العسكر سنة ١٢٤٨، وولّي الإمامة والخطابة بجامع التوفيق، فكان يلقي من إنشائه خطباً بليغة، وتقلد منصب الفتوى سنة ١٢٥٣، وعين للتدريس عند وضع النظام لجامع الزيتونة سنة ١٢٥٨، فكان يجمع بين خطتين: التدريس، والفتوى.
وكان صاحب الترجمة فصيح القلم، طلق اللسان، محققاً في العلوم العقلية، راسخ القدم في الفنون الأدبية، وقد أورد من شعره العلامة الأستاذ الشيخ محمد السنوسي في كتاب "مجمع الدواوين التونسية" مقداراً وافراً.
طرأ على بصره في آخر عمره ضعف، ولم ينقطع عن التدريس حتى توفي -عليه رحمة الله- سنة ١٢٦٧.
стр. 5007
السيد محمد النيفر من كبار علماء جامع الزيتونة في القرن الماضي (١)
* نسبه وولادته ونشأته:
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم النيفر، يتصل نسبه بالشيخ محمد الرفاعي أخي الشيخ أحمد الرفاعي الشهير.
ولد صاحب الترجمة سنة ١٢٢٢، ونشأ في حجر والده السيد أحمد النيفر من كبار التجار بسوق العطارين، وبعد أن حفظ القرآن الكريم، شمر عن ساعد الجد في طلب العلم، فأخذ عن أعلام ذلك العصر؛ مثل: الشيخ إسماعيل التميمي، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ محمد بيرم الثالث.
* مكانته العلمية:
أحرز صاحب الترجمة في العلم مرتبة عالية، وانتصب للتدريس وهو ابن ثماني عشرة سنة، ودرَّس بجامع الزيتونة كتباً عالية؛ مثل: "شرح القطب على الشمسية"، و"شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع"، و"تفسير القاضي البيضاوي"، وهو من المشهود لهم بالبراعة الفائقة، وحسن البيان، وكان أستاذه الشيخ محمد بيرم الثالث يستمع إلى درسه، فيعجب لحسن
стр. 5008
إلقائه حتى قال مرة: "هذا يجري على سنن أولي الطبقة العالية ممن بعد العهد بمثلهم". وكان يجلس للتدريس في سكينة ووقار، حتى إنه لا يستعين في التقرير بأية حركة أو إشارة.
وتخرَّج في دروسه طائفة كبيرة من كبراء أهل العلم؛ مثل: شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن الخوجة، وشيخ الإسلام أبي العباس أحمد كريم، وشيخ الإسلام أبي الثناء محمود بن الخوجة، والعلامة الشيخ سالم بو حاجب، والعلامة الشيخ عمر بن الشيخ، والوزيرين: الشيخ محمد العزيز بوعتور، والشيخ يوسف جعيط.
وأخذ عنه ابناه: قاضي الجماعة الشيخ الطاهر النيفر، وكبير أهل الشورى الشيخ الطيب النيفر، وكثيراً ما كان الأستاذ الشيخ يشبه دروس المترجم له برسائل تحوي تحارير بديعة، وتحقيقات نفيسة، مع ما يراعي فيها من حسن الترتيب، وإحكام الصلة بين الباحث.
* مؤلفاته:
لم يكتف صاحب الترجمة بالتدريس، بل ألَّف -عدا التعاليق والفتاوى- رسائل ممتعة وكتبا محررة، منها: "رسالة في البسملة"، و "حصر الخلاف فيها بين المفسرين والفقهاء والقراء"، و"رسالة في تقديم المسند إليه على المسند الفعلي"، وتعليقات على شرح الأشموني على الخلاصة".
* أدبه:
كان صاحب الترجمة يجمع إلى غزارة العلم رسوخاً في صناعة الأدب، يظهر هذا في فواتح مؤلفاته، وفي قطع بقيت من شعره حتى اليوم، ويحضرني الآن من نظمه قوله يوم ولي الفتوى:
стр. 5009
ولو أنني استقبلت من أمري الذي ... لعمري قد استدبرت ما كنت قاضيا
ولكنها الأقدار تجري على الورى ... بإرغام ذي كره ومن كان راضيا
ومن يلتمس غُنماً فغنمي تخلص ... وأنجو كفافاً لا علي ولا ليا
* ما تقلد من الخطط العلمية:
تولى رواية الحديث في جامع باب الجزيرة المعروف بجامع القنيطرة، ونظارة مدرسة بئر الحجار، وقضاء المحلة بباردو، ثم تولى قضاء الجماعة (أي: قاضي القضاة) بالحضرة التونسية سنة ١٢٦٣، وفي يوم ولايته تولى العلامة الكبير الشيخ البنا خطبة الفتوى، ومما قاله الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي الشهير للأمير في ذلك اليوم: "أصبت، لا زال الله يصيب بك، هما خير زمانهما علماً وديناً". قال الشيخ أبي ضياف: "وناهيك بشهادة من ذلك العدل في ذلك المشهد! ".
* استقامته ووفاته:
نشأ صاحب الترجمة على الفضيلة والتقوى، وسار في القضاء سير السلف العادلين، واستمر في منصب القضاء إلى أن دعاه صلاحه إلى حج بيت الله الحرام، فخاطب صاحب الدولة في أن يقيله من القضاء، ويأذن له في السفر إلى البيت الحرام، فأجاب طلبه، ورفعه إلى خطبة الإفتاء سنة ١٢٦٧، وهيأت له الحكومة باخرة دولية تحمله ومن شاء أن يرافقه، فقضى فريضة الحج، ثم قفل عائداً، وحج ثانياً متطوعاً سنة ١٢٧٢، ثم عزم على أداء حجة ثالثة، فعز على أمير البلاد مفارقة الأستاذ للبلاد، وأرسل إليه الوزير أبا الضياف ليحل عزيمته على السفر، حتى قال له الوزير: إن نفع درس التفسير متعدد، ونفع الحج قاصر، وقد أديت الفريضة، وتطوعت بعدها،
стр. 5010
ولكن صاحب الترجمة لم يُصغِ إلى قول الوزير، ورحل إلى مكة المكرمة، ثم هبط المدينة المنورة، وهناك فاضت روحه الطاهرة في سنة ١٢٧٧ - تغمده الله برحمته ورضوانه-.
стр. 5011
السيد محمد الطاهر بن عاشور (١)
* نسبه:
هو السيد الشريف الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي بن عبد القادر ابن محمد بن عاشور، التونسي النشأة، الأندلسي الأصل، ولد بتونس سنة ١٢٣٠ هـ في بيت شرف وعلم وصلاح من الأسر الأندلسية، وفد جده العالم الصالح سيدي محمد بن عاشور على تونس سنة ١٠٦٠ حسب ما ذكره الوزير السراج في "تاريخه"، وبسط القول فيه.
* حياته:
أقبل بعد حفظ الكتاب العزيز على مزاولة العلوم بجامعة الزيتونة على كبار أساتذة العصر؛ كأخيه الشيخ محمد بن عاشور، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ عاشور الساحلي، والشيخ محمد الخضار، وظهر نبوغه في مقتبل عصره، فانتخب للإفادة، وفي سنة ١٢٦٢ سمي مدرساً من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وفي رجب سنة ١٢٦٧ ولاه أحمد باشا قاضياً للحضرة التونسية، وكان معجباً بانتخابه إياه.
стр. 5012
قال المؤرخ التونسي الشيخ أحمد بن أبي ضياف في ترجمته: "وكان الباي كثيراً ما يقول لي: ما فعل القاضي الشريف؟ فأحكي له ما يبلغني عنه من غريب منازعه، ووجيه أبحاثه، فأرى السرور بوجهه، قال: وباشر الخطة بميزان عدل، لا يلتفت إلى خوف ولا عذل، وشرَّد أهل الزور، وغلَّ أيدي الملحدين وأهل الفجور".
