سبيلاً، إن تكاليف الشرع على نوعين: عبادات وعادات، أما قسم العادات: وهو ما تقوم به قوانين العمران في هذه الحياة الدنيا، فقد توسع الشارع في بيان علله وحكمه الخاصة صراحة أو رمزاً كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] , وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. وفي الحديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". وقال: "القائل لا يرث" إلى غير ذلك.
وأما ما كان من قبيل العبادات، كالصلاة والصوم والحج، فالأصل فيه بالنسبة إلى المكلف التعبد، وحكمته العامة الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع والتعظيم، وقد يبين له الشارع علة خاصة، لكن التقرب إلى الله تعالى بما لم يطلعنا على حكمته، أدل على كمال العبودية له والإخلاص في التوجه إليه؛ لأن الإتيان بالقربات التي أدركنا حكمتها المناسبة، لا يخلو عن شائبة القصد إلى المصالح المترتبة عليها، وهو وإن لم يكن محبطاً بعملها يهضم شيئاً قليلاً من خلوصها؛ فإن قال غير متشرع: لماذا كانت صلاة الظهر أربع ركعات وصلاة المغرب ثلاثاً؟
فألقم فاه بحجر هذه النكتة الحكمية، وإن قاله متشرع، قلنا له: الله ورسوله أعلم.
стр. 5672
البدْعة (١)
هذه الضلالة لعبت بعقول طائفة لم يتبحروا في قواعد الدين، فآلت بهم إلى التوسع في دائرته باختراع أحكام على قالب أغراضهم، يهدجون بها حول أقوام يستمعون القول ولا يتبعون أحسنه، كما أن حقيقتها تشابهت على بعض المتعرضين لضبطها، وإنا إن شاء الله لمهتدون.
البدعة شرعاً: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس منه، وإن شئت فقل: هي إحداث أمر على أنه قربة وليس بقربة لا مطلق الإحداث، إذ قد تتناوله الشريعة بأصولها فيكون راجعاً إليها، أو بفروعها فيكون مقيساً عليها، وعلى هذا فلا تشمل البدعة إلا ما كان محرما أو مكروهاً بحسب قوة الشبهة وضعفها، فإن قويت لم يبلغ بها التحريم، وإن ضعفت جداً كانت محرمة، وإنما قسَّمها بعضهم إلى أقسام الشريعة الخمسة نظراً لمعناها من حيث اللغة، ومنه قول عمر ﵁ في شأن التراويح "نعمة البدعة هذه".
وأصح ضابط نعتمده في هذا الباب، ونجعله عروضاً للمحدثات المذمومة بألسنة من يُعتد بهم في الدين، هو أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين، أحدهما: أن يسكت عنه لعدم الحاجة الداعية لبيانه، كالوقائع
стр. 5673
التي حدثت بعد رسول الله ﷺ وعمد المجتهدون إلى استنباط أحكامها من كليات الشريعة، وما أحدثه السلف الصالح كجمع المصحف وتدوين العلوم راجع إلى هذا القسم، ومن جزئياته تضمين الصناع وسائر الفروع المبنية على رعاية المصالح المرسلة، والثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، بحيث لم يقرر فيه حكم عند نزوله زيادة على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص، على أن قَصْدَ الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص، فتكون الزيادة فيه والنقص بدعة مخالفة لما قصده الشارع، وهي المشار إليها بقوله ﵊: "إياكم ومحدثات الأمور"، وقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وسنأتي على بعض أمثلته في المستقبل.
стр. 5674
الزّمان والتّربية (١)
طالعوا أيها القراء من نجوم الشريعة ضياء، ثم استبقوا إلى غاية ترفع لقوانين التربية لواء، وناقشوا القوم الحساب، وتنفسوا في تصاريف الخطاب، فليس على الكتَّاب حرج فيما يسبكونه من الفواصل، ولا على الشعراء جناح فيما ينحتونه من البيوت، إذا ما سارت أقلامهم التي ينعتونها بدعاة الإصلاح تحت مراقبة عقولهم، ولم تجر على شاكلة أغراضهم.
واعلموا أنكم لا تجدون في أعطافنا ارتياحاً وهزة لمقال تدفقت على جوانبه الفصاحة، إلا إذا وقع موقع الحكمة، وخرج بنا عن سبيل الذين لا يعلمونه، ولا ينطلي على فطنتكم المتيقظة زخرف تلك القضية "فسد الزمان ولا دواء له"، فتلصق بألسنتكم لكنة، وتطفئ من عزائمكم توقداً، فتفقدون منها حدة ونشاطاً.
تصور تلك القضية في نفوس الضعفاء من الناس، أن الأزمنة مختلفة بالحقائق اختلاف الجبن والشجاعة، ولؤم النفس وكرمها، حتى يتخيل بعضهم أنك لو حللت له قطعة من الأزمنة المرقومة بالسعادة وأذقته إياها, لوجد في مذاقها طعماً لذيذاً، ولو فعلت له مثل ذلك من هذا الزمان، لكنت جرعته
стр. 5675
من طعام الأثيم ما لا يكاد يسيغه، من أجل هذه الوساوس الباطلة والأوهام العاطلة، يتخذه بعض البسطاء معذرة يلقيها إليك إذا ما قذفت ابنه أو أخاه بسوء التربية وسماحة الطبيعة.
إنما الليالي حلقات تماسكت فتكوَّنت منها سلسلة نسميها بالزمان، وإنها لأشبه ببعضها من الماء بالماء والهواء بالهواء، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما مثل الأيام إلا كمثل أكواب من قوارير تتلون بلون ما تشغل به، فإن ضمنت سُمَّاً زعافاً لاحت فيها مخائل الاستيحاش، وإن حفظت شراباً طهوراً انطبعت فيها شمائل الإيناس.
ينظر إخوان الأنعام إلى ما بين أيديهم من الزمان بعيون حشوها الغفلة وأفئدة منزوعة من التدبر، حتى إذا مرَّ مر السحاب، وآيسوا من عوده أياس الشيخ من الشباب، سقط في أيديهم على ما فرطوا في جنب الله، وعضوا الأنامل من الندم على ما خسروه من المشروعات النافعة.
"الزمان" لا يقدِّر قيمته الثمينة حق قدرها غير رجل تلقته الحكمة من كل جهة، تمكن من جانب التبصر في حقائق الأشياء، فينظره بعين المشوق المستهام، ويستفرغ في نقده كل ما لديه من الاستطاعة، ولا يعز عليه أن يبقى نتاج ما يدفنه في بطونه من المساعي الخيرية منسية، يستأثر بباكورته اللذيذة من يولد من بعده.
إن فرغ الفؤاد من عواطف الإنسانية، لا ينسج بمساعيه إلا على المقدار الذي يعلق عليه أمل حياته، حتى إذا مكنته الفرصة من بذر ما يستأخر حصاده لعشيرته التي تجمعهم به صلة القربى، صاعر خدّه إباية ونام على صماخ أذنيه سباتاً عميقاً. بهاته الهمة نفسها حشي دماغ رجل آخر يذوق حلاوة التعليم،
стр. 5676
ويستمرئ لذة التهذيب، ويترك ابنه ساذجاً الحد الذي يبغضه الله ويمقته الناس.
أي شهادة على سخافة مدرك الرجل وفقد شعوره، أعظم من أن يمثل أمام عينه الزمن الذي يبلغ فيه الطفل أشده، ويرسم في مخيلته كيف ينتظم في دائرة رجاله، ولا يؤهله بالتربية الحسنى لأن يكون سيداً نبيلاً.
