← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (٢٩) «مُلتَقَى الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين في الجَزَائر» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 6792

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 6793

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة تزينت مدينة "بسكرة" عاصمة الزيبان في الجنوب الجزائري، وأسفرت عن وجهها الثقافي والإبداعي والمِضْياف خلالَ عيدها الفكري الرائع أيام ٢٥ - ٢٦ - ٢٧ ديسمبر كانون الأول من عام ٢٠٠٧ م، واكتست أبهى حُللها وأجملَها عندما نظمت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) ملتقىً ثقافياً تحت عنوان: (ملتقى الإمام العلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري). أعلنت ولاية "بسكرة" طَوال أيام العيد الثقافي الذي عاشته عن فرحها وسعادتها بهذا الحدث الهام، وامتلأت شوارعها بصور الشيخ الإمام، وانتشرت اللافتات التي غصّت بها أفحاء الولاية؛ لتعبر عن مكانته العلمية، والاعتزاز بانتمائه إلى مدينة "طولقة" التابعة لولاية "بسكرة"، وسطرت بالمداد الملون الزاهي على لوائحَ ضخمةٍ من القماش المتعدد الأشكال آيات الترحيب والمباهاة، وبعض المنتخب من أقواله؛ كما قام الرسامون ببذل جهد كبير في رسوم الإمام الزيتية المعلقة في أنحاء الولاية. وأمَّ المدينةَ من كافة إنحاء القطر الجزائري النخبةُ من رجال الفكر والتعليم الجامعي، ورجال الصحافة، وشاركت مؤسسات التلفزة والإذاعة، ووسائل الإعلام الأخرى في هذا الإطار الذي أحاط شخصيةَ هذا الإمام الجليل

стр. 6794

بهالة من النور والطهارة والقدسية والاحترام. وهو -في واقع الحال- يستحق كل هذا، وأَكثرَ منه، وبما يليق ويتماشى مع رحلة حياته الإيمانية التي امتزج بها جهاد القلم مع جهاد النفس، وتنوعت فيها المواهب المتعددة التي اصطفاها الله ﷻ لهذا الإمام. أليس هو: العالم، والمناضل، والمفكر الإسلامي، والمفسر، والمحدِّث، والخطيب، والداعية، واللغوي، والقاضي النزيه، والمصلح، والشاعر، والرحالة، والصحفي، وإمام مشيخة الأزهر؟ صفات وضعها الله فيه، فأحسن الإمامُ لها، وأخلص. أتقنت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) إظهارَ هذا الملتقى بوجه مشرق ومشرّف، وهيات له أسباب النجاح، فأعطى ثماره، وبذلَت الجهد المضني؛ ليكون صورة صادقة عن حياة الإمام. هذه الجمعية الخلدونية، ويرعاية رئيسها الأستاذ الأديب فوزي مصمودي، وإخوانه من الأعضاء المنتخبين العاملين بإخلاص ودأب لدينهم ووطنهم، وهي تنشط في ميدانها نشاطًا لم نلحظه في جامعة أو جامعات، أو مؤسسات ثقافية أخرى إذا قيست بإمكانياتها. وهي بعملها المجيد المبدع هذا لها التحية والتقدير، وإن أجرها الأوفى والأسمى عند الله ، ولا يستطيع العبد أن يوفي حقَّ المحسن بالقلم واللسان. أما عن كرم الضيافة، وحسن الوفادة، والاستقبال الصادق مع الوجوه الباسمة، فلا يمكن التعبير عنها بالكلمة. والمَشاهِد التي صورها الملتقى لا يمكن أن يرسمها حرف على الورق، فهي في الذهن منقوشة، وفي القلب محفوظة، وأُكرر: إن اللسان والقلم يعجزان عن بثّ عبارات الشكر والامتنان.

стр. 6795

بادر العديد من كبار أساتذة الجامعات الجزائرية -وما أشرفَ وأجلَّ أولئك الأساتذة بعد أن عرفتهم عن قرب- إلى الملتقى بمحاضراتهم القيمة التي دلت على سَعَة في المعرفة، ودقة في التحقيق، ورغبة صادقة في بيان سيرة الإمام الخضر، والتعريف بآثاره. - شارك من تونس: الأستاذ الفاضل، والمحبّ الوفي محمد مواعدة، الذي كان له الفضل الأسبق والأهم في إصدار أول كتاب ترجم وحقق في حياة الإمام وآثاره "محمد الخضر حسين حياته وآثاره". - وشارك من مصر: أحد المدرسين في الجامع الأزهر الدكتور مجاهد توفيق الجندي. - ومن دمشق: حضر وحاضر علي الرضا الحسيني ابن أخي الإمام محمد الخضر حسين. وفي هذا الملتقى الذي تمَّ تحت إشراف وزارة الثقافة الجزائرية، واهتمام وعناية والي ولاية "بسكرة" الأستاذ ساعد أقوجيل، الذي رافق الملتقى من ألفه إلى يائه، وأبدى من المؤانسة وحسن الاستقبال والحضور المستمر طوال أعمال الملتقى ما لم نشاهده عند كثير من رجال السلطة. أشرف على رئاسة الجلسة الافتتاحية: المؤرخ الجزائري الدكتور محمد عربي الزبيري، وكانت إدارة الجلسات موضع إعجاب وإكبار الحضور؛ لما تميز به الدكتور الزبيري من محبة رجال الفكر والثقافة له، واحترامهم، مع روح الدعابة الأدبية التي عُرفت عنه ضمن حدود الإدارة المنضبطة للجلسات. وحفظاً على ما تضمنه الملتقى من محاضرات وتعليقات ذات مستوى علمي وتاريخي رفيع، وما أنجز على هامش الملتقى من ندوات ومحاورات

стр. 6796

في الإذاعة الجزائرية بمدينة "بسكرة"، وما نشره بعض السادة الكتّاب من المقالات في الصحافة، كان من المفيد للباحث أن تجمع هذه الأعمال في كتاب يحتوي بين دفتيه كل محاضرات الملتقى، وما رافقه من نشاط إذاعي وصحفي. وجرت أعمال الملتقى حسب البرنامج المخصص لها: أ - اليوم الأول للملتقى الثلاثاء في ٢٥ ديسمبر كانون الأول ٢٠٠٧ م: - الافتتاح بالنشيد الوطني الجزائري. - كلمة السيد والي ولاية بسكرة. - كلمة فضيلة الأستاذ عبد القادر عثماني شيخ (زاوية علي بن عمر) في مدينة "طولقة". - كلمة فضيلة العلامة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. - كلمة رئيس الجمعية بتكريم الباحث علي الرضا الحسيني. - كلمة الأستاذ الأخضر رحموني، وتضمنت: التعريف بالباحث علي الرضا الحسيني. - الاحتفال بتكريم الباحث علي الرضا الحسيني. - تحية شعرية لولاية "بسكرة" للباحث علي الرضا الحسيني. - كلمة موجزة للدكتور مجاهد توفيق الجندي من علماء الأزهر. ب - اليوم الثاني للملتقى الأربعاء في ٢٦ ديسمبر كانون الأول ٢٠٠٧ م: - محاضرة الباحث علي الرضا الحسيني - من دمشق.

стр. 6797

- محاضرة الدكتور كمال عجالي- أستاذ في جامعة "باتنة". - محاضرة للأستاذ محمد مواعدة - خبير لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة - جامعة الدول العربية - من تونس. - محاضرة الدكتور مجاهد توفيق الجندي - من علماء الجامع الأزهر - من القاهرة. جـ - اليوم الثالث للملتقى الخميس في ٢٧ ديسمبر كانون الأول ٢٠٠٧ م: - محاضرة الدكتور عمار الطالبي - أستاذ بجامعة الجزائر. - محاضرة الدكتور نجيب بن خيرة - أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر - قسنطينة. - محاضرة الأستاذ محمد الهادي الحسني - أستاذ بجامعة الجزائر. - محاضرة الدكتور مولود عويمر - أستاذ بجامعة الجزائر. د - اليوم الرابع للملتقى الجمعة في ٢٨ ديسمبر كانون الأول ٢٠٠٧ م: خصص هذا اليوم للقيام بجولة في ولاية "بسكرة": زيارة مقام الشيخ عبد الرحمن الأخضري، مقام الشيخ محمد بن عزوز في "برج ابن عزوز"، مقام الشيخ علي بن عمر في مدينة "طولقة" .. وأداء صلاة الجمعة في الزاوية. وأقام الشيخ عبد القادر عثماني شيخُ الزاوية حفل غداء لأكلة جزائرية شعبية مشهورة (الشكشوكة) في داره العامرة. وانتهت أعمال الملتقى، وودّع المشاركون بعضهم البعض بحرارة وشوق، وانصرف كل منهم إلى وجهته. والحمد لله.

