لعضويته، كما اختير عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وأثرى مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة ببحوثه القيمة عن صحة الاستشهاد بالحديث النبوي، والمجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية، وطرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية.
* مشيخة الأزهر:
نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة "القياس في اللغة العربية" سنة (١٣٧٠ هـ = ١٩٥٠ م)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخاً للجامع الأزهر في (٢٦ ذي الحجة ١٣٧١ هـ = ١٦ سبتمبر ١٩٥٢ م)، وكان الاختيار مفاجئاً له، فلم يكن يتوقعه أو ينتظره بعدما كبر في السن، وضعفت صحته، لكن مشيئة الله أبت إلا أن تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح؛ حيث اعتلى أكبر منصب ديني في العالم الإِسلامي.
وكان في ذهن الشيخ -حين ولي المنصب الكبير- وسائلُ لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، ويرامجُ للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولم تساعده صحته على مغالبة العقبات، ثم لم يلبث أن قدّم استقالته احتجاجاً على اندماج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب اندماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ لأن الشريعة الإِسلامية ينبغي أن تكون المصدر الأساسي للتشريع، وكانت استقالته في (٢ جمادى الأولى ١٣٧٢ هـ = ٧ يناير ١٩٥٤ م)، ويذكر له في أثناء توليه مشيخة الأزهر قولته: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أُسلمها حين أُسلمها موفورةً كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل الأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقلَّ من أن لا يحصل له نقص"، وكان كثيراً ما يردد: "يكفيني كوبُ لبن،
стр. 6897
وكسرةُ خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
* مؤلفاته:
كان الشيخ عالماً، فقيهاً، لغوياً، أديباً، كاتباً من الرعيل الأول، أسهم في الحركة الفكرية بنصيب وافر، وترك لقراء العربية زاداً ثرياً من مؤلفاته، منها:
- "رسائل الإصلاح"، وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإِسلامية، ووسائل النهوض بالعالم الإِسلامي.
- "الخيال في الشعر العربي".
- "آداب الحرب في الإِسلام".
- "تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي".
- ديوان شعر "خواطر الحياة".
بالإضافة إلى بحوث ومقالات نشرت في مجلة "الأزهر"، و"نور الإِسلام"، و"لواء الإِسلام"، و"الهداية الإسلامية".
وقد جمع ابن أخيه الأستاذ الباحث علي الرضا الحسيني تراث عمه في مؤلفات بلغت الأربعة عشرة كتاباً، قدمها باقة للمكتبة العربية، وذخراً للأجيال، تسطر حياة وفكر وجهاد عَلَم من أعلام النهضة الإِسلامية المعاصرة.
* وفاته:
وبعد استقالة الشيخ محمد الخضر حسين من المشيخة، تفرغ للبحث والمحاضرة، حتى لبى نداء ربه في مساء الأحد (١٣ من رجب ١٣٧٧ هـ = ٢٨ من فبراير ١٩٥٨ م)، وصُلي عليه في الجامع الأزهر، ومشى في موكب جنازته علماء الأزهر، وأعيان الأمة، والمنتسبون إلى العلم، حتى بلغ
стр. 6898
النعش (باب الخلق)، والموكب متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، ونعاه العلامة محمد علي النجار بقوله: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره إلا في النّدْرَى؛ فقد كان عالماً ضليعاً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصدُ الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظاً على العروبة والدين، يردّ ما يوجَّه إليهما، وما يصدُر من الأفكار منابذاً لهما، قويَّ الحجة، حسنَ الجدال، عفَّ اللسان والقلم. . ." (١).
стр. 6899
محاضرات الملتقى
الإمام محمد الخضر حسين رجل العلاقات والمؤسسات العلمية (١)
الدكتور مولود عويمر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في حدود الوقت الباقي أحاول أن ألخص هذه المحاضرة المكتوبة.
أنا أنطلق من ملاحظة، ومن خلال دراستي مجموعة من أعلام المسلمين. وأنا أبحث عن هؤلاء العلماء والمفكرين والمعاصرين: شكيب أرسلان، محمد إقبال، حسن البنا، والمودودي، وغيرهم، أجد دائماً في طريق البحث الشيخ محمد الخضر حسين.
وصلت إلى نتيجة بأن هذا العالم هو رجل العلاقات، تربطه علاقات متينة مع كبار العلماء المفكرين المعاصرين، سواء من المغرب العربي، وعلى رأسهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، أو من رجالات وعلماء المشرق، منهم: شكيب أرسلان، وأبو الحسن الندوي، وغيرهم من العلماء المسلمين.
هذه العلاقات، كيف أقامها؟ كيف وصل إليها؟ لقد استثمرها لخدمة قضايا المشرق العربي في المغرب، وقضايا المغرب في المشرق العربي، واستثمر هذه العلاقات من خلال تأسيس مؤسسات، فهو بالإضافة إلى أنه رجل
стр. 6900
علاقات، هو رجل مؤسسات، وهو رجل رحلات، عاش أربعين سنة في تونس، وثمان سنوات في سورية، وسنة في الآستانة، وسنة أو أكثر في ألمانيا، وثمان وثلاثين سنة في مصر.
في أي بلد ينزل فيه هذا العالم يقيم فيه علاقات تربط المغرب بالمشرق، و -أيضاً- يقيم مؤسسات من خلال تأسيس جمعيات وصحف. أسس مجلة "السعادة العظمى" في تونس بين (١٩٠٣ - ١٩٠٤)، وفتحها لغيره من علماء المغرب.
عندما ذهب إلى ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، أقام علاقات مع علماء من المشرق؛ مثل: محمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وشكيب أرسلان، كل هؤلاء رموز النهضة العربية المعاصرة. و-أيضاً-: أسس جريدة مع جماعة من المناضلين، هذه الجريدة موجهة إلى السجناء من الجنود المغاربة الذين كانوا في الجيش الفرنسي، ووقعوا في قبضة الألمان، كتب نشرية موجهة إليهم، يحثهم على التخلي عن هذا الانتماء للجيش الفرنسي، والتعاون فيما بينهم لتأسيس جيش لمحاربة فرنسا في شمال إفريقيا.
وعندما ذهب إلى مصر فعل نفس الشيء، أسس مجلة "الهداية الإِسلامية" عام ١٩٢٨ م، وعندما تأسست مجلة "نور الإِسلام"، وهي لسان الأزهر، أصبح رئيسَ تحريرها؛ بالإضافة إلى أنه كان يكتب في كثير من الصحف والمجلات المصرية.
