← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]: "جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل يتدبر فيه، ثمّ يعمل بموجبه". * فوائد ضرب المثل: يُضرب المثل لتقرير حال الممثَّل في النفس؛ حيث يكون الممثَّل به أوضح من الممثَّل، أو يكون للنفس سابقةُ أُلْفَةٍ وائتناس به؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المنفق رياء؛ حيث لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب، فقال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فقد مثَّل حال المرائي في إنفاقه بحال الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبه مطر غزير، فيذهب بما عليه من تراب، فأعمال المرائي مثل التراب الذي كان على الحجر، فإنها تذهب هباء، ولا يجد لها ثواباً، وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي على وجه أبلغ ما يكون. ويضرب المثل للترغيب في الممثَّل؛ حيث يكون الممثّل به مما تستحسنه النفوس، وترغب فيه؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المنفق في سبيل الله؛ حيث يعود عليه الإنفاق بخير كثير، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. ويضرب المثل للتنفير؛ حيث يكون الممثَّل به مما تكرهه النفوس، وتنفر منه؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المغتاب، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]،

стр. 492

وليس من شك في نفور الطباع من أكل لحم الأخ وهو ميت، فينبغي أن يكون نفوره من الغيبة بمقدار هذا النفور. ويضرب المثل لمدح الممثَّل؛ حيث يكون في الممثَّل به صفات تستحسنها النفوس، وتمدح من يحرز مثلها؛ كما ضرب الله مثلاً لحال الصحابة ﵃، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. فالزرع يُخرج شطأه، وهو ما تفرع في شاطئيه -أي: جوانبه-، ثم يقوى، ويستغلظ -أي: يصير بعد الدقة غليظاً-، وكذلك حال الصحابة؛ فإنهم كانوا في بدء الأمر قليلاً، ثم أخذوا في النمو حتى استحكم أمرهم، وامتلأت القلوب إعجاباً بعظمتهم. ويضرب المثل للذم؛ حيث يكون للمثَّل به صفة يستقبحها الناس، ويذمّون مَنْ رضي لنفسه بمثلها؛ كما ضرب الله مثلاً لحال من آتاه الله كتابه، فنكث يده من العمل به، وانحط في أهوائه، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]، فقد مثَّلت الآية حال العالِم المنحط في أهوائه بحال الكلب الذي هو أخبث الحيوان، وأخسها نفساً, ذلك أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. ويضرب المثل في مقام الاحتجاج؛ حيث يلزم من تسليم الممثَّل به،

стр. 493

وإدراك أن الممثّل مطابق له، الرجوعُ إلى الاعتقاد بالحق؛ كما ضرب الله مثلاً للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تُعبد، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: ٧٥]. إذ دلَّ بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إذ مثَّل حالها بحال العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، ودل على كمال قدرته؛ إذ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام من اتسع رزقه، وكان ينفق منه كيف يشاء، ومن له مُسكة من العقل لا يتولى العاجزَ بالعبادة، ويدع عبادة القادر على كل شيء. ومن بديع أسلوب القرآن في ضرب المثل: أن يسوق الجمل مستعملاً لها في معانيها الحقيقية، قاصداً بها غرضاً خاصاً؛ كالاحتجاج على بعض العقائد، وبعد أن يفيد بها هذا الغرض يعود إلى جعلها مثلاً يرمي إلى غرض من الأغراض التي تضرب لها الأمثال، فانظروا إن شئتم إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٦، ١٧]. فقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ... إلى قوله: زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ ظاهر في معنى تقرير حجة على كمال قدرته تعالى، وبعد أن أقام به حجة على المشركين، جعل هذا القول نفسَه مثلاً يستبين به الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾، وهذا من الإيجاز الذي بلغ به القرآن أعلى

стр. 494

طبقات البلاغة. إذا ضرب الله مثلاً، فهل يجوز أن يراد من ذلك المثل: المعنى الذي سيق من أجله؛ نحو: التقرير، أو التحسين، أو التقبيح، ولا يلزم أن تكون صورة الممثّل به واقعة في نفس الأمر؟! ذهب فريق إلى جواز ذلك، فترون الزمخشري - وهو ينكر أن يصرع الشيطان الإنسان - يقول في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: "تخبُّطُ الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه، فورد على ما كانوا يعتقدون". أو يقال: إن الله لا يضرب المثل إلا بما يقع، حتى إذا ضرب المثل بشيء، أمكننا الاستدلال بالتمثيل على وقوع ذلك الشيء، وهذا ما يقوله جمهور أهل السنَّة، ونحن نستبعد أن يمثل الله تعالى بأمر يزعمه النّاس زعماً باطلاً؛ فإن التمثيل به دون تنبيه على بطلانه لا يلائم ما عرف في هداية القرآن، ومن هنا قرر المحققون من الأصوليين قاعدة هي: أن ما يقصه القرآن من قول يتضمن رأياً، ولا يقرنه بتنبيه على بطلانه، أو يكون قد نبَّه عليه من قبل، فإنه يعد حقاً لا محالة. فالقرآن لا يمثّل بشيء يزعمه العرب زعماً باطلاً، ولكنه قد يمثّل بشيء لا يدخل في قبيل المزاعم الباطلة، وإنما هو شيء يصفه بصفات مفهومة الحقائق، ممكنة الوقوع، وإن لم تقع عليها أعين النّاس مجتمعة، فالله تعالى يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فقد ذكر طائفة من الباحثين

стр. 495

أن هذا من قبيل التمثيل موجود، وأن البرّة "الحبة من البر" قد تبلغ في الأرض القوية المغلة أن تنبت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مئة حبة، وعلى فرض أن لا يرى النّاس حبّة بلغت في الإنبات هذا المبلغ، لم يكن في تمثيل القرآن بها من بأس. وقد يضرب القرآن المثل بأمر موجود على حال حُسن أو قُبح، والناس يعتقدونه على ما هو عليه من حسن أو قبح، وإن لم يروه بأبصارهم، ولكنه يحضر في أذهانهم بصورة جميلة، أو صورة قبيحة، فيكون التمثيل به تمثيلاً بأمر موجود، وصورته الحاضرة في الأذهان مطابقة للواقع من حيث حسنها أو قبحها، ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤، ٦٥]، فالشيطان شخص حي، ولكن المخاطبين لم يروه بأبصارهم، وجاء التمثيل في هذه الآية على ما اعتقدوه اعتقاداً مطابقاً من قبح صورته، وعلى هذا النحو يجري التمثُّل بالمَلَكِ في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، فإن التمثيل جار على ما تصوروه من حسنه، وهذا التصور صادق لا محالة. وإن تعجب، فاقضِ العجبَ ممن يعمد إلى قصة في القرآن، قصها الله تعالى؛ لما فيها من عبرة وحكمة، ويجرؤ على أن يقول: "إن هذه القصة وردت على طريقة التمثيل"! يقول هذا، وليس بيده شاهدٌ من الآية نفسها، ولا دليلٌ سمعيُّ من غيرها، ولا أن العقل السليم ينكر أن تكون واقعة؛ كما قال بعضهم هذا القول في قصة الملائكة، وسجودهم لآدم ﵇. ولو فتح هذا الباب من التأويل الجامح، لاتخذه ضعفاء الإيمان وسيلة إلى جحود كثير من الحقائق؛ حيث يحملون آياتها على أنها تمثيل، ويخترعون

стр. 496

لها من الممثلات ما تشاء أهواؤهم. وإذا كان القرآن إنما نزل بلسان عربي مبين، فإن العرب لا يذهبون بالكلام مذهب التمثيل إلا أن يحفوه بقرينة كافية في الدلالة على أنه تمثيل.

