← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله وعلى نحو هذا جرى ذكر التجارة في معرض الحط من شأنها، حيث شغلت عن طاعة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية، ولما فقد ذلك المعنى العارض ذكرت، ولم يهضم من جانبها شيء، كما في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. فقد أثبت لهؤلاء الكمل أنهم تجار وباعة، ولكنها لم تشغلهم ضروب منافع التجارة عن فرائض الله، وهذا قول المحققين في الآية. أما ما يقوله بعضهم من أنه نفى كونهم تجار أو باعة أصلاً، فخلاف ظاهر الآية، والسر في اختصاص الرجال بالذكر، أن النساء لسن من أهل التجارات والجماعات وما ينبغي لهن ذلك، كما أن تخصيص التجارة من بين سائر أسباب الملك، لكونها أغلب وقوعاً، وأوفق لذوي المروءات، ومما يزداد به هذا المقصد بياناً قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، فقد بين بهاته الآية أن الزينة من علائق العبادة، وأنها غير منافية، وأن العبادة تستدعي الإعراض عن اللذات الحسية المعتدلة، وبالجملة فإن الآيات التي تحث على العمل والكسب كثيرة قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢]. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فالحكيم الخبير من يقدِّر الوقت حق قدره، ولا يتخذه وعاء لأبخس الأشياء وأسخف الكلام، ويعلم أنه أجلُّ شيء يصان عن الإهمال والإضاعة،

стр. 5637

ويقصره على المساعي الحميدة التي ترضي الله وتنفع الناس، وبذلك ينتشر العمران في أطراف البلاد، وتتوفر مواد الصلاح وتنقطع أسباب الفساد، وذلك هو معنى المدنية. أما من كتب على نفسه البطالة، فقد رضي لها بأسوأ الحرف وأخسها، إذ لا صنع لهذا المحترف غالباً إلا التمضمض بكلمات التشنيع والتسخط على ما يفعله غيره، وإن غزرت فائدته، ولا تراه إلا متردداً على المجالس التي تساق إليها بضائع اللغو؛ ليكون أحد الحاملين لأسفارها، ومما يعجب منه أنك تجد الرجل يحسن القراءة، وحواليه كتب مفيدة يمكنه أن يقتبس منها فوائد يستضيء بها صدره من ظلمات الجهالة ولا يفعل، وتجد آخر يتقن صناعة، أو له استعداد لإتقانها، وليس له حركة إلا الانتشار في الطرق، كأنما أوجر على قيسها، ولا توفيق إلا بالله.

стр. 5638

حياة الأمّة (١) لتجدن أشد الناس فتوراً وأضعفهم عقدة في رابطة بني جنسه، من يرى أمة متمسكة بأذيال المدنية ساعية وراءها بحركات تبهر العيون وتدهش الألباب، ترفل في ملابس الرفاهية تحت ظلال عز مكين، ويشاهد أمة أخرى في أسوأ منظر من خشونة الحال وشظف العيش وجهومة المسكنة، ثم لا يسأل الناس إلحافاً عن الأسباب التي ترتفع بها قواعد العمران، والعلل التي تخرُّ بها على عروشها. من الناس من لا يعرف للحياة معنى سوى ما يشاركه فيها أخس الحيوانات، حتى إذا نال طيباً في مطعمه، وليناً في مضجعه، قال: "على الدنيا العفاء"، كان لم يكن آمناً في سربه. فلا وربك إن للأمم حياة وراء الصفة التي تقتضي الحس والحركة، وبها تقف في مصاف المستظلين بسُرادق السعادة. حياة الأمة بتعاضد أفرادها على صيانة سياجها المدني من الاضمحلال، وتدعيم أصوله بيد الإتقان والاختراع. حياة الأمة بنهوض أبنائها إلى قرع أبواب التقدم جهد أنفسهم، رغماً عن أنوف الذين يئسوا منه، ورضوا بأن

стр. 5639

يكونوا مع الخوالف، وطفقوا يدسون في كل مهجة سم الذل والخور، بعد استفراغها من نخوة العز والشهامة. حياة الأمة بانصراف وجهائها إلى توفية المصالح العامة حقها وإيثارها على مصالحهم الخاصة، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله. حياة الأمة بتحمل كل طائفة منها حظاً عظيماً من وسائل لوازمها البدنية والعقلية، وسدِّ كل ثلمة من الحاجات ما تزايدت، ولنضرب لذلك مثلاً: الفلاحة التي هي أقدم الصنائع وأجداها نفعاً، عبارة عن عمارة الأرض، باستصلاحها واستثمار نباتها، فإذا أمعنا في الأعمال التي تتألف منها هذه الصناعة، وهي إثارة الأرض، وازدراعها وعلاج النبات، وتعهده بالسقي والتنمية، إلى بلوغ غايته، ثم حصاده واستخراج حبه من غلافه، رأينا في مباشرتها ضروباً من المعاناة لا يهون على العملة اقتحام أخطارها إلا رجاؤهم لاستدرار خيراتها من بعد، فإذا استحدثت آلات جديدة، وابتكرت طرق تخفف وطأة تلك المصاعب، وتعظم بها نتائج الاستغلال، أفلا يجدر بنا أن نضرب فيها بالسهم الوافر طبقاً لما أمرنا به من الاقتصاد في الأموال، وتربية فوائدها، والتباعد عن الحرج والمشقة ما استطعنا لليسر سبيلا؟. ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها، يعلم أن الأعمال الاعتيادية مدار أحكامها على رعاية المصالح وجوداً وعدماً، فلو لم تقم نخبة من أهل النهضة، يغتنمون استجلاء تلك الطرق وتعليمها لأبناء الوطن، مجاراة لمن اتخذها وسيلة لاستعمار الأرض فكملت بها قوته، وازداد بها ملكه وثروته بسطة، لبقيت خدشة في وجه الجامعة الإسلامية، وهكذا سائر الصنائع التي تمس الحاجة إليها، ينبغي الأخذ فيها بالطرق التي هي أيسر كلفة وأربى

стр. 5640

فائدة، وقد حكم العيان بأن الآلات الجديدة خففت كثيراً من الأعمال التي لا تبلغ غايتها إلا بشق الأنفس. الحاجات التي تعتري هذه الجامعة، يقوم بسدادها كل فرد مما عدا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وينقسم القائمون بذلك السداد إلى أربع طبقات: الطبقة الأولى: طائفة تدبر أمور الرعية بحفظ حقوقها عن الضياع، ويبلغ ذلك الحفظ أشده بالفحص عن المفاسد لتقتلع جراثيمها، والبحث عن المصالح لتقام أركانها على أسس ثابتة. الطبقة الثانية: طائفة تتميز بنشر المعارف بعد أن يشدّوا عراها بمثقف الفكر، ويطووا عليها كشح التحقيق، ويسيروا بالتعليم في طريق معتدل؛ لكيما تصل حركاته السريعة بالمتعلمين في وقت وجيز إلى الرتبة الكافية لمن اقتصر عليها، سواء في ذلك علم الحلال والحرام، وما يستعان به عليه كعلوم العربية والحساب والهندسة، أو العلوم التي تعود على الوطن بعوائد الثروة وتحسين الحال كالصنائع، فإن تعلمها فرض كفاية أيضاً. مع تجمل المعلم بالتؤدة والأناة التي هي سمات النبوءة والتلبس بمكارم الأخلاق تلبساً علمياً فإن ذلك نوع من التعليمات التشخيصية التي هي أقوى تأثيراً في النفوس المستعدة لانطباع الكمالات، وأفٍ ثم أفٍ من التصنع في الهيئات الذي ينحرف بصاحبه عن خطة أهل المروءات والآداب. الطبقة الثالثة: طائفة من أرباب اليسار، تدير دولاب التجارة بترويج المصنوعات وتصريف المحصولات. الطبقة الرابعة: طائفة عظيمة تتصدى للاشتغال بالصنائع وتجويد

стр. 5641

صنعتها، وبمقداره يرتفع شأنها ويزخر نفاقها، ولا يتسنى إحكامها بأخذها عن أربابها الماهرين، وينبغي أن يكون غالب أهل البلد هم أهل هاته الطبقة، لأن الصنائع هي العنصر الذي تقام عليه سوق التجارات ومعظم أسباب العمران. إن قلت: مَنْ المستضعف من الرجال الذي لا ينتظم في سلك هذه الطبقات؟ قلنا: رجل يجب على من جرت في عروقهم دماء الغيرة على حياة جامعتهم أن ينكثوا منه الأيدي، وهو كل من ضربت على نفسه ذلة وصغار، حتى تخدرت مشاعره، وأصبح كالعضو الأشل متعلقاً ببني جلدته، الذين هم كالجسد الواحد في التآزر على إحياء مجد آبائهم السابقين الأولين دون مبالاة بطعن طاعن، أو انتقاد منتقد، فتهرع الألسن لنشر مفاخرهم، وتستبق أقلام الكرام الكاتبين لنشر مآثرهم جزاء بما كانوا يعملون.