نلاحظ من خلال هذه العلاقات، ومن خلال هذه المؤسسات، أو من خلال الجمعيات، أسس "جمعية الهداية الإِسلامية" في مصر جانفي ١٩٢٨ م، وساهم بشكل كبير في تأسيس جمعية معروفة بالعالم الإِسلامي هي (جمعية
стр. 6901
الشبان المسلمين) عام ١٩٢٦ م، وهو من المؤسسين الذين وضعوا قانون هذه الجمعية، و-أيضاً- من خلال تأسيس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، وفي كل مرة نجد في دراسة نشاط مجلة "الهداية" -كما تفضل الأستاذ الحسيني من قبل-، وفي دراسة نشاط (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، ودراسة نشاط (جمعية الشبان المسلمين) في مصر، وفي امتداداتها في سورية، وفي تونس، نجد دائماً أن هذه الجمعيات والمجلات تفتح أبوابها، ويستضيف فيها علماء من المشرق، ومن المغرب؛ لكي يقدموا المحاضرات والندوات التي تمس القضية الفلسطينية، وتمس القضية التونسية، وتمس القضية المغربية؛ مثل: الظهير البربري في نشاط دؤوب عام ١٩٣٠ م.
إذن هذا تلاقح الأفكار بين علماء المغرب وعلماء المشرق، نجده بانتظام في كل مؤسسة، سواء كان صحيفة، أو جمعية، وهذا يدل على تفتح هذا الرجل العالم على المشرق والمغرب.
وإذا أردتم، أعطيكم نماذج عن هذه النشاطات:
ففي جمعية (الشبان المسلمين) كانت تفتح أبوابها لزعماء المغرب العربي، فالحبيب بورقيبة عندما ذهب إلى مصر، استقبلته هذه الجمعية، وأقام فيها إلى أن وجد مكاناً يليق به في مصر.
وكذلك الشيخ محيي الدين القليبي، وكذلك من الذين فتحت لهم الأبواب، وساهموا في الجمعية شخصية معروفة هو: الشيخ الفضيل الورتلاني، هذا الرجل العظيم الذي ساهم مع الشيخ محمد الخضر حسين في تأسيس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية).
فالشيخ محمد الخضر حسين كان رئيس هذه الجمعية، والشيخ الفضيل
стр. 6902
الورتلاني كان أميناً عاماً لها، وأي واحد يطلع على كتاب الفضيل الورتلاني "الجزائر الثائرة" سيجد -تقريباً- كل البيانات والنشريات التي كانت تصدرها (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية). هذه الجمعية دامت حتى عام ١٩٤٧ م.
و-أيضاً-، ومن خلال هذه العلاقات بين محمد الخضر حسين وعلماء المشرق، نجد أن هذه العلاقات نجدها أحياناً علاقات سياسية، فهو رجل سياسة -أيضاً- بالإضافة إلى أنه رجل علم. ونشاطه السياسي واسع، نجده يربط علاقات سياسية مع رجال السياسة في مصر، وفي بعض الأحيان نجد نوعاً من التناقض؛ يعني: الشيخ محمد الخضر حسين تربطه علاقات ممتازة مع ملوك مصر، وخاصة الملك فؤاد الأول، الذي منحه الجنسية المصرية، والملك فؤاد أُعجب كثيراً بمحمد الخضر حسين عندما ألف كتابه المعروف "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وكان هذا سبب اللقاء بين فؤاد الأول، والشيخ محمد الخضر حسين.
وكذلك نقضَ كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين في حوالي ٤٠٠ صفحة.
وإن جميع الذين هاجموا طه حسين هاجموه بعد موته، وكل الدراسات حول نقض هذا الكتاب جاءت بعد موت طه حسين. والقلائل من العلماء الذين واجهوا طه حسين في حياته، ومنهم: الشيخ محمد الخضر حسين، والعالم الآخر الشيخ محمود شاكر، وكان سبباً لطرده من جامعة القاهرة.
وفي هذا الكتاب يرد الشيخ الخضر على كل ما كتبه طه حسين حرفاً حرفاً، على طريقة العلماء المسلمين في الحواشي، يضع النص، فيرده سطراً سطراً.
стр. 6903
وهذا الكتاب لقي رواجاً كبيراً في العالم الإِسلامي، ليس فقط في مصر؛ بدليل أن الشيخ أبا الحسن الندوي عندما زار مصر في عام ١٩٥٢ م كان شغوفاً إلى التعرف على شخصية محمد الخضر حسين الذي قرأ عنه هذا الكتاب، وسجل ذلك في كتابه "مذكرات سائح في المشرق"، أو الشرق العربي، هذا الكتاب مشهور، طبع عدة طبعات.
وكذلك نجد الشيخ الخضر تربطه علاقة متينة برجال الثورة المصرية؛ بدليل أنه أول شيخ للأزهر بعد إسقاط نظام الملك فاروق، وإقامة الجمهورية في مصر عام ١٩٥٢ م، فأول عالم، وأول شيخ للأزهر هو الشيخ محمد الخضر حسين، الذي تعاون مع رجال الثورة، ولكن عندما اصطدمت قناعاته في بعض الأعمال التي قام بها رجال الثورة؛ مثل: الإصلاحات على مستوى الأزهر، أو حول قضية المحاكم الشرعية، وقضية الإصلاح الزراعي في مصر، لم يرض الشيخ الخضر حسين عن هذه الإصلاحات، وقدَّم استقالته. وهذه الاستقالة -كما فسرها- هي استقالة سياسية تختلف عن الاستقالات التي عرفها الجامع الأزهر: وقليل من علماء الأزهر الذين استقالوا في تاريخه، ولكنها كانت استقالات علمية أكاديمية مرتبطة بإصلاحات داخل الأزهر.
وكان التعيين في مشيخة الأزهر من قبل هيئة كبار العلماء، وأصبح قراراً سياسياً. وقلما نجد عالماً يأخذ هذا الموقف السياسي، ويرفض هذه المشاريع السياسية التي طرحها رجال الثورة في مصر.
وأضاف الشيخ الخضر حسين ميزة عندما قال: "إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم". عندما طُلب إليه الذهاب لمقابلة الرئيس محمد نجيب، وأعتقد أن هذه ميزة نقلها الشيخ محمد الخضر حسين إلى مصر.
стр. 6904
إن دراسة تاريخ هذا العالم الجليل مطلوبة الآن حقيقة، خاصة بعد الأعمال التي قدمها الأستاذ علي الرضا الحسيني بجمع أعمال الشيخ محمد الخضر حسين، وخاصة في الصحافة: مجلة "الهداية"، ومجلة "السعادة العظمى"، كلها تحتاج إلى دراسة أعمق لاكتشاف عظمة هذا الرجل العظيم في جميع مواهبه وأعماله المختلفة.
هذا بالاختصار الشديد للعلاقات التي تربط بين الشيخ محمد الخضر حسين ومجموعة من العلماء المسلمين، سواء -كما قلت- في مؤسسات، أو كشخصيات، وتسليط هذه الأضواء على شريط التواصل بين المشرق والمغرب، وتأكيد على حقيقة أن المغرب والمشرق كانا عبر التاريخ متلاحمين متواصلين، عكس الفكرة الرائجة في أن حساسية المغرب بالمشرق، أو حول استكبارات المشرق.
