وبأسلوبه البليغ حين يكتب في "بلاغة القرآن"، وبعلمه الصادق وقلبه المؤمن إذ يتحدث عن "نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية"، وبتقواه وورعه حين يهدي إلى "رأي في تفسير القرآن"، وبفضل الموجه العليم حين يحاضر طلابه في الأزهر حول "المحكم والمتشابه في القرآن الكريم"، إلى آخر تلك البحوث النورانية.
وإذا ما واصلت السير معه في درب الهدى إلى النقد، نجده الإمام الذي لا يخشى في الحق أحداً، ولايسكت عن رأي جاهل أو مضلّ يدس على الإسلام، بل سرعان ما يجرد قلمه المؤمن؛ ليحطم به أفكار أعداء الحق، ويدلي بالحجة بعد الحجة، والبينة إثر البينة، فيفحم الحائدين عن جادة الصواب، ويردهم على أعقابهم خاسئين خاسرين.
جمعت تلك البحوث والردود ومقالات النقد في كتاب خصصت به ما كتبه الإمام عن القرآن العظيم، والدفاع عن آياته ومعانيه، وجعلت لها عنوانا: "بلاغة القرآن"، وهو البحث الأول في الكتاب.
رحم الله الإمام محمد الخضر حسين الذي كان مثالاً عزّ مثيلُه في الكفاح والجهاد والدفاع عن الحق دون خوف أو سأم.
وأذكر بيتاً من الشعر للعم الإمام يردده، وهو قائله:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن واد أعيش به وحدي
ذكرت في الهامش عند مطلع كل بحث: المصدرَ الذي نقلت عنه.
والله نسأل الهداية والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
علي الرّضا الحسيني
стр. 457
بلاغة القرآن (١)
لدعوة الإسلام براهين ناطقة بأنها دعوةُ حقٍّ، ولسانُ صدقٍ، وأقوى هذه البراهين دلالةً، وأملؤها للقلوب يقيناً: ذلك الكتابُ الذي نزل به الروح الأمين على خاتَم النبيّين. ولو لم تقترن الدعوة الإسلامية إلا به، لكان كافياً في إقامة الحجّة على أنها الرسالة الشاملة الخالدة.
وللبحث في إعجاز القرآن نوَاحٍ كثيرة، اتجه إليها المفسرون وعلماءُ البيان بتفصيل، فكشفوا الغطاء عن كثير من أسرارها، ووضعوا أيديهم على جانب عظيم من حقائقها، والناحية التي سنحدِّثك عنها في هذا المقال هي: ناحية بلاغته، وحسن بيانه.
بلاغةُ القول: أن تكون ألفاظه فصيحة، ونظمه محكماً، ودلالته على المعنى منتظمة وافية.
أما فصاحة ألفاظه، فبأن يسهلَ جريانها على اللسان، ويخفَّ وقعها على السمع، ويألفها الذوق غيرَ نابٍ عنها، وهي مع ذلك جاريةٌ على ما ينطق به العرب، أو يجري على قياس لغتهم.
стр. 458
وأما إحكام نظمه، فبأن تقع كل كلمة منه موقعها اللائق بها؛ بحيث تكون كلماته متناسبة، يأخذ بعضها برقاب بعض، فلا يمكنك أن تضع يدك على كلمة وتقول: ليت هذه الكلمة تقدمت عن تلك الكلمة، أو تأخرت عنها.
وأما انتظام دلالته، فبأن يطرق اللفظُ سمعك، فيخطر معناه في قلبك، وحصولُ المعنى في القلب بسرعة، أو بعدَ مهلة يرجع إلى حال السامع من الذكاء، أو بطء الفهم، وحال المعنى من جهة ظهوره، وقرب مأخذه، أو دقته وغرابته.
ويتحقق انتظام دلالة الكلام بإخراج المعاني في طرق تُريكَها في أقوم صورة، وأعلقها بالنفس؛ كالتشابيه، وضرب الأمثال، والاستعارات، والكنايات المصحوبة بقرائن تجعل قصد المتكلم قريباً من فهم السامعين.
وأما كون الدلالة على المعنى وافية، فبأن يؤدي اللفظ صورَ المعاني التي يقصد المتكلم البليغ إفادتها للمخاطبين على وجه أكمل؛ بحيث تكون العبارة بمفرداتها وأسلوبها كالمرآة الصافية، تعرض عليك ما أودعت من المعاني، لايفوت ذهنك منها شيء. ونريد من المعاني التي يؤديها الكلام غير منقوصة: ما يشمل المعاني التي يراعيها البليغ زائدة على المعنى الأصلي الذي يقصد كل متكلم إلى إفادته، وهي المعاني التي يبحث عنها في علم البيان، وتسمى: "مستتبعات التراكيب"، وكثيراً ما ننبه لهما فيما نكتب من التفسير.
هذه الوجوه التي يرجع إليها حسنُ البيان يتنافس فيها البلغاء من الكتاب والشعراء ويتفاضلون فيها، درجات، فترى كلاماً في أدنى درجة، وآخر فيما
стр. 459
هي أرفع منها، ولا تزال تصعِّد نظرك في هذه الدرجات المتفاوتة إلى أن تصل إلى كلام يبهرك بفصاحة مفرداته، ومتانة تأليفه، وانتظام دلالته، وبهجة معانيه المالئة ما بين جوانبه.
فإذا أردنا أن نتحدث عن بلاغة القرآن، أتينا إلى البحث عنها من هذه الوجوه التي وضعناها بين يديك، فننظر في ألفاظه من جهة فصاحتها، وفي نظمه من جهة أخذ كل كلمة الموضعَ اللائق بها، وفي دلالتها من جهة تصوير المعاني، وإيصالها إلى الأذهان من غير تعسف، ولا التواء، ثم في جمله من جهة ما تحمل من المعاني التي يستدعي المقام مراعاتها.
أما فصاحة مفرداته، فلا تمرُّ بك كلمة منه إلا وجدتَها محكمة الوضع، خفيفة الوقع على السمع.
وأما متانة نظمه، فقد بلغت الغاية التي ليس وراءها مطلع، فلا يمكنك -وأنت العارف بقوانين البيان، الناظرُ في منشآت البلغاء لإمعان- أن تشير إلى جملة من جمله، وتقول: ليتها جاءت على غير هذا الوضع، أو تشير إلى كلمة من كلمها، وتقول: لو استبدل بها كلمة أخرى، لكانت الجملة أشدَّ انسجاماً، وأصفى ديباجة.
يصل الكلمة بما يلائمها، ويعطف الجملة على ما يناسبها، ويضع الجملة معترضة بين الكلمتين المتلائمتين، أو الجملتين المتناسبتين، فترى الكلمتين أو الجملتين مع الجملة المعترضة بينهما كالبناء المحكم المتلائم الأجزاء، فلا يكاد الفكر يشعر بأنه انقطع بالجملة المعترضة عن الكلمة الأولى، أو الجملة، ثم عاد إلى كلمة أو جملة مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً.
وأما انتظام دلالته على ما يقصد إفادته وإحضاره في الأذهان، فإنك
стр. 460
ترى فيه التشابيه الرائعة، والأمثال البارعة، والاستعارات الطريفة، والمجازات اللطيفة، والكنايات المنقطعة النظير، والتعريض الذي يقتضيه المقام، فيكون أقربَ إلى حسن البيان من القول الصريح.
وقد يخطر على بالك أن في القرآن آياتٍ مشكلة، أو متشابهة، والحق الذي لا مرية فيه: أن لا إشكالَ في القرآن عند من يتدبره برويَّة، ويأتي إلى التفقه فيه، وقد تزود بقوانين لغة العرب، واستضاء بمعرفة فنون بيانها.
وليس في القرآن متشابه على معنى أن في الآيات ما لا يظهر تأويله للناس؛ بحيث يتلُونه، أو يستمعون إليه، ولا يعودون بفائدة علمية أو أدبية.
