والشيخ محمد العروسي، وتوفي بدمشق، وابنته متزوجة من المرحوم قدور خمّار من بسكرة، ومقيمة حتى اليوم في الجزائر، وقد قاربت المئة عام -حفظها الله-.
والعلّامة اللغوي المعروف محمد المكي بن الحسين، عاد إلى تونس، ودفن فيها.
وسيدي الوالد زين العابدين بن الحسين، ودفن في دمشق، وكان عالماً ومؤلفًا، ولا أدلّ على شهرته ومكانته: أن وزارة التربية أطلقت اسمه على أكبر ثانوية في حي الميدان، ووزارة الأوقاف على مسجد حديث وكبير في حي الميدان -أيضاً- حيث سكناه.
وهناك الشقيقات: زبيدة، وميمونة، وفاطمة الزهراء، ودُفِنَّ في دمشق.
* الرحلات:
قام الإمام برحلات علمية باعتبارها وسيلةً لترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع، وكتبَ عن الرحلات وأثرها في الحياة العلمية والأدبية:
رَحّالةٌ كالبَدْرِ طافَ على الدُّنا ... بضيائهِ لا يَخْتفي أو يُحْجَبُ
له: "الرحلة الجزائرية" نشرها في العددين الأول والثاني من مجلة "السعادة العظمى" سنة (١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م)، وعاد لزيارتها ١٣٢٢ هـ - ١٩٠٤ م.
وله: "خلاصة الرحلة الشرقية" سنة (١٣٢٠ هـ - ١٩١٢ م) زار خلالها مالطة، والإسكندرية، والقاهر، ويافا، وحيفا، ودمشق، وييروت، وإستانبول، وعاد إلى تونس، ودامت قرابة خمسة أشهر. وفي عام ١٩١٣ م عاد والتحق
стр. 6827
بالعائلة في دمشق؛ حيث المقر الثاني له بعد تونس، وزار سويسرا، وإيطاليا لأغراض سياسية.
وهناك رحلته من دمشق إلى القاهرة، وهي المقر الثالث والأخير للإمام عام (١٣٣٩ هـ -١٩٢٠ م)، وهناك سطع نجمه، ويرز علمه، وفي كل المدن التي زارها في رحلاته المتعددة كان يلقي الدروس الدينية في مساجدها، والمحاضرات في نواديها في مختلف الفنون.
* في معتقل جمال السفاح بدمشق:
والسِّجْن للأحرارِ خيرُ شهادةٍ ... تُهدَى لأِمْثالِ الإمامِ وتُكْتَبُ
من صفحات الجهاد الإسلامي التي نقرؤها في سجل حياة الإمام محمد الخضر حسين: اعتقاله في شهر رمضان (١٣٣٤ هـ - ١٥ آب ١٩١٦ م)، وحتى ٢٩ كانون الثاني ١٩١٧ م وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري. وطلب المدعي العام من هيئة المحكمة إنزال عقوبة الإعدام بالإمام؛ بحجة أنه حضر مجلساً خاض فيه أحد المحامين في سياسة الدولة، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، والخروج عنها. ثم إن إدارة البوليس رأته مسؤولاً عن عدم إبلاغ الحكومة في حينه.
ودام الاعتقال ستة أشهر، وأربعة عشر يوماً في (خان مردم بك) بدمشق، وهو مكان مخصّص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا. ومن رفاقه في السجن: الرئيس شكري القوتلي، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري رئيس وزرائها، وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزارة في لبنان.
وحكم المجلس العرفي بالبراءة، وقرر المجلس طلب المكافاة للإمام
стр. 6828
على ما أصابه، ولكن الإمام يقول: "لم أتشبث بهذا القرار، وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرُّعي إلى النفخ في لهب الفتنة على غير هدى".
ومن شعره في السجن:
جَرى سَمَرٌ يَوم اعْتُقِلْنا بفندُقٍ ... ضُحانا به لَيلٌ وسامِرُنا رَمْسُ
فقالَ رفيقي في شَقا الحَبْس إنّ في الـ ... ـحضارَةِ أُنساً لا يُقاسُ به أُنْسُ
فَقُلتُ له فَضلُ البداوةِ راجِحٌ ... وحَسبُكَ أنّ البدوَ لَيسَ بهِ حَبسُ
ومن شعره في السجن -أيضاً-:
غَلَّ ذا الحبسُ يَدي عَنْ قَلَمٍ ... كانَ لا يَصْحُو عَن الطِّرسِ فَناما
أنا لوْلا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خِدْمةِ الإسلام آثرْتُ الحِماما
* جهاد الأمام في برلين:
سلْ عنهُ "برلينَ" التّي عَجِبتْ لَهُ ... والشَّيْخُ في لَهبٍ يَجيءُ ويذْهَبُ
تحت دويِّ القاذفات والمدمرات، وفي الأَتُّون المشتعل لهباً وسعيراً, في ذلك الجوّ المرعب الرهيب، وقف الرجل المؤمن الصابر، يدعو الجنود المغاربة الذين وقعوا أسرى الألمان إلى الثورة ضد فرنسا.
زجَّ الاستعمار الفرنسي مئات الآلاف من أبناء شمال إفريقيا في حرب لا تعنيهم، وساقهم إلى مذابح الحرب، ودفع بهم إلى الخطوط الأولى من المعارك التي يخوضها مع ألمانيا، ووقع في الأسر عدد كبير من الجزائريين والتونسيين خاصة، فكان الإمام يتصل بهم ويؤانسهم، ويحرّضهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن بلادهم تحتاج إليهم في هذا الموقف.
стр. 6829
أقام في ألمانيا تسعة أشهر في عام ١٩١٧ م، ومرة ثانية مدة سبعة أشهر عام ١٩١٨ م مع رفقة من المجاهدين المغارية. شارك في نشاط (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير بلاد المغرب، والدفاع عن قضاياها، وكتب المقالات في الصحف، وألقى المحاضرات.
تعلّم اللغة الألمانية وأجادها، ودرس المجتمع الألماني، وعاداتِ الأمة وأخلاقَها، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البروفسور الألماني (هاردر) أحدِ العلماء الألمان المستشرقين، وكتب: "مشاهد برلين".
وأصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً، لتحريض المغاربة على الثورة ضد المستعمر، كما صدر الأمر المؤرخ في ١٥ جوان ١٩١٧ م، والذي تضمن: "حُجزت بقصد بيعها أملاكُ الأخضر بن الحسين المدرس السابق في الجامع الأعظم الذي ثبت عصيانه"، ونشر الأمر في "الرائد التونسي" النسخة الفرنسية الصادرة في ٢٠/ ٦/ ١٩١٧ م.
* في الميدان الصحفي:
أصدر في تونس مجلة "السعادة العظمى" مجلة علمية أدبية إسلامية تصدر في غرّة كل شهر، وفي سادس عشرة.
صدر العدد الأول في ١٦ محرم ١٣٢٢ هـ حتى العدد ٢١ الصادر في غرّة ذي القعدة ١٣٢٢ هـ، وللمجلة تاريخ حافل في ميدان الإصلاح.
- وفي القاهرة أصدر مجلة "الهداية الإسلامية" عن "جمعية الهداية الإسلامية" التي يرأسها، وصدر العدد الأول في جمادى الثانية ١٣٤٧ هـ على مدى ثلاثة وعشرين مجلداً.
- ترأس تحرير مجلة "نور الإسلام" مجلة جامع الأزهر، وشعارها:
стр. 6830
المجلة الدينية العلمية الأخلاقية التاريخية الحكمية. وهي المعروفة اليوم باسم مجلة "الأزهر"، وصدر العدد الأول في شهر (محرم ١٣٤٩ هـ - جوان ١٩٣٠ م)، واستمر في تحريرها حتى عام ١٩٣٥ م.
- ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وصدر العدد الأول في أول رمضان (١٣٦٦ هـ الموافق ١٩ يوليو ١٩٤٧ م)، وحتى عام ١٩٥٣ م، وانقطع عنها؛ لارتقائه مشيخة الأزهر.
وكتب في العديد من الصحف والمجلات في العالمين العربي والإسلامي.
