← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

تكريم جمعية الهداية الإسلامية لرجل من عظماء الإسلام (١) أقامت الجمعية مساء يوم الثلاثاء ١١ جمادى الأولى ١٣٥٣ هـ ٢١ أغسطس ١٩٣٤ م حفلة تكريم لحضرة الهمام المفضال الأستاذ حافظ عامر قنصل مصر في الحجاز سابقاً، والقائم بأعمال المفوضية المصرية في العراق الآن، فأجاب حضرته الدعوة، واستقبله حضرات أعضاء الجمعية بترحيب وحفاوة، وكان الحديث في أثناء جلوسهم إلى مائدة الشاي وبعده يدور على شؤون العالم الإسلامي الحاضرة، وفيما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من التمسك بأصول الدين وآدابه، وألقى بعض حضرات الأعضاء عبارات الثناء على حضرة الأستاذ المحتفل به، والشكر له على المساعي الجليلة التي كان يبذلها في الحجاز لمساعدة المسلمين، ولاسيما أهل العلم والفضل، على اختلاف شعوبهم. وبهذه المناسبة أذكر أني عندما نزلت جدة سنة ١٣٥١ هـ قاصداً أداء فريضة الحج، قال لي بعض رفقائي: تعال بنا نزور قنصل الحكومة المصرية، فقلت: نزوره بعد العودة من مكة -إن شاء الله-, قلت ذلك، وفي ظني أن هذا القنصل ككثير من الولاة الذين يلاقون زائريهم بشيء من التعاظم وقلة الاحتفاء، ورحلت إلى مكة المكرمة، ويعد أن أقمت بها يومين، قال لي أحد الأصدقاء:

стр. 5532

إن قنصل مصر نازل بالتكية المصرية، وهو يسأل عنكم، وراغب في لقائكم، فقلت له: سأزور التكية بعد قضاء المناسك، فقال: إنه يسأل عن محل إقامتكم، ويريد زيارتكم، وها هي هذه التكية على مقربة من أحد أبواب الحرم الشريف، فوافقته على أن نذهب إلى التكية بعد صلاة العشاء، وذهبنا حسب الوعد، فوجدت طائفة من فضلاء المصريين، من بينهم حضرة القنصل الأستاذ حافظ عامر، فجلس إلى جانبي، وأخذ يجاذبني أطراف الحديث في استنارة فكر، وصفاء سريرة، ورقة اشاس، حتى خيل إليّ أني أتحدث مع صديق حميم قضيت في صداقته سنين، وأبدى رغبته في أن نكون رفقة في أيام عرفة والمزدلفة ومنى حتى العودة إلى جدة، وكذلك قضينا تلك الأيام الزاهرة في قضاء المناسك، يتخللها مذكرات لذيذة، ولندع بقية الحديث عن تلك الأيام إلى ما سنكتبه -إن شاء الله تعالى- في مشاهد تلك الرحلة المباركة. وملخص القول: أن الأستاذ حافظ عامر مثلٌ كامل لرجل دولة إسلامية يحق لها أن تكون زعيمة للعالم الإسلامي، فإنا في حاجة إلى أن يكون لنا رجال دولة يجمعون إلى بعد النظر في السياسة سماحة الأخلاق، واحتراماً للدين، واعتزازاً به أشدَّ من اعتزازهم بالإمارة والوزارة وغيرها من المناصب السامية. وذلك ما كان يتمثل لنا في روح الأستاذ المحتفل بتكريمه، جزاه الله عن الإسلام خيراً، وأكثر من أمثاله.

стр. 5533

تأسيس جمعية الشبان المسلمين (١) سادتي الكرام! أحييكم، فأحيي أصالة الرأي، وأشكركم، فأشكر حرية الضمير، وإن اجتماعكم هذا لفاتحة حيياة نبيلة، وعنوان مستقبل مجيد. فتية من أبناء وادي النيل عزَّ عليهم أن يكون الشرق متقطع الأوصال، بطيء السير إلى الأمام، وهو حريّ بأن يكون صبيح المنظر، سليم العاقبة، فقاموا يبسطون أيديهم لإحكام صلة التعارف والتآزر، ويسابقون إلى تأليف جمعية تنحو نحو الإنسانية الصادقة، وتسير على ما يرضي الضمائر العامرة بالإخلاص. وإن أمة يكون نشؤها على بصيرة من حاضرها، واحتراس مما يدنّس مستقبلها، لأمة خليقة بأن تبلغ السماء، وخليقة بأن تبغي فوق السماء مظهراً. أما وجه الحاجة إلى تأليف هذه الجمعية، فأعظمُ من أن أصفه في هذا المقام بتفصيل.

стр. 5534

ولعل شبابنا النجباء يشعرون بأن انتظامهم في جمعية يديرونها بأيديهم، ويسلكون بها محجةً ليلُها كنهارها، أطهرُ لقلوبهم، وأرفع لذكرهم، وأسرع بهم إلى امتطاء العزة القعساء. إن موقع مصر الجغرافي، وتبريزها العلمي يجعلانها أهلاً لأن تكون عاصمة الشرق الأدبية، وهذا ما يستدعي أن تقوم بها جمعية تنتظم الشبان على اختلاف أوطانهم؛ حتى تسري روح الأدب الخالص في سائر الشعوب يميناً ويساراً، وإن هذا العمل لمما يزيد الأمة المصرية فخراً على فخرها، ويضيف إليها عظمة على عظمتها. حدث تباعد بين طائفتين: طائفة تنفر من الجديد، وأخرى لا تحترم القديم، وقد بصر بهذا التباعد بعض من يضعون أقلامهم في غير نصيحة، فانهالوا يوسعونه طولاً وعرضاً. وشأن هذه الجمعية أن تعمل لحثّ البطيء تارة، ولرد الجامح عن السبيل تارة أخرى، وبهذا يتيسر لها أن تضع مكان التباعد ائتلافاً، ومتى فتحت نادياً يؤمه الناشئون على اختلاف طرز تعليمهم، خلصت أفكارهم، وتقاربت آراؤهم، وتقاربُ الأفكار والآراء وسيلة ائتلاف القلوب، واتحاد العواطف، والأمة التي تأتلف قلوبها، وتتحد عواطفها، لا يبقى بينها وبين الحياة الآمنة المطمئنة إلا قاب قوسين أو أدنى. كانت النهضة الاجتماعية في مصر بريئة من أن تحمل في أي ناحية من نواحيها لوناً جافياً، فأقبلت الشعوب الشرقية تحفها بالإجلال، وتلقي إليها بمقاليد الزعامة من صميم أفئدتها، ولا أكتمكم حديثاً هو: أننا أصبحنا نسمع في حسيس هذه النهضة المباركة نغمة غير طيبة، ولا أرى شبابنا المخلصين

стр. 5535

إلا أن يعيدوا على النهضة المصرية أدبها الجميل؛ فإن مصر قلب الشرق، وإذا صلح القلب، صلح الجسد كله. في الناس من لم يقدر للغة العربية بيانها الراع، وأساليبها البديعة، وفي الناس من لا يعنيه أن تكون هذه اللغة رابطة شعوب هم في أشد الحاجة إلى أن يتعارفوا، وقد قام هذا وذاك يناديان الأدباء إلى أن يزيغوا عن اللغة الفصحى، ويلوثون ألسنتهم وأقلامهم باللغة العامية المرذولة. ومن اللائق بجمعية الشبان المسلمين أن تحتفظ بهذه اللغة المهذبة، وتقيم لآدابها سوقاً نافقة. تلذ طائفة منا تقليد الأمم الغالبة من غير قيد ولا شرط، والحكمة تنادينا إلى أن نسايرها في العلوم والفنون جنباً لجنب، ونذهب معهم في إعداد وسائل القوة والغلبة أينما ذهبوا، أما ما سوى ذلك، فينبغي أن تكون لنا أذواق تميز الرديء من الجيد، وعقول لا يلتبس عليها النافع مما لا خير فيه. ولعل هذه الجمعية تنظر في هذا الشأن برويّة، فتقتبس من تلك الأمم ما زكا، وتحمي أوطاننا مما فيه بأس، ولاسيما تقاليد أصبح عقلاء تلك الأمم أنفسهم يمقتونها. سيضرب ذكر هذه الجمعية في نواحي الشرق والغرب، وستلاقيها نوادي العلم والأدب بابتهاج واحتفاء. فكونوا عند أمل هذه النوادي، وأروها على ضفاف وادي النيل فتياناً تتلألأ قلوبهم هداية، ولا يرضون من العلم إلا باللباب. وستجد هذه الجمعية من حولها ألسنة لامزة، وكذلك المشروعات الإصلاحية لا تمر إلا على جسر من اللمز، فاصرفوا عن اللمز أسماعكم، وقولوا كما قال أكرم الخليقة - صلوات الله عليه -: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون". قد يقول من لا يحسن أن يقول: إن في اسم هذه الجمعية رائحة الرابطة