لا يدري كثير من الناس أن الطفل واحد من رجال الأمة إلا أنه مستتر بثياب الصبا، فلو كشف لنا عنه وهو كامن تحتها لرأيناه واقفاً في مصاف الرجال القوَّامين، لكن جرت سنَّة الله أن لا تتفتق أزوار تلك الأستار إلا بالتربية شيئاً فشيئاً، ولا تؤخذ إلا بالسياسات الجيدة على وجه من التدريج، قد يعرض للصبي أن يظهر في مظاهر تخالف قاعدة الحكمة قولاً أو فعلاً، فتدخل على كافله شبهة أن تكون تلك الأحوال ناشئة عن غرائز لا تقوى يد التربية على نسخها من صحيفة النفس، فيعدل عن تقويم التوائه جانبا ويخلِّي بينه وبين تلك الأعراض السيئة مغضوبا عليه، لا ينبغي أن تعتبر الحركات التي تظهر على جوارح الأطفال علامات يهتدى بها على شعائرهم الغريزية، فكم من غلام تتوسم في طبعه ليناً وسهولة وإذا ضربته على قانون التربية وجدته يبساً صلداً، وتتفرس في طبع آخر فظاظة وأمتاً، فإذا مسكت بعنانه وهويت به على مضمار التعليم كان أسرع لتلبيتك من الصدى، وألين ديباجة تنقش عليها آيات الفضائل.
لم يفقه بعض أرباب البيوت ومن يحاول اللحاق بهم أهمية التربية حتى الآن، فيفرطون في مجاراة الولد على جميع أهوائه، ويفوضون له أن يقضي ما هو قاض، وربما تغنوا بمديحه في المجامع الحاشدة، وأطروه بما لا تنطبق
стр. 5677
شهادة ثماره عليه، ولبئس ما كادوه به لو كانوا يعلمون، إنما نصبوا لهذا المسكين مكيدة تسد في وجهه أبواب الآداب الجميلة، وتجعل بينه وبين السعادة حجاباً مستورًا، ليت شعري بماذا تجادل عن نفسك أيها الكفيل، إذا ألقيت على عواهنك مسؤولية إغفال الطفل في مراتع وخيمة، وأنت تعلم علماً كاشفاً أَن لا محيص عنه في عرضه على بعض مطالب الاجتماع، ولم يكن بد من قيامه مقاماً يكون عدم تأهله له جناية على الهيئة بتمامها؟!
أخشى أن يضاعف لك العذاب ضعفين، تعذب على تشويه تلك الجوهرة المكرمة عذاباً نكراً، وتحوز من عقوبة تلك الجناية العامة نصيباً مفروضاً. إن الأرواح لتنمو بالتربية اللطيفة كما تنمو الأجسام بالغذاء الصحيح، ولنماء الجسم حد معلوم وغاية لا تتجاوز، إذا أُدرك شأوها أخذ في التقهقر إلى وراء، أما نماء الروح فموصول بحياة الإنسان، لا يقف إلا إذا خمدت أنفاسه وبارح مدرسة هذا العالم الكبرى.
نؤسس على هذا أن المعلم لا يمكنه الإحاطة للولد بصغائر التربية وجزئياتها من جميع أطرافها ضرورة، إن من أصولها ملاحظة العوائد ما يعم الجمهور منها وما يخص الأفراد، وجزئيات هذا الأصل مما تفوق حد الوصف، ويكلُّ لسان الإحصاء دون نهايتها، فليس في مقدرته إلا تلقيح ذهن الطفل بقواعد كلية لا يهجم منها على البعيد الشارد قبيل أن يذلل مراسه بالقريب الذي يؤخذ بالأيدي مع النظر في مظاهر أمياله نظر المنجم في الميقات، حتى إذا أبصر فيها إحديداباً قوّمه بالتي هي أحسن والسلام.
стр. 5678
الصّيام (١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
هذه الآية مدنية، وهكذا الشأن في كل آية استفتحت بهذا العنوان، بخلاف ما افتتح بيا أيها الناس، فقد وقع في الآيات المكية والمدنية، وإنما ابتدأت بهذا المطلع الذي يخص المؤمنين لأنها سيقت للتكليف بأمر فرعي وهو الصوم، وكذلك جرت سنّة كتاب الله أن يفتتح الأوامر الفرعية بيا أيها الذين آمنوا، نحو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآية، ونحو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] , وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية إلى غير ذلك.
ويصدر الأوامر الاعتقادية بيا أيها الناس، والسر في ذلك أن الفروع لا تصح إلا مع وجود شرطها وهو الإيمان, فناسب توجيه الخطاب إلى من حصلوا على شرط صحتها وهم الذين آمنوا، مع ما في ذلك من تقوية الداعية لهم والمبالغة في التهييج إلى العمل، فكأنه يقول لهم أيها المؤمنون شأن المؤمن بالله أن يتلقى أوامره بغاية القبول وسرعة الامتثال، ومن يرى من الأصوليين عدم تكليف غير المؤمنين بفروع الشريعة لا يحتاج إلى بيان وجه
стр. 5679
العدول عن يا أيها الناس في الأوامر الفرعية.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] الصيام في اللغة: الإمساك عما تنازع إليه النفس، كالكلام والطعام والشراب والنكاح، وفي الشريعة: الإمساك عن المفطرات بياض النهار.
وشرِّع الصيام لتصفية مرآة العقل، ورياضة النفس بحبسها عن شهواتها، وإمساكها عن خسيس عاداتها, وليذوق الموسرون لباس الجوع فيعرفون قدر نعمة الله عليهم، وتهيج عواطفهم إلى مواساة الفقراء.
وللصوم عند من تنبهوا لأسرار العبادات ثلاث درجات:
صوم العامة: وهو كف البطن والفرج عن شهوتيهما، وصوم الخاصة: وهو ما تقدم مع قصر الجوارح عن أفعال المخالفات، وصوم خاصة الخاصة: وهو صوم القلب وترفعه عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية التي لا تراد للدين، وإلا فهي من زاد الآخرة ومطاياها، وهذه هي الدرجة الكاملة التي جمعت بين عمل الظاهر والباطن، وينبئك على حطة الدرجة الأولى، وقصور صاحبها عن الانخراط في زمرة الصائمين حقيقة، قوله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وقال أبو بكر بن العربي: "كان من قبلنا من الأمم صومهم الإمساك عن الكلام مع الطعام والشراب، فكانوا في حرج، ثم أرخص الله لهذه الأمة في الإمساك عن الكلام ليرفعها بالكرامة في أعلى الدرج، فوقعت في ارتكاب الزور واقتراب المحظور في حرج، فأنبأنا الله سبحانه على لسان رسوله أن من اقترب زوراً أو أتى من القول منكوراً، أن الله سبحانه في غنى عن الإمساك عن طعامه وشرابه".
يسمع الناس بحديث "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
стр. 5680
المسك"، وحديث "كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به"، وحديث "الصيام جُنة"، فيضعونها في غير مواضعها، ويحملونها على غير محاملها، باعتقاد أنها صادقة على أهل الدرجة الأولى وهو خطأ صراح.
كيف تكون رائحة فم تقذر بتناول الأعراض، والتمضمض بنحو الكذب والهذيان والمراء أطيب عند الله من ريح المسك؟ وكيف يستاهل صيام تجهم وجهه بسماجة المعاصي أن يضاف إلى ملك الملوك ﷻ ويتولى جزاءه بنفسه؟ وكيف يكون الصيام جُنّة ووقاية من عذاب الله، وقد انخرق سياجه وتدنّسَ ذيله بقول الزور، والتلبس بالآثام التي تهيء له في نار جهنم وطاء وغطاء؟ نعم لأهل تلك الدرجة ثواب عن صيامهم، ولكنه لا يبلغ في الموازنة مبلغ ثقل أوزارهم فيستحقون هذه الكرامات.
