← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

كتّاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر (١) عهدتُ الأدب في تونس بطيءَ السير، قصير الخطا. وما بطء سيره وقصر خطاه لبخل في قريحة الفتى التونسي، أو لضيق في متقلب خياله، أو لإِملاقه من مباني اللغة وفنون بيانها، فإن في ذلك الفتى ألمعية، وفي ذلك الوطن حضارة، وفي الجامعة الزيتونية والمدارس التي تستمد منها لغة فصحى وبلاغة، وإنما هي وسائل النشاط على الإنشاء والنظم لم يحظ منها الأديب التونسي بمثل ما حظي به الأديب الناشئ على وادي النيل، ولهدوء السياسة وطغيانها أثر في نهضة الأدب شديد، فشأن السياسة القاسية أن تقلب النباهة إلى خمول، وتعيد الفصاحة إلى ما يشبه الفهاهة، وإذا نبت في بيئتها أديب فائق، فإنما هي عبقريته الفذة تسمو به حتى يخرج عن طبائع هذه البيئة ما استطاع. ما برحت النفس مشوقة إلى أن تعلم المدى الذي بلغته نهضة الأدب في وطن ابن رشيق، وابن خلدون، حتى طلع علي كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" صنع الكاتب البليغ السيد زين العابدين السنوسي. أسمتُ النظر في هذا الكتاب، وما انثنيت عن مطالعته، حتى ملكني ابتهاجٌ بطريقة بحثه، وإعجاب بما تجود به قريحة ابن الخضراء، أو القيروان،

стр. 5567

أو الساحل، أو بلاد الجريد. أبتهج لأن أرى في تونس أقلاماً يدق مسلكها، وتنحو فيما تكتب نحو الصراحة، وكذلك صنع مؤلف كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر"؛ فقد أخذ في الوصف والنقد مأخذاً طريفاً، ونحا فيهما نحو من لا يضرب قلمه على مداجاة، وإنك لتقرأ ما يحدّث به عن نزعة الشاعر الأدبية، فلا تحس منه إلا أنه يقصد إلى تصوير ما يراه واقعاً، وانما يترقى فن الوصف والنقد بمثل هذه الأقلام. أُعجبت بما اتسق في الكتاب من أدب موزون؛ إذ آنست فيه معاني وسيمة، وتخييلاً بديعاً، وغيرة على حقوق البلاد، ولا أُحجم أن أقول في كثير منه: إنه وليد عبقرية نادرة. يخبرنا هذا الكتاب بأن نهضة الأدب في تونس أخذت -بفضل نبغائها- تقاوم طبائع العسف والسيطرة الجافية، وإذا كان في يد المسيطر أن يحول بين الجماعة والتطور الذي يجرها إليها الجهل أو الأهواء، فإن التطور الذي تنساق إليه بباعث من الحق لا تقف دونه سيطرة. فخير لمن يضرب على نهضة الأدب حصاراً، أو يشد عليها وثاقاً، أن يدرأ عنها العذاب، ويدعها تمشي في مناكب الأرض، أو تصعد إلى عَنان السماء. يخبرنا هذا الكتاب بأن الزمن ابتدأ يعيد لذلك القطر عهدَ الحصري، وابن رشيق، وما شهدنا فيه من فلسفة وخيال يرمز إلى أن تونس ستفوز باستقلالها الأدبي، ولا ترضى أن يكون لشاعر شرقي أو غربي على أبنائها من إمارة. أما في الموازنة بين من تلا علينا هذا الكتاب شذوراً من أشعارهم، فإن يوم الموازنة بين الشعراء يوم عسير، وهذا ما يتلبث بي أن أورد من مجموعة

стр. 5568

هذه الأشعار طائفة تمثل صفاء الذوق، وسعة الخيال، وجودة التنسيق، وحسبي في هذه الصحيفة أن أقول: إن من يلقي نظرة على كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" نظرة مجردة من كل شيء ما عدا الإِنصاف، لا يسعه إلا أن يذكر تونس في نسق البلاد التي نبت فيها الأدب نباتاً حسناً، وكيف يأبى أن يذكرها في هذا الصدد، وهو لا يستطيع أن ينشدنا لابن عشرين من نابتة الأقطار الأخرى شعراً أرقى من شعر هؤلاء الذين عرض علينا هذا الكتاب مختارات من بنات قرائحهم، وما بلغوا أو برحوا سن العشرين. ولعل السيد زين العابدين السنوسي يكون مرتاح الضمير إذا شاركته فيما دار بينه وبين الأستاذ صالح النيفر من محاورة، ولا خير في تقريظ لا يمثل الصراحة، وإنما الخير في تمحيص بحياة الجماعة وطرق سعادتها من آراء. يقول السيد زين العابدين السنوسي في الحديث عن الأستاذ صالح النيفر: "ولا يتصور صاحبنا إصلاحاً اجتماعياً، ولا حركة سياسية، ولا نهضة ولا حرية، ولا علماً إلا على طريق الدين والزعامة الدينية"، ثم قال: "وقد راجعناه في الأمر، فلم نر له من تقهقر ولا رجوع، فإذا قلت له كلمة في الفروق بين التيارات التاريخية، وإذا ألفته لحوادث العصر في طول البلاد، ومن خط الاستواء إلى القطبين، وإذا عددت له زعماء العالم اليوم، وليس فيهم من يمت إلى التعاليم الدينية بسبب، سد أذنيه عنه، وأعلمك أن الوسط التونسي وسط مسلم، لا يحيا بدون دين، ولا يقاد إلا بزعامته!. أنا لا أذهب في فهم رأي الأستاذ صالح النيفر إلى أنه ينفي عن أمة لا تدين بالإِسلام أن تكون ذات مدنية وقوة وسلطان، أو أنه ينفي عن رجل

стр. 5569

لا يدين بالإِسلام أن يقود أمة غير مسلمة، ويتقدم بها في هذه الحياة إلى غاية، أو يصل بها إلى أن تكون مستقلة، أو مستعمرة، وإنما يريد -فيما يُفهم- أن الإِسلام رسم للاجتماع والسياسة خططاً، ومن يؤمن بحكمة هذه الخطط يرى أن ما لا يجري عليها من الأعمال لا يستحق أن يسمى إصلاحاً، أو سياسة رشيدة، ومقتضى هذا: أن الزعيم الذي يتبع غير سبيل المؤمنين ليس بالزعيم الذي تمنحه الأمة المسلمة ثقتها، وتضع في يده زمام نهضتها، إلا أن تكون قد نسيت حكمة الله البالغة. والتاريخ القديم والحديث يصدق أن ليس من أحد ينال الزعامة على شعب يبتغي الإِسلام ديناً إلا أن يعتقدوا به الإِخلاص للإسلام، وقد شهدنا رجالاً وقفوا موقف الزعامة بين أمم إسلامية، وكانوا يحملون في صدورهم جهالة على الإِسلام، فلم ينشبوا أن بدت هذه الجهالة على أفواههم، وظهر لها لون في سيرتهم، فما كان من المسلمين بحق إلا أن ضربوا بزعامتهم إلى وراء. ونحن لا نتحدث عن زعامة يتمتع الرجل بها أياماً، أو زعامة يلقب بها الرجل على ألسنة طائفة من الناس، وإنما نريد زعامة يرضى عنها أولو الأحلام من الأمة، ويسير بها صاحبها في حزم وأمانة وثبات، وهذه الزعامة لا تستقيم إلا على رعاية ما ينصح به الإِسلام. فمن يتحدث عن حال أمة إسلامية، وقال: لا يصلح اجتماعها، أو لا تنتظم سياستها، أو لا تنجح زعامة عليها إلا أن تكون من ناحية الدين، إنما يريد هذا المعنى الذي اهتدى له طائفة عظيمة من طلاب العلم بالمدارس العالية، فأنشؤوا (لمجمعية الشبان المسلمين) واطمأنت له قلوب طائفة عظيمة