стр. 5642

التّربية (١) ألم يأن للذين آمنوا أن تكون لهم آذان صاغية وقلوب واعية، فيستجيبوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم! يحييهم كتاب الله إذا تشبعت عقولهم بأنوار مواعظه الحسنة، وإرشاداته الصحيحة، وارتبطوا بالعمل به ارتباطاً يهن كيد المردة عن نقض عراه، حتى إذا رسخ في أذواقهم طعم شجرته المباركة، استقذروا ما ترميه أفواه الذين اتبعوا أهل المدنية الحديثة المصفدين بأغلال التقليد لهم في كل مثال جديد. ذلك التقليد الأعمى، علته سوء التربية الأولى، وعدم ارتواء النفس من أول النشأة بمحاسن الشريعة الغراء، ومن ثم كان الغالب على من شبّوا في كفالة المقدِّرين لها حق قدرها علماً وعملاً، شرف الوجدان وسلامة القصد، والاستماتة في مدافعة الشُّبه التي تحركها استحسانات النفوس الكدرة، ولعلك تتلو قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] فتجد المنكرين عليها فيما اتهموها به، أرادوا بنفي البغي والسوء عن أبويها المبالغة في توبيخها عما يراها الله منه تنبيهاً على أن من كان أبواه صالحين ليس من شأنه التجرد عن طورهما والتردي بغير ردائهما، وما كان ينبغي له إلا أن يسلك سنن أعمالهما الصالحة شبراً بشبرٍ وذراعاً

стр. 5643

بذراع، كما أنك تجد أكثر الناشئين في جحور السفلة، أو من أطلقت حبالهم على غواربهم زمن الحداثة في أفظع حال من فساد الأذواق، وعدم الخضوع لسلطة الأحكام الدينية، والانخداع بالظواهر المزخرفة عن الغوص على الحقائق التي لا يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم من الحكمة. تَعجَبُ العامة لرجل يبرع في فنون كثيرة، ويبدع في التصرف في مباحثها المشكلة، فيفرغها في قالب التحقيق، حتى إذا فاوضته في أي علم منها، خيل لك أنه الواضع لأصوله، ولا تلبث زمناً يسيراً تجس نبض أخلاقه إلا وجدت فيها عوجاً وأمتاً، أما الفيلسوف النقّاد فلا يرى ذلك شيئاً عجاباً للنكتة التي لوَّحنا إليها، وهي سوء التربية الأولى، والدليل على ما نقوله أن الصبي يولد على الفطرة الخالصة والطبع البسيط، فإذا قوبلت نفسه الساذجة بخلق من الأخلاق، انتقشت صورته في لوحها، ثم لم تزل تلك الصورة تمتد شيئاً فشيئاً إلى أن تأخذ بجميع أطراف النفس، وتصير كيفية راسخة فيها، حائلة لها عن الانفعال بضدها، يؤيد هذا أنَّا إذا رأينا من الغرباء من هو لطيف الخطاب، جميل اللقاء، مهذب الألمعية، لا نرتاب في دعوى أنه ممن أنبته الله في البيوت الفاضلة نباتاً حسناً. ومن الناس من يدرك أن التقام الأطفال لثدي التربية، مما يؤثر في نفوسهم إصلاحاً عظيماً، ولكن فرط الرأفة الذي ينشأ من التغالي في حبهم، يكسر من صلابة الآباء شيئاً كثيراً، فيدفعهم عن مكافحة طباع أبنائهم الرديئة ومقاومتها بالتأديب، وينفض بهم ذلك الإهمال إلى التنقل في مراتع الشهوات الزائغة. كلّا هذه رأفة غير ممزوجة بحكمة. التنقل في مراتع الشهوات، تتولد عنه نتائج وخيمة، تثير بين الآباء والأبناء من النفرة والتباعد بمقدار ما كان

стр. 5644

بينهما من الحنان والمقاربة، وتصير بهم إلى أن تضرسهم أنياب الاضطهاد، وتدوسهم أقدام الامتهان. لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يفتك من الصبي سائر إرادته، ويسلب منه جميع عزائمه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب. إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام، فيكون ألعوبة بيد معاشريه، كالكرة المطروحة بينهم يتلقفونه رِجْلاً رِجْلاً، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون. التربية النافعة ما كانت أثراً لمحبة يطفئ البأس شيئاً من حرارتها، وصرامة تلطف الشفقة نبذة من شدتها، وهي التي يستوجب بها الوالدان دعاء الولد بقوله: "رب ارحمهما كما ربّياني صغيراً"، ولما كان الابن مثالاً لمن جعله الله عليه كفيلاً ومظهراً لآثار تعود على وليه بكِفْل من جزائها، فما بالنا لا نرسم في طباع أبنائنا أشكالاً محمودة، تمثل لمن بعدنا هيئة ما كان عليه سلفهم الصالح، عوض أن ننقشها لهم في عمد ممددة أو خُشُب مسندة؟! وخاتمة المقال، إن تعميم التربية بين طبقات الأمة شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائف تاريخها بسواه.

стр. 5645

التّقدم بالكتابة (١) الأمة عبارة عن نظام يتألف من أفراد شتى، تجمعها جهة واحدة كالجامعة الدينية أو الوطنية، ولا يلزم في استمرار حياتها واستقامة بنيتها أن تتناسب أفرادها كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، بل تتفاوت رتبهم رفعة وحطة، وتختلف إرادتهم في التفنن على جلائل الأعمال وصغائرها. سنّة الله في الذين خلوا من قبل، ولا يؤدي ذلك التفاوت والاختلاف إلى انتهاك قواها وانشقاق عصاها، ما دام أولو القوة منها، وهم علماؤها ذوو الأفكار الرشيدة، باذلين جلَّ عنايتهم وأقصى مجهودهم في تقويم المعوج من أخلاقها، وتعديل الزائغ من عقائدها، والنهي عن البدع المذمومة بألسنة من يُعتدُّ بهم في الدين، والتنفير عن العوائد التي ترتعد من هجنتها فرائص أهل البصائر، غير مشتبه عليهم ما يُهيِّج الفتن ويُحرِّك سواكن المزعجات فيتجنبونه، وما يتأيد به حق أو يدمغ به باطل فينتهزون فرصته، مع الاستطلاع على غايات ما ينشر من المصنوعات المبتدعة والفنون المخترعة، ليرتبوا أحكامها على قواعد راسخة، فما اشتمل على مصلحة شيَّدوا له ذكراً، ورفعوا له شأناً، حتى تتناوله جمهور الأمة بصدور سليمة من عقدات التحرج، وما شابه أن يكون مفسدة أو لا نتيجة له إلا الاستغراق في فضول الحضارة،