هذه الأفكار تطرح في كثير من الصحافة الآن، وفي أدبيات الفكر الإِسلامي المعاصر، وعن القطيعة بين المشرق والمغرب، فنضال الشيخ محمد الخضر حسين يثبت العكس؛ بأن التواصل بين المغرب والمشرق فيه ترابط بين الطرفين.
فالشرق لم يستطع أن يواصل إشعاعه الفكري والحضاري إلا بمساعدة ومساهمة عقول علماء المغرب، ومن بينهم: الشيخ محمد الخضر حسين -كما ذكرت- والذين استقروا في مصر خاصة، أو في الشام، أو في الحجاز، قدموا خدمات جليلة في هذه الدول.
والمغرب العربي لم يكن باستطاعته أن يتحرر من الاستعمار الفرنسي إلا بفضل وجهود وتعاون وتضامن شعوب وعلماء ومفكري المشرق العربي.
стр. 6905
هذا إذن العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، نموذج من التفاعل والتواصل بين المشرق والمغرب، وأنا أعترف -بنهاية ملخص هذه المحاضرة- بأن هذه هي مشروع بحث، وليس البحث؛ لأنه برغم اطلاعي على الصحافة العربية خلال عامي (١٩٤١ - ١٩٦٢ م)، فإني وجدت البارحة عندما اطلعت على أعمال الشيخ محمد الخضر حسين، بفضل جهود علي الرضا الحسيني، ونحييه على ذلك، فأدركت أنني في الحقيقة الآن في الخطوة الأولى من البحث، وأدعو نفسي وغيري إلى مواصلة هذا البحث؛ لأنه حقيقة يحتاج منا كل اهتمام.
وشكراً لكم على الاستماع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6906
توصيات الملتقى
نظَّمت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية لولاية بسكرة)، وبالرعاية السامية لمعالي وزير الثقافة، والسيد والي بسكرة، وبمساهمة العديد من المؤسسات العمومية والخاصة أيام (٢٥، ٢٦، ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٧ م) بقاعة مداولات الولاية، وقاعة الفكر والأدب (الملتقى الوطني السادس - بسكرة عبر التاريخ) حول شخصية العلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري.
يتميز الملتقى بحضور عدد كبير من الأساتذة المحاضرين من دول عربية: من سورية، ومصر، وتونس، ومن جامعات جزائرية، إضافة إلى أساتذة معقبين ساهموا في مناقشة وإثراء محاور الملتقى.
علاوة على ثراء الجانب العلمي، تمَّ تنظيم معرض للمخطوطات والتراث، وأعلام منطقة الزيبان، والأعمال الكاملة للشيغ محمد الخضر حسين ببهو دار الثقافة (أحمد رضا حوحو)، عرف إقبالاً كبيراً من طرف المهتمين.
بعد الاستماع لكلمات السيد والي بسكرة، ورئيس (الجمعية الخلدونية)، وسماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان، ومحاضرات الأساتذة، والقراءات الشعرية، وتكريم الأستاذ علي الرضا الحسيني من سورية تقديراً للجهود العلمية الكبيرة
стр. 6907
في إحياء التراث، وجمع وطبع الأعمال الكاملة للشيخ محمد الخضر حسين، وتكريم انشراح مدكور من مصر حرم الشيخ محمد الخضر حسين.
اجتمعت لجنة التوصيات الخاصة بالملتقى، وبعد النقاش رفعت التوصيات التالية:
١ - التعريف بشخصية العلامة محمد الخضر حسين وأعماله عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وإنجاز أشرطة وثائقية، وفيلم سينمائي.
٢ - إنشاء موقع على الانترنيت يحمل اسم العلامة محمد الخضر حسين، يشمل أعماله الكاملة، وكل الكتابات التي تناولت حياته ومسيرته النضالية والعملية مدعّمة بالصور.
٣ - دعوة للجامعات الجزائرية إلى توجيه طلبة الدراسات العليا إلى تناول آثار العلامة محمد الخضر حسين بالدراسة والتحليل.
٤ - السعي لإطلاق اسم الشيخ محمد الخضر حسين على أحد المرافق الثقافية والتربوية والدينية بولاية بسكرة.
٥ - دعوة وزارة البريد إلى إصدار طابع بريدي يخلّد شخصية الشيخ محمد الخضر حسين.
٦ - التأكيد على جمع وطبع المحاضرات والتعقيبات المقدمة في الملتقى في كتاب، وعلى أقراص مضغوطة، وتوزيعه على نطاق واسع للاستفادة منها أكثر.
٧ - لعدم توفر كتب الشيخ محمد الخضر حسين في المكتبات الجزائرية، نلتمس بإعادة طبع أعماله الكاملة، وكلِّ ما كُتب حول شخصيته وأعماله.
٨ - للروابط التاريخية بين مدينة "طولقة" بالجزائر، ومدينة "نفطة"
стр. 6908
بتونس، نقترح توءمة بينهما؛ من أجل التواصل الثقافي والعلمي في جميع المجالات.
٩ - العمل على تدعيم الملتقى، وتقديم ميزانية خاصة من أجل مواصلة هذه الجهود المبذولة، وتجسيد التوصيات على أرض الواقع.
١٠ - دعوة الجامعات الجزائرية، والمؤسسات التربوية لبرمجة رحلات علمية إلى منطقة الزيبان لفائدة الطلبة والتلاميذ؛ للتعرف عن قرب على المواقع التاريخية والمعالم الحضارية التي تزخر بها الولاية.
وفي الأخير: نرفع آيات الشكر والتقدير والامتنان لكل من كانت له أيادٍ بيضاء، وعونٌ مادي أو أدبي لإنجاح هذا الملتقى، وإبرازه في حلة زاهية الألوان، وضّاءة الملامح، مشرقة الجنبات، ونخص بالذكر بدءاً وانتهاء: وزيرة الثقافة، كما نخص بالذكر الرجلَ الأول في الولاية السيدَ الوالي الذي أعطى الأنموذج الحي للمسؤول العاشق للعلم والعلماء.
كما لا ننسى كل الدعم الذي لاقيناه من جميع السلطات المحلية والأمنية، ورجال الإعلام في مختلف القطاعات؛ ممن أحاطوا هذا المهرجان العلمي بكل رعاية وإحسان.