ومما يعاكس حكمة الصيام، ويهدم أصل مشروعيته، الإسراف في الأكل سواد الليل، والتفنن في الأطعمة تفنن ذوي الأرواح القدسية على الأذواق العجيبة وأسرار الملكوت، ومنهم من لا يقنعهم التمتع بها في بيوتهم حتى ينقلون أحاديثها اللذيذة عندهم إلى المنتديات العامة والمجتمعات التي تضم أشتاتاً من الناس، ويتواجدون لسماعها ولا تواجد الأم بنغامات صبيِّها عندما يكاد يبين لها عن مآربه الخفية؛ وإنه ليعظم في عينك الرجل بادي الرأي حتى تحسبه من رجال الأمة، فما يروعك إلا وقد أخذ يسوق إليك حديث الأطعمة، ويشخص لك هيئاتها يحللها لك تحليلاً كيماوياً، ثم يطبخها بلسانه مرة أخرى، وإن لفقه النفس أثراً عظيماً في تعديل المخاطبات وتحسين العادات.
стр. 5681
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] هذا التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، والمعنى أن الصوم لم يفرض عليكم وحدكم حتى يعظم وقعه في نفوسكم، بل كان مكتوباً على الأمم الماضية من لدن آدم إلى عهدكم، وما يقوله بعض المفسرين من أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وقدره أيضاً لا يُلتفت إليه بدون أثر صحيح يثبته، وكل ما جاء في القرآن مطلقاً أو مبهماً لا ينبغي تقييده أو حمله على معنى معين إلا بحديث ثابت، وفائدة هذا التشبيه تهوين هذه العبادة الشاقة، وتخفيف وطأتها على الأنفس ببيان عدم اختصاصهم بإيجابها؛ لأن الأمور الشاقة إذا عمَّت سهل تحملها، ولم تشفق الأعناق من التطوق بعهدتها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] تصيرون أتقياء، فإن الصوم يقهر النفس ويخطمها عن مألوفاتها، وذلك مما يورث التقوى، وقد فسرت "الجُنَّة" في حديث "الصيام جُنَّة" بالوقاية والسترة من المعاصي رعاية لهذا المعنى، وهو ثاني فهمين في الحديث. أولهما ما أشرنا إليه فيما سبق، وقد كنّى ﵊ عن طهارة نفوس الصائمين من رجس المعاصي، وتخلصها من البواعث على الفواحش بغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين، كما كنّى عن تنزيل الرحمة وحسن القبول للأعمال بفتح أبواب الجنة في قوله: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة -وللبخاري أبواب السماء- وغُلِّقت أبواب النار، وصفدت الشياطين"، وحمل هذا الحديث على الكناية أعظم للمنة، وأتم للنعمة، وأفيد للصائمين من حمله على ظاهره، ولا مانع من حمله على الحقيقة أيضاً.
стр. 5682
الأحاديث الموضوعة (١)(٢)
يتجاسر كثير ممن لم يتفقهوا في الدين على سرد الأحاديث الموضوعة،
стр. 5683
ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، منها الأحاديث التي يضعونها في فضائل الأيام والشهور التي يتسلمها خطباء المنابر من كتب لا تتحرى في رواية كلام رسول الله ﵊، وما كان ينبغي لهم أن يسندوا حديثاً إلى رسول الله ﷺ إلا بعد البحث عن رتبته في الكتب التي تكفَّلت بذلك، ولقد أكمل الله الدين من قبل أن يتجشأ أولئك الدجالون بما افتروه على رسول الله كذباً، ومن ذلك الأحاديث الموضوعة في فضل رجب وصيامه، ونذكر الآن بعضها:
منها حديث: "في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة، كان له من الأجر كمن صام مائة سنة وقام مائة سنة، وهي لثلاث ليال بقين من رجب، في ذلك اليوم بعث الله محمداً نبياً" قال "الحافظ السيوطي" في "الذيل": في إسناده هياج، وهو متروك الحديث.
ومنها الحديث الطويل، وهو أن رجلاً سأل أبا الدرداء عن صيام رجب، فقال: سألت عن شهر كانت الجاهلية تعظمه في جاهليتها، وما زاده الإِسلام إلا فضلاً وتعظيماً، فمن صام منه يوماً إلخ. قال "السيوطي في الذيل": إسناده ظلمات بعضها فوق بعض وفيه داود وهو كذَّاب وضَّاع.
ومنها حديث "رجب من أشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوماً" إلخ الحديث. قال "السيوطي في الذيل" أيضاً: "في إسناده إسماعيل بن يحيى التميمي متهم بالكذب".
стр. 5684
ومنها حديث "من صام يوماً من رجب وقام ليلة من لياليه، بعثه الله تعالى آمناً يوم القيامة، ومرَّ على الصراط وهو يهلل أو يكبر" موضوع, لأن في إسناده إسماعيل بن يحيى، وهو كذاب، قاله "السيوطي في الذيل".
ومنها حديث "من أحيا ليلة من رجب، وصام يوماً منه، أطعمه الله من ثمار الجنة، وكساه من حلل الجنة، وسقاه من الرحيق المختوم" في إسناده حصين بن مخارق، قال "السيوطي في الذيل": "وهو ممن يضع الأحاديث".
ومنها حديث أن "شهر رجب شهر عظيم، من صام منه يوماً كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام يومين كتب الله له صيام ألفين سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب له صوم ثلاثة آلاف سنة إلخ" قال: "الحافظ ابن حجر" هو موضوع بلا شك.
ومنها حديث "رجب شهر الله، ورمضان شهر أمتي، فمن صام" إلخ الحديث الطويل، ذكره صاحب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة"، وقال: "ابن الجوزي": "في إسناده الكسائي وهو لا يُعرف"، وكذلك قال "الحافظ ابن حجر": "الكسائي هذا لا يعرف، وليس هو علي بن حمزة المقري لأنه أقدم طبقة من هذا بكثير، وفيه علّة أخرى فإنه من رواية علقمة عن أبي سعيد الخدري، ولا يعرف لعلقمة سماع من أبي سعيد" ثم قال: "وللحديث طرق أخرى واهية وفي روايتها مجاهيل، رويناه في أمالي أبي القاسم بن عساكر من طريق عصام بن طليق عن أبي هرون العبدي عن أبي سعيد فذكره بطوله، وفيه زيادة ونقص وتقديم وتأخير، وعصام بن طليق ليس بشيء وأبو هرون العبدي متروك".
ومنها حديث "أكثروا من الاستغفار في شهر رجب، فإن لله في كل ساعة
стр. 5685
منه عتقاء من النار، وإن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب". في إسناده الأصبع ليس بشيء كما في "الذيل"، وفي "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" أن صوم أول خميس من رجب مما أحدثه العوام من البدع.
الغرض من بيان وضع هذه الأحاديث إنما هو تمييز الخبيث من الطيب، وإلا فالصوم، والاستغفار، والصلاة هي من العبادات التي يستحب فعلها ممن استطاعها في كل وقت غير منهي عنه.
مما شاع على الألسنة حديث "يدعى الناس يوم القيامة بأمهاتهم" وهو موضوع، كما نبّه عليه صاحب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة"، وقد اغترّ بعض المفسِّرين، فحمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] على معنى ذلك الحديث.
قال في "الكشاف": "إن من بدع التفاسير أن الإِمام جمع أم، كخف وخفاف، وأن النَّاس يدعونَ يوم القيامة بأمهاتهم، وإنَّ الحكمة في الدُّعاء بهنَّ دون الآباء رعاية حق عيسى ﵇، وشرف الحسن والحسين، وأن لا يفضح أولاد الزِّنى، وليت شعري أيُّهما أبدع أصحة تفسيره أم بهاء حكمته؟! ".