стр. 6798

* على هامش الملتقى: - ندوة في الإذاعة الجزائرية بمدينة "بسكرة"، شارك فيها الأساتذة: مجاهد توفيق الجندي، علي الرضا الحسيني، كمال عجّالي مساء ٢٦/ ١٢ / ٢٠٠٧ م. - ندوة في الإذاعة الجزائرية بمدينة "بسكرة" شارك فيها الأساتذة: عمار الطالبي، محمد الهادي الحسني، نجيب بن خيرة، محمد مواعدة، مولود عويمر، مساء ٢٧/ ١٢/ ٢٠٠٧ م. - برنامج (أعلام من الزيبان) للأستاذ عبد الحليم صيد - في الإذاعة الجزائرية ببسكرة مع علي الرضا الحسيني. - بعض عناوين الصحف الجزائرية حول الملتقى. - مقالة (ملتقى الإمام محمد الخضر حسين) للأستاذ محمد الهادي الحسني. - مقالة في ذكرى الخمسين لوفاة العلامة التونسي محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق) للأستاذ محمد مواعدة. - مقالة (بسكرة عاصمة الثقافة باحتفالها بالإمام محمد الخضر حسين، إمام العالم الإسلامي وأستاذ الشيخ ابن باديس) للدكتور عمار الطالبي. - مقالة (ربيع في الشتاء) للأستاذ محمد الهادي الحسني. - مقالة (تذكرة - ملتقى الإمام العلامة محمد الخضر حسين) للدكتور محمد أيمن سمينة. إننا نسجل بأحرف من النور، وبكلمات من الذهب في سجل (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) مبادرتَها الوطنية الصادقة، وإخلاصَها لعظماء الأمة، ودعوتَها إلى تنظيم ملتقى خاص بالإمام العلامة محمد الخضر

стр. 6799

حسين، وتقديمه بشكل رائع. وشكراً مجدداً لرئيسها الأستاذ فوزي مصمودي وإخوانه من أعضاء الجمعية الماجدة، ووفّق الله خطاهم في البحث والدراسة التي يعدونها للمستقبل -إن شاء الله- وهنيئاً للجزائر بهذه الجمعية، وهذه المؤسسة الجليلة القدر، العالية الهمة، الرفيعة المستوى. وقد لمست من أساتذة الجامعة، والمثقفين الذين اجتمعت بهم خلال الملتقى رغبةً شديدة ومُلِحَّة لتوفير الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين في المكتبات الجزائرية؛ لاقتنائها من الراغبين في الاطلاع والدراسة. وبرغم أني طبعتُ كل آثار الإمام، فالبشرى لهم أن الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين، قد باشرت إحدى دور النشر الهامة والكبرى في دمشق (دار النوادر) لصاحبها العالم الفاضل الشيخ نور الدين طالب بإعادة طبع كامل التراث في حلّة فاخرة، وسيطرح -إن شاء الله- في الأسواق للتداول. والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام. علي الرّضا الحسيني

стр. 6800

حفل افتتاح الملتقى كلمة افتتاح الملتقى لوالي ولاية "بسكرة" الأستاذ ساعد أقوجيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي - السادة أعضاء البرلمان بغرفتيه - السادة الإطارات المنتخبون والمحليون - السادة الأساتذة الأجلاء - السادة أعضاء الأسرة الإعلامية - ضيوفنا الكرام - أيها السيدات الفضليات -أيها السادة الأفاضل! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أود في البداية أن أرحب باسمي الشخصي، وباسم كافة سكان ولاية بسكرة ومواطنيها بالسادة الضيوف المشاركين في هذا الملتقى، وفي مقدمتهم: الأساتذة المحاضرون من داخل الوطن، وأخص بالذكر: الأساتذةَ المحاضرين من الدول العربية الشقيقة: تونس، مصر، سورية. متوجهاً لكل من حضر معنا اليوم بأصدق عبارات الشكر والتقدير على أن شرفوا عاصمة الزيبان بهذه الزيارة، والتي جاءت ونحن نعيش أجواء مناسبة عيد الأضحى المبارك، وأغتنم المناسبة لأتقدم من الجميع بأخلص التهاني، وأصدق التمنيات بمناسبة سنة ٢٠٠٨ م، راجياً المولى العلي القدير لكم

стр. 6801

ولذويكم دوام الصحة والعافية، ولوطننا المزيد من الرقي والازدهار في كنف السلم والاستقرار. أيتها السيدات، أيها السادة! ها نحن أولاء نلتقي اليوم بمناسبة الطبعة السادسة من التظاهرة التي دأبت على تنظيمها الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية، والتي خُصصت لعَلَم من أعلامنا الأفاضل، وأحد أبناء عاصمة الزيبان البررة، ومنارة من منارات علمائها الطيبين، الذين انطلقوا من ديارهم سائرين على درب طلب العلم؛ لإنارة وتبديد ظلمات الجهل: فضيلةِ الإمام شيخ الأزهر الشريف العلامة محمد الخضر حسين- ﵀، وتغمد ثراه-. وبالمناسبة: أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ فوزي مصمودي - ومن خلاله كافة طاقم الجمعية الخلدونية - على المجهودات والمساعي التي تبذل من سنة لأخرى في سبيل ترسيخ الذاكرة التاريخية في أذهان أبنائنا، ونفض الغبار عن شخصيات خُلدت أسماؤها عبر التاريخ بأحرف من ذهب. أيها الحضور الكرام! إن الحديث عن سيرة الرجال العظام هي أقل ما يمكن تقديمه تقديراً وعرفاناً بما بذلوه خدمة لدينهم ووطنهم، ورفعة وسموّاً بأسمائهم، فإذا كانت مشيخة الأزهر مرتبة ليست بالهيّنة ولا اليسيرة، فإن شرف نَيْلها من طرف العلامة محمد الخضر حسين الطولقي، هي شرف للجزائر الوطن، ولبسكرة الأصل والمنبت على حد سواء. وفي ذلك شرف مضاعف له ولنا، وما ذلك إلا دليلٌ على مكانته العلمية والدينية. وفي مقام آخر: فإن الإمام كان صورة لوحدة الأمة التي أراد الله أن تكون

стр. 6802

موحدة؛ إذ حمل عِلْم الجزائر بطولقة، ونال عِلْم الزيتونة بتونس، فاستحق مشيخة الأزهر بمصر. أيتها السيدات، أيها السادة! لا يسعني -في الأخير- إلا أن أرحب من جديد بالسادة الضيوف، وأشكر الجمعية مرة ثانية على هذه المبادرة، متمنياً لأشغال ملتقانا هذا كل التوفيق والنجاح، وللجميع الإقامة الطيبة. شكراً على كرم إصغائكم، وحسنِ انتباهكم، وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والسلام. تحيا الجزائر. المجد والخلود للشهداء الأبرار، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر. شكراً لكم.

стр. 6803

حفل افتتاح الملتقى كلمة رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية الأستاذ فوزي مصمودي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أيها الجمع الكريم! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. السيد والي ولاية بسكرة. السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي. السيد رئيس المجلس البلدي ببسكرة. السادة المنتخبون في المجلس الشعبي الوطني والولائي والبلدي. فضيلة الشيخ عبد القادر عثماني -حفظه الله-. السيد الدكتور محمد عربي الزبيري رئيس الجلسة. السادة المحاضرون، والضيوف الذين لبّوا دعوتنا، وقدموا من مصر الكنانة، وسورية الشام، وتونس الخضراء، ومن كل فج عميق من جزائرنا الحبيبة بلدِ المليون ونصف المليون شهيد. نقول لكم: حللتم أهلاً، ووطئتم سهلاً، في عاصمة الزيبان ولاية "بسكرة" مرقد الصحابة والتابعين، وعلى رأسهم: فاتحُ بلاد المغرب البطل عقبة بن نافع الفهري.