стр. 5646

أسرعوا إلى إطفاء نيرانه قبل تسعُّرها صيانة لوجه المدنية الكبرى من أن تغشاه غبرة أو ترهقه قترة، وقياماً بحق الوراثة المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة، وهم على خبرة أيَّدهم الله، إن هذه المقاصد التي صعَّدنا إليها النظر، لا تنفك عنهم تبعتها إلا بإفراغ الجهد في التجاهر بما لها أو عليها، ولا أرفع صدى وأبعد مدى من لهجات أقلامهم المرتاضة، ونفثاتها الفعالة في النفوس الآخذة بمجامع القلوب. وبذلك يتجلى في عالم الشهادة ما لساداتنا العلماء من الشرف الرفيع والمقام المحمود، ويعلم المستخفون الآن بحرمتهم، أن خطتهم أفسح مجالاً من أن تقتصر على حكاية ما بين دفتي كذا، مع التماوت في ثوب الخمول والإعراض عن النظر في كل ما يُعدُّ ظاهراً من الحياة الدنيا، وعدم الاعتبار بما تضعه بطون الليالي من الحوادث الجليلة، وفي عناية الذين أوتوا العلم بشأن الكتابة مآرب آخرى. منها المحافظة على ما للإنشاء العربي من الأساليب المؤثرة على الأذهان، وإحياء ما اندرس من آيات سحر بيانها، وفي ذلك أخذٌ بيد الخلف إلى حيث يقفون تجاه قوم سروا في مضمار هذه الصناعة شوطاً بعيداً، ولقد نعلم أنهم لم يقيموا جدار هذا الارتقاء باستعداد زائد في فطرتهم، أو لقوة فائقة في إنسانيتهم، أو لسر خصَّه الله بأقلامهم، وإنما سلكوا مسلك الحزم والنشاط، فمسحوا عن أعينهم نوماً كان شره مستطيراً. هم رجال ونحن رجال، أقلامهم من القصب الذي ننحت منه أقلامنا، ولا يحملونها إلا بمثل أناملنا قوة وشكلاً. أما مدادهم فمن نوع ما نكتب به الحروف الهجائية لصبيان المكاتب، وأما محابرهم فليست غير تلك الظروف التي نبتاعها من الزجّاجين، ولنا أن نتخذها

стр. 5647

زجاجات كأنها قوارير من فضة، وأما ورقهم الذي ينشرون فيه ذلك الطراز البديع فها هو ذا بين أيدينا لم ندرك فرقاً بينه وبين ما يضع فيه الباعة سقط متاعهم، ويكأنهم تقدموا وتقاعدنا، وافتكّوا عزائمهم من سلاسل التكاسل وأغلال التواني، واستماتت هممنا تحت إصرها الثقيل، ونحن بما عندنا راضون، ويقول بعض الملأ الذين استكبروا لمثل ذلك السكون فليعمل العاملون. وههنا نكتة أخرى نستأذن حضرات القرّاء في إرسالها، وهي أن بعض الشعب يريد كل أمرئ منهم أن لا يصدع بكلمة حتى يتسلمها جميع من في العالم بيد القبول والاحترام، وإلا فلا يكلم بها إنسياً خشية أن يسترق الشياطين سمعها، علة ذلك أن قلوبهم مستضعفة لا تتجلد بالمصابرة على سهام الانتقادات الراشقة، يود الكاتب أن يخر من السماء فتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، ولا يبدي رأياً ترده النقاد على عقبه، لما يُقدِّره من أن دحض رأيه ولو مرة تسقط به جلالته من أعين الذين يتهيبونه، مع أنه كثيراً ما يحكم على بعض الجهابذة بعدم الإصابة في عدة مسائل، ولا يهضم ذلك من جانب عظمتهم شيئاً. ولا يختلج في ضمائرنا أن تلك الأمة التي تقدمت في طريق الأدب شعراً وكتابة، بمجرد ما تنبهوا بعد ذلك السبات المديد، انتصبوا قائمين على هذه الصورة التي نشخِّصهم بها اليوم، حتى نستصعب أن نكون غداً أو بعد غد واقفين حيالهم، ويقودنا هذا الاستصعاب إلى التمسك بحبال اليأس والقنوط والزهد في رقيهم الأسمى، بل نستيقن أنهم لم يصلوا إلى هذه الدرجة القصوى إلا بالتنقل في طريقها رويداً رويداً، ومجاهدة مصاعبها

стр. 5648

شيئاً فشيئاً، في أزمنة متسعة. ونحن نُؤمِّل من أبناء وطننا العزيز، أن ينزفوا غلالة جهدهم في تحرير الموضوعات المفيدة كتابة، كما صرفوا إليها وجهتم تدريساً، ويعدّوا لنبال الطعن والانتقاد ما استطاعوا من ثبات وقوة الجأش، وُيرضخوا شوكتها بالإغضاء وعدم الاكتراث برماتها "وأنا الكفيل بأن تعود حياتهم". ولقد امتلأت صدورنا جذلاً حين استهلت في وجوهنا تباشير رسائلهم العلمية والأدبية، ويوشك أن يعقبها صباح يزيد شعور إخواننا تنبهاً وعواطفهم رقة، فيكتال لهم التاريخ من جميل الذكر ما يكتاله للأمم المترقية، ويوفيهم الله أجرهم بغير حساب.

стр. 5649

مدنيّة الإسْلام والعلوم العصريّة (١) خذ أيها الباحث الحكيم بمجامع نظرك السديد، وجل به جولة بديعة الإحاطة في قوانين الشريعة المقدسة، التي نعت بها الكتاب العزيز. وأرشدت إليها السنة الثابتة، ثم ارجع البصر كرتين إلى الأسباب، أسباب ارتقاء الأمم الحية وبسطها أجنحة الاستعمار في الأرض، ولتكن هكذا كل ذرة من ذرات جسمك عيناً تبصر وأذناً تصغي وفؤاداً يذكر، إلى أن تتأصل في صدرك شجرة الحكمة البارعة، وتتفرع أغصانها تحت طي لسانك، وهلم إلينا من بعدُّ نتجاذب أطراف الأحاديث بيننا بقسطاس صحيح، ولهجة صادقة لا تدخل على الأَحكام إلا من باب الإنصاف، لكيما نعلم عين اليقين أن لا سبيل إلى استيفاء لوازم الحياة الاجتماعية إلا بإقامة قواعد الدين على الوجه الذي اهتدى إليه الخلفاء الراشدون ومن كان على شاكلتهم من السلف الصالح، وهو المثال الذي لا بد لنا من محاذاته ولو بعد حين من الدهر، لأنهم أبناء العصر الذي نزل فيه القرآن، وأُخوان اللغة التي ورد على أساليبها، فهم أعرف بمساقاته وأعرق في فهم مغازيه ممن سواه. ما تسنى لهم انتهاج تلك الطريقة الواضحة إلا لخلو جامعتهم على

стр. 5650

سعة دائرتها من طائفة تجهل ماهية الحياة الصالحة، وقفت عرضة في وجوه الخلف تسد عليهم طرق العلم بأسباب الانتظام في شؤونهم السياسية والمعاشية، حتى توهم ذو بصيرة عشواء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان، ولربما رجفت هذه الراجفة في صدور ضعفاء الأحلام من الناشئة الحديثة. ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً!! أي مدنية قويمة لم يكشف الإسلام غشاوتها أو حضارة نافعة لم ينشر بين إخوانه لواءها؟ تسابقت الدول في طباق العمران، بمعرفة العلوم الرياضية التي من فروعها الحساب، والمساحة، وعلم التكسير، وعلم رفع الأثقال، وعلم الحيل المائية والهوائية، والمناظر، والحرب، والهيئة، والميقات، والفنون الطبيعية التي من فروعها علم الفلاحة، وعلم المعادن، وعلم الطب وفروعه، ومن كان على بيِّنة من الشريعة القيِّمة عارفاً بغايات هذه الفنون لاسيما في مثل هذا العصر الذي كشف عنَّا الغطاء وأرانا من نتائجها ما أرى، لا يسعه إلا استلحاقها بالعلوم الإسلامية، لتستخدم في بعض الشعائر المفروضة، ويتطرق بها إلى اغتنام السعادة في الدنيا التي هي الكافل للسعادة الأبدية. ولقد فعل ذلك ذوو الفطر السليمة من علمائنا الذين لم ينكثوا أيديهم من التأسي بذلك السلف في التمتع بلذة النظر، وأخذ الأشياء النافعة من أي وجهة صدرت، فمحصوها بتطبيق أصول الديانة عليها وغرسوها في معادن معارفهم العالية، فربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولقد أعجب من سوانا نباتها، فاستمالوا إليهم غصونها، فاستحكمت جذورها عندهم، واجتنوا منها ثمراً لذيذاً. شهد الله أن ليس الغرض من ترديد صدى هذه الجملة الأخيرة على الآذان نشر فضيلة كانت مطوية، أو الإعلان بمنة قوبلت بالكفران، كلا