стр. 5536

الدينية، ونحن نريد رابطة شرقية، أو قومية، أو وطنية، فخذوا بيده إلى جمعيات غير إسلامية قد فُصّلت على مقدار الصلة الدينية، وعلّموه أن ليس على تلك الروابط من بأس؛ فإن في الإسلام تسامحاً وحرية يسعان كل اتحاد يستدعيه التعاون على المصالح المشتركة بين أولي ملل مختلفة. ولعلكم تنظرون إلى جمعيات أخرى في أُبّهة وفخامة، فيعز عليكم أن تخرج جمعيتكم هذه في مظهر غير عظيم، فاضربوا بهذا الخاطر ثبجَ البحر، فإن المشروع الذي ينشأ صغيراً، ثم ينمو من حين إلى آخر، يكون أثبتَ أساساً، وأحكم بناءً، وأبلغ شاهداً على حزم الناهضين بأعبائه. ولا تنسوا بعد هذا أن من ورائكم أمة رشيدة ستشتري راحة ضمائرها وسعادة مستقبل أبنائها بما تبذله في مؤازرة مشروعكم الجليل. والله المستعان على أن تكون هذه الجمعية فسيحة المدى، سامية المظاهر، خالدة الأثر، وما ذلك النجاح ممن يدّرعون الحزم والحكمة ببعيد.

стр. 5537

الشعر - حقيقته - وسائل البراعة فيه الارتياح له - تحلي العلماء به - التجديد فيه (١) الكلام إما نثر، وهو ما يلقى من غير قصد إلى تقييده بوزن، ولا يلزم بناؤه على حرف معين تنتهي به جمله، وأما منظوم، وهو الكلام الذي يصاغ في أوزان خاصة، وتُبنى قطعه على حرف خاص يختاره الناظم، ويلتزمه في آخر كل قطعة منه، وهذا هو فن الشعر. ورأى بعض الأدباء: أن من المنظوم ما لا يختلف عن الكلام العادي إلا بهيئة الوزن، والتزام القافية، فلا يحسن أن تجعل ميزة الشعر شيئاً يعود إلى مقدار الحروف وأشكالها، والتزام حرف منها في آخر كل قطعة منه، دون أن تكون له خاصة تميزه عن غيره من جهة المعنى، فزادوا في بيانه قولهم: من شأنه أن يحبّب إلى النفوس ما قصد تحبيبه إليها، ويكرّه إليها ما قصد تكريهه إليها، وتحبيبه الأشياء أو تكريهها بوسيلة ما يشتمل عليه من حسن التخييل. فالكلام الموزون المقفى الذي يحبّب إلى النفوس شيئاً، أو يكرهه إليها، بوسيلة الحجة التي يصوغها العقل، وتجري عليها قوانين المنطق، لا يسمى شعراً على وجه الحقيقة؛ لأنه خال من روح الشعر الذي هو حسن التخييل.

стр. 5538

والحق أن الشعر: ما يقصد به حمل النفوس على فعل الشيء أو اعتقاده، أو صرفها عن فعله أو عن اعتقاده، من جهة ما يشتمل عليه من حسن التخييل، أو براعة البيان، ومن هنا دخل في الفنون الجميلة، ولا جمال في المنظوم إلا أن يكون في معناه غرابة، أو في تركيب ألفاظه براعة. فالكلام الموزون المقفى إنما يكون حفياً باسم الشعر متى بدأ فيه وجه من حسن الصنعة؛ بحيث يكون هذا الحسن زائداً على أصل المعنى الذي يقصد بالإِفادة أولاً، ولا فرق بين أن يكون أثر البراعة في التخييل، أو أثر البراعة في ترتيب المعاني، وإيرادها في ألفاظ مؤتلفة سنيّة. ولا ننسى أن للنفس عند سماع الكلام الموزون حالاً من الارتياح غير حالها عند سماعه منثوراً، يدل لهذا الجملُ البليغة المرسلة إذا تُصرف فيها بنحو التقديم والتأخير حتى وافقت وزناً من الأوزان المألوفة، فإن ارتياح النفس لها بعد هذا التصرف يكون أوفر. ومن أمثله ما جرى فيه التخييل البارع: قول أبي زيد عبد الرحمن الفنداقي الأندلسي من قصيدة ألقاها بين يدي إدريس بن يحيى أحدِ أمراء الأندلس: ومصابيحُ الدجى قد طفئت ... في بقايا من سواد الليل جونْ وكأن الظلَّ مسك في الثرى ... وكأن الطل درٌّ في الغصونْ والندى يقطر من نرجسه ... كدموع أسكبتهنَّ الجفونْ والثريا قد هوت من أفقِها ... كقضيبٍ زاهرٍ من ياسَمينْ وانبرى جنحُ الدجى عن صبحه ... كغراب طار عن بيضٍ كَنينْ

стр. 5539

فلو تحدث الشاعر عن انجلاء الليل، وطلوع الصبح، وانبساط الظل، ونزول الطل، وتساقط الندى، وهويِّ الثريا من أفقها بالعبارات المجردة عن مثل هذا التخييل، لما اهتزت النفوس لها هذا الاهتزاز البالغ. ومن أمثله الشعر الذي جاءه الجمال من حسن ترتيب معانيه، وبراعة نسجه: قول أبي العلاء المعري: كم بودرت غادةٌ كَعوبُ ... وعُمّرت أُمُّها العجوزُ أحرزها الولدان خوفاً ... والقبر حرز لها حريزُ يجوز أن تبطئ المنايا ... والخلدُ في الدهر لا يجوزُ فمعاني هذه الأبيات يستوي في معرفتها القرويّ والبدوي، ومن الذي لا يدري أن داعي الموت كثيراً ما يبادر الفتاة، ويدع أمها وهي عجوز؟ وأن المنايا قد تبطئ عن بعض الأشخاص، فتطول أعمارهم؟ وأن الخلود في الدنيا غير مطموع فيه؟ ولكن الشاعر صاغ هذه المعاني في سلك التناسب، وأبرزها في ثوب قشيب من الألفاظ العذبة، والنسج الحكيم، فكان لها وهي في ائتلافها، وزخرف أثوابها وقعُ ما تبتهج له النفوس ابتهاجَها لمعان جديدة لم تخطر لها من قبلُ على بال. ومن الشعر ما هو باطل، وهو الذي وصف الله تعالى أصحابه بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧﴾ الآية. ومنه ما هو حق، وهو المشار إليه بقوله ﷺ : "إن من الشعر حكمة"، وسنخص البحث عن تأثير الشعر في الأخلاق والاجتماع بإحدى محاضراتنا

стр. 5540

الآتية -إن شاء الله تعالى-، وكل آت قريب. * وسائل البراعة فيه: لا يطوع الشعر البارع، إلا لمن يردد نظره على كثير من الأشعار البليغة، ويملأ منها حافظته، ثم يأخذ قريحته بالتمرين على النظم الفينة بعد الفينةَ، فهذان ركنان لتربية ملَكة الشعر وترقيتها، فإذا أتيح للشاعر -مع هذا- جودةُ هواء المنازل التي يتقلب فيها، وحسن مناظرها، ووثق بأن في قومه من يُقبل على الشعر، ويقدر مراتب الشعراء، لم يلبث أن يأتي بما يسترقُّ الأسماع، ويسحر الألباب. وشأن من يزاول العلوم ذاتَ المباحث العميقة، والقوانين الكثيرة، أن لا يبلغ الذروة في صناعة القريض، ذلك أن الناشئ الذي يقبل على طلب العلوم إقبال من يروم الرسوخ في فهمها، والغوص على أسرارها، لا يجد من الوقت ما يصرفه في حفظ المقدار الكافي من أشعار البلغاء، وفي تمرين قريحته على النظم تمريناً يصعد بها إلى الذروة، وإذا صرف من وقته في الحفظ والتمرين ما فيه الكفاية، وجد من قريحته المعنية بالبحث عن الحقائق العلمية ما يبطئ به عن اختراع معان خيالية بديعة. ونظر ابن خلدون في وجه قصور العلماء عن التناهي في صناعة الشعر، وأبدى أن السبب: ما يسبق إليهم من حفظ المتون العلمية، فإن عبارات هذه المتون -وإن كانت على وفق العربية- لا يراعى فيها قانون البلاغة، وامتلاء الذهن من الكلام النازل عن البلاغة، لا يخلو من أن يكون له أثر في النظم، فيقصر به عن المرتبة العالية من الفصاحة، فلو انبعثت قريحته في فضاء واسع من الخيال، واستطاعت اختراع صور غريبة، لخدشت تلك المحفوظات ملكة

