← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

ابن القاسم رسالة إلى أسد يأمره فيها بأن يصحح "مدونته" على النسخة التي يحملها سحنون، عاد سحنون بالمدونة، ودفع كتاب ابن القاسم إلى أسد، فأبى أسد أن يغير مدونته المسماة: الأسدية على نحو ما سمعها عن ابن القاسم، ولكن مدونة سحنون هي التي انتشرت في الآفاق، وعول عليها الناس في الفتوى، وهي التي تناولها الفقهاء بالشرح والاختصار. * مكانته العلمية: عرفنا مما سلف أن أسداً تفقه عن علي بن زياد في تونس، ثم رحل وأخذ عن مالك بالمدينة، ثم عن أصحاب أبي حنيفة بالعراق، ثم عن عبد الرحمن ابن القاسم بالقاهرة، وأن مدة رحلته بلغت تسع سنين، وإن تسع سنين يقضيها العالم الذكي في الازدياد من العلم بجد وتلهف، لكفيلة بأن تخرجه للناس نحريراً فائقاً، وبما نال أسد في هذه الرحلة من علم كان يقول مغتبطاً ومعرضاً ببعض معاصريه بالقيروان: "ضربنا في طلب العلم آباط الإبل، واغتربنا في البلاد، ولقينا العلماء، وغيرنا طلب العلم خلف كانون أبيه، ووراء منسج أمه، ويريدون بعد ذلك أن يلحقونا". وتحدث محمد بن الحسن عن أسد في مكة، فوصفه بالدراسة والمناظرة والسماع، وكان قاضي القيروان عبد الله بن غانم يشاوره، ويعجب بعلمه، وقال أبو بكر بن الأبار في "الحلة السِّيراء": "وكان لأسد بيان وبلاغة، إلا أنه بالعلم أشهر منه بالأدب". ومما امتاز به أسد عن معاصريه: أنه كان يسرد في مجالسه أقوال أهل العراق، ثم أقوال أهل المدينة، وبهذه الطريقة اتسعت دائرة علم الفقه في تونس، وأصبح طريق النظر في أحكام الشريعة ومداركها مألوفاً ميسراً، وقد

стр. 4972

تقدم إلى فتح هذا الباب بالقيروان عبد الله بن فروخ؛ فإنه رحل إلى الشرق، ولقي مالكاً وأبا حنيفة، وكان يعتمد في فقهه على مالك، ويأخذ بطريق النظر والاستدلال، وقد يميل إلى قول أهل العراق حين يستبين له أنه أرجح حجة، وأقوم قيلاً. * ولايته القضاء: توفي قاضي القيروان عبد الله بن غانم، فأقام زيادة الله مكانه أبا محرز ابن عبد الله الكتاني، ثم إن علي بن حميد وصف لزيادة الله فضل أسد، ومكانته في العلم، وسعى لديه في أن يصرف أبا محرز عن القضاء، ويقلده أسد بن الفرات، فلم يوافق زيادة الله على عزل محرز، ولكنه قلد أسداً القضاء مع أبي محرز سنة ٢٠٤، فكانا يقضيان كل منهما بمكانه؛ بحيث يكون المتداعيان بالخيار. وفي مدينة تونس لهذا العهد محكمتان: إحداهما تحكم على المذهب المالكي، وأخراهما تحكم على مذهب أبي حنيفة، ويسيران في القضاء على أن الخيار للمدعى عليه، وعباراتهم الخيارية في هذا المعنى: "المطلوب يتوجه حيث شاء". أما تولية قاضيين لتطرح بينهما القضايا، ويصدرا فيها حكماً واحداً، فقد كان الخليفة المهدي استخلف على القضاء محمد بن علاثة، وعافية بن يزيد، فكانا يقضيان معاً في مسجد الرصافة. * شجاعته الأدبية: كان أسد على شاكلة العلماء الذين يصغر في أعينهم أهل الدنيا، ولا تملك عليهم سطوة السلطان ألسنتهم، فيُدهنوا. دخل أسد وأبو محرز

стр. 4973

على منصور الطبري يوم ثار على زيادة الله، واستولى على القيروان، وهما قاضيان، فقال لهما ذلك الثائر في كلام دار بينهما: "اخرجا عني، أما تعلمان أن هذا البائس -يعني: زيادة الله- ظلم المسلمين؟ ". أما أبو محرز، فخالطه رعب، وقال له: وظلم اليهودَ والنصارى. وأما أسد، فإنه ملك جأشه، وآثر أن يقول كلمة حق على أن يسكت أمام صولة باطل، فقال له: كنتم أعواناً له قبل هذا الوقت، وأنتم وهو على مثل هذا الحال، ولما وسعنا الوقوف عنه وعنكم، فكذلك يسعنا الوقوف عنه وحده. ولما دافع أسد بهذه الكلمة، صال عليه بعض الجند القائمين على رأس الثائر، ثم انصرف القاضيان وهما يتوقعان بطشة الثائر الغشوم، ولكن الله صرف قلبه عنهما، فلم يمسهما بأذى. * فتحه صقلية (١): صقلية: جزيرة في البحر المتوسط، لا يفصلها عن أوربا الإيطالية إلا مضيق مسينا، وهي التي تسمى: "سيسيليا". أما سبب فتحها، فهو أنه كان بين زيادة الله وصاحب صقلية عقد هدنة، ومما احتواه هذا العقد: أن من وقع إلى صقلية من المسلمين، ورغب أن يرد إلى بلاد الإِسلام، كان عليهم أن يردوه إليها، ثم إن صاحب صقلية قصد إلى الإيقاع بزعيم يقال له: (فيمه)، فتخلص هذا الزعيم وأتباعه من صقلية، وهبطوا القيروان يستنجدون بصاحب الدولة زيادة الله بن الأغلب،

стр. 4974

ورفعوا إليه أن في أيدي الروم أسارى من المسلمين، لم يمكنوهم من العود إلى أوطانهم، فجمع زيادة الله وجوه الناس، وأحضر أسد بن الفرات، وأبا محرز، وسألهما الرأي فيما يصنع، فأما أبو محرز، فقال: نتأنى في هذا الأمر حتى نكون فيه على بينة، وأما أسد بن الفرات، فقال: نتبين الأمر من رسلهم، فإن شهدوا بأن هناك أسرى، أصبح عقد الهدنة بيننا وبينهم منقوضاً، فقال له ابن محرز: كيف نعتمد على قول الرسل في مثل هذا؟ فقال أسد: بالرسل هادناهم، وبالرسل نجعلهم ناقضين، فارتاح زيادة الله لقول أسد، وسأل الرسل، وكان بين الرسل رجل مسلم، فشهدوا بأن لدى الروم مسلمين محبوسين عن العود إلى أوطانهم. أمر زيادة الله يومئذ بالخروج إلى صقلية، فعرض أسد نفسه ليخرج في الجيوش المحاربة، فتباطأ زيادة الله عن إجابته، وامتعض أسد من تباطئه حتى قال: قد أصابوا من يجري لهم مراكبهم من النوتية، وما أحوجهم إلى من يجريها لهم بالكتاب والسنة، ولما وثق زيادة الله من صدق عزيمته، أذن له بالخروج على أن يكون أمير الجيش في هذه الغزوة، فكره أسد الإمارة؛ ظناً منه أنه سيتقلدها بدل القضاء، وقال لزيادة الله عندما عزم عليه في ولايتها: أصلح الله الأمير، من بعد القضاء والنظر في حلال الله وحرامه، يعزلني ويوليني الإمارة! فقال له زيادة الله: إني لم أعزلك عن القضاء، بل وليتك الإمارة، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت قاض أمير، فرضي أسد عند ذلك بالإمارة. ويقول المؤرخون: لم تجتمع الإمارة والقضاء لأحد ببلد أفريقية إلا لأسد وحده. وأما في غير أفريقية، فقد اجتمع القضاء وإمارة الجيوش لبعض علماء بغداد والأندلس. قال ابن خلدون: "وربما كانوا يجعلون للقاضي قيادة الجهاد