وفي سنة ١٢٧٧ ولاه محمد الصادق باشا خطبة الفتيا، ثم أسند إليه نقابة الأشراف، والحسبة على الأوقاف الخيرية، والنظارة على بيت المال، وسمي عضواً بمجلس شورى الملك المؤسس بمقتضى قانون عهد الأمان. قال الشيخ ابن أبي ضياف: "وتوفي يوم الاثنين في ٢١ ذي الحجة سنة ١٢٨٤، فمشى في جنازته الباي ورجال دولته، وكاد أن لا يتخلف عن شهودها أحد في البلاد، ورثاه الشيخ قابادو بقصيدة كلها عيون"، وهي القصيدة الرائية الثمينة في ديوانه، ودفن في زاوية جده سيدي محمد بن عاشور المشهورة بضاحية سيدي علي الزواوي بمدينة تونس.
* أخلاقه:
قال الشيخ ابن أبي ضياف: "كان عالي الهمة، زكي النفس، سليم الصدر، حسن الأخلاق، بعيداً عن التصنيع في الأزياء، حسن المحاضرة، أبيَّ الضيم، سخياً، محباً لتلامذته، يعاملهم معاملة الأنداد، حتى حل في نفوسهم أرفع محل". ومما اشتهر عنه: أنه كان شديداً في إقامته الشريعة.
* علمه وآثاره:
درَّس بجامع الزيتونة النحو والبيان والأصول والحديث، فدرس المطول،
стр. 5013
وخاض في بحور "المفتاح" وشروحه، ولم تقف همته عند ذلك، فاستجلب كتاب "دلائل الإعجاز"، استنسخه من بعض مكاتب الآستانة على طريق بعض التجار، ولم يكن ذلك الكتاب بتونس من قبل، فكانت لدرسه رنة عظيمة في المحافل العلمية، ودرَّس "المحلي على جمع الجوامع"، فتعالى عن القشور، وقصد إلى لب علم الأصول، مع التنبيه على ما يعرض للناظرين من الأوهام، ودرَّس "صحيح مسلم"، وشرع في تدريس "تفسير البيضاوي"، فاقرأ من أوائله قليلاً، ثم عاجله الحِمام.
وتخرج عنه أعلام العصر الماضي؛ كالوزير العلامة الشيخ محمد العزيز بوعتور، والوزير العلامة الشيخ يوسف جعيط، والعلامة شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن الخوجة، والعلامة اللغوي كبير أهل الشورى الشيخ سالم بوحاجب، وشيخ الإسلام الشيخ محمود بن الخوجة، والعلامة المفتي الشيخ محمد النجار، وشيخ الإسلام العلامة أحمد كريم، والمفتي المحقق الشيخ حسين ابن حسين، والعالم المؤرخ الشيخ محمد بيرم دفين مصر، وغيرهم من جهابذة تونس، وعلماء بلدان المملكة.
قال الشيخ ابن أبي ضياف: "وكان في مدة مباشرته للقضاء يرتاح إلى التدريس، ورغب منه أعيان تلامذته أن يكمل لهم درس "المحلي على جمع الجوامع" الذي كان شرع فيه قبل ولايته القضاء، فأجابهم إلى ذلك، وأقرأه بين العشاءين". وقد كان في تدريسه يفتح للتلامذة أبواب التفكير، ويجرئهم على مجاراة الكاتبين بأنظارهم، فأخرج لهم خبايا العلوم بطريقته المبتكرة يومئذ بجامع الزيتونة، وهي نفوذ النظر من أول الأمر لِلُباب المسائل، والتوسع فيها بالنظر في أصولها ونتائجها، مع تسقيط ما لم يجر على تلك
стр. 5014
السنة من أقوال الكاتبين، تلك النزعة التي ظهرت بعده من نبغاء تلاميذه، فكان في المترجم ﵀ بطل تلك النهضة العلمية التي حدثت في أواسط القرن الثالث عشر.
- كتب حاشية على "القطر" مهمة طبعت بمصر.
- وشرحاً على "بردة البوصيري" طبع بمصر.
- وحاشية على عبد الحكيم على "المطول" سماها: الغيث الإفريقي، لم تطبع.
- وحاشية على "المحلي على جمع الجوامع" لم تطبع.
- وحاشية على "ابن سعيد على الأشموني" جمعها من خطبة تلميذه الشيخ أحمد كريم، لم تطبع.
- وحاشية على "شرح العصام لرسالة البيان" لم تطبع.
- وتعليقه على ما قرأه من "صحيح مسلم" لم يطبع.
* أدبه:
قال الشيخ ابن ضياف: "كان عذب البيان، كاتباً شاعراً بليغاً".
وله شعر جزل ينحو به المنحى العربي القديم، أعانه على الإجادة فيه تبحره في علوم اللغة وآداب العرب، ومن شعره موشح بديع عارض به موشح ابن سهل، وكان مقلاً مجيداً، وله نثر بليغ، وخطب معدودة في مواقف مشهودة، وقد اشتهر في عصره بالفصاحة، وبداهة الجواب.
* فقهه في القضاء والفتوى:
قال الشيخ ابن أبي ضياف: "جرى مع فحول الفقهاء في مضمارهم
стр. 5015
ومعارك أنظارهم، يحذو في الفقه حذو العلامة إسماعيل التميمي من مشاركة الأصول بالفروع، فلا يذكر فقهاً إلا مرجحاً بدليله، ويقول: لا يعجبني أن أقول: هكذا قال الفقهاء، وما يمنعني أن أعلم الدليل كما علموه، وعلى وجود حساده وتظاهر أضداده لم يجدوا في قضائه موضعاً لانتقاده".
ولما ولي الفتيا، صدرت منه الفتاوى التي سارت صداها في الحاضرة، وبلدان المملكة، وأظهر فيها من تطبيق الفقه على الأصول ما غفل عنه كثير من الفحول ﵀ رحمة واسعة، وشمله برضوانه- جزاء صادق خدماته للعلم والدين.
стр. 5016
عمر بن الشيخ من أعاظم أساتذتي بجامع الزيتونة في تونس (١)
هو عمر بن أحمد بن علي بن حسن بن علي بن قاسم المعروف بابن الشيخ، ولد الأستاذ بقرية يقال لها: "الماتلين" من عمل "بنزرت"، في حدود سنة ١٢٣٩ هـ، وقدم به والده تونس صبياً، فنشأ بها، وعندما بلغ أمد التعليم، أقام له معلماً للقرآن المجيد، ثم دخل الجامع الأعظم جامع الزيتونة سنة ١٢٥٩، فتلقى العلم على كبار الأساتذة؛ مثل: الشيخ محمد بن مصطفى البارودي، والشيخ محمد الخضار، والشيخ محمد سلامة، وشيخ الإسلام الشيخ محمد معاوية (٢)، والشيخ محمود قبادو الشاعر الشهير، والشيخ الشاذلي ابن صالح، والعلامة الشيخ محمد النيفر، والعلامة الشيخ محمد بن الخوجة، والعلامة الشيخ حمده بن عاشور، والعلامة الشيخ محمد الشاهد، والعلامة الشيخ محمد البنا، والأستاذ الكبير الشيخ إبراهيم الرياحي.
ولما اشتد ساعد الأستاذ فهماً، وامتلأت وطابه علماً، جلس للتدريس بجامع الزيتونة سنة ١٢٦٦، ثم صار مدرساً من الطبقة الثانية سنة ١٢٦٨،
стр. 5017
ثم صار مدرساً من الطبقة الأولى سنة ١٢٨٣.