وكَسا الصَّحافةَ وجْهَها (بسعادةٍ ... عُظمى) ففازَ معَ السِّباقِ المغربُ
* الإمام اللغوي:
من العلوم التي برع فيها الإمام محمد الخضر حسين، وصال فيها، وجال في ميادينها الواسعة: علومُ اللغة العربية وآدابها. أَحبَّ اللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن، وخدمها خدمة المؤمن الصادق.
ومن أوائل المحاضرات اللغوية التي تحدثت عنها الأندية الأدبية: مسامرتُه حول "حياة اللغة العربية" التي ألقاها في الجمعية الصادقية بتونس في جمهور غفير من الأدباء، وأساتيذ اللغة العربية سنة ١٣٢٧ هـ.
وفي دمشق كان عضواً في (المجمع العلمي العربي) الذي عقد جلسته الأولى في ٧/ ٣٠/ ١٩١٩ م، وعيِّن الأمام عضواً عاملاً فيه طوال الفترة التي قضاها في سورية، ثم أصبح مراسلًا للمجمع عند انتقاله للسكنى نهائياً في القاهرة.
والمَجْمَعانِ بمصرَ أو في جِلَّقٍ ... دارانِ فُصحى وهو بينَهُما الأبُ
стр. 6831
والإمام من الأعضاء المؤسسين في (مجمع فؤاد الأول للغة العربية) بالقاهرة، والذي عرف فيما بعد بمجمع اللغة العربية، تأسس بمرسوم أصدره الملك فؤاد في (١٤ شعبان ١٣٥١ هـ - ١٣ كانون الأول ١٩٣٢ م)، وصدر مرسوم بتعيين الإمام عضواً عاملاً فيه في ١٦ جمادى الثانية (١٣٥٢ هـ - ٦ تشرين الأول ١٩٣٣ م)، وساهم الإمام بكل جهد في أعمال المجمع حتى آخر حياته المباركة، وترأس لجنة اللهجات، وشارك في لجان الآداب والفنون: "المعجم الوسيط"، "الأعلام الجغرافية"، "دراسة معجم المستشرق فيشر" المتعلق بالألفاظ القرآنية، وله العديد من البحوث المنشورة في مجلة "المجمع".
وأصدرتُ له كتابين: "دراسات في العربية وتاريخها"، و"دراسات في اللغة".
ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى بحثه اللغوي القيِّم "القياس في اللغة العربية" الذي نال بموجبه عضوية هيئة كبار العلماء بالقاهرة.
* معاركه الفكرية:
قَلَمُ الإمامِ هِدايةٌ ومَعارِكٌ ... وعلى الغِوايةِ مِثْلُ نارٍ تُسْكَبُ
خاض الإمام معارك الفكر مع عدد من أصحاب الأقلام المعروفة:
- وفي المقدمة: طه حسين، الذي ردَّ عليه في كتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وردّ على بحثه "حقيقة ضمير الغائب في القرآن".
- وردَّ على علي عبد الرازق في كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وعلى مقالاته "العظمة"، وعلى "ملاحظات على مقال مولد النبي ﷺ ".
- وردَّ على الشيخ محمود شلتوت حول "الهجرة وشخصيات الرسول".
стр. 6832
- وردَّ على محمد خلف الله في مقاله "الفن القصصي في القرآن".
- وردَّ على محمد أبو زيد الدمنهوري في كتابه "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن"، وعنوان بحث الإمام "كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد".
- وله ردٌّ تحت عنوان: "كتاب يلحد في آيات الله" ردَّ فيه على كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" تأليف الطاهر حداد من تونس.
- وردُّه "تحريف آيات الحدود عن مواضعها" على مقال عبد المتعال الصعيدي.
- و"نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة" ردَّ به على أحمد أمين.
- و"ملاحظات على البحث المقدم عن موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى، ردَّ على الأستاذ فريد أبو حديد. وله نقد آخر لآرائه.
- و"حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها" رد على اللجنة المؤلفة من طه: حسين، وأحمد أمين، وعلي الجارم، ومحمد أبي بكر إبراهيم في (مجمع اللغة العربية بالقاهرة).
وله ردود أخرى على الشيخ رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وغيرهم.
* جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية:
أسس الإمام (جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية) سنة (١٣٤٢ هـ، جوان ١٩٢٤ م)، وسنَّ قانوناً لها، ويقول عنها: "تأسست هذه الجمعية لتنهض بجاليات إفريقيا الشمالية، حتى يسيروا مع إخوانهم المصريين جنباً إلى جنب، يسايرونهم في أفكارهم، في آدابهم، في معارفهم، في كل شأن من شؤون حياتهم الاجتماعية".
стр. 6833
وقد ساهمت الجمعية في نشاط ثقافي، وشكلت لجنة تنشر آداب إفريقيا الشمالية، وكانت برئاسة الإمام، ومن أعضائها الجزائريين: الدكتور محمد عبد السلام العيادي، ومحمد الرزقي.
* جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية:
من الصفحات المشرقة والمشرّفة في سيرة الإمام: دعوته لتنظيم جاليات المغرب العيلي المقيمة في القاهرة في جبهة واحدة متراصة، غايتها: الدفاع عن شعوب شمال إفريقيا: تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا.
نظر الإمام إلى حال دول شمال إفريقيا، وما آلت إليه الأمور على يد المستعمر من محاربة شرسة عنيفة للغة القرآن، ونشر ويلات الجهل والفقر، و (فَرْنسَة) المعاهد العلمية، والمؤسسات الحكومية، ونقل البلاد إلى الجنسية الفرنسية من عروبتها وإسلامها، وتحويل المساجد إلى ثكنات عسكرية. وكسرت فرنسا الأقلام الحرة، وكممّت الأفواه، ولم تعد الأذن تسمع إلا قرقعة السلاح، والدعوات إلى اعتناق الأفكار الأجنبية الخبيثة، وفي اعتقادهم أن هذا الأسلوب يقود المغرب إلى أن يصبح قطعة من فرنسا، ولم يعلموا أن القرآن حافظ للغة، وأن الإسلام سيبقى إلى اليوم المشهود.
نظر إلى هذا كله، فلم يطق صبراً، وخفقت الروح بين جنبيه، والإمام من أكثر الناس شعوراً بإرهاب فرنسا التي لاحقته من تونس إلى دمشق، وإستنبول وبرلين، ثم إلى دمشق والقاهرة، وحكمت عليه بالإعدام، وأمرت بمصادرة أمواله في تونس.
لبت الجاليات المغربية دعوته المباركة، والتفَّت حوله في مشهد رائع، واتخذت مقراً لها دار "جمعية الهداية الإسلامية"، ولم تتخذ لنفسها مكتباً مستقلاً
стр. 6834
في البناء؛ حفظاً على مال الجبهة، وفي بناء الجمعية متسعٌ لكل عمل إسلامي ووطني.
عقدت الجبهة اجتماعها الأول في شهر ذي الحجة ١٣٦٣ هـ، وتم انتخاب الإمام رئيساً، ومثّل الجزائرَ فيها المناضلُ الكبير الفضيل الورتلاني، والأمير مختار الجزائري.
قامت الجبهة برسالتها خير قيام، وقامت بأقصى جهد للتعريف بقضايا المغرب، وعقدت المؤتمرات واللقاءات مع المسؤولين العرب والأجانب، وشرحت ما تتعرض له شعوب المغرب، وعملت على مساندة المقاومة بالقوتين المادية والمعنوية. وانضم إلى الجبهة أكثر اللاجئين السياسيين المقيمين في مصر، ونخبة من المناضلين المغارية، ومن جمعيات العلماء المسلمين الجزائريين، وحزب الشعب الجزائري.
وأطلق عليه أحد الباحثين اسم: (ابن خلدون العصر)؛ لأن في سيرة الرجلين تشابها كبيراً في مراحل حياتهما وإنتاجهما العلمي.
