للجمع، وهو مستقيم، ولو مع بقاء الضمير بحالة كناية عن شيء تقدَّمه.
فصاحب "الكشاف" لا يريد من قوله: أجري مجرى الإشارة: أنه نقل عن معناه الذي هو مجرد الكناية عن شيء يفسره إلى معنى اسم الإشارة، وإنما يريد: أن هذا الضمير أعطي حكم اسم الإشارة الذي هو استعماله للجميع، وإعطاء الكلمة حكم الأخرى لا يتوقف على أن توافقها في المعنى، بل يكفي فيه أن يكون بين الكلمتين مشابهة في بعض الوجوه، والمشابهة بين الضمير واسم الإشارة في: الإبهام، واحتياج كل منهما في استعماله إلى ما يوضح المراد منه.
ويدلك على أن الزمخشري إنما يريد بإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة إعطاءَه حكمَه فقط، ولا يقصد إلى أن يكون الضمير بمعنى اسم الإشارة، أو اسم إشارة: أنه بعد أن استشكل الإشارة بالمفرد المذكور في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] إلى مؤنثين، وهما بِكر وفارِض، وذهب إلى دفع الاستشكال إلى أن المشار إليه في تأويل (ما ذكر)، أو (ما تقدم)، قال: وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا.
ورؤبة لا يقصد بقوله: "أردت كأن ذاك": أنه استعمل الضمير اسم إشارة، وإنما يقصد: أنه أعاد ضمير المفرد على الخطوط؛ إجراء له مجرى اسم الإشارة في استعماله لمتعدد، وغير خفي أن اسم الإشارة في هذا الموضع لا يختلف عن الضمير إلا بحكم عدم المطابقة، فقوله: "أردت كأن ذاك" لا يدل على أنه نقل الضمير إلى معنى اسم الإشارة، وإنما هو تنبيه على اللفظ الذي نقل حكمه إلى الضمير، وهذا اللفظ - من حيث إنه يشير إلى ما تقدم ذكره - لا يتميز عن الضمير الذي يكنّى به عن متقدم، فصحَّ أن يوضع موضع
стр. 562
الضمير عند بيان القصد إلى إجرائه مجراه في استعماله لما هو متعدد. وسيقوم لك على هذا من قول السعد شاهد مبين.
ثم إن ما يذكر به اسم الإشارة المفرد من عدم المطابقة أمر ظاهري، والتحقيق أن العرب قد وضعوا "ذاك"، أو "ذلك"؛ ليشار به إلى المفرد، و"ذان" - مثلاً - للمثنى، و"أولئك" لما كان جمعاً، فإذا وجدنا اسم الإشارة المفرد نحو "ذلك" مشاراً به إلى متعدد، فإنما هو لضرب من التصرف في تصوير المعنى، ذلك بأن تلاحظ المتعدد في صورة الشيء الذي يدلون عليه بكلمة مفردة.
فأنت إذا أتيت في صدر كلامك بمثنى، أو جمع، فقد جعلت مدلوله الذي هو الفردان أو الأفراد مذكوراً في الحضرة، فيأخذ بهذا الذكر عنواناً آخر هو "ما ذكر"، فيصح لمن يخاطب الأذكياء أن يلاحظه كأنه مصرح به في نظم الكلام، ويشير إليه باسم الإشارة المفرد: "ذاك"، أو "ذلك".
وقد أحس صاحب "الكشاف" نفسه بالحاجة إلى التأويل في اسم الإشارة المفرد حين يشار به إلى اثنين، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟
قلت: جاز ذلك على تأويل "ما ذكر"، و"ما تقدم"؛ للاختصار في الكلام.
فالزمخشري يرى أن اسم المفرد إذا استعمل في مثنى أو جمع، فعلى ضرب من التأويل، فإذا جعل ضمير"منه" العائد على "الصدُقات" في الآية الكريمة جارياً مجرى اسم الإشارة، فلأن اسم الإشارة اشتهر باستعماله للمثنى
стр. 563
والمجموع على ذلك الضرب من التأويل أكثر مما اشتهر به الضمير.
وكذلك يقول السعد التفتازاني: يكنّى باسم الإشارة الموضوع للواحد عن أشياء كثيرة باعتبار كونها في تأويل "ما ذكر"، و"ما تقدم". وقد يقع مثل هذا في الضمير، إلا أنه في اسم الإشارة أكثر وأشهر، ولهذا قال رؤبة: "أردت: كأَن ذاك" (١).
وإذا كان اسم الإشارة المفرد إنما يستعمل للمثنى، أو للمجموع على ضرب من التصرف، فلنذهب بالضمير المفرد إلى ذلك الضرب من التصرف من غير وساطة اسم الإشارة، فنقول: إن الضمير في قوله تعالى: "منه" عائد إلى الصدُقات باعتبار العنوان الذي أخذته من ذكرها في صدر الجملة، وهو "ما ذكر".
النوع التاسع:
قال المحاضر: "النوع التاسع من هذه الضمائر: ضمير الشأن؛ كقوله تعالى في سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، فالهاء في "أنه" لا ترجع إلى شيء، وهي لا تشير إلى شيء أيضاً".
ثم قال: "إن ضمير الشأن هذا قد فقد معناه، وأصبح أداة لفظية يراد بها تقوية الجملة في القصص، أو في الوعد والوعيد، لا أكثر ولا أقل، وهذا الضمير شائع على هذا النحو في قديم الأدب وحديثه، لا يدل إلا على تقوية الجمل، وصبغها بشيء من الجلال".
ألقى المحاضر في صدر محاضرته تلك القاعدة المصنوعة، وقال:
стр. 564
إنها لا تنطبق على القرآن؛ لأن فيه ضمائر لا تعود إلى مذكور يتقدمها لفظاً ورتبة، وفيه ضمائر تعود إلى مذكور، ولكنها لا تطابقه، وقال: إنه حصر الضمائر في أنول تسعة. فالذي يقرأ المحاضرة من أولها حتى يصل إلى قوله: النوع التاسع من هذه الضمائر: ضمير الشأن، يسبق إليه بطبيعة البحث أن المحاضر يرى أن ضمير الشأن من الضمائر الواردة في القرآن على خلاف القاعدة النحوية التي لا تقبل استثناء. والواقع: أن تلك القاعدة المزعومة ليس لها في العربية أصل ولا فرع، أما ما يقوله الجمهور حقاً، وهو: أنه يمتنع عود الضمير على متقدم لفظاً ورتبة، فقد وصلوه بالاستثناء - كما أسلفنا -، ومن جملة هذه المستثنيات: ضمير الشأن. ويقولون: إذا قصد المتكلم إلى أن يستعظم السامع حديثه قبل الأخذ فيه، افتتحه بالضمير المسمّى: ضمير الشأن، ونصّوا على التزام إفراده وتذكيره، إلا إذا وليه اسم مؤنث، أو فعل موصول بعلامة مؤنث؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
ولم يكن هذا الضمير مختصاً بالقرآن، ولا بالقصص والوعد والوعيد، بل هو شائع في كلام البلغاء، يبنون عليه أقوالهم حيث يقتضي الحال عرضَها في لفظ مجمل قبل إلقائها على وجه من التفصيل.
يقول المحاضر: إن هذا الضمير لا يرجع إلى شيء، ولا يشير إلى شيء، وهو إن حاول بهذا أن يجعله كحروف الصلة، فمدفوع بأنه في صورة ضمير الغائب المذكر أو المؤنث، وشأن ما يجيء في هذه الصورة أن يكنى به عن شيء، وليس فيما ذهب إليه علماء العربية من أنه كناية عن الخبر الذي يأتي بعده من بأس.
стр. 565
* زَعْمُهُ أن النحو محتاج إلى وضع جديد:
قال المحاضر: "فلا بد إذن من وضع النحو وضعاً جديداً، ولكنا نلاحظ أن النحو ليس سيئ الوضع فحسب، ولكنه قاصر عن الإحاطة باللغة العربية نفسِها، قواعدُه غير متقنة، منها ما يضيق فيسرف في الضيق، ومنها ما يتسع فيسرف في السعة".
قد أدلينا إليك بالحجج المعقولة والشواهد المأخوذة من أفواه العرب: أن ضمائر الغيبة في القرآن لم تجئ إلا على ما يجري عليه البلغاء في مخاطباتهم، ولم تجئ إلا على ما تجد له عند علماء العربية أصلاً ثابتاً، وليس في هذه الأصول ما ينبو عنه العقل، أو يتجافى عنه الذوق، واستبان لك: أن المحاضر وضع لمحاضرته أساساً خرباً، فكان كل ما بناه عليه متداعياً إلى السقوط، متخاذلاً.