ودرَّس الأستاذ كتباً عالية في علوم شتى، تدريسَ بحث وتحقيق، منها: "الشرح المطول على متن التلخيص"، و"شرح الأشموني على الخلاصة"، وكتاب "مغني اللبيب"، و"شرح المحلي على جمع الجوامع"، و"شرح السعد على العقائد النسفية"، و"شرح الزرقاني على المختصر الخليلي"، و"تفسير القاضي البيضاوي"، انتهى فيه إلى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
ودرَّس كتاب "المواقف بشرح السيد"، ولم يكن من الكتب التي تدرس لذلك العهد، حتى أتى على نهايته، وتليت عند ختمه القصائد البليغة، وكان يحضره أكابر المدرسين.
وأذكر من القصيدة التي ألقاها يومئذ العلامة خالي المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز قوله:
إذا عمر بن الشيخ وافى لدرسه ... تعالَ التقطْ دراً بملء جفان
وكان الأستاذ قد عقد للمذاكرة في هذا الدرس خاصة مجلساً ليلياً في منزله، يشهده كثير من العلماء الذين يحضرون الدرس نفسه في جامع الزيتونة وغيرهم، وبعد أن ينصرفوا يخلو الأستاذ بنفسه للمطالعة، فيجيء إلى الدرس صباحاً وقد قتل مسائله بحثاً وتحقيقاً.
أما أسلوب الأستاذ في التعليم، فمن أنفع الطرق، كان يقرر عبارة المتن، ويبسطها حتى يتضح المراد منها، ثم يأخذ في سرد عبارات الشرح، وما تمس الحاجة إليه من الحواشي والكتب التي بحثت في الموضوع، لا سيما الكتب التي استمد منها شارح الكتاب، ويتبعها بالبيان جملة جملة،
стр. 5018
ولا يغادر عويصة أو عقدة إلا فتح مغلقها، وأوضح مجملها؛ بحيث يتعلم الطالب من دروسه كيف تلتقط جواهر المعاني من أقوال المؤلفين، زيادة عما يستفيده من العلم.
فالأستاذ لم يأخذ في دروسه بطريقة الإملاء، كما يصنع كثير من كبراء الأساتذة، إلا أن له مزية التحقيق والكشف عن أسرارها بوجه يدلك عمَّا له من سعة العارضة، والغوص في أعماق المباحث إلى أبعد غاية.
وعادته أن لا يورد بحثاً، أو جواباً عن اعتراض، إلا بعد التثبيت، والاستناد فيه إلى قاعدة مسلَّمة، ومن هنا كان الغالب على أفهامه الاستقامة، وإصابة المرمى، وإذا عثر على خلل لبعض المؤلفين، التمس له المعذرة ما أمكنه، وإلا، قرر وجه الخلل، ونبه على مكانه بأدب ولطف في البيان، وكان له عقل أشرب قوانين المنطق، فلا يروج عليه الزيف، وإن صدر من عظيم، أو خرج في زخرف من القول.
وانتخب الأستاذ ﵀ سنة ١٢٧٨ عضواً في المجلس الأكبر، ونائباً لرئيس المجلس الاعتيادي، فظهرت له براعة فائقة في تطبيق القوانين.
ولما تخلى الوزير مصطفى خزنه دار عن الوزارة، وعزمت الدولة محاسبته على الأموال التي وردت بيت خزينة المال مدة ولايته، عقدت مجلساً لذلك، واتخذت صاحب الترجمة وكيلاً عنها؛ ثقة بما عرف به من رجاحة العقل وسداد الرأي، ولما انتهت هذه المسألة، قلدته خطبة قضاء باردو (قاضي الجيش) سنة ١٢٩٠.
وكان لصاحب الترجمة اليد الطولى في نظام التعليم بالجامع الأعظم في عهد وزارة خير الدين؛ فقد كان أحد أعضاء اللجنة التي شكلها الوزير
стр. 5019
خير الدين لوضع القانون تحت رياسته (١).
وكان كل واحد من أعضاء هذه اللجنة يضع ما يبدو له، ثم يجتمعون وينقحون ذلك، ويدونونه فصولاً، حتى انتهى ذلك القانون سنة ١٢٩٢، وبعد انتهائه عرض عليهم الوزير خير الدين قانوناً حرره بنفسه لنظارة الجامع، وإقامة نائبين عن الدولة، وسمى صاحب الترجمة نائباً أول عن مستشار المعارف أمير الأمراء السيد حسين، فوقف الأستاذ على تنفيذ القانون أحسن قيام، وأصبحت إدارة الجامع العلمية بيد صاحب الترجمة، فكان مثال العدالة والاستقامة.
وولِّي صاحب الترجمة في عام ١٣٠٨ خطبة الفتوى بحاضرة تونس، فاهتز لولايته ارتياحاً كل من يقدره ويعرف إخلاصه، ونهض بأعبائها نهضة الناصح الأمين، وامتاز بالبراعة في تطبيق الأصول على الفروع.
قلَّدته الدولة خطبة الإفتاء، وأبقت له منصب النيابة عن وزارة المعارف في نظارة الدروس؛ لشدة ثقتها بأمانته، وحرصِه على إجراء ما تقتضيه التراتيب العلمية.
وأحبَّ صاحب الترجمة أن يتزود من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت، فأضاف إلى العلم الذي بثه في صدور الرجال أن تنازل سنة ١٣٢٤ عن مرتب التدريس للمتطوعين بالتدريس في الجامع الأعظم مدة حياته، وأوصى لهم
стр. 5020
بقطع من المزارع يصرف لهم ريعها بعد وفاته.
وفي سنة ١٣٢٥ أدرك جسمه ضعف الكبر، ودعاه الحال يومئذ إلى تقديم استعفائه من منصبي الفتوى والنيابة بالجامع، فأعفته الدولة منهما، وأبقت له لقب مفتٍ ونائبٍ اسماً شرفياً، وعينت له في السنة أربعة آلاف وسبع مئة وأربعين فرنكاً مرتباً دائماً.
وجرى الأستاذ على العناية بأمر التدريس، وبذل المجهود في تحرير المسائل وتنقيحها بدون أن يعنى بأمر التأليف، إلا ما يقتبسه تلاميذه من تحريراته القيمة، ويضعونه على حواشي نسخهم؛ ليرجعوا إليه عند إقراء ذلك الكتاب.
وكان صاحب الترجمة ذا جبين طلق، وصدر رحيب، يقابل الأذى بالحلم، وربما ابتسم للكلمة يرمى بها، وهو شاعر بما تنطوي عليه من سوء، ولا تأخذه رفعة منصبه عن الانبساط اللفقراء والأميين، والنزول إلى محادثتهم بقدر ما يفهمون.
وله عطف على سائر المتعلمين، واعتناء بالغ بالأذكياء منهم. كما اشتهر بالمحافظة على إجلال أساتيذه، ورعاية حقوقهم حال الغيبة واللقاء.
تلقيت عن الأستاذ ﵀ دروساً من "تفسير الييضاوي" (١)، ودروساً من "شرح التاودي على العاصمية"، ودروساً من "شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي". وكنت بعد أن استقال من منصبي الفتوى ونظارة
стр. 5021
الجامع أزوره كثيراً؛ حرصاً على الاستفادة من علمه، ورأيت يومئذ كيف يقبل الناس على ذي المنصب، حتى إذا اعتزله، قل زائروه، وإن كان عظيماً في علمه وفضله، وما زالت مجالس الأستاذ تفيض علماً، ووجهه يتهلل بشراً، ولسانه لا يقول إلا خيراً، إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الثلاثاء في الثالث من المحرم عام ١٣٢٩ - أسبغ الله عليه رداء رضوانه، وأرسل عليه وابل رحمته وإحسانه-.