стр. 4975

في عساكر الصوائف، وكان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالصائفة إلى أرض الروم، وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية بالأندلس". أذن زيادة الله بأن تهيأ السفن وتساق إلى مرسى مدينة "سوسة"، وكانت نحواً من مئة سفينة، وجهز جنداً يقدرون بعشرة آلاف رجل، وتسع مئة فارس. خرج أسد في ربيع سنة ٢١٢ متوجهاً إلى مدينة "سوسة" ليقلع منها إلى صقلية، وكان يوم خروجه من القيروان يوماً مشهوداً، خرج وجوه أهل العلم لتشييعه، وأمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجال الدولة إلا شيعه، فركب أسد، وسار في محفل عظيم من الناس، ولما رأى حملة الأقلام والسيوف يحتفون به من كل جانب، لم يشأ أن تمر هذه الفرصة دون أن ينوه فيها بفضل العلم، وينبه على ما يلقاه العالمون من خير وعزة، فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والله يا معشر الناس! ما ولِّي لي أب ولا جد ولاية قط، وما رأى أحد من سلفي مثل هذا قط، وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم، وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، وكابدوا عليه، واصبروا على شدته؛ فإنكم تنالون به الدنيا والآخرة". ركب أسد البحر يوم السبت منتصف ربيع الأول سنة ٢١٢، وألقى مراسي السفن على مدينة مأزر بلاد صقلية يوم الثلاثاء، وزحف إليه صاحب صقلية (بلاته) في جيوش عظيمة، والتقى الجمعان، فكانت العاقبة أن فشلت جيوش الروم، وارتدت على أعقابها خاسرة، وبث أسد السرايا في كل ناحية، واستولى على عدة حصون حتى ضرب الحصار على "سركوسة"، وفي أثناء

стр. 4976

حصاره لهذه المدينة توفاه الله في ربيع الآخر، وقيل: في شعبان سنة ١١٣ (١) بجراحات شديدة أصابته في إحدى الوقائع؛ إذ كان أسد يحمل اللواء بيده، ويدعو الناس إلى الإقدام، ثم يخوض بهم مواقع القتال. قال ابن أبي الفضل -وكان فيمن شهد يوم فتح صقلية-: "رأيت أسد ابن الفرات وفي يده اللواء، فحملوا عليه، وكانت فينا روعة، فقال للناس (مشيراً إلى جيش العدو): هؤلاء عجم الساحل (٢)، هؤلاء عبيدكم، لا تهابوهم، وحمل اللواء، وحمل الناس معه، فانهزم (بلاته)، وأصحابه، فلما انصرف أسد، رأيت والله! الدمَ قد سال مع قناة اللواء على ذراعه حتى صار الدم تحت إبطه". وكان أسد يرجو من الله ما لا يرجوه الجبناء ضعفاء الإيمان، فكان على ثقة من أنه سيكسر جيش الروم، بلغ من الكثرة ما شاء أن يبلغ، ويدل على هذا أن الزعيم (فيمه) تأهب لأن يقاتل هو والذين معه بجانب جنود الإِسلام، فأبى أسد، وقال له: اعتزلنا، فلا حاجة لنا بأن تعينونا. وقال له ولأصحابه: اجعلوا على رؤوسكم سيما تعرفون بها؛ لئلا يتوهم واحد منا أنكم من هؤلاء الموافقين لنا، فيصيبكم بمكروه، فاتخذوا في ذلك اليوم سيماهم حشيشاً يضعونه على رؤوسهم. ومما يشهد على أن أسداً كان يحمل في صدره قلب البطل الذي لا يرى مرارة الموت إلا في الخوف منه: أن الجيش الإِسلامي بُلي بعد نزول

стр. 4977

صقلية بمجاعة اضطرته إلى أكل لحوم الخيل، فمشى فريق منهم إلى زعيم يقال له: سحنون بن قادم؛ ليسعى لدى أسد في الرجوع بهم إلى أفريقية، فمضى إلى أسد، وخاطبه في هذا الشأن، فكان جواب أسد أن قال: ما كنت لأكسر غزوة على المسلمين، وفي المسلمين خير كثير، فاستجرأ عليه ابن قادم، وقال: على أقلِّ من هذا قُتل عثمان بن عفان، فتناوله أسد بالسوط، وخفقه به ثلاثاً أو أربعاً، ثم مضى على عزيمته، فقاتل حتى فتح أكثر البلاد، وأتم فتحها من بعده أفراد يعزمون فيفعلون. وأنا لا أشك في أن تعاليم الإِسلام متى تلقيت بحق، طبعت النفوس على الشجاعتين: الأدبية، والحربية، فلا عجيب أن يخرج من بين مجالس مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن القاسم بطل تحمل يمناه السيف بعد أن كانت تحمل اليراعة، وتتخضب بحمرة الدم بعد أن كانت تتخضب بسواد المداد، فيعيش عالماً صالحاً، ويموت قائد جيش فاتحاً. ذلك هو أسد بن الفرات، ﵀، ورحم كل من جاهد في سبيل سعادة الأمة وإعلاء شأنها، ما استطاع إلى الجهاد سبيلاً.

стр. 4978

نظرة في أدب الشيخ محمود قبادو التونسي (١) أول أديب تونسي نحا في جانب من شعره نحو إصلاح الاجتماع والسياسة، ونبه على وسائل الرقي، وحذر من الإخلاد إلى الخمول، هو المرحوم الأستاذ محمود قبادو. تلقى الشيخ محمود قبادو مبادئ علم النحو في تونس، ثم سافر إلى طرابلس الغرب، وبقي بها سنين عرف فيها بجودة الشعر، ثم عاد إلى تونس، وجلس للتلقي عن بعض الشيوخ؛ مثل: الشيخ أبي العباس أحمد ابن الطاهر، وندب لتعليم ابن السيد سليمان كاهية أحد كبار رجال الدولة، ثم ارتحل إلى الآستانة، ونظم يوم خروجه من تونس قصيدة يقول في مطلعها: أسمعت بومَ البينِ خفق فؤادي ... أَمْ كنتَ مشغولاً بصوتِ الحادي ومكث في الآستانة سنين، ورجع إلى تونس في جمادي الثانية ١٢٥٧، وقد أشار في بعض قصائده إلى تلك الرحلة، والعود إلى الوطن، فقال: رعى الله أياماً لنا وليالياً ... سعينا بها للمجد والدهر مُسعِدُ تطارحني الآمال وهي مطيةٌ ... وتغضي جفون النائبات وأسهدُ

стр. 4979

ليالي لم أذمم بها شقة النوى ... ولولا اغترابي كنت أُثني وأَحمدُ قضيت بأرض الروم منها مآرباً ... وعدت لأرض كان لي فيه مولدُ وما عن قِلى ولَّيت عنها ركائبي ... ولكنها الأوطانُ للحرِّ أَعْوَدُ طويت لها البيداء بين مَهامهٍ ... ويممت لجّ البحر والبحر مُزبدُ وتقلد بعد عودته إلى تونس التدريس بالمدرسة الحربية، وكان له يد في تربية تلاميذها على الآداب الإِسلامية، وقيامهم على اللغة العربية. وعنيت الحكومة لذلك الحين بتعريب كتاب فرنسي في أصول الحرب، وقام الأستاذ قبادو بتهذيب ذلك التعريب، وصدَّره بمقدمة جيدة إنشاء ومعنى. ثم تولَّى التدريس بجامع الزيتونة، وصار بعد ذلك قاضياً بباردو (قاضي العسكر)، ثم تولى سنة ١٢٨٥ خطة الفتوى، وصار عضواً بالمحكمة الشرعية. وما زال يقوم بالتدريس في جامع الزيتونة، ويقضي حق الإفتاء بالمحكمة إلى أن أدركه المنون؛ فتوفي ﵀ في ٣ رجب سنة ١٢٨٨. وكان الأستاذ سليمَ الصدر، لا يحمل لأحد حقداً، وإذا اغبر صدره من أحد تعرض له بمكروه، فأول معذرة أو كلمة يحاول بها استرضاءه، تذهب بكل ما في نفسه، وقد تحدَّث في شعره عن حاله مع بعض حساده، ودلَّ على أنه كان يقابل سعاياتهم بالإعراض عنها، والاعتماد في دفع شرها على من يده فوق كل يد. ومما جاء في هذا المعنى قوله: كم أوغروا من صدور باختلاقهم ... وغيَّروا من حميم زال إذ زعموا