стр. 6804

أهلاً بكم في بلدة العلم والعلماء، والمناضلين والشهداء، بلدة أحمد ابن نصر الداودي، أولِ شارح لـ"صحيح البخاري" في العالم الإسلامي، والمحدّثة أم الحياء البسكرية، والعلامة عبد الرحمن الأخضري، وسيدي خالد بن سنان العبسي، والشاعر محمد العيد آل خليفة، والصحفي القدير محمد سعيد الزاهري، والكاتب محمد الهادي السنوسي الزاهري، والمصلح الطيب العقبي، والشيخ عبد اللطيف سلطاني، والشيخ محمد بن عابد الجلّالي، والشاعر عاشور الخنقي، والأبطال: محمد العربي بن المهيدي، ومحمد شعباني، ومحمد خيضر، وزيان عاشور، وسي الحواس، وغيرهم من أبطال الجزائر، ووصولاً إلى العلامة الشيخ محمد الخضر حسين العثماني، الطولقي، البسكري، الجزائري. أيها السادة الأفاضل! ها هي ذي الجمعية الخلدونية في موعدها السنوي، وتقليدها القارّ: (ملتقى بسكرة عبر التاريخ)، الذي اخترناه في الملتقى الماضي، الذي خصصناه للفاتح عقبة بن نافع الفهري، أن لِكون محور هذه الطبعة خاصاً بالعلامة محمد الخضر حسين شيخِ الأزهر سابقاً، وصاحب التآليف الكثيرة، ومنشئ أول مجلة في تونس هي "السعادة العظمى" عام ١٩٠٤ م، ورئيس تحرير مجلات: "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام"، و"لواء الإسلام" بمصر، وممثل الدولة العثمانية بألمانيا، ورئيس لجنة تحرير بلاد المغرب وشمال إفريقية من الاحتلال، وأول عالم من خارج مصر يتبوأ منصب شيخ الأزهر الشريف، اخترناه ليكون المحور الرئيس في هذا الملتقى؛ ليتناوله نخبة من المؤرخين والباحثين: عالماً، ومصلحاً، وأديباً، وشاعراً، ولغوياً، وسياسياً، ومؤرخاً، وصحفياً،

стр. 6805

وشيخًا للأزهر، فهو علامة موسوعي بكل جدارة واستحقاق. واسمحوا لي -سادتي- أن أتذكر فارساً من فوارس الجزائر، كان دائماً حاضراً معنا هنا في "بسكرة" في ملتقياتنا الماضية، ولكنه لحق بربه منذ أسابيع معدودة، ألا وهو المؤرخ الجزائري الدكتور يحيى بوعزيز -رحمة الله عليه- فتحية له. وقد قامت الخلدونية بتكريمه في الملتقى الثاني الخاص بالمقاومة الشعبية بمنطقة الزيبان، رفقة رفيقه الأستاذ والباحث والمحامي سليمان صيد -رحمة الله عليه- كذلك. ولا يفوتني -في الأخير- أن أشكر كلَّ من أسهم معنا من قريب أو من بعيد، ووقف إلى جانبنا في مواصلة تنظيم هذا الملتقى، وأخص بالذكر: معالي السيدة وزيرة الثقافة، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، والسيد والي ولاية "بسكرة" الذي ما بخل علينا بشيء، وظل متابعاً ومشرفاً على هذا الملتقى. و-أيضاً-: بنك البركة، وبلدية بسكرة، ومديرية الثقافة، والمجلس الإسلامي الأعلى، والزاوية العثمانية بطولقة. وكذلك: المكتبة الوطنية بالحامة، والغرفة الجهوية للصناعات التقليدية والخزف، ومؤسسة التلفزة الوطنية، وإذاعة بسكرة الجهوية التي تنقل هذا الحفل على المباشر، فلها جزيل الشكر -أيضاً- وجريدتي: "الشروق" و"صوت الأحرار"، وكل الصحف الوطنية التي أسهمت وتفاعلت مع هذا الحدث. و-أيضاً-: الوكالة العقارية، ومؤسسة عموري ومناني. كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى حضرة المؤرخ الدكتور محمد عربي الزبيري الذي كان معنا منذ البداية، وقد ذلل لنا الكثير من الصعاب؛ كما

стр. 6806

ننوه بمجهودات ضابط جيش التحرير الوطني المجاهد ابن عاشور محمد، فتحية لهما. كما نرجو من الهيئات المعنية مستقبلاً اعتماد هذا الملتقى بصفة رسمية، وتخصيص الغلاف المالي، وخاصة وزارة الثقافة؛ لتمكيننا من مواصلة تنظيمه بصفة سنوية ومنتظمة مع طبع أعماله. وبالمناسبة: فقد قمنا بطبع كتاب الشيخ أحمد خمّار "تحفة الخليل في نبذة من تاريخ بسكرة النخيل"، وقد طبع برعاية وتدعيم السيد والي ولاية "بسكرة"، كما وعد هو شخصياً السيد المرحوم أحمد خمّار، و-أيضاً- أذكركم أن هناك معرضاً لمخطوطات أعلام الزيبان، و-أيضاً- هناك معرض علماء الزيبان، ومعرض لمؤلفات العلامة محمد الخضر حسين بدار الثقافة (أحمد رضا حوحو). مرة أخرى أشكر الجميع، ووفقنا الله لما فيه خير العباد والبلاد. تحيا الجزائر، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 6807

حفل افتتاح الملتقى كلمة الشيخ عبد القادر عثماني شيخ زاوية (علي بن عمر) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم أيها الجمع الكريم المبارك. في هذا اليوم المبارك، نلتقي فيه على ذكرى أمجادنا وعلمائنا، والذكرى -كما قال تعالى-: ﴿تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وإحياء الذكريات هو إحياء للقلوب، وإحياء للقيم، صاحياء لمجد الوطن ولأمجاده، وإحياء للعلم الذي هو بضاعتكم -أيها الشيوخ- وهو شعاركم وزادكم وزينتكم. نلتقي في هذا اليوم المبارك برعاية وعناية السيد والي الولاية، والسيد رئيس المجلس الشعبي الولائي، اللذين يوليان مثل هذه الملتقيات كل عناية واهتمام، وإعانة ورعاية، فجزاهما الله خيراً. وأشكر الجمعية الخلدونية التي نظمت هذا الملتقى، وعلى رأسها رئيسها الأستاذ فوزي مصمودي، وجماعته العاملة الناشطة؛ فقد قام بتنظيم هذا الملتقى بعزيمة صادقة، وصمود قوي. نسأل الله له ولجمعنا هذا دوام التوفيق والنجاح في كل حال وعمل. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 6808

حفل افتتاح الملتقى كلمة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. السيد والي ولاية بسكرة -السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي- حضرات السادة المنتخبين- أيها الإخوة الباحثون العاملون في هذا الميدان، ميدان تاريخ عظمائنا وأمجادنا! إنه ليسعدني أشد السعادة أن أحضر هذا الملتقى الذي يبحث في تاريخ الإمام محمد الخضر حسين، الذي جمع بين جوانب كثيرة في شخصه الواحد، فهو رجل قرآني، مؤرخ، صحفي، مفسّر، لغوي، جمع هذه الجوانب كلها، ودعا إلى الوحدة الإسلامية، وناضل في ذلك المجرى النهضوي التاريخي من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده، إلى غيرهما من المصلحين الذين وهبوا حياتهم وعقولهم وأبدانهم -أيضاً- في سبيل النهضة الإسلامية، والنهضة العربية، والتحرر. وهو رجل سياسي، ورجل مصلح، جمع هذه الجوانب الغنية كلها، فهو نور، انطلقت نشأته من هذا الشمال الإفريقي إلى الشام، إلى مصر، وأشع