وقد ثبت ما يخالفه، ففي "سنن أبي داوود" بسند جيِّد، كما قاله النووي من حديث أبي الدَّرداء مرفوعاً "أنَّكم تدعونَ يومَ القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسِّنوا أسماءكم".
وفي الصحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً "إذا جمع الله الأوليِّن والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، هذه غدرة فلان بن فلان".
стр. 5686
المباحث الأدبيّة
- تقسيم الكلام بحسب أغراضه.
- الإبداع في فنون الكلام.
- الفصيح من الكلام.
- طرق الترقي في الكتابة.
- الشعر العصري.
- الكلام الجامع.
- الأخلاق.
- الحياء.
- أبو بكر بن العربي.
- ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي الأندلسي.
- منذر بن سعيد.
- تحقيق مسألة تاريخية.
стр. 5687
تقسيم الكلام بحسب أغراضه (١)
من المطالب التي ينبغي تقديمها في هذا الباب، تقسيم الكلام إلى الأغراض الباعثة على تأليف المعاني بعضها إلى بعض، وإبرازها في قوالب أوضاعه- الثلاثة: المرسل، والسجع، والشعر. وأحسن التقسيمات إحاطة وجمعاً ما بيانه أن القصد من جودة التصرف في تلك الأوضاع الثلاثة استجلاب المنافع، أو استدفاع المضار ببسط النفوس، أو قبضها لما يخيل لها من خير أو شر، وما يرى أنه خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم يحصل، وحصول ما من شأنه أن يرتاح له يسمى ظفراً، وفواته في مظنة الحصول يسمى إخفافاً، وحصول ما من شأنه أن يُنفر منه يسمى رزءاً، وكفايته في مظنة الحصول يسمى نجاة، فالقول في الظفر والنجاة يسمى تهنئة، ويسمى القول في الإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسياً، وإن قصد تحسرها تأسفًا، ويسمى القول في الرزء إن قصد استدعاء الجَلَدِ على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ذلك سمي تفجيعاً، فإن كان المظفور به على يد المقاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل وسمي ذلك مديحاً، وإن كان ما ينفِّر منه على يد قاصد للمضرة فأدى إلى ذكر قبيح سمي ذلك هجاء، وإن كان الرزء بفقد شيء فندب ذلك الشيء يسمى رثاء.
стр. 5688
ولما كانت المنافع كلها تنقسم إلى ما يكون بالملائمة، مثل ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس، فيحصل لها بمشاهدة تلك الصور المناسبة لها ابتهاج وذلك الابتهاج نوع من المنافع لتلك النفس، وإلى ما يكون بالفعل، مثل ما يفعله الإنسان من إسعاف آخر بطلبته فيكون إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمآل أو بتشفي النفس فقط، مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان فينتفع ذلك الإنسان بأن تضعفه له وتقويه على مقاومته والانتصاف منه.
وكانت المضار تنقسم إلى أضداد ما ذكرته، اقتضى ذلك انقسام الذكر الجميل إلى ما يتعلق من المنافع بالأشياء المناسبة لهوى النفس، ويسمى ذلك نسيباً، وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضاء النفس، ويسمى ذلك مديحاً، وكان ما يتعلق من الذكر القبيح بالأشياء المنافرة لهوى النفس، والأشياء المتباعدة عن رضاها كلاهما داخل تحت قسمة واحدة وهي الهجاء، ولما كان ما يُنفِّر منه قد يقع ممن يُحتمل منه ذلك ولو أدنى احتمال، فلا يؤاخذ به جملة أو لا يؤاخذ به كبير مؤاخذة، ومنه من يؤخذ به أشد المؤاخذة سمي ما يتعلق من القول بذلك بحسب طبقات من يقع ذلك منهم، ونسبتهم إلى القائل معاتبة وتوبيخاً وتقريعاً، ولا يخلو الشيء الحاصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه، من أن يكون ذو العناية به واحداً كان القائل أو غيره ويكون هو حاكياً ذلك عنه، أو يكون قد عني به متنازعان في استجلابه أو مدافعته كان القائل أحد المتنازعين أو لم يكن.
غير أنه يحكي حالهما أو يكون حاكماً بينهما، فيكون الكلام على هذا اقتصاصاً أو مشاجرة وإما فصلاً في مشاجرة، وقد تكون المشاجرة والفصل فيهما متعلقين بما يُستقبل، فأما الأمور التي لم تحصل مما شأنه أن يطلب
стр. 5689
أو يهرب عنه، فلا يخلو الحال من أن يكون المتكلم هو الطالب لها، أو الهارب منها من تلقاء السامع، أو يكون السامع هو الطالب لها، أو الهارب عنها من تلقاء المتكلم، فما كان من المتكلم إلى السامع مما شأنه أن يُطلبْ يُسمى إذا لم يُعلم رأيه فيه غرضاً، وما كان من تلقاء السامع إلى المتكلم وكان طلباً جزماً يسمى اقتضاء، فإن كان بتلطف يسمى استعطافاً، وإن كان يُرى أنه قد جاوز الوقت الذي كان يجب فيه سُمي استبطاء، فإن كان مما شأنه أن يُهرب منه وانتدب المتكلم من تلقاء نفسه، أو من غيره سُمي ذلك إيعاداً أو تهديداً أو إنذاراً أو تخويفاً، فإن خافه من تلقاء السامع، واستدفعه إياه سُمي ذلك استعفاء أو استقالة أو ترضيَّاً، وقد يكون الشيء المطلوب أو المهروب منه أحد شيئين، فيُشكِل على القائل أو السامع أيهما يجب أن يُطلب أو أيهما يجب أن يُهرب منه، أو يُشكِل الطريق الهادي إلى ذلك، فيشير القائل على غيره، فيكون الكلام على هذا إشارة أو استشارة.
стр. 5690
الإبداع في فنون الكلام (١)
الإبداع في فنون الكلام له أغراض وقد استهل بها وجه السعادة الثانية (٢)، ومهيئات وهي ما تناجيك به هذه الصحيفة، يقول الباحثون عن دقائق هذه الصناعة، المهيئات طيب البقعة وفصاحة الأمة وكرم الدولة، فقلَّما برع في المعاني من لم تنشئه بقعة فاضلة، ولا في الألفاظ من لم ينشأ بين أمة فصيحة، ولا في جودة النظم من لم يحمله على مصابرة المخاطر في أعمال الروحة الثقة بما يرجوه من كرم الدولة.
يعنون بطيب البقعة نزاهتها عما يوحش بتدفق ماء الحسن على مناظرها، يؤكد قولهم هذا أن غالب المتصرفين في صياغة الألفاظ، الغواصين على المعاني المبتدعة هم أهل الحواضر (٣)، وما ذلك إلا لتوفر أسباب الانبساط بها، واشتمالها على معان شتى، ينتزع الذهن منها هيئات غريبة لا طريق لتصورها إلا المشاهدة، وأما فصاحة الأمة فلأن اللغة ملَكَة تحصل للسامع على نحو ما يلقيه إليه السمع، فتكون عبارة المتكلم بالضرورة متابعة في جودتها ورداءتها لما عليه لغة قومه التي رُبِّي بها وليداً، ولبث فيها من عمره سنين،
стр. 5691
ولتوغل "قريش" في البلاد العربية وبعدهم عن أهل اللغات الأجنبية، كانت لغتهم أفصح لغات العرب، ثم من اكتنفهم من "ثقيف، وهذيل، وخزامة، وبني كنانة، وغطفان، وبني أسد، وبني تميم"، وأما من بعد عنهم "كربيعة، ولخم، وجذام، وغسان، وإياد، وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة"، فلم تكن لغتهم تامة الملكة، وعلى نسبة بعدهم من قريش وقع الاحتجاج بلغتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية.