стр. 5570

من طلاب العلم بالمعاهد الدينية، فأنشؤوا "جمعية الهداية الإِسلامية". وبصر به قبل هؤلاء قوم آخرون، فأنشؤوا "جمعية مكارم الأخلاق الإِسلامية". والذي يقول: لا تقوم زعامة في شعب إسلامي إلا على الدين، إنما يقصد إلى أن يأخذ في شرط الزعيم احترام مبادئ الشرع الحنيف، وسواء بعد هذا أكانت نشأته في نحو الأزهر وجامع الزيتونة، أم كانت في إحدى جامعات لندن وباريس. فالمذهب الذي يجعل لإِصلاح الاجتماع والسياسة والزعامة صلة بالدين، هو مذهب كل من وقف على روح الإِسلام، ودرس أحوال الشعوب، ونظر إلى هؤلاء الزعماء كيف يحيون، وكيف يموتون وهذا المذهب -وإن ذهل عنه بعض شبابنا اليوم- فسيدرون أنه أقوم الطرق لإِحراز قوة تبلغ بها الأمة حيث تشاء، وبالأحرى حين يدخل أولو العلم في ملاحم الحياة الاجتماعية والسياسية أفواجاً، ويعبرون عن مقاصد الإِسلام بلسان الناصح الحكيم. والأمل لا يزال راسياً على أن السيد زين العابدين السنوسي سيحقق النظر في صلة الإِسلام بالاجتماع والسياسة والزعامة، حتى تجد منه أمته المسلمة مصلحاً حازماً، كما وجد منه الأدب كاتباً ناقداً مجيداً. والذي يعنينا بعد هذا أن يقدر الشعب التونسي صناعة الأدب، ويدرك فضل الشاعر والناقد، ولا يستهين بمثل هذا التأليف الذي صاغته براعة الماجد السيد زين العابدين السنوسي، فإنه عمل قيم نبيل، وأكبر عامل لإِعلاء شأن الأدب أن يقدر الشعب شعراءه وكتّابه، وأن يكون بالمبدعين من هؤلاء وهؤلاء حَفِيّاً.

стр. 5571

رثاء عمر بن الشيخ (١) داعي المنية من بعد الهجوع سرى ... ليلاً وحلّ نظام المجد فانتثرا يمد باعاً إلى نهب النفوس وإن ... كانت ينابيع خير في الورى انتشرا لو كان يرهب نفساً في العلى بلغت ... أعلى الذرى ما انتقى ابن الشيخ واهتصرا ذاك الهمام الذي كنّا نشدّ به ... مآذر الفهم أو نستمطر الدُّررا كان المدير لأقداح العلوم إلى ... أن أوردته المنايا وِرْدها الصّبرا وهو الأمين إذا يروي المقول وإن ... أورى قوادح فكر حقق النظرا من ذا يرجّى لكشف المعضلات ومن ... نأوى إليه إذا ما حادث عسرا ضاهى أبا حفص الفاروق في لقب ... ونصرِ شرعةِ حقّ حيثما ظهرا نضى لدى مجلس الأحكام سيف هدى ... يذود عن حوضها الأقذاء والكدرا

стр. 5572

وسار في خطة الفتوى على رشد ... عشرين حولاً فكان القوس والوترا له من الله غفران ومكرمة ... جزاء سعي وإخلاص به اشتهرا ورزؤه قد شبا بين الضلوع لظى ... وفجَّر الدمع من أجفاننا نهرا فقال باكيه مأسوفاً يؤرخه ... بدر العلى كاسف من فقده عُمَرا

стр. 5573

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (٢٤) «السَّعَادَةُ العُظمَى» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 5574

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 5575

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة لعل من أندر التراث الفكري الإسلامي للإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين، هو ما فاض به بحره في أول ميدان صال فيه وجال، ونعني به المجلة الإسلامية الكبرى "السعادة العظمى" التي كان لها شأن، وأي شأن في صدق الدعوة وإخلاصها لله . وقد عثرت في صيف عام ١٩٧٢ م عندما زرت تونس، ومن خلال بقايا مكتبة العم اللغوي المرحوم محمد المكي بن الحسين على مجموعة فريدة من كامل الأعداد التي صدرت من المجلة، وكان قد أعياني البحث عنها في مختلف المكتبات العربية -العامة منها والخاصة- سواء في دمشق أو بيروت أو القاهرة، ولكن دون جدوى حتى وقعت على هذه المجموعة النادرة، وإنها مشيئة الله أن يبقى هذا الأثر في حفظ حتى ينشر بين الناس، وأن لا يضيع هذا الجهد الإسلامي العظيم مع الأيام. وثمة مجموعة من مجلة "السعادة العظمى" طالعتها في دار الكتب الوطنية بتونس، غير أن أعدادها ناقصة. وإني أرى من الواجب أن أشير إلى مجلة "السعادة العظمى" إشارات خاطفة؛ وفاء للشيخ أولاً، وللتاريخ من بعد، وإن هي إلا كلمة موجزة: صدر العدد الأول من مجلة "السعادة العظمى" في ١٦ محرم من عام

стр. 5576

١٣٢٢ هجري بِقطْع من الورق الجيد، مقياس ١٧ - ٢٤ سم، وبعدد من الصفحات لا تتعدى ١٦ صفحة، وقد جاء تحت عنوان المجلة ما يلي: "مجلة علمية، أدبية، إسلامية تصدر في غرة كل شهر عربي، وفي سادس عشره". ما إن صدرت المجلة حتى استقبلها أهل العلم والأدب بحفاوة تتناسب والمكانة العلمية المرموقة التي يتمتع بها صاحبها لدى كافة الأوساط الفكرية، سواء في العالم الإسلامي، أو في مكان صدورها تونس، وخاصة في جامع الزيتونة أكبر معهد إسلامي في المغرب العربي، وكيف لا يحتفل بها الزيتونيون؟ وصاحب المجلة طود من أطواد تلك القلعة الإسلامية الخالدة التي تخرَّج منها الثائرون على الاستعمار الفرنسي، والذين قادوا الحركات الاستقلالية في تونس والجزائر والمغرب. ولا أدل على صدق الصورة التي خرجت فيها المجلة إلى النور من التقاريض التي يطالعها القارئ في مقدمة هذا الكتاب، والتي أثبتناها بنصوصها الكاملة؛ حفاظاً على قيمتها الأدبية، ومن أهم التقاريض التي وردت إلى المجلة، ما بعث به العلامة القدوة الشيخ سيدي محمد المكي بن عزّوز -وهو خال الإمام- ومما جاء في التقريض قوله: "وبالجملة فتلك مفخرة للخضراء (١) بين الممالك، ويفهم من آثار أهلها اعترافهم بذلك، وأبلغكم -لتحمدوا الله- أن كل من رآها هنا في الآستانة العلية أُعجب بها، وتحقق بمجموع ما احتوت عليه نموَّ العلم في تونس ونشاط طالبيه، وأن سوق التفنن بجامع الزيتونة معمور، وهذا مما يعم به

стр. 5577

في العالم الإسلامي السرور، والمظنون أن سيكون لها شأن يعتبره المشرقان والمغربان ... ". ولا أطيل الحديث عن التقريض، فهذا مما يطالعه القارئ في هذا الكتاب، كما لا أطيل الكلام على نهج المجلة وأبوابها، فإن مقدمة الإمام في هذا الأثر هي مقدمة مجلة "السعادة العظمى" بالنص الكامل، وإن دراسة المقدمة توضِّح سياسة المجلة في شتى العلوم والفنون، وأنها وزعت على أبواب، باب يشمل الافتتاح بمقالة تتخذ مظهراً تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، وباب تعده معرضاً لعيون مباحث علمية، وباب للآداب، وباب رابع للأخلاق، وباب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة في مسائل شتى. ولئن قوبلت المجلة بالترحاب، وملأت فراغاً كبيراً في ميدان الثقافة الإسلامية في تونس، فإنها كانت وخزاً للمستعمر الفرنسي الذي دأب منذ صدورها على محاربتها، وملاحقة صاحبها، ومضايقته بشتى الطرق، حتى تم له إغلاقها ولم يمض عام على صدورها، وكان عددها الأخير يحمل عدد ٢١ غرة ذي القعدة ١٣٢٢ هـ. وقد حدثني سيدي الوالد الشيخ زين العابدين ﵀: أن العم الإمام كان يصدر المجلة من داره في العاصمة تونس "نهج رحبة الغنم"، وكانت داره منتدى إسلامياً كبيراً يؤمه رجال العلم والأدب من تونسيين وعرب، وهذا هو السبب الذي دفع الاستعمار الفرنسي للتضييق على الشيخ مما أدى به الأمر إلى مغادرة البلاد تحت وطأة الاضطهاد، يتابعه حكم بالإعدام يحول بينه وبين العودة إلى الوطن.