стр. 5651

ثم كلا، إن ذلك لا يجدي نفعاً ولا يطفئ لوعة، بل المراد إيقاد نار الغيرة على استرجاع ما أورَثَنَاه آباؤنا الأولون. وليست العلة في تجافينا عن هذه الفنون وعدم تعهدها بالتنمية إلى أن أصبحت بضاعتها لدينا مزجاة، إلا ما خيل إلى بعض الجاهلين بحقائقها من أنها حية تسعى، تساور الأفكار فتلسع عقائدها الصحيحة: واذ امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يُجَرُّ حبلٌ يفرق ثم سرت عدوى ذلك الوهم إلى إحساسات كثير ممن يظن بهم القيام بأحمالها الخفيفة، ولربما تحاشى عن تعاليمها بعض العالمين بما فيها من المنافع، رهبة من إساءة الظن به واتهامه بالإلحاد الذي تزعم العامة أنه منقوش على كل سطر من صحائفها. هذا مع إخلادنا إلى الخمول إخلاد مهيض الجناح إلى الأرض، فلا تتطاول أعناقنا أو تشخص أبصارنا إلى الاستطلاع عن الوسائل التي تأخذ بساعد الأمة إلى التدرج في طبقات السؤدد والاستعلاء، فنسعى لها سعيها. ومن الناس من أُشربوا في قلوبهم اليأس والقنوط، فلا يرجون للإسلام تقدماً، فيميتون في أنفسهم كل قوة واستعداد، ويثبطونها عن المجاراة في مثل هذه الفنون، مما يُستجلب به مصلحة أو يدرأ به مفسدة، فإذا سمعوا منادياً ينادي لمراجعة التفاتنا واستدراك ما فاتنا، نغضوا إليه رؤوسهم سخرية، كأنما تطلَّبّ نشر الأموات أو كلَّفهم البلوغ إلى أسباب السماوات. سبحانك هذا ضلال مبين ننفذ له ماء الشؤون ونأسف له أسفاً أليماً. كما أن بعض المتدربين في هذه الفنون، قد يأخذهم التعاظم شأن المقلد الأعمى إلى أن يلقوا على أفواههم كلمات يهتضمون بها جانب العلوم الدينية

стр. 5652

ومستتبعاتها، يرددونها بكل مكان، ويلوكونها لوك الخيل للشكائم صباحاً ومساء، غدواً ورواحاً، ويريدون أن تردى الناس جميعاً في أسواء الجهالة بها. أبمثل هاته الإرادة ينفخون في عروق الأمة حياة جديدة؟ أو لم يشعر هؤلاء بأن علوم الديانة هي عنصر المدنية الكبرى؟ ولماذا لا يقتدون بأهل النجارة والحياكة والفلاحة وسائر الصنائع؟ فإنهم على علم "أعانهم الله " أن الهيئة الاجتماعية لا يستقيم أودها إلا بحركاتهم اليومية، ولا يحومون حول هذه الآراء العقيمة التي لا تصدر إلا ممن حرم نظره من التعلق بما وراء هذه الدينا. اللهم ألهمنا طريقة عادلة يستوي على ظهرها القيِّم السائرون في مضيق الإفراط والخابطون في مهامه التفريط.

стр. 5653

مدنيّة الإسلام والخطابة (١) أتى على هذا العالم حين من الدهر، ومعظمه تحت قبضة دولتي الفارسيين والرومانيين، لا يخشون فيه منازعاً ولا يهابون معارضاً، وذلك قبل بعثته ﵊ بنحو ثلاثة قرون، وانتشبت خلال هذه الأزمنة المستطيلة والآماد البعيدة بين هاتين الدولتين حروب دموية كان شررها مستطيراً، ولم تأخذهم بأبناء جنسهم المُكرَّم رأفة تغل أيديهم عما أرهقوهم به من الخسف والعدوان، وساموهم به من سوء العذاب الذي كانوا يصبُّون صواعقه على رؤوسهم صبّاً متوالياً. انقسمت دولة الرومان سنة ٣٩٥ مسيحية إلى قسمين: قسم في الشرق، وعاصمته القسطنطينية، وقسم في الغرب وعاصمته روما، وبعد هذا التقسيم بنحو ثمانين سنة، منيت الدولة الرومانية الغربية بغارة شعواء شنتها عليهم البرابرة، اندفعوا عليهم من آسيا اندفاع السيل من عل، فأيقظوا في قارة أوروبا فتنة رمت بشواظها ذات اليمين وذات الشمال، وعاثوا فيها بأضرُب الفساد وأنول البغي، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعل المتوحشون. كل ذلك يُفصِّله لك التاريخ بتبيان لا يشوبه غموض، ويذكرك بأيامه

стр. 5654

الخالية تذكرة نافعة. ولم تزل تلك الفتن قائمة على سوقها، والجهالة المظلمة ضاربة أطنابها بمشارق الأرض ومغاربها، إلى أن انفتحت في الحجب المحدقة بأنوار الحضرة المحمدية كوة نفذت منها بوارق لمعت في جزيرة العرب أولاً، ثم انبعثت منها أشعة إلى سائر أطراف المعمورة، فقشعت ببهرتها سحائب الهجمية الغالبة، وأخمدت نيران الضلالة المرهقة، وإن المنصفين من مؤرخي الإفرنج على ذلك لمن الشاهدين. قال أحد فلاسفتهم وكتّابهم "شارل ميسمر" في كتابه "تذكار العالم الإسلامي": "الإسلام أفاد العالم، فيلزم أوروبا أن تحافظ على حياة أهله". وقال المسيو "دروي" أحد وزراء معارف فرنسا السابقين في كلامه على الأمة العربية -نقلته إحدى المجلات المصرية-: "وبعد ظهور النبي ﷺ الذي جمع قبائل العرب أمة واحدة تقصد مقصداً واحداً، ظهرت للعيان أمة كبيرة، مدت جناحها من نهر تاج في إسبانيا إلى نهر الغانج في الهند، ورفعت على الإشادة أعلام التمدن في أقطار الأرض أيام كانت أوربا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة"، ثم قال: "إنهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الأمم، وانقشعت بسببهم سحائب البربرة التي امتدت على أوروبا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين، ورجعوا إلى الفحص عن ينابيع العلوم القديمة، ولم يكفهم الاحتفاظ على كنوزها التي عثروا عليها، بل اجتهدوا في توسيع دائرتها، وفتحوا طرقاً جديدة لتأمل العقول في عجائبها". ولعلك بعد أن تصغي إلى هذه الشهادة التي لا تختلج بريبة، تنفث في