وأما استيفاؤه للمعاني التي يستدعي الحال الإفصاحَ عنها، أو الإيماء إليها، فإنك تنظر في الآية، وتتدبر المعنى الذي سيقت من أجله، فتعود منها ويدك مملوءة من الفوائد التي تقع إليها؛ من حيث تقرر شريعة، أو تقيم حجّة، أو تلقي موعظة، أو ترسل حكمة، إلى نحو هذا مما تستبين به سبيل الرشد، وتنتظم به شؤون الحياة، وترتفع به النفوس إلى أعلى درجات الفلاح في دنياها وآخرتها.
بلغ القرآن الطرف الأعلى من حسن البيان، على الرغم من أشياء اجتمعت له، ولو عرضت لكلام مخلوق، لنزلت به عن المكانة العالية إلى ما هو أدنى.
ترى البليغ من البشر يحسن البيان، ويأخذ لبَّكَ بالمنشآت الرائقة، حتى إذا طال به مجال القول، وقطع فيه أشواطاً واسعة، رأيت في جمله أو أبياته تفاوتاً في البراعة، وأمكنك أن تبصر فيها ضعفاً، وتستخرج بنقدك الصحيح من أواخر كلامه مآخذ أكثر مما تستخرج من أوائلها.
ولكن القرآن الكريم على طول أمده، وكثرة سوره، نزل متناسباً في
стр. 461
حسن بيانه؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] , ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وترى البليغ من البشر يخوض في فنون من الكلام متعددةٍ، فإذا هو يرتفع في فن، وينحط في آخر.
ولكن القرآن الكريم يتصرف في فنون كثيرة؛ مثل: الوعظ، وإقامة الحجج، وشَرْع الأحكام، والوصف، والوعد والوعيد، والقصص، والإنذار، وغير ذلك من الوجوه التي تتصل بالهداية العامة، فلا تتفاوت فيها ألفاظه الرشيقة، وأساليبه البديعة.
والمعروف أن القرآن أتى بحقائق أَسَّس بها شريعة واسعة النطاق، وليس من شأن هذه المعاني أن تظهر فيها براعة البلغاء كما تظهر فيما ألفوه من نحو: المديح، والرثاء، والتهمئة، والغزل، ووصف المشاهد، إلى غير ذلك مما يطلقون لأفكارهم فيه العِنان، فتذهب مع الخيال كل مذهب، وترتكب من المبالغات ما استطاعت أن ترتكب، والقرآن الكريم يعبر عن تلك المعاني التي تستدعي صدق اللهجة، وصوغ الأقوال على أقدار تلك الحقائق، فترى الفصاحة ضاربة أطنابها، والبلاغة مرسلة أشعتها.
في بلغاء البشر من تحس من شعره أو خطبته أو رسالته أنه لم يكن يتصنع فيما يقوله، ذلك أنك تجد في كلامه: الجيد، والوسط، والرديء، وفيهم من تحس فيما يقوله التصنع، وهذا هو الذي يغلب على كلامه المنظوم أو المنثور الجودةُ في تصوير المعنى، والتعبير عنه بكلام موزون، أو غير موزون.
ولكن القرآن الكريم بالغٌ الغايةَ من حسن البيان، فلا يجد فيه الراسخ في نقد المنشآت البليغة ما ينزل عن الدرجة العليا، بل يحس روح البلاغة
стр. 462
التي لا يحوم عليها شيء من التصنع سارية في آياته وسوره، سواء في ذلك تصويره للمعاني، أو نظم الألفاظ الناطقة بها.
ومن مظاهر بلاغة القرآن: أنه يورد القصة في أوفى درجة من حسن البيان، ثم يعيدها في سُورَةِ أخرى على حسب ما يقتضيه مقام الوعظ، حتى إذا عقدت موازنة بين حكايتها هنا، وحكايتها هناك، وجدتهما في مرتبة واحدة من البلاغة، لا تنزل إحداهما عن الأخرى بحال.
أما البليغ من البشر، فقد يسوق إليك القصة في عبارات أنيقة، ثم يريد أن يعيدها مرة أخرى، فإذا هي في درجة من البراعة منحطة عن درجتها الأولى.
стр. 463
نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية (١)
" يتحدث الناس عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وتأتينا الرسمائل في السؤال عن حكم هذا النقل، وذلك ما دعاني أن أنظر في هذا الموضوع الخطير، وأعرض ما وصلت إليه من نتيجة، وأرجو أن أكون ممن استقام في البحث حتى اهتدى إلى الحقيقة".
* هل في المستطاع ترجمة القرآن إلى لغة غير عربية؟
للقرآن -ككل كلام عربي بليغ- معانٍ أصلية، وهي ما يستوي في فهمه كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة، وعرف وجوهَ إعرابها؛ من فاعلية، ومفعولية، وحالية، وإضافية، وما يشاكل ذلك من الأحوال المبحوث عنها في علم النحو. فالمعنى الأصلي في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] يفهمه كل من له إلمام باللغة العربية، سواء عليه أكان خبيراً بطرق البلاغَة، أم فاقدَ الإحساس الذي يتذوق به طعمها، فكل عارف بمدلولات ألفاظ هذه الآية، ووجوه إعرابها، يعقل منها أن قَتْل الذي يَقتل نفساً بغير حق، يحمي من القتل فيما بعد، ويكون سبباً لحياة كثير من الناس؛ لما في القصاص من الزجر البالغ والإرهاب.
стр. 464
وللقرآن معانٍ ثانوية، ويسميها علماء البلاغة بـ: مستتبعات التراكيب، وهي خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام، وتتسابق في مجالها فرسان البلاغة من الخطباء والشعراء، فقد يتحد الخطيبان أو الشاعران فيما يريدان إفادته من المعاني الأصلية، ويتفاضلان فيما يتبع هذه المعاني من لطائفَ ومعانٍ ثانوية.
والمعنى الأصلي قد يوافق فيها بعضَ الآيات منثورٌ أو منظوم من كلام العرب، ولا تمس هذه الموافقة إعجاز القرآن؛ فإن إعجازه ببديع نظمه، وروعة بيانه، وبما حفَّ به من المعاني الزائدة على أصل المراد، وبحكمة معنى كل آية؛ بحيث لا يجد أولو الأبصار في آياته تخاذلاً، ولا في كلماته لاغية، وبما يضاف إلى هذا من إخباره عن غيوب وقعت كما وصفها.
وإذا كان للقرآن معانٍ أصلية، وأخرى تابعة، وهي مظهر بلاغته، وملاك إعجازه، فإن ترجمته بالنظر إلى المعاني الثانوية غيرُ ميسورة، إلا أن توجد لغة توافق اللغة العربية في دلالة ألفاظها على هذه المعاني المسماة عند علماء البيان: خواص التراكيب، وذلك ما لا يسهل على أحد ادعاؤه، وممن نبَّه على هذا في القديم: أبو القاسم الزمخشري في "كشافة" إذ قال: "إن في كلام العرب -خصوصاً القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان".
وليس في هذا إنكار أن يكون في اللغات الأخرى بلاغة، ويكفي في تعذر ترجمة ما يحمله اللفظ العربي من دقائق المعاني، أن هذه المعاني، أو بعضها، مما لا يشير إليه اللفظ المرادف له من اللغة الأجنبية، إلا أن تصاغ له جملة مستقلة، وأضرب المثل لهذا بأن تقديم المفعول على الفعل يدل
стр. 465
في اللغة العربية على الاهتمام بشأنه، وربما كانت اللغة الأخرى لا تدل بالتقديم على هذا المعنى، فيحتاج المترجم في الدلالة على معنى الاهتمام الذي يشير إليه اللفظ العربي بالتقديم إلى عبارة أخرى بعد العبارة التي ينقل بها أصل المعنى، وإذا كان التنكير يدلّ في اللغة العربية على التعظيم أو التحقير، ولم يعتد أهل اللغة الأجنبية أن يدلّوا به على هذا المعنى، فإن المترجم يقتصر في ترجمة الاسم النكرة على مدلوله اللغوي، ويفوته معنى التعظيم أو التحقير الذي يعدُّ من مقاصد المتكلم العربي، ويدخل فيما يورث الجملة العربية رفعة، وإذا زاد المترجم كلمة ترادف معنى عظيم أو حقير، ذهب رونق البلاغة الذي هو حلية اللفظ العربي؛ لأن لأخذ هذا المعنى من التنكير وقعاً في نفس السامع غيرَ الوقع الذي يكون له عندما ينطق المتكلم بلفظه الصريح.