стр. 497

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم (١) لكل من المحكم والمتشابه معنى في أصل اللغة، ومعنى في عرف الشرع. أما المحكم لغة: فإن مادة "حكم" تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه: حَكَمَةُ اللجام: للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح، ومنه: حُكْمُ الحاكم؛ لأنه منْع للظالم من وضع يده على حق غيره، ومنه: الحكيم؛ لأنه يمنع نفسه من اتباع هواها، وارتكاب ما لا يليق. ويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكاماً: إذا أخذت على يده، قال جرير: أَبَني حَنيفةَ أَحْكِموا سُفَهاءَكُمْ ... إِنّي أخافُ عليكُمُ أَنْ أَغْضَبا ومنه: الإحكام بمعنى: الإتقان؛ لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم؛ أي: متين، لا وهنَ فيه، ولا خلل. وأما المتشابه: فمعناه في أصل اللغة: أن يكون أحد الشيئين مشابهاً

стр. 498

للآخر، ولما كان من شأن المتشابهين تعذرُ التمييز بينهما، أطلق هذا الاسم على كل ما لا يهتدي الإنسان إلى حقيقة المراد منه، من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، ومما جاء فيه التشابه بمعنى تعذر التمييز: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]؛ ومما جرى على هذا الوجه قولهم: اشتبه علىَّ الأمر. وأما معنى المحكم والمتشابه في عرف الشريعة: فقد اختلفت فيه آراء أهل العلم مذاهب، ولا نطيل البحث بإيراد الأقوال الضعيفة ومناقشتها، وإنما نعمد إلى قولين مشهورين بين أهل العلم، وننظر في أدلتهما، فنعلم أيهما أوفق لحكمة الشريعة، وأقرب إلى فهم قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وأول القولين: أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وهذا مذهب من يؤمنون بالمتشابه، ويفوضون العلم به إلى الله تعالى، وبهذا سُمّوا: "مُفَوِّضَة"، وينسب هذا المذهب إلى جمهور السلف. والمفوضة يتفقون على صرف الألفاظ في المتشابه عن معانيها المعروفة عند العرب، وهم بعد هذا فريقان: فريق لا يتعرضون إلى المعنى المراد، ولو بوجه مجمل. وفريق قد يعينون نوع المجاز؛ كأن يحملوا الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، والوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] على أنه صفة من صفات الله، ولكنهم

стр. 499

يفوضون معنى هذه الصفة إلى الله تعالى، وهذا ما ينسب إلى الأشعري، وأكثرِ السلف. وثاني القولين المشهورين: أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما كان خفيّ الدلالة، وهؤلاء يؤولون المتشابه على ما ترتضيه أفهامهم من المعاني، فيخرج من الخفاء إلى وضوح، ولهذا سُمّوا: "مُؤَوِّلَة"، والتأويل إما بحمل الألفاظ على الحذف، أو المجاز المفرد، وإما بحملها على طريقة التمثيل. واختلاف الجمهور في معنى المتشابه بهذين القولين اقتضاه اختلافهم في معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. فالمفوضة يقولون: إن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبر عنه، ومفاد هذا الوجه من الإعراب: أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه من الآيات. والمؤولة يقولون: إن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معطوف على اسم الجلالة عطف المفرد على المفرد، وقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ استئناف مبين لحال الراسخين في العلم، ومقتضى هذا الوجه من الإعراب: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ويقولون مع التأويل له: آمنا به، كلٌّ من المحكم والمتشابه من عند ربنا. ولننظر في هذين المذهبين من جهة دلالة الآية أولاً، ثم من جهة الأدلة الخارجة عن الآية ثانياً. أما من جهة ما تدل عليه الآية، فقد قال أصحاب مذهب التفويض:

стр. 500

الظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] وقع معادلاً لحال الزائغين المشار إليه بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، ويكون معنى الآية: وأما الراسخون في العلم، فيقولون آمنا به، ولم يأت في الآية - على هذا الوجه الظاهر في المعادلة - مبالغة في رفع شأن الراسخين في العلم؛ حيث لم يسلك بهم مسلك المعادلة اللفظية لأولئك الزائغين. وأجاب المؤولة: بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكوراً في النظم، بل قد يكون محذوفاً؛ اكتفاء بما يدل عليه من القرائن اللفظية أو الحالية، فيصح أن يقال: إن المعادل لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ محذوف، وتقديره: وأما الذين في قلوبهم هدًى وطمأنينة، فلا يتبعون ما تشابه منه ليفتنوا به الناس، ويؤولوه على حسب أهوائهم. وقال المفوضة أيضاً: إن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ينبئ أن الراسخين لا يعلمون تأويله؛ إذ لو كانوا ممن يعلم تأويله، لم يكن لهذا القول فائد؛ إذ لا غرابة في الإيمان بما ظهر معناه، وإنما تكون له فائدة حيث يكون إخباراً عن إيمانهم بالمتشابه مع عدم فهمهم للمراد منه. ويجاب عن هذا: بأن قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ إيحاء إلى أن إيمانهم به هو الذي دعاهم إلى أن يسلكوا في تأويله الطريقة اللائقة به، وفي ذلك تعريض بأن من اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة، وتأولوه على ما يوافق أهواءهم ليسوا بمؤمنين (١). وقال المؤولة: إن وصف أهل العلم في الآية بالرسوخ يقتضي أن يكون

стр. 501

الحكم المسند إليهم مما يحصل بطريق الرسوخ في العلم، فيكون الحكم المثبت لهم هو العلم بالمتشابه، لا مجرد قولهم: آمنا به؛ فإن هذا القول لا يمتاز به الراسخون في العلم، بل يستوي فيه الراسخون في العلم وغيرُ الراسخين. قال ابن عطية: "تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من الحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع؟ وما الرسوخ في العلم إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة". وأجاب أنصار مذهب المفوضة: بأن فائدة وصفهم بالرسوخ في العلم: المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه على الله تعالى؛ لأنه إذا قيل: إن الراسخين في العلم لا يعلمونه، وذلك مفاد قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، كان عدم علم غيرهم بتأويله مفهوماً بالأولى. وأما الاستدلال بأمور خارجة عن مدلول الآية، فيرجع إلى ثلاثة وجوه: القراءات، والآثار، وحكمة التشريع. أما القراءات، فقد استدل المفوضة بما رواه الحاكم في "مستدركه": أن ابن عباس كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلاّ الله، ويقول الرّاسخون في العلم: آمنّا به)، وهذه القراءة تدل على أن الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] للاستئناف، لا لعطف الراسخين على اسم الجلالة. ويجيب المؤولة: بأن هذه الرواية لا تثبت بها القراءة، وإن أنزلناها منزلة خبر الآحاد، فهي لا تزيد على إفادة أن ابن عباس يرى أن المتشابه مما استأثر الله بعلمه، وقد اختلفت الرواية في هذا عن ابن عباس، ومما حكي