стр. 5578

وقد عمدت عند تحقيق هذه المجلة، وإعداد مباحثها التي كتبها الإمام الأكبر فقط للطبع، إلى جعل مقدمة المجلة مقدمة لهذا الكتاب الذي له نفس اسم المجلة "السعادة العظمى"، ومن ثم أوردت التقاريض حسب تسلسل نشرها في مختلف الأعداد، ومن بعد يطالع القارئ آثار الإمام التي نشرها في المجلة، وقد رتبتها بثلاثة فصول: يضم الفصل الأول المباحث العلمية، والفصل الثاني المباحث الأدبية، وأخيراً الأسئلة والأجوبة (١). والله نسأل السداد والتوفيق. علي الرّضا حسين

стр. 5579

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الإمام محمّد الخضر حسين (١) نتحرى باسمك اللهم أسلوباً حكيماً، ونضع لعارضة اليراع قسطاطاً مستقيماً، ونستفتح خزائن النعم، ونستمنح لطائف الحكم، بحمد تنفث فيه الأفئدة روح الاخلاص، وتسلك بصيغته الألسنة مسلك الاختصاص، ونصلِّي على مبدأ عقد الرسل ومنتهاه، وواسطته الذي لم يتمخض الكون بمثل محيَّاه، وعلى آله وأصحابه، القابضين على سننه وآدابه، وننشر بيد الاستعطاف ألوية الرضا، على من له في فهم مقاصد الشريعة اليد البيضا، أما من انفرد بمضيق في بنيّات الطريق، فزاع بالكلم عن مدلولها، وانتزع الفروع من غير أصولها، فإليك إيابه، وعليك حسابه. أمّا بعد: فإن العلم أساس ترفع عليه قواعد السعادة، ولا تنفتح كنوزه إلا بتدقيق النظر ممن تصدى للإفادة أو الاستفادة، وهاته مقدمة لا يؤود اللسان حفظها، ولا يكبر على صدف المسامع لفظها. أما العقل الذي يقدر الأشياء حق قدرها، ويسير بمعيار التدبر والانصاف

стр. 5580

بعد غورها، فلا ينسج إلا على منوالها، ولا يرسم حركاته إلا على أشكالها، وباستفراغ الوسع بالسعي وراء نتائجها العظام، دبَّر أبناء نشأتنا الأولى شؤون العالم بأبدع نظام، انفلق أمامهم صبح المعارف والهداية، فاستنقذوا من عماية الجهالة وظلمات الغواية، ونبذت مداركهم الوقوف مع الظواهر ظهرياً، ونشبت بلبابها فاقتطفته من أفنانه غضاً طرياً، ولم تستفزهم نزعات الكسل إلى البطالة والخمول، أو تجمد بهم عن التصرف فيما أضافه الشارع إلى المعقول، ولم تطرقهم -وهم الأشداء- نكبات الضعف، ولم يساموا وهم الأعزة بسوء الهوان والخسف، واستنكفوا من أن تكون ألسنتهم مركزاً للهذيان، واشمأزوا من أن تصبحَ سرائرهم مغمزاً لأصابع الشيطان، وما برحوا يعملون على هاته الشاكلة، متعاضدين على تأييدها بالاتحاد والمشاكلة، إلى أن استحوذ الفشل على بعض النفوس المستضعفة، وانخدعت بدسائس ما زيَّنه من الأباطيل وزَخرفه، ومدَّ يده "رماها الله بالشلل"؛ لنقض شيء من عرى ذلك الاستحكام وقد فعل. ومن ثم أزمع أبناء النشأة الآخرة، علاج تلك العلة الفاقرة، ومما تنافسوا في اتخاذه ذريعة لنجاح الأمنية، وتسابقوا إلى انتضاء غاربه فكان أسرع مطية، تدوين المجلات والجرائد، وترصيع عقودها بنفائس الفرائد. وكثيراً ما ترصدنا فترة من العوائق لمسايرتهم بتحرير مجلة علمية أدبية، توفية ببعض حقوق دينية، ولم تهب رياح القدر مسعفة بفصالها إلا في هذا الإبان، فخطرت بأمر مليكنا الأسمى، ومطلع السعادة العظمى، من أحيا بشباب ملكه مجد الأمة، ورفع سمك ترقيها بأكمل تبصر وأفخم همة، وانشرح به صدر الإسلام، وابتهجت بطالعه الأسعد ثغور الأيام، حضرة مولانا وسيدنا

стр. 5581

"محمد الهادي باشا باي" أطال الله أمد حياته كما أطال له برود الإسعاد، وفاضت على يد تدبيره ينابيع الصلاح والسداد، ولا برحت حدائق آماله مثمرة، ورياض أنسه بأنجاله الأكرمين مزهرة. ولنتجاوز إثر هذا إلى صوغ سبيكة، تتجلى في مرآتها الأغراض التي تناط بها إرادة هاته المجلة فنقول: تفاتح مطالعيها بمقالة تتخذ مظهراً لبعض مطالب تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، ويتلوها باب نعده معرضاً لعيون مباحث علمية، ولا نريد إلا انتظامها في أسلاك ما هو التحقيق بما يتخللها من الأفكار السامية، ويقفوهما باب ثالث تُنشر فيه من الآداب ما يكون مرقاة للتقدم في صناعتي الشعر والكتابة لا ليتمتع بها عند المسامرة، ثم ترفض كأضغاث أحلام، ونقصُّ في هذا الباب من التاريخ أحسن القصص، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب، ويتصل بذلك باب رابع يبحث فيه عن الأخلاق كيف ينحرف مزاجها، وبماذا يستقيم اعوجاجها، ويندرج تحت عنوانه الاستشراف إلى العوائد من خلال الشريعة، ويليها باب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة عنوانها مسائل شتى. ولنعطف عنان القلم قبل نشويه بأطراف المقاصد إلى الإفصاح عن ثلاث تلويحات، يزداد بها المنهج الذي نصرف إليه الوجهة اكتشافاً: التلويح الأول: لا ينازع في شرف العلم إلا جاهل لم يضرب له مع أهله بسهم، ولكن ذلك الشرف لا يثبت له بشهادة الشارع إلا من جهة أنه يفيد عملاً مكلفاً به، وهذا منتزع من عدة مواضع من الشريعة، كالإعراض عن إجابة المسائل التي لا يتعلق بها تكليف، والنهي عن كثرة السؤال؛ لأنه

стр. 5582

مظنة السؤال عما لا يفيد، وبهذا تقيد النصوص المطلقة الواردة في فضله، كقوله ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة". وصرَّح بعض الكاتبين بأنه شريف لذاته، واستند في ذلك إلى أنه لذيذ في نفسه، إذ هو نوع من الاستيلاء على المعلوم، ومحبة الاستيلاء قد جُبلت عليها النفوس فيطلب لذاته، وهاته شبهة، والذي ينفض قتامها أن مجرد الاشتمال على اللذة لا يقتضي شرفاً من قبل أن تقام عليه شهادة من الشارع، وكأين من لذة تقع من الإنسان موقع الطيبات، والأحكام الشرعية تريه أنها من أفرد الخبائث، كالزنا وشرب الخمر وسائر وجوه الفسوق والمعاصي، ولا ينتقض ما عقدناه بأنَّا نجد من العلوم ما هو فضيلة مثاب عليها، كالعلم ببعض الأحكام التي لم يحدث في الخارج ما تنطبق عليه، لأنه مظنة الانتفاع عندما يوجد محله. ويتفرع من هذا الأصل أن الخوض في المسائل التي لا يستنتج منها فائدة أو يستعان بها على ذلك الاستنتاج، ضرب من اللاغية وتعطيل للوقت النفيس من حلية الأعمال النافعة، ويلتحق بها في السقوط عن درجة الاعتبار الخلافات التي لا تنشق عن ثمرة، كاختلاف الأصوليين في مسألة هل كان ﵊ قبل النبوءة متعبداً بشرع أم لا؟ ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟ ومسألة أمر المعدوم، وكاختلاف أهل العربية في مسألة اللهم، ومسألة أشياء، ومسألة اشتقاق الفعل من المصدر وغير ذلك. ويجتنى من هذا الفرع أن هاته المجلة لا تنثر من كنانتها إلا ما يشمله نظر الشارع بعنايته.