فلا بد إذن من الاعتراف بأن علماء العربية خدموا اللغة، فاستنبطوا القواعد، وسردوا الشواهد، وذهبوا في البحث والاستدلال مذاهب بعيدة عن هذا اللغو الذي أجهد فيه المحاضر نفسه، واقتحم به لجج البحار؛ ليملأ به آذان أولئك المستشرقين.
وحقيق بمن يتصور أن النحاة قالوا بوجوب عود الضمير على متقدم لفظاً ورتبة أن يقول: إن النحو قاصر عن الإحاطة باللغة العربية، وحقيق به أن يقول في قواعده: إنها غير متقنة، ولكنهم لم يقولوا هذا الذي نثره المحاضر في مؤتمر المستشرقين. فالذين يُقبلون على الكتب العالية لعلماء العربية؛ ككتاب "التسهيل" لابن مالك، و"شرح أبي إسحاق الشاطبي للخلاصة"، و"شرح ابن يعيش للمفصل"، ويطالعونها بذكاء وتثبت وإنصاف، لا ينصرفون
стр. 566
عنها إلا بإكبار وإعجاب، ولا أنكر أن في كثير من الكتب النحوية شيئاً من الأقوال الواهية، والمذاهب الضيقة؛ فإن هذا شأنُ كل علم، معقولاً كان أو مسموعاً، والذي أعنيه: أن هذه الكتب تحتوي القواعد التي يجري عليها الفصحاء من العرب، فمن الميسور للباحث بإخلاص أن يقف عليها، ويميز منها تلك الآراء الضعيفة، والمذاهب الحرجة، ويخرجها في أسلوب حكيم.
يوجد في لغة الألمان مُثُلٌ لما جاء في لغة العرب؛ من الإتيان بضمير لا يرجع إلى مذكور في نظم الجملة، فتجدهم يقولون: هي تمطر، أو تبرق، أو ترعد، أو: هو برد، ولا يزيدون على ضمير الغائب والفعل، فمن مبلغُهم نظريةَ هذا المحاضر؛ لعلهم يغيرون نحوَهم، ويسمون هذا الضمير: اسم إشارة؛ حتى لا يقذفهم المحاضر كما قذفَ علماءَ الأزهر بأنهم قوم لا يقبلون آراء المجددين؟!.
* زَعْمه أن النحو لا يكفي لتفسير القرآن:
قال المحاضر: "إن علم النحو العربي لا يكفي لتفسير القرآن الكريم وتخريجه من الوجهة النحوية الصرفة"، قال هذا، ثم اقترح: "أن يوضع للقرآن نحو خاص كما هو الشأن في الأبيات البيانية في اللغات الأوربية على اختلافها"، وقال: إن هذا النحو الخاص نافع قيّم من جهتين:
الأولى: أن يزيل ما يعلق بنفوس بعض المستشرقين من الشك حين يقرؤون القرآن مستنيرين بالنحو القديم، فيرون بينه وبين هذا النحو ضُروباً من الخلاف، فيعجلون ويقضون بأن في القرآن خطأ نحوياً، والواقع أن القرآن لم يخطئ، وإنما قَصَّر النحويون حين وضعوا قواعد النحو، فلم
стр. 567
يستوعبوا القرآن والشعر، ولم يستقصوهما.
الثانية: أن هذا النحو الخاص سيكون أساساً صالحاً لنحو آخر جديد للغة العربية كلِّها يعتمد على بحث أدقَّ وأشدَّ استقصاء من بحث المتقدمين".
يقول المحاضر: إن النحو لا يكفي لتفسير القرآن الكريم، ولهذا القول نصيبٌ من الصحة لو صدق عليهم ظن المحاضر في تلك القاعدة التي عرفتم ما هي، وكيف حملها إلى مؤتمر المستشرقين على غير أمانة، فإن كان يقصد إلى شيء آخر غير ضمائر الغيبة، فليأتنا به، ويُرنا كيف تقصر القواعد النحوية عن تأويله، أما اقتراحه بأن يوضع للقرآن نحو خاص، فرأي لا يخطر على بال أحد إلا أن تكون له حاجة يحاول الوصول إليها على هذه الوسيلة.
القرآن نزل بلسان عربي مبين، والقواعد النحوية قائمة على الاستشهاد به، وبما يصدر عن البلغاء من منظوم ومنثور، ولا نجد لعلماء العربية قاعدة قرروها شاملة من غير استثناء، وفي القرآن ما ورد على خلافها، وعلى فرض أن نجد في القرآن تركيباً لم نستطع إرجاعه إلى شيء من قواعدهم، فإننا نحكم بأن ذلك الضرب من الاستعمال مطابق لاستعمال العرب، وقد غفل عنه واضعو القواعد، ولا يسوغ لنا في حال أن نذهب إلى أن هذا الاستعمال من خصائص القرآن، ونعمل على أن نضع له نحواً خاصاً، ذلك ما لا يرضى عنه القائمون على أصول اللغة العربية حتى يحملوا في صدورهم قلباً كقلب هذا المحاضر، ويضعوا نصب أعينهم الغاية التي وضعها نصب عينيه.
يزعم المحاضر أن هذا النحو الخاص يزيل ما يعلق بنفوس بعض المستشرقين من الشك حين يرون ما بين القرآن وما بين النحو ضروباً من
стр. 568
الاختلاف، ونحن نعلم أن المستشرقين الذين بلغوا أن يقرؤوا القرآن ليستنيروا بالنحو القديم، وهم من التمهل في الحكم وتقصي البحث من كتب متعددة لا يعلق بنفوسهم شك، ولا يرون أن بين القرآن والنحو القديم ضروباً من الاختلاف. أما من يتصور القواعد مقلوبة رأسها على عقبها، فلا حق له في أن يضع، أو يوضع له نحو غير النحو الذي بناه علماء العربية، فأحكموا بناءه.
يزعم المحاضر أن هذا النحو سيكون أساساً صالحاً لنحو آخر يعتمد على بحث أدق من بحث المتقدمين، ولكن المثال الذي قدمه في هذه المحاضرة لا يصلح شاهداً على أن في إمكان من هم إلى العقلية الغربية أقرب منهم إلى العقلية الشرقية أن يضعوا للغة الفصحى نحواً يداني نحو المتقدمين، فضلاً عن أن يكون أدق وأشد استقصاء منه، ولا يفرح المحاضر أن طائفة من الغائبين عن علوم اللغة، قد ضربوا أيمانهم على شمائلهم استحساناً منهم لما يقول، فإن الذين يسارعون إلى تقليد كل من ينعق باسم الجديد - وإن كان مبطلاً - غيرُ قليل.
стр. 569
القرآن لا يقول إلا حقا ً (١)
كنت سمعت من نفر غير مثقفين بعلوم الشريعة رأياً في القرآن يخرج به عن كونه تنزيلاً من حكيم حميد.
قال بعض هذا النفر: إن القرآن يأتي بالقصة لكونها جارية عند العرب، وهي غير مطابقة للواقع، إنما يريد بها الموعظة والاعتبار.
وكتب آخر قائلاً - زيادة على ما تقدم -: إنما يكسوها ثوب الفن القصصي.
وقال آخر منهم: إن القرآن يشتمل على قضايا مخالفة للعلم القطعي ...
ولم نسمع منهم شاهداً منطقياً، وإنما يذكرون قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فيقولون: إن القرآن دلَّ على أن عيسى وجد من غير أب، والعلم يخالف ذلك، فيدل على أن الابن لا يوجد بغير أب.
ويذكرون قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]؛ حيث إن هارون أخو موسى، فكيف يكون أخاً لمريم أمِّ عيسى- ﵇ وبين الرسولين زمان بعيد؟.
стр. 570
والجواب عن الآية الأولى: أن عيسى- ﵇ قد وجد من غير أب كما يدل عليه القرآن، ولا يستطيع العلم أن يقيم دليلاً منطقياً على أن الولد لا يوجد من غير أب، ما عدا أن العادة جرت بأن الولد لا يكون إلا من أب؛ ولله أن يخالف العادة بالمعجزة التي تجري في وجود رسول أو على يد رسول. والدليل القاطع قائم على أن الشرع من عند الله، فما يقوله يكون ولا بد صادقاً، وقد دل على أن عيسى ﵇ ولد من غير أب، فنؤمن به، ولا نكون مخالفين للعقل السليم في الإيمان بذلك.
والجواب عن الآية الثانية، أعني: قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]: أن هارون هذا أخ صالح لمريم ﵍ سمي باسم هارون الرسول، والقرآن حكى ما صدر منهم، وليس من شأنه أن يقول: إن هارون غير هارون الذي هو أخو موسى ﵇. ومن ذا الذي يعتقد أن هارون أخو مريم أمِّ عيسى هو هارونُ موسى؟! والقرآن تحدث عن التوراة والإنجيل، وعرف النبي ﷺ طولَ الزمان الذي بينهما، فكيف يراد في القرآن من هارون أخي مريم هارونُ أخو موسى؟.