стр. 502

عنه: أنه قال بعد تلاوة الآية: "أنا ممن يعلم تأويله". وتمسك أنصار مذهب المفوضة بقراءة الوقف على اسم الجلالة، ثم استئناف القراءة بقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، والوقف على اسم الجلالة شاهد بأن العلم بالمتشابه مما استأثر الله به، وليس لمخلوق عليه من سبيل. وحمل بعض أنصار مذهب التأويل قراءة الوقف على أن المراد من المتشابه: ألفاظ استعملت في معان ليس للبشر قابلية لفهمها بالكنه، ويراد إفهامها لهم بوجه مجمل؛ كالنصوص الواردة في بعض أحوال يوم القيامة. وأما الاستدلال من جهة الآثار، فقد روي أن صَبيغ بن عسيل جاء من البصرة إلى المدينة في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأخذ يسأل الناس عن متشابه القرآن، وعن أشياء، فأحضره عمر، وضربه ضرباً موجعاً، ثم أرجعه إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. ولو كان المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم، ولا أرسخ في علم الشريعة من الصحابة، لترك صبيغٌ لمن يجيبه عن تأويل ما يسأل عنه من المتشابه. وقد يجاب عن هذا: بأن صبيغاً لم يكن يسأل عن المتشابه استرشاداً، بل كان يورد المتشابهات تعنتاً، فإنما عاقبه عمر لسوء قصده، ومنعَ الناس من مخالطته حذراً من أن يفتن بأسئلته قلوب العامة. وأما الاستدلال من جهة حكمة التشريع، فقد قال أصحاب طريقة التأويل: يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.

стр. 503

وأجاب المفوضة: بأن ورود مثل هذا الخطاب يكفي في حكمته ابتلاء العبد بتلقي كلمات من الشارع لا يعلم المراد منها؛ ليظهر فضله في الإيمان بها، وتفويض أمرها إلى الله، مقراً بالعجز عن الوصول إلى المراد منها. ويختلف المفوضة في ضبط أنول المتشابه، فابن حزم - وهو من أصحاب هذا المذهب - يخص المتشابه بالحروف، والأقسام الواردة في أوائل السور، فقال في كتاب "الأحكام": "والمتشابه لا يوجد في شيء من الشرائع إلا بالإضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله، وعن طلبه، وأُمرنا بالإيمان به جملة، وليس هو في القرآن إلا للأقسام التي في السور؛ كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢]، وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]، والحروف المقطعة في أوائل السور، وكل ما عدا هذا من القرآن، فهو محكم. والمعروف بين أهل العلم: أن السلف يعدون في المتشابه ألفاظاً واردة في الآيات والأحاديث تدل بمقتضى استعمالها العربي على صفات أو أفعال يستحيل إضافتها إليه تعالى؛ نحو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ومن المفوضة: أبو إسحاق الشاطبي، غير أنه قسَّم المتشابه إلى حقيقي وإضافي، وأراد من الحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم المراد منه، وأراد من الإضافي: ما اشتبه معناه؛ لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، وقال: "فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة، وجد فيها ما يبين معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جداً، وبالمعنى الإضافي كثير".

стр. 504

وليس من شك في أن هناك آيات كثيرة وأحاديث قد يعدُّها بعضهم من قبيل المتشابه، وينبغي إخراجها من دائرة الاختلاف؛ حيث إنه يمكن فهمها على وجه صحيح لا كلفة فيه، ونضرب المثل لهذا آياتٍ أو أحاديث تشتمل على ألفاظ عرف في كلام العرب استعمالها في معان على وجه الكناية أو المجاز، وصح حملها على هذه المعاني المعروفة في الاستعمال؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فإن حمل الآية على معنى الجود واضح لا شبهة فيه. ويخرج عن موضع الاختلاف آيات الأحكام؛ إذ ليس لأحد أن يقول في آية أو حديث يرجع إلى التشريع: إن هذا من قبيل ما استأثر الله بعلمه. ونختار بعد هذا: أن في القرآن آيات متشابهات؛ أي: غير واضحة الدلالة، فإما أن تصل إليها أفهام الراسخين في العلم بعد النظر، وإما أن تصل إليها أفهام بعض منهم دون بعض، وفهمها إما أن يكون على وجه مفصل، وإما أن يكون على وجه مجمَل تحصل به فائدة للمخاطب، وإن لم يصل إلى كنه المراد منه؛ كالآيات والأحاديث الواردة في بعض أحوال يوم القيامة، أما أن يخاطب الله عباده بكلام يستأثر بعلمه، ولا يفهم منه أحد ماذا أريد منه، ولو بطريق الإجمال، فذلك ما نراه بعيداً، ولم تقم أدلة تلجئنا إلى اعتقاد وجوده. لا يظهر للمتشابه على مذهب المفوضة فائدة سوى ابتلاء العبد بتلاوة كلمات تعلو عن فهمه، ولكنه يتيقن أنها حق، ويفوض أمرها إلى الله، مقراً بالعجز عن الوصول إلى معناها، وذلك دليل قوة الإيمان. وأما على مذهب المؤولة، فله فوائد متعددة:

стр. 505

منها: أن وجود المتشابه في الشريعة يجعل في الوصول إلى المراد صعوبة ومشقة، وذلك موجب لزيادة الثواب عند الله. ومنها: أن وجود المتشابه يدعو الإنسان إلى الرجوع إلى الأدلة النظرية، فيصل إلى الحقائق من طرق الاستدلال، ويتخلص من أسر التقليد. ومنها: أن البحث عن المراد من المتشابه يعلم الإنسان طريق التأويل، ووجوه ترجيح بعض هذه الطرق على بعض. قال الطيبي مشيراً إلى هذا الوجه: "إنما كان المتشابه في القرآن؛ لأنه باعث على تعلم علم الاستدلال؛ ذلك أن معرفة المتشابه متوقفة على معرفة الاستدلال؛ فتتوجه الرغبات إليه". ويذكرون في فوائد ورود المتشابه: أن القرآن دعوة للخواص والعوام، وطبائعُ العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق؛ كإثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، وقد يسبق إلى ذهنه أن هذا عدم ونفي، فيقع في التعطيل، فكان من الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ يتبادر إلى أذهانهم منها ما يتخيلونه، وذلك هو المتشابه، ويوضع بجانب هذا ما هو حق صريح يدل على أن المراد غير ما سبق إلى أذهانهم، وهذا الوجه من حكمة ورود المتشابه ظاهر فيما كان من قبيل الصفات ونحوها.