стр. 4980

وأشردوا عن علومي جد مقتبسٍ ... فلم يكادوا وردَّ الله كيدَهم وكم عفوتُ، وكم حاولت سلمهم ... وما لحرب حسود يرتجى سَلَمُ ولو جزيتُهم عن سيئاتهم ... بمثلها لم أكن بالظلم أَتَّسِمُ لكنني صنتُ نفسي عن مواردهم ... وقلت حسبي فيهم من هو الحكمُ وإذا كان شِعْرُ الرجل يدل على جانب من أخلاقه وآدابه، لم تلبث أن تشهد للشيخ قبادو عندما تلقي نظرة على ديوانه، بأنه كان ممن يحافظ على حقوق الصداقة، ويغتفر للإخوان عثراتهم، علماً منه بأن الصديق المهذب الذي لا يغفل عن حق الصداقة، أو لا تأخذه جفوة في بعض الأحيان، بعيدُ المنال. ومما قال في بعض قصائده: أأنكث حبل الود بعد توافق ... ولي حيلة في حمل بادرة الصحب وقال: إذا ظفرتْ كفّاك يوماً بصاحب ... فأودعْه في جفن الرعاية والهُدب وخذ منه عفو القول والفعل واطَّرحْ ... مِراء ولوماً حين ينبو وإذ يُنبي وحرره عن رِقِّ التكاليف تلقَهُ ... أخاً مسترَقاً ذا انتداب إلى الحُبِّ ثم قال: فلا راحة إن قوبل الذنب بالجفا ... ولا سؤددٌ إن جوزي الذنبُ بالذنبِ * حكمه ومواعظه: للأستاذ قبادو حكم سامية ترد في أثناء قصائده؛ كقوله: وما خسر الإنسان وجه سعادة ... إذا من فنون العلم وفّر سهمه

стр. 4981

وقوله فيها: لعمري ليس الميت من أودع الثرى ... ولكن مطيق للغنى بان عدمه وكقوله من قصيدة أخرى: وفي الناس من عد الهوان تواضعاً ... وعدّ اعتزاز النفس من جهله كبرا وقوله من قصيدة أخرى: هل العز إلا في اطراح المراتب ... وصون المحيا عن سواد المطالب ومن كدَّرت أطماعُه نهرَ فكره ... طفا فيه من أقذائه كل راسب وقوله من قصيدة أخرى: لم تطبع الدنيا على شكل الوفا ... فعلام في قلب الحقائق يطمع عش ما تشاء بها فإنك ميت ... واحبب بها من شئت فهو مودِّع فسل الثرى كم من نواصي عفرت ... فيه وكان المسك منها يسطع وبدورِ تَمٍّ قد هوت لرغامِه ... كانت منازلها الصياصي المُنَّعُ وقوله في أخرى: لا أرى الموت غير موت نفوسٍ ... وئدت في مقابر الأبدان * شعره الاجتماعي والسياسي: يصح للمؤرخ أن يقول: إن أول شعر ظهر في تونس يدعو إلى مجاراة الغربيين في العلوم والفنون والصنائع، وأول شعر كان مظهر الأسف على ما وقع فيه المسلمون من إهمال الاستعداد لخصومهم، وأول شعر يرمي إلى أغراض سياسية عالية، هو شعر الأستاذ محمود قبادو، فانظر إلى قوله في بعض قصائده:

стр. 4982

وكل فنون العلم للملك نافع ... ولا سيما ما ساير الملك حكمه أرى الملك مثل الفلك تحت رئيسه ... عويزاً إلى الأعوان فيما يؤمه فذلك نوتي يعين بفعله ... وآخر خِرِّيت قُصاراه علمه ومقصده جريُ السفين وحفظها ... ليسلم كل أو ليعظم غُنمه أيركب هول البحر دون مقاوم ... وفي طيه حرب كما يؤذن اسمه لذاك ترى ملك الفرنج مؤثلاً ... بعلم على الأيام يمتدُّ يَمُّهُ ومملكة الإِسلام يقلص ظلُّها ... وينقص من أطرافها ما تضمُّه على أنها أجدى وأبسط رقعة ... وأوسط إقليماً من الطبع عظمُه إلى أن يقول: فمن لم يجس خبراً أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانع فهمه فذلك في كن البلاهة داجنٌ ... وفي مضجع العادات يلهيه حُلْمه ومن لزم الأوطان أصبح كالكلا ... بمنبته منماه ثُمَّةَ حَطْمُه هم غرسوا دون التمدن فرعه الـ ... ـرياضي والعلم الطبيعي جذمُه أيجمل يا أهل الحفيظة أنهم ... يبزُّوننا علماً لنا كان فخمه وربما رمى في مديحه إلى غرض سياسي؛ كقوله في وصف بعض الوزراء: تراه فلا تدري لإفراط بِشْرهِ ... تودّدَ أم دارى لأمر يهمّه وكانت الحكومة التونسية اتخذت قانوناً أقامته على أصول الشرع، وأسمته: عهد الأمان، فنظم شاعرنا قصيدة في ذلك، ومدح المشير الصادق

стр. 4983

باشا على إقامة المجالس لإجرائه، ومما قال فيها يتحدث عن الدولة: لما رأت مصباح شرع محمد ... بتلاعب الأهواء ذا خفقان جعلت له القانون شبه زجاجة ... لتقيه هب عواطف الطغيان وقال يذكر ما سيكون لعهد الأمان من الأثر في العمران: وكأننا بمنازه الخضراء قد ... أنست مَغاني الشِّعب من بَوَّانِ (١) وكأننا بقصورها قد شيدت ... وقصيرها كخورنَق النعمانِ وكأنها بحضارة ونضارة ... ورُفُوه سكانٍ رياضُ جِنان معمورة بجوامع وصنائع ... ومزارع وبضائع ألوان وإذا لم يطلق الأستاذ العنان في هذه الأغراض الاجتماعية والسياسية كما يطلقه فيها كثير من شعرائنا اليوم، فلأنه عاش في عهد ما زالت أمته تتمتع فيه بنعمة استقلالها، ولو نشأ في عهد رأى فيه بعينه كيف وقع زمامُ أمته في يد غير وطنية، لكان لشعره في شؤون الاجتماع والسياسة أفسح مجال. * براعته في التشطير: عُني صاحب الترجمة بتشطير أبيات أو قصائد مشهورة، فيحسن وصل صدر الأصل بعجز، أو عجزه بصدر من عنده، حتى يخيل إليك أنهما انحدرا من قريحة واحدة، تدرك هذا في تشطيره لقصيدة بِشْر المعروفة: "أفاطم لو شهدتِ ببطن خبت" انظر إلى تشطيره البيت الرابع منها، وهو مع التشطير: (أنلْ قدميَّ ظهر الأرض إنِّي) ... أرى قدميَّ للإقدام أحرى