والقول: إن القرآن لا يُحكى فيه إلا ما كان واقعاً، قرره أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" بعد أن تتبع القرآن بنظر وبحث، فقال: "كل حكاية في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - ردٌّ لها، أولاً، فإن وقع ردٌّ لها، فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه.
ثم قال: إن القرآن سمي: فرقاناً، وبرهاناً، وبياناً، وتبياناً لكل شيء،
стр. 571
وهو حجة الله على خلقه على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبِّه عليه".
ومن ظن أن في القرآن قصة باطلة، أو قضية تخالف العلم الصحيح، فقد وقع فيما يستلزمه هذا الظن لزوماً بيناً لا خفاء فيه من أن القرآن كلام ليس من عند الله، فإن الله قادر على أن يصور الموعظة والاعتبار في قصص واقعة، وقضايا موافقة للعلم الصادق، ومما جاءت به الشريعة لإبطال ما يعتقده العرب من المزاعم الباطلة.
وإذا كنا نعدُّ مَن يسوق في كلامه قصة غيرَ واقعة بأسلوب يوهم أنها واقعة عاجزاً أو جاهلاً، كما نعدُّ من يأتي بكلامه بجملة ينكرها العلم عاجزاً أو جاهلاً، فكيف نعتقد أن الخالق ﷻ يسوق في كلامه ما ليس بحق، ولا ينبّه له؟!
وإذا كان بعض السياسيين يريد أن يجلب قلوب الناس إلى غرض محمود بقصة يعرف أنها غير واقعة، أو كلام يعرف أنه لا يطابق العلم الصحيح -؛ فربما كان حُسن القصد غطى على عيب الكذب، وهذا لا يقرر في حق الباري -جل شأنه-؛ إذ هو قادر على أن يؤلف قلوب الناس بغير حكاية ما ليس بحق، والكذب مستحيل في حق الأنبياء ﵈، فكيف يكون من الله- جلَّ وعلا -؟.
كتبنا هذه؛ ليتنبه المعتزون بدينهم لمغالطات الحائدين عن السبيل؛ حتى لا يكونوا عن هداية الله معرضين.
стр. 572
الفن القصصي في القرآن (١)
قدَّم أحد طلاب الجامعة المصرية رسالة موضوعها: "الفن القصصي في القرآن"؛ لينال بها لقب: "دكتور"، وقد تناولت الصحف الحديث عن هذه الرسالة، ودارت مناقشات حادة، هذا يعدّها من قبيل الإلحاد في آيات الله، وذاك يقف بجانبها، ويناضل عنها مناضلة الراضي عن آرائها، ووقف بعض الشبان بين هؤلاء يتعرفون وجه الحق فيما يتناظر فيه الفريقان؛ وكنّا ننتظر أن تقع الرسالة في أيدينا؛ لنلقي عليها نظرة فاحصة، حتى اطلعنا في "مجلة الرسالة" على نص التقرير الذي بعث به إلى عميد كلية الآداب أحدُ أعضاء اللجنة التي ألّفت لفحص الرسالة، وهو الأستاذ أحمد أمين، ثم اطلعنا في "جريدة أخبار اليوم" على مقال لأستاذ من أعضاء هذه اللجنة أيضاً يعلن فيه: أنه راض عما تضمنته الرسالة، وأنه هو الواضع للمنهج الذي تقدم عليه كاتب الرسالة لدرس القرآن، ثم اطلعنا في "مجلة الرسالة" على مقال لكاتب الرسالة ساق فيه نصوصاً لبعض المفسرين والأصوليين،
стр. 573
وأخرى للشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد رضا؛ بدعوى أن هذه النصوص تشد عضده، وتجعل ما كتبه حقيقة معترفاً بها من قبل.
ولما تجمع لديَّ تقرير الأستاذ أحمد أمين، وما كتبه الأستاذ الراضي عما كتب في الرسالة، بل الموجّه لصاحبها إلى ما وضع، ثم ما نشره كاتب الرسالة نفسُه من بعد، رأيت أن أكتب كلمة على حسب ما اطلعت عليه في الصحف، وفيما اطلعت عليه الكفاية.
صدَّر الأستاذ أحمد أمين تقريره بالعبارة الآتية:
"وقد وجدتها رسالة ليست عادية، بل هي رسالة خطيرة، أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ، والواقع أن محمداً فنان بهذا المعنى".
ثم قال: "وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها، وإني أرى من الواجب أن أسوق بعض أمثلة توضح مرامي كاتِب هذه الرسالة، وكيفية بنائها".
ثم أورد الأستاذ أحمد أمين أمثلة منتزعة من الرسالة تشهد بما وصفها به في هذه العبارة المجملة.
جاء في التقرير ما يأتي:
"يرى - يعني: كاتب الرسالة - أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويراً فنياً؛ بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد؛ مثل: أن البشرى بالغلام كانت لإبراهيم، أو لامرأته، بل تكون القصة مخلوقة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ... إلخ، ص ١٤ وما بعدها".
стр. 574
ما يرد في القرآن على وجه الإخبار لا يكون إلا موافقاً للواقع، هذا ما يقتضيه الإيمان بأنه تنزيل من عليم حكيم، ولو أجزنا أن يكون فيه أقوال غير مطابقة للواقع، لكان معنى ذلك: أن من أقواله ما يكون كذباً، وليس الكذب سوى عدم مطابقة الكلام للواقع. وإذا كان الفضلاء من الناس يتبرؤون من أن يقولوا زوراً، ويعدّونه في أقبح الرذائل المزرية بالإنسانية، فما كان لنا أن نلصقه بكلام ذي العزة والجلال، ناظرين إلى مقام الربوبية كما ننظر إلى شاعر أو كاتب قد يعجز عن أن يظهر براعته الفنية في الحوادث الواقعة تاريخياً.
يصف كاتب الرسالة الكتابَ الحكيم بالتناقض في رواية الخبر الواحد، مستدلاً بذلك على أنه لا يلتزم الصدق التاريخي، ويقول: "بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد؛ مثل: أن البشرى بالغلام لإبراهيم، أو لامرأته".
التناقض في الأخبار: أن يختلف الخبران بالإيجاب والسلب، مع اتحادهما فيما عدا ذلك، ويلزم من صدق أحدهما كذبُ الآخر؛ كأن تقول: بشرت زيداً بقدوم ابنه، ثم تقول: لم أبشر زيداً بقدوم ابنه، ومثل هذا الضرب من الكلام لم يقع في الآية الكريمة، وإنما ورد: أن الله بشَّر عن طريق الملائكة إبراهيم ﵇ بغلام؛ كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] , ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وورد في آية أخرى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. ومن المعقول أن يبشر الملائكة إبراهيم ﵇, ثم يبشروا امرأته
стр. 575
بغلام هو إسحاق، فيذكر في آية: أنهم بشروا به إبراهيم، ويذكر في آية أخرى: أنهم بشروا به امرأته، ومن ذا الذي يتوهم أن في مثل هاتين البشارتين شيئاً من التناقض، أو ما يشبه التناقض؟!
يزعم كاتب الرسالة أن القرآن يختلق بعضَ القصص، فقال: "بل تكون القصة مخلوقة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ﴾ [المائدة: ١١٦] ... إلخ"
ولا ندري ما هو الدليل الذي ينهض أمام هذه الآية، ويدل على أن القصة المشار إليها مخلوقة غير واقعة، والأدلة في مثل هذا إما نصوص تاريخية ثابتة الرواية، وإما أن يُشعر المتكلمُ مخاطبه بأنه يريد تصويراً فنياً، وإما أن يبدو للمخاطب من طبيعة الحادثة ما يجعلها مستحيلة الوقوع، ولم يرد نص تاريخي ينفي ما اشتملت عليه القصة من خطاب الله تعالى لعيسى وجواب عيسى- ﵇، ولم يقل الله تعالى - لا صراحة ولا تلويحاً -: إن هذه القصة مخلوقة غير واقعة، وإنما أريدُ تصوير حادثة تصويراً فنياً، وليس في القصة معنى يحكم العقل المنطقي باستحالته.
وقال كاتب الرسالة - على ما جاء في التقرير -: "إن الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي ليست تاريخية، ولا واقعة، وإنما هي تصوير نفسي عن أحداث مضت، أو أغرقت في القدم، سواء كان ذلك الواقع متفقاً مع الحق والواقع، أم مخالفاً له. ص ٢٨".