ولو أَنْ لنا في كُلِّ مَنْبَتِ شَعْرَةٍ ... لِساناً يَبُثُّ الشُّكْرَ فيهم لَقَصَّرا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6909
على هامش الملتقى
ندوة إذاعية (١) الدكتور مجاهد توفيق الجندي الأستاذ علي الرضا الحسيني - الدكتور كمال عجالي
المذيع مقدم الندوة: أيها الأحبة! سأكون سعيداً أن ألقاكم على ضفاف هذا المساء؛ لتناول وجبةٍ علمية، غذاء كامل؛ كما لو أننا سنتناول حلواً تمراً من تمور "طولقة" التي تمور هذا المساء في أحلامها.
الحضرة حضرة علماء، وحينما يحضر العلم، يبطل كل شيء، يبطل كل ما يمت بصلة إلى اللغو.
سأكون سعيداً أن أكون بين حضرات العلماء؛ حيث سكون واحداً من بين الذين يغرفون من بحر هؤلاء.
بداية أيها الأحبة يحضر معنا:
- الأستاذ الدكتور مجاهد توفيق الجندي أستاذ كرسي الحضارة الإِسلامية والتاريخ الإِسلامي، ومؤرخ الأزهر، وعضو اتحاد المؤرخين العرب.
- الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيق المحتفى به العلامة الإمام محمد الخضر حسين، مهتم بتراث العائلة على مدى أربعين عاماً. وكان قد
стр. 6910
جمع كل أعمال العلامة والفهَّامة والتكلامة (١) الشيخ محمد الخضر حسين.
- الأستاذ الدكتور كمال عجالي من جامعة "باتنة"، وهو مهتم -أيضاً- بالحضارة الإِسلامية والأدب.
نتحول إلى الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيق المحتفى به الشيخِ محمد الخضر حسين.
أود أن أشير إلى أن العلامة محمد الخضر حسين قد ولد في مدينة "نفطة" بالجنوب التونسي، لو تحدثنا عن نشأته؛ لأنكم كنتم بين الذين اهتموا بتراث العلامة.
الحسيني: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
أريد -قبل الدخول في هذا الحوار- أن أوجه التحية إلى هذه المدينة الرائعة الخالدة، والتي شاءت أن تحتضن هذا الملتقى العظيم.
هذه أبيات قلتها أولَ أمسِ عندما جئت بالطائرة من مدينة الجزائر، أوحَتْها لي هذه المحبة التي أُكنها لهذه المدينة:
لسانُ الوَفا نادَى بصوتٍ مُجلْجِلِ ... بِسِكْرَةُ ميلادي وأَهْلي ومَنْزِلي
على بابِها يلقاكَ وجْهُ بُطولةٍ ... وفي ساحها آياتُ نَضرٍ مُحَجَّلِ
إذا نطقتْ أحجارُها أوْقدَتْ لَظًى ... وكمْ جَحْفَلٍ أفْنَتْهُ في إثْرِ جَحْفَلِ
وفي ثورَةِ التَّحرير هَبَّتْ طليعةً ... تُذيقُ العِدا قَهْراً بأكْؤُسِ حَنْظَلِ
وفي السِّلْمِ دارٌ للضيافةِ والنَّدى ... تعانِق رُوّادَ التُّراثِ بِمَحْفِلِ
стр. 6911
وحَقًا غدَتْ للفِكْرِ مَرْقًى ومُلْتَقًى ... ومنبرَ إلهامٍ لأِعذَبِ مَنْهَلِ
"بِسِكْرَةُ" يا أُمَّ الكِرامِ تحيةً ... وقُبْلةَ شُكْرٍ في جبينكِ مِنْ (علي)
قبل "نفطة" نحن نقول: إن أصوله جزائرية من مدينة "طولقة"، والده التقي الشيخ الحسين ابن شيخ الزاوية سيدي علي بن عمر. ووالدته السيدة حليمة السعدية بنت سيدي مصطفى بن عزوز ابن الشيخ محمد بن عزوز في (برج ابن عزوز).
انتقلت العائلة من جنوبي الجزائر - في الواقع لم يكن هناك حدود، ولم يكونوا يعرفون الحدود بين تونس والجزائر.
وكان سبب انتقال الشيخ ابن عزوز سبباً نضالياً، وهو أن يجعل الزاوية في "نفطة" مكان راحة للمجاهدين الجزائريين -بالإضافة إلى دورها الأول في التوجيه الديني-، هذه الحقيقة غابت عن كثير من المؤرخين، ولكن لدي من الوثائق ما يؤكد هذه الحقيقة.
استقر في "نفطة"، وأقبل عليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، وخاصة من الجزائر، ثم من بعد، انتقلت العائلة إلى تونس؛ لظروف خاصة؛ فقد توفي الشيخ مصطفى بن عزوز ﵀ وانتقل الشيخ الحسين إلى مدينة تونس، وأسس هناك زاوية، واستولد هؤلاء العظماء من الشيوخ: الشيخ سيدي محمد الخضر حسين، وسيدي الوالد زين العابدين، والشيخ محمد المكي بن الحسين من رجال العلم، ومن المختصين في اللغة العربية. والمشهود له بذلك، وطبعت كل آثارهم والحمد لله، إلى جانب مهنة المحاماة، مهنةُ المحاماة بالذات قاسية، فكنت أستقطع من الوقت ساعات حتى استطعت أن أجمع هذا التراث خلال أربعين سنة، والحمد لله على هذا.
стр. 6912
المذيع: ما علمته من خلال قراءاتي: أن فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين كان قد ترأس تحرير مجلات عديدة في تونس، وفي مصر، ومن أهم هذه المجلات مجلة "الهداية الإسلامية".
الحسيني: أخي الكريم! الشيخ محمد الخضر حسين متعدد المواهب، فإن شئت أن تقرأه صحفيًا، أو فقيهاً، أو مفسراً، أو محدثاً، أو شاعراً، أو لغوياً، أو رحّالة، أو ما شئت قل فيه من الأوصاف؛ فقد وهبه الله هذه الخصال، وعمل عليها بإخلاص، لذلك نجح في حياته.
أما بالنسبة -حسب طلبك- للنواحي الصحفية، فهو أول ما بدأ بالعمل الصحفي، أصدر مجلة "السعادة العظمى" في تونس، أول مجلة صدرت في المغرب، وصدر منها واحد وعشرون عدداً، وتوقفت لأسباب ما جابهه به التقليديون من الشيوخ القدماء؛ لأنه حاول أن يجعل منها دورية إصلاحية، فجابهوه لهذه الناحية؛ مما أدى إلى توقفها، هي لم تغلق، ولكن توقفت؛ مما اضطره إلى الهجرة بعدها إلى الشرق.
