← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

دامغة، لم ينقطع شر هذا الرهط الذين يمكرون بكتاب الله، ويحرفون كلمه عن مواضعه؛ ليقضوا مآرب، ويشفوا صدور قوم لا يؤمنون. وها هي تلك الفرقة البهائية قامت منذ عهد غير بعيد تتبع خطا الباطنية: تجهد نفسَها إجهادهم، وتهذي في تأويل كتاب الله هذيانهم. وقد تسنَّى لها أن تستهوي بعض النفوس الغافلة أيام كان دعاتها يراؤون الناس، ويضعون على ألسنتهم مسحة من الدين الحنيف، أما اليوم، فقد غرَّهم الغرور، فأعلنوا نحلتهم، وجعلوا الناس على بينة من باطن أمرهم، فما لهم بعد هذه العلانية إلا أن يُنقض بناؤهم، ويحذر المسلمون أينما كانوا حبائل دعاتهم. ويضاهي البهائيةَ وأسلافَهم الباطنيةَ في العمل لتقويض أصول الإسلام على طريقة التأويل نفر يضعون على رؤوسهم بياضاً، ويحملون في صدورهم سواداً، لم يرسموا لأنفسهم نحلة دينية، وإنما هي الغواية لعبت بعقولهم، وإكبارُ خصوم الدين ران على قلوبهم، فانطلقوا إلى القرآن الكريم يؤولونه على ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجات في نفوس ساداتهم، يفعلون هذا ولا يرقبون في اللغة العربية ذمة، ولا يرعون لسنَّة أفضل الخليقة حُرمة، وتراهم ينبذون ما يقرره أئمة العربية، أو أئمة الدين نبذاً لا يتكئ على دليل، ويطلقون ألسنتهم في هؤلاء الأئمة الذين خدموا الدين والعلم والأدب، وإنما يعرف فضلَهم العالم الناقدُ النبيل. ومن هؤلاء النفر شخص سولت له نفسه أن يخوض في آيات الله كالذين خاضوا فيها على عماية، فكتب جملاً قصيرة قذف فيها شيئاً من وساوسه، وسماها: تفسيراً، بل تناهى في الافتتان بها، فسماها: "الهداية والعرفان". والذي يقرأ هذه الجمل لا يرتاب في أن صاحبها جامد على المحسوسات،

стр. 597

جاحد لكثير مما أخبر به القرآن، منكرٌ لأحكام قررها القرآن والسنَّة، وأجمع عليها الصحابة وأئمة الإسلام من بعدهم جيلاً بعد جيل، ولكنه يريد أن يدل على إنكاره بما يرتكبه في الآيات من سوء التأويل. ونضع بين أيدي القراء أمثلة من هذا الكتاب؛ ليعلموا أن رئاسة الأزهر الشريف قد قضت بسعيها في حجزه وإتلافه واجباً، هو حماية العامة من أن يقرؤوا إلحاداً في آيات الله غير مقرون بما يكشف القناع عن وجهه الفظيع، وضلاله البعيد. * تأويله لآيات المعجزات: ينكر ذلك المؤول المعجزات صراحة، فقد قال في صفحة (٣٠٦): "وإن آيتهم - أي: الرسل - على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم، وصلاح رسالتهم، وأنهم لا يأتون بغير المعقول، ولا بما يبدل سنته ونظامه في الكون"، وقال في ص (١٦١): "وبعد هذا تعلم أن الله ينادي الناس بأنهم لا ينبغي أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه في دعوته، غير ما في سيرته ورسالته". وقد جرى هذا المؤول وراء طائفة البهائية؛ فإنهم ينكرون للرسل - عليهم الصلاة والسلام - معجزات، صرَّح بإنكارها داعيتُهم المسمى: أبا الفضل، فقد ذكر المعجزات في كتابه المسمى بـ: "الدرر"، وقال: وكثير من أهل الفضل وفرسان مضمار العلم اعتقدوا أن جميع ما ورد في الكتب والأخبار من هذا القبيل كلها استعارات عن الأمور المعقولة والحقائق الممكنة مما يجوزه العقل المستقيم. ثم أخذ يؤول بعض ما ورد في تلك المعجزات من قرآن وحديث

стр. 598

على نحو الوجهة التي ضلَّ فيها هذا المؤول من بعده. لم ينقل عن أحد ممن يؤمن بالرسل - صلوات الله عليهم - إنكارُ المعجزات التي هي خوارق عادات يغير الله بها بعض سننه الظاهرة؛ لتكون حجة على صدق من يبعثه داعياً إلى سبيله، وإنما ينكرها طائفة ممن أنكروا بعثة الرسل إذ قالوا: إن الرسالة تتوقف على المعجزة، والمعجزة خرق للعادة، وخرق العادة محال. ودعوى استحالة خرق العادة قد أثخنتها الأدلة طعناً، فلا يقيم لها النظر الصحيح وزناً، وكم من عقول ضلت سبيل الرشد، وآفتها عدم التفرقة بين ما لا يكون عادة، وما يقتضي العقل بأن لا يكون، فيغلطون في تصور ما يستبعد العقل وقوعه استناداً للعادة، ويخالونه من قبيل ما لا يمكن وقوعه، واستبعاد العقل لشيء لم تجر العادة بوقوعه لا يقف أمام نصوص شريعة قامت الآيات البينات على أنها تنزيل من رب العالمين، وليس ما يقصه القرآن من معجزات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلا تغييراً لبعض السنن الكونية الظاهرة، وتغيير هذه السنن لا يقتضي بمنعه عقل يقدر الخالق قدرها، ويسلم أن هذه السنن من صنعها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] نص في أن الله تعالى أرسل مع الرسل المتقدمين آياتٍ غيرَ سيرتهم وصلاح رسالتهم، وقد مرَّ المؤول على هذه الآية، ولم يمسها بتحريف. وإذا كانت معجزات النبي ﷺ التي هي خوارق عادات قد شهدها الصحابة، وعرفها السلف، لا تأخذهم في صدق أحاديثها ريبة، ونقلت إلى مَن بعدهم على طرق تكتنفها الصحة من كل جانب، وكانت بمجموعها بالغةً

стр. 599

حدَّ التواتر الموجب للعلم، استبان لنا أن المراد من الآيات التي منع من إرسالها: تكذيبُ الأولين آياتٍ خاصة هي ما اقترحته قريش؛ من نحو: إحياء الموتى، على ما ذكره المحدّثون والمفسِّرون في سبب نزول الآية، والمعنى: ما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن أمثالهم من المطبوع على قلوبهم؛ كعاد، وثمود قد كذبوا بها، فتوغُّل المقترحين في الضلال إلى حد مَن لا يُرجى منه الانتفاع بالآيات يجعل إرسالَ الآيات التي اقترحوها بعد إراءتهم آيات تثبت الرسالة، وتقوم عليهم حجة، خالياً من الفائدة، وعدم إرسال هذه الآيات المقترحة لا يقتضي أن لا يظهر على يده ﷺ آية من غيرها لم تقترح عليه، أو اقترحها عليه غيرُ من نزلت فيهم آية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فهذه الآية - بملاحظة أنها نزلت في آيات خاصة اقترحها عليه قوم بأعيانهم - لا تدل أن الله لا يرسل أي آية من غيرها. ينكر ذلك المؤول المعجزات، فأخذ يتقصى الآياتِ الواردةَ في شأنها، وينحو بها نحواً يخرجها عن أن يكون فيما تدل عليه خارق للعادة، ولا يندى جبينهُ حياءً أن يتعسف في التأويل، فيأتي به بعيداً من مواقع حسن البيان، خارجاً عن المعقول من دلالة الألفاظ. فانظر ماذا صنع في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، فقد ذهب بالعصا إلى معنى الحجَّة، وقال: "يصور لنا كيف كشفت حجته تزييف حجتهم حتى سلموا له وآمنوا به". وقال في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ

стр. 600

فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص: ٣٢]: "تفهم من تمثيل هذه الرواية أن الله أعد موسى، وهيَّأة للدعوة، وأراه كَيف يتغلب على خصمهِ بالبرهان والحجة". وقال عند قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٧، ١٠٨]: "انظر كيف يكون التمثيل في قوة الحجة والبرهان". وقد اتبع المؤول في هذه مهذار البهائية المسمى: أبا الفضل؛ فقد ذكر في (ص ٥١) من كتابه المسمى: "الدرر البهية": أن أهل الفضل - فيما يزعم - فسروا العصا بأمر الله وحكمه، وقال: إن موسى ﵇ بهذه العصا غلب على فرعون وجنوده، ومحا حبائل عتوه وجحوده، وذكر في (صفحة ٥٣) من ذلك الكتاب: أن اليد البيضاء عبَّر بها عن الرسالة. في القرآن مجاز واستعارة وكناية، ولكنه يسلك هذه الطرق على الوجه الذي يأتيه البلغاء من العرب، وشأن البلغاء أن لا يخرجوا عن الحقيقة إلى أحد هذه الطرق إلا أن يكون سهل المأخذ، واضحَ المقصد، أما ما يبدو على وجهه تكلف، أو يكون في دلالته التواء، فمعدود في معيب الكلام، وداخل فيما يذهب بمزية الفصاحة، وتأويلُ الآيات - على ما قاله المؤول وسلفه البهائي - يجعلها من قبيل المجاز الذي ينبو عنه الذوق؛ لتعسفه، ويبعد منه الفهم؛ لخلوه من القرينة المشيرة إلى أنه مستعمل في غير ما وُضع له، فالمؤول ومعلمُه البهائي لم يقدروا الله حقَّ قدره؛ إذ صرفوا كلامه عما يدل على سعة قدرته، وخرجوا به عن حدود البلاغة، وهو مثلها الأعلى، والمختص بذروتها القصوى.