* عضويته في جماعة كبار العلماء:
تقدم الإمام برسالته "القياس في اللغة العربية" لعضوية جماعة كبار العلماء، وتشكلت لجنة من قساة الممتحنين، وكان العالم الفاضل الشيخُ عبدُ المجيد اللبّان رئيساً للجنة، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكُّن ما أدهش، ويهرهم بغزارة علمه، وفاض عليهم بما وهبه الله من معارف؛ حتى إن الشيخ اللبّان صاح إعجاباً قائلاً:
هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج؟! ونص القرار على أن اللجنة امتحنت الشيخ محمد الخضر، فوجدته بحراً لا ساحل له.
стр. 6835
وفي ٢٩ أبريل من سنة ١٩٥١ م صدر أمر ملكي برقم ٢٢ بتعيين الشيخ محمد الخضر حسين عضواً في جماعة كبار العلماء، وكانت هذه العضوية سبيله إلى عرض اسمه على مجلس الوزراء، عندما أراد المجلس اختيار شيخ الأزهر من كبار العلماء.
* الإمام في مشيخة الأزهر:
كان موسوعة علمية، يضرِب في جميع العلوم بسهم وافر، وقد جاهد في سبيل الله بقلمه ولسانه ونفسه.
جاءته مشيخة الأزهر تسعى إليه بنفسها، دون أن يطلب هذا المركز يوماً، فهو أزهد الناس بالمناصب والألقاب.
وافته مشيخة الأزهر اعترافاً بفضله العميم، وعلمه الغزير، وسيرته النقية التي غدت مضرب الأمثال في التقوى والنضال والدعوة.
لم تكن لديه في القاهرة عشيرة تكون له سنداً، ولا حرب يدفع عنه، ولا أخ يشد أزره، ولا ولد يرفع عن كاهله عبء الحياة.
ولكن الله كان معه، ومن كان الله معه، فقد بلغ أقصى مراتب السؤدد، ولأمثاله تعقد ألوية الدعوة والإصلاح، ولأمثاله تعقد القيادات الإسلامية.
ويروي الشيخ: أنَّ أمه حينما ولدته، وكَبُرَ، قالت له: إنها كانت تربِّت عليه وهو صغير، وتقول له: إن شاء الله يا أخْضَرْ، تكبر وتروح الأزهرْ.
واستجابت السماء لدعوة الأم الطاهرة، وإذا بأصيل "طولقة"، ووليد "نفطة" يجوب العالم داعية للإسلام، وتنتهي به رحلة الإيمان إلى أن يصبح
стр. 6836
إماماً وشيخاً في الجامع الأزهر. وهكذا يكرِّم الله أولياءه الصالحين في الدنيا قبل ثواب الآخرة.
الأزْهَرُ المَعْمورُ سُرَّ بِشيخِهِ ... لَمَّا اعتلاهُ من التُّقاةِ مُجرِّبُ
وفي مشيخة الأزهر قال: "إن كانت جنّة، فقد دخلتها، وإن كانت ناراً، فقد خرجت منها".
بعد اختيار الإمام شيخاً للأزهر، زاره الرئيس محمد نجيب في مكتبه بالأزهر للتهنئة، وبعد أيام على هذه الزيارة، أتاه السيد حسين الشافعي عضوُ قيادة الثورة، وأخبره أن الرئيس محمد نجيب يطلبه لأمر ما، فغضب الإمام -وقلّما يغضب -، وأخرج ورقة من درج مكتبه، وكتب عليها استقالته، وقال للشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم".
هنأه الشاعر الجزائري الكبير محمد العيد بقصيدة طويلة ومطلعها:
بارقٌ مِنْ بوارِق الرُّشْدِ لاحا ... جَرَّ للشَّرْقِ غِبْطَةً وفَلاحا
وفيها يقول:
وحَبا الأزْهَرَ الشريفَ رئيساً ... عَبقرياً ومُصْلِحاً مِسْماحاً
وإماماً محدِّثاً مَغْرِبيّاً ... رفعَ المغرِبَ المهيضَ جَناحا
واستقال من المشيخة في (٢ جمادى الأولى ١٣٧٣ هـ - ٨ جانفي ١٩٥٤ م)، وتفرَّغ للعلم والكتابة.
* آثاره العلمية:
حدِّثْ عن نبع لا ينضُب، وفكر لا يتعَب، وقلم أوقفه صاحبه لخدمة
стр. 6837
الإسلام، وآثارُه العلمية كلها طُبعت بحمد الله وعونه، وهي تزيد عن ثلاثين كتاباً.
آثارهُ تَروي لنا في طَيِّهَا ... أَنَّ الإمامَ الخِضرَ عَصْرٌ مُذْهَبُ
* مشاهد من حياته الخاصة:
أخْلاقهُ القرآنُ ترسُمُ سيْرَه ... ومكارمُ الأَخلاقِ منه تَصَبَّبُ
فإذا مَشَى فالأرضُ لا تَدْري بهِ ... وخُطاهُ تَمضْي هِينَةً لا تَضْرِبُ
أمّا على قِمَمِ المنَابرِ فارْتَقِبْ ... أَسدًا يُزمْجِرُ في العَرينِ وُيرْعِبُ
- الكتابُ رفيقه وجليسه، يضعه إلى جانبه إذا خاض في حديث، ويمسك به للمطالعة إذا خلا بنفسه.
- كان مهداءً لكتبه، يقدمها إلى كل زائر، ويبعث بها إلى معارفه من الشيوخ والعلماء في المعاهد الدينية، ولم يستفد مالاً من عائداتها، لقد وجدْتُ كتبه المهداة في كل بلد عربي زرته.
- لم يكن يتقاضى من (جمعية الهداية الإسلامية) بصفته رئيساً لها، أو من مجلة "الهداية الإسلامية" بصفته رئيساً لتحريرها، ولا عن محاضراته في الجمعية أيَّ أجر - وهذا مبلغ علمي.
- كان مشّاءً يحب السير على قدميه، فينتقل من سكناه في حي السيدة زينب إلى دار الجمعية في شارع مجلس النواب بالقاهرة ماشياً.
- سكناه بسيطة، يتجلى فيها زهدُ الإمام وورعه، شقة بالكراء من غرفتين، وفسحة بينهما، وفرش متواضع، لذا نراه يستقبل كبار زوّارِه في دار (جمعية الهداية) لا لسبب إلا لضيق داره.
стр. 6838
- وذكرت لي زوجته: أن الحبيب بورقيبة عندما لجأ إلى تونس، نام ليلته الأولى في مطبخ دار الشيخ، حتى هيأ له غرفة في اليوم التالي لدى إحدى الجمعيات.
- فُطوره قطعة من الخبز، وكوب من الحليب، ووجباته لا تتعدى لقيمات من لون واحد من الطعام.
- يغتسل بالماء البارد طوال السنة، وهي عادة اتخذها منذ أن كان في "برلين".
- راتبه الضئيل لم يتجاوز ثلانين جنيهاً، يقتطع نصفه لمعاشه، والنصف الآخر يرسله مجزّأً إلى أقاربه في دمشق وتونس مساعدة لهم.
- لم يقتن سيارة في حياته، ولم يمتلك عقاراً، وعند وفاته لم يترك إلا مكتبته التي أهداها إلى دار الكتب المصرية، وآثاره العلمية التي ينتفع بها الناس.
* مذكرات الإمام:
وضع مذكراته في ثلاث مجلدات تحت عنوان: "مراحل الحياة"، وتهافتت عليه المجلات المصرية، وكاد الاتفاق أن يتم مع جريدة "المصري" إلا أن الإمام قال:
"استخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثاً عن النفس، وفيه تزكية لنفسي، وأنا لا أريد أن أزكّي نفسي، وليستفد من شاء بما شاء من كتاباتي"، ومزّقها.
وتحت يدي بعض منها.
стр. 6839
* انتقاله إلى الرفيق الأعلى:
ولما أحبَّ الإمامُ لقاءَ الله، أحبَّ البه لقاءه. انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد ظهر يوم الأحد (١٣ رجب ١٣٧٧ هـ، الموافق ٢ فيفري ١٩٥٨ م)، ودفن إلى جوار صديقه المرحوم أحمد تيمور باشا جانب مسجد الإمام الشافعي ﵁ بالقاهرة.