ويعنون بكرم الدولة إقبال عظمائها على من آنسوا منه رشداً وبراعة في فن من الفنون لترقيته لما هو به جدير، وبذلك ينشط غيره من عقال التماوت، ويثب على بضاعة تجارتها نافقة، والسعي وراء أعمال نتيجتها محققة، ويدلنا لهذا ما يحكيه المؤرخون عن الملك المعظَّم المتوفى سنة ٦٢٤ هـ من أنه شرط لكل من حفظ "مفصَّل الزمخشري" مائة دينار وخلعة، فحفظه خلق كثير لهذا السبب، ومن لطائف هذا الملك أن "شرف الدين بن عنين" حصل له توعك، وكان بينهما مؤانسة، فكتب إليه:
انظر إليَّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندا وتلاف قبل تلافِ
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فجاء إليه بنفسه يعوده ومعه جائزة، وقال له: "هذه الصلة وأنا العائد"، قال القاضي "ابن خلكان": "وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسة النحو طول عمره لاستعظمت منه".
ومن تتبع تواريخ الفحول الذين اشتهروا في هذه الصناعة الأدبية أو غيرها من الفنون، وجد الغالب منهم مرموقاً من قبل الدولة بعناية تقوي العزائم، وتبعث في الهمم العالية روح النشاط.
стр. 5692
الفصيح من الكلام (١)
ترى كثيراً منهم يسارعون إلى التصنع في التركيب والتوغل في الغرابة ما استطاعوا، ظنا منهم أن التصنع فيها مما يرتفع به شأن الكلام في الحسن والقبول، كلا، لا يكسبه ذلك إلا هِجنة وانحطاطاً إلى الدرك الأسفل في هذه الصناعة، وإنما الممدوح عندهم ما كانت معانيه واضحة وعبارته مستعذبة، بعيداً عن تكلُّف الاصطناع، ولذلك إذا اشتغل الشاعر العربي بالتنقيح اختلف أهل العربية في الأخذ عنه، فقد كان "الأصمعي" يعيب "الحطيئة"، واعتذر عن ذلك بأن قال: "وجدت شعره كله جيداً فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع، إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه جيده على رديئة".
ومما يوجب التعقد في الكلام وصعوبة الفهم، القصد إلى المعاني التي يتوقف فهمها على مقدمة من معرفة صناعة، أو حفظ قصة، فالواجب ألا يستعمل من الأخبار والأقاصيص إلا ما اشتهر بين غالب الأدباء، أما الذي لا يعهده إلا الخاصّة منهم فالإشارة إليه إحالة على مجهول، وينبغي التحاشي عن استعمال شيء من معاني العلوم والصنائع أو شيء من عباراتهم، إذا كان
стр. 5693
الغرض مبنياً على ما هو خارج عن تلك العلوم والصنائع، فإذا كان الغرض مبنياً على وصف أشياء علمية أو صناعية، فإيراد تلك المعاني والعبارات غير معيب في ذلك الغرض، ومما عيب على "أبي تمام" قوله:
مودة ذهبٌ أثمارها شبه ... وهمةٌ جوهر معروفها عرضُ
لأن الجوهر والعرض من ألفاظ المتكلمين الخاصة بهم، وكقول "أبي العلاء المعري":
تلاق تفري عن فراق تذمه ... مآق وتكسير الصحائح في الجمع
وحكي أن "عزّ الدولة" قال لندمائه: "لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من الشعر"، فأنشد كل منهم ما حضره، فلما انتهى القول إلى "أبي الخطاب بن ثابت الصابي" وكان أبوه طبيباً أنشد:
قال لي أحمدٌ ولم يدر ما بي ... أتحبُّ الغداةَ عتبةَ حقا
فتنفست، ثم قلت: نعم حـ ... ـباً جرى في العروق عرقاً فعرقا
فقال له بعضهم: "لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي لم ترثها عن كلالة".
وكان بعض الأدباء إذا سمع قول "المهلبي":
"يا من له رتب ممكنة القواعد"
قال: "هذا يصلح أن يكون شعر بناء"، وعندي أن المراسلات الخصوصية يحسن فيها ملاحظة القصص المستظرفة، وإن لم تكن مشتهرة، كما يحسن فيها إيراد المعاني العلمية، وعدَّ أهل البديع للتلميح لها من الحسنات رعاية لهذا المقام، ومما يُعاب به الشاعر إيراد المعاني الكثيرة في
стр. 5694
البيت الواحد لما فيه من التعقيد على الفهم، قال "ابن خلدون": "كان شيوخنا يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر شرق الأندلس، لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية".
ولما أكثر "مسلم بن الوليد" و"أبو تمام" من استعمال المحسنات، بَعُدَ شعرهما عن الانسجام وسهولة المأخذ، وأخذ الشعر من ذلك العهد هيئة غير هيئته العربية، حتى إنَّ فحول الشعراء إذ ذاك كانوا يقولون: "قد أفسد هؤلاء الشعر بذلك الشيء الذي يسمونه البديع".
وكما يجب تجنب المعقد والحوشي من الألفاظ، ينبغي التحفظ من السوقي المبتذل، فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضاً، ويخدش وجه مَلَكة الفصاحة ويفسدها على صاحبها، وما على الفصيح إلا أن يقصد من التراكيب ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم بالنسبة للأواسط الذين لهم إلمام باللغة العربية، ولا تستنزله عن هذه الرتبة لومة لائم ليس له من اللغة إلا القدر الذي تتلقفه ألسنة العامة، فمن أسباب تلاشي اللغة واندراس أطلالها، تنازل فصائحها إلى استعمال الألفاظ العامية الساقطة.
وحقيق على علماء التدريس أن يكونوا على نسق واحد في التزامهم عند إلقاء دروسهم محاذاة الأساليب العربية، فإنه ضرب من التطبيق للقواعد التي يلقنها التلميذ، وبذلك تتقوى عارضته، ويتسع مجاله في التعبير عما في ضميره بألفاظ متمكنة في البيان؛ لأن السمع أبو الملكات اللسانية.
стр. 5695
طرُق التّرقي في الكتابة (١)
ليست هذه الصناعة كغيرها من الفنون لها قواعد مضبوطة، ومسائل مدوّنة يتدارسها الكتَّاب، فتنتهي بهم إلى معرفة إيراد الكلام في معاريض الفصاحة وحسن الإطراد في أنحائها، وإنما هي عبارة عن تنبيهات ترشد إلى الجهات التي تنمو بها قوى التفنن في تصاريف الألفاظ والتأنق في تحسين هيئاتها التأليفية.
ولا نستفيق جهداً إن شاء الله في البحث عن تلك التنبيهات واستقصائها، والإيماء إلى الكيفيات التي ينبغي أن توضع التراكيب في قوالبها، عسى أن تبعث تذكرتها في أفئدة نصراء اللغة العربية من أبناء هذا العصر نشاطاً جديداً، فيجهدوا أنفسهم عصبة واحدة، ليلجُّوا بنا في حدائق ناضرة ومروج خضرة مما تستبدعه الأنفس وتلذه الأسماع.
الإجادة في وضع الأقاويل أحكم وضع، لا يأخذ بناصيتها إلا من كانت له قوة حافظة، وقوة مايزة، وقوة صانعة، فالقوة الحافظة: يستوعب بها الكاتب من مواد اللغة ما يسعه لكل غرض يأخذ في تفصيله وتفهيمه، حتى يكون آمناً مطمئناً من أن يكبو لسانه عيَّاً وفهاهة، عندما يدفع لوصف خيل أو نظام جيش أو حالة حصن أو سلاح أو معمل أو صورة حرب مثلاً.