стр. 6809

على هذه المواطن كلها العلمَ والمعرفة، والصدق والكفاح؛ من أجل تحرر هذه الشعوب من رِبْقَة الاستعمار، فقد حُكم عليه بالإعدام، وسجن، ولكنه لم تلن له قناة، ولم يسترح له بال إلى أن أصبح شيخاً لأكبر جامعة إسلامية تاريخية في أرض الكنانة مصر. وفي هذه المواقف السياسية كلها -بما فيها هذا المنصب- الذي لم يكن ليرغب فيه، ولم يكن يطمح إليه، بل جاءت السلطة الثورية في مصر، ورغبت منه أن يتولى هذا المنصب؛ لما يعرفون عنه من صدق وإخلاص، وثبات وجهاد، ولكنه -أيضاً- لم يرض عن هذا المنصب، واستقال منه؛ لأنه لم يرض عن أشياء كان يرجو أن لا تكون كذلك. كما أنه تولى القضاء في "بنزرت" سنة وأربعة أشهر، ولكنه -أيضاً- رأى أن هذا المنصب لا يليق به، فاستقال منه، وحنَّ إلى موطنه الأصلي العلمي، وهو الزيتونة، التي أخذ يدرِّس بها. وأخذ يقوم بحركته الإصلاحية السياسية في البلاد التونسية؛ بإلقاء محاضرات، وإنشاء صحافة ومجلات، وكان يشارك في هذا النشاط الحي القوي في البلاد التونسية التي سبقت البلاد الأخرى في هذا الميدان، ونحن في الجزائر كنا نطبع الكتب في تونس، وأغلب المؤلفين في الجزائر يذهبون إلى تونس لطبع مؤلفاتهم، فكانت تونس، وكان جامع الزيتونة موئلاً للدارسين والباحثين، والطلبة الذين يهبون أنفسهم للدرس، لا من أجل تولي منصب؛ لأنهم إذا رجعوا للجزائر، فلا منصب لهم، ولا حظ لهم، وإنما يكافحون من أجل العربية، ومن أجل الإسلام؛ ليحافظوا على هذا التراث الذي أخذت السلطة الفرنسية -في ذلك الوقت- تطمس معالم هذا الدين، ومعالم هذه الثقافة، وأخذت العربية تندرس في هذه البلاد،

стр. 6810

وأصبح الناس في ظلام حالك، لولا هذه النهضة التي قام بها هؤلاء، وأشعت أيضاً على الزيبان، فكان الطلبة في هذه المناطق: الزيبان الشرقية، والغربية يطالعون "العروة الوثقى" سراً، يتداولونها بينهم، ويتابعون هذه النهضة التي يقوم بها كبار المصلحين في المشرق الإسلامي، وفي مغربه، فكان هناك أنصار حركة محمد عبده في الزيبان، وكذلك في العاصمة الشيخ عبد الحليم بن سمّاية، ومحمد مضرَّبة، ومن إليهم. وكذلك هنا في هذه المنطقة ابن ناجي وغيره، كانوا يتابعون هذه الحركة، ويتدارسون أمرهم في هذه البلاد، فنهضت نهضة جديدة في الجزائر، وعلى رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀ وأصحابه. وإني هنا أعتذر لكم عن عدم حضور فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي كلفني أن أعتذر لكم باسمه، وأن أنوبه في هذه الكلمة، التي أرجو أن تكون نافعة لشبابنا هذا: أن يتوجه إلى دراسة هذه الأمجاد -كما تفضل الشيخ عبد القادر- التي غفلنا عنها، وشبابنا لا يُعنى كثيراً بدراسة العظماء من رجالنا؛ فإن الأمة إذا نسيت رجالها وأبطالها وأمجادها، فقد نسيت تاريخها، ونسيت جذورها، فهذه الأعلام التي ناضلت من أجل حياتنا اليوم حياةِ الحرية التي نعيش فيها باستقلال وطننا، هذا كله بفضل هؤلاء، فلا بدّ أن نسجل حياتهم في قلوبنا قبل أن تُسجل في طروسنا وصحائفنا الورقية أو غير الورقية، فالشباب اليوم مدعو لأن يسلك هذا المسلك، وأن يدرس تراثه وأمجاده، وأن لا يكون عنها من الغافلين. وكذلك في هذا الجنوب الصحراوي، أنتم تعلمون الشيخ الطيب العقبي كيف بدأ في إنشاء جريدة "صدى الصحراء" في هذه المنطقة، ثم انتقل بعد

стр. 6811

ذلك إلى الجزائر، وغيَّرها تغييراً، حوَّل أولئك المجرمين في العاصمة إلى أناس مصلحين، وغيَّر وجه الجزائر العاصمة من حيث العادات الاجتماعية والأمن الاجتماعي. وكذلك -كما لا يخفاكم- إخواننا الإباضيون: إن الشيخ بيوض، وقبله الشيخ اطفيش، وغير هؤلاء الأعلام. إخواننا الإباضية قاموا بنهضة، وحافظوا على اللغة العربية، وعلى الإسلام، ولم يكونوا من دعاة العرقية، ولا البربرية، وما إلى ذلك من نزعات ربما يدعو إليها بعض الناس، إنما حافظوا على هذه الثقافة التي عجنت العرب والبربر في بوتقة واحدة، فأصبحنا لا نستطيع أن نفرق أن هذا بربري أو عربي؛ لأن الدماء امتزجت، وامتزج التاريخ بهذه الأرض الطيبة، وتنازل الناس عن مصالحهم الشخصية. فنسال الله أن يتغمد برحمته شيخنا وإمامنا الشيخ محمد الخضر حسين، وأن يجزيه أحسن الجزاء؛ لما قدم لهذا الوطن، ولأوطان الإسلام كلها من خدمات، ومن علم وجهاد. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 6812

حفل افتتاح الملتقى كلمة رئيس الجمعية بتكريم الباحث علي الرضا الحسيني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في هذا الملتقى -الذي خُصص لحياة ومسيرة العلامة الموسوعي محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري- يسعد الجمعية الخلدونية أن تكرم واحداً من الذين أبلَوْا عناية فائقة وكبرى لجمع أعماله وأبحاثه ودراساته. هذا الشخص البحاثة قام بجمع جميع أعماله، وقام بطبعها في أكثر من أربعين أو خمسين كتاباً، وهي موجودة في المعرض هنا، الأعمال الكاملة للعلامة محمد الخضر حسين، ومحمد المكي بن عزوز البرجي من برج ابن عزوز، و -أيضاً- قام بجمع أعمال والده الشيخ زين العابدين، ألا وهو الأستاذ البحاثة علي الرضا الحسيني ابن أخي الشيخ محمد الخضر حسين. فليتفضل مشكوراً. ولكن هناك كلمة حول إنجازات هذا الباحث، يقدمها الأستاذ الأخضر رحموني عضو هيئة تحرير المجلة الخلدونية واللجنة العلمية، فليتفضل مشكوراً، ثم نعرض -إن شاء الله- على التكريم.