стр. 4984

ولست مزحزحي شيئاً ولكن ... (رأيت الأرض أثبت منك ظهرا) ثم إلى تشطير البيتين السابع والثامن، وهما مع التشطير: (نصحتك فالتمس يا ليث غيري) ... فلي بقيا عليك وأنت أدرى ومهري قائل لك لا تخلني ... (طعاماً إن لحمي كان مرّا) (ألم يبلغك ما فعلته كفي) ... ألست ترى بها الأظفار حمرا ألم تلك طاعماً أشلاء فتكي ... (بكاظمة غداة قتلتُ عَمرا) ثم انظر إلى تشطير البيت الخامس عشر، وهو مع التشطير: (وقلت له يعز عليَّ أني) ... أراك معفراً شطراً فشطرا وأستحي المروءة أن تراني ... (قتلت مناسبي جلداً وقهرا) * استعماله الألفاظ الغريبة: يعذب الشعر، ويقع موقع القبول متى كانت كلماته مأنوسة الاستعمال، فالشاعر الذي يستطيع التأثير على النفوس، فيجعلها راغبة في الشيء، أو نافرة منه، ولا سيما شعراً يخاطب فيه الجمهور، هو الذي يتخير الألفاظ الدائرة في كلام البلغاء، فتقع معانيه في الأذهان عندما تطرق ألفاظه الآذان، وعلى هذا المنوال ينسج شاعرنا في كثير من شعره، ولا يبالي في جانب منه أن يستعمل الألفاظ الغريبة، وربما نظم البيت الواحد في سهولة وحسن تأليف، ويضع فيه كلمة غريبة يحتاج أكثر الأدباء في فهمها إلى مراجعة المعجمات؛ كقوله من قصيدة يرثي بها شيخ الإِسلام الشيخ محمد بن الخوجة: والناس بالآجال سفر رواحل ... والدهر عاد لا يريح وَسُوجه (١)

стр. 4985

وقوله: واحذر مفاجأة المنايا للمنى ... واقنع برشف علالة مذلوجه (١) وقوله: أنفاسنا ونفوسنا ما بين مَقْـ ... ـصور الهوى ومديده منعوجه (٢) ولعل عذره في استعمال هذه الألفاظ الغريبة أن الشعر لذلك العهد إنما يدور في مجالس أهل العلم، ولو أدرك العصر الذي كثرت فيه الصحف، وأصبح الشعر فيه معدوداً من الطرق المسلوكة لتنوير أفكار الجمهور، وتهذيب أخلاقهم، لتحامى أمثال هذه الألفاظ التي يحتاج في فهم معانيها إلى معجم، أو راسخ في علم اللغة. وظهر في ذلك العهد رجال من علماء جامع الزيتونة لهم أقدام راسخة في علوم اللغة، واطلاع واسع على ما تحتويه معاجمها المبسوطة؛ مثل: المرحوم الشيخ أحمد الورتاني، والمرحوم أستاذنا الشيخ سالم أبي حاجب، وأستاذنا أبو حاجب هذا قد نظم أبياتاً في رثاء شاعرنا المتحدث عنه، وتاريخ وفاته، وأذكر منها قوله: والدهر مهما ينتبذ درَّة ... من جيده لم يرج إخلافُها فكم لآلي حكمة بالثرى ... تقذف والأجداث أصدافُها فانظر لهذا الرَّمس كم ضم من ... معارف لم تحص أصنافُها وقال:

стр. 4986

أما رحى الآداب فهو الذي ... بفقده قد حان إيقافُها أسدى له الرحمن أضعاف ما ... ترجو من أهل الجود أضيافُها ولا عدت سحب الرضى تربة ... آواه في التاريخ أشرافُها

стр. 4987

نظرة في حياة وزير تونسي (١) من كبار الرجال الذين تولوا الوزارة في تونس، فجمعوا بين العلم وجودة النظر في السياسة الأستاذ الجليل المرحوم الشيخ محمد العزيز بوعَتُّور، وقد رأينا أن نحدِّث قراء هذه المجلة عن شيء من سيرته العلمية الأدبية الاجتماعية، ففيها موضع قدوة. * نسبه ونشأته: هو الشيخ محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب ابن الوزير محمد بن محمد بوعتّور، ويتصل نسبه بالشيخ عبد الكافي القرشي دفين "صفاقس"، والشيخ عبد الكافي هذا قد جاء في التاريخ أنه من ذرية الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁. ولد صاحب الترجمة في مستهل رجب سنة ١٢٤٠ في تونس، ونشأ تحت رعاية أبيه الشيخ محمد الحبيب، فلقنه القرآن حتى حفظه على ظهر القلب، والتحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة سنة ١٢٥٤، فتلقى العلوم الدينية والعربية وغيرها عن كبار الأساتذة؛ مثل: الشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجه، والشيخ محمد النيفر، والشيخ محمد سلامة،

стр. 4988

والشيخ الطاهر بن عاشور. برع صاحب الترجمة في العلم والأدب والذكاء، حتى بلغ صيته مجلس أحمد باشا أمير تونس لذلك العهد، فاستدعاه، وولاه خطبة الكتابة بديوان الإنشاء سنة ١٢٦٢. قال صاحب الترجمة عند حكايته طلب الأمير له، وتردده في قبول الولاية: "ويشهد الله أني ما فكرت قط في وظيفة مدة قراءتي للعلم، وما قرأت إلا طلباً للكمال العقلي، ولقد فاجأتني الأقدار بما آل إليه أمري، والإنسان مسير لا مخير". ثم اختاره أحمد باشا لتلاوة الأوراق والحجج التي تعرض عليه؛ لما رأى فيه من فصاحة اللسان، وحسن الإيجاز، وكان يصاحب ولي العهد محمد باي عند تجوله في البلاد، ولما توفي الأمير أحمد باي، كانت مكانة صاحب الترجمة عند الأمير الجديد محمد باي راسخة، حتى إن هذا الأمير كان يحليه في بعض أوامره بقوله: "محبّنا". ولما انتقلت الإمارة إلى الأمير محمد الصادق باي، كان صاحب الترجمة من أكبر الرجال العاملين في دولته، فأسند إليه رياسة كتبة وزارة المال، ثم كتابة سر الملك، ثم رقاه لرتبة أمير اللواء في شوال سنة ١٢٧٧، ثم عينه عضواً بالمجلس الأكبر، ومستشاراً للملكة، وكتب إذ ذاك على قانون عهد الأمان تعليقاً نحا فيه نحو المجتهدين في الفقه، العارفين بسياسة العمران، ثم سماه الأمير مستشاراً بمجلس شورى الملك سنة ١٢٧٧، ومستشاراً لوزارة المال في سنة ١٢٧٩، وترقى في سنة ١٢٧٠ لرتبة أمير الأمر، وتولى بعد رياسة الكتاب، ووزارة القلم، فكان أول من جمع يين المنصبين بالدولة التونسية.

стр. 4989

وفي سنة ١٢٨٣ أسند إليه خطبة وزير المالية، وفي سنة ١٢٩٠ وجد منه الوزير خير الدين العضد الأقوى، فشاركه في تنظيم التدريس بجامع الزيتونة، وترتيب المدرسة الصادقية، وإدارة الأوقاف والسجون، والمستشفى الصادقي، والمحاكم الشرعية، وبيت المال، إلى غير ذلك من شؤون الدولة. وما زال صاحب الترجمة ناهضاً بأعباء منصبيه: وزارة القلم، ورياسة الكتابة حتى وضعت الحكومة الفرنسية يدها على البلاد. وفي سنة ١٢٩٩ قلده الأمير محمد الصادق باي الوزارة الكبرى، ولندع سيرته السياسية إلى مقام آخر، والذي يعنينا التعرض له في هذه المجلة إنما هي سيرته العلمية والأدبية. * مكانته العلمية: كان صاحب الترجمة من العلماء أولي الآراء المستقلة، وكان مولعاً بمطالعة الأمهات من كتب العلوم الدينية والعربية وغيرها، وإذا حضر مجلسه أكابر العلماء، جلسوا وهم يشعرون بأنهم في مجلس عالم ذي نظر مستقل، واطلاع واسع، ومما كتبه أستاذنا العلامة المرحوم الشيخ مصطفى رضوان في بعض ما كتب: "ونحن الآن في دولة وزير (يعني: صاحب الترجمة) عالم، قد رمى به الجامع (جامع الزيتونة) من أفلاذ كبده. . . إلخ". ومن المعروف أن المحكمة الشرعية العليا إذا اختلف أعضاؤها في فهم بعض النصوص، أو تطبيق بعض القواعد، رفعوا إليه ما يجري بينهم من الخلاف، فتكون كلمته القول الفصل، كثيراً ما يرجح رأى واحد من أولئك الأعضاء، وإن خالفته الأكثرية. ولمكانته في علوم الشريعة ووسائلها، عظمت غيرته على المحاكم