ليس إغلاقها هو العامل الوحيد، هناك أسباب أخرى دعته إلى الهجرة إلى الشرق؛ لأنه حاول خلال إقامته في مدينة "بنزرت" كقاضٍ. نزل إلى تونس، وألقى في (جمعية قدماء الصادقية) محاضرة عنوانها: "الحرية في الإِسلام"، وختمها بالحديث عن الاستبداد، فما بالُكَ برجل في عهدِ محتلٍّ قاسٍ غاشم، يتحدث عن الحرية، ويدعو إلى مقاومة المحتل؟! مما جعل عيون المحتل تراقبه، وتضغط عليه، وتلاحقه، في الواقع هذا السبب الأول في انطلاقه إلى الشرق.
لأنه كان يرى أن همته أوسعُ من تونس، ورسالته تضيق في هذا البلد،
стр. 6913
فأحب أن ينطلق إلى آفاق، كما قال في مقدمة ديوانه الشعري "خواطر الحياة".
أما بالنسبة لتتمة أعماله الصحفية، أول عمله في مصر كان رئيساً لتحرير مجلة "نور الإِسلام"، والتي هي مجلة الأزهر منذ العدد الأول، وصدر منها أربع سنوات، كان يحرر الافتتاحية، وله مقالات هامة فيها، وفي هذه الأثناء أسس مجلة "الهداية الإِسلامية"، و (جمعية الهداية الإِسلامية)، وصدرت المجلة على مدى ثلاث وعشرين سنة، حتى قيل في مجلة "الهداية الإِسلامية" من كثرة ما كتبت عن المغرب: هذه ليست مجلة مصرية عربية، هذه مجلة مغربية عربية، حتى إن أحد الكتاب المصريين أطلق عليه لفظ: (ابن خلدون عصره)، هذا الرجل هو ابن خلدون عصره.
وإذا رجعنا الآن إلى مجلدات "الهداية الإسلام" فإننا نجد أنه لا يخلو عدد من الأعداد من الحديث عن المغرب، سواء لترجمة رجل من الرجال، أو لوصف جغرافي، أو تاريخي، (مسقطُ الرأس غالي) كما يقولون.
ثم عمل في مجلة "لواء الإِسلام" التي أصدرها السيد أحمد حمزة، وقال في مقدمتها: عندما شاءت الإرادة الإلهية أن نباشر في إصدار هذه المجلة، لم نجد علماً من الأعلام سوى الخضر حسين لترؤُّس هذه المجلة. دام في هذه المجلة حتى عام ١٩٥٢ م عندما استلم مشيخة الأزهر، وبرغم هذا، لم يتخل عن وفائه لمجلة "لواء الإِسلام"، إنما استمر في الكتابة بها حتى وفاته عام ١٩٥٨ م.
حتى في السنة التي توفي فيها كتب مقالاً، وما زال مستمراً على هذا، وتوفي عندما سقط القلم من يده.
هؤلاء هم أهل الإيمان والفكر الإِسلامي كما ترى.
стр. 6914
المذيع: نتحول إلى الدكتور كمال عجالي، مهتم بالحضارة الإِسلامية والأدب، وله دراسة حول الطيب العقبي.
لما أصدر عميد الأدب العربي طه حسين كتابه: "في الشعر الجاهلي"، لم يجد من يردّ عليه في تلك الأثناء -أثناء حياته- إلا العلامة محمد الخضر حسين، هل هي ثقة بالنفس؟
الدكتور عجالي: في الحقيقة هناك بعض الأسماء التي حاولت الرد على طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي"، ولكن البحث الحقيقي، أو البحث الذي اعترف به طه حسين، واعترف بنزاهته وموضوعيته، وبحيادية صاحبه هو كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد الخضر حسين، هذه بشهادة طه حسين، هو الكتاب الذي اعترف بموضوعيته، أما بعض الردود الأخرى، فكان يعتبرها من قبيل التهريج، أو الاندفاع، أو من قبل العواطف، كان ينظر إليها أنها عاطفية أكثر منها عقلانية أو علمية بمعنى الكلمة.
المذيع: دكتور مجاهد توفيق الجندي. . . يقال: إن العلامة محمد الخضر حسين كان نابغة؛ لدرجة أنه لما بُعث في بعثة علمية إلى ألمانيا، كان قد أتقن اللغة الألمانية في ظرف وجيز. ما المسوغ الذي جعله يترأس الأزهر، هل هي الغزارة في العلم؟
هل هي موسوعيته؟
الدكتور الجندي: الشيخ محمد الخضر حسين كان موسوعة، كان من العلماء الموسوعيين، نجده فقيهاً، نجده أديباً، نجده سياسياً، نجده كاتباً، ناقدًا، صحفيًا، متعدد المواهب. وقد خصص نفسه للعلم، ليس عنده مشاغل
стр. 6915
أخرى؛ حيث إنه لم ينجب أولاداً (١)، وكان أبناؤه هي الكتب، زوجته ساعدته في حياته؛ بحيث إنه لا يحمل همَّ أي شيء. تزوج من مصر الحاجه زينب مدكور من قبيلة النجمة التي تقطن منطقة الهرم، وجلس معها ثلاثين سنة، وبرغم أنها كانت عاقراً، لم يتزوج عليها، وعاشا سوية عيشة هنية، وبعد وفاتها تزوج ابنة أختها الموجودة الآن الحاجة انشراح مدكور، وابنُها المستشار أحمد البطران رئيسُ محكمة جنوب القاهرة. وهذه جلستْ معه خمس سنوات.
أما كونه قد تعلم اللغة الألمانية، فقد تعلمها فعلاً في ثمانية شهور، وهذا يدل على ذكائه، وعلى عظمة هذه الرجل. ونرجو الله أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويسكنه فسيح جناته.
وقد دخل إلى جماعة كبار العلماء في كتاب هو رسالة قيمة "القياس في اللغة العربية". هذه الرسالة دخل بها بجدارة إلى جماعة كبار العلماء، وهيئةُ كبار العلماء في الأزهر هيئةٌ أُنيط بها تحديث الأزهر الشريف، وإدخال العلوم الحديثة في الأزهرة يعني: هيئة كبار العلماء هذه خصصت لتحديث الأزهر الشريف؛ بمعنى: أن الشيخ الفلاني يدرس الرياضة، والشيخ الفلاني يدرس الكيمياء، اختيروا اختياراً، والشيخ محمد الخضر حسين كان من هؤلاء العلماء العظماء.
وقد حصل على الجنسية المصرية، أعطاها له الملك فؤاد؛ لأنه عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه "الإِسلام وأصول الحكم"، نقض الشيخ
стр. 6916
محمد الخضر حسين هذا الكتاب، وردَّ عليه رداً مفحماً، وبهذا الرد عطف عليه الملك فؤاد؛ لأن الملك فؤاد كان يريد أن يكون خليفة بعد إسقاط كمال أتاتورك للخلافة.