стр. 5655

روعك، ما لنا نرى إخوان الإسلام بمعزل عن سعادة الحياة وراحة العيش، يوم أصبح غيرهم يتقلب في سعة الملك وبسطة من الرفاهية، فنجيب: "تأمَّلْ جيداً بصَّرك الله أن الوادي الذي يهيم فيه المسلمون لهذا العهد غير الطريقة التي سنّها كتاب الله وشرحت وجهتها السنَّة الصحيحة. ما عليه غالب المسلمين الآن إنما هو مثال ينطبق عليه ما توسوس به الكتب المحشوة بالترهات الباطلة والخرافات التي تؤثر في العقائد والأخلاق خمَّة وفساداً، ككتاب "ألف ليلة"، وقصة "عنترة"، وقصة "فتوح اليمن"، وكتاب "أعلام الناس"، وكتاب "قصص الأنبياء"، المنسوب لأبي منصور الثعالبي وكتاب "مجاني الأدب"، وبعض كتب المواعظ والتفاسير المملوءة بالأحاديث الموضوعة وقصص الاسرائيليين. هذه الكتب وأشكالها هي الآن أكثر انتشاراً بين عامة المسلمين من الكتب المعتمدة، ويحسبون أن ما فيها هو من التعاليم الدينية، ولا يدرون بأنها فتحت علينا باباً من الغواية وآخر من المعرَّة لا يسدهما إلا البراءة منها وحرقها أينما وجدت، ولو طهرنا أفكارنا مما اشتملت عليه هذه الأسفار من القاذورات، وأفرغنا فيها من التعاليم الثابتة والآداب الحقة وابلاً غزيراً، لأثمرت في جوارحنا أعمالاً صالحة نستوفي أجورها مرتين. من المسؤول أولاً عن هذا الانقلاب العظيم الذي أودى بالمسلمين قاطبة إلى مرارة العيش وكدر الأنفس وهم لا يشعرون؟ هم ساداتنا العلماء، فإنهم تنازلوا عن شيء كثير من خطتهم، وضيَّقوا في نطاقها إلى حد لا يسع إرشاد الأمة وإصلاحها، ولا ينكر ما حدث منذ أزمنة غير قريبة، وامتدت سلسلة تعسة وشقاية لهذا العصر من اتخاذ بعض المتردين برداء العلم اسم الدين شراكاً يقتنصون به مآربهم الشخصية، ومنهم

стр. 5656

من تختم المطامع والجشع على أفواههم فيكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمناً قليلاً، والذي يتولى أكبر هذه المسؤولية خطباء المنابر، فإن كثيراً منهم غيّروا الخطب تغييراً فاحشاً كاد يخرج بها عن دائرة حكمتها التي شرعت لها. شرعت الخطب للإرشاد إلى ما غايته راحة في الدارين وسعادة في الحياتين، وما مثل الخطيب في قومه إلا كمثل الطبيب الحكيم يسلم إليه شخص ليتكفل بالمحافظة على صحته، فلا يمكنه توفية هذه المحافظة حقها إلا بتفقد بدن ذلك الإنسان وتعهده في جميع الأزمنة، فإن طرأ على بنيته اعتلال أو مزاجه انحراف بادر إلى معالجته بدوائه المناسب له، وإلا فشأنه التحذير مما تتولد منه العلل وتتعفن به الأخلاط. وكما أن الطبيب لا يخص مراقبته بالأعضاء الرئيسية الدماغ والقلب مثلاً، ويترك ما عداه غير مأسوف عليه، كذلك الخطيب لا يقف بتذكرته النافعة عند حد العبادات المحضة، فإن التمكن من القيام بقواعدها له شروط ووسائل لا يتم إلا بها، فلا بد من استلفات الأنظار إلى استجماعها والتنشيط إلى الاستعداد فيها، ومن هنا وجب أن يكون الخطيب بحاثاً عن أحوال الأمة، متفطناً لمصالحهم الدينية والدنيوية. إنْ أدركَ الناسَ فتورٌ عن إقامة شعائر الدين استمالهم إليها ببواعث الترغيب تارة، وقرعهم بسيوف الترهيب تارة أخرى، وإن تخبطتهم شياطين التدابر والتخاذل، عوذهم من شر عاقبتها الوخيمة برقية الآيات والأحاديث التي تحيى في نفوسهم عواطف المحبة والائتلاف، وإن آنس من أخلاقهم عوجاً وحيفاً كعدم الصدق في المعاملات والتظاهر بالمداهنة والنفاق بشبهة

стр. 5657

أنها دهاء وسياسة، عالج استقامتها بمواعظه الحسنة وفي المواعظ شفاء الصدور، وإن خامر عزائمهم داء الفشل والتلذذ بالراحة الوقتية فقيَّدا سواعدهم عن أعمالهم الصناعية التي بلغت بها الأمم التي يضرب بها المثل في القوة والسيادة مبلغاً عظيماً، استنهضهم بلسان الشريعة السامية للمسابقة في ميدانها والمزاحمة على إحراز غاياتها، وأنذرهم سوء المنقلب الذي ينقلب فيه البطالون.

стр. 5658

كبر الهِمَّة (١) جرت سُنَّة الله في خلقه، أن لا ينهض بأصر المقاصد الجليلة، ويرمي إلى الغايات البعيدة، التي يشد بها نطاق السيادة الكبرى، غير النفوس التي عظم حجمها، وكبرت هممها، فلم تعلق إرادتها بسفاسف الآمال. ولذلك لما بُعث ﵊ لإسعاف الأمة بجميع وسائل الحياة الأدبية، أنشأ يؤسس مبادئ العزة والكرامة، ويعبر عن مكانتها الرفيعة باليمين والشمال، فاجتث من الأنفس شجرة الذلة من جذورها، وأعتق رقابها من الاستكانة مخافة أن تهوي بها إلى أدنى درجات الضعة والدناءة، ولم يأل جهداً في إجراء دم الشهامة وكبر الهمة في عروقها الميتة، حتى أخرجها في قالب الكمال، لا تتردد إلا على أبواب الفضائل، ولا تبسط ساعديها إلا لمبهمات الأمور. أليس من الإيماء إلى هذا الخالق العظيم النهي عن السؤال لمن وجد طريقأ عملياً للاكتساب؟ في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لياخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله، أعطاه أو منعه".

стр. 5659

ومن أحكام الشريعة إباحة التيمم للمكلف وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنقص حظاً وافراً من أطراف الهمة الشامخة، ومنها عدم إلزامه باستهابة ثوب يستر به عورته في الصلاة، وأبيح له أن يصلي عارياً صيانة لضياء وجهه من الانكساف بسواد المطالب، وليحذر الذين يحاولون الوصول إلى هذا الخلق الأسمى، أن يهرعوا إليه من طريق يدع التواضع دبر آذانهم فيعودون كما بدؤوا. ليس من كبر الهمة الترفع عن الرجل يبسط لك وجهاً رحباً ويمنحك لساناً رطباً، وتشهد لك ألمعيتك الوقادة بمطابقة ظاهره لما يكنّه ضميره، بل ذلك نفور من النفس وجموح إلى جهة العلو بغير انتظام وهو ما نسميه كبراً. ماذا يردع النفوس عن أن تُرى حيثما نهى الله، ويغلق في وجوهها أبواب الفسق والملاهي؟ كبر الهمة. ماذا يقبض من الأيدي ويسد اللهى عن ابتلاع ما يدلي به الظالمون ليأكلون فريقاً من أموال الناس؟ كبر الهمة. ماذا يوحي إلى الرجل أن يقيم لسائر تقلباته وزناً بالقسط، حتى إذا جستها يد الناقد الحكيم لم تجد في حركاتها طيشاً عن الأغراض التي ترمي إليها ذوو العقول النيرة؟ كبر الهمة. كبر الهمة يعقد الألسنة عن الانطلاق في مجاري التملق والمداهنة، ويصفد الأقدام عن غشيان المنازل التي لا تطأ فيها على بساط الاحترام والحفاوة، كبر الهمة يصيِّر العالِم الأمين عوداً مراً ومكسراً صلباً يقف للمبتدعين المرجفين موقف الشجى بين الحلق والوريد، ويصارعهم بقول