стр. 5583

ومن ههنا نتخلص بطريق وجيز إلى خلاصة العلوم التي تنطق هاته الصحائف ببدائها، وهو التلويح الثاني: تتنوع هاته العلوم إلى نوعين: الأول: ما دونه أهل الإسلام، وهو إما لبيان ألفاظ القرآن فعلم التفسير، أو ألفاظ السنّة فعلم الحديث، أو لإثبات ما يستفاد منها وهو: إما عن الأحكام الأصلية الاعتقادية فعلم الكلام، أو عن أحوال النفس فعلم الأخلاق، أو عن الأحكام الفرعية فعلم الفقه. ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهو أصول الفقه، أو ما دوّن لمدخليته في استخراج تلك المعاني من الكتاب والسنّة وهو علم الأدب، وينقسم على ما صرح به الأئمة إلى اثنى عشر علماً، منها أصول ومنها فروع، أما الأصول فالبحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادها وهو علم متن اللغة، أو من حيث صور هيئاتها وهو الصرف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية وهو علم الاشتقاق، وإما عن المركبات على الإطلاق فإما باعتبار هيئاتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية وهو النحو، أو باعتبار إفادتها معاني متغايرة الأصل وهو علم المعاني، أو باعتبار كيفية تلك الإفادة في مراتب الوضوح فعلم البيان، وإما عن المركبات الموزونة، فإما من حيث وزنها فعلم العروض، أو من حيث أواخر بقيتها فعلم القوافي، وأما الفروع فالبحث فيها إما أن يتعلق بنقوش الكتابة وهو علم الخط، أو يختض بالمنظوم وهو العلم المسمى بقرض الشعر، أو بالمنثور هو علم الإنشاء النثري من الرسائل والخطب، أو لا يختص بشيء منها وهو علم التاريخ والمحاضرات، وأما البديع فقد

стр. 5584

جعلوه ذيلاً لعلم البلاغة. النوع الثاني: ما دوّنه الفلاسفة كعلم المنطق والهندسة والعدد والطبيعة والطب والهيئة. ولنلمع بعد أن انضبطت هاته العلوم بوجه إجمالي إلى استطلاعات يتطرق بها إلى أبوابها، وهي التلويح الثالث: - الاستطلاع الأول: لما استيقن الصحابة أن فهم القرآن مرتقى صعب لا يتسنمه كل نظر، انتهضوا يفتتحون باب تفسيره وتأويله، والعلماء بعدهم على آثارهم مقتدون؛ رعاية لجانب من لا يهتدي إلى ذلك سبيلا، أما من تبحر في أصول الشريعة وفروعها، وبرع في الصناعة العربية بأنواعها، وتوفر له بذلك وجدان يدرك به كنه الإعجاز، فما كان ينبغي له الإقامة تحت قيد الحجر عالة على غيره، وروي عن ابن عباس أنه قال: "إن في القرآن علماً لا يسع أحداً جهله، علماً تعرفه العرب، وعلماً تعرفه العلماء، وعلماً لا يعرفه إلا الله". وهذا تقسيم للقرآن بحسب انقسام الناس فيه، فمنهم المقصر الذي لا يعلم إلا البيِّن، ومنهم الفصيح الذي لا يخفى عليه قصد المتكلم من تفسير الألفاظ ومقاطع الكلام، فيختص بمعاني خفية دون الأول: ولكنْ تأخذ الأفهامُ منه ... على حسب القرائح والفهومِ وحديث "من تكلم في القرآن بغير علم فقد أخطأ وإن أصاب"، معناه صحيح، وإن لم يصح سنده، وذلك بتخريجه على من تكلم في المشكل وهو لا يجد إليه سبيلاً مما يرجع إليه في تفسير ألفاظه.

стр. 5585

ويشترط لفهمه أن يكون مطابقاً لما تقتضيه قوانين اللغة العربية انطباقاً مَحكماً لورود القرآن على أساليبها، بحيث لا يقتبس من مشكاة أنواره إلا ما يفهمه بلغاء العرب الذين نزل في عصرهم، ولا يكن في صدرك حرج من أن الصحابة كانوا على علو كعبهم في الفصاحة، وذلك كثيراً ما يرجعون إليه ﵊ بالسؤال عن أشياء لم تصل إليها أفهامهم، بل ربما التبس عليهم الحال ففهموا غير المراد، كما وقع لبعضهم في الخيط الأبيض والأسود، لأن عدم توصلهم لفهم تلك الآيات، لم يكن ناشئاً عن استعمالها في غير المعاني المعهودة عندهم، أو على غير النمط المتداول بينهم، وإنما منشؤه الإبهام أو العموم أو الإطلاق، وهاته الطرق يرتكبها فصحاء العرب، فتحتاج إلى بيان أو تخصيص أو تقييد، وأما الاشتباه الذي وقع لعدي بن حاتم فلعدم اهتدائه لقرينة ذلك المجاز، يشهد لذلك ما أجابه به ﵊. وقد انجر الغلو ببعضهم في تفهم قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨﴾ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فأضافوا إليه كل علم للمتقدمين أو المتأخرين، حتى أهل المعمى والألغاز لم يتركوا حظهم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] ما يمجه السمع ويتبرأ منه العقل، سبحانك هذا بهتان عظيم. والمراد بالشيء في الآيتين على ما قاله المحققون، ما يتعلق بحال التكليف، وحمل الكتاب في الآية الأولى على اللوح المحفوظ وما هو من سياق الآية ببعيد. وإذا تحقق هذا الأصل الأصيل، فإنا نجعله مركزاً لدائرة هذا الفن،

стр. 5586

فلا نتقدم للخوض في عبابه إلا بعد الاعتصام به. - الاستطلاع الثاني: كان للسابقين الأولين توفر رغبة في رواية حديثه ﵊، حتى كان أحدهم لشدة اعتنائه بذلك يقطع المراحل الشاسعة، ويجوز المفاوز المتسعة، غير مكترث مما يتجشمه من العناء في طلب حديث واحد يسمعه من روايه: وكنتُ إذا ما جئتُ سعدى أزورها ... أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدها ولما قلَّ الضبط والتحري من الرواة "وما آفة الأخبار إلا رواتها" اشتدت الحاجة إلى تدوينه محافظة على ما فيه منافع للناس، من أهمها تبيينه لهم ما أنزل إليهم، واختلف أول ما صنف في الإسلام، قيل: "كتاب ابن جريج"، وقيل: "موطأ مالك بن أنس"، وقيل: إن أول من صنف وبوَّب، الربيع بن صبيح بالبصرة. ومن أهل هذا الشأن من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً؛ ليحفظ لفظه، ويفهم معناه، كما فعل "عبد الله بن موسى الضبي" وغيره، ومنهم من أثبت الأحاديث من مسانيد رواتها، فيذكر مسند أبي بكر الصديق ﵁ ويثبت فيه كل ما رووه عنه، ثم يذكر الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق، وهاته طريق "أحمد بن حنبل" وجماعة اقتفوا أثره في ذلك، ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به، فإن كان في معنى الصلاة ذكروه في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها، كما فعل "مالك بن أنس" في "الموطأ" ثم اقتدى من بعده.