رحم الله الإمام، وأنزله منزل الأنبياء والصدّيقين، والشهداء والأبرار والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
وختاماً: حيّاكم الله وبيّاكم يا شعبَ الجزائر المظفرَّة، يا أهل ووالي بسكرة، يا رئيس وأعضاء الجمعية الخلدونية المزهرة، ملتقاكم مفخرة المفخرة:
القَوْلُ لا يوفي الجزائرَ حَقَّها ... والشِّعْرُ يَعْجِزُ واللِّسانُ مُجَلْبَبُ
حيِّ الجزائرَ والعُلا تاريخُها ... يا أَطْهَرَ الأَرَضِينَ عَيْشُكِ مُخْصِبُ
وُاذكُرْ بِسِكْرَةَ وانتَخِبْ جَمْعِيَّةً ... هيَ لابْنِ خَلْدونَ المؤرِّخِ تَقْرُبُ
وقبل ختم الكلمة، أتمنى على الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية لولاية بسكرة، أن تضع في برنامجها المستقبل ثلاثة من عظماء الأمة:
الحسن بن عزّوز، ومحمد المكي بن عزّوز، والفضيل الورتلاني.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6840
محاضرات الملتقى
الإمام الشيخ محمد الخضر حسين ومنهجه في التراجم
الدكتور عمار الطالبي
نعتمد في بيان منهج الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (١٨٧٤ هـ - ١٩٥٨ م) على كتابه "تراجم الرجال" (١)، وإن كان المؤلف كتب تراجم أخرى، منها: "محمد رسول الله وخاتم النبيين"، كما كتب تراجم نشرها ضمن كتابه: "تونس وجامع الزيتونة".
هذه التراجم التي ضمّها كتاب "تراجم الرجال" كتبها في مجلتي "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام، بالقاهرة، كما ألقى بعضها في صورة محاضرات في بعض النوادي الإسلامية بالقاهرة -أيضاً-، ورتبّها جامعها تبعاً للتسلسل التاريخي لولادة المترجَم لهم، وعددهم أربعة عشر علماً: اثنان من الخلفاء، وهما: عثمان بن عفان، وعمر بن عبد العزيز ﵄ واثنان من القادة، وهما: موسى بن نصير، وصقر قريش عبدُ الرحمن الداخل، وإن كان منازعاً للخلافة العباسية، فأنشأ أخرى أموية بالأندلس، وواحد من الفقهاء المجتهدين من أصحاب المذاهب الفقهية، وهو: الإمام مالك بن أنس، وثلاثة أئمة من أئمة آل البيت، وهم: علي زين العابدين، وابناه: محمد الباقر، وزيد، وواحد
стр. 6841
من المحدّثين، وهو: أبو داود صاحب "السنن" المشهورة، وواحد من أصحاب المذاهب الاعتقادية، وهو: الإمام أبو الحسن الأشعري، وواحد من الأدباء الشعراء، وهو: القاضي أبو الحسن الجرجاني، وواحد من الصوفية الفقهاء معاً، وهو: الإمام الغزالي، وآخر من كبار فقهاء المالكية، وهو: أبو بكر بن العربي الأندلسي.
وختم هذا الكتاب بترجمة لصديقه الحميم أحدِ كبار المثقفين المصريين، وهو: أحمد تيمور باشا، وترجمته له عبارة عن تابينه له، وصَف فيه خصاله الحميدة، وفضله، وعلمه، وصداقته التي اعتز بها، وأثرت في نفسه أيما تأثير.
ونريد أن نشير إلى منهجه في هذه التراجم، وإلى غايته منها:
* الغاية والمقصد:
يرمي من هذه التراجم إلى: تعريف الشباب المسلم بعظمة الرجال الذين يترجم لهم، قال في خاتمة ترجمة علي زين العابدين: "هذه صحيفة من سيرة رجل من عظماء آل البيت، نعرضها على حضراتكم، وسيرة العظماء عظة وأسوة لأولي الألباب" (١).
وبيّن غرضه -أيضاً- من سيرة محمد الباقر قائلاً: "وفي سيرة العظماء عبرة لمن يريد أن يكون عظيماً في علمه، أو في شرفه، وسمو همته أو في المسارعة إلى عمل الخير ما استطاع" (٢).
стр. 6842
واتجه إلى الشباب في ترجمته للخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁:
"إن من الأسباب التي جعلت كثيراً من شبابنا يُسرفون في إكبار رجال أوربا، ولا يرفعون رؤوسهم فخراً بعظماء الشرق: أنهم لم يدرسوا تاريخ علمائنا بعناية ورويَّة وإنصاف" (١).
وأن هذا السبب هو الذي "دعا رجال (جمعية الهداية الإسلامية) إلى أن توجه همتها إلى إلقاء محاضرات في إحياء ذكر رجال نبغوا في العلم، أو برعوا في السياسة، أو كانوا مُثُلاً كاملة في الأخلاق، والآداب" (٢).
وأشار إلى تطور الجانب السياسي بتعاقب الخلفاء، والانتقال من عهد الخلافة الراشدة إلى المُلْك العَضوض (٣).
فالخلفاء الراشدون قامت دولتهم على العدل في السياسة، وإيثار الحق، ثم جاء بعدهم خلفاء فقدت معهم الخلافة شيئاً مما كانت تعهده في أولئك، وشعر الناس بالفرق الواضح بين العهدين، وما زالت تلك الأساليب تتزايد حتى كادت تذهب بمعظم ما جاء في الإسلام "من عدل وحرية ومساواة" (٤)، وجاء فتى هو عمر بن عبد العزيز، في العهد الذي صارت فيه الخلافة إلى ملك عَضوض؛ ليقيم شريعة، ويبسط العدل والأمن، ويرفع راية العلم، ومقام العلماء، فكان يستشير مجلساً من العلماء والخبراء؛ ليدلوا على الظلم إذا
стр. 6843
وقع من عماله، ويبدي رأيه في هذا: "وكذلك يكون حال من يتقلد الولاية وليس صالحاً، أما من يتقلدها للمباهاة، واتباع الشهوات، وطول الباع في اضطهاد الضعفاء، فلا يرتاح له بال إلا أن يضع على أفواه دعاة الإصلاح كمائم، أو ينفيهم من الأرض" (١).
ولما قدّموا إليه مراكب الخلافة من الخيل والبراذين، قال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة، فقال: "دابتي أوفقُ لي، فركب بغلته، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، مالي ولك؟! إنما أنا رجل من المسلمين" (٢).
وعلّق الشيخ الخضر على هذا: بأن الخليفة عمر بن عبد العزيز لم يكن حريصاً على الولاية، وهذا "يعين الرجل على السير فيها باستقامة دون أن يخشى سخط شخص، أو رهط من الناس، وإن بلغوا منتهى الوجاهة، أو عرفوا من وسائل الكيد ما لم يعرفه أحد من قبل" (٣).
كما علَّق على ردِّ المظالم الذي قام به الخليفة، ونقض بعض ما كان يفعله غيره من الخلفاء: "أما ما يفعلونه استبداداً وعدواناً، فهذا ما يجب على من أتى بعدهم أن ينظر في شأنه، ويردّه عليهم بكل قوة، وكذلك فعل عمر ابن عبد العزيز" (٤).
стр. 6844
وسوّى العطاء بين بني أمية وغيرهم؛ إدراكاً منه لقيمة المساواة في الإسلام.
وأشار إلى أن السياسة الحكيمة لا تولي عملاً لظالم غشوم؛ لأن من "اعتاد على الظلم لا يصلح للعمل في دولة العدل" (١)، ولذلك كان عمر بن عبد العزيز لا يستعمل من كان عاملاً لنحو الحجاج (٢).
وعدَّ من فضائل عمر بن عبد العزيز: نشره للعلم؛ إذ أرسل عشرة من التابعين؛ ليعلموا البربر بالمغرب القرآن والفقه والدين (٣).
