في ذلك العهد اعتناء بإحياء العلم، وتهيئة وسائله.
نرى محمد بن مراد باي المتوفى سنة ١١٠٨ بنى مدارس في نواح مختلفة من المملكة؛ كالقيروان، والكاف، وقابس، وباجة، والجريد، ونرى الأمير حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية القائمة حتى الآن قد أنشأ مدارس بالحاضرة، والقيروان، وسوسة، وصفاقس، ونفطة.
ونرى علي باشا قد أنشأ مدارس، ووقف في كل مدرسة خزانة من الكتب، وأرسل الشيخ حسين البارودي مفتي دولته إلى الآستانة ليشتري له ما يصل إلى يده من الكتب القيمة.
ونقرأ في تاريخ حسين بن علي الثاني: أنه كان من الأدباء والشعراء، ومن شعره قصيدة ميمية شرحها الشيخ أبو عبد الله محمد الشافعي، وقصيدة قافية شرحها العلامة الشيخ محمد صالح الكواش.
стр. 4903
ونقرأ في تاريخ علي باي بن حسين بن علي: أنه كان مشتركاً في العلوم، وكان يصطفي العلماء.
ويقص علينا التاريخ: أن طائفة من العلماء كانوا قد رحلوا إلى تلقي العلم بالأزهر؛ مثل: علي بن موسى الأندلسي، ورد الأزهر، فأخذ عن الشيخ الأجهوري، وعبد الباقي الزرقاني، ومحمد الخرشي، وعاد إلى تونس بعلم كثير.
ومن أعلام هذه المئة الشيخ محمد زيتونة، والشيخ محمد الخضراوي، والشيخ حموده فتاتة، ونجم الدين المعروف بابن سعيد صاحب "حواشي شرح الخيصي"، "للتهذيب وحواشي شرح الأشموني للخلاصة".
وفي ذلك القرن كان للأدب سوق نافقة، وظهر فيها الشاعران: علي الغراب الصفاقسي، ومحمد الورغي، بل نجد في أشعار أهل العلم جزالة وإحكام نسج.
وأذكر من شعر الشيخ ابن سعيد قوله يشكو حساده:
ومالي ذنب عندهم غير أنني ... إذا شئت قلت الشعر وهو رقيق
وإن خضت في بحر من العلم لجَّ بي ... تطاير دُرٍّ فوقه وعقيق
خليلي هل يجني على المرء مجده ... فإني بالمجد العريق حريق
وأذكر من شعر الشيخ حمودة بن عبد العزيز يتحدث عن الحرب:
فلا وأبي لا يبلغ المجد عاجز ... يعلل نفساً بالأماني الكواذبِ
ولكن فتى قد جرَّد السيف طالباً ... به من حقوق الحمد أسنى المطالبِ
يهاب الدنايا أن تدنس عرضَه ... وليس لأسباب المنايا بهائبِ
стр. 4904
هي الحرب من يعلق بها يبلغ المنى ... وهل نال أقصى المجد غير المحاربِ
* نشأة جامع الزيتونة:
كانت القيروان منذ الفتح الإسلامي عاصمة للملكة التونسية، وكان جامعها الذي اختطه عقبة بن نافع ﵁ من أكبر المعاهد التي يؤمها طلاب العلم من نواح مختلفة، ولما استولى على القطر الفرنسي أصحاب المهدي بن تومرت: عبد المؤمن بن علي وحلفاؤه، اتخذوا مدينة تونس دار الإمارة، وبقيت العاصمة إلى هذا اليوم.
وبعد أن صارت مدينة تونس عاصمة البلاد، أصبحت مورد العلوم، ومحط رحال العلم، فأخذ جامع الزيتونة يغالب جامع القيروان، وأخذ اسمه يتردد أكثر مما كان يتردد على الألسنة والآذان.
ابتدأ بناء جامع الزيتونة الأمير حسان بن النعمان الغساني الداخل لإفريقية سنة ٧٩، ثم جاء الأمير عبد الله بن الحبحاب الداخل سنة ١١٤، وأتم بناءه سنة ١٤١، ولما تولى زيادة الله بن الأغلب الإمارة بالقيروان، أحدث به أبنية فخمة، وصار من أحسن الجوامع القائمة على أساطين من المرمر والرخام.
* جامع الزيتونة والنظام:
رأى أمير تونس المشير أحمد باشا أن تكون الدولة قائمة بنفسها، وأخذ ينظر في وسائل القوة والمنعة، وأول ما يعنى به طالب القوة: ترقية شأن التعليم، وإنبات طلاب العلم نباتاً حسناً، فكان من تدبير هذا الأمير: أن قصد إلى تنظيم التعليم بجامع الزيتونة، وأصدر في ذلك مرسوماً سنة ١٢٥٨، وتلي هذا المرسوم في يوم مشهود، ورسم في صحيفة محاطة بإطار، وعلق داخل باب من أبواب الجامع يقال له: "باب الشفاء".
стр. 4905
واقتضى هذا المرسوم أن ينتخب للتدريس بجامع الزيتونة خمسة عشر عالماً من المالكية، ومثلهم من الحنفية، على أن يقرئ المدرس في كل يوم -ما عدا يومي الخميس والجمعة- درسين من أي فن أراد، وفي أي وقت تيسر له، وإذا فقد أحد هؤلاء المدرسين، انتخب نظَّار الجامع بدله أعلم الموجودين في العصر، وإذا اشتبه عليهم الحال فيمن يستحق ولاية التدريس، عقدوا مسابقة بين من يرغبون في إحرازها بطريق المسابقة، ومن وقع عليه الاختيار، فصل في تعيينه المشايخ النظّار، وبعثوا قرارهم إلى حضرة سمو الباي يصدر مرسوماً في ولايته.
وفي عهد الأمير محمد الصادق باي، ووزيره المصلح خير الدين باشا صاحب كتاب "أقوم المسالك في أحوال الممالك"، دخل على نظام التعليم تبديل وتهذيب، ووضعت مناهج سارت به إلى الإمام مرحلة كبيرة، وكان هذا الوزير يتردد على الجامع، ويشهد حلقات الدروس بنفسه، فكان فيما يظهره رجال الدولة من العناية بهذا المعهد الإسلامي داعية إقبال وتنافس في ميدان العلوم.
وفي سنة ١٣١٠، وسنة ١٣١٢ دخل على هذا النظام شيء من التنقيح.
وفي سنة ١٣٢٩ عقدت الحكومة لجنة من كبار أهل العلم وبعض رجال الدولة؛ للنظر فيما تحتاج إليه مناهج التعليم من تهذيب وإصلاح، فصار التعليم بما قررته اللجنة أقرب إلى التعليم المحاط بالنظم المدرسية من كل جانب.
وكانت أقسام التعليم من ابتدائي وثانوي وعال، كلها في نفس جامع الزيتونة، وفي سنة ١٣٤٥ فصل التعليم الابتدائي عن الثانوي والعالي، فخصص