стр. 506

اليمين في القرآن والحديث (١) اليمين: ربط النفس بالامتناع عن شيء، أو الإقدام عليه، بمعنىً معظَّمٍ عند الحالف حقيقة، أو اعتقاداً، وسمّي الحلْف يميناً، لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف. والأحرف التي ترد في اليمين معروفة، وهي: الواو، والباء، والتاء، والهاء. وقد وردت الواو في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، والتاء في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، والباء لم ترد إلا مع فعل القسم؛ كقوله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، وأما الهاء، فلم ترد في القرآن الكريم أصلاً، وإنما وردت في كلام العرب؛ كقولهم: هاللهِ لأفعلنَّ كذا. ومن الصيغ المذكورة للقسم المفيدة للتوكيد والتحقيق قولُ القائل: لا أقسم بكذا؛ كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]، وقولى تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]، وهذا من الأساليب البليغة في التوكيد والتحقيق؛

стр. 507

للدلالة على أن المخبر عنه واضح بينٌ لا يحتاج إلى قسم. وورد في القرآن قسم بعمر النبي ﷺ ، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، والقسم بالعمر قد ورد في الشعر الجاهلي؛ كما قاله طَرَفَة: لَعَمْرُكَ إِنَّ الموتَ ما أَخْطَأَ الفَتى ... لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ وورد في القرآن الحَلْف ببعض المخلوقات؛ تنبيهاً للناس على عظم شأن المقسَم به، أو لبيان فضله؛ كقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطو: ١ - ٦]، أو- للحث على العمل الصالح فيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١ - ٣]. ويحذف القسم بالقرآن حيناً، ويبقى جواب القسم، وهو المقسوم عليه؛ لقرينة تدل على القسم، وهي اللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، فاللام دليل على أن هناك قسماً محذوفاً، والحذف لقرينة تدل على المعنى معهود في العربية. وقد يحذف جواب القسم، وهو المقسم عليه، ويبقى القسم؛ كما قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، فالمقام في وصف القرآن أنه حق، وتقدير الجواب: إنه حق، فالدليل على جواب القسم، وهو المقسم عليه، وصفُ القرآن بذي الذِّكر؛ فإن الذكر لا يكون إلا حقاً؛ كما حذف جواب لمَّا في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، فتقدير جواب لمّا:

стр. 508

كذّبوا، واستهانوا، أو نحوه. وكان العرب يحلفون بما يعتقدون عظمته، فيحلفون بمعبوداتهم وآبائهم، وقد نهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله، فقال: "من حلف، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" إشارة إلى كفره، وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً، فليحلف بالله، أو ليصمت". واليمين ثلاثة أقسام: ١ - يمين غموس: وهي يمين على شيء مضى بأنه وقع، على حين أن الحالف يعلم أنه لم يقع، أو يحلف أنه لم يقع، وهو يعلم أنه وقع. وسميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ولا كفارة فيها، وإنما فيها التوبة والاستغفار. ٢ - ويمين عقد: وهي الحلف على شيء مستقبل بأنه يقع أو لا يقع، وهذه هي التي تجب فيها الكفارة عند الحنث. والكفارة: العمل الذي من شأنه أن يكفِّر الخطيئة؛ أي: يسترها، وهي المبينة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ٣ - ويمين لغو: وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وهي الحلف على شيء ظن الحالف أنه كما اعتقد، فيظهر الشيء على خلاف ظنه، وحكمها أنها لا كفارة فيها، ولا إثم. وقد اختلف الفقهاء في تفسير لغو اليمين التي ذكرت في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا

стр. 509

عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. والشافعي يرى أن اليمين اللغو: هي ما لا يقصد به الحالف يميناً؛ مثل: لا والله لتأكلن معي، وعنده أن الحلف على ما ظنه الحالفُ واقعاً، ولم يقع، من الغموس التي تجب فيها الكفارة، وتغفر بها. أما الحنفية والمالكية، فيرون أنها لغو لا كفارة فيها، ولا يلزم بسببها شيء. واليمين يراعى فيها العرف، ويقدم على الوضع اللغوي، فمن حلف ألاّ يأكل لحماً، فأكل سمكاً، فإنه لا يحنث عند الحنفية؛ لأنه لا يطلق على السمك في العادة اسمُ اللحم، وإن سمي به في اللغة. ويحكى: أن ابن أبي ليلى أرسل جماعة يسألون أبا حنيفة عن حكم من حلف ألاّ يأكل لحماً، وأكل سمكاً، فقال أبو حنيفة: لا يحنث، فقالوا له: يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]، فقال لهم: ما تقولون فيمن حلف ألا يجلس على بساط، وجلس على الأرض؟ فقالوا: لا يحنث، فقال لهم: ما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]!؟ فسكتوا. واليمين تلزم إذا لم يستثن صاحبُها؛ بأن يقول: إن شاء الله. وسمي هذا الشرط استثناء، لأنه في معنى: إلا أن يشاء الله. وإنما ينفع الاستثناء إذا قصده الحالف قبل انتهاء جملة الحلف، ولو بحرف، لأنه إذا لم ينطق بذلك الحرف، لا يكون حالفاً؛ لأن يمينه لا تتم حتى ينطق بذلك الحرف. ويحكى أن أحد فقهاء المالكية كان ببغداد يتلقى العلم، فلما انتهى من التلقي، وأراد أن يرجع إلى بلده، ذهب إلى المكاري، فوجد معه مكارياً

стр. 510

آخر، فقال المكاري لزميله: إني حضرت اليوم في درس الشيخ فلان قولَ ابن عباس: إن الاستثناء في الحلف -ولو بعد سنة- جائز، وأرى ذلك خطأ؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولو كان الاستثناء جائزاً، لقال له: استثن في يمينك. فقال الفقيه: بلد يكون المكاري فيه بهذه الدرجة من العلم لا أخرج منه! ويمكن أن يجاب عما روي عن ابن عباس: بأن الاستثناء خاص بالتشريع الإسلامي، ولم يكن معروفاً في شريعة أيوب. ويعتبر في اليمين: قصدُ الحالف إن حلف من تلقاء نفسه، أما إن طلب منه أحد الحلفَ على أمر، فحلفه، يكون على قصد محلِّفه، فإذا قصد الحالف غير ما يريده المحلِّف، فلا نظر لقصده، واليمين منعقدة. أما تغليظ اليمين في الدعوى - والتغليظ هو: تخويف الحالف من عاقبة حلفه بجعله في بعض الأماكن المقدسة مثلاً -، فلم يرد فيه إلا ما رواه جابر بن عبد الله من قوله ﵇: "من حلف على منبري آثماً، تبوأ مقعده من النار". ومن الفقهاء من قاس على منبر الحرم النبوي غيرَه من منابر المساجد، وهذا القياس قريب. ومنهم من قصر التغليظ في الحلف على منبر رسول الله ﷺ كأبي حنيفة، ورأى القياس عليه غير وجيه، واقتصر على تحليف المدعى عليه بين يدي القاضي فقط. وكنت أرى القاضي المالكي في تونس يرسل مع المطلوب لليمين أحد أعوانه إلى جامع الزيتونة، ويحلف بالموضع الذي فيه نسخة من