стр. 5541

فصاحته، فيخرج الشعر وفي ألفاظه، أو في نسج جمله ما يتجافى عنه الذوق، فلا تتلقى تلك الصور بالارتياح، وان كانت في نفسها غريبة. فالتوغل في العلوم يضايق ملَكة الشعر، وأشدُّ ما يضايقها العلومُ النظرية؛ كالمنطق، والكلام، والفلسفة، والفقه، ولاسيما ما يُعنى صاحبه بالبحث في طرق الاستنباط، ويتعلم كيف يطبق الأصول على الوقائع الخارجية. وعلوم النحو والصرف والبيان معدودة في وسائل إحكام صنعة الشعر، ومتى درست على طريقة التوسع في مسائل الخلاف، ومناقشة الآراء والأدلة والعبارات، أصبحت في خدش ملكة الشعر كالمباحث الفلسفية أو الفقهية. وقد يكون في الرجل قوة الشاعرية، فيهجرها، فتضعف حتى لا تواتيه عندما يهم باستدرارها. قال أبو القاسم الأندلسي: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسي وأنا حاضر، فقال: إني أغبطكم على قول الشعرة فإن خاطري لا يوافقني على قوله، على تحقيقي في العلوم التي هي موادّه، فقال له رجل: فما قلتَ قطُّ شيئاً منه؟ قال: ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات في الشيب، وهي قولي: خضبت الشيبَ لما كان عيباً ... وخضبُ الشيب أولى أن يُعابا ولم أخضِب مخافةَ هجرِ خلٍّ ... ولا عيباً خشيتُ ولا عتابا ولكن المشيبَ بدا ذميماً ... فصيرت الخضابَ له عِقابا فهذه الأبيات تدل على أن في أبي علي الفارسي مبدأ نظم الشعر، وعدمُ مواتاة الشعر له عندما يهم بنظمه ناشئ من عدم إقباله على هذه القوة بالتربية والتهذيب.

стр. 5542

* الارتياح للشعر: ترتاح النفس لصور من المعاني يصنعها الخيال، أو تخرج في ثوب قشيب من حسن البيان، ذلك الارتياح لذة الشعر الذي هو صنع الألمعية المتلألئة، والتخيل الواسع، والذوق الصحيح. ولا أظن أن في الناس من لا يلذ الشعر البديع متى أحسّ معانيه، ووقعت في ذهنه باديةَ الوجوه كما كانت في ذهن مصوّرها، وإنما المشاهد أن الناس يتفاوتون في الارتياح للشعر على قدر تفاوتهم في صفاء الذوق، وتقدير ما في معانيه من غرابة وحسن التئام، أو تقدير ما في ألفاظه من حسن السبك وجودة التركيب. فإذا رأيت الرجل يسمع الشعر البارع، ولا تلوح عليه أَمارة الارتياح لسماعه، فلأنه لم يحس ما فيه من إبداع، وجودةِ صنعة، وكثيراً ما يعيب الناقد صورة معنى خيالي حيث لا يحس الناحية التي فعل فيها الخيال البارع فعلته. أورد بعض الكاتبين في الأدب قول الشاعر: كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحاً ... وليس يدخله إلا إذا انطبقا وعابه بقوله: إن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس. ولو اعتاد هذا الكاتب النظر إلى الصور الخيالية من مسالكها اللطيفة، لما أتعب فكره في البحث عن الباب الذي يدخل منه الطيف المتخيل للنفس في صورة المرئي رأي العين. يصفو الذوق، فيحس براعة الشعر، ولطفَ مسلكه، فتأخذ النفس من شدة الإِعجاب به حالة ربما عبروا عنها بالإِغماء. أنشد عمرو بن سالم المالقي في مجلس أبي محمد عبد الوهاب أبياتاً لبعض الأندلسيين، منها:

стр. 5543

ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم ... فتقلدوا شهب النجوم عُقودا فأخذ أبا محمد حالٌ من الإِعجاب بهذه الأبيات حتى تصبّب عرقاً، وقال: إني مما يقهرني، ولا أملك نفسي عنده: الشعرُ المطبوع. وروى حماد بن إسحاق: أن أباه قال له: كان العباس بن الأحنف، إذا سمع شيئاً استحسنه، أطرفني به، وأفعل معه مثل ذلك، فجاءني يوماً ووقف بين البابين، وأنشد لابن الدمينة: ألا يا صَبا نجد متى هجت من نجدِ ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد إلخ الأبيات، ثم ترنحّ ساعة، وقال: أنطح العمودَ برأسي من حسن هذا؟ فقلت: لا، ارفق بنفسك. وكان سعيد بن المسيب ماراً ببعض أزقة البصرة، فسمع منشداً ينشد قصيدة لمحمد بن عبد الله النميري يقول فيها: تضوعّ مسكاً بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوةٍ خفراتِ يخبئن أطراف البنَان من التقى ... ويخرجن جنحَ الليل مُعتجرات فضرب سعيد برجله الأرض، وقال: هذا -والله- يلذ سماعه. وصام أبو السائب المخزومي يوماً، فلما صلى المغرب، وقدمت له المائدة، خطر بقلبه بيتا جرير: إن الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلاً بعينك لايزال مَعينا غيّضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا فاشتد ارتياحه لهما، حتى حلف أن لا يفطر في تلك الليلة إلا على هذين البيتين.

стр. 5544

وكثيراً ما يكون ارتياح الأمير لبيت واحد سبباً في إغناء الشاعر، ودفع مظلمته. نقرأ في أخبار ابن شرف: أن أحد عمال المعتصم ناقشه في قرية له، فورد ابن شرف على المعتصم شاكياً هذا العامل، وأنشد بين يديه قصيدة في الغرض، ولما بلغ قوله: لم يبق للجور في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حَوَرِ قال له المعتصم: كم في القرية التي تحرث فيها من بيت؟ قال: فيها خمسون بيتاً، فقال له: أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد، ثم وقّع له بها، وعزل عنها كل وال. وكيف ترى ابتهاج أبي عمرو بن العلاء، حين سمع قول بشار: لم يطل ليلي ولكن لم أنمْ ... ونفى عني الكرى طيفٌ أَلَمْ روّحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبدَ من لحمٍ ودمْ إن في بُردَيَّ جسماً ناحلاً ... لو توكأتِ عليه لانهدمْ لا شك أن ابتهاجه لسماعه كان بالغاً ما يمكنه أن يبلغ، ينبئك بهذا أنه سئل عن أبرع الناس بيتاً، فقال: الذي يقول: "لم يطل ليلي"، وأنشد الأبيات الثلاثة. * العلماء والشعراء: في العلماء من يلذ استطلاع الحقائق إلى حد أن يستغرق أوقاته في البحث العلمي، ويرغب عن أن يصرف في صناعة الشعر أو تذوّق بلاغته ولو ساعة من شهر.

стр. 5545

حكى المقري: أنه أنشد بحضرة العلامة محمد بن إبراهيم الأبلي، قولَ ابن الرومي: أَفنى وأعمى ذا الطبيبُ بطبه ... وبكحلهِ الأحياءَ والبُصَراءَ فإذا مررتَ رأيتَ من عميانِه ... جمعاً على أمواته قُرّاءَ قال: فاستعادني الأبيات، حتى عجبتُ منه، مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر، ثم قال: أظننتَ أنني استحسنتُ الشعر؟ إنما تعرفت منه أن العميان كانوا في ذلك الزمان يقرؤون على المقابر، فإني كنت أرى ذلك حديث العهد، فاستفدت التاريخ. وفي العلماء من يأخذ الشعرُ البارع بمجامع قلبه، ويجد في نفسه قوة على نظمه، فيضرب مع الشعراء بسهم؛ ليزين علمه بهذا الفن الجميل، وسبْقُ الشعراء المتجردين للشعر وحده في هذه الحلبة لا يثني العلماء عن تعاطيه؛ نظرا إلى أنه فن من فنون الأدب الجميلة، وقد ويتخذ وسيلة إلى جلب خير، أو دفع أذى. والتاريخ يحدثنا أن في أعلام العربية من كانوا يجيدون صناعة القريض؛ كابن دريد، الذي كانوا يصفونه بأنه أعلم الشعراء، وأشعر العلماء، ومن مختارات شعره الأبيات العينية التي يقول فيها: ومن لم يَزَعْه لبّه وحياؤه ... فليس له من شيب فَودَيه وازعُ ومثل الإمام النحوي أبي الحسين علي بن أحمد بن حمدون، ومن جيد شعره: تناءت ديار قد ألفتُ وجيرةٌ ... فهل لي إلى عهد الوصال إيابُ