стр. 601

وانظر ماذا صنع في قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩]؛ فقد حرف قوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ عن حقيقته، وقال: يفيدكَ التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره، وتردَّدَ هنا في معنى إبراء الأبرص، فقال: فهل عيسى يبرئ هذا بمعنى: أنه يكمل التكوين الجسماني بالأعمال الطيبة، أم بمعنى أنه يكمل التكوين الروحي بالهداية الدينية؟ ". ويدلك على أنه يذهب في تأويل الآية إلى غير مذهب المسلمين قوله عند قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [القصص: ٣٢]: واعلم أن قصة موسى في العصا واليد كقصة عيسى في إحياء الموتى، وشفاء المريض، كلاهما يتشابه في معناه على الناس. وقد مشى في هذا خلفَ ذلك البابي المسمَّى: أبا الفضل؛ إذ تصدى في كتابه المسمى: "الدرر البهية" لبيان معنى هذه المعجزة، فقال في (صفحة ٥٣) يتحدث عن حال بني إسرائيل: "حتى انتهت دورتهم، وانقضت مدتهم، وماتت قلوبهم، وبرصت بالذل جباههم وجنوبهم، فرجعوا من أسر الفراعنة إلى أسر القياصرة، وعن عبادة المصريين إلى عبادة الرومانيين، حينئذ طلعت شمس الحقيقة عن أفق بلاد الجليل، وارتفعت نغمات الإنجيل، فأحيا الله تعالى بأنفاس عيسى ﵇ بعضاً من تلك النفوس الميتة، وبرأ بيده المباركة جملة من الجباه المبروصة". زخرف من القول، وتحت هذا الزخرف جحودٌ لمعجزات الرسل ﵈، وصرفٌ لآيات الله عن معانيها المفرغة في لفظها العربي المبين، والتي عرفها المسلمون منذ نزل بها الروح الأمين متضافرين عليها

стр. 602

جيلاً بعد جيل. يقول الله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، والمعنى الذي يعقل من الآية: أني أصور لكم من الطين شيئاً على هيئة الطير، فأنفخ فيه، فيكون طيراً حياً بأمر الله، وأبرئ الأعمى، والذي به وَضَحٌ، وأعيد الحياة إلى جسم من فقد الحياة، أفعلُ كلَّ ذلك بأمر الله. وأما نحو إخراج الناس من ثقل الجهل إلى خفة العلم، وإبراء الجباه المصابة ببرص الذل، فلا يصح حمل الآية عليها؛ إذ القرآن بريء من أمثال هذه الاستعارات البالغة في التكلف والتعقيد غاية تذهب عندها الفصاحة وحسن البيان. وإذا قرأت في بعض كتب التفسير ما يسمونه: الإشارات، ووجدت في الحديث عن هذه الآيات ما يقارب أو يماثل كلام المؤولِ، أو البهائيِّ، فاعلم أن أصحاب الإشارات غيرُ من يسمونهم الباطنية، فالباطنية يصرفون الآية عن معناها المنقول أو المعقول إلى ما يوافق بغيتهم؛ بدعوى: أن هذا هو مراد الله دون ما سواه، وأما أصحاب الإشارات، فإنهم - كما قال أبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم" -: "جاءوا بألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها، لكنهم زعموا أن وراءها معانيَ غامضة خفية وقعت الإشارةُ إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفِكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر". فأصحاب الإشارات لا ينفون - كما ينفي الباطنية وأذنابهم - المعنى

стр. 603

الذي يدل عليه اللفظ العربي من نحو: الأحكام، والقصص، والمعجزات، وإنما يقولون: إنهم يستفيدون من وراء تلك المعاني، وعلى طريق الاعتبار معانيَ فيها موعظة وذكرى. وعلى ما بين مذهبهم ومذهب الباطنية من فرق واضح، نرى في أهل العلم من نازعهم في إلصاق تلك المعاني بألفاظ القرآن، وقال: إن ما جاء في صريح القرآن والسنَّة من مواعظ وحكم يغني عن ارتكاب هذه الطرق البعيدة، التي هي - في الأصل - نزعةُ قوم شأنهُم الصدُّ عن هدى الله، وتعطيلُ أحكام شريعته الغراء. وأنكر ذلك المؤولُ أن يكون عيسى ﵇ قد تكلم في المهد، فسام قولَه تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] سوءَ التأويل، فقال: "في دور المهد، وهو دور الصبا، علامةٌ على الجرأة، وقوةِ الاستعداد في الصغر"، يريد: أنه يكلمهم في سن اعتيد فيها الكلام. جاء في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ما يدل على أن عيسى ﵇ تكلم قبل أوان الكلام، تجد هذا في حديث: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة"، وذكر في أولهم عيسى ﵇. وروى ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن عباس ﵁: أنه قال في تفسير المهد: "مضجع الصبي في رضاعه". والمهد في الأصل: مصدر مَهَدَ؛ أي: بسط ووطَّأ، وهو كما في "لسان العرب": اسم لموضع الصبي الذي يُهيأ له ويوطأ لينام فيه، فكان على المؤول إذ فسره بدور التمهيد للحياة أن يقيم على هذا شاهداً من كلام العرب، ويبدي الوجه الذي دعاه إلى الإعراض عن حديث رسول الله ﷺ ، وإلا،

стр. 604

كان هذا التأويل علامة على جرأته، واستعداده لأن يخوض في آيات الله بغير علم، وعلى غير أصل. أنكر أن يكون عيسى ﵇ قد تكلم في المهد، وتأول آية: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] على ما سمعت، وبمثل هذا التأويل تناول قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، فقال: "أي: كان ذاك النهار ولداً صغيراً، فكيف يأمرنا وينهانا ونحن كبار القوم، فهذا ابن حرام". ولما رأى أن ما قبل الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] يدفعه عن هذا العبث، صرفه عن وجهه، فقال: "تحمله على ما يحمل عليه المسافر، ومنه تفهم أنه كان في سياحة طويلة". لم يكف المؤولَ أن يخرج فيما يكتب عن قوانين اللغة، فطاش إلى أن يقول في التاريخ ما لا يعرفه التاريخ، فمن أين اطلع على أن مريم ﵍ كانت في سياحة طويلة؟! كان على المؤول أن يثبت هذه السياحة الطويلة من التاريخ، أو من القرآن، ثم يقول: "ومنها تعلم أنها كانت تحمله على ما يحمل عليه المسافر"، ولكنه قلبَ الكلام، فأتى إلى قوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ﴾ الذي هو ظاهر في أنها تحمله بنفسها، وحرَّفه إلى معنى: تحمله على مركوب، وأذن لك في أن تأخذ منه أنها كانت في سياحة طويلة!. ومقتضى إنكاره لمعجزات الرسل: أن لا يسلم أن عيسى ﵇ خُلق من غير أب. وقد كتب عندما وصل إلى آيات هذه المعجزات بلسان يدل على إنكارها في غير صراحة، فقال في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي

стр. 605

غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠]: "استنكرت لما طرأ على فكرها أن الولد يأتيها من غير السبب الَمعروف". وقال: "في قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣] اختصار في التعبير لا يعوق دور الحمل الطبيعي". وقال عند قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]: "فيه ملحوظة ظريفة هي: أن موسى لم يذكر له أب، ولكن قومه لم ينكروا أباه، أو يقولوا فيه كما قالت النصارى في المسيح: ابن الله؛ بناء على أن المسيح نسب إلى أمه، ولم يذكر له أب". فإذا نظرت إلى قوله: "لما طرأ على فكرها أن الولد يأتيها من غير السبب المعروف"، ثم إلى قوله في حديثه عن موسى ﵇ "بناء على أن المسيح نسب إلى أمه، ولم يذكر له أب" إذا لاحظت هذا، وهو صادر ممن ينكر المعجزات، عرفت أنه لا يعترف - كما لا يعترف اليهود - بأن عيسى- ﵇ خلق من غير أب. وحرَّف قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فقال: "اضرب بعصاك البحر: اطرقه، واذهب إليه"، وقال: "هذا بيان لحالة البحر يصوره لك بأنه مناطق بينها طرق ناشفة يابسة". قال هذا، ولم يتحدث عن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ﴾، وظاهر تأويله أن يكون المعنى: فذهب إلى البحر، فانفلق، فيكون الانفلاق قد وقع عقب الذهاب إلى البحر، والمؤولُ يقول: "يصور لك البحر بأنه مناطق بينها طرق ناشفة يابسة".