بهذه الجنسية، وبدخوله جماعة كبار العلماء، اختارته الثورة المصرية لمشيخة الأزهر الشريف. . . حيث زاره ثلاثة وزراء، فيهم: الشيخ أحمد حسن الباقوري الذي كان وزيراً للأوقاف في ذلك الوقت، وكان صديقاً للشيخ الخضر، بالإضافة إلى أن أعضاء مجلس قيادة الثورة كان معظمهم معه في (جمعية الهداية الإِسلامية).
المذيع: أعود ثانية إلى ندوة هؤلاء العلماء التي تجمعني بهم. ومعنا في هذه الجلسة -الدكتور مجاهد توفيق الجندي- والأستاذ علي الرضا الحسيني، شاعر، وأستاذ باحث، ابن شقيق المحتفى به، وكان قد جمع آثار العلامة محمد الخضر حسين- ومعنا الدكتور كمال عجالي أستاذ في جامعة "باتنة"، والمختص بالحضارة الإِسلامية والأدب. مرحباً بكم إذن لأعود إلى الأستاذ الدكتور كمال عجالي.
دكتور عجالي! يقال: إن كتاب "القياس في اللغة العربية" هو درّة نادرة
في هذا الظرف؟
الدكتور عجالي: طبعاً كما قال السادة الأساتذة، الشيخ محمد الخضر حسين لغوي بمعنى الكلمة، وهو جدير بهذا المعنى، وقد ألف كتابه هذا "القياس في اللغة العربية" ليبين أن اللغة العربية قادرة على أن تستوعب العصر، وتستوعب مستجدات العصر، وهذا المقصود من الكتاب.
وقد تقدم به كبحث لينال به درجة أحد كبار علماء مصر، وعندما ناقشه
стр. 6917
السادة الأساتذة، وكان على رأسهم الأستاذ عبد المجيد اللبان -كما قال الدكتور توفيق- على أن الأساتذة أو اللجنة عندما ناقشت الرجل، وسمعت منه ما طرحه في الكتاب من آراء، ومن نظرات، ومن آفاق للغة العربية، ومن رؤى ثاقبة، قال رئيس اللجنة: هذا بحر لا ساحل له، فكيف ندخل معه في لجاج، أو كيف ندخل معه في حجاج؟! هذا اعتراف من اللجنة، ومن رئيس اللجنة على أن كتاب "القياس في اللغة العربية" كتاب فريد من نوعه، ومن حسن الحظ أن الجزائر شاركت في طبعه، وهي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، وأنا عندي نسخة منه، قرأته مرات عديدة، هذا الكتاب جدير بالقراءة للمتخصصين، وغير المتخصصين.
المذيع: أعود إلى الأستاذ علي الرضا الحسيني.
العلماء، أو أغلب العلماء يُزَجّ بهم في السجون، فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين كان قد زُجّ به في السجن، هلّا حدثتنا عن هذا؟
الحسيني: زُجّ به في السجن في عهد السفاح جمال باشا، وكان الشيخ في مجلس علمي، ويظهر أن أحد المحامين من مدينة طرابلس بلبنان كان حاضراً هذا المجلس، وتحدث عن تشكيل ناد، أو بمعنى جماعة لمقاومة الخلافة العثمانية، أو مقاومة الحكم، هذا الخبر انتقل إلى البوليس التركي، فألقي عليه القبض، وزُجّ به في السجن. وكان السجن في مدينة دمشق، في (خان مردم بك)، وهو الآن سوق تجاري وكان من رفاقه في السجن: المرحوم الرئيس شكري القوتلي رئيس أول جمهورية في عهد الاستقلال، وسعدي بك الملا، وفارس الخوري رئيس الوزراء، وأقام في السجن مدة ستة أشهر، أو يزيد، وما اشتكى من اضطهاد أو تعذيب أو قلة طعام، وإنما اشتكى من
стр. 6918
عدم وجود قلم كان يحتاج إليه ليكتب حتى في السجن، ومنعوا عنه الورق. . . قال:
غلَّ ذا الحبْسُ يَدي عن قَلَمٍ ... كانَ لا يَصحُو عن الطِّرْسِ فَناما
أنا لولا هِمَّةٌ تَحْدو إلى ... خِدْمةِ الإِسلامِ آثَرْتُ الحِماما
وله بعض أبيات جميلة قالها في السجن عندما جرى نقاش مع الأستاذ سعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزراء في لبنان؛ عن أيهما أفضل: البداوة، أم الحضارة؟ وكان الشيخ برأيه أن الحضارة نوع من المدنية، وأما بالنسبة للبداوة، فكان الشيخ قد عاش أول حياته في "نفطة"، وتأثر بالجو الريفي البدوي، وقال شعراً:
جَرى سَمَرٌ يومَ اعْتُقِلْنا بفُنْدُقٍ ... ضُحانا به لَيْلٌ وسامِرُنا رَمْسُ (١)
وقالَ رَفيقي في شَقا الحَبْسِ إنَّ في الْـ ... ـحَضارةِ أُنسًا لا يُقاسُ بهِ أُنْسُ (٢)
فقلتُ لَهُ: فَضْلُ البَداوةِ راجحٌ ... وحَسْبُكَ أن البَدْوَ لِيْسَ بهِ حَبْسُ
المذيع: طيب أستاذ حسيني. حدثتنا عن العلّامة محمد الخضر حسين كعالم، ولم نتحدث عنه كشاعر.
الحسيني: الشيخ الخضر شاعر رقيق، قوي السبك، إذا تصفحت ديوانه "خواطر الحياة"، تجده طرق كل فنون الشعر ما عدا الغزل، وقد حَقَّقته، كما حَقَّقه الأستاذ محمد علي النجار من الشيوخ في الأزهر، وأستاذ
стр. 6919
اللغة العربية فيه. كما نجد في الديوان أبياتاً لا تصدر إلا عن شاعر ذي حس صادق.
لقد قرأت في شعره من أجمل ما قرأت في حياتي، وأنا محب للشعر، وأقوله في بعض الأحيان. لنستمع إلى قوله:
وغلامٍ قرَّبَ السّاعةَ مِن ... أُذْنِه يَسْمعُ منها النَّقَراتِ
قَالَ ما في جَوْفِها قلتُ له ... سوسةٌ تقرُضُ أيامَ حَياتي
المذيع: طيب أستاذ حسيني. لا شك أن العلامة محمد الخضر حسين من خلال بيت نرصده له يقول:
ولولا ارْتياحي للنّضالِ عن الهُدى ... لَفتَّشْتُ عن وادٍ أعيشُ به وَحْدي
في الشطر الثاني يظهر أن العلّامة يجنح إلى الاعتزال بعض الشيء.
الحسيني: لا أستطيع أن أفهم هذا البيت من هذه الوجهة، كان الشيخ اجتماعياً واعتزالياً، هو اجتماعي مع رجال الحق، مع الشيوخ الكرام، مع السياسيين الأباة كان اجتماعيًا. أما عندما يجد أن هذه الطبقة لا تناسبه، فكان يعتزل.