стр. 5660

الحق الذي تشتد عراه على أكنتهم إبراماً، كبر الهمة يستفز الموسر الكريم إلى أن يقول بمال الله الذي أتاه هكذا وهكذا، متحرياً به مصارف المبرات التي تقربه إلى الله زلفى. يقف أحد أمام بعض الكبراء، فيسترسل في مخاطبته بثبات جأش وسكون في الأعضاء ومهل في القولِ، ويعقبه آخر ليقوم مقامه فيرجف فؤاده وترتعد فرائصه ويتعثر لسانه في أذيال الفهاهة، فهل يختلج في ضمير ذي عقل رشيد، أن الأَول اتسم بالقحة المذمومة، والآخر طبع على الحياء المحمود؟ معاذ الله، إنما هو كبر الهمة وضعفها، كبر الهمة وضعفها يمثلان لك الإنسانية بالسلك الذي ينظم خرزاً كثيراً تباينت معادنها شرفاً وحطة، واختلفت مناظرها سماجة وجمالا، فمن الناس من تسمو بهم نفوسهم إلى الوقوف على أسرار الهداية، فيتقلبون في أبوابها، ويتمسكون بأسبابها إلى أن تعرج بهم إلى الأفق الأعلى، فيحلون من العلم بطرقها محل القطب من الرحى، وهذا الفريق هو الذي تستضيء الأمة بانوار عقولهم، وتتوكأ على كواهلهم القوية، ولا ينوء بهم عبؤها الرزين، فيخطون بها سراعاً إلى مجادة شامخة الذرا، ويوقدون في كل شعبة منها سراجاً منيراً، ومنهم من تتضاءل هممهم حتى يتمكن الذبول والخمول من نواصيهم، فيزلقان بهم إلى الحضيض الأسفل من الحطة والرذالة، وتمحى من إحساساتهم آيات الشعور ورسوم العواطف التي يكون بها الإنسان رجلاً حقيقياً، فينشرون الخبائث نشر الفريق الأول للأفعال المحمودة، وتقهقر الأمة وشقاؤها بمقدار ما يتناسل فيها من مثل هؤلاء الأرذلين. تجد الذين تربوا على مبدأ الإذلال والإهانة، يحبون أن تشيع فاحشة الذلة في إخوانهم الذين آمنوا، فيتغالون في إطراء كل من تزمل بثياب الهوان

стр. 5661

وخفض لهم جناح المسكنة، وإنها لإحدى العلل التي نُخرت منها عظامنا من قبل أن يدركنا الموت الذي يجعلنا من أصحاب القبور. أما الحر الذي ربي في مهاد العز، وفطر على كرامة النفس، فإنه لا يرفع إلا من شأن شريف الهمة، الناسج على مثال العزة التي هي من شعائر الإيمان. وإذا استبنا أن كبر الهمة سجية من سجايا الدين، تصدر عنها الأعمال العظيمة، وتضم تحت جناحيها فضائل شتى، فلم لا نعقل عليها نفوس أبنائنا ونرشحهم بلبانها في أدوار تربيتهم الأولى؟ ليستشعروا بالآداب المضيئة، ويتجلبوا بالقوانين العادلة، ولنا حياة طيبة في العاجل، وعطاء غير مجذوذ في الآجل.

стр. 5662

التّعاون والتّعاضد (١) هل يستوى رجل لا يفتأ ينظر بعين التفكر والاعتبار في نظام هذه الموجودات، ويجيل أقداح البحث عن دقائق الحكم السارية فيها سريان الماء في الغصن الرطيب، وآخر نسجت على بصيرته عناكب الذهول والبلاهة، فلا ينظر إلى الإبل كيف خلقت، ولا إلى السماء كيف رفعت، ولا إلى الجبال كيف نصبت، ولا إلى الأرض كيف سطحت؟ حاشا لله. ما بين الذين يعلمون كيف وضع هذا العالم، ويدرون معنى حياة جنسهم الذي استعمره الله فيه، والذين لا يعلمون إلا ظاهراً من صوره المحسوسة، ولا يفقهون إلا اختلافها في الألوان وتفاوتها في الأشكال والمقادير، مثل ما بين الحضيض الأسفل والسموات العلى. إن من تدرجوا في استقراء أحوال الكون شيئاً فشيئاً إلى أن وقفوا وراء غاية المرتبة الحيوانية، لأوسع براعة في التدبير المتقن لتسوية الطرق التي تتقوَّم بها ماهية الحياة الصالحة، وأطول يداً في تأسيس الدعائم التي يشيِّدون عليها صروح العزة والأبهة. إرسال نظراتك الصادقة في طبقة الحيوان على أكمل وجه وإحاطتك بأطرافها خبراً، يقيم لك على معنى قولهم "الإنسان

стр. 5663

مدني بالطبع" برهاناً جلياً، ويشرحه لك شرحاً جيداً. نجد كل واحد، ما عدا الإنسان، من الحيوان مكتفياً بنفسه غير مفتقر في حياته إلى معونة غيره، خلقه الله مكتسياً بما يوافقه من صوف أو شعر أو وبر أو ريش أو ما أشبه ذلك، وأعطاه سلاحاً يدافع به عن نفسه، كالقرون للبقر والغنم، والحافر للفرس والحمار، والمخالب للسباع، والشوك للقنفذ، وبعض جعل له آلة العدو كالأرانب والظبي، وأودع فيه إلهاماً يتناول به ما يلائم طبيعته من الأغذية، ويهتدي به لاتخاذ كنٍّ يسكن إليه. أما البشر فإنه خُلق على خلاف خلقة الحيوان عارياً أعزل من السلاح الذي يكون مظهراً لإباء الضيم وشدة البأس، غير مهتد لشيء من مصالحه إلا بالتربية والتعليم، فاحتاج في بقائه إلى لباس يتقي به سورة الحر والبرد، ومسكن يأوي إليه ويأنس به، وآلات يذود بها عن حرمه ويحمي بها حماه، وغذاء يدفع به ألم المخمصة، وتعلمُّ ما ينفعه ليسارع إليه ومعرفة ما يضره لينصرف عنه. وأنت خبير بأن هذه الضرورات والحاجات، ولا سيما إذا انضم إليها ما هو من محسناتها، لا يستطيع الشخص الواحد تحصيلها بنفسه، وإن تعاظم قدره وقوي ساعده، بل لا يحمل أثقالها إلا إذا أعانه عليها قوم آخرون، فمن التمسك بقوانين العدل والإنصاف، أن تمدَّ يد المعونة لأبناء جنسك كما تطلبها منهم، وإلا نفّضوا أيديهم من مؤازرتك عند الحاجة إليهم، ويلوح إلى هذا النكتة، صيغة المفاعلة في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] , ولا يخفى على من له أدنى شعور أن المصالح العامة وسائر الأمور العظام،

стр. 5664

لا يخفف وطأتها ويزيح من مشاقها إلا المعونات الكثيرة، ومما يومئ إلى أن للاجتماع مزية وقوة هي مفقودة في حال العزلة والانفراد قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]، وقوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. التعاون شرعاً يتمخض القصد منه في استجلاب المنفعة وإزالة الضرر اللاحق، ولو لفرد واحد من أفراد الجامعة، رعاية للأخوة الدينية، واحتراماً للعهد الذي أخذه عنه الشارع ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] وكثير من الناس وما هم من الناس، لا تدور مقاصدهم إلا وراء منفعتهم الخاصة، فلا يتحركون إلا لمعاضدة تجر لهم نفعاً عاجلاً، فإذا استُنجدوا لقضية لا يضربون فيها بسهم ولا يستثمرون منها فائدة تخصهم، قالوا: في آذاننا وقر، بل ختم الله على قلوبهم بغشاوة الطمع ودناءة القصد وهم يعلمون، ويلتحق بهذا القبيل بعض من ضربت في نفسه الدنايا، فيقنع بمنزل يؤوي جثته، وإن أُعدِّ له في بحبوحة الخزي والهوان، وميسور من العيش يسد رمقه، وإن كان ذراع خنزير ميت تدفعه إليه يد مجذوم، وجنة تستر عورته وإن كانت أكثر دنساً من عرض لئيم فاجر، حتى إذا ظفر بما يبتغيه من هذه الشهوات الحيوانية، هاجت في صدوره الطمأنينة والسراء، وبات ريان الجفون من الكرى، ولا يعطف عنقه إحساس ديني إلى النظر، ولو بمؤخر عينه، فيما يعوز الأمة التي هو منها بمنزلة الأنملة من الراحة. إنما رجل الدنيا وواحدها من يكون خضوعه لسيطرة الدين سجية، وعنايته بما يرفع من راية قومه جبلَّة، فلا يرى محزاً في مفاصلهم إلا واصله،