стр. 606

ثم إن قوله تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] ظاهرٌ في تصوير حال البحر عند انفلاقه؛ ليريك كيف ينجي رسله على طرق يفتحها من أجلهم، فتقف الأهوال حولهم، لا يمسكها أن تطغى عليهم إلا قدرتُه التي يدخل تحت سلطانها كل ما يدخل في حيز الإمكان. ومما هو ظاهر في هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩]، فالمعقول من هذه الآية: أن الطريق الذي سلكه موسى ﵇ إنما تنحى عنه الماء حالَ مروره به، وأن فرعون اقتفى أثره عندما رأى الطريق الذي يسير فيه موسى وقومه يبساً، ولما انحدر فرعون وقومه في هذا الطريق، عاد الماء إلى حاله، وغشيهم من اليم ما غشيهم، فكانوا من المغرقين. وأما قول المؤول: إن فرعون أضل الطريق اليبس الذي اهتدى إليه موسى، فمن الأشياء التي يفرضها، ويحمل عليها الآيات إنكاراً للمعجزة. وحرَّف قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨]، فقال: "بعرشها: بملكها، يريد أن يضع خطط الحرب، ونظام الدخول في البلد، فطلب الخريطة التي فيها مملكه سبأ؛ ليهاجمها، ويريها أنه جادٌّ غيرُ هازل". يقول الله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، ويقول هذا المؤول: "يأتيني بخريطة مملكتها"، وإذا كان طلب خريطة مملكتها لوضع خطط الحرب، فما وجه عرض هذه الخريطة عليها بعد أن جاءت مسلمة؟ وما حكمة سؤالها عن مطابقة هذه الخريطة؟!

стр. 607

عبثٌ يهذي به حول كتاب الله، فلا تقوى تحجمه عنه، ولا حكمة يفرق بها الجد والمزح، فترفعه عن أن يقول ما يضحك الناس منه. وحرَّف قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فتأولها على وجه ينكر به أن يكون إبراهيم ﵇ أُلقي في النار، وخرج منها سالماً، فقال: معناه: نجَّاه من الوقوع فيها. وذكر أن نجاته كانت بالهجرة؛ أي: من وطن قومه إلى ناحية فلسطين. وظاهر الآية أنه أُلقي في النار، وقد سلب الله منها حرارتها، فإن حمل على معنى إيجاد حائل بين النار وجسم إبراهيم، فهو تأويل غير بعيد، أما صرفُ الآية إلى معنى عدم الوقوع في النار، فتأويل لا داعي إليه، ولا مسوغ له إلا ضيقُ الذهن عن تصور بشر يُلقى في النار، ولا تحرقه النار، وإذا لم يقل القرآن: "فألقوه، فقلنا: يا نار كوني برداً"، فلسبك الآية في إيجاز يلائم حد الإعجاز، فالجملة التي تدل على إلقائهم له في النار بالوضع والمطابقة حذفت من النظم استغناءً عنها بذكر ما يستلزمها، ولا يستقر معناه في ذهن السامع إلا بتقديرها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وحرَّف قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، فقال: "الإسراء: يستعمل في هجرة الأنبياء، والمسجد الحرام: الذي له حرمة، والأقصى: الأبعد: مسجد المدينة". وقصد المؤول إنكار واقعة الإسراء، فحمل الآية على هجرته - عليه الصلاة السلام - من مكة إلى المدينة.

стр. 608

أجمع أهل العلم: أن أوائل هذه السورة نزل بمكة؛ أي: قبل الهجرة، ولو كان هذا المؤول ممن يفقه فائدة معرفة ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة في تفسير كتاب الله تعالى، لما تجاسر على تفسير الآية بواقعة الهجرة، وقد روى واقعة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس جمعٌ عظيم من الصحابة ﵃، منهم: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ومالك ابن صعصعة، وجاءت هذه الروايات في الكتب الصحيحة؛ مثل: "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، "والجامع الصحيح" للإمام مسلم، فلو كان هذا المؤول ممن درس كتب السنَّة، وكان ممن يستضيء في تفسير كتاب الله تعالى بسنَّة رسول الله ﷺ ، لما رمى بنفسه في حفرة لا يسمع صيحته فيها إلا فارغُ الذهن من مبادئ الدين، أو مزلزَلُ العقيدة ما لقي ضِلِّيلاً، إلا مال به عن السبيل. * دعوته إلى الفسوق عن أحكام الشريعة: يريد المؤول أن يفتح لذوي الأهواء باب الخروج عن الدين، وتعطيل أحكام الشريعة، فزعم أن المصلحة قد تكون في غير ما أمر الله به، فحرَّف قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: "يفيدك أن المخالفة المحذورة هي التي تكون للإعراض عن أمره، وأما التي تكون للرأي والمصلحة، فلا مانع فيها بل هي من حكمة الشورى". المؤول يجيز تقرير رأي مخالف لأمر رسول الله ﷺ الذي هو أمر الله تعالى، ويرى في هذا الرأي المخالف مصلحة تجعله أهلاً لأن يعمل عليه بدلاً من أمر الله، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 609

الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ومصداق هذه الآية: من يحكم بغير ما أنزل الله، معتقداً أن المصلحة فيما حكم به، ويتناول من يفتي برأي، معتقداً أنه أحفظ للمصلحة مما أنزل الله، فمن يأذن للناس في تقرير رأي مخالف لأمر الله، فإنما يقودهم إلى حفرة من النار هي إنكار أن يكون الله تعالى أحكم الحاكمين. فإن زعم المؤول أنه قصد ما كان يراجعه فيه بعض أصحابه ﵃ من نحو بعض الآراء الحربية، قلنا له: إنك أطلقت في تأويلك، ولم تقصره على هذا النوع من أوامره ﵊ ثم إن مخالفة الأمر عدمُ العمل به، وإبداءُ بعض الصحابة لآرائهم في شيء من تدابير الحروب لا يسمى: مخالفةً للأمر، بل كانوا يعرضون عليه الرأي، فتارة لا يراه صالحاً، فيرده، ولو عملوا على مقتضى رأيهم، لحق عليهم وعيدُ الآية، وتارة يرى فيه المصلحة، فيأمر بالعمل به، والعملُ على هذا النحو من قَبيل اتباع أمره، فأين المخالفة؟!. * إنكاره للجن: يجيء هذا المؤول إلى الآيات التي ذُكر فيها الجن، ويحمل الجن على غير المعنى الذي عرفه الصحابة ومَن بعدهم من أئمة الدين وعامة المسلمين، وأكتفي بأن أسوق ما قاله في آية هي من أظهر ما يدل على أن الجن خلق غير الإنس، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]؛ فإنه بعد أن أحال القارئ على آيات من سور متعددة، قال: "بعد هذا تفهم أنه يطلق الجن والجنة على الزعماء المستكبرين من السادة المتبوعين، ويعبر عن الإنس بسائر الناس المقلدين والتابعين المستضعفين"، ويفسر الجن في بعض الآيات بقواد الجيش.