стр. 6813

حفل افتتاح الملتقى كلمة تكريم الباحث علي الرضا الحسيني للأستاذ الأخضر رحموني أيها الجمع الكريم! إن اجتماعنا في هذا الحفل البهيج الذي تُزيِّن صفوفه نخبةٌ من رجال العلم والثقافة، والجهاد والسياسة، والتي تستحق منا كل الشكر والعرفان، تسعى من خلاله الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية إلى تكريم الأستاذ الباحث علي الرضا الحسيني كعربون وفاء، واعتراف بفضائل الأستاذ في إحياء التراث المغاربي، وخاصة إعادة بعث لأعمال العلامة محمد الخضر حسين إلى النور. وبرغم مشقة السفر، والابتعاد عن الأهل والخلّان في سورية الشقيقة، فقد أبي إلا أن يكون حاضراً بيننا اليوم، ولبى إيجابياً دعوة الجمعية الخلدونية عندما علم أن ولاية "بسكرة"، ومن خلالها الجزائر ستحتفي بالعلامة محمد الخضر حسين، وقد خُصص له ملتقىً وطني يحمل اسمه. وليس هذا بالغريب عن رجل هو من ورثة الأنبياء؛ لأننا نكرم في شخصه صفة العالم الذي كرمه الله، وأوجب تكريمه وطاعته. إن الأمة العظيمة هي التي تقدر أبناءها الذين بذلوا من أجلها الغالي، من أجل عزتها وكرامتها وحريتها، والتعريف برجالاتها، وتخليد مآثرهم، والأمة الهلوك هي التي تقلل من شأن من عظَّم شأنها، ورفع راية مجدها عالياً،

стр. 6814

وحافظ على مقومات شخصيتها. فبورك في كل من سعى إلى هذا التكريم، وخاصة أن الأستاذ علي الرضا الحسيني يستحق منا جميعاً كل التقدير والإجلال؛ فقد قضى سبعاً وثلاثين سنة في البحث والجمع والتحقيق، وطبع تراث عمه الإمام محمد الخضر حسين؛ حيث نشر أعماله الكاملة، ومنها: روائع مجلة "الهداية الإسلامية" التي عاش معها، وراجعها مدة خمسة وعشرين عاماً لقطف ثمارها. وكذا الأعمال الكاملة لوالده العلامة زين العابدين بن الحسين، وعمه اللغوي محمد المكي ابن الحسين، وخال والده النابغة محمد المكي بن عزّوز، والآخرين من السادة الفضلاء أهل التقوى والصلاح. فقد نشر الأستاذ علي الرضا الحسيني أكثر من ستين كتاباً بين تحقيق وبحث، وإنتاج وإبداع شعري؛ تقديراً لجهود هؤلاء المصابيح الأعلام، وإثراء للخزانة العربية. والغاية من هذا الجهد الكبير، لا يهدف منه الترويج لاسم العائلة، بل تقريب أعمال هذه النجوم الساطعة إلى القارئ، والتسهيل على الدارس، وحفظ الآثار في كتاب، بدلاً من ضياعها متناثرة في الصحف والمجلات الدورية. وكيف لا؟! والأستاذ علي الرضا الحسيني من أسرة خَدمت، وعُرفت بخدمة العلم ونشره، وبالزهد والتقوى، وينسب فرعها إلى الدوحة النبوية الشريفة، فجَدُّ والده من جانب الأب هو الشيخ علي بن عمر مؤسس زاوية (طولقة) العريقة، والتي تُعد من القلاع العلمية في الجزائر، التي حافظت على لغة القرآن الكريم منذ تأسيسها؛ عن طريق نشر العلم الصحيح، والتربية، ومساعدة الفقراء والمساكين، وتعليمهم بالمجان، ولا تزال تواصل رسالتها الاجتماعية إلى يوم الناس هذا تحت إشراف فضيلة الشيخ عبد القادر عثماني -حفظه الله-.

стр. 6815

وجَدّ والده من جانب الأم هو الشيخ مصطفى بن عزوز، الذي رفض الاحتلال الفرنسي للجزائر، وأرشده شيخه علي بن عمر بالذهاب إلى تونس، وفعلًا هاجر إلى بلدة "نفطة" بالجريد، وأسس بها زاوية رحمانية كبرى، تحولت بمرور الزمن إلى ملجأ وملاذ لكل الفارين من الاستعمار الفرنسي، والمهاجرين الجزائريين طوال القرن التاسع عشر والعشرين. وقد أفرد الأستاذ علي الرضا الحسيني لكل من زاوية "طولقة"، وزاوية "نفطة" كتاباً قيماً. ووالده هو العلامة زين العابدين بن الحسين الذي ولد في تونس، وآثر مع كامل أسرته الفرار من الاستعمار الفرنسي، وكانت وجهتهم مدينة دمشق، عندما بدأت السلطات الفرنسية في ملاحقة أخيه الإمام محمد الخضر حسين، وحكمت عليه بالإعدام؛ لاشتغاله بالنضال الوطني، ودعوته المبكرة إلى تحرير أقطار المغرب العربي واستقلالها. فاحتضنت سورية هذه العائلة، كما احتضنت عائلات جزائرية أخرى لعبت دوراً عظيماً ومؤثراً في التاريخ الحديث لسورية، وقاومت الاستعمار، وحررت الشعوب، وحافظت على الإسلام والعروبة في وجه الأعداء، وما الشيخ طاهر الجزائري إلا نموذج. وفي سورية عمل الأستاذ زين العابدين في حقل التربية أربعين عاماً مدرساً للعلوم الإسلامية واللغوية في مختلف المدارس الرسمية، وكان يلقي الدروس الأسبوعية باستمرار طوال أيام حياته في مساجد دمشق، لا سيما في الجامع الأموي.

стр. 6816

وفي دمشق ولد الأستاذ علي الرضا الحسيني في ١٧ نوفمبر ١٩٣٢ م، وبها تلقى تعليمه. أما عمّ المحتفى به، فهو العلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين، الذي عَدّه بعض الدارسين بأنه جاحظ عصره، وكتبُه العديدة تؤكد تضلعه في اللغة، وتعمقه في الدراسة، وقدرة فائقة على الإحاطة بالموضوع، وتتبع تفاصيله. أما عمّه الآخر، فهو شخصية هذا الملتقى الذي ستذكر فعالياته مجموعة من الأساتذة الجامعيين، نتعرف من خلالهم على محطات مهمة في حياته، ومسيرته العلمية والنضالية. وأكتفي هنا بتهنئة الجزائر التي رفَعَتْها إليه عند تقلده مشيخة الأزهر الشريف، وهي قصيدة بتوقيع أمير شعراء الجزائر الشيخ محمد العيد آل خليفة، نشرها في جريدة "البصائر" العدد ٢٠٨ الصادر سنة ٥٢، ومن قوله: هَنِّئِ الأزهرَ الشَّريفَ بشيخٍ ... طابَ أُنْساً به وزادَ انْشِراحا حازَ آلُ الحسينِ بالخِضْرِ الحرِّ ... مَدَى فَخْرهِمْ وفازوا قِداحا أورثَ الله منه طولقة العِرْ ... قَ وَأَوْرَى بِنفْطَةَ المِصْباحا تونسٌ تقبلُ التّهاني نَشْوَى ... وتُهادي الجزائرَ الأفراحا وخالُ والد الأستاذ علي الرضا الحسيني هو العلامة محمد المكّي بن عزّوز، أحدُ العلماء الكبار الذين طرقوا أبواب العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، ولروحه الوطنية دعا الجزائريين إلى مقاطعة فرنسا اقتصادياً؛ مما دعا سلطات الاحتلال الفرنسي إلى مطاردته، فرحل إلى إستنبول؛ حيث عينه السلطان عبد الحميد مدرِّساً للحديث والتفسير في (دار الفنون)، وتوفي في

стр. 6817

"الآستانة" تاركاً وراءه مجموعة من الكتب القيمة والرسائل. أفلا يحق للأستاذ علي الرضا الحسيني سليلِ هذه العائلة المباركة، أن يفتخر بنسبه، والانتماء إلى هذه الكوكبة من العلماء الذين أضاؤوا بأعمالهم طريق الهدى: ذاكَ عَمِّي (الخِضْرُ) و (الزَّيْنُ) أَبي ... والنَّدى (المكِّيُّ) بَحْرُ الأدبِ وجُدودي سِيَرٌ مَنْقوشةٌ ... في ذُرا المَجْدِ بماءِ الذَّهبِ وخَؤول يُنْسَبُ العزُّ لهم ... إنْ تَسَلْ أهلَ التُّقى والنَّسَبِ لِمَ لا أَمْضي على مِنْهاجِهمْ ... ورِضا الله قُصارى مَطْلبي وبرغم أن الأستاذ علي الرضا الحسيني مسكون بهاجس البحث، فإنه يمازج هذه الهواية المفضلة، مع مهنة المحاماة التي بدأ في ممارستها منذ ٢٦ كتوبر ١٩٦٥ م، وما زال حتى اليوم، إضافة إلى حبّه للأدب والشعر، فهو الشاعر الذي عانق في قصائده وجدانَ الفرد المسلم الذي ينبض قلبه بالاعتزاز والشعور العميق بالانتماء إلى هذه الأمة الماجدة، فعبَّر عن هموم الضعفاء في عصر العولمة، وانحطاطِ قيم حضارة الغرب. فجاء شعره أصيلاً في منطلقاته، غنياً في مضمونه، حيّاً متدفقاً بالعاطفة النبيلة الصادقة، متوهجاً بالثقة المطلقة بأن القصيدة وحدها التي تقودنا إلى المجد والسؤدد، خاصة في قصائده التي رفعها إلى أبنائه وأحفاده ووطنه الكبير. وكان لفلسطين النصيبُ الأوفر من قصائده. وقد أصدر من الدواوين الشعرية: "بثينة"، "زين"، "قلب شاعر"، "أنا شيد الطفولة"، "ورد وأشواك"، وغيرها.