стр. 5022
أحمد كريم (١)
أحد علماء تونس وأدبائها الذين تركوا من خلفهم آثاراً قيمة، وهو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمود بن عبد الكريم المدعو: كريم بن عصمان.
ولد صاحب الترجمة في ٢٧ صفر سنة ١٢٤٣، والتحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة سنة ١٢٦٥، فتلقى العلم عن أساتذة كبار؛ مثل: الشيخ معاوية، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ الطاهر بن عاشور، وتولى التدريس في جامع الزيتونة سنة ١٢٦٥، وأقرأ به كتباً عالية، منها: كتاب "التلويح" لصدر الشريعة.
وعقدت الحكومة التونسية مجالس للنظر في الجنايات، فعينت الأستاذ نائباً لرئيس هذه المجلس سنة ١٢٧٧، فدل على براعة استحق بها أن صار الرئيس هذه المجالس من بعد، ثم تقلد خطبة الإفتاء على مذهب الإمام أبي حنيفة سنة ١٢٨٠، وتولى مع ذلك الخطابة والإمامة والتدريس بالجامع الحسني سنة ١٢٨٤، فكان يلقي خطباً بليغة من إنشائه، وتولى مشيخة الإسلام بعد هذا، فألبسها كرامة، ولم يلوثها بالتملق لذي سلطان، حتى انتقل إلى رحمة ربه سنة ١٣١٥.
стр. 5023
للأستاذ تقييدات ومؤلفات في الفقه الحنفي وغيره، منها: شرح لمنظومة المحبي في الفقه الحنفي، وتعرض في هذا الشرح لما يجري به العمل في الديار التونسية، وتصدى في تأليفه لربط الأحكام بأصولها، وشرح قصيدة كعب بن زهير "بانت سعاد" شرحاً وافياً، وله شعر جيد كان قد جمعه في ديوان يسمى: "السحر الحلال"، وأذكر من شعره قصيدة خاطب بها الأمير محمد الصادق باي شاكراً له على ما قام به من تطبيق القانون المسمى: (عهد الأمان)، ومما يقول فيها:
تيقن أن العدل أبقى لملكه ... فأضحى لطرق الجور ينسفها نسفا
ثم قال:
وأمنت أهل القطر من كل ضائر ... ولولا وجوب الحتف أمنتنا الحتفا
جعلت أساس العدل فيهم أمانهم ... على العرض والأبدان والمال مستوفى
وسوَّيت في الأحكام بين جليلهم ... وبين ضعيف كان في الحق يستخفى
وألزمت أحكاماً هي الفيصل التي ... توافقنا شرعاً ونعتادها عرفا
يقر لها بالعدل كل معاند ... يعض على غيظ أنامله لهفا
شهدت له دروساً كان يلقيها بالجامع الحسيني في شهر رمضان، فكنت أسمع بحثاً دقيقاً، وعبارات أنيقة، وكان الأستاذ ﵀ فصيح المنطق، حسن السمت، لطيف المحاضرة.
стр. 5024
محمد بن الخوجة من أركان النهضة العلمية بجامع الزيتونة (١)
ولد في ٨ ذي الحجة سنة ١٢٤٤، ونشأ بين يدي والده، وتلقى عنه العلم، وعن شيوخ آخرين؛ مثل: الشيخ أبي محمد حسن الشريف، وشيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بيرم الثاني، وجدَّ في طلب العلم حتى أحرز فيه المرتبة السامية.
* مكانته في العلم:
وصفه الشيخ أحمد بن أبي الضياف في "تاريخه"، فقال: "تصدر للتدريس، ونشر الدر النفيس، بتقرير يدل على امتداد باع، وسعة اطلاع، تقف دونه الأطماع، فاستحدث من شمس علومه البدور، وانتفعت به العامة والصدور" وقال: "كان هذا المحقق تقياً نقياً ورعاً، معدوداً في درجة المجتهدين، خاتمه المحدثين، كاد يحفظ "صحيح البخاري"؛ لأنه اتخذ قراءته كل يوم وِرداً، ذا فكرة يدعوها فلا تتوقف، ويلقي عصاها فتتلقف، رفع للعلم راية خافقة، وأقام لها سوقاً نافقة، وجرى في ميادينه طلق الأعنة، ماضي الظُّباتِ والأسنة".
стр. 5025
* ما تقلد من المناصب:
تولى صاحب الترجمة في ٢٦ جمادى الثانية سنة ١٢٥١ خطبة القضاء بالمذهب الحنفي، وسار فيها سيرة العلماء المصلحين.
قال الشيخ أحمد بن أبي الضياف يصفه: "تولى خطبة القضاء، فأجرى الحق، وأوضح ما خفي، وبرع في تطبيق الأحكام على النوازل، مسوياً بين الخصوم، وإن اختلفوا في المنازل، بعدلٍ ميزانه قائم، وجزالة لا تنثني عن الحق بلائم".
وفي ٢٩ ربيع الأول سنة ١٢٥٩ انتقل إلى خطبة الفتوى. وفي ١٠ جمادى الأولى سنة ١٢٧٨ أسند إليه منصب شيخ الإسلام، فقام عليه خير قيام إلى أن أدركه أجله، وتغمده الله برحمته.
* استقامته ومتانة أخلاقه:
كان صاحب الترجمة متجملاً بالعفاف ولطف الشمائل، وإطلاق اليد في عمل الخير، قال الشيخ أحمد بن أبي الضياف في سياق الحديث عنه: "ما شئت من كرم أخلاق، وأياد في الأعناق، ألزم من الأطواق، ونفس لطيفة الشمائل والشيم، ومحاضرة يفوق نفعها الديم".
وكان ﵀ يمثل في شرف همته سيرة العلماء الذين يرون في مقامهم العلمي ما يسمو بهم عن أن يضعفوا أمام الرؤساء وذوي الوجاهة، تلك الخصلة التي تكسو العالم جلالة، وتجعله في الناس ناصحاً أميناً. ومما يشهد باستقامة صاحب الترجمة -كما وصفنا-: أن صاحب الدولة مصطفى باي ظهر له أن يهب أرضاً يقال لها: (هشام) لوزيره مصطفى صاحب الطابع؛ لقربها من بستانه المعروف بسبالة الكاهية، وكانت هذه الأرض من
стр. 5026
أحباس جد الباي، وهو من المستحقين، فأرسل الباي الوزير الشيخ أبا الضياف لخطاب صاحب الترجمة، وهو يومئذ في خطبة القضاء؛ ليأذن بعقد المعاوضة، فخاطبه فامتنع، ولج في الامتناع. قال الأستاذ أبو الضياف: "ثم استأذنت الباي أن كلمه بمحضر الجماعة (بقية أعضاء المحكمة الشرعية)، فقال لي: "تكلم بالنيابة عني"، فجلست مجلس الخصوم، وأعدت المطلب، فقال لي في ذلك المشهد: يابني! (إن بدني لا يطيق النار)، ثم التفت إلى الباي، (وكان في الحضرة)، وقال له: (إني نائب عنك، ولم تظهر لي مصلحة في هذا العوض، فإن ظهرت لك المصلحة، فافعل، وكاتبك هذا (يعني: ابن أبي الضياف) يحسن الكتابة، وأنت تحسن النظر، فرجع الباي على عادته في الوقوف مع الحكام الشرعية، والأدب معها".