стр. 5587

- الاستطلاع الثالث: كانت العقائد في صدر الإسلام متمكنة تمكناً لا تزلزله الشبهات، كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، إلى أن خرجت طائفة من المبتدعة الضالين يبتغون الفتنة باتباع المتشابهات، وقام في وجوههم العلماء الراسخون يعلمونهم تأويلها، وكلما أوقدوا ناراً للفتنة أطفؤوها بأفواه الحجج القاطعة، ولما لم ينقطع ما في قلوبهم من الزيغ الذي هو مثار تلك الفتن، دوَّن أولئك العلماء علماً يُقتدر به على إثبات العقائد، وهاته العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليُعتد بها. ومما يوجد في طوالع الكتب المؤلفة في هذا الفن، أنَّ أرفع العلوم الدينية ورئيسها علم الكلام، ووجهه أن المفسّر إنما يبحث عن معنى كلام الله تعالى، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم، وأما المحدِّث فإنما يبحث عن كلام رسول الله وذلك فرع التوحيد والنبوة، إلا أنه مرؤوس لعلم التفسير من جهة أخرى، وهو ما أشرنا إليه من أن تلك العقائد لا يُعتد بها إلا إذا أخذت من الشرع الذي أصله الكتاب، وعلى هذا صنيع القاضي البيضاوي حيث قال: "علم التفسير رئيس العلوم الدينية ورأسها". - الاستطلاع الرابع: كانت العرب على جانب من التعلق بمكارم الأخلاق، ولعقلائهم عناية كبرى بالشجاعة والوفاء بالعهد والكرم، ومن طالع أشعارهم الحماسية، وتردد في بيوتها ينخل من معظمها إلى هاته الأوصاف الثلاثة، إلا أنهم أُشربوا في قلوبهم غِلظة وفي ألسنتهم فظاظة، وكلٌ يسعى وراء داعية هواه، ولذلك كانت الحروب بينهم ناشبة أظفارها، حاملة على الدوام والاستمرار أوزارها، ولما

стр. 5588

تنفس صبح الشريعة المحمدية، أخذت تنزع من نفوسهم ما استغلظ فيها من الرذائل، وتطبع فيها ما تتحلى به من الفضائل، وذلك أول ما خوطبوا به، وأكثر ما تجده في السور المكية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية. وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ﴿الأعراف: ٣٣] إلى غير ذلك من الآيات، وابتدئت المخاطبة في هذا النوع بما كان مألوفاً عندهم قريباً لعقولهم، حتى تمكنوا منه ورسخوا فيه، ثم خاطبهم بما كانوا يظنونه صلاحاً ولا يُعقل معناه من أول وهلة، كتحريم الخمر والميسر والربا وهو من آخر ما حُرِّم، والحكمة الغرّاء في ابتداهم بهذا النوع، إيناسهم بما يعهدونه في الجملة ويتمدحون به وهو من بديع السياسة، ولأن الأعمال الصالحة لا تقام إلا على تزكية النفس وطهارتها، يحقق لنا هذا قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، كما أن أضدادها لا تصدر إلا عن خبث ضربت عليه السريرة ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصعاد وإذا نظر الإنسان نظرة أخرى، يجد ملاك الفضائل كلها إنما هو إشراق العقل، ويقع التفاوت فيها بحسب ذلك قوة وضعفاً، والذي يستوقده التعليم ينبئنا على هذا تقديمه على التزكية في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، ومن أعار هذا الموضوع نظرة ثالثة استقبل منه

стр. 5589

ما استدبر على غيره، وهو أن الأخلاق ليست كلها طبيعية، ولو كانت كذلك لرُفضت السياسات، وتُرك الناس همجاً، ولتُرك الأحداث والصبيان إلى ما تُلقيهم إليه قذفات الصدفة، ولعلنا نزيد هذا المبحث بسطة فيما يستقبل، والنظر إلى هذا المطلب من خلال الشريعة أقرب للإصابة لأنها مما أتقنت صنعه، وأحكمت بيانه. - الاستطلاع الخامس: القصد من التشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية على وجه يستقيم به نظامها، وهذا يستدعي إرشاد المكلفين إلى حكم كل ما عسى أن يُعرض لهم من الوقائع، ومن ثم أخذت الشريعة بالاحتياط الكافي لتعميم الأحكام، فنصت على بعض الجزئيات؛ ليقاس عليها ما يشاركها في علل أحكامها، وأفصحت عن كليات يدخل تحت ظلها سائر ما لم يُفصَّل حكمه تفصيلاً، ولوَّحت بذلك إلى أنظار المجتهدين، فبذلوا أقصى ما عندهم من الاستطاعة في استخراج الفروع من أدلتها، وأفردوها بالتدوين، وعلقوا عليها اسم الفقه؛ ليسهل تناولها على من لم يصل إلى درجة الاجتهاد، أما من استكمل شروطه المقررة في الأصول، فلا يسوغ له المقام في حوزة التقليد، ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا بدليل ينسخ الأدلة التي انفتح بها أولاً. - الاستطلاع السادس: بعد أن قضى العلماء حق الاستدلال عن الأحكام الفرعية بأدلتها، الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، استأنفوا الالتفات إلى كيفية ذلك الاستدلال، فانكشفت قضايا كلية تتعلق بكيفية الاستدلال، فدوّنوها وأضافوا إليه من اللواحق وسمّوا العلم المتعلق بها أصول الفقه، وأول من

стр. 5590

صنف فيه الإمام الشافعي. - الاستطلاع السابع: من العلل التي طرأت على الألفاظ العربية استعمالها في غير ما وضعت، وهو من أتعس الذرائع للجهل بالقرآن والحديث، ولما انتبه لذلك عظماء الإسلام صرفوا هممهم في استيعاب الموضوعات اللغوية، وواصلوا فيها الدواوين، وهي موضوعة على أسلوبين، لأن من الناس من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظاً ويطلب معناه، ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ، ولكل من الطريقين وضعوا كتباً ليصل كل إلى مبتغاه، فمن وضع بالاعتبار الأول فطريقه ترتيب حروف التهجي، إما باعتبار أواخرها أبواباً وأوائلها فصولاً، كما اختاره "الجوهري في الصحاح"، و"مجد الدين في القاموس"، وإما بالعكس، كما اختاره "ابن فارس في المجمل"، ومن وضع بالاعتبار الثاني فطريقه أن يجمع الأجناس بحسب المعاني، ويجعل لكل جنس باباً، كما اختاره "الزمخشري في قسم الأسماء من مقدمة الأدب". وقد اطلع أرباب هاته الصناعة على مأخذ عزيز، وهو أنهم وجدوا بعض الألفاظ عامة باعتبار وضعها خاصة بحسب استعمالها، ومعرفة الوضع في هذا النوع غير كافية، بل لا بدَّ من العلم بموارد الاستعمال، فتتبعوا ما كان من الألفاظ بهاته المثابة وأفردوها بالتدوين، وهو المسمّى "بفقه اللغة"، وهو من أكد ما يحيط به الكاتب والشاعر خبراً كي لا يُحرِّف الكلم عن مواضع استعماله. - الاستطلاع الثامن: كانت اللغة العربية في صدر الإسلام آخذة من الاعتدال والاستقامة