стр. 610

لم ينقل عن أحد من المسلمين - على اختلاف فرقهم - إنكارُ الجن، وإنما ينكرهم طائفة من غير المسلمين. قال ابن حزم من كتاب "الفصل": "لما أخبرت الرسل الذين شهد الله بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحيلة للطبائع، بنصِّ الله على وجود الجن في العالم، وجب ضرورة العلمُ بخلقهم ووجودهم". وقال: "وأجمع المسلمون على ذلك (وجود الجن)، نعم، والنصارى والمجوس والصابئون، وأكثر اليهود، حاشا السامرة فقط، فمن أنكر الجن، أو تأول فيهم تأويلاً يخرجهم عن هذا الظاهر كافرٌ ومشرك". وإنما ينكر الجن من جمد عقلُه في دائرة من المحسوسات لا يتخطاها أنملة، ونحن نعلم أن العقل وحده لا يصل إلى العلم بوجودهم، كما أنه لا يستطيع إقامةَ الدليل على نفيهم، بل إذا سئل عنهم، وهو صحيح النظر، مجردٌ من كل تقليد، أقر بإمكان وجودهم؛ إذ ليس من شرط كل موجود أن يدرك بإحدى الحواس الخمس، فقدرة الله تعالى تسع خلقاً ينشأ من عنصر لطيف، فلا يقع عليه النظر، وإذا أقرَّت العقول إمكانَ شيء، وأخبر الدين القائم على البرهان بوجوده، تلقينا خبره بالقبول، ولم نفرق بينه وبين ما أدركناه بالمشاهدة، أو ثبت بالأدلة العقلية مباشرة. * إنكاره للشياطين: ينكر المؤولُ الجنَّ، وينكر أن يكون هناك مخلوق غير الإنسان يقال له: شيطان. تجد هذا الإنكار عندما يرد لفظ إبليس أو الشيطان في آية، فيأبى أن يبقيه على المعنى المعروف في الكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين، فانظر إلى أصرح آية في هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ

стр. 611

أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] كيف تأول لفظَ إبليس فيها، فقال: "إبليس اسمٌ لكل مستكبر على الحق، ويتبعه لفظ الشيطان، والجان، وهو النوع المستعصي على الإنسان تسخيره". وكذلك تأول قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٦، ٣٧]، فقال: "والشياطين يطلقون على الصناع الماهرين، والأشقياء المجرمين"، ولما وجد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] نصاً في أن الشيطان مخلوق يصل أثر فتنته إلى نفس الإنسان دون أن يأخذه بإحدى حواسه، ذهب في تأويل الآية مذهب من يتظاهر بتفسير القرآن، وهو يدس في تفسيره جحوداً، فقال: "من حيث لا ترونهم فيها شياطين، فيخدعونكم بأنهم من الأولياء الناصحين". وإذا حمل بعض المفسرين لفظ الشياطين في بعض الآيات على أشرار من الإنس؛ كما قالت طائفة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] المراد: شياطين الإنس، فما كان هؤلاء لينكروا ذلك الصنف من الجن المخلوق من نار السموم، وإنما هو تأويل بدا لهم أن اللفظ يحتمله قريباً أو بعيداً، ولا يستطيعون أن يذهبوا إلى مثل هذا التأويل دي قولى تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] , فمن حمل مثل هذه الآية على فريق من الإنس، فهو ممن لا يؤمن إلا بما يلمس، أو يرى، ولم يجعل اللهُ للعقول المتحجرة على تفسير كتابه سبيلاً. * تأويله للملائكة: يتخبط المؤول عندما تجيئه آية فيها اسم الملائكة، فمرةً يفسره برسل

стр. 612

النظام والسنن في الكون؛ كما قال عند قوله تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: "إشارة إلى أنه يأتيهم بسنن الله ونظامه؛ أي: بتغلبهم على العدو، وبقوة الحرب ونظامه، والملائكة كما قلنا في (ص ٢٤) رسل النظام والسنن في الكون". وقال عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]: "الملائكة: رسل النظام وعالم السنن، وسجودُهم للإنسان معناه: أن الكون مسخر له". ومرة يجعل الآية التي ذكر فيها الملائكة من قبيل التمثيل؛ كما قال في قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]: "يمثل لك السرعة في إجراء سننه في الكون وتنفيذ أوامره في العالم". وفسر جبريل وميكائيل في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] بأنهما قسمان من الملائكة، وقال: "الأول رسول الوحي والإلهام، والثاني رسول السنن والنظام". وقال عِندَ تأويل الملائكة من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٧٧]: "وهذا تابع للإيمان بالله، فمن يؤمنُ بالله يؤمنُ بخلقه ونظامه. والملائكة رسل هذا الخلق والنظام". فتحريفه الآية بادعاء التمثيل مرة، وذكره لسنن الكون ونظمه مرة أخرى، وجعله جبريل وميكائيل قسمين من الملائكة، دون الاعتراف بأنهما فردان منهم، يدل على أنه يريد من الملائكة معنى غيرَ المعنى المعروف في صريح الكتاب والسنَّة، ونصوص الشريعة في دلالتها على وجود الجن والملائكة

стр. 613

متساوية، وهما من جهة إمكان وجودهما في منزلة واحدة. * إنكاره لأحكام معلومة من الدين بالضرورة: أطلق المؤول قلمه في الإنكار حتى ألحدَ في آيات الحدود والأحكامِ المعلومة من الدين بالضرورة، فانظر إلى ما صنع في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] إذ قال: "يعطي معنى: التعوُّد؛ أي: إن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم، ويظهر لك من هذا المعنى أن من يسرق مرة أو مرتين، ولا يستمر في السرقة، ولم يتعود اللصوصية، لا يعاقَبُ بقطع يده". وكذلك حرّف قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فقال: "يطلق هذا الوصف على المرأة والرجل إذا كانا معروفين بالزنا، وكان من عادتهما وخلقهما، فهما بذلك يستحقان الجلد"، وهذا الذي قاله في اسم الفاعل من أنه يدل على التكرار والتعود من بهتانه الذي لا يقف عند حد! فاسم الفاعل؛ نحو: السارق، أو الزاني إنما يدل على ذات قامت بها السرقةُ أو الزنا، ولا دلالة له على تجدد قيام الوصف بالذات، ولا على تعودها عليه، هذا ما يقوله علماء العربية في القديم والحديث. قال ابن مالك في كتاب "التسهيل" معرّفاً اسم الفاعل: "اسم الفاعل: هو الصفة الدالة على فاعل، جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها، لمعناه، أو معنى الماضي". فقوله: لمعناه، أو معنى الماضي، تنبيهٌ على أنه لا يدل على أزيدَ مما يدل عليه الفعل، وهذا وجه الفرق بينه وبين صيغ المبالغة؛ كفعَّال، ومفعال، وفَعول؛ فإن هذه الصيغ تدل على معنى زائد على حدوث الصفة لمن قامت

стр. 614

به، وهو قوتها فيه، أو كثرةُ صدورها منه. والكوفيون يمنعون عمل صيغ المبالغة في نحو المفعول، ويعللون هذا المنع بعدم مجاراتها للفعل المضارع في وزنه، وبمخالفتها له في معناه؛ لأنها تزيد عليه بالمبالغة، ومقتضى هذا: أن اسم الفاعل عمل في نحو المفعول؛ لأنه لا يخالف المضارع في معناه، فعلماء العربية من كوفيين وبصريين مجمِعون على أن اسم الفاعل لا يدل على أكثر مما يدل عليه الفعل، وإذا كان علماء العربية الذين قضوا أعمارهم الطويلة في تقصِّي اللغة، والتفقه في كلام العرب قد تظاهروا على أن اسم الفاعل لا يدل على مقدار من الوصف أكثرَ مما يدل عليه أصل المضارع والماضي، أفيستطيع المؤول أن ينقض بناءهم بكلمة لا تمتُّ إلى البحث بسبب، وإنما هي وليدة الهوى، والانهماك في مخالفة أهل العلم؟!. وعمد إلى الآيات الصريحة في ملك اليمين، وحَرَّفها بالتأويل تحريفاً لا يختلف عن صريح الإنكار، إلا أن عليه مسحةً من النفاق، فانظر كيف حرَّف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وحمل الفتيات على: الخادمات، فقال: "فيه عناية بالخادمات، وتسهيلٌ لمن يريدون الزواج ولا يستطيعون النفقات على ذوات البيوتات". وقال عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]: "خادميكم، وخادماتكم". وقد ارتكب في الآيات الواردة في هذا الشأن من التأويل ما لا يخطر على بالِ أصلبِ الباطنية جبهةٌ، فانظر إليه ماذا يقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 615

يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾: كتاب الله، وما كتب الله، وما كتب من الزواج والنسل. ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾: عاونوهم على أداء الكتاب". ولو قلت له: إن الذين فسروا الآية بأن يكاتب الرجلُ رقيقَه على مال، حتى إذا أدى ما كتب عليه، صار حراً، قد أقاموا الشاهد على هذا من كتب السنَّة واللغة، فهل لك شاهد على ما تأولت عليه الآية، وما قلت في تأويلها من أن المكاتبة: المعاونة على أداء الكتاب، لما كان جوابه إلا أن هذا المعنى قد نفث في صدره، وهو لا يرجع في تفسير كتاب الله إلى السنَّة، ولا إلى قانون اللغة. ولا مرد لهذا الجواب إلا أن تتلو عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتقرأ عليه قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. ومن مقتضى إنكاره لأصل ملك اليمين: إنكارُه لأن يتمتع الرجل بما ملكت يمينه من الإماء، وكذلك تجده يحرف الآيات الواردة في هذا الشأن؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فقال المؤول: "أو ما ملكت أيمانهم من الخدم؛ فإن لهم ما ليس لغيرهم، فقد يكونُ في الإنسان فروج؛ أي: نقائص وعيوب يسيئه أن يراها النّاس فيه، ولكن لا يسيئه أن يراها خدمه". إذا كان في بعض تأويله ما ينادي بانحرافه عن الهدى إلى مكان بعيد، ففي بعضه ما ينادي بأن الرجل ليس له فكر يتحامى به فضيحةَ العَبَث، ويحبسه عن أن يقول ما يضحك منه المحزون، فالمؤول يصرف الآية عن أن تكون

стр. 616

للحث على الطهر والعفاف إلى الأمر بستر العيوب والنقائص عن الناس، إلا عن الأزواج والخدم، ولم يكتف بهذا التأويل السخيف، فقال عقبه: "ومن البلاغة في التعبير أن لفظ (أو) أفاد التنوع بين ما يباح للأزواج، وما يباح لملك اليمين؛ إذ يوجد من العيوب ما لا ينبغي كشفه على الخدم". ولا ندري كيف يفهم من (أو) العاطفة لـ ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ على قوله: ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦] التنويع بين ما يباح للأزواج، وما يباح لملك اليمين، وهذا الذي يباح للصنفين - فيما زعم - لم يذكر في نظم الآية؟ والإسلام جاء، فوجد عادة الرق جارية بين المتحاربين، فهذّبها، وترك الأخذ بها لاجتهاد الإمام، ولكنه أوصى بالإحسان إلى الرقيق، والرفق به، وندب إلى تحرير الرقاب، وجعله كفارة لبعض ما يرتكبه الإنسان من عمل سيئ؛ كالظهار، والفطر في رمضان، والحنث في اليمين، وقتل النفس خطأ، وجعل في يد الحاكم عتق الأرقاء الذي يلحقهم ممن هم تحت أيديهم ضرر فادح، وتفويضُ أمر الاسترقاق إلى الإمام يجعل له الحق في العدول عنه كما هو مفصل في كتب الأحكام. وأنكر إباحة تعدد الزوجات الذي جرى عليه السلف من الصحابة فمَن بعدهم، وجعل آية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] خاصةً باليتامى، فقال: " ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: نساء اليتامى الذين فيهم الكلام؛ لأن الزواج منهن يمنع الحرج في أموالهن"، ثم قال: "ولتعلم أن التعدد لم يشرع إلا في هذه الآية بذلك الشرط السابق"؛ يعني: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، واللاحق؛ يعني: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ٣].

стр. 617

ومن البيِّن تجافي هذا المعنى الذي ذكره المؤول عن نظم الآية، ومن أظهر الوجوه التي يستقيم معها النظم، ولا تمس إجماعَ المسلمين من الصحابة فمَن بعدهم بشيء: أن يكون المعنى: وإن خفتم أن تهضموا شيئاً من حقوق اليتامى؛ لضعفهن، وتحرجتم منها، فدعوا التزوج بهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء غيرهن مثنى وثلاث ورباع. * زعْمُه أن المسلمين يروون الأحاديث النبوية عن اليهود: لا يبالي المؤول أن يتكلم في غير أمانة، ويقول ما لا يطابق الواقع، ومن أمثلة هذا: أنه تعرض عند تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] لما ورد في سحر بعض اليهود للنبي ﷺ ، وقال: "من الغريب - مع هذا الدليل المبين -: أن المسلمين ينقلون في كتبهم: أن النبي سُحر؛ بناء على حديث رواه اليهود، كما ينقل النصارى أن المسيح صُلب؛ بناء على رواية اليهود أيضاً". من يقرأ هذه الجملة يفهم منها: أن حديث سحر النبي ﷺ تلقاه المسلمون عن اليهود، والحقيقة أن الحديث مروي بأسانيد عن النبي ﷺ نفسه، وفي هذا الحديث: أنه علم بهذا السحر من طريق الوحي، ومن رواته من الصحابة ﵃: عائشة، وابن عباس، وزيد بن أرقم، ثم رواه عن هؤلاء جماعة من الثقات حتى بلغ الأئمة: البخاري، ومسلماً، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم، ولا صلة لحديث السحر بيهودي سوى أن النبي ﷺ أوحي إليه بما فعل اليهودي لَبيدُ بن الأعصم من السحر. وأنكر بعض الناس هذا الحديث في القديم، وأخذهم الريب فيه من ناحيتين:

стр. 618

إحداهما: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، فهذا مما قصه الله تعالى عن كفار قريش من سياق الإنكار عليهم، ومقتضاه: نفي أن يكون قد سحر، والقرآن مقدم على الحديث. ثانيتهما: أن تأثره بالسحر ﵊ يقدح في الثقة بما يبلِّغه عن الله تعالى من أمر ونهي. والذين لا يسارعون إلى تكذيب الأحاديث المروية بأسانيد صحيحة ما وجدوا لدفع ما يرد عليها من الشبه طريقاً، يقولون: إن قريشاً أرادوا من قولهم: ﴿مَسْحُورًا﴾ معنى اختلال العقل، فيكون مرادفاً لقولهم: ﴿مَجْنُونٌ﴾، أو أرادوا: أنه مسحور سحراً من أثره هذا الدين الذي يدعو إليه، وهذا موضع الإنكار عليهم بإجماع، ويقولون: إن السحر إنما تسلط على جسده وجوارحه الظاهرة، ولم يمس شيئاً من عقله وقلبه، ويدل لهذا: حديثُ ابن عباس ﵁ في رواية ابن سعد: "مرض النبي ﷺ ، وأُخذ عن النساء والطعام والشراب". وليس من غرضنا الآن البحث عن حقيقة السحر (١)، ولا بسط القول في حديث سحره ﵊, وإنما أردنا أن نريك كيف يحاول المؤول أن يقذف المسلمين بتهمة تَلقّي أحوال النبي ﷺ عن اليهود. وانظر إلى قوله: "إن المسلمين ينقلون في كتبهم"؛ فإنها كلمة لا أحسبها صدرت منه إلا في حال نسيانه أنه استعار ثوبَ الإسلام؛ ليتمكن من سحر أبناء المسلمين، وصدهم عن السبيل.

стр. 619

هذه أمثلة من كتاب حشوُه الجحود والهذيان، نسوقها في هذه الرسالة؛ ليزداد المسلمون علماً بأن مؤلفه مهزول الفكر، منحرفٌ عن الرشد، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].

стр. 620

كتاب يلحد في آيات الله (١) قرر الإسلام للمرأة حقوقاً رفعت شأنها، وجعلتها عضواً عاملاً في دائرة الصيانة، وعلى وجه يحفظ بينها وبين زوجها وأقاربها المودةَ الصادقة، والعاطفةَ الفياضة بكل خير، وما زالت المرأة المسلمة تعيش مع الرجل القائم على آداب الإسلام مغتبطة هانئة، شأنها النظر في تربية الولد، وتدبير المنزل، وشأن الرجل معاشرتها بالمعروف، والقيامُ بحاجاتها، ومسايرة رغباتها ما دامت محفوفة بسياج الطهر والحياء. وما زال المصلحون يدعون إلى رعاية حقوقها المنبَّه عليها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] , حتى ظهر نفر تخيَّلوا أن الرقي كله في مظهر المرأة الأوربية، فقاموا ينادون لأن تتبع المرأة المسلمةُ الأوربيةَ شبراً بشبر، وذراعاً بذراع. نقول هذا بمناسبة الحديث عن كتاب ظهر في تونس منسوباً إلى بعض من لبست نفوسهم من التجافي عن الدين ما لبسته نفوس هؤلاء الذين يزعمون أنهم أنصار المرأة. ويقولون - والجهل ضارب في أدمغتهم -: إن الإسلام ظلم المرأة، ويذكرون: تعددَ الزوجات، وجَعْلَ الطلاقِ في يد الرجل،