стр. 4990

الشرعية، وجامع الزيتونة، فكان يدافع عنهما بكل ما يستطيع من قوة. ولهذا الوزير، وطولِ مدة ولايته رياسة الكتابة والوزارة فضل كبير في رقي الإنشاء العربي بدواوين الحكومة التونسية. * استقامته وآدابه: كان صاحب الترجمة يحافظ على أداء صلاة الصبح في وقتها، ويتلو كتاب "الشفاء"، ويقرأ "صحيح الإمام البخاري" في رمضان حتى يختمه، وكان معروفاً بالصبر، ومتانة الخلق، والتؤدة، ولا يعرف عنه أنه باشر أحداً بكلمة جافية، بل كان يسلك في تأديب العاملين في منزله -من نحو الخادم وسائق العربة- الرفق، والعبارات الخالية من كل إهانة، وكان يلبس بعد عودته من ديوان الوزارة الملابس العربية؛ من نحو العمامة والجبة. * وفاته: أصيب ﵀ بنزلة صدربة، وتوفي يوم الخميس غرة محرم سنة ١٣٢٥ - ٤ فبراير سنة ١٩٠٧ - بسرايته بالمرسى، وصلَّي عليه بإمامة شيخ الإسلام الخنفي الشيخ محمود بن الخوجة، ودفن بالتربة الخاصة بالأسرة الملكية الحسينية، وإليك العبارات المنقوشة على حجر قائم على قبره: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللهم صل وسلم على النبي الكريم" إنا لله وإنا إليه راجعون هذا ضريح الوزير الأكبر، العلامة الشهير، أستاذ العلم والتحرير، صاحب الرأي المتين، مازج الحياة بالوقار؛ والعزيمة باللين، الشيخ محمد العزيز بوعتور العثماني القرشي، المولود في رجب سنة ١٢٤٠، المتوفى في ١ محرم سنة ١٣٢٥ بعد أن درس وحرر، فأظهر فكرُه وقلمه آيات من

стр. 4991

المفاخر بينات. ونيطت بأمانته استشارة وزارات. كانت خاتمتها: الوزارة الكبرى، التي نالت به خمساً وعشرين سنة مجداً وفخراً، وكان في جميعها مثال النصح والشرف والاستقامة، ونهى نفسه منذ النشأة عن الهوى، فأطاع ربه وخاف مقامه، حتى انتقل إلى ما عند الله، ومحاسنه ما بين أمثال سائرة، فآتاه الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة". * صلتي بصاحب الترجمة: كنت أيام الشباب أحاول نظم الشعر في بعض الأوقات، فدعاني ما عرفته عن هذا الوزير من الرسوخ في العلم والأدب أن أهنئه في يوم عيد بشيء من الشعر، فدخلت في طائفة من أهل العلم لتهنئته، وتلوت عليه أبياتاً وأنا جالس أمامه، فأصغى إليها بإقبال، وتناولها مني ببشر ودعاء، وكان في الحضرة سبطه العلامة الأستاذ السيد محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام المالكي بتونس لهذا العهد، فودعت الوزير وخرجت، وصحبني الأستاذ ابن عاشور، وكان ذلك اليوم فاتحة عهد اتصالي بالوزير، وعهد صداقة استوثقت بيني وبين حفيده الأستاذ ابن عاشور، وبلغت هذه الصداقة في صفائها وثباتها أقصى غاية. وأصبح صاحب الترجمة منذ ذلك العهد ينظر إليَّ بعين الأب العطوف، وفي عهده أصدرت مجلة علمية أدبية تدعى: "السعادة العظمى"، ورأيت من تشجيعه ما أطلق القلم، وجعلني لا أبالي بصخب من يثورون في وجه كل ما يخالف العادات والآراء المألوفة، وفي عهده توليت قضاء بلدة "بنزرت" وملحقاتها، ووجود هذا الوزير العلَّامة على رأس الوزارة ساعدني على أن أقتدي بما أقرؤه في سيرة القضاة الذين لا يخافون في الحق لومة لائم.

стр. 4992

الشيخ محمد ماضور من علماء تونس وأدبائها (١) * نسبه ومولده ونشأته: أصله من الجالية الأندلسية التي فرت بدينها من عدوان الإسبان سنة ١٠٠٩، وكان سلفه بالجزيرة من حماة الثغور ينتسبون إلى أبي القاسم أحمد ابن يحيى محمد بن عيسى بن منظور القيسي عالم "إشبيلية" وقاضيها المتوفى سنة ٥٢٠، وبعد جلائهم نزلوا بقرية "الجديدة" قرية خربة الآن على بعد بضعة أميال من "قرنبالية" تبعد عن مدينة تونس بنحو خمسين ميلاً، ولا تزال قبورهم معروفة هناك بضريح صالح يدعى: "سيدي سليمان"، والمهاجر الأول منهم يدعى: الحاج محمد، وتسلسل من نسله ستة من المحمديين خامسهم صاحب الترجمة. ولد صاحب الترجمة ببلدة "سليمان" التي هاجر إليها قومه بعد خلاء قريتهم، واستوطنوها، وهي بلدة أنيسة، جميلة الموقع، حسنة المناخ، تبعد من مدينة تونس بنحو ٣٠ كم، وكانت ولادته عام ١١٥٠ أيام ولاية والده قضاء تلك البلدة وما يليها من شنة جزيرة شريك. وكان أبوه من جلة العلماء المشاركين في حركة التجديد العلمي بتونس

стр. 4993

بعد دروس معالمه أثناء فتنة الاحتلال الإسباني وما تلاه من الحوادث. وقد رحل إلى الشرق، ولقي أعلامه؛ كالسيد البليدي، والصعيدي العدوي، والحفني، والطحلاوي، والدري، وغير هؤلاء ممن كتب له بخطه تقريظ بعض مؤلفاته التي حملها لهم في رحلته إلى حج البيت الحرام عام ١١٦٤، وعاد إلى بلده، وتقلد الإمامة والتدريس إلى أن توفي سنة ١١٩٩. نشأ صاحب الترجمة تحت رعاية هذا العالم المحنك، واختص به، وقرأ عليه العلوم الشرعية والعربية والعقلية، وقد رأينا بديوانه قصيدتين بليغتين في تهنئة والده بختم تفسير "الكشاف". ثم انتقل إلى الحاضرة حيث تلقى العلم عن أعيان علماء ذلك العصر، فأخذ القراءات عن الشيخ أبي يونس حمودة إدريس، والعربية عن الشيخ حمودة بن حسين باكير، والبلاغة عن قاضي باردو الشيخ منصور المنزلي، وأخذ عن شيخي الإسلام: حسين البارودي، ومحمد بيرم الأول، وعن أبي الفضل قاسم القلشاني، والشيخ أبي عبد الله محمد الشحمي. * حياته ووظائفه: ولما امتلأ وِطابُه علماً، واشتد نظره فهماً، أقبل على التدريس بالجامع الأعظم إلى أن توفي والده، وأجمع أهل بلده على طلبه لأن يقوم مقامه في القضاء والإمامة والتدريس ببلد سليمان، فتقدم لذلك مكرهاً كما يظهر من نفثات شكواه التي أودعها ديوانه الحافل. * أخلاقه: كان سمح السجية، وفياً، ذا ذوق سليم، وطبع رقيق، قال ابن أبي ضياف يصفه: "وكان عالما فقيهاً أديباً، ذا فهم سديد، وفكر ثاقب، خيراً،