وكد الشيخ هذا التعليم ووجوبه في عهده "وكذلك يجب على كل حكومة إسلامية أن تُعنى بعلوم الدين، وتعطيها حقّها من التعليم، والآباء الذين يستطيعون الوسيلة إلى أن يكون أبناؤهم على تربية دينية صادقة، ولم يفعلوا، إنما يحاربون الله في أرضه، ويكثرون سواد الأرواح الخبيثة" (٤).
كما أكد ضرورة العدل في سياسة الأمة، وعرّف الحاكم العادل بأنه "هو الذي يستوي في نظره القوي والضعيف، والقريب والبعيد، ولا يستقيم أمر أمة حتى يكون القابض على زمامه فعّالاً لما يراه الحق، ولا يكون لأولي القربى أثر في نفسه، إلا أن يهيئ لهم عزماً صارماً يكف بأسهم، ويعلمهم كيف يحترمون حقوق غيرهم، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز" (٥).
стр. 6845
وللعلماء عند عمر بن عبد العزيز مقام رفيع، لذلك أعانهم على الاحتفاظ بكرامتهم، وعلّق الشيخ محمد الخضر على هذا بأنه "لا تحيا أمة أو ترقى في سماء المجد إلا أن يكون فيها علماء مخلصون محترمون" (١).
فأنت تراه قد وظّف هذه التراجم لبثِّ دعوته الإصلاحية في الأخلاق والدين، والسياسة والمعرفة؛ لعل الناس -وخاصة الشباب والحكام- أن يكون لهم هؤلاء الأعلام قدوة ومثلاً أعلى، ولذلك ختم ترجمته للخليفة عمر بن عبد العزيز بما يدل على ذلك: "هذه محادثة أخذنا فيها بطرف من سيرة رجل من أعظم رجال الإسلام، عسى أن يكون موضع قدوة لكل من تولى أمراً من أمور المسلمين، وأراد أن يكون له لسان صدق في الآخرين" (٢).
كما ختم الإمام مالك بقوله: "هذه صفحة من حياته، نعرضها على حضراتكم، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب" (٣).
كما عقّب على عرضه لسيرة الإمام أبي الحسن الأشعري: "فإذا عرضنا عليك صحيفة من حياة أبي الحسن الأشعري، فإنما نعرض عليك شيئاً من سيرة رجل كان له في إصلاح النفوس وتقويم العقول جهادٌ وأيُّ جهاد" (٤).
وفي ترجمته للعلامة أحمد تيمور باشا أكَّد غرضه هذا: "وإنما هي كلمة أصف بها جانباً من خصاله الحميدة؛ عسى أن يكون في إلقائها تذكرةٌ
стр. 6846
لطلاب الفضيلة من أبنائنا الناهضين" (١).
* منهجه في التراجم:
بيَّن طريقته في ترجمة الإمام عثمان بن عفان ﵁ بأنه "نعول في هذا على أقوال المحدثين، والمحققين من المؤرخين (٢) "، وميَّز بين المحدّثين في روايتهم، والمؤرخين: "ولكن حفّاظ الحديث أنكروا هذا الذي يحكيه المؤرخون أشد الإنكار" (٣)، وهو يعتمد في هذا على أبي بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم"، فرَّد كل التهم التي وجهها الثائرون على الإمام عثمان، على طريقة أهل الحديث في توثيق أخبار الفتنة، وعددها ثلاث عشرة تهمة، استعرضها كلها، وردّها واحدة تلو الأخرى، اعتمد في ذلك أكثر ما اعتمد على كتاب "العواصم من القواصم" كما قلنا.
ولخص محاضرته في المجال بأن "عثمان ﵁ لم يأت حدثاً منكراً، ولم يرتكب ظلماً ولا إثماً، وأن الصحابة جميعاً بريئون من دمه، وإنما حاول خلعه، أو خان الله في سفك دمه نفرٌ ليسوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا من القوم الذين يريدون الإصلاح" (٤).
وألحَّ في غرضه من تربية الشباب المسلم بالتثبُّت في الأخبار، وأن لا يأخذوا بكل ما يجدونه في كتب بعض المؤرخين: "ولعل في محاضرتنا
стр. 6847
هذه تنبيهَ شبابنا النابتين نباتاً حسناً على أن يتثبتوا فيما يقصه المؤرخون عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ولاسيما الذين صاحبوه أعواماً، ووردت الأخبار الصحيحة أنه توفي وهو عنهم راض" (١).
وأنتم تعلمون أن خطوات الترجمة عند القدماء تتمثل في الخطوات الآتية:
- اسم المترجَم له، ونسبه، ولقبه، وكنيته.
- مولده، أو إثبات عمره.
- نشأته، ودراسته، وشيوخه.
- مؤلفاته، وتلاميذه.
- مكانته العلمية، وآراء العلماء فيه.
- وفاته.
وتتوقف الترجمة على شخصية المترجَم له من كونه سياسياً، أو فقهياً، أو محدّثاً.
وسلك الشيخ محمد الخضر في ذلك مسلكاً دقيقاً، وصاغَ التراجم صياغة أدبية واضحة، مع إبداء آرائه الشخصية، ونقد لما لا يراه صحيحاً.
وكان القدماء يبنون التراجم على طبقات، والطبقة: وحدة زمنية، تتمثل في العقد؛ أي: عشر سنوات، وترتب حسب السنوات، سواء في ذلك الحوادث التاريخية، أو التراجم؛ كما فعل الذهبي في كتابه: "تاريخ الإسلام" كتب فيه الحوادث والتراجم ابتداء من السنة الأولى للهجرة، إلى العصر الذي عاش فيه، وهو القرن السابع الهجري، وسلك مسلك المحدّثين -أيضاً- في نقد
стр. 6848
رجال الحديث والتاريخ، وكتب كتاب: "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" كما نقد المصادر والموارد التاريخية والحديثية.
وكما فعل ابن الجوزي في كتابه: "المنتظم" الذي يذكر فيه الحوادث التاريخية، ثم يعقبها بالتراجم.
ومنهج المحدثين يتشدد في رواية الأحداث الخطيرة؛ كالفتن التي تحيط بها الأهواء والعصبيات، فيحتاط في نقد المصادر المتعلقة بها، وكذلك الروايات التي لها صلة بالعقائد، أو الفتن التي وقعت في عهد الصحابة، فيطبقون قواعد نقد الحديث ورواته.
وجاء الغربيون بعد ذلك، ووضعوا منهجاً نقدياً للتاريخ، لا يبعد كثيراً عن مناهج المحدثين النقدية، كما بيّن ذلك أسد رستم في "مصطلح التاريخ".
ولا تقتصر التراجم على رجال الحديث، وإنما تشمل غيرهم؛ كالفقهاء، والشعراء، والملوك، والقضاة، وترتب على حسب الطبقات، أو حروف المعجم.
ومنهج المحدثين النقدي أدى إلى نمو نقد المصادر، وبيان مدى ثقة الناقلين وإتقانهم لما ينقلون من روايات وأخبار، فتقبل روايات الرواة ذوي الضبط والإتقان، وتأثر المؤرخون والأدباء بهذه الطريقة في الرواية وسندها، ولكنهم لم يتشددوا في رواية التاريخ تشدُّدَهم في رواية الحديث؛ لما يترتب عليه من أحكام شرعية.
وقد بلغت تراجم الذهبي (١٠٤٠) ترجمة في كتابه "تاريخ الإسلام"، وكان الأوزاعي يقول: "إنا كنا لنستمع الحديث، فنعرضه على أصحابه كما
стр. 6849
نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا، أخذنا، وما أنكروا، تركنا" (١).
ويمتاز الشيخ محمد الخضر بأنه يعنون للأفكار التي يريد تبليغها، ورؤوس الموضوعات التي يعالجها، وهو منهج تربوي إصلاحي سلكه ابن باديس في تراجمه، وفي تفسيره للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية.