ثم إن الشيخ لا يجلس في مقهى، ولم يدخل في نادٍ، كان همه خدمة الإِسلام، يتنقل من داره إلى (جمعية الهداية الإِسلامية)، إلى كلية أصول الدين، ثم يعود إلى داره، هذا برنامجه اليومي تقريباً.
المذيع: الأستاذ الدكتور مجاهد توفيق! إذا تتبعنا أعمال العلامة محمد الخضر حسين التي تهتم بالشريعة الإِسلامية، فإننا نرصد أن هذه العلامة كان يهتم بالجانب الإصلاحي. وفي تصوري أن هذا الإحصاء الأولي: الحرية في
стр. 6920
الإِسلام -الدعوة إلى الإصلاح- رسائل الإصلاح. هذه كلها عناوين لهذا العلامة. لا شك أنه كان يدعو إلى الإصلاح كثيراً. . . ربما هو امتداد لبعض العلماء الذين سبقوه؟
الدكتور الجندي: بالطبع. هو عالم جليل، عالم موسوعي، كان امتداداً للإمام محمد عبده، بل أنا شخصياً أعتبره مثل الإمام محمد عبده، وربما يفوق الشيخ محمد عبده في سفرياته إلى ألمانيا، وأعماله الأخرى.
إن الإمام محمد عبده ذهب لزيارة إيطاليا وفرنسا، وزار جزيرة إلى جانب إيطاليا التي أصوله منها، ولعلها ليست على ذاكرتي الآن. فالشيخ محمد الخضر حسين -أيضاً- طوّف في سويسرا، وألمانيا، وتركيا، وبلاد الشام، وبلاد المغرب، وزار الجزائر أكثر من مرة، كل هذه دعوات للإصلاح، كل هذا في سبيل نشر العلم، وفي سبيل إصلاح أحوال الأمة الإِسلامية، وإنقاذها من رقدتها؛ لتحارب وتواجه الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإنكليزي، وهذا الرجل يعتبر فلتة من فلتات الزمن، لا يجود بها الزمن كثيراً.
المذيع: نعود إلى الدكتور الأستاذ كمال عجالي.
لا شك أنكم درستم الحركة الإصلاحية في الجزائر، وما جلب انتباهي: أن الرجلين: عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد الخضر حسين كانا إصلاحيين، وكانا قد درسا على العلامة الشهير محمد الطاهر بن عاشور، لعل هذا الأصل هو الذي جعل الرجلين يتفرغان في مذهب الإصلاح إن صح القول؟
الحسيني: أريد أن أصحح في السؤال؛ فالإمام لم يدرس على الشيخ
стр. 6921
محمد الطاهر بن عاشور، بل كانا زميلين معاً في الدراسة. والشيخ ابن باديس درس عليهما. أردت فقط أن أوضح هذا.
الدكتور عجالي: في الحقيقة -كما قال السادة الأساتذة- الشيخ محمد الخضر حسين رجل متعدد المواهب، ومتعدد الوظائف؛ كان رجلاً سياسياً، وكان رجلاً إصلاحياً، وكان رجل دين، كان لغوياً، كان شاعراً، كان صحافياً، رحّالة.
وبالنسبة لقضية الإصلاح عند الشيخ محمد الخضر حسين، أنا درست ديوانه "خواطر الحياة"، لا أقول: إني درسته، بل ألقيت عليه نظرة، فوجدت أن الرجل كان يدعو إلى الإصلاح، والتمسك بالأصول من صحيح الدين المتمثلة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، ويدعو إلى الرجوع لهذه الأصول. . . في نفس، الوقت كان -أيضاً- من الذين لا يمانعون من الأخذ من الحضارة، ومن مظاهر المدنية المعاصرة، وبالتالي كان الرجل رجل إصلاح، ورجل انفتاح، وبالتالي كان يدعو إلى الأخذ بالأصول، والأخذ بمستجدات الحياة. وهذه هي نفس النظرة التي دعا إليها الشيخ محمد عبده، ونفس النظرة التي تبناها الشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀، ومنهج (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين). فالرجل كان إصلاحياً بمعنى الكلمة، ولا جدال في هذه النقطة.
المذيع: طيب، الأستاذ علي الرضا الحسيني! ما علمتُه من حضرتكم؛ أن العلامة محمد الخضر حسين يتقن ثلاث لغات أجنبية، هل تحدثنا عن تمكنه وبراعته في إتقان هذه اللغات؟
الحسيني: حسب ما وصلتُ إليه من وثائق أثناء تحقيقي في موضوع
стр. 6922
الشيخ: أنه درس الألمانية في برلين عندما قام هناك بأعمال مجيدة، وهي في الغاية: تأليب الجنود المغاربة الذين وقعوا في أسر الألمان؛ ليجندهم للحرب ضد فرنسا في المغرب العربي.
ووجوده في ألمانيا لمدة ستة أشهر في زيارته الأولى، ثم ولمدة أربعة أشهر ويزيد في المرّة الثانية، أتقن اللغة الألمانية على يد مستشرق ألماني اسمه (هاردر)، وأسس مسجداً في برلين، وألقى به خطاباً، يقال: إنه بعد الخطاب ألقاه باللغة الألمانية.
ثم في تركيا عُين في ديوان وزارة الحربية عند أنور باشا، كان هو صديقاً له في ديوان اللغة العربية، فكان مضطراً أن يدرس اللغة التركية، فدرَسها وأتقنها.
ثم في أواخر أيامه، عندما أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) في مصر، ومهمتها عبارة عن حرب ضد فرنسا، والدعاية ضدها، فأتى بمصري يتقن الفرنسية، وعلمه اللغة الفرنسية حتى أتقنها.
الشيخ لا يتبجَّح، ولا يُكابر، لا يقول في أي مجلس كذا وكذا، ولكني سمعت ممن أثق بدينه وبقوله أن الشيخ يتقن هذه الثلاث لغات.
المذيع: طيب، أستاذ رضا الحسيني! أنت كنت ملازماً للشيخ محمد الخضر حسين، هل كان يتردد عليه بعض العلماء -مثلاً-؟
الحسيني: يا أخي! أنا لم أكن مقيماً معه، إن إقامتي في دمشق مع الوالد زين العابدين، إنما التقيت بالشيخ عندما استلم مشيخة الأزهر، وأقمت لديه شهراً. وكان يأتينا بين سنة أو ثلاثة إلى دمشق للاصطياف وللتنزه، والترويح عن النفس؛ يعني: يمكن أن أجمع لك الأيام بالنسبة للشيخ بما لا تتجاوز
стр. 6923
أربعة أو خمسة أشهر. ولكن عرفت كل شيء عن الشيخ؛ لأن الشيخ لا يخفي شيئاً عن الناس، تراه على طبيعته.