ومن حرصه على نصيحة السلطان: أن أمير البلاد المشير الأول أحمد باشا باي كان قد أمر بقتل سبعة من العساكر في قريب من شهر رمضان. وكان صاحب الترجمة ممن يلقون دروساً في رمضان تسمى هنالك بالأختام، فجعل موضوع الدرس قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. . .﴾ [النساء: ٩٣] إلخ الآية. وكان الباي ممن شهد حفلة الختم. فأخذ الشيخ يقرر معنى الآية، ويورد ما ورد في قتل النفوس من الوعيد، حتى ظهر على الباي أثر الغضب، وأوجس الحاضرون خيفة أن يسرع إلى الانتقام منه، ولكن النصيحة التي تصدر من سريرة خالصة لا تأتي في غالب الأحوال إلا بثمرة طيبة، وعاقبة وحسنة.
"إن التقي إذا غالبته غلبا".
وكان ملوك تونس يرغبون في حضوره مجالسهم غير الرسمية، فإذا
стр. 5027
بعثوا إليه، تمثل للرسول بهذين البيتين:
قل للملوك نصيحة ... لا تركنن إلى فقيهِ
إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيهِ
ثم يقول له: "أبلغ أتم سلامي إلى الأمير، وقل له: إن العبد حاضر متى أمرتموه بتحرير مسألة".
* وفاته:
توفي في يوم عاشوراء من سنة ١٢٧٩ بجبل المنار، ونقل إلى داره بحاضرة تونس، وقدم لحضور جنارته صاحب المملكة محمد الصادق باي من حلق الوادي، ودفن بزاوية سيدي عطية، واتفق أن كان تاريخ وفاته في لفظ: (عاشوراء)، ورثاه طائفة من العلماء، منهم: الشيخ محمود قبادو المفتي المالكي، ومرثيته في ديوانه المطبوع.
* مؤلفاته:
لصاحب الترجمة مؤلف في الفقه سماه: "المحررات الفقهية" في ثلاث مجلدات، وله تعليقات على "حاشية الشيخ عبد الحكيم على تفسير البيضاوي"، وسماها: "معين المعاني على علم المعاني"، وتعليقات على كتاب "الدرر"، وحاشية على "شرح المكودي للخلاصة"، وكتب شرحاً لحكم أرسططاليس "العالم بستان. . . إلخ" باقتراح من المشير أحمد باي، إلى غير هذا من الرسائل والأختام التي هي دروس تلقى في رمضان بعد تحريرها في هيئة رسائل.
ملأ الله قبره نوراً ورحمة.
стр. 5028
أحمد الورتاني (١)
من علماء تونس الذين بلغوا في العلم رتبة سامية، وأحرزوا سمعة طيبة: أبو العباس أحمد بن سالم بن إبراهيم الورتاني، ولد سنة ١٢٤٦، وبعد قراءة القرآن على والده التحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة، وتلقى عن علماء أجلة؛ مثل: الشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ ابن ملوكة، والشيخ معاوية، والشيخ محمد بن سلامة، والشيخ محمد الشاهد، ورحل لأداء فريضة الحج سنة ١٢٧٠، ولقي بالقاهرة الشيخ إبراهيم الباجوري، وأجازه إجازة مطلقة، وفي سنة ١٢٧١، ندبه الوزير مصطفى خزنه دار لتأديب أبنائه وتعليمهم، وفي سنة ١٢٨٥ أقبل على التدريس في جامع الزيتونة بتحقيق ومواظبة، وفي سنة ١٢٨٧ تولى منصب التدريس، وعرف بالتثبت فيما يقول، وبإنصاف الطلاب عند البحث، وكان يمتاز عن أقرانه بسعة الاطلاع في التاريخ واللغة، وسافر إلى الآستانة يوم كان الصدر الأعظم بها خير الدين باشا التونسي، وأقام بها حيناً، ثم عاد إلى تونس راجعاً، وعين عضواً في مجلس إدارة الأوقاف، وصار بعد هذا نائب رئيس المجلس، وفي سنة ١٢٩٧ ولاه المشير أحمد باي رئاسة الأوقاف، ونظارة
стр. 5029
المطبعة الأميرية، وفي سنة ١٢٩٩ فصل عن نظارة المطبعة، وبقي على رئاسة الأوقاف.
وفي جمادى الثانية سنة ١٣٠٣ تقدم في طائفة من الفضلاء يعرض على الدولة بعض مطالب وطنية، وبقي بعد هذا على خطبة التدريس وحدها حتى توفي ليلة السادس عشر من ذي الحجة في هذه السنة، وهي السنة ١٣٠٣، فذهب إلى رحمة الله، وقد ترك في نفوس مريديه علماً نافعاً، وعلى ألسنة الأمة التي شهدت منه الغيرة والاستقامة ثناء فاخراً.
стр. 5030
محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة الأعظم في تونس (١)
* نسبه ونشأته:
هو السيد محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، من بيت آل عاشور الأشراف الأندلسيين، وجده للأب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قاضي الحضرة التونسية، وصاحب المؤلفات القيمة، وجده للأم العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتُّور.
ولد الأستاذ بتونس سنة ١٢٩٦، وشب على تعلم القرآن حتى أتقنه حفظاً، وفي سنة ١٣١٠ دخل جامع الزيتونة، فثابر على تعليمه حتى أحرز شهادة (التطويع) سنة ١٣١٧.
وفي سنة ١٣٢٠ فاز في مناظرة التدريس من الرتبة الثانية، وفي سنة ١٣٢٤ ارتقى بمناظرة أيضاً إلى التدريس من الرتبة الأولى.
وفي سنة ١٣٢١ سمي مدرساً بالمدرسة الصادقية، مع بقائه مدرساً بالجامع الأعظم، وفي سنة ١٣٢٥ سمي نائباً عن الدولة لدى نظارة جامع الزيتونة العلمية، فابتدأ أعماله بإدخال نظم مهمة على التعليم بحسب ما سمح به الحال، وحرر يومئذ لائحة في إصلاح التعليم، وعرضها على
стр. 5031
الحكومة، فأمكن تنفيذ شيء منها، وأبقي كثير منها إلى فرص أخرى، كما سعى في إحياء بعض العلوم العربية بالجامع، وقد كان غالب أهل العلم يقتصر منها على النحو، وعلى المعاني والبيان، فأكثر من دروس الصرف في مراتب التعليم الثلاث، ومن دروس أدب اللغة، وشرع في تدريس "ديوان الحماسة" بنفسه. ولما تأسست لجنة النظر في تنقيح برنامج التعليم سنة ١٣٢٩، كان الأستاذ ابن عاشور عضواً في هذه اللجنة، وهو الذي تولى تقرير حالة التعليم، وكان الاعتماد على لائحته المشار إليها آنفاً.
وقدم لائحة في إيجاد تعليم ابتدائي إسلامي منظم في خمس مدن من مدن المملكة: القيروان، وسوسة، وصفاقس، وتوزر، وقفصة. وفي تلك السنة سمي عضواً بالمجلس المختلط العقاري.
وفي سنة ١٣٣١ أسندت إليه خطبة القضاء المالكي بعاصمة تونس، ودخل في هيئة النظارة العلمية التي تدير شؤون جامع الزيتونة.
وفي سنة ١٣٤١ سمي مفتياً مالكياً بالديار التونسية، وعاد إلى التدريس بالجامع الأعظم وبالمدرسة الصادقية، وفي سنة ١٣٤٣ عهد إليه بأمر النيابة عن الشيخ (باش مفتي) رئيس المالكية، وفوض إليه مباشرة وظائفه الشرعية والعلمية.