стр. 5696
والقوة المايزة: يمتاز بها ما يحسن من الكلام بالنظر إلى ترصيف كلمه وتآلف حروفه، وبالنسبة إلى المقامات التي يوجه إليها بسياقاته، فقد يتفق مقولان لشخص واحد، ويكون أحدهما أحسن في نفسه والآخر أحسن بالنسبة إلى موقعه.
والقوة الصانعة: هي التي تتولى العمل في ترتيب الألفاظ والمعاني، والتدرج من بعضها إلى بعض، فتصدرها ملتئمة النسج غير متخاذلة النظم، بريئة من التمايز الذي يجعل كل جملة كأنها منحازة بنفسها.
لا تكمل القوة المايزة إلا بالانصباب على مطالعة المنشآت البعيدة الغور في بيانها، المنتمية إلى الطرف الأعلى في عذوبة ألفاظها ورشاقة معانيها، وبتوسم ما أرسل في طيها من الاعتبارات المناسبة بذوق جيد ومهل في النظر، فمعرفة الفنون البلاغية وحدها غير كافية لاستواء هذه القوة واستحكامها، فقد نجد في المتضلِّعين من قوانينها الخبيرين بلحمتها وسداها من لا يُفرِّق بين الأقاويل المتفاوتة في بلاغتها وصفاء ديباجتها، وإن ارتفع بعضها فوق بعض درجات.
ولا تبلغ القوة الصانعة مبلغ التمكن وسرعة الترسل، إلا بعد ارتياضها بالتمرين والاستخدام في كل غرض تخفق عليه إرادتها، في أزمنة متوالية، ومما يربط بالأسف والتحسر على قلب كل مسلم أينع في صدره غصن المغيرة على اللغة الفصحى، أنك ترى في الذين أوسعوا العلوم الأدبية خبرة، وساروا في التطلع على الإنشاءات الرفيعة عنقاً فسيحاً، حتى أدركوا مغامزها وأشرفوا على ما وراء أكماتها، يعجز عن التصرف في صوغ فقرات تُلمُّ شقاقاً أو تؤكد إخاءَ مثلاً، ذلك لفقده القوة الصانعة، التي لا يقيم صلبها إلا الإدمان على
стр. 5697
العمل، وهو القاعدة التي يجري عليه كل تقدم وارتقاء.
ومن الطرق التي تنهض بالكاتب في زمن يسير، وتساعد قوته الصانعة على الإجابة في طرفة عين، وتطبع في صحيفتها ملكة الهجوم على المعاني وبثّها في ألفاظ رصينة غير متوعرة، انحيازه إلى دري بشعاب هذه الصناعة، يقف به على المنافذ التي يسري منها الخلل إلى التأليف، ويبصره بالمذاهب التي ارتقت من نحوها التحارير الفائقة، ولقد قال أئمة الصناعة الشعرية: "لا تجد شاعراً إلا وقد لزم شاعراً آخر المدة الطويلة، وتعلَّم منه قوانين النظم، واستفاد منه الدِربة في أنحاء التصاريف البلاغية". فقد كان "كُثيِّر" أخذ علم الشعر عن "جميل"، وأخذه جميل عن "هدبة بن خشرم"، وأخذه هدبة عن "بشر بن أبي حازم"، وكان "الحطيئة" قد أخذ علم الشعر عن "زهير"، وأخذه زهير عن "أوس بن حجر"، وكذلك جميع شعراء العرب المجيدين، والشعر والكتابة أخوان.
стр. 5698
الشّعر العصْرىّ (١)
أيعاتبُ الزَّمنُ الذي لا يُسعدُ ... وبنوهُ في مَهدِ البطالةِ هجّدُ
مَهلاً فما هوَ بالملومِ ومن رمى ... سهمَ الملامةِ نَحوه فمفنَّدُ
لو أفرغوا في وسعه ما جل من ... عملٍ لأغدقَ فيهِ عَيشٌ أرغد
أَرأَيْتَ كيْفَ شدت بلابلُ سعده ... وزهت ببهجته غصونٌ مِيَّدُ
إذ أَنفقَ الأسلاف في سُبلِ الهدى ... جُهْدَ استطاعتهم، ونِعْمَ المقصد
حتى استدار بهيئةٍ منضودةٍ ... وطِلاعُه أَفعالُ برٍّ تُحمدُ
كنَّا بني الإِسلامِ أصدقَ لهجةٍ ... وأَصحَّ عهْداً بالوفاء يُؤكَّدُ
عقدَ التآخي في الديانة بيننا ... نسباً قرابتُه أَشَدُّ وأَفيَدُ
ما سام ذو رأي سديدٍ مطلباً ... إلّا غدا بيد المعونةِ يُعضدُ
ولنا نفوسٌ لم تنط آمالها ... إلّا بما هو في المعاني أمجدُ
نُنْضي عزائمَ كالسيوفِ صرامةً ... لكنْ لِوَفْرِ طِعانها لا تُغمدُ
كنَّا بدورَ هدايةٍ ما من سنا ... إلّا ومن أَنوارها يُستوقدُ
وإذا تكامل واستوى بدرٌ بدا ... في أُفق طلعته السنيّةِ فَرقدُ
стр. 5699
كنَّا بحورَ معارفٍ ما من حُلىً ... إلّا ومن أغوارِها يتصيَّدُ
ما صَرْصرتْ أقلامُنا في مَهْرقٍ ... إلّا رأيتَ الدُّرَّ فيه يُنضَّدُ
من كلِّ معنى يبهرُ الألبابَ أو ... نسجٍ يقومُ له البليغُ ويقعدُ
ويقومُ فينا للخطابةِ مِصقع ... فترى بناتِ الفكر كيف نولِّدُ
كنَّا جلاءً للصدورِ من القذى ... ولواؤنا بيدِ السعادةِ يُعقَدُ
ما صافحتْ راحاتنا دوحاً ذوى ... إلّا وأينعَ منه غصنٌ أغيدُ
ومن احتمى بطِرَافِنا السامي الذُّرى ... آوى إلى الحرمِ الذي لا يُضهدُ
لا يمتري أهل التَّمدُّن أنَّهم ... لو لم يسيروا إثرنا لم يَصعدوا
فسلوا متى شئتم سُراتهم فما ... من أمةٍ إلّا لنا فيها يَدٌ
لا فخرَ في الدنيا بغير مجادةٍ ... تعنو لها الأممُ العظامُ وتسجدُ
لكنَّنا لم نرعَ فيه حرمةً ... بذمامِها منَّا الرقابُ تُقلَّدُ
أخذت مطيَّاتُ الهوى تحدو بنا ... في كلِّ لاغيةٍ كساعةِ نُولدُ
حتَّى انزوى من ظِلها الممدودِ ما ... فيه مقامٌ يُستطابُ ومَقعدُ
أبناءَ هذا العصر هل من نهضةٍ ... تُشفي غليلاً حَرُّه يَتصعدُ
هذي الصنائعُ ذَلَّلت أدواتها ... وسبيلها للعالمين مُمهّدُ
وكذاك بذر العلم أخرج شطأه ... ودنا جناه فما لنا لا نَحصدُ
بهما جرى القومُ الذين استُضعفوا ... من قبلُ شوطاً في المتقدم يُبعَدُ
أفلا نسير مسير ذي رُشدٍ إلى ... آثار ما قد أسَّسوه وشيَّدوا
فلطالما حوت الغنائمُ جولةً ... من رائدِ النظرِ الذي لا يُخمدُ
إنَّ المعارفَ والصنائعَ عُدَّةٌ ... بابُ الترقي من سِواها مُوصدٌ
стр. 5700
الكلامُ الجامع (١)
مما يُفضَّل به إنشاء الكلام، فيقع من النفوس أحسن موقع، ويؤثر فيها تأثيراً بليغاً، تذييله بفقرة أو بيت أو شطر على جهة الاستدلال على ما قبله أو على جهة التمثيل، تقريراً للمعنى الأول وتأكيداً لمفهومه، ويسمَّى الكلام الجامع أو إرسال المثال.