نتحدث مع صاحب الرسالة في هذا الموضوع الديني بصفته مسلماً، فنقول: قد قام الدليل القاطع على أن القرآن كلام الله، وأن رسوله محمدا ﷺ قد بلّغ ما أُنزل إليه من ربه، فكل ما جاء في القرآن من خبر فهو صادق، وإنما الصدق مطابقةُ الكلام للواقع، ونستند في الجزم بصدق أخبار القرآن
стр. 576
إلى الدليل القائم على صدق الرسول في دعوى الرسالة، والدليل القائم على أن القرآن وحي من الله -جل شأنه- ولو كان القائل: "إن النبي- ﵊ إنما يصور واقعاً، في نفسه، سواء كان ذلك الواقع متفقاً مع الحق والواقع، أم مخالفاً" لا ينتمي إلى الإسلام، لقلنا: نحن معنا أدلة لا تحوم حولها شبهة على أن القرآن لا يقول إلا حقاً، فإن أبيت أن تصغي إليها بأذن واعية، فاعمد إلى قصة من قصص القرآن، وأقم على أنها مخالفة للحق دليلاً يقره المنطق، ويتقبله العقل.
يقول كاتب الرسالة: "إن المشركين كانوا يوجهون إلى النبي أسئلة، وإن الإجابة عنها ليست تاريخية، ولا واقعة".
ونحن لا ندري من أين عرف كاتب الرسالة أن إجابة النبي ﷺ عن أسئلة المشركين لم تكن تاريخية، ولا واقعة! فقد يهمل التاريخ أحداثاً، فلا يدل عليها صراحة، ولا رمزاً، ولكنه لا يستطيع أن يأتي إلى أحداث أخبر عنها القرآن على وجه خاص، ويحكم عليها بأنها غير واقعة، حكماً يدخل إليه من باب الروية والإنصاف.
قال كاتب الرسالة: "والقرآن يقرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن، قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئاً. ص ٢٩، والمفسرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد. ص ٣٠".
لم يقرر القرآن أن الجنّ لا يعلمون شيئاً وإن قال في قصة وفاة سليمان ﵇: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
فالآية إنما نفت عن الجن علم الغيب، وهو ما يحصل للعالِم ذاته،
стр. 577
ومن هنا كان مختصاً بالخالق -جل شأنه- قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فدلت الآية على أن علم الغيب خاص به تعالى، وأما غيره، فلا يعلم الأشياء الغائبة عنه بذاته، وإنما يعلم منها ما يعلمه الله؛ كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. ومن هنا نفهم كيف ينفي النبي ﵊ عن نفسه علم الغيب، مع أن الله قد أظهره على أشياء كثيرة كانت غائبة عنه، فقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فنفي علم الغيب عن الجن لا ينافي أنهم يعلمون بعض الأشياء بطريق من طرق العلم الخفية.
فكاتب الرسالة مخطئ في فهمه أن بين الآية التي تثبت للجن العلم ببعض الشيء، والآية التي تنفي منهم علم الغيب، تناقضاً.
قال كاتب الرسالة: "الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة، وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة، وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة، ودانوا بما تدين به من رأي، وعبدوا ما يعبد من إله. ص ٢٧".
أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها، وممن حكى الإجماع على هذا: الإمامُ عضد الدين في كتاب "المواقف"، والقاضي عياض في كتاب "الشفاء".
ولكن كاتب الرسالة يقول: إنهم قلدوا الأهل والعشيرة في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة، وعبدوا ما يعبد من إله.
وإنما يقول هذا، ويخرج عن إجماع المسلمين من استطاع أن يملأ
стр. 578
يده من روايات تاريخية صحيحة، أو استطاع أن يقيم دليلاً نظرياً يسعه المنطق السليم، وليس بيد الكاتب نقل مقبول، ولا دليلٌ معقول، وإنما هي دعوى عارية من كل شاهد، فلندعْ بسطَ الحديث عنها حتى نعرف الشبهة التي دفعت الكاتب إليها؛ حتى عبَّر عنها بجمل يؤكد بعضها بعضاً، وأسرف في تسويتهم بالمشركين إلى أن قال لك: "وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل"!.
قال كاتب الرسالة: "تصوير أخلاق الأمم - كبني إسرائيل - ليس بضروري أن يكون واقعاً، بل يصح أن يكون تصويراً فنياً يلاحظ الواقع النفسي أكثر من صدق القضايا ... إلخ. ص ٧٥".
القرآن وحي سماوي، فإذا وصف أخلاق أمم؛ كبني إسرائيل، دلَّ بالضرورة على أن وصفهم بتلك الأخلاق واقعي، ومن ادَّعى أن القرآن غير صادق فيما وصف، فليأت بآية وصفت بعض الأمم بأخلاق، ودلت الرواية أو الدراية على أن هذا الوصف غير مطابق للواقع.
قال كاتب الرسالة: "القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاصّ لحوادث وقعت من بطل لا وجود له، أو لبطل له وجود، ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً، أو وقعت ولكنها نُظمت على أساس فني، إذ قدم بعضها، أو حذف بعضها، وأضيف إلى الباقي بعض آخر، أو بولغ في تصويرها إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقية إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية، وهذا قصدنا في هذا البحث من الدراسة القرآنية. ص ٨١".
هذا الذي يقوله الكاتب إنما ينطبق على القصص التي يقصد من تصنيفها
стр. 579
إظهار البراعة في صناعة الإنشاء، أو في إجالة الخيال، أو بعض الارتياح والمتعة في نفوس القارئين؛ مثل: مقامات بديع الزمان، أو مقامات الحريري، أو القصص التي تنشر اليوم في بعض الصحف السائرة، أما قصص القرآن، فهي من كلام رب العزّة، أوحى به إلى الرسول الأكرم؛ ليكون مأخذ عبرة، أو موضع قدوة، أو مجلاة حكمة، وإيمانُ الناس بأنه صادر من ذلك المقام الأسنى يجعل له في قلوبهم مكانة محفوفة بالإجلال، ويمنعهم من أن يدرسوه كما تدرس تلك القصص الصادرة من نفوس بشرية تجعل أمامها أهدافاً خاصة، ثم لا تبالي أن تستمد ما تقوله من خيال غير صادق، أو تخرج من جد إلى هزل، وتضع بجانب الحق باطلاً.
قال كاتب الرسالة: "أخطأ الأقدمون في عد القصص تأريخاً. ص ٨٣".
لم يخطئ المتقدمون ولا المتأخرون في عد القصص تأريخاً، بل هم على بينة من أمرهم إذ يعدون القرآن أصحَّ مصدر لما يقص من شؤون الأمم الغابرة، والأمم التي كانت تعيش وقت نزوله؛ ذلك أن الدليل القائم على أن القرآن وحي إلهي هو الدليل الذي يشهد بأن قصصه تاريخ حق لازم للإيمان بأنه وحي سماوي، ومن يزعم أنه يوجد هذا الإيمان بدون ذلك الاعتقاد، فهو كمن يزعم أن الشمس طالعة، والنهار غير موجود.
قال كاتب الرسالة: "منهجه - أي: القرآن - هو معالجة القصة من حيث هو أدب، ويعني بذلك خلق الصور والابتكار والاختراع (ص ٨٤) ولذلك لا مانع من اختلاف تصور الشخصية الواحدة في القرآن. ص ٨٥".
لم يعالج القرآن القصة من حيث هي أدب، وإنما يوردها من حيث إنه مطلع حكمه، ومأخذ عبرة، وحيث كان لبلاغة القول - بعد حكمة المعنى
стр. 580
وقوة الحجة - أثر زائد في توجيه النفوس إلى الصراط السوي، أنزل الله القرآن كله في أفصح الألفاظ، وأبدع الأساليب، حتى بلغ بحسن بيانه أنه كان المعجزة الخالدة.
وأشار الأستاذ أحمد أمين في تقريره إلى أن كاتب الرسالة يسمّي القصة في القرآن: أسطورة، فقال عازياً إلى تلك الرسالة: "وجود القصة الأسطورية في القرآن. ص ٨٩"، ثم اطلعنا على مقال لكاتب الرسالة نشره في "مجلة الرسالة" يقول فيه: "وأرجو أن لا يزعجنا هذا اللفظ (أسطورة)، ونقع في أخطاء وقع فيها غيرنا حين ظن أن معنى الأسطورة: الكذب والمين، أو الخرافات والأوهام، فذلك ما لم يقصد إليه القرآن الكريم، وقال: "ليست الأسطورة في حس القرآن الكريم إلا ما سطره الأقدمون من أخبارهم وأقاصيصهم، بذلك تنطق آياته، وإلى ذلك فطن المفسرون" ثم نقل عن الطبري تفسيره للأسطورة بما: "سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم". ونقل عن "الكشاف" أنه فسرها: "بما سطره المتقدمون من نحو الحديث عن رستم، واسفنديار".
ثم نقل عن "المنار" للشيخ رشيد رضا: أنه فسر الأساطير في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]: بقصص الأولين وأحاديثهم التي سطرت في الكتب على علاتها، وما هي بوحي من الله".