وفي سنة ١٣٤٥ ارتقى إلى رتبة باش مفتي بالأصالة؛ أي: صار رئيساً للمجلس الشرعي المالكي، وتلك الخطة تخوله أيضاً أن يكون أحد رئيسي المعهد الزيتوني، واستمر على إقراء دروسه في مواقيتها، مع أن خطته تخوله الانقطاع عن التدريس؛ إذ لم يبق معها في صف المدرسين.
وفي جمادى الأولى سنة ١٣٥١ صدر الأمر الملكي بتلقيبه (شيخ الإسلام
стр. 5032
المالكي)، وتسويته بزميله (شيخ الإسلام الحنفي) تسوية تامة.
وفي جمادى الأولى من هذه السنة (١) صدر الأمر الملكي بتعيين رئيس للنظر في شؤون التعليم بجامع الزيتونة يلقب بشيخ الجامع الأعظم، وأسندت هذه الرئاسة إلى الأستاذ صاحب الترجمة، وصرح له حضرة صاحب الجلالة أمير البلاد بأنه يعتمد عليه في إصلاح حال التعليم بجامع الزيتونة وترقيته.
وقد احتفل بولايته شيخاً للجامع يوم السبت ٢٥ جمادى الأولى من هذه السنة في محفل علمي جليل، وألقى فيه الأستاذ خطبة بسط فيها القول على أحوال الجامع، وبين مبدأه في إصلاحه، ونقلت هذه الخطبة البليغة الصحف التونسية.
* علمه وأدبه:
شب الأستاذ على ذكاء فائق، وألمعية وقادة، فلم يلبث أن ظهر نبوغه بين أهل العلم، ولما كان بيني وبينه من الصداقة النادرة المثال، كنا نحضر دروس بعض الأساتذة جنباً لجنب؛ مثل: درس الأستاذ الشيخ سالم أبي حاجب لشرح القسطلاني على البخاري، ودرس الأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ لتفسير البيضاوي، ودرس الأستاذ الشيخ محمد النجار لكتاب "المواقف"، وكنت أرى شدة حرصه على العلم ودقة نظره متجليتين في لحظاته وبحوثه.
تقلب الأستاذ في مناصب التدريس، وقام بتدريس كتب عالية في جامع الزيتونة، فدرَّس "دلائل الإعجاز"، و"الشرح المطول" للتفتازاني، و"شرح المحلى لجمع الجوامع"، و"مقدمة ابن خلدون"، وهو اليوم يقوم بتدريس تفسير القرآن الكريم، و"موطأ" مالك بن أنس، و"ديوان الحماسة".
стр. 5033
وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر: صفاء الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة، وأذكر أنه كان يوماً في ناحية من جامع الزيتونة، ومعه أديبان من خيرة أدبائنا، وكنت أقرأ درساً في ناحية أخرى من الجامع، فبعث إلي بورقة بها هذان البيتان:
تألقت الآداب كالبدر في السحر ... وقد لفظ البحران موجهما الدرر
فمالي أرى منطيقها الآن غائباً ... وفي مجمع البحرين لا يفقد (الخضر)
انعقدت بيني وبينه سنة ١٣١٧ صداقة بلغت في صفائها ومتانتها الغاية التي ليس بعدها غاية، وصدافة بهذه المنزلة تقتضي أن نلتقي كثيراً، وأن يكون كل منا يعرف من سريرة صاحبه ما يعرفه من سريرته، فكنت أرى لساناً لهجته الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيئ، وهمة طماحة إلى المعالي، وجداً في العمل لا يمسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه، وبالإجمال: ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه، وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم.
وعقب سفري إلى البلاد الشامية سنة ١٣٣١ بلغني خبر ولايته للقضاء، فأرسلت إليه أبياتاً تهنئة بهذه الولاية، وتذكيراً له بما كنت أعرفه فيه من حرصه على إصلاح القضاء والتعليم، ثم إبداء عظيم شوقي، وأسفي للفراق، وأذكر منها قولي:
أنسى ولا أنسى إخاءك إذ رمى ... صرف الليالي بالنوى أشباحا
أسلو ولا أسلو علاك ولو أتت ... لبنانَ تهدي نرجساً وأقاحا
أفلم نكن كالفرقدين تقارنا ... والصفو يملأ بيننا أقداحا
стр. 5034
* مؤلفاته:
للأستاذ حواش على "التنقيح" لشهاب الدين القرافي في أصول الفقه، ونقد علمي في الرد على كتاب "الإسلام وأصول الحكم" تأليف علي أفندي عبد الرازق، وكتاب في أصول الإنشاء والخطابة، وله مؤلفات أخرى لم تطبع بعد.
стр. 5035
علي الدرويش من علماء تونس الفضلاء (١)
هو أبو الحسن علي بن يوسف بن أحمد الدرويش من "باجة" بلدة بالقطر التونسي.
ولد في شعبان سنة ١١٩٨، طلب العلم، فأخذ عن علماء عصره: الشيخ الطاهر بن مسعود، وشيخ الإسلام بيرم الثاني، والشيخ حسن الشريف. ولاه الأمير محمود باشا إماماً بمسجد "باردو" سنة ١٢٣٠، ثم تولى خطة القضاء سنة ١٢٣٢، فقام بها محمود السيرة نحو تسع عشرة سنة، ثم صار مفتياً سنة ١٢٥١، وأضاف إلى الفتوى التدريس بجامع الزيتونة عند وضع الترتيب الأحمدي، حتى وافاه الأجل في ذي القعدة سنة ١٢٦٢، ورثاه الشيخ محمد بيرم الرابع بقصيدة يقول في مطلعها:
هو الدهر يبري صائبات سهامه ... فيورد نفس المرء حوض حِمامه
وكان صاحب الترجمة عفيفاً، متثبتاً فيما يجري بين يديه من القضايا، متيقظاً لما يقدم إليه من المراسلات التي يضع عليها ختمه، وترسل إلى نوابه في القطر، كتب بعض المتنسبين للإشهاد بين الناس مراسلة، وقدمها
стр. 5036
إليه ليضع عليها ختمه، فوجدها غير موافقة للشرع، فأبى ختمها، وردها إلى صاحبها، فأعادها ذلك الشاهد مراراً؛ رجاء أن تصادف ساعة غفلة من الشيخ، فيضع عليها ختمه، فلم يكن منه إلا أن يردها، ولما تكرر ورودها عليه، بعث إلى الشاهد قائلاً له:
"إني على بصيرة مما يرد عليَّ"، ولم يزد على ذلك.
стр. 5037
تونس (١)
* التعريف بتونس:
المملكة (٢) التونسية، واقعة بشمال القارة الإفريقية، يحدها شمالاً وشرقاً البحر المتوسط، وغرباً عمالة قسنطينة من بلاد الجزائر، وجنوباً الصحراء الكبرى في بعضها، وولاية طرابلس في بعضها الآخر المنحرف إلى الشرق.
ومساحتها مئة وثلاثون ألف كيلو متر مربع تقربياً، وهذه المساحة تساوي نحو الخمس من مساحة فرنسا.
وسكان هذه المملكة نحو ثلاثة ملايين نسمة، وهم بحسب أصولهم يرجعون إلى أجناس مختلفة، إلا أن السائد فيهم العنصر العربي، ومن كانوا من غير عنصر عربي؛ كالبربر، والترك، فقد أصبحوا عرباً لغة وعادات، فهم ما بين عرب خُلَّص، ومستعربين، فمن الحق أن تونس بلاد عربية شعباً وحكومة، وهي جديرة بأن تعد في مقدمة الشعوب والدول العربية.