стр. 6818

ومن قصائده في الشوق إلى الوطن: وَطني نشَرْتُ على رباكَ حَياتي ... وغَرَزْتُ في قَلْبِ العِدا راياتي لا نَجْمَ يَعْلو فوقَ نجمِكَ عِزَّةً ... أوْ مَنْعَةً وعَراقةَ الهاماتِ وَطني أحِنُ له حُنوَّ أُمومةٍ ... وأُبوَّةٍ وصَبابِة النَّفَحاتِ فيكَ الحَلاوةُ والمَرارةُ تُشْتَهى ... والخيْرُ فيكَ بأطيبِ الثَّمَراتِ إنْ غِبْتُ عنكَ أَهيمُ طِفْلاً شارداً ... في غُرْبَتي وَترحُّلي وشَتاتي قَلَمي وشِعْري والفُؤادُ وخَاطرِي ... لكَ تَنْتمي بالحبِّ والصَّبَوات وعندما نتذكر تونس، يقتضي الواجب أن نشير إلى أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، قد وشَّح صدرَ الأستاذ علي الرضا الحسيني بوسام الاستحقاق الثقافي؛ تقديراً للخدمات الثقافية التي قدمها لتونس، وخاصة اهتمامه الكبير بآثار عائلة الحسين. وإذا كان أستاذنا قد أهدى تونس ديوانه الموسوم "تونسيات"، فقد خصَّ ملحمةَ القرن العشرين الثورةَ الجزائرية الكبرى برواية تحمل عنوان: "الطريق إلى القمة"، تدور أحداثها حول ثورة أول نوفمبر. ومن الأعمال نتمنى أن تكلل أعماله الشعرية بديوان جديد يختار له من العناوين: "جزائريات". شكراً أستاذنا، ونتمنى لكم موفور الصحة والعافية لمواصلة المشوار الأدي والفكري، والمرابضة في خندق الكلمة المضيئة كدليل اعتراف للسلف، والإشارة إلى حمل المشعل الذي أناره علماؤنا في الماضي، فصنعوا به أقوى أمة لا تعرف الخلاف ولا الهوان في ظل الأخوة والوحدة، وشكراً للجميع. والسلام عليكم.

стр. 6819

حفل افتتاح الملتقى التكريم افتتح الأستاذ فوزي مصمودي رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية التكريمَ قائلاً: ومباشرة نشرع في تقديم بعض الهدايا لهذا البَحَّاثة الذي إن صح التعبير؛ اعترافاً بعلمه وثقافته وبكتبه، وما أخرجه لنا من نفائس ودرر خاصة بعائلته والعائلة الحسينية. وليتفضل السيد المكرَّم علي الرضا الحسيني. ونتشرف بالسيد والي ولاية "بسكرة" ليقدم له هاته الهدايا، وهي: - لوحة آيات قرآنية مذهبة. - (برنس) (١) أصلي من وبر الجمل من ولاية "بسكرة". - شهادة شرفية باسمكم جميعاً، وباسم جميع سكان عاصمة الزيبان "بسكرة" بدون استئناء، نقدمها لأستاذنا البحاثة علي الرضا الحسيني. - وسام منقوش على النحاس.

стр. 6820

حفل افتتاح الملتقى تحية شعرية لعلي الرضا الحسيني بعد التكريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الحفل الكريم! والله! إني عاجز عن شكر هذه الولاية العظيمة المجاهدة المباركة. وقد أوحت لي عند مجيئي بالطائرة إلى هنا بعد ظهر اليوم أبيات، فلتتقبل مني هذه الولاية الكريمة هذه الأبيات البسيطة: تحية إلى بسكرة لسانُ الوَفا نادى بصَوتٍ مُجَلْجلِ ... بِسِكْرَةُ ميلادي وأَهْلي ومَنْزلي على بابِها يلقاكَ وَجْهُ بُطولةٍ ... وفي ساحِها آياتُ نَصْرٍ مُحَجَّلِ إذا نطقَتْ أحجارُها أوْقدَتْ لَظًى ... وكمْ جَحْفَلٍ أفْنَتْه في إِثْرِ جَحْفلِ وفي ثَوْرةِ التَحريرِ هبَّتْ طَليعةً ... تذيقُ العِدا قَهْراً بأَكْؤُسِ حَنْظلِ وفي السِّلم دارٌ لِلضيافَةِ والنَّدى ... تعانِقُ روّادَ التُّراثِ بمَحْفِلِ وحَقّاً غَدَتْ للفِكْر مَرْقًى ومُلْتقًى ... ومنبرَ إلهامٍ لأِعْذَبِ مَنْهَلِ بِسِكْرَةُ يا أُمَّ الكِرامِ تَحيَّةً ... وقُبْلةَ شُكْرٍ في جَبيِنكِ مِنْ (علي)

стр. 6821

محاضرات الملتقى ومضات من حياة العلامة محمد الخضر حسين الأستاذ علي الرضا الحسيني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الحفل الكريم! ماذا أُحاضِرُ بينكم أو أَخْطُبُ ... في مُلْتقَى الأَفذاذِ أَمْرٌ يصعُبُ ومُحَمَّدُ الخِضْرُ الحُسَينُ شعارُهُ ... ذاكَ الإمامُ المَغْرِبيُّ الكَوْكَبُ عُذْرًا فقد يكبو الجوادُ بفارسٍ ... إِنَّ الحروفَ مِنْ المهَابةِ تَهْرُبُ يقف المرء أمام بحر لا ساحل له، ويتساءلُ مع فكره وقلمه من أين يسبرُ غوْرَه، ويغوص في أعماقه، ويستطلعُ مكنوناتِه؟؟ هل يُقدِّمُ الإمامَ محمدَ الخضر حسين مفكراً مغربياً إسلامياً؟ أَمْ مفسّراً؟ أم محدّثاً؟ أو وطنياً مكافحاً؟ أم داعية؟ أم خطيباً؟ أم محاضراً؟ أم قاضياً؟ أم مصلحاً؟ أم لغوياً؟ أم أديباً شاعراً؟ أم رحّالة؟ أم صحفياً؟ أم إماماً للأزهر؟

стр. 6822

كل هذه الصفات كان من عمادها، وانتمى إليها، وعَمِل لها بإخلاص، فقد أودع الله فيه من المواهب المتعددة التي قلّما نجدها في عَلَم من أعلام الإسلام. في كلِّ أَصْقاعِ البلادِ مآثِرٌ ... تُنْبيكَ أنَّهُ شَمْسُها لا تَغْرُبُ أمضيتُ ما يزيد عن أربعين عاماً بين آثاره وآخرين من أعلام الأسرة وغيرهم بحثاً ونشراً. وإذ ألتفتُ اليومَ إلى الماضي وما فعلتُ، أجدني مقصَّراً فيما أنجزتُ، وفي كُلِّ حالٍ ومآل، أحمد الله على نعمائه، بما استطعتُ أن أُثري المكتبة الدينية الإسلامية بهذا التراث القيَّمِ. هذه وَمَضات من حياة الإمام تلمعُ كلمح البصر، وتظهرُ للعيان: في مدينة "طولقة" الطاهرة، وشقيقتها "البرج" المباركة، تفتحت عائلتان شريفتان، وتصاهرتا، وتفرعتا إلى شجرتين باسقتين، امتدت فروعهما في العالم الإسلامي، وضُرِبَتْ جذورُهما في أعماقِ التُّراب الجزائري المقدَّس، فأينعتا ثماراً طيّبة، منها: الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه-. أبوهُ التّقي الزاهد الحسينُ ابن الولي الصالح علي بن عمر، وأمه السيدةُ الفاضلة حليمة السعدية بنتُ الولي الصالح مصطفى بن عزّوز ابن الولي الصالح محمد بن عروز. الجَدُّ والأبوانِ مَنْبَتُ "طولْقَةٍ" ... فترابُها مِسْكٌ شَميمٌ طَيِّبُ مَن كانَ في تُرْبِ الجزائرِ جَذْرُهُ ... فإلى المعالي والمفاخرِ يُنسَبُ