وعلى فرض أنه يوجد لسان أجنبي يستقل بأداء ما في كلام العرب من لطائف المعاني، فلا يثق أحد بأنه وصل إلى كل ما في الآية من المعاني التي يرتفع بها شأن الكلام، حتى يصح له ادعاء أنه عبّر باللغة الأجنبية عن كل ما أريد من الآية، وأن نقله لها إلى تلك اللغة ترجمة طبق الأصل.
والذي يمكن نقله إلى لغة أخرى إنما هو معانيه الأصلية؛ حيث لا تقصر اللغات الأجنبية عن تأديتها.
قال أبو إسحق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "إن ترجمة القرآن على الوجه الأول -يعني: النظر إلى معانية الأصلية- ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن، وبيان معانيه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزاً باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجَّة في
стр. 466
صحة الترجمة على المعنى الأصلي".
وإذا كان نقل المعاني الأصلية قد يقع صحيحاً، وكان في مستطاع من يجيد لغة أجنبية أن ينقل هذه المعاني من اللغة العربية إلى اللغة التي أجاد معرفتها، لم يبق سوى النظر في تفصيل حكم هذا النقل، وبيان حال المنع منه، أو الإذن فيه.
ويرجع النظر في هذا البحث إلى مقامين:
المقام الأول: قراءة ترجمة القرآن في الصلاة.
والمقام الثاني: نقل معاني القرآن ليطلع عليها أهل ذلك اللسان لعلهم يهتدون.
المقام الأول:
نجد في المسائل التي هي موضع خلاف بين الأئمة: القراءة في الصلاة بألفاظ غير عربية يعبر بها عن طائفة من معاني القرآن الكريم.
يروى عن الإمام أبي حنيفة ﵁: أنه كان يرى جواز القراءة في الصلاة باللغة الفارسية، وبنى بعض أصحابه على هذا القول جوازها بالتركية والهندية، وغيرها من الألسنة، وظاهر هذه الرواية: جواز القراءة بالفارسية ونحوها، ولو كان المصلّي قادراً على النطق بالعربية، ومبنى هذا على أن القرآن اسم للمعاني التي تدل عليها الألفاظ العربية، والمعاني لا تختلف باختلاف ما يتعاقب عليها من الألفاظ واللغات.
أما صاحباه الإمامان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فجعلا القراءة في الصلاة باللسان الأعجمي من قَبيل ما تدعو إليه الضرورة، فأجازاها للعاجز عن العربية، دون القادر على القراءة بها، وهذا ما تجري به الفتوى
стр. 467
في مذهب الحنفية.
قال في "معراج الدراية": "إنما جوّزنا القراءة بترجمة القرآن للعاجز إذا لم يخل بالمعنى؛ لأنه قرآن من وجه باعتبار اشتماله على المعنى، فالإتيان به أولى من الترك مطلقاً، إذ التكليف بحسب الوسع".
وما روي عن الإمام أبي حنيفة من جواز القراءة في الصلاة بترجمة القرآن قد صح رجوعه عنه، حكى هذا الرجوع عبد العزيز في "شرح البزدوي"، قال صاحب "البحر المحيط": "والذين لم يطلعوا على الرجوع من أصحابه قالوا: أراد به عند الضرورة، والعجز عن القرآن، فإن لم يكن كذلك، امتنع، وحكم بزندقة فاعله". وليس الإلحاد ممن قدر أن يقرأ في الصلاة بالعربية، فعدل عنها إلى الأعجمية ببعيد.
أما المالكية والشافعية والحنابلة، فقد منعوا القراءة بترجمة القرآن في الصلاة، سواء أكان المصلي قادراً على العربية، أم عاجزاً، ناظرين إلى أن ترجمة القرآن ليست قرآناً، إذ القرآن هو هذا النظم المعجز الذي وصفه الله تعالى بكونه عربياً، وبالترجمة يزول الإعجاز.
قال القاضي أبو بكر بن العربي -وهو من فقهاء المالكية- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]: قال علماؤنا: هذا يبطل قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: إن ترجمة القرآن بإبدال اللغة العربية منه بالفارسية جائز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ نفى أن يكون للعجمة إليه طريق، فكيف يصرف إلى ما نفى الله عنه؟ ثم قال: "إن التبيان والإعجاز إنما يكون بلغة العرب، فلو قلب إلى
стр. 468
غير هذا، لما كان قرآناً ولا بياناً، ولا اقتضى إعجازاً".
وقال الحافظ ابن حجر-وهو من فقهاء الشافعية- في "فتح الباري": "إن كان القارئ قادراً على تلاوته باللسان العربي، فلا يجوز له العدول عنه، ولا تجزئ صلاته (أي: بقراءة ترجمته)، وإن كان عاجزاً"، ثم ذكر أن الشارع قد جعل للعاجز عن القراءة بالعربية بدلاً، وهو الذكر.
وقال الشيخ ابن تيمية -وهو من فقهاء الحنابلة- في الرسالة الملقبة بـ: "السبعينية": "وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى؛ كبيان لفظ القرآن، فهذا غير ممكن أصلاً، ولهذا كان أئمة الدين: على أنه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية، لامع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها؛ لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزَّل".
وخلاصة البحث: أن الخلاف في القراءة في الصلاة بغير العربية يرجع إلى مذهبين:
أولهما: أن ذلك محظور، والصلاة بهذه القراءة غير صحيحة، وهو مذهب الجمهور من أئمة الدين.
وثانيهما: جواز القراءة بالأعجمية عند العجز عن النطق بالعربية، وهو مذهب الإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ولا يعد بجانب هذين المذهبين ما يعزى للإمام أبي حنيفة من صحة القراءة بالفارسية، ولو للقادر على العربية؛ لما عرفت من صحة رجوع الإمام عنه، والقول الذي يرجع عنه الإمام لا يعد قولاً في المذهب، وإذا نظرنا إلى أن من الفقهاء الحنفية من حمل ما روي عن الإمام أبي حنيفة على حال العجز عن العربية، لم يبق في المذهب الحنفي سوى قول واحد، وهو تقييد الجواز بحال
стр. 469
العجز عن النطق بالعربية.
المقام الثاني: في نقله للاطلاع على حكمته:
في النقل وجوه من الفساد تقتضي المنع منه، وفي النقل مصلحة تستدعي الإذن فيه، وها نحن أولاً نذكر لك وجوه الفساد، ونكشف عن وجه المصلحة، ونعرض عليك آراء أهل العلم، ونرجو أن يكون نقل ما يمكن نقله من المعاني الأصلية على وجه التفسير غير محظور.
* وجوه الفساد في ترجمته:
الترجمة نوعان:
أحدهما: أن يعمد المترجم إلى كل كلمة عربية، ويضع بدلها ما يرادفها من اللسان غير العربي، ثم يسوق الجملة مراعياً ترتيبها على قدر ما تسمح به قواعد ذلك اللسان، وهذا ما يسمى: ترجمة حرفية.
ثانيهما: أن يلم بمعنى الجملة العربية، ثم يصوغه في جملة من اللغة الأخرى، سواء أساوت ألفاظُ الترجمة ألفاظَ الأصل، أو اختلفتا إيجازاً وإطناباً، وهذا ما يسمى: ترجمة معنوية.
والخلل الذي تشترك فيه الترجمتان -الحرفية والمعنوية-: أن يكون اللفظ ذا معنيين، أو معان تحتملها الآية، فيضطر المترجم إلى أن يضع بدله من اللغة الأجنبية اللفظ الموضوع لما يختاره من المعنيين، أو المعاني؛ حيث لا يجد لفظاً يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة.