стр. 5665

ولا يستصرخون به في مهمة إلا أجاب دعوتهم بجميع ما يملكه من الاستطاعة، يتلمح مثل هذا الرجل العظيم مبدأً من أصول الإصلاحات الكلية، فتلتهب في جأشه الغيرة، وتهب على عواطفه أرواح الفتوة، فلا يتمالك أن يستثير بأقواله السديدة همم أولي العزم من الرجال إلى وضع قاعدته على أساس متين، كراهة أن ينقصهم شيء من المواد الحيوية، فيبلغ صدى استغاثته غالباً إلى ثلاث طوائف: أحدها: فتية شبوا في أحضان التربية والتعليم، وأخذوا من النبهاهة ورقة الوجدان بنصيب، فيستقبلون كل ما يلقى على كواهلهم من إرشادات الناصح الأمين بمهج ثابتة وعزم صادق لا وَنْيَة فيه، وهؤلاء هم أعضاء الأمة الذين يتركب منهم جسمها الصحيح، وهم الوقاية الضافية التي يستعاذ بها من شر الحوادث الخطيرة. ثانيها: طائفة ضربت بها الغباوة في غمرات الجمود، فكانت دائرة نظراتها أضيق عليها من سَمِّ الخياط، فإذا عرض عليها ما تفترعه الأذهان المتسعة من الأفكار الجليلة، لم يجد للجولان فيها مساغاً، فتضرب عنه دفعة وتلفظه جملة، ويُقبل عليها الباطل في ثياب الحق، فتُفرِغ له زاوية من القبول، ولا مصدر لما يسميه أهل الدين بدعة إلا هؤلاء الساقطون. ثالثها: ناشئة لها قابلية للدخول في مضمار السعادة، ولكنهم لم يلقوا أعنة نفوسهم بأيدي عقولهم، بل أرسلوها على غواربها، فهامت بهم في أودية شاسعة لا يسمعون فيها تذكرة الواعظين، ولو سمعوا ما استجابوا لهم. وكل من الفئة الثانية والثالثة عقبة يعسر على مدارك الحكماء تقويم

стр. 5666

حدبتها وإماطة أذاها عن الطريق، ولا يعلق بهما رجاء في سد منافذ البلاء عن الأمة، أو رفع شيء من سقوطها، وعلى كل حال فلا يترك تقريعهم بزواجر الموعظة واستدراجهم إلى الوحدة والمعاضدة ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥].

стр. 5667

الدّيانة والحريّة المطلقة (١) لو سُئل الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب، أن يشرِّعوا للناس طرائق تكون لهم أجمل مكان يستشرفون منه على حقيقة العدالة والأخلاق الكاملة، وحدوداً تلم لهم بحفظ الحقوق الإنسانية، تتناولهم إصلاحاتها ما تداولت الأيام، وتضم عليهم أزرارها أينما سكنوا، لضلت عليهم أنباؤها، وعثرت عقولهم في ذيل الحصر، وإن اجتمعوا على صعيد واحد وكان بعضهم لبعض ظهيراً. إن البشر مهما اتسعت مداركهم، وسمت أفكارهم، لا يمكنهم الإحاطة بمطالب الحياة الاجتماعية والتوصل إلى كل ما يحتاجه الإنسان في وجوده المدني، لأن العقل الذي امتازوا به عن سائر الحيوان، وصاروا به معدن العلم ومركز الحكمة، غايته معرفة كليات الأشياء دون الاطلاع على جميع جزئياتها، فلا يكاد يدرك كل مصلحة مصلحة، ويتصور كل مفسدة مفسدة، نحو أن يعلم حسن اعتقاد الحق وحسن استعمال العدالة وملازمة العفة، لكنه قد يخفى عليه أن اعتقاد كذا حق، وفعل كذا من العدالة، وترك كذا من العفة، كمثل الفقيه، يعلم أحكام الحوادث الكونية، وليس له قوة فائقة في إعطاء الوقائع حكمها الواجب لها، أو مثل الطبيب يعلم الأدوية وخواصها،

стр. 5668

وليست له مهارة في علاج كل مرض بما يلائمه، وهو المسمى بالتطبيق، ومن أجل ذلك لم يكتف به الإله جلّ وعز في إقامة الحجة على الناس، بل عذر أهل الفترات في عدم اهتدائهم، فقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [لإسراء: ١٥]. فلا جرم أن السياسة العادلة لا تأخذ منتهى غايتها إلا باستناد أحكامها إلى من أحاط بكل شيء علماً، ولو اطلعت على التواريخ العتيقة والحديثة، ودرستها درساً مدققاً، لملئت يقيناً وازدت إيماناً مع إيمانك بذلك الحق الذي هو أوضح من محيَّا النهار، ولا يرتاب فيه إلا ذو بصيرة غشيها غبار الغباوة، فلم تنعكس أشعة الحقائق في مرآتها. فكَّر "داسولون" متشرع أثينا ليسنَّ في قومه قانوناً يقشع عنهم ظلمات ما هم فيه من البغي، ويحول بينهم وبين كل جناية، فخطر على باله أن يقرع أسماعهم بروعة القانون، فشدد عليهم إصر العقوبة بتقريره القتل جزاء لكل جريمة صغيرة كانت أو كبيرة. خفي على هذا الفيلسوف، أنَّ جعل القتل عقوبة ولو على الكذبة الواحدة، فضلاً عما فيه من الإفراط في الحكومة والنقص من الأنفس، هو من الانحرافات المفضية إلى قتل الهمم وغمس القلوب في صبغة الجبن والخوف، ولن تفلح أمة كُسيت بكسوة الفزع والذلة أبداً. وأخذت "أفلاطون" وريث "سقراط" الرأفة بقومه من أن تتسرب إليهم

стр. 5669

العدوى بالأخلاق الفاسدة من الأجانب، فقرر أن تغلق أبواب بلاده أمامهم، ولم يُحسن السياسة في ذلك لجملة أسباب، منها أن الأمة إنما تحفظ استقلالها الذاتي بالتيقظ لنوايا الأمم الأخرى، والتخرص على حركاتها الخفية، ومثل ذلك لا يحصل إلا بمداخلتهم وتبادل المعلومات معهم. ومن جملة غلطات هذا الفيلسوف، أنه عمد إلى القطب الذي تدور عليه ترقيات الشعب وهي "التجارة" فرمقها بعين الاحتقار، لما دار في حسبانه أنها من المهن الخسيسة، فقرر في قانونه أن يعاقب كل يوناني تطمح نفسه إلى استدارة دولابها. وظنَّ "أرسطو" أبو الفلسفة أن جميع الحرف والصنائع من الدنايا السافلة، فقرر في شريعته أن يعامل كل من يتعاطاها بحرمانه من الحقوق الوطنية، فمثل هاته القوانين لو تمسكت بها أمة ولو بضعة أيام لسقطت في دركات الشقاوة السفلى. ذلك التشريع الذي يحمل على المناهج السوية، ويتكفل بتحديد الحقوق الإفرادية والاجتماعية، لا يتوغل في مناحيه العميقة، ويوضح ما دق من مشاكله الغامضة، إلا الدين الذي هو وضع إلهي يسوق الناس باختيارهم إلى الانتظام في أعمالهم الدنيوية والتأهل للزلفى من الله في الحياة الأبدية، وإن له عند الرجل العظيم لصولة موهوبة وسلطنة مقدسة، يخر لها صعقاً، ولا تبغي نفسه الكريمة عن السكون تحتها حولاً، لكنه عند هزيل العقل عريض الوسادة عسير الاتباع. نريد للرجل العظيم من كمل اطلاعه على أحكامه الفرعية، وأبعد فيها نظره إلى أن رآها كيف انتزعت من مداركها الأصولية، فتوفرت في نفسه الثقة