стр. 5546

وفارقت أوطاني ولم أبلغ المنى ... ودون مرادي أبحرٌ وهضابُ مضى زمني والشيبُ حل بمفرقي ... وأبعدُ شيء أن يُردَّ شبابُ ويحدثنا أن في رجال الفقه من يجيد التخيل، ويحسن صياغة الكلام المنظوم؛ كالقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، الذي قال فيه أبو العلاء المعري: والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملكَ الضِّلِّيل إن شعرا ومن نظم هذا القاضي: متى تصل العِطاشُ إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الرَّكايا ومن يثني الأصاغرَ عن مراد ... وقد جلس الأكابرُ في الزوايا وإنَّ ترفُّعَ الوُضَعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى البلايا إذا استوت الأصاغر والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا ويحدثنا بأن في علماء الحديث من يجيد صنع الشعرة مثل: الحافظ سليمان بن موسى الكلاعي؛ فإن له من الشعر ما يشبه أن يكون عربياً مطبوعاً، ومما قال: أحنُّ إلى نجد ومن حلّ في نجدِ ... وماذا الذي يغني حنيني أو يُجدي؟ وقد أوطنوها وادعين وخلَّفوا ... محبهم رهنَ الصبابة والوجدِ وضاقت عليّ الأرض حتى كأنّها ... وشاح بخصر أو سِوارٌ على زَنْدِ ونجد للقاضي عياض -وهو من علماء الحديث والفقه- شعراً ذاهباً

стр. 5547

في التخيل إلى حد بعيد، ومما قال: انظر إلى الزرع وخاماتُه ... تحكي وقد ماست أمام الرياحْ كتيبةً خضراءَ مهزومةً ... شقائقُ النعمان فيها جراحْ ويحدثنا أن في علماء المنطق والرياضيات من يصنع صوراً خيالية، ويبرزها في ألفاظ عذبة رقيقة؛ مثل: أبي بكر بن الصاغ الأندلسي، ومن نظمه البديع قوله: ضربوا الخيام على أقاحي ... روضةٍ خطر النسيم بها ففاح عبيرا وتركت قلبي سار بين حمولهم ... دامي الكلوم يسوق تلك العيرا لا والذي جعل الغصون معاطفاً ... لهمُ وصاغ من الأقاح ثغورا ما مر بي ريح الصَّبا من بعدهم ... إلا شهقت له فعاد سعيرا يبرع بعض العلماء في الشعر، ولكن فحول الشعراء من غير العلماء يكون جيدُ أشعارهم أكثر، ونفَسهم في الشعر أطول، وقرائحهم إلى المعاني الغريبة أسرع. * التجديد في الشعر: يجري على ألسنة المحاضرين، وأقلام الكتاب حديثُ التجديد في الشعر، ولسنا ممن يتجافى عن رأي التجديدة إذ التجديد سنة من سنن الشعراء النابغين، ولاسيما شعراء ينشؤون أو ينزلون في بلاد عامرة بمظاهر المدنية، وإنما نريد بحث ما يُعنى بكلمة التجديد، حتى نصل إلى ما فيه إصلاح الشعر، ونتحامى هدم ناحية من نواحي اللغة الفصحى. للشعر مقاييسُ، وقوافٍ، ومعانٍ، وألفاظٌ، وأساليب، وفنون.

стр. 5548

أما المقاييس، فقد نظم العرب في ستة عشر مقياساً، وهي المدونة في كتب العروض، ومازال الشعراء يصوغون أشعارهم على هذه المقاييس إلى عهد الدولة العباسية، وفي ذلك العهد حدثت موازينُ خارجة عن الموازين السالفة، ووجدت؛ كما تجد الأزجال في هذا العهد، من يعجب بها، ويلذ سماعها. ومن الموشحات الأندلسية ما يختلف فيه أشطار القصيدة بالطول والقصر اختلافاً بيّناً؛ كقول أبي الحسن بن سهل: كحل الدجى يجري ... من مقلة الفجر ... على الصباح ومعصم النهر ... في حلل خضر ... من البطاح ومن هذا القبيل موشحة ابن الوكيل، التي دخل بها على أعجاز قصيدة ابن زيدون: أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا ومما يقول في الموشحة: يا جيرة بانت ... عن مغرم صَبِّ لعهده خانت ... من غير ما ذنبِ ما هكذا كانت ... عوائدُ العربِ لا تحسبوا البُعدا ... يغير العهدا ... إذ طالما غيّر النأي المحبينا وإذا كان الأدباء في العصور الماضية لم يقصروا شعرهم على المقاييس المعروفة، فأحدثوا مقاييس جديدة، فلا نكره لأديب أن يصوغ الشعر في مقياس محدَث متى وثق من موافقته لأذواق الناس، وارتياحهم لحركاته وسكناته.

стр. 5549

وأما القافية، فقد التزمها العرب على النحو المعروف في أشعارهم، حتى اخترع الأدباء الموشحات، فأخذت القافية هيئة غير هيئتها الأولى، كما رأيتها في المثُل التي أوردناها آنفاً. وفي التزام القافية على الوجه الذي اختاره العرب سابقاً، أو على نحو ما أحدثه الأدباء من بعد، دلالةٌ على البراعة، ومحافظة على وجه من الوجوه التي يمتاز بها المنظوم على المنثور. وأما المعاني، فللشاعر أن يذهب فيها كل مذهب، وله أن يأخذ في التشبيه والاستعارات كل ما أخذ، فيرسل خياله فيما احتوته الحافظة من المعاني القديمة والحديثة، والطبيعية والصناعية، ويؤلف منها ما شاء من الصور الخيالية، مراعياً أذواق الطوائف التي يريد إثارةَ عواطفها نحو الشيء، أو صرفَها عنه. وما زال فحول الشعراء في كل عصر يبتكرون المعاني، وينتزعون من مظاهر المدنية المتجددة صوراً يبرعون في صنعها، فلشعراء العصر العباسي بالشرق، أو شعراء الأندلس بالغرب، معانٍ وتخيلات لم يطرقها الشعراء في الجاهلية، أو في صدر الإِسلام، أو عهد الدولة الأموية. وقع هذا التجديد من فحول شعرائنا، وكانوا على شعور من الحاجة إليه، ونبه أدباؤنا على هذا الشعور فيما كتبوا قديماً. قال ابن سعيد يفاخر أهل القيروان بشعراء الأندلس: "وهل منكم شاعر رأى الناسَ قد ضجُّوا من سماع تشبيه الزهر بالنجوم، وتشبيه الخدود بالشقائق، فتلطف لذلك في أن يأتي به في منزع يصير خلقه في الأسماع جديداً، وكَليلُه في الأفكار حديداً، فأغرب أحسنَ إغراب، وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أنبلَ إعراب؟ ".

стр. 5550

وإذا لم تَجُد قرائحُ شعراء عصر أو بلد بمعان جديدة، ورأيناهم لا يزيدون عن أن يرددوا معاني أسلافهم، فلضعف ملكاتهم الشعرية، وقصورها عن أن تُخرج للناس ثمراً جديداً. وأما الألفاظ، فحقها أن يراعى فيها ما ثبت عن العرب، وما تقتضيه قوانين الصرف، وما تضعه المجامع العلمية على حسب ما تدعو إليه حاجة التعبير عن المعاني المحدثة. والألفاظ الجديرة بأن يصاغ منها الشعر هي الألفاظ التي لا يخفى المراد منها على أكثر من يقصد استمالة عواطفهم إلى الشيء، أو صرفها عنه، ولا يكفي لجواز استعمال اللفظ في القصيدة خلوُّه من تنافر الحروف، وموافقته للوضع العربي، ووجوده في كتب اللغة القريبة التناول؛ إذ ليس كل لفظ يتحقق فيه شرط الفصاحة يصلح للشعر، بل وراء الفصاحة شيء آخر هو: مراعاة حال قراء الشعر، فيصاغ لهم في ألفاظ تطرق أسماعهم، فتحضر معانيها في أذهانهم، فلو هُجرت ألفاظ في عصر من العصور، أو قل استعمالها؛ بحيث لا يصل السامع إلى معانيها إلا بعد الرجوع إلى كتاب من كتب اللغة، وشاعت ألفاظ ترادفها؛ بحيث تكون أسرعَ بالمعنى إلى ذهن المخاطب، كان من حق الشاعر اختيار الألفاظ التي يكون بها المعنى أقربَ إلى الذهن، ولاسيما ألفاظ تساوي الألفاظ المهجورة، أو النادرة الاستعمال؛ في خفة النطق، وحسن تأليف حروفها. فطبيعة الشعر تستدعي التجديد في الألفاظ على النحو الذي وصفنا، فالشاعر المجيد لا يجمد على الألفاظ التي استعملها الشعراء في عصور ماضية، ثم قل دورانها في كلام البلغاء من بعد. وإذا لم يكتف الشاعر في خدمة اللغو بحفظ مذاهب بلاغتها، وفنون