- ملاحظات:
١ - من قراءة هذه التراجم ندرك جوانب من حياة الشيخ العلمية، وتكوينه العقلي، فهو متأثر بابي بكر بن العربي غاية التأثر، فغيَّر من اتجاهه العلمي جذرياً:
"ولأبي بكر هذا فضل في انصرافي عن دراسة علوم الدين دراسة تقليد ومتابعة، شأن من لا يزيد في التفقه على قراءة "مختصر خليل"، وشروحه، وحواشيه، ذلك أني اتصلت بمكتبة خالي وأستاذي المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزّوز، واستعرت منها كتاب "العارضة" (٢)، وكتاب "القبس"، وجزءاً من "ترتيب المسالك" (٣)، ثم اتصلت بمكتبة صديقي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشورِ شيخ الإسلام المالكي بتونس هذا العهد، واستعرت منها كتاب: الأحكام "أحكام القرآن"، وكتاب "العواصم من القواصم"، فأعجبت بطريقة المؤلف في التأليف، ووجدتها التي تنهض بالفكر حتى يكون
стр. 6850
مثمراً، بل الطريقة التي تحبب إلى ذوي الفطرة السليمة دراسةَ العلوم الدينية، والواقع أن هذه الكتب كانت أول ما أخذني إلى النظر في علوم الشريعة بتلهف، بعد أن كنت قد انقطعت إلى علوم اللغة وآدابها" (١).
فصلتهُ بخاله محمد المكي بن عزوز -علامةِ هذه المنطقة، المعروفِ في العالم الإسلامي في ذلك العهد- ذاتُ أهمية بالغة، ونسخته من "العواصم من القواصم" موجودة بدار الكتب المصرية، وعليها خطه، وقد اعتمدت عليها في تحقيق "العواصم من القواصم"، مع غيرها من النسخ، وكذلك صلته بصديقه الحميم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي كان يزوره بدمشق عندما كان مقيماً بها، وقبل أن يستقر بمصر، كما كان يزوره بها، فهذا التحول في اتجاهه الفكري والعلمي في غاية الأهمية في حياته وتطورها، وأشار إلى أنه تولى القضاء ببنزرت بتونس مدة مشة وأربعة أشهر، ولكنه فضل إلى أن يعود للزيتونة للتدريس بها، والاشتغال بالتعليم، معرِضاً عن منصب القضاء (٢).
٢ - ترجمته لعدد من أئمة آل البيت يدل على سعة أفقه، والبعد عن التعصب لأهل السنّة، وعندما ترجم للإمام زيد بن علي، وصفه بأنه مات شهيداً، وقال: "نحن نوافق الزيدية في الاعتقاد بفضل زيد وعلمه وجلالة قدره" (٣).
وأشاد بالباقر، وزيد، ووصف كل واحد منهما بأنه: "كان عظيماً في
стр. 6851
علمه، عظيماً في خلقه، عظيماً في تقواه" (١).
واحترم ثورة الإمام زيد، ومخاطرته وصراحته، وإنكاره الفساد. قال فيه: "كان يطمح إلى أن يكون له سلطان يبتغيه وسيلةً إلى إصلاح حال الأمة، وإعادة ما ضاع على أيدي بعض أمراء بني أمية من العدل" (٢). "ولا ننكر على زيد مخاطرته في سبيل الإصلاح إذا أخذ بالعزيمة" (٣).
وامتدح الشيخ نقده للخليفة هشام بن عبد الملك، ووصفه بأنه: "كان من كبار المحدثين" (٤)، وأنه: "كان فقيهاً مجتهداً" (٥)، وهذا يعد تقريباً بين الشيعة وأهل السنّة، سبق إليه الذين يعملون للتقريب اليوم.
انتقد الباطنية، والبابية، كما انتقد بعض المعتزلة الذين يرى أنهم انحرفوا تأثراً بالفلسفة، وتعسفوا في تأويل بعض النصوص (٦).
وأشاد بالأشعري، الذي رأى أنه عبّر عن مذهب أهل السنة، وأنه على مذهب السلف، وما كان عليه الأئمة، ودافع عن الأشعري ضد خصومه، ولكنه لم يطلع إلا على كتابه: "الإبانة" الذي قرر فيه عقيدة السلف.
وأشاد بالجرجاني أبي الحسن، الذي جمع بين النثر والشعر والذوق الرفيع في نقده الأدبي، متأثراً بعبد القاهر الجرجاني، فجمع بين نثر الجاحظ،
стр. 6852
ونظم البحتري، وكتابه: "الوساطة بين المتنبي وخصومه" كان فيه مع ميزان العدل في النقد، ولم يتابع فيه الصاحبَ بنَ عباد.
كما دافع عن الغزالي في كتابه "الإحياء" ضد خصومه أيما دفاع.
واعتز بشخصية أحمد تيمور باشا، ويصداقته، وعلمه وتواضعه، واعتزازه بالعربية، وبالتاريخ الهجري الذي لا يكتب غيره في مراسلاته، حتى إذا كاتب الشركات الأجنبية، ولا يقبل أي طعن في الإسلام.
وبدأت علاقة الشيخ محمد الخضر به سنة (١٣٤٠ هـ - ١٩٢٢ م)، ولم يذكر تاريخ وفاته في هذه الترجمة أو التأبين، ولا تاربخ ولادته، وهو ولُد سنة ١٢٨٨ هـ، وتوفي سنة ١٣٤٨ هـ (١٨٧١ - ١٩٣٠)، ومعنى هذا: أنه دامت صداقتهما ثمانية أعوام.
وكان أحمد تيمور قد صحب الشيخ طاهر الجزائري، وأخذ عن محمد عبده، وخزانته تضم ثلاثة عشر ألف مجلد، نصفها مخطوط (١).
٣ - تشتمل هذه التراجم على نموذج من شعر الشيخ محمد الخضر حسين، تدل على قيمة جمالية واضحة، ويتمثل هذا النموذج في قطعتين:
الأولى: في قصة عبد الرحمن الداخل (٢) مع الشاعر أبي المخشِيّ، نظم هذه القصة في موشح رائع مطلعه:
خلّ نفسَ الحرِّ تَصْلى النُّوَبا ... لا تُبالي
стр. 6853
ليستِ الأخْطارُ إلا سبَبَا ... لِلْمَعالي
وهي قطعة تستحق دراسة أدبية لسانية خاصة، وتقع في ١١٢ بيتاً.
وأما القطعة الثانية، فنظمها عندما أنهى كتابه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين في خمسة أبيات على لسان القلم، وأهداها إلى أحمد تيمور باشا مع الكتاب، ومطلعها:
سفكَتْ دمي في الطِّرْسِ أنملُ كاتبٍ ... وطوتنِيَ المبراةُ إلّا ما ترى (١)
* مصادر التراجم:
موارد الشيخ محمد الخضر حسين في تراجمه متعددة، يأتي في مقدمتها "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي، اتخذ منهجه في الدفاع عن العثمانية، وفي معالجة مشكلة الفتنة الكبرى (٢)، على طريقة المحدثين التي لا تتفق مع روايات كثير من المؤرخين، يقول: "لكن حفاظ الحديث أنكروا هذا الذي يحكيه المؤرخون" (٣).
أما ما نقله عن المؤرخين، فإنه لا يسميهم، ولا يذكر مؤلفاتهم -غالباً-, ويقتصر على عبارة: "يذكر المؤرخون" (٤).
ومن مصادره: "صحيح البخاري" (٥)، في مسألة: حماية الأرض، وغياب
стр. 6854
الإمام عثمان عن بعض الغزوات.
ونقل عن الحافظ ابن عبد البر، من كتابه: "الاستيعاب" (١)، ورجع إلى "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وسماه: "تاريخ ابن خلكان" (٢)، وابن قتيبة في كتاب: "المعارف" (٣)، و"سيرة محمد بن إسحاق"، وكتاب الزمخشري: "ربيع الأبرار" (٤).
ويذكر أحياناً مصادر غير واضحة؛ مثل: "صاحب الإرشاد" (٥)، أو: "قال صاحب القاموس" (٦)، أو "كتب الأدب والتاريخ" (٧).
ويورد أحاديث لا يخرجها غالبا بذكر مصادرها الحديثية (٨).