ومثال هذا: ما صنع (ماكس هينج) مترجم القرآن للِّسان الألماني، فإنه ترجم الإبِلَ في قوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] باللفظ الموضوع في الألماني للسحاب، وهو أحد المعاني التي حملت عليها الآية،
стр. 470
والجمهور يفسرون الإبل بالحيوان المعروف، وهو المتبادر، ولا داعي إلى صرف اللفظ عنه إلى ذلك المعنى المجازي، وهو السحاب.
ومن الخلل الذي يدخل الترجمة الحرفية: أن يستعمل القرآن اللفظ في معنى مجازي، فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي في معناه الحقيقي.
وهذا ما صنع (مارماديوك بكتهول) مترجم القرآن إلى اللسان الإنكليزي في كثير من الآيات، وقد وقع من هذه الناحية في أخطاء لا تحصى، تجدونه -مثلاً- يترجم قوله تعالى: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ من آية: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] بمعناها الأصلي، وهو: (فيشج رأسه)، ويترجم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] بمدلولها الأصلي، وهو جمع اليد إلى العنق، وإطلاقها، والقارئ الإنكليزي لم يعتد أن يفهم من مثل شج الرأس معنى الغلب، ولا من جمع اليد إلى العنق وإطلاقها معنى البخل والإسراف.
ومن هذا القبيل: أن يطلق لفظاً عاماً، ويريد به خاصاً؛ كما أطلق الواقعة على يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، فيأتي المترجم بما يرادف الواقعة دون ما يرادف يوم القيامة، وكذلك فَعل المترجم الألماني، إلا أنه كتب في أسفل الصحيفة منبهاً على أن المراد: يوم القيامة.
ومن هذا الباب: أن يستعمل القرآن الكلمة، ومعناها لا يظهر إلا بملاحظة متعلق محذوف، ويكون هذا المتعلق قريب المأخذ في النظم العربي، دون لغة الترجمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]؛ فإن ترجمتها من غير ذكر متعلق السابقين الواردة
стр. 471
أولاً، وهو: (في الدنيا)، ومتعلق السابقين الواردة ثانياً، وهو: (في الآخرة) لا تأتي للقارئ الألماني بفائدة.
وفي القرآن بعد هذا كلمات كثيرة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من يقف دون تفسيرها، فيؤمن بأن لها معاني صحيحة، ويدع تعيين هذه المعاني إلى علم الله وحده، ومنهم من يأخذها بالتأويل، ويذكر لها معاني معقولة، ويذهب هذا الفريق في التأويل مذاهب يحتاج ترجيح أحدها على غيره إلى ذوق في لغة العرب سليم، ونظر في فهم أصول الدين مستقيم، وهذا ما يسمونه: آيات الصفات في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقد تعرض الإمام الغزالي في كتاب "إلجام العوام للأخبار الموهمة للتشبيه"، وقرر الإمساك عن التصرف في ألفاظها بتفسيرها بلغة غير عربية، وقال: "لا يجوز النطق إلا باللفظ الوارد، لأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسية تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسية تطابقها، لكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة العرب باستعارتها، ومنها ما يكون مشتركاً في العربية، ولا يكون مشتركاً في الفارسية".
ولما يعرض في ترجمة القرآن من الصعوبة، أجاز بعضهم ترجمة الآيات المحكمة والقريبة المعنى بمقدار الضرورة إليهما من التوحيد وأركان العبادات، وقال: لا يتعرض لما سوى ذلك، ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم اللسان العربي (١).
* الداعي إلى نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية:
كان المسلمون -فيما سلف- يقتحمون للسيادة كلَّ وعر، ويركبون
стр. 472
لإظهار دين الله كل خطر، ويلبسون من برود البطولة والعدل وكرم الأخلاق ما يملأ عيون مخالفيهم مهابة وإكباراً، وكانت اللغة العربية تجر رداءها أينما رفعوا رايتهم، وتنتشر في كل واد وطئته أقدامهم، فلم يشعروا في دعواتهم إلى الإسلام بالحاجة إلى نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وربما كان عدم نقلها إلى غير العربية، وهم في تلك العزة والسلطان، من أسباب إقبال غير العرب على معرفة لسان العرب، حتى صارت أوطان أعجمية إلى النطق بالعربية.
ذلك الأمر الذي جعل اللغة العربية تتقلب في البلاد، والقرآن يُدرس باللسان الذي نزل به في كل واد، قد سكنت منذ حين ريحه، وتقطعت أسبابه، غشيت المسلمين فتن، وناموا عن واجب الدعوة إلى سبيل ربهم، فخسروا مظاهر عزِّهم، وفقدوا الوسائل التي كانت تسعد اللغة العربية، فتنطلق بها ألسنة المخالفين، ويدخلون منها إلى الاطلاع على ما في القرآن من بلاغة وحكمة.
أصبحنا أمام أمر واقع، هو: عدم استطاعتنا لنشر اللغة العربية في غير بلاد إسلامية يرأسها مسلم طاهر السريرة، وإبلاغ دعوة الإسلام إلى الشعوب غير الإسلامية فريضة لا تسقط إلا حين يسقط غيرها من الفرائض، فلا بد لنا من ابتغاء الوسيلة إلى القيام بهذه الفريضة، وليس في يدنا اليوم وسيلة إلاَّ نقل معاني القرآن إلى ألسنة من نريد دعوتهم إلى شريعته الغراء.
ومما يدعو اليوم إلى نقل معانيه إلى بعض اللغات الأجنبية على وجه التفسير: أن كئيراً من الأوربيين -ومنهم قُسس- قد ترجموا القرآن إلى لغاتهم تراجم مملوءة بالخطأ، وإنما يُكفى شر هذا الفساد بإراءة أصحاب تلك
стр. 473
اللغات معاني القرآن على وجهها الصحيح.
هذا ما يأخذ النظر إلى مذهب الإذن في نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وقد صرح بجواز هذا النقل طائفة من كبار أهل العلم.
قال ابن بطَّال: "إن الوحي كله -متلوّاً وغير متلوٍّ- إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة، عرباً وعجماً وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم".
وقال الحافظ ابن حجر: دافمن دخل الإسلام، أو أراد الدخول فيه، فقُرِى عليه القرآن، فلم يفهمه، فلا بأس أن يعرَّب له؛ لتعريف أحكامه، أو لتقوم عليه الحجة، فيدخل فيه" (١).
وقال ابن تيمية في "الرسالة السبعينية": "ولكن يجوز ترجمته كما يجوز تفسيره، وإن لم تجز قراءته بألفاظ التفسير، وهي إليه أقرب من ألفاظ الترجمة بلغات أخرى".
وبعض من منعوا ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية صرحوا بما يقتضي جواز تفسيره بها.
قال القفّال من كبار علماء الشافعية: عندي أنه لا يقدر أحد على أن يأتي بالقرآن بالفارسية، قيل له: فإذاً لا يقدر أحد أن يفسر القرآن، قال: ليس كذلك؛ لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله، ويعجز عن بعضه، أما إذا أراد أن يقرأها بالفارسية، فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله.
стр. 474
* نتيجة البحث:
إذا كانت ترجمة القرآن إبدالَ اللفظ العربي بلفظ من لغة أجنبية يقوم مقامه في الدلالة على ما يفهم منه عربية، فإنا نرى كثيراً من الآيات لا يمكن ترجمتها على هذا الوجه ترجمةً صحيحةً، فترجمة القرآن من فاتحته إلى منتهاه غير متيسرة، ولو بالنظر إلى المعاني الأصلية؛ فإن الآيات المحتملة لوجوه متعددة لا يمكن نقلها إلى لغة أخرى إلا على وجه واحد، وهذا ليس بترجمة، وإنما يصح أن يسمى: تفسيراً، إذاً يجوز نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية على أنها تفسير، لا على أنها ترجمة مطابقة للأصل.