стр. 5551

بيانها، وأراد أن يكون له نصيب في إحياء ما هجرته الألسنة من كلماتها العذبة السائغة، ففي استطاعته أن يأتي إلى الكلمة التي تخفى معانيها على أكثر القراء، ويوردها حيث لا يفوتهم فهم المراد من البيت، والارتياح لما فيه من حسن التخييل. فلو أصبحت كلمة "امتشق" -مثلاً- غيرَ جارية في استعمال الشعراء في عصر، لما كان على شاعر أراد إِحياءها من حرج في استعمالها حيث ينبه مساقُ الكلام على المراد منها، كما استعملها العزازي، في قوله: والبدر نحو الغروب أسرع ... كهارب ناله فرَقْ والبرق بين السحاب يلمع ... كصارم حين يُمتشقْ ومن ذا يسمع هذا البيت، ولا يفهم أن القصد: تشبيه حال البرق عند لمعانه بحال السيف عند تجريده من قرابه؟ وأما الأساليب، فيراعى فيها قوانين النحو والبيان المسلَّمة، فلا نقبل من الشاعر أن يقدم خبر "إن" مثلاً عليها، فيقول: "كاتب إن زيداً" بدعوى التجديد في الأسلوب، ولا يحسن منه أن يتكئ على علة التجديد، ويسقط حرف العطف في نحو "لا ورحمك الله"، أو يدع الكلمات والجمل التي توضع في أثناء الكلام، فتكسو البيت لطفاً، وتدفع عنه أوهاماً يفقد بها المعنى قوته، أو ينقلب بها إلى غير مراد، إلى ما يشاكل هذه التصرفات التي تخرج بالشعر العربي عن حدود البلاغة وحسن البيان. وللشاعر أن يتخذ من الأساليب بعد رعاية قوانين النحو والبيان ما يشاء، وقد اختلفت أساليب الشعراء في دائرة قانون اللغة الصحيح اختلافاً واضحاً، حتى إن الألمعيّ الدارس لأشعار الفحول من الشعراء في عصور متعددة، يكاد

стр. 5552

يعرف من أسلوب القصيدة الشاعر الذي قالها، أو العصر الذي قيلت فيه. وأما فنون الشعر -أعني: الأغراض العامة التي يتوجه إليها الشاعر بالنظم؛ نحو: تهذيب النفوس، وإصلاح الاجتماع، والحماسة، والفخر، والمديح، والهجاء، والوصف، والنسيب، والاستعطاف، والاعتذار-، فقد نظم فيها العرب كثيراً، وسلكوا فيها طرقاً بديعة. ومن الشعراء من يبرع في فن أو فنون، كما يبرع عمر بن أبي ربيعة في فن الغزل، والمتنبي في إرسال الحكمة. ومن العصور ما يشيع فيه بعض فنون الشعر أكثر مما سواه؛ كالعصر الذي يحمى فيه وطيس الحروب؛ فإنه يغلب فيه الحماسة والفخر، والعصر الذي يشيع فيه الفسوق يغلب فيه النسيب ووصف الخمور. وإذا غلب فن من الفنون، وجد رواجاً حتى عند من لا ناقة له في ذلك الفن ولا جمل، فتسمع الحماسة -مثلاً- في شعر الجبان الذي "إذا رأى غيرَ شيء ظنه رجلاً"، وتسمع الغزل ممن لم يحمل قلبه صبابة، ووصفَ الخمر ممن لا يعرف للخمر رائحة. أما عصرنا هذا، ففيه إباحية وإلحاد، فلا عجب أن نرى من الشعر الرفيع ما تنبذه مجالس أهل الفضل، ولا عجب أن نرى من الشعر المارقِ من الدين ما يلقي بالمستضعفين في تهلكة، وإننا اليوم في حركة علمية اجتماعية، تنادي كل طائفة منا لأن تسعفها بما لديها من قوة، ولكثير من شعرائنا في تقوية هذه الحركة مواقف محمودة، وأملنا أن يكون الفن الذي يُعرف به الشعر في هذا العصر فنَّ استنهاض الهمم، والصعود به إلى ذروة العزة والمجد، فن تقويم الأخلاق، وإصلاح الحياتين: العلمية والمدنية.

стр. 5553

قوة التخيل وأثرها في العلم والشعر والصناعة والتربية (١) في النفس قوة تحفظ الأشياء بعد غيبتها، وتجدد إحساس الإِنسان للصور المودَعة في هذه القوة، تسمى: تصوراً، أو تخيلاً. ولتجددِ إحساس الصور المسمّى: تخيلاً، أو تصوراً أسباب، وأكثر هذه الأسباب عملاً في النفوس: المماثلة، ويليه: التضاد، ثم: الوحدة المكانية، ثم: الوحدة الزمانية. والتماثل: أن يكون بين الشيئين تشابه في بعض الوجوه المحسوسة أو المعقولة، فمن رأى الماء الصافي، تذكر المرآة الصقيلة، ومن رأى القمر، تذكر طلق المحيا، ومن رأى النرجس، تذكر العيون، ومن جلس إلى كاذب، تذكر مسيلمة الكذاب، ومن سمع أن معتوهاً ادعى أنه نبي، أو أن باطنياً حرَّف آيات الذكر الحكيم عن مواضعها، تذكر زعيم طائفة القاديانية، أو زعيم طائفة البهائية. وانظر إلى أبي الإِصبع، كيف يخطر في باله ريقَ المرأة وثغرَها، فيذكر ما بين العذيب وبارق، ويخطر في باله قدها، ومدامعها تجري لفراقها، فيذكر مجر الرماح، ومجرى الخيل، أخبر بذلك في قوله:

стр. 5554

إذا الوهمُ أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قدّها ومدامعي ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق والتضاد: أن يتنافى الشيئان بحيث لا يجتمعان في محل؛ كالسرور والحزن، والضحك والبكاء، والشجاعة والجبن، والإِخلاص والرياء. فإذا خطر في البال أمر، تبعه ضده، فمن حضر في ذهنه الشتاء، تذكر الصيف، ومن وقع في خاطره التقوى، انتقل إلى معنى الفسوق، ومن هذا الباب ترى شخصاً، فتذكر خصمه المبين، وترى آخر في بلاء، فتذكر العافية، ولهذا عدّ علماء البلاغة التضاد من علاقات المجاز. والوحدة المكانيه: أن تحس الشيئين في مكان، وإن اختلف زمن الإحساس؛ كأن ترى شخصاً في مكان صباحاً، وترى شخصاً آخر في المكان نفسه مساء، فمن كثرت مشاهدته لشخصين في مكان، ثم رأى أحدهما، حضرت في ذهنه صورة الآخر. ويتصل بهذا أن يجري ذى الواقعة، فينتقل ذهنك إلى مكانها، أو تشاهد المكان، فيحضر في ذهنك صورة الواقعة. ومما يجري على هذا قول ابن الرومي: وحبّب أوطانَ الرجال إليهم ... مآربُ قضَّاها الشباب هنالك إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصِّبا فيها فحنوا لذلكا والوحدة الزمانية: أن تحس الشيئين في زمن واحدة، فإذا وقع بصر الإِنسان على شيئين في وقت واحد، ثم رأى أحدهما بعدُ، تذكر الآخر، بل إذا حدّث عن شخصين في وقت واحد حتى ارتسم لكل منهما صورة في قوته

стр. 5555

الحافظة، ثم رأى أحدهما، أو جرى ذكره في المجلس، حضر في ذهنه صورة الشخص الآخر. ويدخل في هذا الباب تذكرُ الأسباب عند ذكر مسبباتها، أو تذكر المسببات عند ذكر أسبابها؛ كتذكر النار عند ذكر الحرارة أو الدخان، وتذكر الأجنحة عند ذكر الطيران، وتذكر الأمة وسعادتها عندما يطرق سمعك كلمة الاستقلال، ولهذا عدّ علماء البلاغة من علاقات المجاز: السببية، والمسببية. ومما ينبهك على أن اقتران الشيئين في الزمان يجعل حضور أحدهما داعياً إلى حضور صورة الآخر: قول الخنساء: يذكرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأذكره بكل مغيب شمس فإنها تذكره عند طلوع الشمس؛ لأنها كانت تراه وقت الطلوع في مظهر الشجاعة والتهيؤ للغزو، وتذكره عند مغيب الشمس؛ لأن وقت المغيب وقت توارد الضيوف عليه، وإطعامِه الطعام في الغالب. وتسلسل الأفكار يتكون من هذه الروابط، ذلك أنك تنتقل من صورة أمر إلى صورة آخر، ومن هذه الصورة إلى غيرها، وهكذا يذهب بك التخيل من الأمر إلى ما يناسبه، حتى تضع سلسلة حلقاتها تلك الصور المتماثلة أو المتضادة أو المحسوسة في زمان أو مكان واحد. فإذا شاهدت مصادفة ثلجاً على شجر حوله رمل، وفي منتهى الرمل بحر، فقد يخطر ببالك الثلج في وقت آخر، فتنتقل منه إلى الشجر، ومن الشجر إلى الرمل، ومن الرمل إلى البحر. ولو كنت شاهدت في البحر سفينة، لكنت تنتقل من الرمل إلى البحر، ومن البحر إلى السفينة. ولو شاهدت الثلج مركوماً في الشارع، والشارع محاط بمبانٍ ذات