وممن سبق إلى هذا النوع الأغر، وحجَّل به مقاطع قصائده ونهاية فصولها زهير، ومن ذلك ما تمثل به في آخر معلقَّته:
"أمن أمّ أوفي دمنةً لم تكلَّمِ"
ثمَّ عُني به من المولدين "أبو الطيِّب المتنبي"، فولع به وأخذ به قريحته حتى أحرز قصبات السبق دون أقرانه.
قال "أبو منصور الثعالبي" في كتابه "يتيمة الدَّهر" عند ترجمة المتنبي:
"ليس اليوم مجالس الدَّرس أعمر بشعر أبي الطيّب من مجالس الإنس، ولا أقلام كتاب الرسائل أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون القوّالين والمغنيّين أشغل به من كتب المؤلفين والمصنّفين".
ولا ينبغي الإسراف منه والاستكثار من إيراده عقب كل فصل، ولكن
стр. 5701
يلمع به في بعض الفواصل دون بعض خوف السآمة والملل، فإن النفوس لا ترتاح لما يرد عليها من أفانين الكلام، إلا إذا غشيها على فترة وكانت زيارته غباً.
وفي كتاب الله من هذا المهيع البديع والنموذج الذي تُنسج عليه الحكم ما تندهش له العقول الراسية، وقد عقد له "جعفر بن شمس الخلافة" في كتاب "الآداب" باباً يخصه.
وروي أن بعضهم كان يستخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فقيل له: "أين تجد في كتاب الله من جهل شيئاً عاداه؟ " قال: "نعم في موضعين، قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] "، وقيل له: "هل تجد ليس الخبر كالعيان؟ " قال: "في قوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] "، وقيل له: "هل تجد فيه لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟ " قال: "في قوله: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤﴾ "، وقيل له: "هل تجد فيه للحيطان اَذان؟ " فقال: "في قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] "، وقيل له: "هل تجد فيه من أعان ظالماً سُلِّط عليه؟ " قال: "في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] "، وقيل له: "هل تجد فيه لا تلد الحية إلا حية؟ " فقال: " ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] "، وقيل له: "فهل تجد فيه كما تدين تدان؟ " قال: "في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] " وقيل لآخر: "أين تجد في القرآن أن المحب لا يعذب حبيبه؟ " قال: "في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] الآية".
стр. 5702
ولأبي الطيب وغيره من فرائد هذا النوع ما تحُلَّى به الرسائل، وتُرصَّع به أحاديث المحاضرات على اختلاف أغراضها وتنوع مشاربها، نحو:
إذا لم تكن نفسُ النسيبِ كأصلهِ ... فماذا الذي تُغني كرامُ المناصبِ
والغِنى في يدِ اللئيمِ قبيحٌ ... قَدْر قُبحِ الكريمِ في الإِملاقِ
وما منزلُ اللّذاتِ عندي بمنزلٍ ... إذا لم أُبجَّل عندَه وأُكرَّمِ
وما كلُّ هاوٍ للجميلِ بفاعلٍ ... ولا كلُّ فعالٍ له بمتمِّمِ
وإنَّ ابن أختِ القومِ مُصفىً إناؤه ... إذا لم يُزاحِم خالَه باب جِلد
فتىً إن يرضَ لم ينفعكَ شيئاً ... فإنْ يغضبْ عليك فلا تبالِ
وإذا لم يكنْ من الموتِ بدٌ ... فمن العجزِ أن تكونَ جبانا
وأشرفُهم من كان أشرفَ هِمةً ... وأكثرَ إقداماً على كلِّ مُعظَم
إنما تنجحُ المقالةُ في المرءِ ... إذا وافقتْ هوىً في الفؤادِ
وإذا الخنا حلَّ الحيا من معشرٍ ... ورأَيتَ أهلَ الطيشِ قاموا فاقعدِ
وللسرِّ مني موضعٌ لا يَنالُه ... نديمٌ ولايُفضي إليه شَرابُ
يَرى الجبناءُ أن العجزَ عقلٌ ... وتلك خديعةُ الطبعِ اللئيمِ
وكلُّ شجاعةٍ في المرء تفنى ... ولا مثلُ الشجاعة في حكيمِ
стр. 5703
الأخلاق (١)
متى انعطف النّاقد البصير يبحث عن الوسائل التي تترقى بها الأمة إلى سنام السعادة القصوى، لا تطمئن نظراته السَّامية إلا على أخلاقها، فبمقدار ما لها من المحافظة على محاسنها، يملأ منظرها أعين الملأ الذي لا يعبأ إلا بجلائل الأمور.
والدليل على ما نقوله، أنَّ الامتزاج بمكارم الخلاق يجبي إلى صاحبه عرفان ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات، فلا يُخِلُّ حينئذ بواجب ولا يُدعى إلا بحق، وذلك يدعو بالضرورة إلى شِمَّة الارتباط وكمال الالتئام الذي يجعل أفراد الأمة عضواً واحدً للتعاون على البرِّ والتَّقوى، والتعاضد على الأعمال التي تُنتج لهم التقلب في عيشة راضية، وتحفظ لأعقابهم مستقبلاً حسناً.
وذلك السبب الذي اندفع بنا إلى جعلها -أي الأخلاق- شعبة من شعب ما تصدع به هاته الصحائف وهذا أوانها.
الخلق: حال للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، وإن شئت فقل: "هي حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية".
وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون في أصل المزاج كالإنسان
стр. 5704
الذي يستفزه أدنى غضب يعرض له، أو يفرْق من أدنى صوت يقرع سمعه، أويفرط في الضحك من أقل شيء يعجبه، أو يغتم من أيسر شيء يلم به.
ومنها ما يكون مستفاداً بالتربية والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية، ثم يتدرَّج شيئاً فشيئاً حتى يصير مَلَكةً وخلقاً.
وللأخلاق ثلاث قوىً متباينة:
أحدها القوّة الناطقة: وتسمّى بالملكية، ثانيها القوّة الشهوية: وتسمّى بالبهيمية، ثالثها القوّة الغضبية: وتسمى بالسبعية؛ فمتى كانت حركة النفس الناطقة معتدلة، وكان التفاتها دائماً إلى المعلومات "الصحيحة" نشأت عنها فضيلة العلم وتتبعها الحكمة، ومتى كانت حركة النفس البهيمية معتدلة بدخولها تحت سلطة القوّة العاقلة، حدثت عنها فضيلة العفّة وتتبعها فضيلة السَّخاء. ومتى كانت حركة النَّفس الغضبية معتدلة منقادة إلى النفس العاقلة، بحيث لا تهيج في غير حينها ولا تحمى أكثر مما ينبغي لها، حدثت منها فضيلة الحِلم وتتبعها الشجاعة.
ثم يحدث باجتماع هاته الفضائل الثلاث فضيلة رابعة هي كمالها وتمامها وهي العدالة، وهذه الأربع أصول وما عداها متفرع عنها، ثم إن تلك الفضائل لا يمدح عليها صاحبها ويتسمّى بها إلا إذا تعدت إلى غيره، وانتشرت آثارها عند بني جنسه، وأما إذا اقتصر بها على نفسه فإنه تصرف عنه أسماءها ولا يذكر بمسمياتها، فإذا لم يبسط الإنسان يده ببذل مال الله الذي أتاه في وجوه المصالح العامة، وخصص صرفه بمآربه الشخصية، سُمّي منفاقاً، وإذا اقتصر بشجاعته على الذَبِّ عن حوزته دون أن يحمي ذمار المستجيرين أو يناضل على حقوق المستضعفين، سُمّي أنفاً، وإذا لم يتجاوز إلى غيره سُمي متبصراً.