стр. 511

المصحف الشريف. ومن حلف بالقرآن، فقد انعقدت يمينه الشرعية؛ لأنه حلف بكلام الله؛ فقد نص الفقهاء على أن الحلف بذات الله، أو صفة من صفاته يمينٌ شرعية منعقدة. ومن العامة من يحلف بالله كذباً، ويحلف بالولي. وسمعت بأذني رجلاً عامياً يقول لآخر: والله! ما فعلت كذلك، فقال: لا أصدقك، ولو حلفت بحق الولي فلان. فينبغي تعليم العوام: أن الله أعظم من كل عظيم. وقد سمعت بعض المنتمين للعلم يعتذر لمثل هذا العامي بعذر مثل الذنب، فيقول: إن الله حليم يغفر لمن حلف به كاذباً، والولي يبادر إلى الانتقام ممن يحلف به كاذباً. وقد أمر الشارع من حَلَف أن يترك فعل خير؛ كصلة رحم، بأن يفعله، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ونبَّه في الصحيح على من حلف على شيء، ورأى غيره خيراً منه أن يكفِّر عن يمينه، ويفعل ما هو خير؛ قال ﷺ -كما في الصحيح: "من حلف على يمين، ورأى خيراً منها، فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير". وأخيراً: نوجه أنظار الناس إلى أن الله كره لعباده كثرة الحلف، ونهاهم عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. ومن النّاس من يتخذ كثرة الحلف وسيلة لخداع غيره، وحمله على

стр. 512

تصديقه، وقد ذمَّ الله ذلك، ومقت أصحابه، ونهى النبيَّ والمؤمنين عن تصديق أيمانهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]. فليحذر المسلمون كل فعل وقول يشكك في عهدهم وصدقهم؛ حتى تكون كلمتهم موضع ثقة، ولا تكون بهم حاجة إلى ترديد الأيمان؛ فإنَّ تعوُّد الحلف مظنة الكذب، وسبيل العصيان.

стр. 513

الرقية والاقتباس والاستخارة والقرآن (١) أُنزل القرآن دعوة إلى الحق، وهداية إلى مصالح الدنيا والآخرة؛ ليُخرج الناس من ظلمات الحيرة إلى صبح اليقين، فشُرعت تلاوته للتعبد والتدبر في آياته، وأخْذ الأحكام، وتحقيق مسائل من مفردات العربية وأساليبها، ويتبع ذلك تلاوتُه للاستشفاء من عوارضَ جسمية، وهي: الرقية بالقرآن كتلاوته، فيَشْفي الله من رقية القرآن، كما يهدي بتلاوته من يشاء من عباده. روي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: "كنا في مسير لنا على حيٍّ من أحياء العرب، فجاءتنا جارية، وقالت: إن سيد الحي سليم (لديغ)، فهل فيكم راقٍ؟ فقام معها أبو سعيد، ورقاه بالفاتحة، فشفي، فأمر لهم بثلاثين شاة، فلم يتصرفوا فيها حتى أتوا النبي ﷺ ، وسألوه، فأقرهم على ذلك". فالنبي الكريم أذن في اتخاذ القرآن وسيلة لدفع شرورٍ ومكاره دنيوية. وأما كتابة بعضه في ورقة، واتخاذه حرزاً يُتقى به من شرور الدنيا، فلم أره في سيرة النبي ﷺ ، ولا سيرة السلف الصالح.

стр. 514

ورأيت في تراجم بعض الشيوخ: أن شخصاً جاءه، وقال له: قد وجدت حرزاً بخطك ملقًى في مزبلة، فعزم الشيخ على أن لا يكتب حرزاً بعد ذلك. ولا يتلى شيء من القرآن بقصد الوصول إلى دنيا يصيبها. وحكي عن بعض العلماء من أهل القيروان: أنه كان في حالة بؤس، فقيل له: اقرأ سُورَةِ الواقعة، فإن قرأتها كل يوم، تجلب الرزق. فقال: لولا أن أهجر سُورَةِ من القرآن، لم أتلها في المستقبل ما دمت حياً، إذ كان بعض الناس يقصد بقراءتها جلب الرزق. وقد تكون قراءة القرآن للتعبد والتدبر مؤدية إلى تيسير ما عسر، من حيث إنها طاعة خالصة لله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والاقتباس: وهو تضمين النثر أو الشعر بعضَ القرآن لا على أنه منه، فلا يقال: قال الله تعالى، بل يذكر كأنه من المتكلم، وقد رآه بعض الفقهاء ماسًّا بقداسة القرآن، فهو محرَّم عنده بإطلاق. والتحقيق: أنه في الدعاء أو الموعظة والحديث الذي يراد به تعليم الحكمة جائز. واستعماله في المزاح والكلام الذي لا يكون معه القلب خاشعاً لله لا يجوز. واقتبس النبي ﷺ بعض القرآن في مقام الدعوة إلى الحق، وقال في حديث له مع علي بن أبي طالب ﵁ كما في الصحيح: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. وقد استعمل العلماء الاقتباس في خطبهم وغيرها مما يراد به الجد؛

стр. 515

كقول البيضاوي في خطبة "تفسيره": (الحَمْدُ لله الّذي نَزَّلَ الفُرْقانَ على عَبْدِه لِيَكونَ للعَالمين نَذيراً)، وقوله: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وقوله: (مَنْ ألقى السَّمْعَ وهو شَهِيد)، واستعمله القاضي عياض في خطبة كتاب "الشفاء"؛ كقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]. وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. واستعمله محمد بن جزي في خطبة كتابه "القوانين"، فقال: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. واستعمل الشهاب الخفاجي في خطبة "شرح الشفاء" آية شطراً من تسجيع، ولم يقل: قال الله تعالى، فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. ومن باب الاقتباس: أن يجيء الإنسان إلى الجملة من القرآن المنسوبة إلى الله، فينسبها إلى نفسه؛ كقول بعض الولاة لبعض المساجين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقول آخر في عُمّالِهِ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. وذلك تشبُّهٌ بالإله، ومعصية كبيرة. والتحريف اليسير جائز في الاقتباس دون القرآن، قال أحد أساتذتنا: واعتمدت على أن التحريف جائز في الاقتباس، فقلت في مرثية: ... ونَمارِقُ مَصْفوفَةٌ وزَرابِيُّ. ومن الشعراء من تجرأ واقتبس بعض القرآن والأحاديث النبوية في شعر غزلي أو هزلي، فالإيمان يقضي بتجنب ذلك، فهو إعراض عن الحق إلى ضلال مبين.