стр. 5556

نوافذ مفتحة، لكان لك عندما يذكر الثلج سلسلة أفكار، حلقاتها: الثلج، والشارع، والجدران، والنوافذ المفتحة. ولو اتفق لك أن كنت شاهدت في زمن آخر نوافذ يشرف منها وجوه بيض، لانتقلت من النوافذ إلى الوجوه البيض، ومن الوجوه البيض إلى الوجوه السود بوسيلة التضاد، ثم إلى البلاد التي تكثر فيها الوجوه السود، فتصل هذه السلسلة في التخيل بالسلسلة الأولى. فالفكر يتسلسل بحسب المناسبة بين الصورة، وما يقع الانتقال منها إليه، وقد يتحد الشخصان في بعض حلقات التفكير؛ لتوافقهما في أسباب ارتباط هذه الحلقات، ثم يفترقان في غيرها من الحلقات، فتضع مخيلة كل منهما سلسلة غير السلسلة التي تضعها مخيلة الآخر. ومثال هذا: أن يجري في حضرة المولع بالخمر، والقائمِ على أدوات الطعام، ذكرُ الكأس، فينتقل المولع بالخمر من الكأس إلى الخمر، ويذهب منتقلاً فيما يتبع الخمرَ من لهو وفسوق، أما القائم على أدوات الطعام، فإنه ينتقل من الكأس إلى الملعقة، إلى الشوكة، إلى الطبق، إلى المنديل، حتى يصنع سلسلة من هذه الأدوات وما يتصل بها غيرَ السلسلة التي صنعتها مخيلة المولع بشرب الخمر. وتسلسل الأفكار يكون على قدر ما تحتويه الحافظة من صور الأشياء، فأفكار البدو لا يطول تسلسلها؛ لعدم كثرة ما تحتويه حافظته من الصور؛ بخلاف الناشئ أو المتردد على مدينة امتلأت بمظاهر العمران والزينة؛ فإنه يطول تسلسل أفكاره، وتجد مخيلته مسارح بعيدة المدى. فالناس يتفاضلون في التخيل على قدر تفاوتهم فيما وقع إلى قواهم الحافظة من الصور، ويتفاضلون في التخيل أيضاً من جهة قوة الانتباه لما بين

стр. 5557

الأشياء من المناسبات. فالناشئ في مدينة كبيرة يفوق في التخيل الناشئ في بداوة، أو ما يشبه البداوة، وما ذاك إلا لكثرة ما يجده في حافظته من الصور المساعدة له على تأليف المعاني الجيدة. وإذا وجدت رجلين يعيشان في بيئة واحدة منذ النشأة، ورأيت في أحدهما براعة في نحو الشعر والصناعة قد فاق بها صاحبه، فإن وجه فضله عليه من جهة قوة الانتباه لما بين صور الأشياء من المناسبات. وقد يكون بين الشيئين ما يقتضي اقترانهما في الذهن، ولكن النفس قد تحس أحدهما، ويشغلها عن الانتقال إلى الأمر الآخر ما في ذلك الأمر الذي أحسته من معنى يجلب اهتماماً شديداً من حزن أو سرور. وانظر إلى الشاعر حين أراد التنبيه على أن ذكر حبيبه لا يفارقه قط، كيف أخبر أنه يذكره في أشد حال من شأن الإِنسان أن يذهل فيه عن كل غائب، فقال: ولقد ذكرتُك والرماح نواهِلٌ ... مني وسيف الهند يقطر من دمي ثم إن المخيلة قد تنتقل من صورة إلى أخرى من غير قصد إلى غرض، ومن غير أن تكون تحت رعاية العقل، فتسمى: مخيلة آلية، وقد يكون انتقالها صادراً عن إرادة، ومحاطاً بانتباه، وهذا قد يكون الغرض منه الوصول إلى إدراك حقيقة، فتسمى: مخيلة علمية، وقد يكون الغرض منه الوصول إلى تأليف صور من المعاني جديدة، فتسمى: مخيلة إبداعية. فالمخيلة الآلية: هي التي تسير دون قصد إلى جهة خاصة أو غرض معين؛ كأن يحصل للانسان استغراق في التخيل، ويذهب متنقلاً من معنى

стр. 5558

إلى آخر، ويجول في جملة من صور الأشياء التي عرفها في الماضي من غير انتظام، ولا قصد إلى استنتاج. ومن المرائي المنامية ما يرجع إلى عمل هذه المخيلة؛ حيث يزول الانتباه، ولا يبقى للاررادة سلطان، فتجري المخيلة طلقة من غير عنان، فتعرض على النفس صوراً غريبة، أو لذيذة، أو مؤلمة. ومن المرائي ما هو إلهام إلهي؛ كما ثبت في نصوص الشريعة القاطعة، ودلت عليه التجارب الصحيحة. والمخيلة العلمية: هي التي تتوجه بإرادة صاحبها، وتعمل تحت مراقبة قوته العاقلة، فتنتقل من صورة إلى أخرى تناسبها، حتى تجتمع في الذهن صور يحصل من ترتيبها على قانون المنطق إدراك حقيقة كانت خافية. ويقول المتحدثون عن العالم "نيوتن": إن مخيلته العلمية قد انتقلت به من مشاهدة تفاحة سقطت على الأرض، وانساقت به إلى النظر في قانون الجاذبية. والمخيلة الإبداعية: يتمكن بها الشخص من إحداث صور غريبة، إما محسوسة كما يفعل الصانع الماهر، أو معنوية كما يفعل الشاعر المجيد، فالصانع يفسح المجال لمخيلته، فتنطلق في صور ما شاهده من الأشياء، ويساعده ذوقه على أن ينتفي من تلك الصور ما يركب منه صورة جديدة. وكذلك الشاعر يبعث مخيلته فيما عنده من صور الأشياء، ومازال على صورة بعد أخرى حتى يجتمع عنده ما يمكنه أن يركب منه صورة معنى لا عهد للأذهان به من قبل. أما أثر التخيل في التربية، فإنك إذا لقنت الناشئ الأخلاق الحميدة،

стр. 5559

والأعمال الصالحة، وذكرت له ما يترتب عليها من خير وسعادة، وجدته لا يذكر تلك الأخلاق والأعمال إلا وقد حضر في ذهنه ما يقع عقبها من الخير والسعادة، فينهض لها بقوة، وهذا شأنه حين تذكر له السيرة القبيحة، وتبين له ما يتصل بها من عواقب تعود عليه بالضرر والتهلكة، فإنه لا يخطر بباله شيء من الخلق الرذيل أو العمل القبيح إلا وقد حضر في ذهنه ما يعقبه من ضرر، فيدعوه ذلك إلى الكف عنه. ولا ريب أن من لم يلقن فوائد الآداب الفاضلة والأعمال الصالحة، ويكون خالي الذهن مما يترتب على الأعمال المكروهة من فساد، تجده يذكر الفعلة القبيحة، فلا ينتقل ذهنه إلى شيء يردعه عنها، فيأتيها إجابة لداعي الشهوة. ومتى كان تعليم الأخلاق وتقويم السيرة من جهة الدين، رأيت الناشئ يذكر جلال الله في كل وقت يهم فيه بامر نهى عنه ذو الجلال، وفي ذلك عصمة أي عصمة.