стр. 4994

عفيفاً، نقياً، عالي الهمة، ولشعره ديوان معروف". * علمه وأدبه: كان على طول باعه في علوم اللغة والشريعة يتعاطى ما بلغه العلم إذ ذاك من المعارف الطبية، وخواص المفردات الطبيعية، وله تعليقات على "ألفية ابن سينا"، وله إلمام بأحكام النجوم، ويستعمل لذلك الإسطرلاب والأرباع التي اخترعها العرب. وله يد في الحساب والهندسة، وأما أدبه، فله شعر سهل المأخذ، رقيق المعاني، ينم عن شاعرية مطبوعة، وذوق لطيف. * آثاره وخاتمته: له من المؤلفات -عدا ديوانه العامر، والتعاليق الكثيرة على كتبه في فنون شتى- مقالة نفيسة في مراتب العلوم، ومختصر في رسم القراءات، وآخر في مخارج الحروف، والدر المكفوف في رواية قالون، والتطبيق في التوثيق، ومختارات أدبية. قال ابن أبي الضياف في تاريخه: ولم يزل معظماً مكرماً، نبيه الشأن إلى أن لبى داعي الرحمن في ذي الحجة سنة ١٢٢٦ ﵀، وتقبله بالعفو-. * نموذج من أدبه المنظوم: قال ﵀ يشكو دهره وحساده في قصيدة مطولة: وما غريب الدار في غربة ... وإنما الغربة فقدُ المثال والعلم نعمَ الخدنُ لكنه ... مثير حساد وقيل وقال

стр. 4995

ما أهنأ العيش مع الجهل لو ... ينفع في الحشر وعند السؤال وقال في أخت له، وقد أراد أبوها أن يزوجها من غير كفؤ: قولوا لمن نشأت بعز دلالها ... مع أهلها مأنوسة مودوده في دار مكرمة جرت أمياهها ... مسكوبة وظلالها ممدوده هذا أبوك يريد دفنك حية ... فابكي لنفسك: إنك الموءوده ومن رقيق شعره في النسيب: أفي حكم هذا الدهر أن يؤسر الحشا ... بأرض وفي أخرى أبيت وأُصبحُ إذا الجانب الغربي لاحت بروقُه ... أهش كأني بالمدامة أطفح وأقطع بالتسهاد ليلي صبابةً ... وزندُ الأسى في باطن الأرض يقدحُ فيا عجباً رامٍ بتونس سهمه ... براشٍ، وقلبي في "سليمان" (١) يُجرح

стр. 4996

الشيخ محمد النجار من أفاضل علماء تونس (١) * ترجمته: هو العلامة أبو عبد الله محمد بن عثمان بن محمد النجار، ويتصل نسبه بالشيخ عبد السلام بن مشيش، فهو شريف حسني، وأمه شقيقة العلامة المفتي الشيخ محمود قبادو النابغة الأفريقي. ولد صاحب الترجمة في ١٥ شعبان عام ١٢٥٥، ودخل جامع الزيتونة سنة ١٢٧٠، وتلقى العلم عن والده الذي كان له مزيد اختصاص بالرضيات؛ كالهندسة والهيئة والميقات. ثم عن خاله الشيخ قبادو، وعن أعيان علماء عصره؛ مثل: شيخي الإسلام: محمد معاوية، وأحمد بن الخوجة، وكبير الشورى المالكية الشيخ محمد الشاذلي بن صالح، والمشايخ المفتين: الأستاذ محمد النيفر الأكبر، والأستاذ محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ البنا، والشيخ علي العفيف، والشيخ محمد الشاهد، والشيخ سالم أبو حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ. ابتدأ التدريس بجامع الزيتونة عام ١٢٧٢، وانتخب مدرساً من الرتبة الثانية عام ١٢٨٤، ثم ارتقى إلى الرتبة الأولى عام ١٢٨٧، وفي ١٢ صفر

стр. 4997

عام ١٣١٢ تولى منصب الإفتاء، وكان يجمع بين الفتوى والتدريس بجامع الزيتونة، حتى توفي منتصف ليلة السادس عشر من رمضان سنة ١٣٣١ - أفاض الله على قبره رحمة ونوراً-. كان الأستاذ ﵀ غزير العلم، كريم الأخلاق، يحب البحث، ويتلقى مناقشة الطلاب بصدر رحب، كنت ممن حضر درسه لكتاب "المواقف"، ودرسه لتفسير القاضي البيضاوي، ودرسه لشرح عبد الباقي الزرقاني على المختصر الخليلي، ولشدة استقصاء الأستاذ لما يقرره الكاتبون، وعنايته بنقد ما يوردونه من الآراء، مكثنا بضع سنين في أبواب من هذه الكتب معدودة، وكنت أستفيد من مجالسه ما لا يقل عما أستفيده من دروسه، إذ كان ﵀ ذا ذاكرة لا تخونه فيما يستودعها إياه من علم، ولم نر له في سعة الاطلاع والمحاضرة بالعلوم على اختلاف فنونها من نظير. وكان على طريقة علمائنا الراسخين في التواضع والحلم والتقوى، والعطف على طلاب العلم، فما رأينا منه في يوبم الكراهةَ لبحث باحث، أو الإعراضَ عن سائل، فضلاً عن أن يسمع منه الطالب كلمة جافية. * مؤلفاته: من آثار الأستاذ: مجموعة أختام (إملاءات) على أمهات أحاديث "صحيح الإمام البخاري" كان أملاها بجامع سيدي أحمد بن عروس منذ عام ١٢٨٢، وبجامع الحرمل منذ عام ١٣١١، ومنها "مجموع الفتاوي" في ثمانية مجلدات، وله كتاب "بغية المشتاق في مسائل الاستحقاق"، وهو مجلد ضخم، جمع فيه ما تفرق من مباحث هذا الكتاب، وحرر فيه أحكام النوازل التي تعرض بالقطر التونسي كثيراً، وله محررات فقهية كتبها بمناسبة

стр. 4998

ما يعرض من النوازل الهامة بالمحكمة الشرعية. وألف كتاباً بعد هذا رسائل في مواضيع عامة أيد فيها مذهب أهل الحق، وزاد حججهم بياناً، وله تأليف ممتع في رؤية الهلال، حرر في أثناء بحثه مسائل فقهية وأصولية وفلكية، وله إملاء حافل على حديث: "لا عدوى" ألفه بمناسبة تفشي مرض الوباء بالقطر التونسي عام ١٣٢٩، فكان خاتمة مؤلفاته -جازاه الله عن الإسلام خيراً-، وقد رثاه كثير من أهل العلم والأدب بقصائد بليغة، منها: قصيدة الشاعر المجيد الأستاذ المرحوم الشيخ محمد الصادق بن ضيف، وأذكر منها قوله: كان المدافع عن شريعة جده ... ومجاهراً بالحق ليس يداري ومنها: قصيدة الأديب الكبير الأستاذ الشيخ السيد العربي الكبادي، ومما يقول فيها: سيبكيك تفسير الكتاب وسنَّة ... مصححة كم شدت في شرحها قصرا ستبكيك يارب العلوم "مواقف" ... أمطت بتحقيق على وجهها السترا سيبكيكم الإفتاء يا خير أهله ... فما أحد فيه روى عنكم وزرا