стр. 5038
وقد بلغت تونس في العهود السالفة من المعارف والمدنية وقوة السلطان غايات عزيزة المنال، ولا أذهب في الحديث عن هذا السؤدد إلى عهود بعيدة كانت فيها المملكة التونسية مطلع العلماء الأعلام، ورجال السياسة العظام، ومحط رحال الأدباء والشعراء والكتاب، فذلك شأن من تكون غايته البحث عن تاريخ البلاد، وسيرِ رجالها؛ ليقرر حقائق، أو يستمد مفاخر، أو ينبه لمآخذ عبرة، وإنما غايتنا من هذه المذكرة عرض حالة تونس في عهد نهوضها بنفسها قبل الاحتلال الفرنسي، وعهد وقوعها تحت هذا الاحتلال؛ ليرى الناظر كيف كانت تونس تسير في السبيل الذي تسير فيه الأمم الناهضة، وكيف أتى الاحتلال الفرنسي وأخذ يرجع بها إلى وراء.
* تونس قبل الاحتلال:
كانت القيروان منذ الفتح الإسلامي العربي عاصمة إفريقية، ومنها خرج الجيش الذي فتح بقية بلاد المغرب، والجيش الذي فتح بلاد الأندلس، والجيش الذي فتح صقلية، وفي القرن السادس الهجري صارت عاصمة أفريقية مدينة تونس نفسها، وما زال الشعب التونسي يتمتع بحرية كاملة، ولواء الاستقلال يخفق على أرجاء تلك البلاد إلى أن امتدت إليها يد الإسبان سنة ٩٤٢ هـ وتخلصت منهم على يد الدولة العثمانية سنة ٩٨١ هـ، وصارت من ذلك الحين ولاية عثمانية، إلا أنها تتمتع بجانب عظيم من استقلالها الداخلي، إلى أن تولى أمرها المشير أحمد باشا باي عاشر أمراء الدولة الحسينية سنة ١٢٥٣، فنهض بهذه المملكة من الوجهة السياسية والعسكرية والعلمية.
اتجه إلى أن تكون الحكومة التونسية حكومة عربية إسلامية، يربطها
стр. 5039
بالدولة العثمانية الاعتراف بسيادتها من جهة أنها دولة الخلافة، فسعى لدى الدولة العثمانية لتسقط على تونس المقدار المالي الذي كانت تؤديه لها سنوياً، معتذراً بأن القطر التونسي في حاجة إلى نفقات كبيرة تصرف في شؤونه العلمية والجندية والعمرانية.
وحوَّل المراسلة بينه وبين الدولة العثمانية من اللغة التركية إلى اللغة العربية، معتذراً لها بأنه لا يحسن به أن يضع ختمه على كلام لا يفهم أسراره.
وأقبل على حال الجند، فنظم العساكر على الأسلوب الجديد، وأنشأ مدرسة حربية، واستدعى إليها معلمين من أبرع ضباط أوربا.
ووجّه عنايته إلى إعداد أسطول، فأعد مرسى حربية، وابتدأ بشراء بواخر وبوارج، وابتنى دار صناعة لإنشاء السفن، ومعملاً لصنع الأسلحة، ومستودعات للذخائر الحربية.
وأحدث لقب وزير في المناصب السياسية، فكان لحكومة تونس في عهده رئيس وزراء، ووزير داخلية، ووزير خارجية، ووزير حربية، ووزير بحرية، ووزير مالية.
وتولى بعده أخوه محمد باشا باي، فجرى على سيرة سلفه، ووضع لسياسة الحكومة دستوراً سمي لذلك العهد: "عهد الأمان"، وقرئ هذا الدستور في حفل عظيم حضوه أعيان الأمة وعلماؤها، وسفراء الدول الأجنبيية، في (٢٠ المحرم سنة ١٢٧٤ - ١٠ سبتمبر سنة ١٨٥٧)، وأقسم الباي على أن يعمل بهذا القانون، ويجري في سياسة الحكومة على مقتضاه.
ويشتمل هذا الدستور على إحدى عشرة مادة، ونصها:
стр. 5040
"القاعدة الأولى: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا، وسكان إيالتنا، على اختلاف الأديان والألسنة والألوان، في أبدانهم المكرمة، وأموالهم المحرمة، وأعراضهم المحترمة، إلا بحق يوجبه نظر المجلس بالشورى، ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء، أو التخفيف ما أمكن، أو الإذن بإعادة النظر.
القاعدة الثانية: تساوي الناس في أصل قانون الأاء المرتب، أو ما يترتب. كان اختلف باختلاف الكمية؛ بحيث لا يسقط القانون عن العظيم لعظمته، ولا يحط على الحقير لحقارته، ويأتي بيانه موضحاً.
القاعدة الثالثة: التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف؛ لأن استحقاته بوصف الإنسانية، لا لغيره من الأوصاف، والعدل في الأرض هو الميزان المستوي، يؤخذ به للمحق من المبطل، وللضعيف من القوي.
القاعدة الرابعة: إن الذميَّ من رعيتنا لا يجبر على تبديل دينه، ولا يمنع من إجراء ما يلزم ديانته، ولا تمتهن مجامعهم، ويكون لهم الأمان من الإذاية والامتهان؛ لأن ذمتهم تقتضي أن لهم مالنا، وعليهم ما علينا.
القاعدة الخامسة: لما كان العسكر من أسباب حفظ النوع، ومصلحته تعم المجموع، ولا بد للإنسان من زمن لتدبير عيشه، والقيام على أهله، فلا نأخذ العسكر إلا بترتيب وقرعة، ولا يبقى العسكري في الخدمة أكثر من مدة معلومة، كما نحرره في قانون العسكر.
القاعدة السادسة: إن مجلس النظار في الجنايات إذا كان الحكم فيه بعقوبة على أحد من أهل الذمة، يلزم أن يحضره من نعينه من كبرائهم، تأنيساً لنفوسهم، ودفعاً لما يتوهمونه من الحيف، والشريعة توصي بهم خيراً.
стр. 5041
القاعدة السابعة: إننا نجعل مجلساً للتجارة برئيس وكاتب، وأعضاء من المسلمين وغيرهم من رعايا أحبابنا الدول؛ للنظر في نوازل التجارات بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول العظام في كيفية دخول رعاياهم تحت حكم المجلس، كما يأتي إيضاح تفصيله؛ قطعاً لتشعب الخصام.
القاعدة الثامنة: إن سائر رعايانا من المسلمين وغيرهم لهم المساواة في الأمور العرفية، والقوانين الحكمية، لا فضل لأحد على الآخر في ذلك.
القاعدة التاسعة: تسريح المتجر من اختصاص أحد به، بل يكون مباحاً لكل أحد، ولا تتاجر الدولة بتجارة، ولا تمنع غيرها منها، وتكون العناية بإعانة عموم المتجر، ومنع أسباب تعطيله.
القاعدة العاشرة: إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا بسائر الصنائع والخدم، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة، والتي يمكن أن تترتب مثل سائر أهل البلاد، لا فضل لأحد على الآخر، بعد الانفصال مع دولهم في كيفية دخولهم تحت ذلك كما يأتي بيانه.
القاعدة الحادية عشرة: إن الواردين على إيالتنا من سائر أتباع الدول، لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور والأجنَّة والأرضين، مثل سائر أهل البلاد، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة، والتي تترتب من غير امتناع، ولا فرق في أدنى شيء من قوانين البلاد، ونبين بعد هذا كيفية السكن بحيث إن المالك يكون عالماً بذلك، وداخلاً على اعتباره، بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول".
وأنشا هذا الأمير مجلساً بلدياً في مدينة تونس تحت رياسة مستشار الخارجية، وتولى هذا المجلس تنظيم المدينة، وإصلاح طرقاتها، وتنوير
стр. 5042
شوارعها، وجلب أدوات الطباعة العربية إلى البلاد.