من المفسرين من يفسر الأسطورة بما سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم، وهذا لا ينافي ما قاله آخرون من أنها الأباطيل والخرافات، قال صاحب "الكشاف" عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: "فيجعلون كلام الله وأصدق الحديث خرافاتٍ وأكاذيبَ، وهو الغاية من التكذيب". قال الألوسي في تفسير ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من هذه الآية: "أي: أحاديثهم
стр. 581
المسطورة التي لا يعوَّل عليها". ونقل عن قتادة: أنه قال في تفسيرها: "كذبهم وأباطيلهم".
وإذا رجعنا إلى كتب اللغة نجد صاحب "المصباح" يقول: "والأساطير: الأباطيل". وصاحب "لسان العرب" يقول: "الأساطير: الأباطيل"، ويقول أيضاً كما قال صاحب "القاموس": "والأساطير: أحاديثُ لا نظام لها"، وفي "اللسان" أيضاً: "يقال: سطّر فلان علينا: إذا أتى بأحاديث تشبه الباطل".
وهذه النصوص وحدها كافية لأن تمنع كاتب الرسالة من أن يسمي القصة في القرآن: أسطورة.
قال كاتب الرسالة: "ولعل قصة موسى في الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة (٨٩)، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ".
وضع الكاتب أمامه قصص القرآن، وأخذ يُصدر فيها أحكاماً تمليها عليه محاكاته لقوم يجحدون، فعمد إلى قصة موسى في سورة الكهف، ونفى عنها أن تكون قد اعتمدت على أصل من واقع الحياة، ووصفها بأنها ابتدعت على غير أساس من التاريخ، مظهراً عدم الجزم بذلك، إذ صدَّر حكمه بحرف: "لعل"، فقال: "لعل قصة موسى ... إلخ".
والذي يتصدى لأن يحكم على قصة نبي في القرآن بأنها لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، شأنه أن يعرف تاريخ ذلك النبي من طريق غير القرآن، ويملأ يده من روايات بالغة في الصحة درجة تكسبه الجزم بأن ما حكاه القرآن غير واقع، فله أن يقول حينئذٍ: إن هذه القصة مبتدعة على غير أساس من التاريخ، فهل دخل الكاتب إلى هذا الحكم المصدَّر بـ "لعل" من طريق هو أرجح دلالة على الواقع من نصوص القرآن المجيد؟!
стр. 582
قال كاتب الرسالة: "والقرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب، وأبطال أهل الكتاب، ونشره نشراً يدعم غرضه (ص ٩٣)؛ كقصة ذي القرنين".
إذا قص القرآن حوادث كان حديثها يدور بين العرب، أو أهل الكتاب، فإنما يقصها لقصد يعود على دعوته الشاملة بتأكيد، وهو - بعد هذا - لا يقص من تلك الحوادث إلا الواقع، وليس من المعقول أن يجاري القرآن العرب أو أهل الكتاب فيما يتسامرون به في مجالسهم، فيعرض منها ما ليس بواقع، وهو تنزيل من علّام الغيوب.
أما قصة ذي القرنين، فقد ذكر القرآن أن الكفار وجهوا إلى النبي ﷺ سؤالاً عن ذي القرنين، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، ولا يخطر على بال أحد فَهمَ مساق القصة، وعرفَ ما يقصده أولئك المتعنتون من أسئلتهم، أن يكون قصدهم من هذا السؤال أن تصور لهم قصة ذي القرنين في صورة فنية، وإن كانت غير مطابقة للواقع التاريخي، فيكون غرضهم إذاً اختبار حال المسؤول من جهة حسن البيان، وذلك ما لا يحتمله لفظ الآية، ولا يساعد عليه مساقها.
نزل الوحي بالجواب عن هذا السؤال، قال تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٣، ٨٤] ... إلخ القصة، وقد اختلف الكاتبون في: من هو ذو القرنين الذي تحدث عنه القرآن في هذه القصة؟ وأخذوا يتحدثون عن الإسكندر الرومي، والإسكندر اليوناني، وغيره. ونحن نطرح كل حديث عن شخص لا ينطبق عليه ما وصف به القرآن ذا القرنين، ونقطع ببطلان أن يكون ذلك الشخص هو المسمَّى في هذه القصة: ذا القرنين، ونقول: إن القصة الواردة في القرآن موافقة للواقع التاريخي
стр. 583
ما دام المؤرخون لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً مقبولاً على أنه لم يوجد في العصور الخالية شخص صدرت منه الأعمال التي نسبت في القصة إلى ذي القرنين، وإذا لم يذكر القرآن العصر الذي ظهر فيه ذو القرنين، ولا البلد الذي نشأ فيه، ولا الشعب الذي ينتسب إليه، كان من المتعذر على المؤرخ أن ينكر صدق قصته إنكاراً يقيم له العارفون بآداب البحث وزناً.
قال كاتب الرسالة: "عناصر القصة هي العناصر الفنية والأدبية التي اتخذ منها الفنَّان مادته التركيبية، والتي أعمل فيها خياله، وسلط عليها عقله، ونالها بالتغيير والتبديل، حتى أصبحت وكأنها مادة جديدة بما بث فيها من روحه، وكذلك القصص في القرآن، والبحث عن المصادر في القصص القرآني على هذا الأساس".
عرَّف الكاتب - قبل هذا - القصةَ بأنها: العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطلٍ لا وجود له، أو بطل له وجود، ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً ... إلخ ما نقلناه من كلامه - فيما سلف - وعرّف عناصر القصة هنا بأنها: العناصر الفنية والأدبية ... إلخ.
وما قاله الكاتب في تعريف القصة يصح أن يقال في قصة يؤلفها فنان يريد من تأليفها إظهار براعته البيانية، ولا يبالي في تخيله أن تكون الحوادث التي أَعملَ فيها خياله، وسلَّط عليها عقله، وقعت من بطل لا وجود له، أو من بطل له وجود، ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً. ولا يليق بباحث مطمئن إلى أن القرآن وحي سماوي أن يقول بعد أن عرّف القصة وعناصرها بما عرفهما به: "وكذلك القصص في القرآن".
ويقول كاتب الرسالة: "والبحث عن المصادر في القصص القرآني على
стр. 584
هذا الأساس". أشار الكاتب إلى أن للقرآن مصادر، وهذا ما يقوله المخالفون الذين يقولون: إن القرآن من تأليف محمد، ويزعمون أن هناك مصادر استمد منها النبي محمد ما جاء به من شريعة الإسلام، ومن مصنفاتهم كتاب يسمونه: "مصادر الإسلام". والمسلمون على يقين من أن للقرآن مصدراً واحداً هو الله الذي يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
قال كاتب الرسالة: "يجب أن لا يزعجنا؛ لأنه الواقع العلمي في حياة كل الفنون والآداب (١١٨)، وطبق هذا المبدأ تطبيقاً واسعاً".
لا يزعجنا أن يسوق بعض الكاتبين قصص القرآن الكريم مَساقَ القصص التي يُعمل فيها الفنان خياله، ويسلط عليها عقله، مادام الدليل الذي قام على أن القرآن كلام الله لا يزال قائماً نصب أعيننا؛ ذلك أن القرآن دعوة مقرونة بحجة تشهد للدعوة بأنها صادرة من حضرة ذي الجلال، لا أنها من صنع بشر فنان، قد يغطي بزخرف قوله ما تنطوي عليه عباراته من معانٍ لا تطابق الواقع التاريخي.
قال كاتب الرسالة: "وما تمسك به الباحثون من المستشرقين ليس سببه جهل محمّد بالتاريخ، بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الحرص على الصدق العقلي، وإنما يتتج عمله، ويبرز صوره بما ملك من الموهبة الفنية، والقدرة على الابتكار والاختراع، والتغيير والتبديل. ص ١٣٦".
ادعى المستشرقون أن في القرآن قَصصاً غيرَ موافق للواقع التاريخي، وكذلك زعم كاتب الرسالة: أن القصص في القرآن لوحظ فيه التصوير الفني دون الواقع التاريخي، والصدق العقلي، فكاتب الرسالة يوافق المستشرقين
стр. 585
في أن بين قصص القرآن ما لا يوافق الواقع التاريخي، غير أن المستشرقين يعللون هذه المخالفة بعدم معرفة محمد للتاريخ، وكاتب الرسالة يعللها بأنه ﵊ يسوق القصة غير معنيٍّ بالواقع التاريخي، ولا حريصٍ على صدقها العقلي، وإنما كانت وجهته التصوير الفني، والابتكار والاختراع، والتغيير والتبديل!.