стр. 4999

أحمد أبو خريص (١) هو أبو العباس أحمد بن علي أبو خريص، ولد في "وسلات" سنة ١١٥٦ هـ. وقدم مدينة تونس صحبة والده سنة ١١٧٥، وأقبل على تلقي العلم في جامعة الزيتونة، فقرأ على الشيخ محمد الشحمي، والشيخ صالح الكواش، والشيخ محمد الغرياني، وغيرهم من علماء ذلك العصر، وبعد أن تضلع بالعلوم الدينية والعربية، تصدى للتدريس، فأقرأ كتباً كثيرة في جامع الزيتونة، وبمسجد المحرزية. وولي الإمامة والخطابة بجامع الحلق، وألقى على منبره الخطيب البليغة من إنشائه، ثم قلده الأمير محمود باشا خطبة القضاء في رييع الثاني سنة ١٢٣٠، فجرى على طريق العدل، وكان لا يسمح لأحد الخصوم أن يقابله في داره، ولكنه لبث في هذا المنصب أربعة أشهر فأخذ الله نور عينه إلى بصيرته، واستعفي من القضاء، وعاد إلى التدريس حتى وافاه الأجل المحتوم في ربيع الأول سنة ١٢٤٠، ورثاه الشيخ إبراهيم الرياحي بقصيدة يقول فيها: كم رحيق معطر مختوم ... في كؤوس المنطوق والمفهوم

стр. 5000

قد سقاها أبو خريص ندامى ... أطربتهم بسرها المكتوم في دروس أنوارها ساطعات ... في سماء النهى بحسن فهوم وكان صاحب الترجمة طيب السريرة، حسن اللقاء، أميناً فيما ينقل.

стр. 5001

الشيخ محمد بيرم الثاني نسبه وولادته ونشأته (١) * نسبه وولادته ونشأته: بيت بيرام المشتهر الآن ببيرم من أشهر الأسر العلمية الحنفية بالديار التونسية، تداولت أفرادها مشيخة الإسلام بينهم نحو قرن ونصف، ولا زالت مقاليدها بيد أعقابهم إلى الآن. وقد تأصلت أرومتها من جندي تركي قدم متطوعاً مع سنان باشا وزير السلطان سليم الثاني الذي فتح تونس من يد الإسبان سنة ٩٨١. والمحمدون من هذا البيت بلغوا لحد التاريخ سبعة، ولي مشيخة الإسلام منهم خمسة، والأربعة الأول تتركب منهم حلقات السلسلة الأصلية الماجدة. فأولهم: شيخ الإسلام محمد بن الحسين بيرم، ولد سنة ١١٣٠، وأفتى سنة ١١٦٩، وتوفي سنة ١٢١٤، واختصر " أنفع الوسائل" للطرسوسي، وكتب رسالة في السياسة الشرعية، وغير ذلك. وثانيهم: هو ابن المترجم هاهنا. وثالثهم: ابنه المولود سنة ١٢٠١، وأول خطيب بجامع صاحب الطابع، وشيخ الإسلام بعد أبيه، والمتوفى سنة ١٢٥٩، وشارح "إيساغوجي" وغيره.

стр. 5002

ورابعهم: ابنه العالم الأديب المتفنن، السياسي الماهر، ولد سنة ١٢٢٠، وولي مشيخة الإسلام بعد أبيه، وبلغ بها شأواً لم يعهد؛ حيث أحدث دار الشريعة بتونس، وسن قوانينها، ونظم دواوينها، وكانت له خزانة عزيزة النظير. ترجم لخطباء الحنفية، وجمع شعر المتأخرين بكتابه "الجواهر السنية"، وشرح قواعد عهد الأمان، وهو دستور البلاد التونسية، وتوفي سنة ١٢٧٨. والخامس: هو ابنه القاضي المفتي أبي النخبة مصطفى ابن شيخ الإسلام الأول، ولي القضاء سنة ١٢٩٠، والفتوى سنة ١٣٠٩، ومشيخة الإسلام سنة ١٣١٥، وتوفي ١٣١٨. والسادس: هو العالم الرحالة الأديب المعروف في تونس برئيس جمعية الأوقاف، صاحب "صفوة الاعتبار"، وغيرها، وهو ابن الشيخ مصطفى رئيس ولاية الحسبة بتونس ابن شيخ الإسلام الثالث، النازح إلى مصر، والمتوفى بها سنة ١٣٠٧. والسابع: المفتي محمد شهر السلامي نجل شيخ الإسلام الرابع، ولد سنة ١٢٧٤، وولي الفتوى سنة ١٣٢٦، وانصرف عنها إلى إمامة جامع باردو سنة ١٣٤١، وتوفي سنة ١٣٤٥. وأنبغ هؤلاء وأشهرهم في عالم التأليف هو مترجمنا شيخ الإسلام الثاني، ولد في السادس عشر من ذي القعدة سنة ١١٦٢، وأخذ عن خلاصة أعلام عصره؛ كالقاضي محمد قار بطاق، والمفتيين: محمد الدرناوي، وأحمد الثعالبي البرانسي، والشيخ صالح الكواش، والشيخ محمد الشحمي، وغير هؤلاء، واختص بوالده.

стр. 5003

* وظائفه: درس بالمدرسة الباشية نيابة عن والده، واستقلالاً بها، وبالجامع الأعظم، وغيرهما، وقلد القضاء بعد عزل قار بطاق في ربيع الأول سنة ١١٩٢، واستقال فأُقيل في رجب سنة ١١٩٣، ثم أعيد لأربع بقين من ربيع الثاني سنة ١١٩٤، وطلب الإقالة فلم يجب، وولي نقابة الأشراف سنة ١٢٠٦، ومشيخة الإسلام بعد والده في ٥ محرم سنة ١٢٥١. * علمه وسيرته وصفاته: كان من أقطاب مجددي الحركة العلمية بعد وقوف دولابها أثناء الاحتلال الإسباني بتونس، وما حمل في مطاويه من فواجع وفظائع، وحسب التاريخ التونسي أن يحفظ لمترجمنا هذه الصفة المعتبرة، وكان غزير الحفظ، جيد الفكر، ناظماً ناثراً، وهو من قضاة العدل المشاهير، يتوجه بنفسه في معارضة الحبس لنظر العوض، ويسأل عن القيمة غير الأمناء المعينين لذلك، وهو الذي سنّ الزيادة على القيمة تحرياً لجانب الوقف والمولى عليهم، كما هو معمول به الآن في المحاكم الشرعية بتونس، وكان وقور المجلس، مهيباً عند الخاصة والعامة، محبباً إلى الناس، متبركاً به، هيناً ليناً، رقيق القلب، واسع الصدر، متواضعاً. نقل جميع ذلك ابن أبي ضياف. * آثاره: جمع له من الفتاوى الشرعية العملية مجلد ضخم هو قطب رحى الدائرة الحنفية اليوم بالمجلس الشرعي. ومن أشهرها رسالة "طلوع الصباح على المتحير في أجر الملاح" قرظها والده وجلة العلماء؛ كأحمد البارودي، ومحمد المحجوب رئيس المالكية، وحسن الشريف، و"رسالة في صحة

стр. 5004

الرجوع عن الوصية التي التزم صاحبها عدم الرجوع عنها"، جرى فيها على أصول مذهبه؛ حيث لم يجدها منصوصة في فروعه، ونحا منحى أهل الترجيح، وأيد مذهبه بما يطابقه من المذهب المالكي، وقرظها له شيخ الجماعة الرياحي وغيره، وشرح رسالة صاحب البحر "شفاء الغليل في وقف العليل"، وتحقيق الكلام فيما لإجارة متولي الوقف المنحصر استحقاقه فيه إذا مات في أثناء المدة من الأحكام، و "تحقيق المقال فيما يعبر عنه بالمغارسة والاستنزال"، وغير ذلك مما لا يعد كثرة، ونظم جماعة المفتين الحنفية بتونس في رجز سماه "قلاده اللآل في حكم رؤية الهلال" في ٤٠٩ أبيات. * وفاته: توفي ﵀ في ١٦ جمادى الأولى سنة ١٢٤٧، وحمل سريره الأمير وأولاده تعظيماً له.