ولا بد في نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية من إشعار القارئين بأن هذا النقل تفسير لا ترجمة، ومن طرق التنبيه: جمل تكتب في حواشي الصحائف يبين بها أنَّ هذا أحد وجوه، أو أرجح وجوه تحتملها الآية، ومما يُدفع بمثل هذا البيان: توهُّمُ من يقرأ تراجم الأوربيين أن في القرآن اختلافاً؛ فإن المترجم الألماني -مثلاً- قد ترجم ﴿الْإِبِلِ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] بالسحاب، والمترجم الإنكليزي ترجمها بمعنى الحيوان المعروف، فالأورويي الذي يقرأ الترجمتين يتوهم أن هذا الاختلاف في أصل نسُخ القرآن، ولا يخطر له أن هذا الاختلاف نشأ من جهة أن كلاً من المترجمين نقل معنىً من معنيين يحتملهما لفظ الآية.
وإذا كانت الترجمة بمعناها الحقيقي -ولو للمعاني الأصلية- لا تتيسر في جميع آيات القرآن، وإنما المتيسر الترجمة على معنى التفسير، كانت الترجمة المعنوية أقرب إلى الصحة من الترجمة الحرفية، متى أفاد بها المترجم
стр. 475
معنى الآية في أسلوب من أساليب اللغة الأجنبية لا زيادة فيه ولا نقصان.
فلو قامت جمعية ذات نيات صالحة، وعقول راجحة، وتولت نقل معاني القرآن إلى بعض اللغات الأجنبية، وهي على بينة من مقاصده، وعلى رسوخ في معرفة تلك اللغات، وتحامت الوجوه التي دخل منها الخلل في التراجم السائرة اليوم في أوروبا، لفتحت لدعوة الحق سبيلاً كانت مقفلة، ونشرت الحنيفية السمحة في بلاد طافحة بالغواية قاتمة.
стр. 476
رأي في تفسير القرآن (١)
أنزل الله القرآن هادياً إلى سبيل السعادتين الأولى والآخرة، مؤيداً هدايته بالحجج التي لا تدع في النفوس شبهة، وفي هذا الكتاب آيات تبدو معانيها للنّاسِ عند تلاوتها، ومنه آيات لا تبدو معانيها إلا لرسول، أو راسخ في العلم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال ﵊ داعياً لابن عباس ﵁: "اللهم فقَههُ في الدين، وعلِّمه التأويل"، وفي رواية: "علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
وورد في الصحيح أحاديث عن النبي ﷺ في تفسير بعض الآيات، ورويت آثار عن الصحابة في التفسير كذلك، وتعاطى التفسير من التابعين طوائف؛ كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعطاء بن رباح.
وظهر بعد هؤلاء طبقة الذين ألفوا في التفسير كتباً تجمع أقوال الصحابة والتابعين؛ كسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجّاج، وإسحاق بن راهويه.
وكتب في التفسير بعد هؤلاء جماعة منهم: ابن جرير الطبري في الشرق، وبقي بن مخلد في الأندلس، ودخل في زمرة المفسرين جماعة من علماء
стр. 477
اللغة؛ كالفرّاء، وأبي عبيدة، والزجّاج.
وصار التفسير إلى صنفين: تفسير يستند إلى الآثار المنقولة عن السلف، ويسمى: التفسير بالمأثور، وتفسير يستند إلى فهم علماء اللغة والبلاغة، ويسمى: التفسير بالرأي، وفي كل من الطريقتين علم غزير يقدره المنصف البصير، ولكنهما لم يخلوا من مآخذ يجب على الناظر في التفسير الاحتراس منها.
أما التفسير بالمأثور، فقد دخله الخلل من جهة روايات لم يصح إسنادها إلى النبي ﷺ ، أو إلى من نسبت إليه من الصحابة.
وكان ابن جرير الطبري ينقد الروايات، فإذا ظهر له أن الرواية غير موثوق بها، تركها، وأبدى رأيه الخاص.
ودخل في التفسير بالمأثور أشياء يأسرها نفر من الإسرائيليين؛ مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فربما ينقل هؤلاء القوم من الإسرائيليات ما له اتصال بتفسير بعض الآيات من قصص القرآن، ويتلقاها بعض المفسرين دون أن يعنوا بتمحيصها، والتثبت في صحة روايتها، وممن تيقظ لهذا: أبو محمد بن عطية من علماء الأندلس، فلخّص تلك التفاسير، وتحرّى ما هو أقرب إلى الصحة، وتبعه القرطبي في تلك الطريقة، فأسقط من تفسير ابن عطية القصص والتاريخ، وأثبت بدلها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة.
وممن أنكر الأخذ بالإسرائيليات: أبو بكر بن العربي في تفسيره "قانون التأويل" (١).
стр. 478
وأما التفسير بالرأي، فقد يدخله الخلل من جهة مخالفته لما ورد عن النبي ﷺ في تفسير الآية برواية صحيحة، أو من جهة عدم موافقته لما تقتضيه قواعد اللغة أو بلاغتها؛ ذهولاً عنها، أو لقلة الخبرة بها.
قال مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله تعالى إلا جعلته نكالاً.
وعلى مثل هذا تحمل الآثار الواردة في ذم تفسير القرآن بالرأي، فمن واجب الكاتب في التفسير أن يتجه إلى تمحيص الروايات، ولا يعول إلا على ما صحت روايته، وأن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها، وبهذا يسلم من أن يخوض فيما ابتدعه قوم من النوع الذي يسمونه: التفسير الباطني.
والتفسير المنسوب إلى الباطن صنفان:
صنف اخترعه طائفة من الزنادقة؛ ليعطلوا أحكام الشريعة، أو ليقلبوا حكمة القرآن إلى معان سخيفة، وهذا باطل ببداهة العقل.
وصنف ينسب إلى المتصوفة، ويطلق عليه بعضهم: الكلام في القرآن من باب الإشارة، وقد تحدث عن هذا الصنف بعض أهل العلم، وأنكروا أن يكون من قبيل التفسير.
قال الواحدي: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر.
وقال ابن الصلاح: لا يريدون التفسير، ولو أرادوا أن ما يقولونه تفسير للقرآن، لكانوا من الباطنية، وإنما ذلك تنظير منهم لما ورد؛ أي: هي معان يجدونها في نفوسهم عند التلاوة.
стр. 479
فالفرق بين تفسير الباطنية، وبين تفسير أصحاب الإشارة؛ أن الباطنية يفسرون الآيات بتلك المعاني المنبوذة على أنها هي المقصود من القرآن، أما أصحاب الإشارة فيسلِّمون أن المراد من القرآن هي المعاني التي يذكرها أهل العلم بالتفسير، غير أنهم يذكرون عند تفسير الآية معاني تخطر في أذهانهم عند التلاوة، وإن لم تدل عليها الآية بطريق من طرق الدلالات المعروفة في الاستعمال العربي.
ومع هذا الفرق الواضح بين صنفي التفسير بالباطن، فان الاقتصار في تفسير ألفاظ القرآن على ما يقتضيه استعمالها العربي، يكفي لتقويم العقول، وتزكية النفوس، وإرشادها إلى وجوه الإصلاح الذي تُدرك به السعادة في الآخرة والأولى.
وإذا كان الباطنية يخرجون بألفاظ القرآن عن مقتضى أوضاعها ومجازاتها المألوفة، فهناك طائفة أخرى تحمل ألفاظه على حقائقها اللغوية. وقد يكون حملها على المجاز أو التمثيل هو الذي تقضي به البلاغة، ويستدعيه المقام الذي سيقت فيه الآية، ومن هذا كان من شرائط المفسر للقرآن: أن يكون ملماً بفنون البيان، ذا ألمعية مهذبة تسعده على أن يعرف المواضع التي تفهم فيها الألفاظ على حقائقها، والمواضع التي يليق ببلاغة القرآن أن تفهم فيها على المجاز، أو التمثيل.