وانظر ماذا ترى في قوله: "ليس سببه جهل محمد بالتاريخ، بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي"، فهل كاتب الرسالة أطلق اسم الفنان على محمد - صلوات الله عليه - فيكون قد حاكى المستشرقين في زعمهم: أن القرآن من صنع النبي محمد، أو أطلقه - بصفته مسلماً - على منزِلّ القرآن، ووصفه بأنه لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الصدق العقلي؟
وفي كلا الأمرين زهد في الاحتفاظ بالعقيدة السليمة!.
والمسلم الحق من يؤمن بأن القرآن مُنَزّل من عند الله، لا من صنع محمد- ﵊, وينزه القرآن عن ذلك التصوير الفني الذي لا يعنى فيه بالواقع التاريخي، وليس قصص القرآن إلا الحقائق التاريخية تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة، والأساليب الرائعة.
قال كاتب الرسالة: "تتدرج القصص في القرآن كما يتدرج أدب كل أديب، فالأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم، ثم يتقدمون خطوة، فيبغون الاستمتاع واللذة بالمحاولات الأولى التي تقوم على التقليد والمحاكاة، ثم يكون التخلف شيئاً فشيئاً، والدخول في ميدان التجارب الخاصة، ومظاهر ذلك: النسخ، والتدرج بالتشريع ١٦٩ إلخ".
جعل الكاتب القصص القرآني يتدرج كما يتدرج أدب كل أديب، وقال:
стр. 586
إن الأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم. والواقع أن القرآن لم ينزل ليجاري الأدباء في أدبهم، ويذهب في المبالغات مذهبَهم، ويستخف بحرمة بعض الحقائق استخفافَهم، وإنما نزل القرآن ليهدي الأدباء وغيرَ الأدباء إلى ما يلائم الفِطَر السليمة من عقائدَ وآدابٍ وأعمال، فوجهته الدعوةُ إلى الإصلاح الشامل، وليست هذه الدعوة الإصلاحية وليدةَ الدخول في ميدان التجارب الخاصة، ولا النسخ والتدرُّج بالتشريع من مظاهر الدخول في تجارب، بل الدعوة هدايةٌ من خالق التجارب والمجربين، والنسخ والتدرج بالتشريع من مظاهر علمه القديم، كما هو مفصَّل في أصول الشريعة.
стр. 587
تحريف آيات الحدود عن مواضعها (١)
اطلعت على مقال نشره بعض الكاتبين في العدد السادس من "جريدة السياسة الأسبوعية" تحت عنوان: "التشريع المصري وصلته بالفقه الإسلامي"، فرأيت الكاتب قد أبدى رأياً هو: أن الأمر في آية حد السرقة، وآية حد الزنا، يحمل على الإباحة، لا على الوجوب.
وقد مهد الكاتب لهذا الرأي بكلام في الاجتهاد يشير إلى أن ما سيقوله في آيات الحدود من قبيل الاجتهاد المعروف بين علماء الإسلام. ونحن لا نريد التعرض لذلك التمهيد، فننظر في مرتبة الاجتهاد، وفي صفات من يقبل منه دعوى أنه بلغ تلك المرتبة، بل نقصر البحث على ذلك الرأي؛ حتى يستبين القارئ: أنه رأي لم يصدر عن اجتهاد، ولا تثبُّتٍ في فهم كلام الشارع الحكيم.
ذكر الكاتب في صدر مقاله: أن مقالاً كان قد نشر في "السياسة الأسبوعية" حوى أفكاراً أثارت في نفسه من الرأي ما كان يريد أن يرجئه إلى حين؛ لأن النفوس لم تتهيأ بعدُ لفتح باب الاجتهاد، ثم قال: "ولكني
стр. 588
ساُقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين، وسأجتهد ما أمكنني في ألا أدع لأحد مجالاً في ذلك التشنيع الذي يقف عقبة في سبيل كل جديد".
ثم تحدث الكاتب عن الحدود، مدعياً أن الأمر الذي سيثيره قد يصل فيه إلى إعادة النظر في النصوص التي وردت فيها لبحثها من جديد، وقال: "سأقتصر الآن على ذكر ما ورد في تلك الحدود من النصوص القرآنية، وذلك قوله تعالى في حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨، ٣٩]، وقوله تعالى في حد الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقال: "فهل لنا أن نجتهد في الأمر الوارد في حد السرقة، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا﴾، والأمرِ الوارد في حد الزنا، وهو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فنجعل كلاًّ منهما للإباحة، لا للوجوب، ويكون الأمر فيهما مثل الأمر في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، فلا يكون القطعُ في السرقة حداً مفروضاً لا يجوز العدولُ عنه في جميع حالات السرقة، بل يكون القطع في السرقة هو أقصى عقوبة فيها، ويجوز العدول عنه في بعض الحالات إلى عقوبة أخرى رادعة، ويكون شأنه في ذلك شأنَ كل المباحات التي تخضع لتصرفات ولي الأمر، وتقبل التأثر بكل زمان ومكان، وهكذا الأمر في حد الزنا، سواء أكان رجماً، أم جلداً؟ ".
стр. 589
هذا ما يقوله الكاتب، وقد سمَّاه في صدر المقال: رأياً، وقال: إنه كان يريد إرجاءه إلى حين؛ لأن النفوس لم تتهيأ لفتح باب الاجتهاد، وأن الناس يسرعون إلى التشنيع والطعن في الدين. وقال: "فلا يجد من يرى شيئاً من ذلك إلا أن يكتمه، أو يظهره بين أخصائه ممن يأمن شرهم، ولا يخاف كيدهم "، وقال: "ولكني سأقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين".
فنحن إذا نقدْنا هذا الذي يقوله الكاتب، فإنما ننقد رأياً كان يخفيه إلى حين، وإن كساه - في آخر المقال - ثوبَ المسائل التي يطرحها خالي الذهن؛ ليعرف وجه الحق مما تحرره أقلام الكاتبين.
من مقاصد الشريعة الغرّاء: حماية الأنفس، والأموال، والأعراض، والأنساب، فعمدت إلى ما يكون الاعتداء به على هذه الحقوق أكثر أو أشد ضرراً، فشرّعت له عقوبة معينة، وفوَّضت ما عدا ذلك إلى ولي الأمر ليجتهد فيه رأيه. فأشدُّ ما يُعتدى به على الأنفس القتلُ، فجعلت عقوبته القصاص، وأغلبُ ما يُعتدى به على الأموال السرقةُ، فجعلت عقوبته قطعَ اليد، وأغلبُ ما يتعدى به على عرض المرأة قذفُها بالزنا، فجعلت عقوبة القاذف أن يجلد ثمانين سوطاً، وأشد ما يُهتك به عرضها، ويجر العار إلى أسرتها، ويدخل الريبة في نسب أبنائها، ويجعلها منبت ذرية يعيشون بين الناس في مهانة وازدراء، فاحشةُ الزنا، فجعلت عقوبة الزاني البكر مئة سوط، والمحصن الرجم. وعقوبة الجلد ثابتة بنص القرآن، وأما الرجم، فثابت بالسنَّة.
وليس مقامنا هذا مقامَ بسط ما يترتب على هذه الجنايات من الفتن، والإخلال بالأمن، ولا بسط ما في إقامة هذه الحدود من حفظ الأنفس والأموال والأعراض، وإنما وجهة نظرنا نصوص آيات حد السرقة، وحد الزنا؛ لننبه على
стр. 590
أن هذه الآيات غير قابلة لذلك التأويل الذي لا يملك أحد تغييره، ولا يصح لمن بيده إنفاذه أن يعدل عنه إلى عقوبة يضعها من نفسه.
ومن ينظر في آيات حد السرقة، وحد الزنا مجرداً من كل هوى، لم يفهم منها سوى أن من يرتكب السرقة، عقوبتُه قطع اليد، ومن يرتكب فاحشة الزنا، عقوبتُه الجلد، وأن الأمر في قوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] واردٌ في الوجوب القاطع، فإن بناء الأمر بالقطع في آية حد السرقة على قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، وبناء الأمر بالجلد في آية حد الزنا على قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] يصرفه عن احتمال الإباحة إلى الوجوب، ذلك أن تعليق الحكم على شخص موصوف بوصف يؤذن بأن المقتضي للحكم هو ذلك الوصف الذي قام بالشخص، وإذا كان الوصف جناية؛ مثل: السرقة، والزنا، ووضع لها حكماً في صيغة، ولم يذكر حكماً غيره، لا يصح أن يقال: إن هذا الأمر محتمل للإباحة؛ كما احتملها الأمر في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الآية.
ثم إن اتصال آية السرقة بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] صريحٌ في الدلالة على أن الأمر بالقطع للوجوب؛ لأنه واقع في الآية موقع المنبِّه على إن من تحقق فيه وصف السرقة، فهو مستحق لهذه العقوبة (عقوبة القطع)، وإذا قضى الشارع في جناية بعقوبة، وصرح أنها جزاء الجناية؛ أي: إنها على قدر جنايته، لم يكن للأمر بهذه العقوية وجه غير الوجوب، وفي وصفه الحد بأنه "نكال من الله" إيذانٌ بأن من وقف في سبيل إنفاذه، فقد حارب الله، ومن رأى أن غيره من العقوبات أحفظ للمصلحة، فقد زعم أن علمه فوق علم الله.