стр. 5560

البراعة في الشعر مظاهرها - مهيئاتها - آثارها (١) الشعر كلام يصاغ في أوزان مألوفة، على أن يستقل البيت أو الأبيات منه بإفادة المعنى الذي أراد المتكلم التعبير عنه. فإن ورد كلام في أسلوب النثر، ووُجدت قطع منه موافقة لوزن من الأوزان التي يتوخاها الشعراء في نظمهم، وهي لا تستقل بأداء المراد، وإنما تتم دلالتها عليه بأن تضم إليها شيئاً من النثر قبلها أو بعدها، فليست تلك القطع بشعر. وبملاحظة هذا القيد في تعريف الشعر، تحقق أن ليس في القرآن شعر، فإن ما يوجد من الآيات التي اتفق أن كانت موافقة لوزن من الأوزان المعروفة عند العرب، لا يخلو من أن يتوقف في إفادة المعنى على كلام ورد قبله، أو كلام يرد بعده. فالقطعة الموزونة إذا كانت متصلة بكلام غير موزون تقدمها، أو تأخر عنها اتصالَ التراكيب التي تصور كلاماً واحداً، لا تسمى شعراً. كتب كاتب لأحد الأمراء ينذر عاملاً ويهدده بأوجز عبارة، فقال: "أما بعد: فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن، عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن، أغنت عزائمه، والسلام"، وفي هذا الخطاب كلمات إذا نطقت بها مقطوعة عما قبلها وما بعدها، وجدتها موزونة، وهي قوله:

стр. 5561

أناة فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمُهْ ومثل هذا لا يسمى شعراً، ولا يسمى كاتبه شاعراً؛ لأنه مرتبط بقول قبله ليس بشعر، فإن الضمائر في قوله: "عقب"، وقوله: "عزائمه" إنما تعود على أمير المؤمنين الواقع في نثر قبله. ثم إن كلمة "أناة" مرتبطة بذلك النثر من جهة الإِعراب، إذ هي منصوبة على أنها اسم لحرف التوكيد في قوله: "فإن لأمير المؤمنين". والشعر كسائر الكلام من مرسل وسجع، تتفاوت درجاته في فنون البيان، ويرتقي في سماء البراعة إلى أن يأخذ بالألباب، ويوجهها إلى أهداف كانت غافلة، أو صارفةَ النظر عنها. وإنما تظهر براعة الشعر في ناحيتين: ناحية نظم الألفاظ، وناحية تصوير المعاني. ومن الشعر ما تكون براعته في نظم ألفاظه دون تصوير معانيه. ومن هنا ترى نقاد الشعر قد يقولون لك: جودة هذا الشعر في فصاحة ألفاظه دون ما يُصوره من المعاني، كما قال ابن الأثير في "المثل السائر" بعد أن ساق أبياتاً وصف فيها أبو نواس الخمر: "وجودة هذا الشعر في فصاحة ألفاظه، وأما معناه، فليس فيه كبير فائدة". ويدخل في هذا القبيل أشعار محكمة النظم، ولكن صُور معانيها مشوهة؛ لاختلال في التخيل، أو سخافة في الرأي، أو خطأ في علم، أو استخفاف بدين حق، أو خرق لسياج أدب كريم. ومن الشعر ما تكون براعته في تصوير المعاني دون صياغة الألفاظ؛ كالأبيات التي يقصد قائلها إلى معان جيدة، ويرد بعض ألفاظها في نظم غير محكم، أو على وجه لا تسيغه قوانين العربية الفصحى.

стр. 5562

والشعر الحائز لمزيتي الإبداع في الناحيتين: اللفظية، والمعنوية، هو الذي يستحق أن يوصف بالبراعة على الإِطلاق، وهذا هو الذي يتنافس الناس في روايته، ويكثرون من ترديده على ألسنتهم، وهو الذي يتجه الأدباء إلى اختياره من أشعار الشعراء؛ كما فعل أبو العباس المبرّد، في كتاب اسمه: "الروضة"، بدأ فيه بأبي نواس، وأورد فيه طائفة لشعراء عصره، وكما صنع كل من أبي محمد عبد الله بن الفياض، وأبي الحسن علي بن محمد السماطي؛ حيث اختار كل منهما من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت، وكما اختار ابن سعيد الأندلسي من ديوان كل شاعر بيتاً جعله ملك شعره، وجمع من ذلك كتاباً سماه: "ملوك الشعر". والشعر الحائز للمزيتين هو الذي يقولون في مثله: كان الأمير أو العالم الفلاني كثيراً ما ينشد قول الشاعر كذا؛ كما قالوا: كان سيف الدولة يكثر من إنشاد قول أبي تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا وكان الناصر كثيراً ما ينشد قول الشهاب التلعفري: وتفردت بالجمال الذي خلا ... ك مستوحشاً بغير رفيق وكان أبو منصور قايماز كثيراً ما ينشد قول أسامة بن منقذ: إذا أدمتْ قوارضُكم فؤادي ... صبرت على أذاكم وانطويتُ وجئت إليكمُ طلقَ المحيا ... كأني ما سمعتُ وما رأيتُ والشعر الممتاز بالإِبداع في تأليف لفظه وتصوير معناه: هو الذي يرتاح له صاحب الذوق اللطيف في أدب اللغة، ويبدو أثر هذا الارتياح في حال، أو قول يدل على شدة إعجابه به.

стр. 5563

أنشد أبو الحسن الأبياري بين يدي الصاحب بن عباد قصيدته التي رثى بها الوزير ابن بقية: علوٌّ في الحياة وفي الممات. ولما أنشد قوله منها: ولم أر قبلَ جذعِك قطُّ جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات قام إليه الصاحب، وعانقه، وقبَّل فاه. ولما اطلع العلامة ابن الدقيق على قصيدة ابن خميس التي يقول في طالعها: عجباً لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها استوى قائماً من فرط إعجابه بها. وسمع ابن جني قول المتنبي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم فقال: لو لم يقل المتنبي غير هذا البيت، لتقدم به أكثر المحَدثين. ودخل الشاعر المدعو ابن جاخ على المعتضد بن عباد، وأنشد بين يديه قصيدته التي يقول في طالعها: قطّعتَ يا يوم النوى أكبادي ... ونفيت عن عيني لذيذ رقادي فلما انتهى من إنشادها، قال له المعتضد: اجلس، فقد وليتك رئاسة الشعر، ولم يأذن في الكلام لأحد من بعده. والشعر البارع بصياغة الألفاظ وتصوير المعاني: هو الذي يقصد كبار الشعراء إلى موازنته؛ كقصيدة أبي الحسن علي الحصري: يا ليلُ الصبُّ متى غدُه ... أقيام الساعة موعده

стр. 5564

فقد وازنها من المتقدمين: نجم الدين أبو موسى المعروف بالقمراوي، ومن المتأخرين: أمير الشعراء شوقي بك. ومثل قصيدة الشاعر صرّدر، التي يقول في طالعها: أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين فقد وازنها ابن التعاويذي بقصيدة نظمها في وزنها وعلى قافيتها، وكذلك فعل ابن المعلم. والشعر الحائز للمزيتين: هو الذي يرتفع به قدر الشاعر، ويأخذ به في قلوب الأدباء مهابة، ويحميه من أن يتعرض الشعراء لهجائه. هجا الأحوص رجلاً، فجاء الرجل إلى الفرزدق يطلب إجازته بهجاء الأحوص، فقال له: أليس الأحوص هو الذي يقول: ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما ... فقد هاج أحزاني وذكرني نُعما قال: بلى، قال: والله! لا أهجو رجلاً هذا شعره! وأكثر ما يختلف الرواة في نسبته من الشعر: هو الشعر البارع في نظمه ومعناه، مثل الأبيات المصدرة بقول قائلها: وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعَف الغيث العميمِ فقد نسبها بعضهم إلى المنازي من أدباء الشرق، ونسبه الآخرون إلى حميدة الأندلسية. ومثل قول القائل: رعى الله ليلات تقضت بقربكم ... قصاراً وحياها الحيا فسقاها فما قلت إيه بعدكم لمسامرٍ ... من الناس إلا قال قلبي آها

стр. 5565

فقد نسبت لأبي البركات المعروف بالمستوفي، ونسبت لحسام الدين الحاجري؛ حيث توجد في أثناء قصيدة من ديوانه. وقد يتنازع الشعراء أنفسهم في الشعر البالغ في الجودة درجة قصوى، فيدّعي كلٌّ أن الشعر وليد قريحته، كما تنازع أبو طالب المعروف بابن الخيمي، وابن إسرائيل في القصيدة التي جاء فيها البيت المشهور: يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب وحكّما ابن الفارض في ذلك، فحكم بها لابن الخيمي، بعد أن نظر في شعريهما، ووجد القصيدة إلى شعر ابن الخيمي أقرب، وأسلوبها بأسلوبه أشبه (١).