ومن مصادره: كتاب أبي بكر بن الخطيب في الرواة (٩)، ويرجح أحياناً بعض الروايات (١٠) على بعض، ورجع إلى كتاب "المدارك" للقاضي عياض (١١)،
стр. 6855
و"معالم السنن" لأبي سليمان الخطابي، وهو شرح لسنن أبي داود (١)، وتكلم على منحى البخاري ومسلم في مدونتيهما في الحديث في أثناء كلامه عن سنن أبي داود (٢)، ونقل من "المنقذ من الضلال" للغزالي (٣)، وابن السبكي في "طبقات الشافعية" (٤)، وابن الجوزي في كتابه "شذور العقود" (٥)، ورجع إلى "الإبانة" للأشعري (٦)، وبعض "رسائل الصاحب بن عباد" (٧)، و"الوساطة بين المتنبي وخصومه" لأبي الحسن الجرجاني (٨)، و"زجر المفتري على أبي الحسن الأشعري" لأبي العباس أحمد القرطبي (٩)، و"عقيدة المطلبي" لأبي عبد الله الجويني (١٠)، وكتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (١١)، و"قانون التأويل" لأبي بكر بن العربي (١٢)، وكتاب "الإحياء" للغزالي (١٣)، و"المغني عن
стр. 6856
حمل الأسفار" لزين العابدين عبد الرحيم العراقي (١)، و"مقدمة ابن خلدون" (٢)، و"ترتيب المسالك" لأبي بكر بن العربي (٣)، و"مقالات الآثار النبوية" لأحمد تيمور باشا، التي حررها في مجلة "الهداية الإسلامية" (٤).
ويبدو أنه اطلع على ما ذكره من مؤلفات أحمد تيمور، ومقالاته في " المؤيد"، "والهلال"، و "المقتطف"، و"المقتبس"، ومجلة "الزهراء"، و "الفتح"، ومجلة "المجمع العلمي بدمشق"، فضلاً عن مقالاته في مجلة "الهداية الإسلامية"، التي أنشأها الشيخ محمد الخضر حسين ﵀، ولعل دفنه بالمقبرة التيمورية له صلة بصداقته لأحمد تيمور باشا، ولنجليه الماجدين (٥)، على حد وصفه لهما.
стр. 6857
محاضرات الملتقى
الإمام العلامة محمد الخضر حسين شاعرا ً
للدكتور كمال عجالي (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على. سيدنا محمد، وآله وسلم تسليماً.
عاش محمد الخضر حسين في أسرة وفي عائلة مفعمة بحب الأدب
стр. 6858
والشعر، والثقافة العربية والإسلامية، فلا غرابة أن يقرض الشعر، ويكتب مبكراً من سني عمره.
ثم انصرف عنه إلى طلب العلم، ومزيدٍ من التحصيل المعرفي، ولم يعد ينظم الشعر إلا لدواعي الضرورة القصوى، فهو لم يقل الشعر إلا لتهنئة صديق، أو تذكيره بما يربط بينهما من الصلات، أو لرصد ناحية خلقية أو اجتماعية مشاركة منه في إصلاح المجتمع الإسلامي وتهذيبه، ولكن ذلك كله لم يمنعه من أن يقول شعراً كثيراً، وخاصة في السنوات الأخيرة من حياته.
وأكثر شعره جاء في موضوعات متفرقة؛ كوصف منظر، أو رصد موقف، أو تسجيل حكمة، أو التقاط مفارقة، أو تأمل في تجارب الحياة وأخلاق الناس.
يقول في رصد منظر الغروب وتصوير الشفق:
هذا الدُّجى اغْتالَ النَّهارَ ودَسَّهُ ... تحتَ التُرابِ مُضرَّجاً بدمائهِ (١)
ما حُمْرَةُ الشَّفَقِ التي تَبْدو سِوى ... لَطْخٍ مِنَ الدَّمِ طارَ نحو رِدائهِ (٢)
لقد كان الشيخ الحسين مجبولاً على حب الحرية، والعرة النفسية العالية، وقلما سنحت له الفرصة، وكثيراً ما كان يفعل ذلك، إلا ونبّه الأمة إلى الأخذ بأسباب التقدم والازدهار، والعمل على الانعتاق من ربقة الاستعمار.
стр. 6859
يقول في موقف، وهو على فراش المرض بعد أبيات كلها تصبر وثبات على المكاره:
أَطَلَّ عَلَيَّ الموتُ من خَلَلِ الضَّنا ... فآنَسْتُ وجْهَ الموْتِ غيرَ كئيبِ (١)
ولوْ جسَّ أَحشائي لخِلْتُ بَنانَهُ ... وإنْ هالَ أقْواماً بنانَ طبيبِ
فلا كانَ مِنْ عَيْشٍ أرى فيه أُمَّتي ... تُساسُ بِكَفَّيْ غاشمٍ وغريبِ (٢)
كما كان الشيخ ودوداً، صائناً للعشرة، محافظاً على الصداقة، مراعياً لآداب الأخوة، ما لم تمس كرامته، أو يطعن في ذمته، لذلك نجده يقول في متفرقاته:
خَلُّوا عِداتي يَمْلَؤونَ بخَيْلِهمْ ... وبِرَجْلِهمْ أَكَمَ الثَّرى ووِهادَهُ (٣)
لا هَمَّ في الدُّنْيا إذا ظفَرتْ يَدي ... بأخٍ عَشِقْتُ ذَكَاءَه ورَشادَهُ
أصْفو لهُ أمدَ الحياةِ وإنْ رَمى ... سَمْعي بقَوْلٍ خادِشٍ ما اعْتادَهُ
لستُ المُقاطِعَ إنْ جَفا خِلٌّ ولَمْ ... يَكُ قَطْعُ رابطةِ الوِدادِ مُرادَهُ
إن متفرقات الشيخ الخضر كثيرة ومتنوعة ومتداخلة، لا يكاد يحصيها الباحث عدّاً، وعليه: فشعره أغلبه من المقطوعات الشعرية التي تحوي البيتين، أو الثلاثة، أو الستة أبيات. ولا يتجاوز عدد قصائده الطويلة سبعين قصيدة؛ فقد كان الرجل قصير النفس في جلِّ أشعاره، إلا فيما يتصل ببعض المواضيع
стр. 6860
الهامة التي يبدو أنها كانت توافق مزاجه؛ مثل: تمجيد العرب والإسلام، وتهئة الأصدقاء، ورثاء الأقارب.
وقد تناول في شعره أغراضاً كثيرة، أهمها: الإخوانيات، والقضايا الوطنية والسياسية، والرثاء، والو صف، والوجدانيات، والاجتماعيات، والإسلاميات.
وقبل الحديث عن شعر الإخوانيات لابد أن نعرف أولاً: ما المقصود بهذا اللون من الشعر؟
وفي الحقيقة يصور هذا اللون من الشعر الاجتماعي الصلات والروابط التي كانت تربط الأصدقاء من الشعراء، ويتحدث هذا الشعر بين سطوره عن الصداقة، والأخوة، والتهنئة، والاعتذا ر، والعتاب، والشكوى، والتعزية، والاستعطاف.
ولقد ساعدت المساجلات والمراسلات الشعرية، واستخدامها استخدام النص على انتشار هذا اللون من الشعر بين الكثير من الشعراء والأدباء، كما يذهب البعض إلى تسميته بشعر المجاملات، أو الشعر الإخواني.
ولكثرة تجوال شاعرنا وأسفاره، ودماثة أخلاقه، فقد اكتسب إخواناً وأصدقاء من الأدباء والشعراء والعلماء في بلدان متعددة، وكان من أبرزهم: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من تونس، وخليل مردم بك من سورية، إلى آخرين غيرهم من أفراد أسرته وأقاربه.