стр. 516

وفي القرآن آيات فيها حكمة وبلاغة يضعها الناس في كلامهم موضعَ الأمثال، وتسمَّى: أمثال القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله أيضاً: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، وقد نص المفسرون وغيرهم على أنها تستعمل في مقام الوعظ، وتعلم الحكمَة، ولا تستعمل في المزح والكلام الخالي من الحكمة؛ كقول بعضهم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] في مقام المتاركة. وقصة المرأة التي يزعم أنها تتكلم بالقرآن قد ذكرت في كتب لا يعول عليها في هذا الشأن، وعلى فرض وقوعها، فاستعمال امرأة لبعض القرآن في أمور عادية تخصها لا يقره عالم من العلماء. ومن الناس من يأخذ الفأل من القرآن، فإن وجد آية تأمر بفعل شيء، فعل؛ كأن يسافر، أو يتزوج، وإن وجد آية تنهى عن فعل شيء، ترك الفعل، ويفهم أنه نهي عنه. حكى بعض المؤرخين أن بعض العلماء أراد السفر في البحر، ففتح المصحف، وقابله قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]، فترك السفر، وغرق المركب في البحر براكبيه، وهذا مصادفة، ولم يرد القرآن لأخذ الفأل منه، بل نزل شفاء لما في الصدور. وحكوا عن يزيد بن معاوية: أنه فتح المصحف، فقابله قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، وقال كلاماً خارجاً

стр. 517

عن الدين، وهذا موضوع من أصله عن يزيد لا ينبغي ذكره على أنه واقع. ومنهم من يستخير بالقرآن على وجه آخر، وهو أن يفتح المصحف، ويضع المفتاح بنصف المصحف، ويربطه ربطاً محكماً، ويضع جانباً من عروته على إصبعه، وجانباً على إصبع جانبه، فإن دار عن يمينه، استدل به على الإذن في الفعل، وإن دار على اليسار، استدل به على المنع من الفعل؛ والقرآن إنما نزل هداية. وقد شرع النبي ﷺ الاستخارة بصلاة ركعتين، وقراءة سورتين: الكافرون، وقل هو الله أحد، ويقول عقب الركعتين: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، وأرضني به". وفي الصحيح: "أن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة في القرآن". وإذا استخار المؤمن الله تعالى في فعل أمر، انشرح صدره لفعل الأمر إن كان فيه خير، فإن لم يكن فيه خير، انصرف قلبه عن فعله. ومن الناس من لا يستغني بالاستخارة الشرعية، فيضيف إليها استخارة منامية يقول فيها: إن كان الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي، فأرني خضرة أو بياضاً، أو ماء جارياً، وإن كان شراً لديني ومعاشي، فأرني سواداً أو دخاناً.

стр. 518

وينبغي الاستغناء بالاستخارة الشرعية عن غيرها من جميع الاستخارات التي هي مبتدعة غير مطردة. وأذكر بهذه المناسبة استخارة السبحة، فإنها بدعة، لا يعوَّل عليها في شيء، خير أو شر، ولا يرتكبها إلا من لعبت به نفسه، ولا يجنح لها إلا من يجهل الاستخارة الشرعية الوحيدة. فيجب على أبنائنا أن يدَعوها، ويطهروا سيرتهم من عملها.

стр. 519

إعجاز القرآن وبلاغته (١) جاءت آيات من القرآن بأنباء عن الأمم السابقة؛ كقصة آدم، وقوم نوح، وقوم هود، وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى ﵈، وكثير منها لا يعرفه العرب، فحكاها القرآن حكاية من حضرها وشاهدها، ولم نجد في التاريخ ما يخالفها. وقول بعضهم: إن قصة آدم تمثيل، وغير واقعة كلامٌ لا يستند إلى شيء معقول، فضلاً عن تاريخ صحيح. وقوله تعالى في قصة مريم: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]؛ حيث جعلها أختَ هارون قد أجاب عنه النبي ﷺ : بأنهم كانوا يُسَمّون بأسماء أنبيائهم، وليس المراد هارون أخا موسى. ومن أنباء القرآن ما يكون مستقبلاً , ووقع كما أخبر به؛ كقوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]؛ فقد غَلبت الروم في بضع سنين كما أخبر به القرآن في قوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾

стр. 520

وقد نزل القرآن في آخر غزوة من غزوات رسول الله ﷺ ، وقال للمخلَّفين: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦]، ولم يدعُهم النبي ﷺ ؛ لأنها نزلت في آخر غزوة من غزواته، ودعاهم أبو بكر الصديق ﵁ إلى قتال أهل الردّة ذوي بأس شديد. ولا يدخل في الإخبار بالمغيبات ما توهمه بعضهم من أن مصر تفتح للعثمانيين في عهد السلطان سليم سنة كذا؛ أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ إذ أن حروف (ولَقَدْ) توافق حروف (سليم) في حساب الجمل، والذكر يوافق حسابها تلك السنة، فيكون المعنى: سليم، كتبنا في الزبور من بعد تلك السنة أن الأرض -أي: مصر- يرثها عبادي الصالحون، وهم العثمانيون. فلا يؤخذ من القرآن إلا ما نزل للهداية، وما حصل من فتح سليم لمصر في السنة المذكورة كان مجرد مصادفة. والقرآن وصل بالبلاغة - وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال - إلى أعلى مما وصل إليه بلغاء العرب، فتحدّاهم بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] , وقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. وأذكر بهذه المناسبة أني زرت الشيخ محمد بن يحيى الشنقيطي في الحجرة التي نزل بها من زاوية الشيخ إبراهيم الرياحي في تونس سنة ١٣١٥ هـ , فوجدته يتلو من حفظه الأبيات التي وجهها السائل للشيخ السبكي، ويقول فيها: أسيدَنا قاضي القضاة ومَن إذا ... بدا وجهُه استحيا له القَمَرانِ

стр. 521

رأيتُ كتابَ الله أكبرَ معجزٍ ... لأفضلِ من يهدى به الثقلانِ ولكنني أبصرتُ في الكهف آيةً (١) ... بها الفكرُ عن طولِ الزمانِ عياني وما هي إلا استطعما أهلَها فقد ... أرى اسْتَطْعَماهُمْ مثله ببيان فما السرُّ للقرّاء في وضع ظاهرٍ ... مكان ضميرٍ؟ إنَّ ذاكَ لِشانِ وذكر في الجواب: أن (أهلها) جمع مضاف يفيد العموم، فيدل على أنه استطعم جميع أهل القرية؛ بخلاف ما لو أتى به ضميراً، فإنه يحتمل أن يكون الاستطعام لمن أتاهم، وهم سكان أول القرية. وقد جاء في القرآن ما نطق بمعناه العرب، فقالوا: (القتلُ أَنفى للقتل)، وقال القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وقال العرب: كلُّ ابنِ أنثى وإن طالت سلامتُه ... يوماً على آلَةٍ حَدباءَ محمولُ ولقول القرآن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ فما نطق به القرآن أوجز وأبلغ. وحكاية القرآن لأقوال الناس؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] إنما هي حكاية لمعنى ما قالوه، لا لفظه، فلا يكون منهم معجزاً كإعجاز القرآن.