стр. 591
وكذلك اتصال آية حد الزنا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] يمنع من حمل الأمر فيها على الإباحة؛ فقد عرف الشارع أن في الناس من تثور في نفسه العاطفة العمياء، ولا ينظر إلى المصالح بعقل سليم، فيرى أن في جلد الزاني إفراطاً في العقوبة، فحذر من الانقياد إلى تلك العاطفة الجاهلة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، ثم نبه على أن مقتضى الإيمان: تنفيذ أحكام الله في غير هوادة، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢].
وإذا نظرت بعد هذا إلى قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، رأيته كيف أمر بأن يُقام هذا الحد بمرأى طائفة من المؤمنين؛ ليكون في إعلانه وإذاعته الزجرُ البالغ، وفي الأمر بإعلان العقوبة قصداً للمبالغة في الزجر ما يؤكد أن الأمر بالجلد وارد على سبيل الوجوب؛ لأن الشارع يكره إشاعة ما يصدر عن الأشخاص من آثام، فما أمر بإعلان الحد الذي يستدعي إشاعة ما وقع من الفاحشة إلا حيث أصبح الحد أمراً حتماً، وكان إعلانه من متممات ما يقصد بالحد من الزجر.
وقد مشى كاتب المقال في غير طريق؛ إذ جعل الحدود من المباحات التي تخضع لتصرف ولي الأمر، فقد عرفت أنها ليست من المباحات، بل هي من الواجب المعين. والدليل على أنها من الواجب الذي لا يقوم غيره مقامه متى تحقق معنى الجناية: أن القرآن أفردها بالذكر، وقرن الأمر بأبلغ وجوه التوكيد، وطريقته المعروفة في التخيير أن يذكر الأنواع المخير بينها؛ كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ
стр. 592
أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقوله في عقوبة البغاة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣].
ويدلكم على أن الحدود من قَبيل الواجب المعين: سنَّةُ رسول الله ﷺ القولية، والعملية.
أما القولية: فإنّا نراه حين يذكر الجناية يذكر بجانبها الحد الشرعي، كما قال في السرقة: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يد"، وقوله: "وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
وأما السنَّة العملية: فإنه لم يعاقب من شرعت في حقهم الحدود إلا بهذه الحدود.
وليصرف صاحب المقال نظره عما يزعمه غير المؤمنين؛ من أن هذه الحدود عقوبات لا تلائم حال المدنية، ويذكر لنا مثلاً من مصالح الزمان والمكان التي تقتضي أن تكون عقوبة مرتكب جريمة السرقة، أو فاحشة الزنا، غيرَ ما ورد في الشرع، ويقول لنا: ما هي العقوبة المبتدعة التي تفعل في حفظ الأموال والأعراض ما يفعله القطع أو الجلد؟
بقيت آيات الحدود منذ عهد النبوة محفوظة من عبث المؤوّلين، لا يختلف العلماء في أن الأوامر فيها للوجوب، وأن من أضاعها، وهو قادر على إقامتها، فهو فاسق أو جاحد، إلى أن ظهرت فئة خاسرة؛ مثل: زعيم طائفة القاديانية محمد علي؛ إذ حاول أن يفتح في حصن تلك الأوامر ثلمة، فقال - وتابعه في رأيه أبو زيد الدمنهوري - إن السارق: من اعتاد السرقة، والزاني:
стр. 593
من اعتاد الزنا، وهو تأويل خرج به عن قانون اللغة العربية، بعد أن خرج به عن سنَّة النبي القولية والعملية.
وجاء بعده كاتب المقال، فهجم على آيات الحدود بمعول ذلك التأويل الذي تنكره اللغة والسنَّة وحكمة التشريع، ولو جرى الناس على مثله من تفسير الكتاب المجيد، لكَفَوْا خصومَ الإسلام جانباً من العمل لهدم أركانه، وطمسِ معالمه. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
стр. 594
كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد (١)
علم الله أن في البشر عقولاً لا تدرك وجوه الخير، وأن في وجوه الخير ما لا تصل إليه العقول بنفسها، وعلم أن فيمن يعقلون بعض هذه الوجوه أولي أهواء نزَّاعة إلى الشر، فأنزل كتاباً يدعو إلى توحيد الخالق، ويهدي إلى مكارم الأخلاق، ويسنُّ للقضاء والسياسة العامة أحكاماً عادلة، وينبه على بعض سننه في الخليقة لندرك بالغ حكمته، ويذكرنا بأيام أمم قد خلت من قبلنا لنتعظ بها، ونحذر سوء منقلبها، ويقصُّ علينا من أنباء رسله ما يصف لنا صبرهم على ما أوذوا، وتأييده لهم بما يقطع عذر المنكرين لرسالتهم، ويخبر عن بعض الحقائق الغائبة عن أبصارنا، لنزداد علماً بسعة خلقه، وكمالِ قدرته، ونفقه أن ما لدينا من وسائل العلم لا نكسب به من العلم إلا قليلاً.
وقد شاء الله تعالى أن ينزل هذا الكتاب على سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ، وقضت حكمته أن ينزله بلسان عربي مبين، بلسان أمة اختصت لذلك العهد بمزايا تهيئها لأن تتقبل دعوته، وتفقه مقاصده، وتشيد بجانبه دولة تقيم لمن
стр. 595
تقلدوه عزة، وتمد على رؤوس دعاته حماية يتقلبون في ظلالها، ويبلغون الأمة هداية الله تحت رايتها.
أنزل الله كتابه الكريم، وعهد ببيانه إلى رسوله العظيم ﷺ ، فتلقى عنه أصحابه ذلك الكتاب، وبيانَ ما كان يخفى عليهم من آياته، فما انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى تركها شريعة غرَّاء، ليلُها كنهارها، وما انقرض عهد أصحابه ﵃ حتى ورثها عنهم التابعون، وأدَّوها إلى الذين جاؤوا من بعدهم بأمانة وتقوى، وما زال القرآن يدرس، والراسخون في العلم لا يختلفون في فهم آياته، إلا آياتٍ لا يمس الخلاف فيها أصلاً من أصول الدين، وليس فيما يعتد به من هذا الخلاف ما يخرج فيه الفهم عن أساليب اللغة العربية، ومقتضى وضعِ ألفاظها، حتى ظهر أشخاص قلَّ في علم اللغة نصيبُهم، أو خفَّ في علم الشريعة وزنُهم، فتناولوا القرآن بعقول لا تراعي في فهمه قوانين البلاغة، ولا تدخل إلى تفسيره من باب السنَّة الصحيحة، فأدخلوا في تفسير القرآن آراء سخيفة، ومزاعم منبوذة، ووَجدت هذه الآراء وهذه المزاعم عند بعض العامة وأشباه العامة متقبَّلاً.
وشرٌّ من هؤلاء طائفة الباطنية، الذين هم رهط من المجوس، ائتمروا على أن يكيدوا الإسلام بتأويل القرآن على وجوه غير صحيحة؛ ليصرفوا الناس عن محجته البيضاء، ويأخذوهم إلى ما شاؤوا من نِحَل خاسرة وأهواء، ولولا رجال يدرسون الدين ببصائر تنفذ إلى لبابه، ويرزقون إيماناً يسوقهم إلى دفاع الخبائث عن حياضه، لكان لأولئك المضلين جولةٌ أوسعُ مما جالوا، واستدراج للنفوس أكثر مما استدرجوا.
وعلى الرغم مما في كتب العلماء المصلحين من حق واضح، وحجة
стр. 596
دامغة، لم ينقطع شر هذا الرهط الذين يمكرون بكتاب الله، ويحرفون كلمه عن مواضعه؛ ليقضوا مآرب، ويشفوا صدور قوم لا يؤمنون.
وها هي تلك الفرقة البهائية قامت منذ عهد غير بعيد تتبع خطا الباطنية: تجهد نفسَها إجهادهم، وتهذي في تأويل كتاب الله هذيانهم. وقد تسنَّى لها أن تستهوي بعض النفوس الغافلة أيام كان دعاتها يراؤون الناس، ويضعون على ألسنتهم مسحة من الدين الحنيف، أما اليوم، فقد غرَّهم الغرور، فأعلنوا نحلتهم، وجعلوا الناس على بينة من باطن أمرهم، فما لهم بعد هذه العلانية إلا أن يُنقض بناؤهم، ويحذر المسلمون أينما كانوا حبائل دعاتهم.