بعث ذات مرة إلى الشيخ عبد القادر بن المبارك الجزائري المقيم في دمشق، بعد أن قزظ كتاب "الخيال في الشعر العربي" للخضر حسين، فقال الشيخ محمد الخضر حسين شاكراً الفضل، وحامداً الصنيع:
стр. 6861
أَمْحَضُ الأُستاذَ شُكْراً ساطِعاً ... بَيْنَ صافي الوِدِّ والشَّوْقِ المُذيبِ (١)
وسلاماً مِنْ بَعيدٍ كُلَّما ... عَزَّ إِلقاءُ سلامي مِنْ قريبِ
وحين تولى الشيخ الطاهر بن عاشور خطة القضاء في تونس، بعث إليه الحسين مهنئاً، فقال:
يا طاهِرَ الهِمَمِ احْتَمَتْ بِكَ خُطَّةٌ ... تَبْغي هُدًى ومروءَةً وسَماحا (٢)
سحَبَتْ رِداءَ الفَخْرِ واثقةً بما ... لكَ مِنْ فؤادٍ يَعْشَقُ الإِصْلاحا
ستشُدُّ بالحَزْمِ الحكيمِ إزارَها ... والحَزْمُ أنْفَسُ ما يكونُ وِشاحا (٣)
وتذودُ بالعَدْل القَذَى عَنْ حَوضِها ... والعَدْلُ أَقْوى ما يكونُ سِلاحا (٤)
وفي ردّه على خليل مردم بك الشاعر السوري الشهير، الذي اشتكى أن ينساه الحسين، وينسى أيامه التي قضياها معاً في دمشق، فقال الخضر:
إنّي على ثقةٍ مِنْ أنَّ ذِكْرَكَ لا ... ينفَكُّ مُرْتَسِماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
وكيفَ أنسى "خليلاً" قَدْ تضوَّعَ في ... حُشاشَتي وِدُّهُ كالعَنْبَرِ العَبِقِ
كان شاعرنا مخلصاً في صداقته، مجدداً تواصله مع أحبائه، متطلعاً إلى
стр. 6862
لقياهم وسماع أخبارهم، ولا غرو في ذلك، فهو قد نظم في موضوع الصداقة والأصدقاء أكثر من عشر قصائد، تعرض في بعض منها إلى أهمية الصداقة، ودورها في حياة الإنسان، وتعرض في البعض الآخر إلى خصال بعض أصدقائه، وصلاته المتينة بهم، وخاصة منهم: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي أفرد له مقطوعات وقصائدَ عديدة تبين مدى الود الذي كان يربط بين الرجلين، والمحبة الخالصة التي كانت تجمع بينهما.
وكما كان الشاعر محباً لأصدقائه، فقد كان محباً -أيضاً- لأمته، مخلصاً لها، محضها الود والإخلاص، والرشدَ والنصيحة طوال حياته، فبعد وعد بلفور المشؤوم في نوفمبر ١٩١٧ م، بدا تألُّم الشاعر وتحسّره على ما آلت إليه فلسطين من عصابات الإجرام اليهودية، الذين نخروا في جسمها كالسوس بالمال والمؤامرات والرشاوى، وشراء المواقف في المحافل الدولية، واستنكرَ تباطؤ العرب وتخاذلَهم في نصرة إخوانهم الفلسطينيين بالمال والسلاح، فقال:
لا تُنجِدُوهُمْ بالتَحَشُرِ وَحْدَهُ ... إنَ التَحَشُرَ لا يُزيحُ عَناءَ
لا تنهَضُ الأوطانُ من كَبَوَاتها .... إلّا على أيدٍ تَفيضُ سخاءَ
ما سادَ قومٌ أُشْرِبوا شُحّاً وإنْ ... بَلَغوا السّماءَ شَجاعةً وذَكاءَ (١)
أمِنَ المُروءةِ أنْ ننُادَى للّتي ... فيها النَّجاةُ ولا نُجيبُ نِداءَ
بسطَ اليهودُ إلى اليهودِ أكُفَهُمْ ... بالمالِ مِنْ بَيْضاءَ أوْ صَفْراءَ (٢)
стр. 6863
ومتى أرى قَوْمي قَدِ اسْتَبَقوا العُلا ... بِسخاء كَفٍّ يكْشِفُ اللأْواءَ (١)
مثلما أحب الشاعر أمته، فلم ينس وطنه الذي ولد فيه، وتربّى في ربوعه، فأشاد به في كل موقف، وتغنّى فيه بكل محفل ومناسبة ذكَّرته به.
ودعا إلى التحرر والاستقلال، والعمل على طرد الباغي الغريب، وحرَّضهم على أن يفعلوا مثلهم مثل إخوانهم في طرابلس الذين يخوضون حرباً ضد الإيطاليين (١٩١١ - ١٩١٢ م)، فقال:
رُدّوا على مَجْدنا الذكْرَ الذي ذَهَبا ... يَكْفي مَضاجِعنَا نومٌ دَهَى حُقُبا (٢)
ولا تعودُ إلى شَعْبٍ مُجادَتُه ... إلا إذا غامَرَتْ هِمّاتُهُ الشُّهُبا (٣)
حَيّاكُمُ الله قَوْمي إنَّ خَيْلَكُمُ ... قَدْ ضُمّرَتْ والسِّباقُ اليومَ قد وَجَبا (٤)
وقد ظلت عين شاعرنا ترقب كل كبيرة وصغيرة في الساحة الدولية، فراعه ما كانت تقوم به قوى الاستعمار من أساليب المكر والخداع، ومنها: خدعة التجنيس التي كان يهدف الاستعمار من ورائها إلى احتواء النخبة، وتخلية الوطن من قواه الحية التي يمكن أن يعقد عليها الأمل. فقال الحسين في قصيدته: (صرخة المغرب):
стр. 6864
لاذَ بالتجْنيسِ والقَوْمُ أَبَوْا ... خَوْفَ أنْ يَصْلَوْا بهِ النَّارَ الحِراقا (١)
وبَنو المغربِ عُرْب شِيَماً ... ولِساناً، لا ادِّعاءً واخْتِلاقا
وما دام بنو المغرب مسلمين، رفضوا التجنيس، وخافوا أن يصلَوا النار، فواقعُ الحال يدعو فرضاً أن يكسروا هذه القيود، ويحطموا تلك السدود التي ينصبها لهم المستعمر الغاشم، فقال مخاطباً تونس:
يا شاطِئَ المرْسى إلامَ الهُجودْ ... فُكَّ القُيودْ (٢)
وكُنْ كما كُنْتَ لعهدِ الجُدودْ ... غِيلَ الأُسودْ (٣)
يَمْرَحُ فيكَ العزُّ بين الجُنودْ ... ضافي البُرودْ
فأنت لا تَزْهى بِتَلْحينِ خُودْ ... ونَقْرِعودْ (٤)
إن تحرير الأوطان يتطلب تضحية وفداء، ولا بدَّ أن تراق الدماء القانية في طريق الحرية، وتروى الدروب بدماء الشهداء، وتغسل الأرض من درن الاستعمار وأوضاره، لذلك قال الخضر:
حديثُ عنقاء شَعْبٌ أنقذَ الوطنا ... ولم يسلَّ سيوفاً أو يَهُزَّ قَنا (٥)
стр. 6865
إلى أن يقول:
عُسْفُ العدا دَرَنٌ فاسْكُبْ عليه دماً ... مِنَ الدّماءِ الغَوالي تَغْسِلُ الدَّرَنا (١)
ولا يَروعَنْكَ جُنْدٌ شنَّ غارَتَهُ ... على البُغاثِ فَلاقى الجُبْنَ والوَهَنا (٢)
إن الصُّقورَ إذا انْفضَّتْ تُنافحُ عَنْ ... أوْكارِها لم تَهَبْ جُنْداً ولا ثَكَنا (٣)
وعزة الأوطان غالية، وأغلى منها مهرُها الذي يتجسد في أرواح شبابها حين يتقدمون إلى ساح الوغى فداء وتضحية مع الاستعداد وإعداد العدة، فقال:
عِزَّةُ الأُمَّهِ في نَشْءٍ إذا ... نَشَبتْ في خَطرٍ كانوا فِداها
وجَناحا فَوْزِها اسْتِمْساكُها ... بِهُدى الله وإرهافُ قَناها
ولما كان شاعرنا من دعاة الجامعة الإسلامية الذين كانوا يعمدون إلى العمل السياسي المنظم الشامل، وسعوا إلى الوحدة العامة بين الأقطار الإسلامية، وكان منطلقهم الأول: أن الإسلام صالح لنهضة المسلمين المطلوبة لكل زمان،