стр. 621

وجَعْلَ نصيبها من الإرث نصفَ نصيب الرجل، ونحوَ هذه الأحكام مما قرره الإسلام، وعرفت العقول السليمة حكمتها، وموافقتها لما تقتضيه الحياة الراقية. باطلٌ من القول لغط به نفر من غير المسلمين في الشرق، فوقع في آذان أحداث في تونس، ولم يجد لديهم من متانة العقيدة، وقوةِ البصيرة ما يدفع عنهم خبثه، فأساغوه، وردَّدوا صوته محاكاة لأولئك النفر، والمحاكاةُ في الباطل أدلُّ على قصر النظر من ابتكاره، ولكن المستعدين للتقليد فيما تشقى به الأمة لا يفقهون. ظهر هذا الكاتب منسوباً لأحد من يحملون شهادة (التطوع) (١) بجامع الزيتونة، وقد سلك صاحبه طريقة مخادعة الغافلين من المسلمين بتأويل نصوص الشريعة، وتحريف كلمها عن مواضعه، ولم يتعظ هذا الكاتب بمن ذهب في الكيد للدين هذا المذهب، فخاب سعيه، ولم يزد على أن كشف للناس سريرة مغبرّة كانوا يظنونها نقية، بل أحيا شُعوراً دينياً كان في بعض النفوس خاملاً؛ إذ دلَّ المسلمين على أن من وراء هذه الأقلام ضمائر لا ترجو لله وقاراً، وأيدياً تعمل لتقويض بناء الشريعة ليلاً ونهاراً. ظهر هذا الكتاب، فقابلته الأمة التونسية بالإنكار، وقامت الصحف هنالك بواجبها، فنقدته من الوجهتين: الدينية، والاجتماعية، وكتب بعض العلماء مقالات في بيان ما فيه من جهالة وغواية، وألَّفت النظارةُ العلمية

стр. 622

بجامع الزيتونة لجنة من العلماء الذين درسوا أصول الشريعة على بصيرة، وعُرفوا باستنارةِ الفكر، وتمييزِ الجديد النافعِ مما هو جديد آثمٌ، فدرست اللجنة الكتاب، ووضعت تقريراً فيما احتواه من منكرات وضلالات. لقي الكتاب ما يستحق من التفنيد، وسعي النظارة العلمية لتجريد صاحبه من الشهادة التي يحملها، ولكنه لم يعدم أن يجد أفراداً يموّهون باطله، ويروِّجون زائفة، فأقاموا لصاحبه حفلة تكريم، وعجلوا إلى بث دعاية له في مصر، ولفقوا مقالات حملوا فيها على العلماء وأرباب الصحف الذين نقدوا الكتاب بعقل، وفضحوا ما فيه من تضليل، ثم بعثوا بتلك المقالات إلى صحف لا ترعى للحقائق ذمة، فنشرتها لهم، ولم يكن لها من الأثر سوى ارتياح غيرِ المسلمين لأن يُرمى الدينُ الحنيف بيد منتسب إلى معهد أُسس ليكون حصناً للدين مانعاً. وفي هذه المقالات اغتباط أولئك النفر بأن بعض الفرنسيين كانوا في جانب صاحب الكتاب، يدافعون عنه، وينقدون سلوك الصحافة التونسية في الرد عليه، ولم لا يكون الفرنسيون في جانبه، وهو يضرب الإسلام في الصميم، ويأتي لهدمه من باب لا يستطيع الفرنسيون أن يأتوه وهم فرنسيون؟؟!. وفي هذه المقالات رمي للمستنيرين؛ كالمحامين، والأطباء في تونس بأنهم خذلوا صاحب الكتاب لغايات شخصية، ونحن نرى في مصر محامين وأطباء يؤمنون بالقرآن أبلغ الإيمان، ويرون أن ما منحه الإسلام للمرأة من الحقوق هو عين الصواب، وما عداه جهل بعواقب الأمور، ولم لا يكون المحامون والأطباء في تونس قد جمعوا إلى علم الحقوق والطب هداية وتوفيقاً؟ وزعم كاتب تلك المقالات أن النظارة العلمية عقدت لجنة من بعض

стр. 623

أعضائها، ومن بعض المدرسين، وقرروا - فيما بلغهم - أن المدرك التشريعي الذي يراه مؤلف الكتاب لا ينافي الإسلام، إلا أن المؤلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد. وقد اطلعنا في الصحف التونسية على ما يخالف هذا الزعم. قالت جريدة "الزهرة" الغرَّاء: "بلغنا أن اللجنة التي ألفتها النظارة العلمية للنظر في كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" قد أتمت أعمالها، وأنهت تقريراً في ذلك للوزارة الكبرى، وكان جميع أعضاء اللجنة على وفاق تام مجتمعين على أن الكتاب المذكور يحوي في عدة نواح منه أوجهاً كثيرة من الضلال والتضليل، وبهذه الصفة يعتبر مروقاً من الدين، وخروجاً على إجماع الأئمة من علماء الإسلام، ومحاربة لحضرة الرسول الأعظم ﷺ ". ونقلت جريدة "الوزير" الغرَّاء محادثات في شأن الكتاب جرت بين رئيس تحريرها، وفضيلة شيخ الإسلام (١) بتونس الشيخ "أحمد بيرم"، وبعض أعضاء اللجنة، ومما قاله شيخ الإسلام في حق الكتاب أنه: "يخالف الشريعة الإسلامية في كثير من المواقف؛ كمسألة تعدد الزوجات، ومسألة الميراث، ومسألة الحجاب". وقال رئيس الإفتاء المالكي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: إنه "يشتمل على مخالفات كثيرة لأحكام الشريعة الإسلامية تعد ضلالات، وقد بتت اللجنة رأيها الذي يحوم حول هذا". وقال المفتي المالكي الشيخ أبو الحسن النجار: "إنه يخالف النصوص الشرعية، لا في فروعها فقط، بل في أصولها، وما علم من الدين بالضرورة".

стр. 624

وقال المفتي المالكي الشيخ عبد العزيز جعيط: "وفي رأيي الخاص: أن كثيراً مما تضمنه الكتاب يوجب المروق من الدين". هذه آراء شيخ الإسلام بتونس، وبعض أعضاء اللجنة المكلفة بفحص الكتاب، وهي صريحة في أنهم يرون أن في محتوياته ما هو ضلالة ومروق من الدين، وليس من المعقول أن يقول عالم مسلم في الحكم على مثل ذلك الكتاب: إن المدرك التشريعي الذي يراه مؤلفه لا ينافي الإسلام، فقد وصلت إلينا نسخة من هذا الكتاب، فقرأناه، فإذا هو يعتسف طرقاً ملتوية، ويرمي بأقوال منكرة، ويتشبث بآراء منبوذة، ولو قصر صاحبه البحث على تعليم المرأة، وتربيتها، وإنكار ما يفعله بعض الرجال من الاستخفاف بحقوقها، والمبالغة في حجابها، لقلنا: كتاب يدعو إلى ناحية من نواحي حياتنا الاجتماعية، وكان حظه منا شكراً وتقريظاً, ولو ذهب صاحبه في البحث مذهب من لا يعرف الشريعة، فقرر آراءه الخاصة دون أن يتعرض للقرآن الكريم، لقلنا: نسي تعاليم الإسلام، وكانت خطة العلماء معه أن يذكروه بأن آراءه في واد، والدين في واد، وكان له الخيار بعد هذه التذكرة أن يتشبث بهذه الآراء المنحدرة من عقول داجية، أو يرجع إلى شريعة نزل بها الروحُ الأمين على خاتم النبيين؛ لتكون هداية للعالمين. ولكن هذا الكاتب لم يتحر فيما كتب الطريقة الصالحة، ولم يتق الله في شريعته الغراء، فأقبل على القرآن يحرِّف آياته عن مواضعها، ويضاهي الذين يخادعون الله في تأويلها. ولا حاجة بنا إلى تتبع خطيئات الكتاب بعد أن تصدى طائفة من علماء تونس ونبهائها إلى نقضه، وبيان ما يحمله من أباطيل.