стр. 6823

وهنيئاً للإمام بأصوله الجزائرية. * الانتقال إلى تونس: انتقل الشيخ مصطفى بن عزّوز من "طولقة" إلى مدينة "نفطة" في الجنوب التونسي سنة ١٢٥٧ هـ - ١٨٣٧ م لتأسيس زاوية علمية فيها، بناء على توجيه شيخه علي بن عمر، وتزوج الشيخ الحسين بابنة شيخه السيدةِ حليمةَ السعدية. وقامت الزاوية بتعليم القرآن والعلوم الشرعية، وأعمال الجهاد ضد المستعمر، كما تشهد بذلك الوثائق التاريخية. ولد الإمام في مدينة "نفطة" في ٢٩ من رجب ١٢٩٣ هـ، وعرفت بالكوفة الصغرى، لما اشتهر بها من العلماء والفقهاء، واكتسب شرفَ الانتساب إلى الدوحة النبوية الطاهرة من الجهتين: أبيه، وأمه: نالَ الوصولَ بآلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ... شَرَفاً فما لي في صِفاتهِ أُطنِبُ بدأ في تعلّم القرآن وحِفْظِه في الخامسة من عمره، وتلقى العلوم الشرعية على أيدي كبار الشيوخ، وساهمت والدته في تربيته، كما يروي عن محفوظاتها في المعارف الإسلامية. في دَوْحَةِ التّقوى وفي أَظْلالِها ... يُسْقى منَ العِلْم الرّفيعِ وَيشْرَبُ انتقلت العائلة إلى مدينة تونس، ودخل الإمام الجامع الأعظم جامعَ الزيتونة في ٤ من شهر رجب ١٣٠٧ هـ، وحصل على شهادة التطويع يوم الأحد ١٤ صفر عام ١٣١٦ هـ، وأخذ عن كبار شيوخه؛ كالشيخ سالم بو حاجب، وعمر بن الشيخ، وأحمد بو خريص، وخالهِ الشيخ محمد المكي بن عزوز، والشيخ محمد بن يوسف، والطيب النيفر.

стр. 6824

يا قلعةَ الإسلامِ يا زيتونةً ... وبِحِضْنِها شَمَخَ الإمامُ الأَنجبُ وفي سنة ١٣٢٥ هـ تولى وظيفة التدريس فيه، وفي نفس العام عُيّنَ مدرساً في الصادقية لدرس الإنشاء. وعُيِّنَ عضواً في لجنة لتأليف كتابٍ شامل لتاريخ المملكة التونسية. وأجازه خاله العلامة محمد المكي بن عزوز بِخَطّه في دفتر التلامذة الخاص بالإمام، قال فيها: "وممن تأهل لها -أي: الإجازة- وكان أحق بها وأهلَها: ابننا الألمعيُّ الماجد، ذو الخلال الفاخرة والمحامد، الدرّاكةُ الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد الخِضْر ابن الناسك الأوّاه، العارف بالله، الأستاذ الشيخ سيدي الحسين، الشريف العلوي العزّوزي، سارَ على الدَّربِ فَوصَلْ، ودَأب بحزم فأصبح والمقصودُ لديه حَصل، جانَبَ الكسَلَ، فاشْتار العَسَلْ، جافى الرّاحة، فملأ الرّاحة، بشهادة جهابذة الجامعِ، وحذّاقِ كِرامِ المجامع". تقلّد الإمام منصب القضاء في مدينة "بنزرت"، والخطابة والتدريس في الجامع الكبير في ربيع الثاني ١٣٢٣ هـ، وأقام له الإمام محمد الطاهر بن عاشور في داره بالمرسى حفلاً مساء يوم ١٥ رييع الثاني، وألقى كلمة تدلُّ على سُموٍّ وصفاء الصداقة والأُخوةِ بينهما ﵄، واستمر سنة وسبعة أشهر، وكان مِثالاً للقاضي النّزيهِ العادلِ: زانَ القضاءَ عَدالةً ونزَاهةً ... والعَدْلُ في كَفَّيهِ نَبْعٌ صَيِّبُ ولما أحسَّ أن عمله في القضاء هو أقلّ مما تسعى إليه هِمَّتُه، استقالَ، وعادَ للتَّدريس في جامع الزيتونة. وألقى محاضرته الشهيرة: (الحرية في الإسلام) يوم السبت في ١٧ ربيع

стр. 6825

الثاني ١٣٢٤ هـ، وهو القاضي بمدينة "بنزرت"، وهذه المحاضرة هي المجابهة الأولى بينه وبين المحتل الفرنسي. والحديث عن الحرية، والدعوة لها جهاراً - في أرض يتسلّط على رقاب أبنائها سيفُ الاستعمار الرهيب، وفي ظلِّ حكومة تَعَفَّر جبينُها تحت أقدام الغزاة إرضاءً لشهواته- لا يقل جرأة وأثراً عن مجابهة المحتلّ في ساحات القتال، ومقاومته بالحديد والنار. هذه المحاضرة دلّت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الإسلام؛ لذا نجد أن الإمام بعدها أصبح مطلوباً من المتسلّط المحتل، ومراقباً من عيونه وأعوانه. * الهجرة إلى الشام: هاجرت العائلة المكوَّنة من ثلاثة وثلاثين فرداً -بين شيوخ ونساء وأطفال- إلى دمشق؛ للاستقرار فيها، تتقدم الطليعةَ المهاجرةَ: السيدةُ حليمة السعدية بنتُ الشيخ مصطفى بن عزّوز والدةُ الإمام، وذلك عام ١٩١٣ م. وسبب الهجرة -حسب ما توصلت إليه-: أولاً: رغبة الإمام في الانتقال إلى الشرق، بعد أن ضاق عليه الخناق في تونس، وملاحقة السلطات الاستعمارية له، وحيث مجالُ عمله الإسلامي أوسعُ نطاقاً، وأفسح ميداناً، وسبب آخر هو: نظرة المغاربة إلى بلاد الشام، ويدعونها: (الشام الشريف). * إخوة الإمام: إخوة الإمام، وهم من الرجال: الشيخ محمد الجنيدي، وعاد إلى تونس، ثم الجزائر، وهو دفين مدينة "طولقة".