стр. 5670

بأن الدين حكم عدل، لا يحسن في الخليقة غير آثار تدبيره. وما هو عريض الوسادة؟ عريض الوسادة كل من يتميز إلى الفئة التي انتقضت في مستنقع الجهالة أمداً مديداً، ثم قاموا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ليتجردوا من أثواب الديانة المحكمة، ويستعوضوه بلباس الحرية المطلقة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]. إن إطلاق التصرف للإنسان يعمل ما شاء، وتخلية سبيله يعتقد ما سنح له، وعدم ارتباطه في ذلك بالأوضاع الدينية، لمفسدة كبرى تعم الأفراد في أشخاصها والأمم في اجتماعها. واعتبر في ذلك بحال العرب في الجاهلية، حين كانوا أوزاعاً في مذاهبهم وأخيافاً في وجهاتهم، كل يعمل على نفاذ داعيته، لا رادع من الدين يرد شكيمتهم، ولا سبيل لسلطة غالبة على كبح جماحهم، يتبين لك أن الحرية المطلقة والهمجية المقلقة أخوان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ثم حوَّل نظرك إلى زمن الرسالة، وعصر الخلفاء الراشدين، فلا تجد سبباً امتد بالإِسلام في أَطراف الأرض، فاستوثق لهم ملك متماسك العرى غير إجرائهم لتلك المبادئ التي أركزها الوحي في عقولهم. قال قائل من الذين يريدون أن ينفذوا من أقطار الشريعة المباركة: "ما لبعض شعائرها لا يعقل له معنى". قلنا "عَدْس" (١) لم يجعل الله لأحداث السفاهة على ذوق أسرار شريعته

стр. 5671

سبيلاً، إن تكاليف الشرع على نوعين: عبادات وعادات، أما قسم العادات: وهو ما تقوم به قوانين العمران في هذه الحياة الدنيا، فقد توسع الشارع في بيان علله وحكمه الخاصة صراحة أو رمزاً كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] , وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. وفي الحديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". وقال: "القائل لا يرث" إلى غير ذلك. وأما ما كان من قبيل العبادات، كالصلاة والصوم والحج، فالأصل فيه بالنسبة إلى المكلف التعبد، وحكمته العامة الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع والتعظيم، وقد يبين له الشارع علة خاصة، لكن التقرب إلى الله تعالى بما لم يطلعنا على حكمته، أدل على كمال العبودية له والإخلاص في التوجه إليه؛ لأن الإتيان بالقربات التي أدركنا حكمتها المناسبة، لا يخلو عن شائبة القصد إلى المصالح المترتبة عليها، وهو وإن لم يكن محبطاً بعملها يهضم شيئاً قليلاً من خلوصها؛ فإن قال غير متشرع: لماذا كانت صلاة الظهر أربع ركعات وصلاة المغرب ثلاثاً؟ فألقم فاه بحجر هذه النكتة الحكمية، وإن قاله متشرع، قلنا له: الله ورسوله أعلم.

стр. 5672

البدْعة (١) هذه الضلالة لعبت بعقول طائفة لم يتبحروا في قواعد الدين، فآلت بهم إلى التوسع في دائرته باختراع أحكام على قالب أغراضهم، يهدجون بها حول أقوام يستمعون القول ولا يتبعون أحسنه، كما أن حقيقتها تشابهت على بعض المتعرضين لضبطها، وإنا إن شاء الله لمهتدون. البدعة شرعاً: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس منه، وإن شئت فقل: هي إحداث أمر على أنه قربة وليس بقربة لا مطلق الإحداث، إذ قد تتناوله الشريعة بأصولها فيكون راجعاً إليها، أو بفروعها فيكون مقيساً عليها، وعلى هذا فلا تشمل البدعة إلا ما كان محرما أو مكروهاً بحسب قوة الشبهة وضعفها، فإن قويت لم يبلغ بها التحريم، وإن ضعفت جداً كانت محرمة، وإنما قسَّمها بعضهم إلى أقسام الشريعة الخمسة نظراً لمعناها من حيث اللغة، ومنه قول عمر ﵁ في شأن التراويح "نعمة البدعة هذه". وأصح ضابط نعتمده في هذا الباب، ونجعله عروضاً للمحدثات المذمومة بألسنة من يُعتد بهم في الدين، هو أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين، أحدهما: أن يسكت عنه لعدم الحاجة الداعية لبيانه، كالوقائع

стр. 5673

التي حدثت بعد رسول الله ﷺ وعمد المجتهدون إلى استنباط أحكامها من كليات الشريعة، وما أحدثه السلف الصالح كجمع المصحف وتدوين العلوم راجع إلى هذا القسم، ومن جزئياته تضمين الصناع وسائر الفروع المبنية على رعاية المصالح المرسلة، والثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، بحيث لم يقرر فيه حكم عند نزوله زيادة على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص، على أن قَصْدَ الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص، فتكون الزيادة فيه والنقص بدعة مخالفة لما قصده الشارع، وهي المشار إليها بقوله ﵊: "إياكم ومحدثات الأمور"، وقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وسنأتي على بعض أمثلته في المستقبل.

стр. 5674

الزّمان والتّربية (١) طالعوا أيها القراء من نجوم الشريعة ضياء، ثم استبقوا إلى غاية ترفع لقوانين التربية لواء، وناقشوا القوم الحساب، وتنفسوا في تصاريف الخطاب، فليس على الكتَّاب حرج فيما يسبكونه من الفواصل، ولا على الشعراء جناح فيما ينحتونه من البيوت، إذا ما سارت أقلامهم التي ينعتونها بدعاة الإصلاح تحت مراقبة عقولهم، ولم تجر على شاكلة أغراضهم. واعلموا أنكم لا تجدون في أعطافنا ارتياحاً وهزة لمقال تدفقت على جوانبه الفصاحة، إلا إذا وقع موقع الحكمة، وخرج بنا عن سبيل الذين لا يعلمونه، ولا ينطلي على فطنتكم المتيقظة زخرف تلك القضية "فسد الزمان ولا دواء له"، فتلصق بألسنتكم لكنة، وتطفئ من عزائمكم توقداً، فتفقدون منها حدة ونشاطاً. تصور تلك القضية في نفوس الضعفاء من الناس، أن الأزمنة مختلفة بالحقائق اختلاف الجبن والشجاعة، ولؤم النفس وكرمها، حتى يتخيل بعضهم أنك لو حللت له قطعة من الأزمنة المرقومة بالسعادة وأذقته إياها, لوجد في مذاقها طعماً لذيذاً، ولو فعلت له مثل ذلك من هذا الزمان، لكنت جرعته

стр. 5675

من طعام الأثيم ما لا يكاد يسيغه، من أجل هذه الوساوس الباطلة والأوهام العاطلة، يتخذه بعض البسطاء معذرة يلقيها إليك إذا ما قذفت ابنه أو أخاه بسوء التربية وسماحة الطبيعة. إنما الليالي حلقات تماسكت فتكوَّنت منها سلسلة نسميها بالزمان، وإنها لأشبه ببعضها من الماء بالماء والهواء بالهواء، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما مثل الأيام إلا كمثل أكواب من قوارير تتلون بلون ما تشغل به، فإن ضمنت سُمَّاً زعافاً لاحت فيها مخائل الاستيحاش، وإن حفظت شراباً طهوراً انطبعت فيها شمائل الإيناس. ينظر إخوان الأنعام إلى ما بين أيديهم من الزمان بعيون حشوها الغفلة وأفئدة منزوعة من التدبر، حتى إذا مرَّ مر السحاب، وآيسوا من عوده أياس الشيخ من الشباب، سقط في أيديهم على ما فرطوا في جنب الله، وعضوا الأنامل من الندم على ما خسروه من المشروعات النافعة. "الزمان" لا يقدِّر قيمته الثمينة حق قدرها غير رجل تلقته الحكمة من كل جهة، تمكن من جانب التبصر في حقائق الأشياء، فينظره بعين المشوق المستهام، ويستفرغ في نقده كل ما لديه من الاستطاعة، ولا يعز عليه أن يبقى نتاج ما يدفنه في بطونه من المساعي الخيرية منسية، يستأثر بباكورته اللذيذة من يولد من بعده. إن فرغ الفؤاد من عواطف الإنسانية، لا ينسج بمساعيه إلا على المقدار الذي يعلق عليه أمل حياته، حتى إذا مكنته الفرصة من بذر ما يستأخر حصاده لعشيرته التي تجمعهم به صلة القربى، صاعر خدّه إباية ونام على صماخ أذنيه سباتاً عميقاً. بهاته الهمة نفسها حشي دماغ رجل آخر يذوق حلاوة التعليم،
следующие страницы →