стр. 625

وحسبنا أن نسوق إلى القراء أمثلة يعرفون بها كيف قام ذلك الكاتب يردد صوت هؤلاء المخالفين الذين يحاربون الإسلام في غير استحياء. قال ذلك الكاتب: "يجب أن نعتبر الفرق الكبير بين ما أتى به الإسلام وجاء من أجله، وبين ما وجده من الأحوال العارضة للبشرية، والنفسيات الراسخة في الجاهلية قبله، دون أن تكون غرضاً من أغراضه"، وجعل الكاتب في القسم الأول: عقيدة التوحيد، ومكارم الأخلاق، وجعل في القسم الثاني: تعدد الزوجات، ونحوه، وقال عن هذا القسم: "لا يمكن اعتباره حتى كجزء من الإسلام". جاء الإسلام لبيان العقائد الصحيحة، ومكارم الأخلاق، وجاء لتقرير أحكام العبادات والمعاملات، فالجميع جاء من أجله الإسلام، وإن اختلفت مراتب الأحكام شدة ورفقاً، وما يترتب عليها من المصالح قوة وضعفاً، وزعمُ أن الإسلام جاء من أجل العقائد والأخلاق، وأن في أحكام المعاملات ما لم يأت الدين من أجله، ولا يعد كجزء منه، إنكارٌ لجانب عظيم من الشريعة، وطرح أحكام المعاملات، وإباحة الحكم فيها بغير ما أنزل الله؛ باعتقاد أنه أحفظ للمصلحة، انسلاخٌ من الدين بلا شبهة، وتعدد الزوجات من قَبيل ما أنزل الله حكم إباحته. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فمن قضى بالمنع قضاء عاماً معتقداً أن المصلحة في هذا المنع، فقد قضى بغير ما أنزل الله، وأصبح مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. اختلق الكاتب هذا الرأي ليبني عليه طرحَ كل حكم في الإسلام لا يوافق

стр. 626

ذوقَه أو هواه؛ بزعم أن الإسلام لم يجئ من أجله، وأنه لا يعد كجزء منه، وإن جاء به نص صريح في الكتاب أو السنة المتواترة، وهذا رأي لا يرتاح إليه إلا من يسره كثرةُ سواد المنسلخين من الدين؛ إذ لا مِعْول يفعل في هدم الشريعة فعلَه لو أنه وجد في الناس غفلة وجهالة. وقال الكاتب: "إن الإسلام لم يقرر نزول ميراث المرأة عن الرجل كأصل من أصوله التي لا تتخطاها". هذا مما بناه الكاتب على زعمه: أن من أحكام الإسلام ما لم يجئ الإسلام من أجله، يقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلى قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٢ - ١٤]. فالله تعالى يوصي بأن تُعطى الأنثى نصفَ ما يُعطى الذكر، ويجعل هذه الوصية حداً من حدوده، ويتوعد على تعديها بالنار والعذاب المهين، وذلك الكاتب يريد من المسلمين أن يهملوا وصية ربهم، ويتعدوا حدوده، ويجعلوا ميراث الأنثى مساوياً لميراث الذكر، على الرغم من الحكم الواضحة فيما أوصى الله به من إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين. وقال الكاتب: "لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرجل عن المرأة في مواضع صريحة، وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توافر أسبابها بتطور الزمن، ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة

стр. 627

التامة، وروح الحق الأعلى". الإسلام يرمي إلى العدالة التامة، وقد قرر أصلاً هو أن تكون المرأة في عفاف، فمن العدالة التامة أن ينهى عن اختلاطها بالرجل إلا أن يكون محرماً، وقرر على الرجل القيام بحاجاتها وحاجات ما يرزقان من ولد، فمن العدالة التامة أن يكون حظ الرجل من الميراث أكثر من حظها، وهل في الأزمنة طور يقتضي بطبيعته سقوطَ العفاف من حساب الفضيلة؟ وهل في الأزمنة طور يقتضي بطبيعته وضعَ نفقة الرجل وولده على عاتق المرأة؟ يكون هذا الطور عندما يخلق الرجل والمرأة خلقاً آخر. وذلك ما لا يقصد الكاتب الحديث عنه. ومن جرأة الكاتب قوله: "ليس لي أن أقول: تعدد الزوجات في الإسلام؛ لأني لم أر للإسلام أثراً فيه، وإنما هي سيئة من سيئات الجاهلية الأولى". يقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، ويجمع أصحاب رسول الله ﷺ في النكاح بين اثنين أو ثلاث أو أربع، والرسول ﵊ يشهد ذاك، ويقرهم عليه، واستمر العمل على تعدد الزوجات جارياً في الأمة جيلا بعد جيل، حتى أتى هذا الكاتب، فرأى أن ينفيه من الإسلام، على الرغم من أنه منصوص في كتاب الله، والعمل به جارٍ منذ عهد رسول الله ﷺ . ولا يظن بمسلم الجهل بأن تعدد الزوجات مما أباحه الإسلام، ولكن الكاتب أراد تقبيحه، وهو ممن يزعم أنه يتكلم بلسان الشريعة، فقدم جحوده لأن يكون من الإسلام؛ حتى يتيسر له أن يصفه بأنه سيئة من سيئات الجاهلية.

стр. 628

يجيء الكاتب إلى الحديث الصحيح، ويحاول رده بزعم أنه تُكلم في سنده، وليس لهذا الزعم وجه سوى أن الحديث لا يوافق الرأي الذي أحبَّ تقليده؛ كما قال: "وروى بعض أهل الحديث: أنه ﵇ قال ما معناه: "النساء ناقصات عقل ودين"، ورغماً مما قيل في سند هذا الحديث إلى النبي، فإنه - على فرض صحته - لا يدرى أكان يحدثنا به عن أصل تكوين المرأة في جوهرها - ولا دليل على ذلك من لفظ الحديث -، أو هو يعبر عن حالتها في تلك العصور، يعتذر عن بعض هفواتها لسائليه أو سامعيه". كلامه هذا يدل على أنه متهجم على الشريعة بهوّى أكَمَّهُ، وأنه لا يتكلم في الدين بعد البحث ولو قليلاً، والحديث الذي أشار إليه الكاتب مروي في "صحيحي البخاري ومسلم"، ولفظه في البخاري: "ما رأيتُ من ناقصاتِ عقل ودين أذهبَ للبِّ الرجلِ منكنَّ، قلن: وما نقصانُ ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك نقصانُ عقلها. أليسَ إذا حاضت، لم تصلِّ، ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك نقصان دينها". فالحديث في الصحيح، وقد بيَّن النبي ﷺ ماذا أراد منه، والوجه الذي ذكره في نقصان دين المرأة يرجع إلى أمر لازم لها من جهة الأنوثة، وهو الحيض، فإن كان للعصور طور ينقطع فيه الحيض عند النساء جملة حتى يؤدين الصلاة والصيام في أوقاتهما المحدودة، لم يكنَّ حينئذ ناقصات دين. والوجه الذي ذكره عليه - الصلاة والسلام - في نقصان عقلها - أعني: عدم مساواة شهادتها لشهادة الرجل - مبني على ما يغلب على النساء من

стр. 629

النسيان، والأحكام العامة تبنى على الغالب. ولعل الكاتب ينكر أن النسيان يعرض للنساء أكثر من الرجال، وإن دل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فننبئه أن بعض علماء أوروبا قرروا أن في ذاكرة المرأة ضعفاً، وأنها لا تستحضر الماضي كما يستحضره الرجل. فهذا الدكتور (أوتو فينجر) الطبيب الفيلسوف النمساوي شهد في كتابه المسمى: "الجنس والأخلاق" (١) في (صحيفة ٩٤ - ١١٦) بأن المرأة ضعيفة الذاكرة، فقال: "إن التذكر هو التغلب على ما مضى من الزمن، واستحضاره في الذهن، ولا يمكن للمرأة - لأسباب عضوية ونفسية - السيطرةُ على هذه الموهبة؛ لأن حياتها متقطعة، لا تذكر منها إلا اليسير؛ بخلاف الرجل؛ فإنه يمكنه تتبع سلسة حياته حلقة فحلقة، ولا يغيب عنه جوهرها في أي وقت من الأوقات". بل قرر في هذا الكتاب ضعفَ قوتها العاقلة، فقال في (صحيفة ٧٦ - ٨٤): "لا يمكن للمرأة التفرقة بين الشعور والتفكير - أي: بين حياتها الوجدانية والعقلية -، ولكن الرجل يمكنه فصلهما عن بعضهما فصلاً تاماً". وقال في (ص ٨٥ - ٩٣): "إن النبوغ إحدى ميزات الرجل، ولا يمكن أن تصل إليه المرأة مهما بلغت موهبتها". ومن جرأة الكاتب على مقام الرسالة الأعظم قوله: "إن تعدد أزواج النبي ﷺ ليس تشريعاً لأمته كترغيب لها فيه، وإنما كان ذلك قبل التحديد،

стр. 630

والنبي إنسان كالبشر، غيرُ سالم من تأثير عوارض البشرية عليه فيما لم ينزل به وحي سماوي". معنى هذا: أن تعدد زوجاته ﵊ لا يستند إلى وحي، وأن هذا من قبيل ما لا يليق فعله؛ إذ جعله من سيئات الجاهلية. أما أن تعدد زوجاته لم يكن بوحي، وأنه ﵊ مدفوع إليه بعوارض بشرية، فزعمٌ باطل؛ فإن الله تعالى يقول في حق زينب ﵂: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقد تزوجها ﵊، وفي عصمته عائشة، وسودة، وحفصة ﵅. وورد في آيات كثيرة ذكر أمهات المؤمنين على وجه يدل على أن الله راضٍ عن هذا التعدد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] , وإذا ثبت أن النبي ﷺ قد يفعل الشيء عن اجتهاد، فيجيء على خلاف الأولى، فيأتي الوحي منبهاً لما هو أولى، فمسألة تعدد زوجاته ليست من هذا القبيل في شيء؛ فقد نزل الوحي صريحاً في إباحته، ورضا الله عنه. ولتعدد زوجاته ﵊ حكم دينية اجتماعية تسمو عن عقول هؤلاء الذين لا يفهمون للزول حاجة غير قضاء الشهوة، ومن الحكم: تلقي أحكام الشريعة، وإبلاغها للناس؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].