стр. 5591

هيئتها الأولى، وفي آخر عهد الصحابة ألمَّ بمزاجها بعض انحراف نشأ من دورانها على ألسنة لم تتعودها منذ النشأة، فأوجسوا خيفة من سريان تلك العلة إلى جميع الألسنة، فتجتث اللغة من أصولها، وتنغلق عند ذلك أبواب فهم الكتاب والسنّة، فدونوا علم النحو، ولهذا السبب نفسه دونوا علم الصرف أيضاً، وما روي من قول سيدنا عثمان أن في القرآن لحناً وستقيِّمه العرب بألسنتها فغير ثابت نقلاً، ومستحيل عقلاً وشرعاً، والدليل على ما نقوله أن الاشتمال على اللحن إن ادعي أنه ثابت للقرآن حال نزوله، طعن في نحر هذه الدعوى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وإن ادعي أن بعض القارئين لم يتله حق تلاوته، رد بأن الصحابة لا يقع منهم اللحن في الكلام فضلاً عن القرآن، وعلى فرض وقوعه فكيف يُظن بعثمان عدم تغييره؟ وكيف يتركه لتقيِّمه العرب؟ وأصل الرواية لمَّا فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: "أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً سنقيِّمه بألسنتنا"، وهذا لا إشكال فيه لأنه عُرض عليه عقب الفراغ من كتابته فرأى في رسمه ما لا ينطبق على التلفظ به. - الاستطلاع التاسع: لما تحصحص بالبرهان الفصل أن القرآن معجز، أخذ العلماء يتفحصون الجهة التي وقع بها الاعجاز، والذي تخلص للجمهور أن عجز العرب عن معارضته لبلوغه الغاية القصوى في البلاغة، وحيث كان الكشف عن ماهيتها وتلخيص فروعها من أصولها لا يهتدي إليه كل عارف بأوضاع اللغة، أنشأت طائفة من ذوي الفِطَر السليمة تدقق النظر في كل كلام توسمت فيه أمارات البلاغة، حتى استئارت بذلك دقائق عجيبة ولطائف بديعة، انتظمت منها

стр. 5592

أصول يُدرك العارف بها أن الكتاب العزيز له السابقية في هاته الحلبة، وصارت بهاته الجهة من العلوم الدينية، واشتغل بها طائفة من أهل هذا الشأن، وأولهم: "الشيخ عبد القاهر"، وبحسب اختلاف جهات البحث رتبوها على ثلاثة فنون: فن يبحث عن المركَّبات من حيث تختلف صورها لاختلاف الأغراض منها، وسمّوه فن المعاني، وفن يبحث عن الألفاظ من حيث كونها مستعملة في معانيها التي وضعت لها، أو فيما يناسبها اعتماداً على المناسبات، وسموه فن البيان، وفن يبحث عن أحوال تُعرض للكلام فتكسبه حسناً، وسموه البديع، ولغموض مسائل العلمين الأولين، عظمت العناية بهما عندنا بالحاضرة دون الفن الثالث؛ لسهولة مأخذه، عكس ما كان عليه أهل المغرب لعهد "ابن خلدون". - الاستطلاع العاشر: ينقسم الكلام العربي إلى نوعين: الأول النثر: وهو ضربان: سجع وهو الذي يؤتى به قطعاً، ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة، ولا يستحسن إيراده في مثل المخاطبات الإدارية والتحريرات العلمية إلا إذا أرسلته المَلَكة إرسالاً من غير تعسف، ومُرسَل وهو ما يطلق فيه الكلام إطلاقاً من غير تقييد بقافية. والعلم بصياغة هذين الضربين يسمّى بفن الكتابة وصناعة الإنشاء، ومما ينبهنا على شرفها، ما ناله أهلها من الرفعة ونباهة الذكر، "كالربيع والفضل ابنه"، و"بني برمك يحيى وابناه الفضل وجعفر"، و"بني الفرات" وغيرهم في الدولة العباسية، والأستاذ "ابن العميد"، و"الصاحب بن عباد"، وغيرهما في سلطنة بني بويه،

стр. 5593

و"عبد الرحيم المشهور بالقاضي الفاضل"، و"العماد الأصبهاني" في سلطنة بني أيوب، و"ابن زيدون ولسان الدين بالمغرب"، و"عبد الحميد بن يحيى" كاتب مروان آخر ملوك دولة بني أمية، إلا أنه أطال النفس في الكلام، وزاد في المقاصد زيادة يخرج الكلام عن حد الإفادة، بحيث إذا ورد الكتاب على مأمور ينفذه، قال لكاتبه: "خذ هذا الكتاب واقرأه، وتأمل ما فيه، واستخرج لي غرضه"، فيتعب الكاتب في ذلك حتى يلخص عبارة وجيزة تتضمن المقصود، وتكون هي روح الكتاب، ويكون الباقي بمنزلة اللغو، وينقل عن "جعفر بن يحيى" أنه كان يقول لكتّابه: "إن استطعتم أن تجعلوا كتبكم كلها توقيعات فافعلوا"، والتوقيع هو ما يكتبه الكاتب عن السلطان فمن دونه من أولي الأمر في أواخر الكتاب مما يريد المكتوب عنه إجراءه، ويكون ذلك بعبارات مختصرة، وافية بالغرض، متمكنة في باب البلاغة، وكان الناس يطلبون توقيعات "جعفر بن يحيى"، حتى قيل: "إن الورقة من كتبه ربما اشتريت بدينار". - الاستطلاع الحادي عشر: النوع الثاني الشعر، وهو كلام مفصل قِطَعاً متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير، وله مباحث شتى، وليس من الغرض الآن الانطلاق إليها، فإن ظلها لغرة هذه المجلة غير ظليل، وخلاصة ما نقوله الآن: إن دراسة شعر العرب يُتَذرع بها إلى فهم نظم القرآن وأقوال النبي ﵊، فعدُّها من الدين ضربة لازب، وأما إنشاؤه فمع إحكام وضعه وانتفاء مواده التي يجب تحته منها فحلية للعلماء وزينة للأدباء، ومن تعاطاه لفضيلته لم يوحشه كساده.

стр. 5594

- الاستطلاع الثاني عشر: لما انتهت الخلافة إلى بني العباس، كان أول من عُني منهم بالعلوم "الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور"، فبعث إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات، ولما أفضت الخلافة إلى السابع "عبد الله المامون"، تمم ما بدأ به جدُّه، فداخل ملوك الروم وسألهم وصله ما لديهم من كتب الفلاسفة، فأرسلوا إليه ما حضرهم من كتب "أفلاطون" و"أرسطو" و"بقراط" و"جليانوس" و"إقليدس" و"بطليموس" وغيرهم، وأحضر مهرة المترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن، ثم كلف الناس قراءتها ابتغاء الانتفاع بها من حيث العلم والعمل. ومن فروعها علم الطبيعة والمنطق والهيئة والطب والهندسة والعدد، ولقد بالغ بعض المفسرين في نسبته الجهل للعرب بهذا العلم الأخير، حتى ذكره نكتة للتصريح بالعشرة في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وسنأتي على ما يخص هاته العلوم الفلسفية في فصل يستقل بها، نتصدى فيه لييان فوائدها مع تحرير المقدار الذي يجب الانتهاء إليه. هذا ونقدم لحضرة كل عالم نحرير، أو ألمعي مهذب، أو أديب بارع، ممن كتب على نفسه مراقبة أحوال جنسه العمومية، أن هاته المجلة مستعدة لقبول كل ما يرد عليها من الرسائل المنقحة، التي تنطبق على المنهج الذي كنا بصدد تسويته، ولا أخاله إلا صراطاً سوياً، ونؤمِّل من عواطف هؤلاء الفضلاء، أن ينظروا إلى ما تنطوي عليه صحائف هاته المجلة كيفما صدرت نظر بحث وانتقاد، وإن عثروا على نوع ما من الخلل جاهرونا به، ولا نتلقاه إلا بفساحة الصدر وغاية الارتياح،

стр. 5595

بل ربما استدللنا بذلك على نجاح المسعى، ومن انسدت أمامه طرق الاذعان إلى الحق عميت عليه أنباء التحقيق. * استدراك: من مقاصد هاته المجلة التعرض لما تتداوله الألسنة وتتناقله الأقلام من الأحاديث الموضوعة، قال أبو بكر بن العربي: "إن ناقلها عن غير ثقة من غير أن يبين وضعها، يشمله وعيد قوله ﵊: "من كذَّب عليَّ ... " الحديث. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. محمّد الخضر حسين ١٦ محرم ١٣٢٢ هـ