стр. 522

وأذكر بهذه المناسبة أنه أقيمت مأدبة للشيخ محمد عبده عندما زار تونس، وكان من الحاضرين الشيخ سالم بو حاجب، فحكى حكاية اقتضى الحال أن يعيدها الشيخ محمد عبده للحاضرين، فقال له الشيخ: قد أعدتها بأحسن مما قلته أنا. والشيخ محمد عبده لم يزد في الحكاية معنى لم يقله الشيخ، وإنما حكاها بألفاظ أفصحَ من عبارة الشيخ بو حاجب، وأبلغَ. وتذاكرت مع الشيخ عارف المنير أحدِ علماء الشام في علوم القرآن، فأخبرني بأن بعضهم قال له: ما وجه معجزة القرآن؟ فأجابه الشيخ عارف بقوله: بلاغته، فقال له المعترض: بلوغ الكلام الدرجة العليا من بلاغة اللغة لا يدل على أنه معجزة، كما أن (هوميروس) ألَّف في تاريخ اليونان قصيدة قالوا: هي أبلغ ما قيل في لغة اليونان، ولم يستطع أحد أن يقول مثلها في البلاغة، ولم يكن بذلك رسولاً. فقلت للشيخ عارف: الفرق بين بلاغة (هوميروس) وبلاغة من يليه فرق قريب، أما الفرق بين بلاغة القرآن، وأبلغِ متكلم باللغة العربية، ففرق بعيد، فيصح أن يكون معجزة للرسول، وإن أحاديث الرسول ﷺ بليغة في ذاتها، ولكنْ هناك فرق بينها وبين القرآن. وقد تحدى الرسول العرب بالقراَن، فعجزوا عن الإتيان بمثله. ومن بلاغة القرآن: قولُه تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فالمراد: وإن تغفر لهم، فإنك أنت القوي الغالب الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة، ولا يصح الوقف إلا على قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾، وليس مراده الاستشفاعَ لهم حتى يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم - كما توهمه بعضهم، وجعل الوقف على

стр. 523

قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وجعل قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] مستأنفاً. وهذا الوجه من وجوه الإعجاز لا يدركه إلا من عرف بلاغة اللغة العربية. ومن إعجاز القرآن: اشتماله على حِكَم ومعان صحيحة، وعدم وجود اختلاف بينها مع كثرتها، وهذا الوجه من الإعجاز يدركه حتى من لا يعرف بلاغة اللغة العربية. وقد دخلت إلى مسجد (بايزيد) بالآستانة في رمضان، فوجدت عالماً تركياً يدرس "شرح السعد على التلخيص" في بلاغة اللغة العربية، فكان يقرأ النص العربي، ويشرح لهم المعنى باللغة التركية، فيفهمون المعنى وحكمته. وقد سألني بعض من له دراية بعلوم الفلسفة، فقال: إن الحكماء يقولون: إن الصداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء، فهل يوجد هذا المعنى في القرآن؟ فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، فهذا يدل على أن الفضلاء يستمرون على صداقتهم، ولو مع الأهوال العظيمة. وإن القرآن وحده دعوة وحجة، ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]؛ حيث جعل سماعه للقرآن حجة كافية في الدعوة. وعلماء جامع الزيتونة لا يقرؤون تفسير القرآن إلا إذا قرؤوا علوم المعقول والمنقول، حتى يدركوا بلاغة القرآن. وأذكر أنه طلب مني بعض الطلبة أن أقرأ لهم "تفسير البيضاوي" في جامع (حمودة باشا)، فأجبت رغبتهم، وقرأت منه دروساً، فأرسل إليَّ

стр. 524

القاضي المالكي يدعوني إلى المحكمة، فذهبت إليه، فقال لي: بلغني أنك تدرس التفسير، فقلت: نعم، فقال لي: على من قرأته؟ فقلت: على شيخنا عمر بن الشيخ، وشيخنا محمد النجار، فقال لي: هؤلاء ما قرؤوا التفسير إلا بعد أن صاروا شيوخاً كباراً. فبلغ الأمر إلى الوزير الكبير الشيخ محمد العزيز بوعتور، فقال: يترك المسجد الذي تكلم معه عنه القاضي المالكي؛ عملاً بقاعدة عدم النزاع مع الكبراء، ويدرّس في مسجد آخر، فقرأت التفسير في مسجد (أبي القاسم الجلّيزي).

стр. 525

ترجمة القرآن (١) لكل كلام عربي بليغ معانٍ أصلية تحصل من مجرد نسبة الفعل إلى الفاعل، أو الخبر إلى المبتدأ، وهي ما يقع عليه فهم كل سامع عرف ما وضعت له ألفاظ الجملة، وكان خبيراً بما تدل عليه وجوه إعرابها؛ من نحو: الفاعلية، والمفعولية، والحالية، والإضافة، وللكلام بعد هذه المعاني الأصلية معانٍ ثانوية، وهي ما يبحث عنها في علوم البلاغة، ويسميها علماء البلاغة: مستتبعات التراكيب. وبهذه المعاني يرتفع شأن الكلام، وفي مجالها يتسابق فرسان البراعة من الخطباء والكتاب والشعراء، فقد يتفق المتكلمان بمنظوم أو منثور في إفادة المعنى الأصلي، ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يلابسه من معان زائدة على المعنى الذي اشتركا في إفادته. وللقرآن المجيد معان أصلية، هي ما تفيد الآيات المفصلة من الأوامر والنواهي، والحِكَم والأحكام والقصص، وما ترسمه من أوضاع العبادات، وتقيمه من حجج على عقيدة التوحيد، وما تحثُّ عليه من أخلاق وآداب، وتبشر به من ثواب، وتنذر به من عقاب، إلى ما يشاكل هذا من المعاني الزائدة

стр. 526

إلى تهذيب النفس وإصلاح الاجتماع. نزل القرآن لإفادة هذه المعاني التي تقرر بها حقائق الدين القويم، وأوردها في آيات يلابسها من لطائف المعاني وروعة النظم ما يساعد على وقوعها في النفوس المستعدة لإدراك الحقائق موقعَ الإجلال والإعجاب. ولهذه اللطائف من المعاني والروعة الخاصة بنظمه العربي أثر عظيم في تكوين حقيقة قرآنيته، وبها تمَّ شطر من المهمة التي نزل لتحقيقها، وهو الإعجاز، فهو الكتاب الوحيد الذي ينطق بالدعوة، والحجةِ على صدقها في كلام واحد. فالباحث في صحة ترجمة القرآن ينظر إلى ناحيتين: المعاني الثانوية التي تمَّ بها الإعجاز، والمعاني الأصلية التي تحصل من مجرد إسناد فعل إلى فاعل، أو خبر إلى مبتدأ. * المعاني الثانوية: ليس بالمستطاع أن تُنقل إلى لغة أجنبية المعاني الأصلية، وهي محفوفة بالمعاني التي هي مظهر بلاغة القرآن، والناهضة بقسط عظيم من بينات إعجازه. وممن نبَّه على هذا في القديم: أبو القاسم الزمخشري في "كشافه" إذ قال: "إن في كلام العرب -خصوصاً القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان". ولا يسهل على أحد ادعاءُ أن في اللغات المعروفة اليوم، ما يسع نقل معاني القرآن الأصلية، مع ما يلابسها من أسرار المعاني التي يسميها البلغاء: خواص التراكيب.