وحدث في هذا العصر آراء في التفسير يذيعها نفر لا يرقبون في القرآن حكمة ولا بلاغة؛ كمن ينكر المعجزات الكونية بإطلاق، فيؤول آيات المعجزات على وجوه تجعلها من الحوادث العادية، وإن كان تأويلها لا يجري على استعمال الألفاظ المعروف في اللغة، ولا تحتمله أساليب بلاغتها.
стр. 480
هذه هي الطريقة الموصلة إلى التفسير الحق -فيما نرى-.
وننظر بعد هذا في الأهداف التي يتجه إليها المفسر، فنقول: أنزل القرآن لمقصدين ساميين:
أولهما: هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة.
ثانيهما: دلالته على صدق الرسول ﷺ فيما ادعاه من الرسالة التي هي مطلع تلك الهداية العامة، فكان أعظم معجزة وأخلدها على وجه الأرض.
فمن أراد تفسير القرآن، فليتجه إلى وجوه الهداية التي أرشد إليها؛ من نحو: العقائد، والعبادات، والأخلاق، والآداب، وأحكام المعاملات، ويتجه مع هذا إلى الوجوه التي كان بها معجزة خالدة.
وقد تفاوتت آراء المفسرين في البحث عن وجوه هدايته، ووجوه إعجازه على قدر تفاوتهم في العلم والفهم.
وتجاوز قوم حدود هذين الهدفين، وأطلقوا لأقلامهم العنان، فاستطردوا في التفسير مباحث لا يتوقف عليها فهم القرآن من حيث إنه هداية، أو مباحث لا يحتاج إليها في تقرير وجه من وجوه إعجازه، وإنما هي مسائل ترجع إلى علوم أخرى مستقلة بنفسها.
كنت يوماً في مجلس حافل، فقال أحد حاضريه: إن القرآن نزل للوعظ والإرشاد، ولا يضره أن يوجد فيه ما يكون مخالفاً لقضايا بعض العلوم القطعية.
فقلت: نحن نعلم أن القرآن الكريم لم ينزل لبيان الحقائق العلمية التي يبحث عنها في مثل العلوم الطبيعية والرياضية، ولكنه إذا عرَّج في طريق هدايته على شيء مما يبحث عنه أرباب هاتيك العلوم، عرفنا حق
стр. 481
اليقين أنه لا يقول إلا حقاً، ولا أرى هذا الرأي الذي أبديتَه إلا أنك فرضته فرضاً؛ إذ لا تستطيع أن تأتينا بمثال يرينا كيف قرر القرآن شيئاً يخالف ما ثبت في العلوم اليقينية.
وهنا انقطعت المحاورة العلمية بيني وبينه من ناحية المباحثة العلمية.
وقد يورد بعض من لا يفرق بين الظنيات والعلميات، ومن لا يمعن النظر في فهم البليغ من الكلام، أشياءَ يزعم أنها علميات جاء القرآن على خلافها، فمن واجب المفسر أن يتصدى لإزاحة هذه الشُّبَه، ويبين بالطريق المنطقي أن ما أورد على القرآن لا يدخل في العلميات، أو يذهب في تفسير الآية على وجه يلائم بلاغة القرآن، ولا يخالف ما قرره العلم، وأقام الدليل على أنه قطعي لا يلابسه ريب.
стр. 482
أمثال القرآن الكريم (١)
ضرب الله الأمثالَ في كتابه العزيز، دلَّ على هذا الكتابُ نفسُه، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧].
ودلَّ على هذا قوله ﵊ فيما رواه الترمذي عن عليٍّ ﵁: "إنّ الله أنزل القرآن آمراً وزاجراً، وسنَّة خالية، ومثلاً مضروباً".
وتتبع ابن القيم أمثال القرآن التي تضمنت تشبيه الشيء بنظيره، والتسوية بينهما في الحكم، فبلغت بضعة وأربعين مثلاً.
وجرى على طريقة القرآن في ضرب الأمثال أحاديثُ رسول الله ﷺ ، حتى روي عن عبد الله بن عمر: أنه قال: "حفظتُ عن رسولِ الله ﷺ ألفَ مثل"، وهذا الأثر قد نبه نقَّاد الحديث على عدم صحته، لكن روايته تُشعر بأن الأمثال الواردة في السنة ليست بقليل.
وقد عقد للأمثال النبوية أبو عيسى الترمذي في "جامعه" باباً أورد فيه
стр. 483
أربعين حديثاً.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "لم أر من أهل الحديث من صنَفَ فأفرد للأمثال باباً غير أبي عيسى، ولله درُّه، لقد فتح باباً، وبنى قصراً أو داراً، ولكنه اختط خطاً صغيراً، فنحن نقنع به، ونشكره عليه".
فللأمثال أثر بليغ في تلقي الدعوة بالقبول، لذلك أحرزت بين الأساليب التي يتحراها القرآن في هدايته منزلةً سامية.
ولما دعاني حضرات الفضلاء جماعةُ المحاضرات بكلية اللغة العربية إلى إلقاء محاضرة بالكلية، آثرت أن يكون موضوع المحاضرة: أمثالَ القرآن الكريم. فلا جرمَ أن نوجه النظر إلى البحث عن معنى المثل، ثم إلى البحث عن فوائد ضرب الأمثال، فتحقيق معنى المثل، وبيان الحكمة من ضربه، هما الغرضان اللذان نرمي إليهما في هذه المحاضرة.
* المثل في اللغة:
يستعمل المثل في أصل اللغة بمعنى التشبيه والمِثْل، ثم قالوا للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثلاً.
والمثل بهذا المعنى هو الذي ألّفَ فيه علماء اللغة كتب الأمثال، كأبي عبيدة، وابن حبيب، وابن قتيبة، وابن الأنباري، وأبي هلال، والميداني.
ولما كان العرب لا يضربون الأمثال إلا بقول فيه حُسن وغرابة، نقلوا لفظ المثل إلى معنى ثالث هو: الشأن الغريب، والقصة العجيبة، وبهذا المعنى فسر لفظ المثل في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥].
ونبّه الزمخشري لهذه المعاني الثلاثة، ودلَّ على أنها وردت في اللغة
стр. 484
على هذا الترتيب، فقال في "كشافه": "والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثل والنظير، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلاً للتسيير، ولا جديراً بالتداول والقبول إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه، ثم قال: وقد استعير المثل للحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة".
وكذلك يقول السعد التفتازاني في "الشرح المطول": "ولكون المثل مما فيه غرابة، استعير لفظه للحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن غريب، ونوع غرابة؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]؛ أي: فيما قصصنا عليكم من العجائب قصة الجنة العجيبة".
وحدث بعد هذا أن ذهب علماء البيان في تعريف المثل إلى معنى رابع، إذ قالوا في بحث المجاز المركب: إن المجاز المركب الذي تكون علاقته المشابهة متى فشا استعماله، سُمِّي: مثلاً، وإلا سُمِّي: مجازاً مرسلاً، وقالوا: فما لم يكن استعارة، أو لم يفشُ استعماله، فليس بمثل عندهم، فالمثل إذاً هو: المجاز الذي تكون علاقته المشابهة، ويفشو استعماله.
وإنما قلنا: إن ما ذهب إليه البيانيون معنى رابع للمثل، وليس هو المعنى الذي يريده المؤلفون في أمثال العرب، ذلك أن المؤلفين في الأمثال لا يقصرون المثل على ما يكون استعماله من قَبيل الاستعارة؛ نحو قولك للمتردد في فعل أمر: "مالي أراك تقدِّم رِجلاً، وتؤخر أخرى؟ "، وقولك لمن ترك شيئاً عند سنوح الفرصة لإدراكه، ثم قام يسعى إليه بعد فوات الفرصة: "الصيفَ ضَيَّعْتِ اللبنَ". بل يطلقون المثل على كلام شائع؛ لحسنه، أو لاشتماله على حكمة بالغة، فيتناول كلاماً يكون استعماله في مضربه على
стр. 485
وجه الاستعارة، وما يكون استعماله على وجه الحقيقة؛ نحو: "السعيدُ من اتَّعظَ بغيرِه"، وما يكون استعماله على وجه التشبيه الصريح؛ نحو قولك: "يخاف شرَّه، ويشتهي قربَه"؛ كالخمر يشتهي شربها، ويخشى صداعها.