وتولى الإمارة بعده أخوه محمد الصادق باي، وشد أزره الوزير المصلح خير الدين باشا، فألَّف مجلساً أعلى يتألف من ستين عضواً من الوطنيين للنظر في مصالح الوطن.
وسنّ للفلاحة قانوناً راعى فيه مقتضيات حال القطر. ووزَّع الأراضي الحكومية على صغار الفلاحين، ووضع أول مجلس صحي لمراقبة الأمراض الوبائية.
وسعى في تقدم الصناعات الأهلية، وتوسيع دائرة التجارة الوطنية.
ونظَّم مناهج التعليم بجامع الزيتونة قرينِ الجامع الأزهر في كل ما يدرَّس فيه من العلوم الدينية والعربية، وأنشأ بجانبه المكتبة التي تدعى: "المكتبة الصادقية".
وأسس المدرسة الصادقية، وهي أول معهد أنشئ لدراسة العلوم العصرية واللغات الأجنبية، وصدرت في عهده سنة ١٢٧٧ هـ صحيفة "الرائد التونسي"، وهي الصحيفة الثالثة العربية للصحيفتين الأخريين: الوقائع، والجوائب.
وأطلق هذا الأمير على الحكومة اسم: الدولة، وأعطى لنفسه لقب: الملك، يوجد هذان اللقبان في نصوص القانون المسمى بقانون الدولة.
يرى الناظر من هذه الشذرات الموردة من تاريخ تونس: أنها أخذت منذ عهد المشير أحمد باشا باي تسير سير الأمم المتيقظة، وأنها قطعت في إصلاح شؤونها السياسية والعسكرية والعلمية والعمرانية شوطاً يشهد بأنها تستطيع القيام بواجبات استقلالها بنفسها، وأنها ليست في حاجة إلى ما يسمونه: حماية.
стр. 5043
* كيف وقع الاحتلال الفرنسي؟
بعد أن تم لفرنسا احتلال الجزائر، اتجه نظرها إلى احتلال تونس، وحصلت على موافقة بعض الدول في المؤتمر الذي عقد في "برلين".
ويقال: إن بسمارك أغراها باحتلال تونس بقصد إيقاع الشحناء بينها وبين إيطاليا التي كانت حريصة كل الحرص على ائتلاف هذا القطر.
ادعت فرنسا أن بعض العربان التونسيين الذين يقيمون بالقرب من حدود الجزائر يعتدون على بعض جيرانهم من الجزائريين، واتخذت هذه الدعوى وسيلة لاحتلال المملكة بأسرها، وأجلبت على تونس بخيلها ورجلها، وتجاوزت بها إلى داخل البلاد، وكانت الحكومة التونسية تسجل وتتشكى وتعارض بأنها مستعدة لتربية قبائلها الذين هم في نفس الأمر إنما اتخذوا وسيلة فقط (١).
* المعاهدة كيف أُمضيت؟
زحفت فرنسا بجنود من ناحية الجزائر، وزحفت بجند آخر من ناحية "بنزرت" حتى وصل هذا الجند إلى العاصمة، وأحاط بقصر الملك، وفي هذه الحال قدمت إليه معاهدة ليضع إمضاءه عليها، فتوقف الباي عن الإمضاء، وطلب من نائبي فرنسا: قنصلها، وقائد عساكرها أن يمهلاه مدة ليتأمل فيما تضمنته المعاهدة من الشروط، فأبيا له ذلك، فجمع الباي رجال مجلس الشورى، وكان ممن عارض في إمضاء المعاهدة: السيد العربي زروق رئيس البلدية، ونصح للباي بأن لا يوقع عليها، وقال له: إن ما تخشاه من عدم الإمضاء سيقع لا محالة، فالتمسك بعدم الإمضاء أشرف وأسلم، ولكن
стр. 5044
الباي رأى نفسه مضطراً إلى توقيع المعاهدة، فأمضاها، وكانت المعاهدة مشتملة على عشرة مواد، وتعريبها:
"إن دولة جمهورية فرنسا، ودولة باي تونس أرادوا أن يقطعوا بالمرة التحبير المخرب الذي وقع قريباً في حدود الدولتين، وفي شطوط تونس، وأرادوا أن يربطوا مخالطتهم القديمة التي هي مخالطة مودة وجوار حسن، فاعتمدوا على ذلك، وعقدوا معاهدة في نفع الجهتين المهمتين، فعلى موجب ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية، سمى وكيله (مسيو الجنرال بريار) الذي يتفق مع حضرة الباي السامية على الشروط الآتية:
أولاً: المعاهدات الصلحية والودادية والتجارية وغيرها الموجودة الآن بين الجمهورية الفرنسية وحضرة الباي يتحتم تقريرها واستمرارها.
ثانياً: ليسهل على الدولة الجمهورية إتمام الطرق للتوصل إلى المقصود الذي يعني الجهتين العظيمتين، فحضرة الباي يرضى بأن الحكم العسكري الفرنسي يضع العساكر في المواضع التي يراها لازمة؛ لتقرر وترجع الراحة والأمان في الحدود، والشطوط، وخروج العساكر يكون عندما يتوافق الحكم العسكري الفرنسي والتونسي على أن الدولة التونسية تقدر على تقدر الراحة.
ثالثاً: دولة الجمهورية الفرنسية تتعهد لحضرة الباي بأن يستند عليها دائماً، وهي تدافع عن جميع ما يتخوف منه لضرر ما، إما في نفسه، أو في عائلته، أو فيما يجير دولته.
رابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية تضمن في إجراء المعاهدات الموجودة الآن بين دولة تونس والدول المختلفة الأوروباوية.
стр. 5045
خامساً: دولة الجمهورية الفرنساوية تحضر نحو حضرة الباي وزيراً مقيماً بينظر في إجراء هذه المعاهدة، وهو يكون واسطة فيما يتعلق بالدولة الفرنسية، وذوي الأمر والنهي التونسيين، وفي كل الأمور المشتركة بين المملكتين.
سادساً: إن النواب السياسيين، والقناصل الفرنسيين في الممالك الخارجية يتوكلون ليحموا أشغال تونس، وأشغال رعيتها، وفي مقابلة هذا، فحضرة الباي يتعهد بأن لا تعقد معاهدة عمومية من غير أن تعلم بها دولة الجمهورية، ومن غير أن يحصل على موافقتها من قبل.
سابعاً: دولة الجمهورية الفرنسية، ودولة حضرة الباي أبقوا لأنفسهم الحق في أن يؤسسوا ترتيباً في المالية التونسية؛ ليمكن لهما دفع ما يلزم الدين التونسي العام، وهذا الترتيب يضمن في حقوق أصحاب الدين التونسي.
ثامناً: إن غرامة الحرب يغصب عليها القبائل العصاة بالحدود والشطوط، وتفعل دولة الجمهورية مع حضرة الباي فيما بعد شروطاً على كميتها، وكيفية دفعها، ودولة حضرة الباي تضمن في ذلك.
تاسعاً: للمدافعة على منع إدخال السلاح والآلات الحربية للمملكة الجزائرية الفرنسية، فدولة باي تونس تتعهد بأن تمنع دخول الأشياء المشار إليها من جزيرة "جربة"، ومرسى "قابس" وسائر المراسي الجنويية في المملكة.
عاشراً: إن هذه المعاهدة توضع لدى رضاء دولة الجمهورية الفرنسية، وترجع في أقرب مدة ممكنة لحضرة الباي السامية.
حرر في ١٢ مايو سنة ١٨٨١ بالقصر السعيد
الإمضاء: محمد الصادق باي، والجنرال بريار