стр. 5005

الشيخ محمد الخضار من علماء تونس الأجلَّاء (١) هو الأستاذ أبو عبد الله محمد بن محمد الخضار، كان والده يحترف ببيع الخضراوات، ولم يكن من ذرية الشيخ علي الخضار الأندلسي المتوفى حالة سجوده من صلاة العصر بجامع الزيتونة سنة ١٠٦٥ كما وقع في بعض الأوهام. ولد صاحب الترجمة سنة ١٢٠٩ هـ، وطلب العلم، فأخذ عن الشيخ حسن الشريف، والشيخ الطاهر بن مسعود، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد الستاري، وتلقى دروساً من "المواقف" عن العلامة الشيخ محمد الفاسي، وأقبل على مطالعة الكتب الفلسفية، واجتمع مع رفيقه الشيخ محمد البحري على مطالعة "شرح القاضي زاده على الجغميني في علم الهيئة" بالمكان المعروف في جامع الزيتونة بمقصورة النواورية، ويحضر هذه المطالعة الشيخ عثمان النجار المعول عليه في هذا الفن لذلك العهد إلى أن أتوا على آخر الكتاب. رحل صاحب الترجمة إلى حج البيت الحرام، واجتمع في مكة المكرمة والبلاد الشامية بكثير من كبار أهل العلم، وعاد إلى تونس بعد أن قضى في رحلته خمس سنين، واستمر على التدريس بجامع الزيتونة، وتولى قضاء

стр. 5006

العسكر سنة ١٢٤٨، وولّي الإمامة والخطابة بجامع التوفيق، فكان يلقي من إنشائه خطباً بليغة، وتقلد منصب الفتوى سنة ١٢٥٣، وعين للتدريس عند وضع النظام لجامع الزيتونة سنة ١٢٥٨، فكان يجمع بين خطتين: التدريس، والفتوى. وكان صاحب الترجمة فصيح القلم، طلق اللسان، محققاً في العلوم العقلية، راسخ القدم في الفنون الأدبية، وقد أورد من شعره العلامة الأستاذ الشيخ محمد السنوسي في كتاب "مجمع الدواوين التونسية" مقداراً وافراً. طرأ على بصره في آخر عمره ضعف، ولم ينقطع عن التدريس حتى توفي -عليه رحمة الله- سنة ١٢٦٧.

стр. 5007

السيد محمد النيفر من كبار علماء جامع الزيتونة في القرن الماضي (١) * نسبه وولادته ونشأته: هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم النيفر، يتصل نسبه بالشيخ محمد الرفاعي أخي الشيخ أحمد الرفاعي الشهير. ولد صاحب الترجمة سنة ١٢٢٢، ونشأ في حجر والده السيد أحمد النيفر من كبار التجار بسوق العطارين، وبعد أن حفظ القرآن الكريم، شمر عن ساعد الجد في طلب العلم، فأخذ عن أعلام ذلك العصر؛ مثل: الشيخ إسماعيل التميمي، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ محمد بيرم الثالث. * مكانته العلمية: أحرز صاحب الترجمة في العلم مرتبة عالية، وانتصب للتدريس وهو ابن ثماني عشرة سنة، ودرَّس بجامع الزيتونة كتباً عالية؛ مثل: "شرح القطب على الشمسية"، و"شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع"، و"تفسير القاضي البيضاوي"، وهو من المشهود لهم بالبراعة الفائقة، وحسن البيان، وكان أستاذه الشيخ محمد بيرم الثالث يستمع إلى درسه، فيعجب لحسن

стр. 5008

إلقائه حتى قال مرة: "هذا يجري على سنن أولي الطبقة العالية ممن بعد العهد بمثلهم". وكان يجلس للتدريس في سكينة ووقار، حتى إنه لا يستعين في التقرير بأية حركة أو إشارة. وتخرَّج في دروسه طائفة كبيرة من كبراء أهل العلم؛ مثل: شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن الخوجة، وشيخ الإسلام أبي العباس أحمد كريم، وشيخ الإسلام أبي الثناء محمود بن الخوجة، والعلامة الشيخ سالم بو حاجب، والعلامة الشيخ عمر بن الشيخ، والوزيرين: الشيخ محمد العزيز بوعتور، والشيخ يوسف جعيط. وأخذ عنه ابناه: قاضي الجماعة الشيخ الطاهر النيفر، وكبير أهل الشورى الشيخ الطيب النيفر، وكثيراً ما كان الأستاذ الشيخ يشبه دروس المترجم له برسائل تحوي تحارير بديعة، وتحقيقات نفيسة، مع ما يراعي فيها من حسن الترتيب، وإحكام الصلة بين الباحث. * مؤلفاته: لم يكتف صاحب الترجمة بالتدريس، بل ألَّف -عدا التعاليق والفتاوى- رسائل ممتعة وكتبا محررة، منها: "رسالة في البسملة"، و "حصر الخلاف فيها بين المفسرين والفقهاء والقراء"، و"رسالة في تقديم المسند إليه على المسند الفعلي"، وتعليقات على شرح الأشموني على الخلاصة". * أدبه: كان صاحب الترجمة يجمع إلى غزارة العلم رسوخاً في صناعة الأدب، يظهر هذا في فواتح مؤلفاته، وفي قطع بقيت من شعره حتى اليوم، ويحضرني الآن من نظمه قوله يوم ولي الفتوى:

стр. 5009

ولو أنني استقبلت من أمري الذي ... لعمري قد استدبرت ما كنت قاضيا ولكنها الأقدار تجري على الورى ... بإرغام ذي كره ومن كان راضيا ومن يلتمس غُنماً فغنمي تخلص ... وأنجو كفافاً لا علي ولا ليا * ما تقلد من الخطط العلمية: تولى رواية الحديث في جامع باب الجزيرة المعروف بجامع القنيطرة، ونظارة مدرسة بئر الحجار، وقضاء المحلة بباردو، ثم تولى قضاء الجماعة (أي: قاضي القضاة) بالحضرة التونسية سنة ١٢٦٣، وفي يوم ولايته تولى العلامة الكبير الشيخ البنا خطبة الفتوى، ومما قاله الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي الشهير للأمير في ذلك اليوم: "أصبت، لا زال الله يصيب بك، هما خير زمانهما علماً وديناً". قال الشيخ أبي ضياف: "وناهيك بشهادة من ذلك العدل في ذلك المشهد! ". * استقامته ووفاته: نشأ صاحب الترجمة على الفضيلة والتقوى، وسار في القضاء سير السلف العادلين، واستمر في منصب القضاء إلى أن دعاه صلاحه إلى حج بيت الله الحرام، فخاطب صاحب الدولة في أن يقيله من القضاء، ويأذن له في السفر إلى البيت الحرام، فأجاب طلبه، ورفعه إلى خطبة الإفتاء سنة ١٢٦٧، وهيأت له الحكومة باخرة دولية تحمله ومن شاء أن يرافقه، فقضى فريضة الحج، ثم قفل عائداً، وحج ثانياً متطوعاً سنة ١٢٧٢، ثم عزم على أداء حجة ثالثة، فعز على أمير البلاد مفارقة الأستاذ للبلاد، وأرسل إليه الوزير أبا الضياف ليحل عزيمته على السفر، حتى قال له الوزير: إن نفع درس التفسير متعدد، ونفع الحج قاصر، وقد أديت الفريضة، وتطوعت بعدها،

стр. 5010

ولكن صاحب الترجمة لم يُصغِ إلى قول الوزير، ورحل إلى مكة المكرمة، ثم هبط المدينة المنورة، وهناك فاضت روحه الطاهرة في سنة ١٢٧٧ - تغمده الله برحمته ورضوانه-.
следующие страницы →