فتلخص لنا مما سبق: أن للمثل معنى في أصل اللغة هو: الشبيه والمثل، ومعنى هو: القول السائر، ومعنى هو: الوصف الغريب، أو القصة الغريبة، ومعنى هو: المجاز المركب الذي تكون علاقته المشابهة، ويفشو استعماله.
* المثل في القرآن:
فإذا رجعنا بعد هذا إلى تعرف أمثال القرآن المشار إليها بمثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]؛ لنعلم ما المراد من المثل الذي يضربه الله للناس، فهل يراد منه: الشبيه والنظير؟ أو يراد منه: القول السائر الذي يشبه مضربه بمورده، أو يراد منه الحال، أو القصة الغريبة، أو يراد: المجاز المركب المستعمل على وجه الاستعارة؟
لنا في تحقيق معنى المثل في القرآن نظران:
ننظر أولاً في كلام من تصدوا في علوم القرآن إلى أمثاله، فكتبوا فيها مصنفاً مستقلاً كما فعل أبو الحسن الماوردي، أو عقدوا لها باباً خاصاً كما فعل الشيخ السيوطي في كتاب "الإتقان"، وفعل الشيخ ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين".
ثم ننظر ثانياً في بعض معاني الآيات التي استعمل فيها القرآن كلمة المثل؛ لعلنا نعرف بها ماذا يراد من المثل في استعمال القرآن.
النظر الأول في كلام من بحثوا في أمثال القرآن:
لم يقع بأيدينا تأليف الماوردي في أمثال القرآن، ولكن السيوطي نقل
стр. 486
عنه: أنه قال: "من أعظم علوم القرآن علمُ أمثاله، والناس في غفلة عنه؛ لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات، والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام، والناقة بلا زمام".
وهذه العبارة تدل على أنه يريد من أمثال القرآن الآيات المشتملة على تمثيل حال أمر بحال أمر آخر، سواء أورد هذا التمثيل بطريق الاستعارة، أم بطريق التشبيه الصريح، وهذا المعنى هو الذي نفهمه من قول السيوطي: "الغرض من المثل: تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد".
ولكن الشيخ السيوطي قسَّم الأمثال إلى أمثال صريحة، وأمثال كامنة، وأتى للأمثال الصريحة بأمثلة من الآيات المشتملة على تشبيه حال شيء بحال شيءآخر؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].
ثم أخذ في الحديث عن الأمثال الكامنة، ناقلاً لها عن الماوردي، فقال: "وأما الكامنة، فقال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب ابن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسن بن الفضل، فقلت: إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله: "خير الأمور أوساطها"؟ قال: نعم، وأورد آيات تتضمن معنى المثل، منها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
قال: قلت: فهل تجد في كتاب الله: من جهلَ شيئاً، عاداه؟ قال: نعم، في موضعين: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
стр. 487
وجرى على هذا النحو حتى قال له: فهل تجد فيه: لا تلد الحية إلا حيَّةً؟ قال: قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]
وأجد فيما مرّ عليَّ من هذا النوع: أنه ذُكر الظلم في مجلس ابن عباس، فقال كعب: إني لا أجد في كتاب منزل "أن الظلم يخرب الديار"، فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن؛ قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢].
وقال شخص لآخر: أين تجد في القرآن: "الجار قبل الدار"؟ قال: أجده في قوله تعالى: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١].
وبمقتضى هذا يصح لنا أن نقول: من أمثال القرآن الكامنة: "خير الأمور أوساطها"، ومن أمثاله الكامنة: "من جهل شيئاً عاداه"، ومن أمثاله الكامنة: "لا تلد الحية إلا حيّة".
إذاً يعد من أمثال القرآن في نظر السيوطي والماوردي: أقوال لا تشتمل على استعارة أو تشبيه، إذ لا يقول أحد: إن في قولهم: "خير الأمور أوساطها"، أو قولهم: "من جهل شيئاً عاداه"، أو قولهم: "الجار قبل الدار" استعارة أو تشبيهاً.
فأمثال القرآن لا يستقيم حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو الشبيه والنظير، ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند من ألَّفوا في الأمثال، إذ ليست أمثال القرآن أقوالاً استعملت على وجه تشبيه مضربها بموردها، ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند علماء البيان، إذ المثل عندهم ما استعمل على وجه الاستعارة، وفشا استعماله، ومن أمثال القرآن ما ليس باستعارة، ثم هي أمثال من وقت نزولها، فلم يتحقق فيها إذ ذاك
стр. 488
فشو الاستعمال.
وننظر إلى ما سلكه ابن القيم في تقدير أمثال القرآن، فتجده يقول: فيها -أي: أمثال القرآن- تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر، وساق لبيان هذا نحو عشرين مثلاً من القرآن الكريم، وعندما نتأمل في هذه الأمثال، نجد كثرها وارداً على طريقة التشبيه الصريح؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤].
ومنه ما يجيء على طريقة التشبيه الذي يسميه بعض علماء البلاغة: التشبيه الضمني، أو التشبيه المكنّى عنه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، إذ ليس فيه تشبيه صريح، وإنما هو تشبيه ضمني؛ نحو:
فإن تَفُقِ الأنامَ وأنتَ مِنْهُمْ ... فإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغَزالِ
ونجد من بينها ما لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ قد سماه الله: مثلاً، وليس فيه استعارة، ولا تشبيه.
النظر الثاني في استعمال القرآن لكلمة "مَثَل":
يستعمل القرآن كلمة "مثل" في تشبيه حال قوم بحال آخرين؛ كقوله
стр. 489
تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، أو تشبيه حال شيء بحال شيء آخر؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] إلى آخر الآية.
وقد يستعمل القرآن كلمة مثل في وصف، أو قصة تقع في نفس المخاطب موقع الغرابة، دون أن يكون فيه تشبيه أو استعارة؛ كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٣] الآية على ما بيّنا آنفاً.
فضرب المثل في القرآن قد يستعمل في تمثيل حالة غريبة بأخرى مثلها، وقد يستعمل في ذكر حالة غريبة تُقْصَدُ لنفسها، ولا يراد تمثيلها بنظيرة لها، ومن هنا ترى المفسرين قد يختلفون في تفسير آياتٍ سمّاها الله: مثلاً، فمنهم من يفسرها على قصد جعلها مثلاً لشيءٍ آخر، ومنهم من يفسرها على أنها قصة غريبة في نفسها، فيمكننا أن نقول: أمثال القرآن: ما يضربه الله للناس من أقوال تتضمن ما فيه غرابة؛ من تشبيه، أو استعارة، أو قصة، ويدخل في هذا كل ما سماه القرآن قبل ذلك أو بعده: مثلاً، بل ويعد في أمثال القرآن كل ما اشتمل على تمثيل حال شيء بحال آخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠].
стр. 490
* الآيات الجارية مجرى الأمثال:
فإن سأل سائل عن الآيات التي تجري على ألسنة الناس كما تجري الأمثال؛ كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]؛ إذ يستعملونها في المتاركة، قلنا: هذا الضرب من الآيات يسميه علماء البيان: ما خرج مخرج المثل، أو جرى مجرى الأمثال، فقد قالوا في بحث التذييل من باب الإطناب: إن التذييل ضربان: ضرب لم يخرج مخرج المثل، وهو ما لم يستقل لإفادة المراد، وضرب خرج مخرج المثل؛ بأن تكون الجملة الثانية حكماً كلياً منفصلاً عما قبله، جارياً مجرى الأمثال في الاستقلال وفشو الاستعمال؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١].