стр. 527

* المعاني الأصلية: يمكن نقل المعاني الأصلية إلى لغة أجنبية؛ حيث لا تقصر اللغة الأجنبية عن تأديتها. قال أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته": "إن ترجمة القرآن على الوجه الأول -يعني: النظر إلى معانيه الأصلية- ممكنٌ، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيانُ معانيه لمن ليس له فهم على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزاً باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجَّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي". وإذا كان نقل المعاني الأصلية قد يقع صحيحاً، وكان في مستطاع من يجيد لغة أجنبية أن ينقل هذه المعاني من اللغة العربية إلى اللغة التي أجاد معرفتها، لم يبق سوى النظر في تفصيل حكم هذا النقل، وبيان حال المنع منه، أو الإذن فيه. في القرآن آيات واضحة المعنى، لو نقل معناها الأصلي إلى لغة أجنبية، لتساوى كلام المفسر المحقق العربي، والناقلِ له إلى اللغة الأجنبية في أداء ذلك المعنى الأصلي؛ كآية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وهي الآية التي صدَّر بها رسول الله ﷺ خطابه إلى قيصر وكسرى في الدعوة إلى الإسلام، وهما لا يعرفان العربية، وإنما يتلقيان معناها من طريق الترجمة كبقية ما اشتمل عليه خطاب الدعوة. فنقلُ المعنى الأصلي لآية أوآيات من هذا القبيل جائز، وهذا ما يريده

стр. 528

أبو إسحاق الشاطبي فيما حكينا عنه آنفاً، ويصح أن يتفق أهل الإسلام على جوازه. أما ترجمة المعاني الأصلية للقرآن كله، أو لجزء كبير منه متتالي الآيات، فيلحقها من الخلل ما يوجب الحذر منه. يقع في الذهن أن لترجمة القرآن المجيد فائدة هي نشر دعوة الإسلام بين الشعوب التي لا تفهم الكلام العربي، ويضاف إلى هذا: أن كثيراً من الأوربيين قد صنفوا ما سمَّوه: ترجمة القرآن، واشتملت هذه التراجم على أخطاء فاحشة صدرت منهم على جهالة، أو على عمد، ولا يكفي شرَّ هذا الفساد إلا أن ننقل معاني القرآن إلى تلك اللغات على وجه صحيح. ويتراءى إزاء هذا وجوهٌ من الفساد تعترض في سبيل ترجمته، حرفية كانت أو معنوية. ومن هذه الوجوه: أن يكون اللفظ ذا معنيين، أو معانيَ تحتملها الآية، فيضطر المترجم إلى أن يضع بدله من اللغة الأجنبية اللفظ الموضوع لما يختاره من المعنيين أو المعاني؛ حيث لا يجد لفظاً يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة. واشتمالُ القرآن على آيات كثيرة تحتمل وجوهاً من التأويل -ولاسيما الآيات المتشابهة؛ كآيات الصفات- يجعل من يحاول ترجمته مضطراً إلى أن يأخذ في الترجمة بالوجه الذي يراه راجحاً، فتخرج التراجم -إذا تعددت- مختلفةً اختلافاً متباعداً، وذلك الاختلاف يفتح باباً لتوهم المطلعين عليها -من غير العارفين بالعربية- أنه قد وقع في نُسَخ القرآن اختلاف كما وقع في غيره من الكتب السماوية.

стр. 529

ئم إننا لا نأمن من إخراج شيء يقال له: ترجمة القرآن أن تحل هذه التراجم في أذهان العامَّة من غير العرب محل القرآن نفسِه، ويكتفون بها عن قراءة القرآن في الصلاة، وتلاوتِه على وجه التعبد، ولا يدرون أنهم يتعبدون بغير ما أنزل الله. ونستخلص من هذا البحث: أن القرآن يراعي في حقيقته المعاني الأصلية مضموماً إليها المعاني الثانوية التي هي وجوه بلاغته. وترجمة المعاني الأصلية وحدها، وتسميتها: ترجمة للقرآن، يوهم أن المترجم أخذ معاني القرآن من أطرافها، ونقلها إلى اللغة الأجنبية، كما يقال في ترجمة غيره: ترجمة طبق الأصل، وهذا هو الفرق بين التفسير والترجمة، فالمفسر يتكلم بلهجة المبيِّن لمعنى الكلام على حسب فهمه، فكأنه يقول للناس: هذا ما أفهمه من الآية، والمترجم يتكلم بلهجة من أحاط بمعنى الكلام، وصبَّه في ألفاظ لغة أخرى. فكأنه يقول: معنى هذا الكلام هو عين معنى الآية، وشأن المفسر أن يقول: يعني كذا، وشأن المترجم أن يقول: قال كذا. ولهذا الفرق منع كثير من أهل العلم رواية الحديث بالمعنى؛ لأنها في الحقيقة من قبيل الترجمة، ولم يختلفوا في جواز شرح الحديث؛ لأنه من قبيل التفسير. والعمل الذي يصان به القرآن الكريم من تحريف، أو وهمٍ يتسرب إليه من طريق الترجمة، ويقضي هو دعوته العامة الخالدة، ويمكّن من لا يعرف العربية من الاطلاع على جانب عظيم من المعاني المودَعة في ألفاظه المنزلة من عند الله: أن يتولى طائفة من الراسخين في الإيمان وفهمِ القرآن تأليفَ تفسير باللسان العربي، لا يزيدون فيه على ما يفهم على وجه التحقيق من

стр. 530

الآية، مع ملاحظة ما اقتضى الإيجاز حذفه، ثم يتولى طائفةٌ ترجمةَ هذا التفسير بأمانة وبراعة، وتظهر هذه الترجمة بعنوان: "ترجمة تفسير القرآن"، وينبه على أن التفسير ألَّفته لجنة، وترجمته تحت إشراف رئاسة دينية حازمة، ومن المعهود أن التفسير لا يخلو من كلمة تنبئ أنه تفسير لا ترجمة.
следующие страницы →