стр. 5705
الحياء (١)
هذا الخلق إذا غُرز في النَّفس ونمت عروقه فيها ازداد رونقها صفاء، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خيرات حسان، يعبِّر عنها عشَّاق الفضائل بصبغة الإنسانية، وإذا انتزع من شخص فقد المروءة، وثَكِل الدَّيانة التي هي الجناح المبلِّغ لكل كمال، والدليل على ما نقوله، أن الحياء عبارة عن انقباض النَّفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عمّا تنزع إليه الشهوة من القبائح، فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النَّفس، اختلت هيئة الإنسانية بالضرورة، وبقي صاحبها سائماً في مراتع البغي والفسوق؛ وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان.
ويرشدنا إلى هذا قوله ﵊ "لكل دين خلق، وخلق الإِسلام الحياء" رواه "مالك في الموطَّأ"، وفي الصحيح أيضاً أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ على رجل وهو يعض أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإنَّ الحياء من الإيمان". قال العلماء: "وإنَّما صار الحياء من الإيمان المكتسب وهو جِبلَّة لما يفيد من الكف عما لا يحسن فعبَّر عنه بفائدته".
وأعجب ما عثرنا عليه في كتب الأخلاق، أنَّ الحياء مركَّب من جبن
стр. 5706
وعفّة، ولذلك لا يكون المستحيي فاسقاً، ولا الفاسق مستحيياً، وقلَّما يكون الشُّجاع مستحيياً والمستحي شجاعاً لتنافي اجتماع الجبن والشَّجاعة.
أمَّا قوله لا يكون المستحي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً فمسلَّم؛ لأنَّ الحياء متفرع عن العفَّة، وأمَّا قوله وقلَّما يكون الشُّجاع مستحيياً إلخ. فباطل لأنه يؤدي إلى تنافي الكمالات، وما سمعنا بهذا من قبل ولا نسمعه من بعد، ويدعو إلى إماطة برقع الحياء حيث كان فيه نوع مباينة للشجاعة التي هي أعز ما يتعاظم بها الرجال، وكلمة الحق التي نقولها أن الحياء من متممات الشجاعة ولا تستقيم بدونه، ثم إن الحياء وسط بين رذيلتين إحداهما الوقاحة والأخرى الخجل. ويقال لها: الخَرَقُ، أما الوقاحة فمذمومة بكل لسان بالنسبة لكل إنسان، وحقيقتها لجاج النَّفس في تعاطي القبيح:
صلابة الوجه لم تغلب على أحدِ ... إلّا تكامَل فيه الشرُّ واجتمعا
وأما الخَرَقُ: وهو الدهشة من شدة الحياء، فيذم به الرجل اتفاقاً لا سيما في المواطن التي تقتضي حدة وإقداماً، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكم بالحقِّ والقيام به وأداء الشهادات على وجهها، ثم إن الحياء ولو كان جليَّاً، قد يزيد بالكسب بواسطة مطالعة أخلاق الكُمَّل وهي إحدى فوائد علم التاريخ" أو كثرة الحضور بمجالستهم، وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فإذا شعر العاقل بذلك استحيا أن يستعين بها على معصيته، ولا ينشأ ذلك الشعور إلا عن عظمٍ في النَّفس وسِعةٍ في العقل.
стр. 5707
أبو بكر بن العرَبيّ (١)(٢)
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري
стр. 5708
الأندلسي الإشبيلي، ولد ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وما بلغ ست عشرة إلا وقد قرأ من الأحرف نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه، وتمرَّن في الغريب والشعر واللغة، ثم رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فدخل الشام والعراق وبغداد وسمع بها من كبار العلماء، "كأبي بكر بن الوليد الطرطوشي"، و"أبي بكر الشاشي"، ثم حجَّ في سنة تسع وثمانين، وعاد إلى بغداد ولقي "أبا حامد الطوسي الغزالي".
قال في "قانون التأويل": "ورد علينا ذا نشمند "يعني الغزالي" فنزل برباط أبي سعد لإزاء المدرسة النظامية معرضاً عن الدنيا مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنّا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه "علي بن العباس" لما قال:
إذا ما مدحت امرءاً غائباً ... فلا تغلُ في مدحه واقصدِ
فإنَّك إن تغلُ تغل الظّنو ... نُ فيه إلى الأمدِ الأبعد
فيصغر من حيث عظَّمته ... لفضلِ المغيبِ على المشهد
стр. 5709
وذكر في العواصم أنه لقيه بمدينة "السلام" سنة تسعين وأربعمائة، ثم صدر القاضي أبو بكر عن بغداد، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدّثين، فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ومات أبوه ﵀ "بالإسكندرية" أوّل سنة ثلاث وتسعين، فانصرف حينئذ إلى "إشبيلية" بعلم كثير لم يدخل أحد قبله بمثله ممّن كانت له رحلة إلى المشرق، ولذا نقل عنه أنه قال: "كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به أنا و"القاضي أبو الوليد الباجي"، أو ما هذا معناه، واستقضي بها فنفع الله تعالى به أهلها لصرامته وشدَّته على الظالمين والرفق والرأفة بالمعتدلين، شأن العالم الذي لا تدور أعماله إلا على محور الشريعة، والتزم هذا القاضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فقابل ذلك كله بالصبر الجميل، وكان كثير التحمل ثابت الفؤاد.
قال في "العواصم": "ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يكن في الأرض منكر، واشتدَّ الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبَّوا وثاروا إلى فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي أن لا يدفعوا عن دْاري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار".
ومما وقع في زمن ولايته أن احتاج سور "إشبيلية" إلى بنيان جهة منه، ولم يكن بها مال متوفر، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد أضحى فأحضروها وهم كرهون، ثم صُرِف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثِّه.
стр. 5710
وذكره "ابن الزبير في صلته"، وقال في حقه: "كان فصيحاً، حافظاً، أديباً، شاعراً، كثير الملح، مليح المجلس"، ثم قال: "قال القاضي عياض بعد أن وصفه بما ذكرته: لكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته؛ أكثر الناس الكلام وطعنوا في حديثه".
ويؤيد لك ما نقله ابن الزبير عن عياض، ما روى "ابن مسدي" في "معجم شيوخه" أن أبا بكر بن العربي قال "لأبي جعفر المرخي" حين ذكر أنه لا يعرف حديث "ابن خطل" والأمر بقتله إلا من حديث "مالك عن الزهريّ": قد رويته من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، فقالوا له: "أفدنا هذه الفوائد"، فوعدهم ولم يخرج لهم شيئاً، قال "الحافظ في نكته": "قد استبعد أهل إشبيلية قول ابن العربي حتى قال قائلهم:
يا أهلَ حمصَ ومن بها أوصيكم ... بالبرِّ والتَقوى وصيةَ مشفقِ
فخذوا عن العربي أسمارَ الدُّجى ... وخذوا الروايةَ عن إمامٍ متَّقِ
إن الفتى ذربُ اللِّسانِ مهذبٌ ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يَخْلُقِ
وعنى بأهل حمص أهل اشبيلية، قال: "وقد تتبعت طرقه فوجدته كما قال ابن العربي بل أزيد".
وقال المحدِّث "أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال" في حقه: "هو الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفّاظها". ومما قاله في ترجمته "الفتح بن خاقان" في "مطمح الأنس" ما نصه: "علم الأعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء أياس، وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع من غير أصل، وغدا في الإِسلام أمضى من النصل، سقى الله به