стр. 6826

والشيخ محمد العروسي، وتوفي بدمشق، وابنته متزوجة من المرحوم قدور خمّار من بسكرة، ومقيمة حتى اليوم في الجزائر، وقد قاربت المئة عام -حفظها الله-. والعلّامة اللغوي المعروف محمد المكي بن الحسين، عاد إلى تونس، ودفن فيها. وسيدي الوالد زين العابدين بن الحسين، ودفن في دمشق، وكان عالماً ومؤلفًا، ولا أدلّ على شهرته ومكانته: أن وزارة التربية أطلقت اسمه على أكبر ثانوية في حي الميدان، ووزارة الأوقاف على مسجد حديث وكبير في حي الميدان -أيضاً- حيث سكناه. وهناك الشقيقات: زبيدة، وميمونة، وفاطمة الزهراء، ودُفِنَّ في دمشق. * الرحلات: قام الإمام برحلات علمية باعتبارها وسيلةً لترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع، وكتبَ عن الرحلات وأثرها في الحياة العلمية والأدبية: رَحّالةٌ كالبَدْرِ طافَ على الدُّنا ... بضيائهِ لا يَخْتفي أو يُحْجَبُ له: "الرحلة الجزائرية" نشرها في العددين الأول والثاني من مجلة "السعادة العظمى" سنة (١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م)، وعاد لزيارتها ١٣٢٢ هـ - ١٩٠٤ م. وله: "خلاصة الرحلة الشرقية" سنة (١٣٢٠ هـ - ١٩١٢ م) زار خلالها مالطة، والإسكندرية، والقاهر، ويافا، وحيفا، ودمشق، وييروت، وإستانبول، وعاد إلى تونس، ودامت قرابة خمسة أشهر. وفي عام ١٩١٣ م عاد والتحق

стр. 6827

بالعائلة في دمشق؛ حيث المقر الثاني له بعد تونس، وزار سويسرا، وإيطاليا لأغراض سياسية. وهناك رحلته من دمشق إلى القاهرة، وهي المقر الثالث والأخير للإمام عام (١٣٣٩ هـ -١٩٢٠ م)، وهناك سطع نجمه، ويرز علمه، وفي كل المدن التي زارها في رحلاته المتعددة كان يلقي الدروس الدينية في مساجدها، والمحاضرات في نواديها في مختلف الفنون. * في معتقل جمال السفاح بدمشق: والسِّجْن للأحرارِ خيرُ شهادةٍ ... تُهدَى لأِمْثالِ الإمامِ وتُكْتَبُ من صفحات الجهاد الإسلامي التي نقرؤها في سجل حياة الإمام محمد الخضر حسين: اعتقاله في شهر رمضان (١٣٣٤ هـ - ١٥ آب ١٩١٦ م)، وحتى ٢٩ كانون الثاني ١٩١٧ م وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري. وطلب المدعي العام من هيئة المحكمة إنزال عقوبة الإعدام بالإمام؛ بحجة أنه حضر مجلساً خاض فيه أحد المحامين في سياسة الدولة، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، والخروج عنها. ثم إن إدارة البوليس رأته مسؤولاً عن عدم إبلاغ الحكومة في حينه. ودام الاعتقال ستة أشهر، وأربعة عشر يوماً في (خان مردم بك) بدمشق، وهو مكان مخصّص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا. ومن رفاقه في السجن: الرئيس شكري القوتلي، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري رئيس وزرائها، وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزارة في لبنان. وحكم المجلس العرفي بالبراءة، وقرر المجلس طلب المكافاة للإمام

стр. 6828

على ما أصابه، ولكن الإمام يقول: "لم أتشبث بهذا القرار، وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرُّعي إلى النفخ في لهب الفتنة على غير هدى". ومن شعره في السجن: جَرى سَمَرٌ يَوم اعْتُقِلْنا بفندُقٍ ... ضُحانا به لَيلٌ وسامِرُنا رَمْسُ فقالَ رفيقي في شَقا الحَبْس إنّ في الـ ... ـحضارَةِ أُنساً لا يُقاسُ به أُنْسُ فَقُلتُ له فَضلُ البداوةِ راجِحٌ ... وحَسبُكَ أنّ البدوَ لَيسَ بهِ حَبسُ ومن شعره في السجن -أيضاً-: غَلَّ ذا الحبسُ يَدي عَنْ قَلَمٍ ... كانَ لا يَصْحُو عَن الطِّرسِ فَناما أنا لوْلا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خِدْمةِ الإسلام آثرْتُ الحِماما * جهاد الأمام في برلين: سلْ عنهُ "برلينَ" التّي عَجِبتْ لَهُ ... والشَّيْخُ في لَهبٍ يَجيءُ ويذْهَبُ تحت دويِّ القاذفات والمدمرات، وفي الأَتُّون المشتعل لهباً وسعيراً, في ذلك الجوّ المرعب الرهيب، وقف الرجل المؤمن الصابر، يدعو الجنود المغاربة الذين وقعوا أسرى الألمان إلى الثورة ضد فرنسا. زجَّ الاستعمار الفرنسي مئات الآلاف من أبناء شمال إفريقيا في حرب لا تعنيهم، وساقهم إلى مذابح الحرب، ودفع بهم إلى الخطوط الأولى من المعارك التي يخوضها مع ألمانيا، ووقع في الأسر عدد كبير من الجزائريين والتونسيين خاصة، فكان الإمام يتصل بهم ويؤانسهم، ويحرّضهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن بلادهم تحتاج إليهم في هذا الموقف.

стр. 6829

أقام في ألمانيا تسعة أشهر في عام ١٩١٧ م، ومرة ثانية مدة سبعة أشهر عام ١٩١٨ م مع رفقة من المجاهدين المغارية. شارك في نشاط (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير بلاد المغرب، والدفاع عن قضاياها، وكتب المقالات في الصحف، وألقى المحاضرات. تعلّم اللغة الألمانية وأجادها، ودرس المجتمع الألماني، وعاداتِ الأمة وأخلاقَها، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البروفسور الألماني (هاردر) أحدِ العلماء الألمان المستشرقين، وكتب: "مشاهد برلين". وأصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً، لتحريض المغاربة على الثورة ضد المستعمر، كما صدر الأمر المؤرخ في ١٥ جوان ١٩١٧ م، والذي تضمن: "حُجزت بقصد بيعها أملاكُ الأخضر بن الحسين المدرس السابق في الجامع الأعظم الذي ثبت عصيانه"، ونشر الأمر في "الرائد التونسي" النسخة الفرنسية الصادرة في ٢٠/ ٦/ ١٩١٧ م. * في الميدان الصحفي: أصدر في تونس مجلة "السعادة العظمى" مجلة علمية أدبية إسلامية تصدر في غرّة كل شهر، وفي سادس عشرة. صدر العدد الأول في ١٦ محرم ١٣٢٢ هـ حتى العدد ٢١ الصادر في غرّة ذي القعدة ١٣٢٢ هـ، وللمجلة تاريخ حافل في ميدان الإصلاح. - وفي القاهرة أصدر مجلة "الهداية الإسلامية" عن "جمعية الهداية الإسلامية" التي يرأسها، وصدر العدد الأول في جمادى الثانية ١٣٤٧ هـ على مدى ثلاثة وعشرين مجلداً. - ترأس تحرير مجلة "نور الإسلام" مجلة جامع الأزهر، وشعارها:

стр. 6830

المجلة الدينية العلمية الأخلاقية التاريخية الحكمية. وهي المعروفة اليوم باسم مجلة "الأزهر"، وصدر العدد الأول في شهر (محرم ١٣٤٩ هـ - جوان ١٩٣٠ م)، واستمر في تحريرها حتى عام ١٩٣٥ م. - ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وصدر العدد الأول في أول رمضان (١٣٦٦ هـ الموافق ١٩ يوليو ١٩٤٧ م)، وحتى عام ١٩٥٣ م، وانقطع عنها؛ لارتقائه مشيخة الأزهر. وكتب في العديد من الصحف والمجلات في العالمين العربي والإسلامي. وكَسا الصَّحافةَ وجْهَها (بسعادةٍ ... عُظمى) ففازَ معَ السِّباقِ المغربُ * الإمام اللغوي: من العلوم التي برع فيها الإمام محمد الخضر حسين، وصال فيها، وجال في ميادينها الواسعة: علومُ اللغة العربية وآدابها. أَحبَّ اللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن، وخدمها خدمة المؤمن الصادق. ومن أوائل المحاضرات اللغوية التي تحدثت عنها الأندية الأدبية: مسامرتُه حول "حياة اللغة العربية" التي ألقاها في الجمعية الصادقية بتونس في جمهور غفير من الأدباء، وأساتيذ اللغة العربية سنة ١٣٢٧ هـ. وفي دمشق كان عضواً في (المجمع العلمي العربي) الذي عقد جلسته الأولى في ٧/ ٣٠/ ١٩١٩ م، وعيِّن الأمام عضواً عاملاً فيه طوال الفترة التي قضاها في سورية، ثم أصبح مراسلًا للمجمع عند انتقاله للسكنى نهائياً في القاهرة. والمَجْمَعانِ بمصرَ أو في جِلَّقٍ ... دارانِ فُصحى وهو بينَهُما الأبُ
следующие страницы →