ويضاهي البهائيةَ وأسلافَهم الباطنيةَ في العمل لتقويض أصول الإسلام على طريقة التأويل نفر يضعون على رؤوسهم بياضاً، ويحملون في صدورهم سواداً، لم يرسموا لأنفسهم نحلة دينية، وإنما هي الغواية لعبت بعقولهم، وإكبارُ خصوم الدين ران على قلوبهم، فانطلقوا إلى القرآن الكريم يؤولونه على ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجات في نفوس ساداتهم، يفعلون هذا ولا يرقبون في اللغة العربية ذمة، ولا يرعون لسنَّة أفضل الخليقة حُرمة، وتراهم ينبذون ما يقرره أئمة العربية، أو أئمة الدين نبذاً لا يتكئ على دليل، ويطلقون ألسنتهم في هؤلاء الأئمة الذين خدموا الدين والعلم والأدب، وإنما يعرف فضلَهم العالم الناقدُ النبيل.
ومن هؤلاء النفر شخص سولت له نفسه أن يخوض في آيات الله كالذين خاضوا فيها على عماية، فكتب جملاً قصيرة قذف فيها شيئاً من وساوسه، وسماها: تفسيراً، بل تناهى في الافتتان بها، فسماها: "الهداية والعرفان".
والذي يقرأ هذه الجمل لا يرتاب في أن صاحبها جامد على المحسوسات،
стр. 597
جاحد لكثير مما أخبر به القرآن، منكرٌ لأحكام قررها القرآن والسنَّة، وأجمع عليها الصحابة وأئمة الإسلام من بعدهم جيلاً بعد جيل، ولكنه يريد أن يدل على إنكاره بما يرتكبه في الآيات من سوء التأويل.
ونضع بين أيدي القراء أمثلة من هذا الكتاب؛ ليعلموا أن رئاسة الأزهر الشريف قد قضت بسعيها في حجزه وإتلافه واجباً، هو حماية العامة من أن يقرؤوا إلحاداً في آيات الله غير مقرون بما يكشف القناع عن وجهه الفظيع، وضلاله البعيد.
* تأويله لآيات المعجزات:
ينكر ذلك المؤول المعجزات صراحة، فقد قال في صفحة (٣٠٦): "وإن آيتهم - أي: الرسل - على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم، وصلاح رسالتهم، وأنهم لا يأتون بغير المعقول، ولا بما يبدل سنته ونظامه في الكون"، وقال في ص (١٦١): "وبعد هذا تعلم أن الله ينادي الناس بأنهم لا ينبغي أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه في دعوته، غير ما في سيرته ورسالته".
وقد جرى هذا المؤول وراء طائفة البهائية؛ فإنهم ينكرون للرسل - عليهم الصلاة والسلام - معجزات، صرَّح بإنكارها داعيتُهم المسمى: أبا الفضل، فقد ذكر المعجزات في كتابه المسمى بـ: "الدرر"، وقال: وكثير من أهل الفضل وفرسان مضمار العلم اعتقدوا أن جميع ما ورد في الكتب والأخبار من هذا القبيل كلها استعارات عن الأمور المعقولة والحقائق الممكنة مما يجوزه العقل المستقيم.
ثم أخذ يؤول بعض ما ورد في تلك المعجزات من قرآن وحديث
стр. 598
على نحو الوجهة التي ضلَّ فيها هذا المؤول من بعده.
لم ينقل عن أحد ممن يؤمن بالرسل - صلوات الله عليهم - إنكارُ المعجزات التي هي خوارق عادات يغير الله بها بعض سننه الظاهرة؛ لتكون حجة على صدق من يبعثه داعياً إلى سبيله، وإنما ينكرها طائفة ممن أنكروا بعثة الرسل إذ قالوا: إن الرسالة تتوقف على المعجزة، والمعجزة خرق للعادة، وخرق العادة محال. ودعوى استحالة خرق العادة قد أثخنتها الأدلة طعناً، فلا يقيم لها النظر الصحيح وزناً، وكم من عقول ضلت سبيل الرشد، وآفتها عدم التفرقة بين ما لا يكون عادة، وما يقتضي العقل بأن لا يكون، فيغلطون في تصور ما يستبعد العقل وقوعه استناداً للعادة، ويخالونه من قبيل ما لا يمكن وقوعه، واستبعاد العقل لشيء لم تجر العادة بوقوعه لا يقف أمام نصوص شريعة قامت الآيات البينات على أنها تنزيل من رب العالمين، وليس ما يقصه القرآن من معجزات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلا تغييراً لبعض السنن الكونية الظاهرة، وتغيير هذه السنن لا يقتضي بمنعه عقل يقدر الخالق قدرها، ويسلم أن هذه السنن من صنعها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] نص في أن الله تعالى أرسل مع الرسل المتقدمين آياتٍ غيرَ سيرتهم وصلاح رسالتهم، وقد مرَّ المؤول على هذه الآية، ولم يمسها بتحريف.
وإذا كانت معجزات النبي ﷺ التي هي خوارق عادات قد شهدها الصحابة، وعرفها السلف، لا تأخذهم في صدق أحاديثها ريبة، ونقلت إلى مَن بعدهم على طرق تكتنفها الصحة من كل جانب، وكانت بمجموعها بالغةً
стр. 599
حدَّ التواتر الموجب للعلم، استبان لنا أن المراد من الآيات التي منع من إرسالها: تكذيبُ الأولين آياتٍ خاصة هي ما اقترحته قريش؛ من نحو: إحياء الموتى، على ما ذكره المحدّثون والمفسِّرون في سبب نزول الآية، والمعنى: ما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن أمثالهم من المطبوع على قلوبهم؛ كعاد، وثمود قد كذبوا بها، فتوغُّل المقترحين في الضلال إلى حد مَن لا يُرجى منه الانتفاع بالآيات يجعل إرسالَ الآيات التي اقترحوها بعد إراءتهم آيات تثبت الرسالة، وتقوم عليهم حجة، خالياً من الفائدة، وعدم إرسال هذه الآيات المقترحة لا يقتضي أن لا يظهر على يده ﷺ آية من غيرها لم تقترح عليه، أو اقترحها عليه غيرُ من نزلت فيهم آية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فهذه الآية - بملاحظة أنها نزلت في آيات خاصة اقترحها عليه قوم بأعيانهم - لا تدل أن الله لا يرسل أي آية من غيرها.
ينكر ذلك المؤول المعجزات، فأخذ يتقصى الآياتِ الواردةَ في شأنها، وينحو بها نحواً يخرجها عن أن يكون فيما تدل عليه خارق للعادة، ولا يندى جبينهُ حياءً أن يتعسف في التأويل، فيأتي به بعيداً من مواقع حسن البيان، خارجاً عن المعقول من دلالة الألفاظ.
فانظر ماذا صنع في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، فقد ذهب بالعصا إلى معنى الحجَّة، وقال: "يصور لنا كيف كشفت حجته تزييف حجتهم حتى سلموا له وآمنوا به".
وقال في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ
стр. 600
فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص: ٣٢]: "تفهم من تمثيل هذه الرواية أن الله أعد موسى، وهيَّأة للدعوة، وأراه كَيف يتغلب على خصمهِ بالبرهان والحجة".
وقال عند قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٧، ١٠٨]: "انظر كيف يكون التمثيل في قوة الحجة والبرهان".
وقد اتبع المؤول في هذه مهذار البهائية المسمى: أبا الفضل؛ فقد ذكر في (ص ٥١) من كتابه المسمى: "الدرر البهية": أن أهل الفضل - فيما يزعم - فسروا العصا بأمر الله وحكمه، وقال: إن موسى ﵇ بهذه العصا غلب على فرعون وجنوده، ومحا حبائل عتوه وجحوده، وذكر في (صفحة ٥٣) من ذلك الكتاب: أن اليد البيضاء عبَّر بها عن الرسالة.
في القرآن مجاز واستعارة وكناية، ولكنه يسلك هذه الطرق على الوجه الذي يأتيه البلغاء من العرب، وشأن البلغاء أن لا يخرجوا عن الحقيقة إلى أحد هذه الطرق إلا أن يكون سهل المأخذ، واضحَ المقصد، أما ما يبدو على وجهه تكلف، أو يكون في دلالته التواء، فمعدود في معيب الكلام، وداخل فيما يذهب بمزية الفصاحة، وتأويلُ الآيات - على ما قاله المؤول وسلفه البهائي - يجعلها من قبيل المجاز الذي ينبو عنه الذوق؛ لتعسفه، ويبعد منه الفهم؛ لخلوه من القرينة المشيرة إلى أنه مستعمل في غير ما وُضع له، فالمؤول ومعلمُه البهائي لم يقدروا الله حقَّ قدره؛ إذ صرفوا كلامه عما يدل على سعة قدرته، وخرجوا به عن حدود البلاغة، وهو مثلها الأعلى، والمختص بذروتها القصوى.