стр. 5596

التّقاريض العلامة الشيخ محمد النخلي - العالم الشيخ عبد العزيز المسعودي - العلامة المحقق الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - العلامة الشيخ محمد الصادق المحرزي - العالم محمد الحشايشي الشريف - الأديب السيد محمد الكامل ابن عزّوز - العالم الشيخ إدريس بن محفوظ الشريف - الأديب صالح سويسي - الشيخ محمد شاكر - العالم الشيخ محمد العروسي السهيلي الشريف - العلامة الشيخ محمد بن سالم الأكودي - العالم الشيخ علي بن رمضان - العالم الشيخ علي السنوسي - السيد محسن زكرياء - السيد محمد العزيز الشيخ - الشيخ الأمين بوعلاّق - الأديب السيد محمد المذكور بن الصادق - الأديب الشيخ العربي الكبَّادي - العالم الشيخ محمد بن مصطفى زروق - السيد محمد الطاهر بودربالة - العلامة القدوة الشيخ محمد المكي بن عزّوز - الشيخ عبد الحفيظ القاري - الشيخ صالح صفر - السيد أحمد بن سليمان. - منها ما صاغه العلامة، الفهامة، الماجد، الشيخ السيد محمد النخلي، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم، ونصه (١): أيها الفاضل البارع، النازع بهمته السامية إلى أرقى المنازع، بعد تحية

стр. 5597

يعبق من نشرها الورد، بما انطوى في ردنها من الود، فقد جاءتني ونعم المجيء، جاءت سعادتكم العظمى، التي هي سعادتنا العظمى، وما شاء الله فقد رميت وأبعدت المرمى، سبحان الله ما أسبك ذلك التحرير، وما أبرع ذلك التقرير، فقد وجب أن يكتب بالنضير، على ورق الحرير، وقصارى ما أقول، كثَّر الله من أمثال حضرتك، وأبدر هلال مجلتك: مجلتكم جلَّت وأسعدها السعدُ ... وحازتْ فخار العلم والشاهد النقد ومنيتنا القصوى ابتدار هلالها ... إلى قنة الإبدار كي يكمل القصد إذا شرَّف الموضوع مقصد عاقل ... فذي بعلوم الدين تشريفها يبدو وخاتمة الدعوى نجاح مقاصد ... لفاتحة الأعمال يا أيها الود - ومنها ما جادت به قريحة العالم الأبرع، الماجد الشيخ السيد عبد العزيز المسعودي، أحد الكتبة بالوزارة الكبرى، ونصه (١): الصديق الأعز منشئ "السعادة العظمى" الشيخ السيد محمد الخضر ابن الحسين. سنا بارق الإقبال في أفق القطر ... يعنون عن معنى كمال ذوي العصرِ ولستَ ترى غير الصحائف آية ... تُقام على صدق المقال لذي فكر ولا سيما إن شخصت في مسارح ... من القول تحقيقاً يبين لمن يدري تشير لأسباب التقدم في الورى ... وتبعث روح الفخر في الرجل الحرِّ وتضرب في الإبداع ما إن تنوعت ... وفي كل ما تبديه مُستجلِب الشكر

стр. 5598

فإنْ رفع الأستارفيها ممثِلٌ ... لشيء من الأخبار كنتَ على خبر وإن ذُكرت فيها التراجم ربما ... رأيتَ وجوه القوم تبدو من السطر وخُيِّلتَ أن اللفظ ينطق بعد ما ... فنى موجد الإفصاح وهو من النشر وإن جاب ميدان الفنون مديرها ... وقام بذكر العلم حدِّث عن البحر وأنت أيا منشي السعادة بيننا ... ويا رائد الإسعاد والنجح والظفر دريتَ دواء الجهل غبَّ تبصر ... فجئتَ به للقوم في مظهر الذكر وخبرتَ ماهم والنصيحة إن جرت ... وحالهم في العلم والذوق والفكر فأبرزتَ مرآة الصحيفة هادياً ... ليرقى مريدُ الخير في مرتقى الفخر فلله أنتَ من عليم سَمَيْدَعٍ ... ولله أنتَ من أديب ومن حرِّ ولا فُضَّ فو تلك المجلة بعد ما ... تبسم عن مثل العقود من الدر ولا زال منشيها العزيز مؤيداً ... يقابَل بالإقبال مع سعة العمر - ومنها ما حرره العلامة المحقق، صفوة الخير، الشيخ السيد محمد الطاهر ابن عاشور، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم (١): إلى العلامة النحرير، صديقي السيد منشيء مجلة "السعادة العظمى" أيده الله تعالى، سلام وتحية وإجلال، كما يليق بذي قلم سعى بصريره في تقويم الأمة، وتأييد شرعة الحق، وأطلع لأهل لغتنا العربية شمساً طالما حجبها دونهم سحاب مركوم، وأعقب نهارها ليل عطَّل سماءه أفول البدر وإدبار النجوم.

стр. 5599

أما بعد: ما سكنت هواجسي، ولا اختلف إدراكي، بأن كنه حياة الأمم ونفثة روح استفاقتها من سنة الجهالة وفساد الأخلاق، ليس غير بث الفضيلة وإيقاظ العيون إلى الواجبات والحاجات الأولية بعد حيرتها في ظلمات الشبهات التي غشيت أبصارها، وخيلت لها جميع ما يحيط بمركزها مهاوي تتوقع السقوط إلى قعرها، فلا ريبة أنها إن أشرقت عليها أنوار التيقظ أضاءت لها الأرجاء، فتقدمت نحو غايتها بخطى واسعة فما وصولها إليها بعد بعزيز. أما إن ذهبتُ أفكر كيف يكون إيصال هذا المعنى إلى أمة كاملة، وأي لسان يُسمعها إن ناداها، وهي تملأ من الكون فضاء رحباً، وتختلف في الشرب الخلاف الذى صيَّر جميعها صعباً، فإني لا أجيد خليقاً بذلك غير لسانين: لسان التعليم (وإنه للسان حكيم)، لكنه يشتمل على عقدة ربما لا تجعله نافعاً في ذكرى الذاهلين وعظة المسرفين، ولسان النشرات العلمية التهذيبية تموج صدى صوته تجاويف حروف الطبع، فيخترق آذاناً طالما تصاممت عن عظة الواعظين، ويبلغ إلى قلوب غرق بها منام الحالمين، فلا تسل بعد عنها، وقد أشرقت عليها أنوار المعارف، كيف تنهض إلى سماء حقائق الأشياء فتصافح أفلاكها، فإن عجزت عن إدارتها لا تعدم نقد حركاتها. ثم ما زلت راجياً أن أرى منّا ناهضاً يحمى لهاته الأمة فخاراً، ويقول لأهلها: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، فهذا رجائي قد أسفر عن مجلتكم العظمى، وعسى أن يقارنها من تعضيد المؤازرين ما تحقق به الآمال،

стр. 5600

وسيكون إن شاء الله من اسمها للأمة أصدق فال. لكنك ستجد في صنيعك هذا ألسناً شاجرة، وصدوراً ثائرة، وعيوناً متغامزة، كما وجد الناهضون من قبلك، فإن استطعت أن لا تزيدك أراجيفهم إلا معرفة بكر نفسك، وتصميماً على غاية فكرك، ولهواً عن قولهم، فإنهم حاسدون، ويأساً من نصرتهم فأولئك هم الخاذلون، ولتكن استعانتك وتوكلك على من كفل الهداية إلى الصراط المستقيم، فسيكفيهم الله وهو السميع العليم، وإليك تحية صديق مخلص، ونصير مؤازر. - ومنها ما أنشأه العلامة الدرّاكة، الماجد، الشيخ السيد محمد الصادق المحرزي، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم، ونصه (١): يا صاحب القلم الذي ... فَصْلُ الخطاب غدا مداده وافتني منك مجلة ... جاءت على وفق الإرادة علمية أدبية ... تختال في حلل الإفادة فعسى توشحها بما ... في نشره نيل السعادة فيحق قول مؤرخ ... هي السعادة في السعادة - ومنها ما سبك نظامه الفاضل، العالم، الماجد، الشيخ السيد محمد الحشايشي الشريف، متفقد خزائن الكتب بالجامع الأعظم، ونصه (١): تشرفتُ باستطلاع فكركم الأسمى ... وما ذاك إلا الدر ترسمه رسما تطوقت الأعناق من سمط نظمه ... فأكرِمْ به ذخراً، وأعظم به علما