стр. 631

وسنعود إلى هذا البحث في مقال آخر - إن شاء الله - (١). ودعا الكاتب إلى السفور مفتوناً بحال المرأة الأوربية، وزيَّن لقراء كتابه أن يجمعوا بين نسائهم وفتيانهم وأصدقائهم للمحادثة، ولم يكتف بقول بعض أهل العلم: إن الزينة الظاهرة المأذون في إبدائها بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هي الوجه والكفان، فقال: "إن ما ظهر من الزينة وقع في القرآن مبهماً؛ اعتباراً منه لأعراف الناس في ذلك بتطور الزمان". والناظرون في الشريعة بإخلاص يرون أن القرآن إذا نهى عن إبداء الزينة، فإنما يريد: قطعَ وسائل الفجور، فليس لأحد أن يجعل هذا من قبيل ما يراعى فيه العرف، حتى إذا جرى عرف قوم بكشف المرأة لصدرها أو ساقيها، قضى فيه بالإباحة - على زعم أن القرآن أبهم ما أباح إبداءه من الزينة؛ ليؤخذ فيه بأعراف الناس -، والرجوع في مثل هذا إلى العرف يفتح طرقاً من الشر إنما جاء القرآن ليسدها. ونحن ممن يدعو إلى تعليم البنات وتهذيبهن، وإكرام الزوجات ورعاية حقوقهن، والرفق بالنساء لضعفهن، ولكننا ننكر هذا الذي يدعو إليه الكاتب من الإغضاء عنهن إلى حد الاختلاط برجال ليسوا بمحارم لهن، فإن ذلك مما نهت عنه الشريعة، وأرتنا المشاهدُ رأيَ العين أنه أقربُ الوسائل إلى تلويث الأعراض، ونكدِ العيش، وهو إلى ابتذال المرأة أقربُ منه إلى كرامتها، وإلى عنائها أقربُ منه إلى راحة بالها، فالكاتب يعبث بحقوق المرأة المسلمة من وراء العبث بأحكام الشريعة، ويعمل لأن يفسد عليها دنياها قبل أن

стр. 632

يفسد عليها آخرتها. وقرأنا للكاتب بعد هذا جملاً كثيرة يطعن بها في علماء الإسلام، ويقذفهم فيها بأنهم لم يفهموا مقاصد الشريعة، ذلك لأنهم لم يمنعوا تعدد الزوجات، ولم ينزعوا حق الطلاق من يد الرجل، ولم يجعلوا ميراث الأنثى مساوياً لميراث الذكر، ولم يأذنوا للناس في أن يضعوا حبل الفتاة على غاربها تجتمع مع من تشاء، إلى نحو هذا من الشهوات التي لو طاشت إليها آراؤهم، لانطفأت حكمة الله، واندرست معالم الهداية، فلا قرآن يُتلى، ولا سنَّة تُروى، وعلى الدين الحقِّ يومئذ السلامُ. وكان من رأينا صرف القلم عن ذكر هذا الكتاب؛ اكتفاء بما تناولته به أقلام أهل العلم في تونس من الرد المحكم، ولكن الدعاية التي قام بها شركاء صاحب الكتاب في مصر دعتنا إلى أن نذكره، ونُري القراء مثلاً من باطله؛ ليحذروا فتنة، ويعلموا أن في الشرق نفوساً تقضي باسم الشريعة مآرب قوم يبتغون فساد ما بقي فينا من عقيدة سليمة، وأدب نُغبط عليه، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]

стр. 633

قصة أيوب ﵇ ونقض آراء حديثة في تفسيرها الردُّ الأوَّل (١) " اطلعت في إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة على مقال تعرَّض فيه كاتبه لمفسري القرآن الكريم، وبالغ في نسبتهم إلى التقصير في التفسير، وساق ما فسَّروا به قصة أيوب ﵇ مثالاً لذلك التقصير، وأورد وجوهاً زعم أنها تُبطل ما أجمعوا عليه من التفسير، ثم ذكر تأويلاً للقصة، مدعياً أنه هو الصواب، ووعد بأنه سينسج على هذا المنوال في بيان تقصير المفسرين. وقد وقفت في هذا المقال على آراء لا تدخل تحت قوانين المنطق، وأخرى لا تتقبلها بلاغة القرآن، فأردت تنبيه طلاب العلم لما في تلك الآراء من نشوز؛ حتى يكونوا على بينة من أمرها". * القصة: قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].

стр. 634

وقال الله تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤١ - ٤٤]. وهذه الآيات هي التي تصدَّى كاتب المقال لتأويلها. * صفوة آراء العلماء في تفسيرها: حمل المفسرون الضرَّ في آية الأنبياء على المرض، والضرُّ يستعمل في المرض على وجه الحقيقة، ولم يرد في وصف هذا الضر الذي مسَّ أيوب ﵇ آية، أو حديث صحيح، فيحمل على مرض لا يكسب الجسمَ قبحاً، ولا يُحدث في نفس من يشاهده نفُوراً، كما أنه لم يرد في مقدار مدته آية، أو حديث صحيح، فتحتمل أن يكون أياماً، أو أشهراً، أو سنين، غير أن المرض الذي يمدح الله رسولاً من رسله على الصبر عليه شأنه أن يكون في ألمه شدة. أما قوله تعالى في سورة ص: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]: فقد حمل كثير من المفسرين النصب والعذاب على معنى الضر الوارد في آية الأنبياء، وسنشرح وجهة نظر هؤلاء فيما بعد، وحملها آخرون على تعب القلب وألمه مما يوسوس به الشيطان من تعظيم أمر المرض؛ ليوقعه في الجزع، أو يوسوس به إلى بعض قومه من أن الله لا يبتلي الأنبياء بمثل ما ابتلاه به من الضر، ثم سأل أيوبُ الله تعالى أن يكفيه شر هذه الوسوسة، كما سأله كشفَ الضر عنه من أصله. وقد توسع بعض المفسرين في هذه القصة، فساق فيها روايات لا يوجد

стр. 635

من بينها رواية صحيحة ثابتة. قال القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره المسمَّى: "قانون التأويل": ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبر الله عنه في كتابه في الآيتين: (آية الأنبياء، وآية ص)، وأما النبي ﷺ ، فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: "بينما أيوب يغتسل، إذ خرَّ عليه رِجْلٌ من جراد من ذهب". ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]: الركض بالرجل: تحريكها، والمغتسل: الماء يغتسل به، والشراب معروف، ومعنى الآية على ما يقتضيه وضع مفرداتها اللغوية: أن الله تعالى أمر أيوب ﵇ بتحريك رجله، وقولُه بعد الأمر بتحريك الرجل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ يشعر بأن هذا المغتسل البارد والشراب، وجد بتحريك الرجل، وورود هذه الآية عقب إخبار الله بدعاء أيوب أن يعافيه من المرض، أو يكفَّ أذى الشيطان عنه، يدلُّ على أن لهذا الركض صلة بحال استجابة دعائه. وكذلك يقول المفسرون: ركض برجله؛ أي: حرّكها دافعاً بها الأرض، فنبع بالركض ماء أُمر بالاغتسال به، والشرب منه، فكان ذلك الدواء القاطع لما ألمَّ به من المرض، وفي السلامة من المرض انقطاعُ وسوسة الشيطان. فإن قال قائل: أي فائدة لركض أيوبَ برجله، والله قادر على أن يفجر الماء من غير ركض بالرجل؟. قلنا: إن الله قادر على أن يفجر اثنتي عشرة عيناً لبني إسرائيل من غير أن يقول لموسى ﵇: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وقادر على أن يفلق له البحر من غير أن يقول له: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاك
следующие страницы →