стр. 5566

كتّاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر (١) عهدتُ الأدب في تونس بطيءَ السير، قصير الخطا. وما بطء سيره وقصر خطاه لبخل في قريحة الفتى التونسي، أو لضيق في متقلب خياله، أو لإِملاقه من مباني اللغة وفنون بيانها، فإن في ذلك الفتى ألمعية، وفي ذلك الوطن حضارة، وفي الجامعة الزيتونية والمدارس التي تستمد منها لغة فصحى وبلاغة، وإنما هي وسائل النشاط على الإنشاء والنظم لم يحظ منها الأديب التونسي بمثل ما حظي به الأديب الناشئ على وادي النيل، ولهدوء السياسة وطغيانها أثر في نهضة الأدب شديد، فشأن السياسة القاسية أن تقلب النباهة إلى خمول، وتعيد الفصاحة إلى ما يشبه الفهاهة، وإذا نبت في بيئتها أديب فائق، فإنما هي عبقريته الفذة تسمو به حتى يخرج عن طبائع هذه البيئة ما استطاع. ما برحت النفس مشوقة إلى أن تعلم المدى الذي بلغته نهضة الأدب في وطن ابن رشيق، وابن خلدون، حتى طلع علي كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" صنع الكاتب البليغ السيد زين العابدين السنوسي. أسمتُ النظر في هذا الكتاب، وما انثنيت عن مطالعته، حتى ملكني ابتهاجٌ بطريقة بحثه، وإعجاب بما تجود به قريحة ابن الخضراء، أو القيروان،

стр. 5567

أو الساحل، أو بلاد الجريد. أبتهج لأن أرى في تونس أقلاماً يدق مسلكها، وتنحو فيما تكتب نحو الصراحة، وكذلك صنع مؤلف كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر"؛ فقد أخذ في الوصف والنقد مأخذاً طريفاً، ونحا فيهما نحو من لا يضرب قلمه على مداجاة، وإنك لتقرأ ما يحدّث به عن نزعة الشاعر الأدبية، فلا تحس منه إلا أنه يقصد إلى تصوير ما يراه واقعاً، وانما يترقى فن الوصف والنقد بمثل هذه الأقلام. أُعجبت بما اتسق في الكتاب من أدب موزون؛ إذ آنست فيه معاني وسيمة، وتخييلاً بديعاً، وغيرة على حقوق البلاد، ولا أُحجم أن أقول في كثير منه: إنه وليد عبقرية نادرة. يخبرنا هذا الكتاب بأن نهضة الأدب في تونس أخذت -بفضل نبغائها- تقاوم طبائع العسف والسيطرة الجافية، وإذا كان في يد المسيطر أن يحول بين الجماعة والتطور الذي يجرها إليها الجهل أو الأهواء، فإن التطور الذي تنساق إليه بباعث من الحق لا تقف دونه سيطرة. فخير لمن يضرب على نهضة الأدب حصاراً، أو يشد عليها وثاقاً، أن يدرأ عنها العذاب، ويدعها تمشي في مناكب الأرض، أو تصعد إلى عَنان السماء. يخبرنا هذا الكتاب بأن الزمن ابتدأ يعيد لذلك القطر عهدَ الحصري، وابن رشيق، وما شهدنا فيه من فلسفة وخيال يرمز إلى أن تونس ستفوز باستقلالها الأدبي، ولا ترضى أن يكون لشاعر شرقي أو غربي على أبنائها من إمارة. أما في الموازنة بين من تلا علينا هذا الكتاب شذوراً من أشعارهم، فإن يوم الموازنة بين الشعراء يوم عسير، وهذا ما يتلبث بي أن أورد من مجموعة

стр. 5568

هذه الأشعار طائفة تمثل صفاء الذوق، وسعة الخيال، وجودة التنسيق، وحسبي في هذه الصحيفة أن أقول: إن من يلقي نظرة على كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" نظرة مجردة من كل شيء ما عدا الإِنصاف، لا يسعه إلا أن يذكر تونس في نسق البلاد التي نبت فيها الأدب نباتاً حسناً، وكيف يأبى أن يذكرها في هذا الصدد، وهو لا يستطيع أن ينشدنا لابن عشرين من نابتة الأقطار الأخرى شعراً أرقى من شعر هؤلاء الذين عرض علينا هذا الكتاب مختارات من بنات قرائحهم، وما بلغوا أو برحوا سن العشرين. ولعل السيد زين العابدين السنوسي يكون مرتاح الضمير إذا شاركته فيما دار بينه وبين الأستاذ صالح النيفر من محاورة، ولا خير في تقريظ لا يمثل الصراحة، وإنما الخير في تمحيص بحياة الجماعة وطرق سعادتها من آراء. يقول السيد زين العابدين السنوسي في الحديث عن الأستاذ صالح النيفر: "ولا يتصور صاحبنا إصلاحاً اجتماعياً، ولا حركة سياسية، ولا نهضة ولا حرية، ولا علماً إلا على طريق الدين والزعامة الدينية"، ثم قال: "وقد راجعناه في الأمر، فلم نر له من تقهقر ولا رجوع، فإذا قلت له كلمة في الفروق بين التيارات التاريخية، وإذا ألفته لحوادث العصر في طول البلاد، ومن خط الاستواء إلى القطبين، وإذا عددت له زعماء العالم اليوم، وليس فيهم من يمت إلى التعاليم الدينية بسبب، سد أذنيه عنه، وأعلمك أن الوسط التونسي وسط مسلم، لا يحيا بدون دين، ولا يقاد إلا بزعامته!. أنا لا أذهب في فهم رأي الأستاذ صالح النيفر إلى أنه ينفي عن أمة لا تدين بالإِسلام أن تكون ذات مدنية وقوة وسلطان، أو أنه ينفي عن رجل

стр. 5569

لا يدين بالإِسلام أن يقود أمة غير مسلمة، ويتقدم بها في هذه الحياة إلى غاية، أو يصل بها إلى أن تكون مستقلة، أو مستعمرة، وإنما يريد -فيما يُفهم- أن الإِسلام رسم للاجتماع والسياسة خططاً، ومن يؤمن بحكمة هذه الخطط يرى أن ما لا يجري عليها من الأعمال لا يستحق أن يسمى إصلاحاً، أو سياسة رشيدة، ومقتضى هذا: أن الزعيم الذي يتبع غير سبيل المؤمنين ليس بالزعيم الذي تمنحه الأمة المسلمة ثقتها، وتضع في يده زمام نهضتها، إلا أن تكون قد نسيت حكمة الله البالغة. والتاريخ القديم والحديث يصدق أن ليس من أحد ينال الزعامة على شعب يبتغي الإِسلام ديناً إلا أن يعتقدوا به الإِخلاص للإسلام، وقد شهدنا رجالاً وقفوا موقف الزعامة بين أمم إسلامية، وكانوا يحملون في صدورهم جهالة على الإِسلام، فلم ينشبوا أن بدت هذه الجهالة على أفواههم، وظهر لها لون في سيرتهم، فما كان من المسلمين بحق إلا أن ضربوا بزعامتهم إلى وراء. ونحن لا نتحدث عن زعامة يتمتع الرجل بها أياماً، أو زعامة يلقب بها الرجل على ألسنة طائفة من الناس، وإنما نريد زعامة يرضى عنها أولو الأحلام من الأمة، ويسير بها صاحبها في حزم وأمانة وثبات، وهذه الزعامة لا تستقيم إلا على رعاية ما ينصح به الإِسلام. فمن يتحدث عن حال أمة إسلامية، وقال: لا يصلح اجتماعها، أو لا تنتظم سياستها، أو لا تنجح زعامة عليها إلا أن تكون من ناحية الدين، إنما يريد هذا المعنى الذي اهتدى له طائفة عظيمة من طلاب العلم بالمدارس العالية، فأنشؤوا (لمجمعية الشبان المسلمين) واطمأنت له قلوب طائفة عظيمة

стр. 5570

من طلاب العلم بالمعاهد الدينية، فأنشؤوا "جمعية الهداية الإِسلامية". وبصر به قبل هؤلاء قوم آخرون، فأنشؤوا "جمعية مكارم الأخلاق الإِسلامية". والذي يقول: لا تقوم زعامة في شعب إسلامي إلا على الدين، إنما يقصد إلى أن يأخذ في شرط الزعيم احترام مبادئ الشرع الحنيف، وسواء بعد هذا أكانت نشأته في نحو الأزهر وجامع الزيتونة، أم كانت في إحدى جامعات لندن وباريس. فالمذهب الذي يجعل لإِصلاح الاجتماع والسياسة والزعامة صلة بالدين، هو مذهب كل من وقف على روح الإِسلام، ودرس أحوال الشعوب، ونظر إلى هؤلاء الزعماء كيف يحيون، وكيف يموتون وهذا المذهب -وإن ذهل عنه بعض شبابنا اليوم- فسيدرون أنه أقوم الطرق لإِحراز قوة تبلغ بها الأمة حيث تشاء، وبالأحرى حين يدخل أولو العلم في ملاحم الحياة الاجتماعية والسياسية أفواجاً، ويعبرون عن مقاصد الإِسلام بلسان الناصح الحكيم. والأمل لا يزال راسياً على أن السيد زين العابدين السنوسي سيحقق النظر في صلة الإِسلام بالاجتماع والسياسة والزعامة، حتى تجد منه أمته المسلمة مصلحاً حازماً، كما وجد منه الأدب كاتباً ناقداً مجيداً. والذي يعنينا بعد هذا أن يقدر الشعب التونسي صناعة الأدب، ويدرك فضل الشاعر والناقد، ولا يستهين بمثل هذا التأليف الذي صاغته براعة الماجد السيد زين العابدين السنوسي، فإنه عمل قيم نبيل، وأكبر عامل لإِعلاء شأن الأدب أن يقدر الشعب شعراءه وكتّابه، وأن يكون بالمبدعين من هؤلاء وهؤلاء حَفِيّاً.
следующие страницы →