стр. 5601

وقد شنّف الأَسماع منا وقد غدا ... يزيل عن الألباب من نوره الرسما إليك (أبا عبد الاله) (١) محمداً ... شهادة عبد قاصر صاغها نظما مجلتكم روض من العلم يانع ... سترقى بفضل الله أغصانه النجما وماذا أقول في مجلة فاضل ... حوت من صنوف العلم ما نوَّر الفهما وقد خلصت من كل بدعة زائغ ... فحقاً بأن تُدعى سعادتنا العظمى ومن لم يشارك في السعادة قاصر ... على نيلها فاسعد ودم جهبذاً قرما - ومنها ما أنشأه الأديب، البارع، الماجد، السيد محمد الكامل بن عزّوز، ونصه (٢): بدت تختال في بُرْد السعادة ... وزفت والقبول لها قلادة مجلة بارع فهدى سناها ... يضيء الفكر إذ يوري زناده رَقَتْ في دوحة العليا فأضحت ... يُقِرُّ بفضلها أهل المجادة فيابن الأكرمين أصبت مرمى ... وحزت السبق في تلك الإرادة كمال جنابك السامي حريٌ ... بأن يجري بحلبتها جياده وخضتَ بها علوماً لا تُجارى ... فكان بها عظيم الاستفادة وإنك قد زرعت خصال خير ... لما ستنال في الأخرى حصاده خدمتَ بها بني الوطن المعلَّا ... ليجني من تفننها إفادة وأقرب ما يكون النجح يوماً ... إذا ما العلم أصبح في زيادة

стр. 5602

ولما أشرقت في الكون أرِّخ ... بدا في تونس نهج السعادة - ومنها ما جادت به همة الهمام الأمجد، الأبرع، الأعز، السيد محمد بوسن، رئيس مجلس عدلية الكاف، ونصه (١): أتشرف بأن أنهي لمجادتكم أيها الجهبذ المفضال كامل التهاني الودية، الصادرة عن إحساسات خالصة قلبية، ببزوغ شمس مجلتكم "السعادة العظمى" الفيحاء البهية، في أفق سماء حاضرتنا المحمية، والشمس عن مدح المادح غنية، ولعمر الحق إنها مجلة جلَّت عن النظير، وتجلت بوجه مشرق نضير، فقوبلت من الخاص والعام، بما يليق بحسنها وبهائها من جزيل التبجيل والإكرام، مرموقة من جميعهم بأعين الإجلال والإعظام، والمسؤول من فيض نوال الملك العلَّام، أن ينيل من فوائدها ومباحثها المهمة المسلمين والإسلام، بحق نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام. - ومنها ما تفضل به العالم الدرّاكة، الماجد، الشيخ السيد إدريس بن محفوظ الشريف، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم (١). زهر المعارف بالرياض المزهر ... قد لاح يخطو في الجمال الأفخرِ يُجلى بدست مجلة قد أسفرت ... تفترُّ عن ثغر عقيق جوهر تزري بكل مليحة في حسنها ... سحرت عقولاً بالبديع المبهر برزتْ مجلات بنعت فائق ... عظمى سعادتها لنيل المفخر جمعت فوائدَ من فنونِ عوارفٍ ... قد رامها مَنْ خاض كل الأبحر

стр. 5603

وحوتْ من الدُّر النفيس لطائفاً ... ومن المعاني رائق المستندر خفقتْ لها رايات فضلٍ نفعها ... يعلو على رغم الحسود المنكر يا فوز من أضحى سمير حديثها ... يشفى بلطف في مذاق السكر من ذا الذي يحكي نسيج برودها ... فاقت طراز السندسي العبقري لله ما أسنى مقاصدها التي ... جرّت ذيول محاسن المتبختر كلّا فما تلك المقاصد رامها ... غير العليم الأوحد المتبصر ذاك الجليل "محمد الخضر" الذي ... من أشرف البيت الكريم المعشر نجل الحسين العارف الأسمى ومن ... هو منهل أحيا طريق الأزهر شهم ترقى في معارج مجده ... كل الفضائل نالها بالأوفر أما شمائله ونفحة علمه ... بين الحديقة والغمام الممطر أكرِمْ به حَسَباً زكا وبأصله ... نسباً شريفاً مثل صبح مقمر من بضعة المختار أكرم مرسَل ... فبكل مكرمة فذاك هو الحري صلى عليه الله ما دام الحجا ... متأنقاً في روض وشي الأسطر والآل والأصحاب ما هبَّ الصبا ... وترنم القُمري بغصن مثمر - ومنها ما صاغته قريحة الفاضل، البارع، المهذب، السيد صالح سويسي، أحد الأدباء بالقيروان، ونصها (١): نور "السعادة" لاح في الآفاق ... وسناء فجر الرشد في إشراق وكؤوس راح العلم دارت بينتا ... من غير مهل، فاسقني يا ساقي

стр. 5604

قم عاطني لا خير فيمن قد صحا ... عن خمرة العرفان والأذواق من لم يذق من دنِّها باع العلا ... وغدا بنار الجهل في إحراق فمن المؤكد صاح أن تسعى لها ... أهل النُّهى سعياً على الأحداق بادر بنا فالوقت راق لذي الحجا ... وفيالق الإنكاد في إخفاق أو ما ترى نادي "السعادة" قد زها ... والقلب طار له من الأشواق كل السعادة في "السعادة" أُدرجت ... فانهض إلى باكورة الإطراق لله حسن مجلة أبدت لنا ... ما فيه تبصرة لفكر راقي ومديرها ذاك الغيور من اكتسى ... حلل المحامد والثناء الباقي قد قام يوقظ قومه بمواعظ ... من نومة التأخير والإغراق دفعته للإرشاد غيرة حازم ... قد حركته عوامل الإشفاق يا أهل تونس عاضدوا مشروعه ... فلكم جميل مكارم الأخلاق وتجملوا بمحامد من نصحه ... فالنصح للإسلام نعم الواقي فالعبد يرجو من صميم فؤاده ... حسن النجاح له من الخلّاق - ومنها ما صاغه الفاضل، الدرّاكة، الأبرع، الشيخ السيد محمد شاكر، أحد أعيان العلماء بصفاقس، ونصه (١): هناءً لهذا القطر بالمأمل الأسمى ... وبشراه إذ لاحت سعادته العظمى مجلة علم طالما استشرفت لها ... نفوس ذوى الآداب ممن حوى العلما تجلتْ ونور الرشد من أفقها أضا ... وعرف الفلاح الصرف من روضها شما

стр. 5605

ستثمر إن شاء الكريم تقدماً ... تُباهي به الخضرا موالية بسما وتخفق للإسلام رايات مجده ... ويعلو بها العلم المفيد ذرى شما وتنفث في روع المطالع رشده ... وتؤتيه من آياتها العلم والحكما ولا غرو إذ كان المرصع درها ... فتى مثله في العصر ما خلته ثما فتى جامع بين المعارف والتقى ... وفي كرم الأخلاق حاز المدى الأسمى هو الخضر الحبر الأريب محمد ... سليل ولي الله مَنْ سِرُّه عمّا دعا ذلك النحرير أمته إلى ... سعادتها العظمى فأعظم بها غنْما فهل يرتضي شهم فوات اقتنائها ... فرائد في سلك الهدى نظِّمت نظما لعمرك إن كانت لأنفس قنية ... ينافس فيها كل من لبس الحزما فمدوا أولي الألباب أيدي جدكم ... عسى أن نرى الإسعاد للقوم قد تما - ومنها ما كتبه الفاضل، العالم، الثقة، الشيخ، السيد محمد العروسي السهيلي الشريف، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم (١): نحمدك يا من منحت كل مخلوق ما تيسر له، وهديت للخير من أسعدته فقام به وأحسن عمله، ونصلي ونسلم على من أرسلته بالحكم النافعة، وأيدته بالبراهين الساطعة، وخصصته بالكلم الجامعة، وعلى آله الطيبين وأصحابه الهداة الأقطاب، ما توشحت الصحف بثمار المعارف والآداب. أما بعد: فإن العلم أبهى مطلب، وأسنى مأرب، وأنفع غنيمة، وأرفع من كل
следующие страницы →