وقد أخبرنا السيوطي بأن جعفر بن شمس الخلافة عقد في كتاب "الآداب" باباً في ألفاظ من القرآن تجري مجرى المثل؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
وقد أدخل علماء البديع أمثال هذه الآيات في النوع الذي يسمونه: إرسال المثل، وهو: أن يأتي المتكلم بما يجري مجرى المثل من حكمة أو غيرها فيما يحسن التمثل به، ولا ندع هذا الضرب من الآيات حتى ننبه على حكم استعمال الآيات استعمال الأمثال، فقد رآه بعض أهل العلم خروجاً عن أدب القرآن.
стр. 491
قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]: "جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل يتدبر فيه، ثمّ يعمل بموجبه".
* فوائد ضرب المثل:
يُضرب المثل لتقرير حال الممثَّل في النفس؛ حيث يكون الممثَّل به أوضح من الممثَّل، أو يكون للنفس سابقةُ أُلْفَةٍ وائتناس به؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المنفق رياء؛ حيث لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب، فقال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فقد مثَّل حال المرائي في إنفاقه بحال الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبه مطر غزير، فيذهب بما عليه من تراب، فأعمال المرائي مثل التراب الذي كان على الحجر، فإنها تذهب هباء، ولا يجد لها ثواباً، وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي على وجه أبلغ ما يكون.
ويضرب المثل للترغيب في الممثَّل؛ حيث يكون الممثّل به مما تستحسنه النفوس، وترغب فيه؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المنفق في سبيل الله؛ حيث يعود عليه الإنفاق بخير كثير، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
ويضرب المثل للتنفير؛ حيث يكون الممثَّل به مما تكرهه النفوس، وتنفر منه؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المغتاب، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]،
стр. 492
وليس من شك في نفور الطباع من أكل لحم الأخ وهو ميت، فينبغي أن يكون نفوره من الغيبة بمقدار هذا النفور.
ويضرب المثل لمدح الممثَّل؛ حيث يكون في الممثَّل به صفات تستحسنها النفوس، وتمدح من يحرز مثلها؛ كما ضرب الله مثلاً لحال الصحابة ﵃، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
فالزرع يُخرج شطأه، وهو ما تفرع في شاطئيه -أي: جوانبه-، ثم يقوى، ويستغلظ -أي: يصير بعد الدقة غليظاً-، وكذلك حال الصحابة؛ فإنهم كانوا في بدء الأمر قليلاً، ثم أخذوا في النمو حتى استحكم أمرهم، وامتلأت القلوب إعجاباً بعظمتهم.
ويضرب المثل للذم؛ حيث يكون للمثَّل به صفة يستقبحها الناس، ويذمّون مَنْ رضي لنفسه بمثلها؛ كما ضرب الله مثلاً لحال من آتاه الله كتابه، فنكث يده من العمل به، وانحط في أهوائه، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]، فقد مثَّلت الآية حال العالِم المنحط في أهوائه بحال الكلب الذي هو أخبث الحيوان، وأخسها نفساً, ذلك أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه.
ويضرب المثل في مقام الاحتجاج؛ حيث يلزم من تسليم الممثَّل به،
стр. 493
وإدراك أن الممثّل مطابق له، الرجوعُ إلى الاعتقاد بالحق؛ كما ضرب الله مثلاً للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تُعبد، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
إذ دلَّ بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إذ مثَّل حالها بحال العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، ودل على كمال قدرته؛ إذ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام من اتسع رزقه، وكان ينفق منه كيف يشاء، ومن له مُسكة من العقل لا يتولى العاجزَ بالعبادة، ويدع عبادة القادر على كل شيء.
ومن بديع أسلوب القرآن في ضرب المثل: أن يسوق الجمل مستعملاً لها في معانيها الحقيقية، قاصداً بها غرضاً خاصاً؛ كالاحتجاج على بعض العقائد، وبعد أن يفيد بها هذا الغرض يعود إلى جعلها مثلاً يرمي إلى غرض من الأغراض التي تضرب لها الأمثال، فانظروا إن شئتم إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٦، ١٧].
فقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ... إلى قوله: زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ ظاهر في معنى تقرير حجة على كمال قدرته تعالى، وبعد أن أقام به حجة على المشركين، جعل هذا القول نفسَه مثلاً يستبين به الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾، وهذا من الإيجاز الذي بلغ به القرآن أعلى
стр. 494
طبقات البلاغة.
إذا ضرب الله مثلاً، فهل يجوز أن يراد من ذلك المثل: المعنى الذي سيق من أجله؛ نحو: التقرير، أو التحسين، أو التقبيح، ولا يلزم أن تكون صورة الممثّل به واقعة في نفس الأمر؟!
ذهب فريق إلى جواز ذلك، فترون الزمخشري - وهو ينكر أن يصرع الشيطان الإنسان - يقول في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: "تخبُّطُ الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه، فورد على ما كانوا يعتقدون".
أو يقال: إن الله لا يضرب المثل إلا بما يقع، حتى إذا ضرب المثل بشيء، أمكننا الاستدلال بالتمثيل على وقوع ذلك الشيء، وهذا ما يقوله جمهور أهل السنَّة، ونحن نستبعد أن يمثل الله تعالى بأمر يزعمه النّاس زعماً باطلاً؛ فإن التمثيل به دون تنبيه على بطلانه لا يلائم ما عرف في هداية القرآن، ومن هنا قرر المحققون من الأصوليين قاعدة هي: أن ما يقصه القرآن من قول يتضمن رأياً، ولا يقرنه بتنبيه على بطلانه، أو يكون قد نبَّه عليه من قبل، فإنه يعد حقاً لا محالة.
فالقرآن لا يمثّل بشيء يزعمه العرب زعماً باطلاً، ولكنه قد يمثّل بشيء لا يدخل في قبيل المزاعم الباطلة، وإنما هو شيء يصفه بصفات مفهومة الحقائق، ممكنة الوقوع، وإن لم تقع عليها أعين النّاس مجتمعة، فالله تعالى يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فقد ذكر طائفة من الباحثين
стр. 495
أن هذا من قبيل التمثيل موجود، وأن البرّة "الحبة من البر" قد تبلغ في الأرض القوية المغلة أن تنبت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مئة حبة، وعلى فرض أن لا يرى النّاس حبّة بلغت في الإنبات هذا المبلغ، لم يكن في تمثيل القرآن بها من بأس.
وقد يضرب القرآن المثل بأمر موجود على حال حُسن أو قُبح، والناس يعتقدونه على ما هو عليه من حسن أو قبح، وإن لم يروه بأبصارهم، ولكنه يحضر في أذهانهم بصورة جميلة، أو صورة قبيحة، فيكون التمثيل به تمثيلاً بأمر موجود، وصورته الحاضرة في الأذهان مطابقة للواقع من حيث حسنها أو قبحها، ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤، ٦٥]، فالشيطان شخص حي، ولكن المخاطبين لم يروه بأبصارهم، وجاء التمثيل في هذه الآية على ما اعتقدوه اعتقاداً مطابقاً من قبح صورته، وعلى هذا النحو يجري التمثُّل بالمَلَكِ في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، فإن التمثيل جار على ما تصوروه من حسنه، وهذا التصور صادق لا محالة.
وإن تعجب، فاقضِ العجبَ ممن يعمد إلى قصة في القرآن، قصها الله تعالى؛ لما فيها من عبرة وحكمة، ويجرؤ على أن يقول: "إن هذه القصة وردت على طريقة التمثيل"! يقول هذا، وليس بيده شاهدٌ من الآية نفسها، ولا دليلٌ سمعيُّ من غيرها، ولا أن العقل السليم ينكر أن تكون واقعة؛ كما قال بعضهم هذا القول في قصة الملائكة، وسجودهم لآدم ﵇.
ولو فتح هذا الباب من التأويل الجامح، لاتخذه ضعفاء الإيمان وسيلة إلى جحود كثير من الحقائق؛ حيث يحملون آياتها على أنها تمثيل، ويخترعون