والسادة العلماء يعرفون أكثر مني عن العلماء الذين يترددون عليه في مصر. والشيخ لا يستقبل أحداً في داره. في السيدة زينب شقة تتألف من غرفتين، وفسحة صغيرة، كانت لا تتسع أن يستقبل فيها أحداً، كان يأتيه كبار القوم من العالم الإِسلامي، فكان يتفق معهم على موعد في (جمعية الهداية الإِسلامية)، يستقبلهم هناك مساء، وإذا دعاهم، يدعوهم إلى مطعم، أو يأتيهم بالطعام إلى (جمعية الهداية الإِسلامية). ما كان يستقبل أحداً في بيته.
وعندما استلم مشيخة الأزهر، أصبحت داره أوسع في شارع صفية زغلول، فيها أربع أو خمس غرف. حتى يقال: إن الحبيب بورقيبة عندما فرَّ من تونس إلى مصر، أوقفوه في السلّوم، فقالوا له: من أنت؟ قال لهم: أنا الحبيب بورقيبة، واتصل بالشيخ الذي اتصل بدوره باللواء صالح حرب باشا، كان وزيراً للداخلية وقتها، وكان صديقاً للشيخ. وكان كبار عظماء الرجال في مصر -كما تفضل الأستاذ الجندي- كانوا من أصدقاء الشيخ. كثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا أعضاء في (جمعية الهداية الإِسلامية)، ليسوا بأعضاء عاملين، بل أعضاء مؤازرين. اللواء محمد نجيب كان يترد على الشيخ باستمرار، فلما قامت الثورة، استدعي الشيخ لتسلم مشيخة الأزهر. وكانت (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) إحدى حركاته النضالية. ومقرها في (جمعية الهداية الإِسلامية)، وكثير من الجزائريين فيها، وكان الفضيل الورتلاني هو الأمين العام للجبهة، والمكي الشاذلي.
стр. 6924
أنا عندي الآن وثائق للفضيل الورتلاني أكثر من خمسين مقالة يتحدث فيها عن نضال الجزائر، والقضية الجزائرية، وله كتاب "الجزائر الثائرة"، كتبها في جريدة "المنار"، وكانت تصدر بدمشق.
المذيع: إن الفضيل الورتلاني الذي تحدث عنه الأستاذ علي الرضا الحسيني هو من أكبر المجاهدين، وعضو في (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين).
وأخيراً: شكراً للسادة المشاركين في هذه الندوة.
стр. 6925
على هامش الملتقى
ندوة إذاعية (١) الدكتور عمار الطالبي - الأستاذ محمد الهادي الحسني الدكتور نجيب بن خيرة - الدكتور محمد مواعدة الدكتور مولود عويمر
المذيع مقدم الندوة: مرحباً بكم إلى هذه الندوة التاريخية العلمية، التي نتناول من خلالها جوانبَ من شخصية العلامة التكلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري.
ها هو ذا مساء آخر يفتح أكمامه، ويلقي عصاه في بحر آخر من بحور المعرفة؛ بحثاً عن الحقيقة التاريخية، وما يحوطها من أسرار.
يتجدد الموعد إذن في موسم من مواسم العودة إلى مدن الجنوب، في عرس معارفي تحييه نواميس الحياة، فنجلس معاً في حضرة العلماء، ونتناول ما لذّ وطاب من علم ومعرفة.
أهلاً بكم إلى هذه الجلسة الأثيرية، وهذه الندوة التاريخية العلمية التي يحضر من خلالها معنى:
- فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور عمار الطالبي أستاذ بجامعة الجزائر.
стр. 6926
- الأستاذ محمد الهادي الحسني.
- الدكتور نجيب بن خيرة أستاذ في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة.
- الدكتور محمد مواعدة، خبير لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة من تونس.
- الدكتور مولود عويمر أستاذ بجامعة الجزائر.
نتحول إلى فضيلة الشيخ والعلامة الدكتور عمار الطالبي من جامعة الجزائر؛ لنضع هذا السؤال: حياة اللغة العربية -الخطابة عند العرب- القياس في اللغة العربية - دراسات في العربية وتاريخها. هذه العناوين هي للعلامة محمد الخضر حسين. هل هو شعوره القوي بالانتماء؟ الهوية؟ أم دافع التوسع والتطلع إلى مجالات أخرى، واختصاصات أخرى غير الشريعة، جعله يهتم باللغة العربية بهذا الشكل؟
الدكتور الطالبي: إذا ما درسنا أعمال العلامة محمد الخضر حسين من جوانبها اللغوية، فإنا نجده ينشط في هذا المجال لسببين:
السبب الأول: هو سبب نضالي، ودفاع عن اللغة العربية في عصر حوصرت، وضيَّق عليها الاستعمار، وخاصة في الجزائر، وإن كانت تونس بقيت بمنجاة عن كثير مما حلّ بالجزائر من الطمس والاندثار، ويدافع الدفاع عن اللغة العربية وعن وجودها؛ باعتبارها وسيلة لفهم القرآن الكريم، ولفهم الإِسلام، فهو يدافع عنها بكل ما لديه من قوة.
والسبب الثاني: هو دافع علمي، لذلك إنه في أول حياته كان شغوفاً بالدراسات اللغوية والعربية وآدابها، ثم بعد ذلك وقع له تحوّل أساسي، انصرف إلى علوم الشريعة بأسلوب جديد غير الأسلوب التقليدي الذي كان
стр. 6927
يألفه الناس في عصره؛ من اختصار الخليل، وشروحه، وحواشيه. والذي نبهّه إلى هذا: هو أبو بكر بن العربي، حينما قرأ مؤلفاته، فهو يدرس الشريعة بذوق عقلي إن صح التعبير، وهذا التعبير قاله ابن رشد: الذوق العقلي، ولم يستعمله غيره؛ لذا أعجب بأسلوب أبي بكر بن العربي، وهو أسلوب قوي في اللغة العربية، وبأسلوبه في تناول الدراسات الحديثية، والدراسات الفقهية، وتفسير القرآن، فانصرف إلى هذا الجانب.
ولكنه لم يتخلّ عن اللغة العربية؛ بدليل أنه لما تقدم إلى جماعة كبار العلماء في القاهرة، قدّم هذا الكتاب، وهو: "القياس في اللغة العربية"؛ لينال به هذه العضوية، التي تشترط بصاحبها أن يقدم بحثاً جديداً فيه أصالة، وفيه تظهر شخصية الباحث، فنال هذه الدرجة لإجماع الذين قبلوا عضويته في هذه الجماعة.
وكذلك الدراسات اللغوية الأخرى انتهى إليها بدافع علمي، وهي الدراسات التي قدمها لمجمع اللغة العربية في القاهرة، وكان عضواً فيه، وكذلك "المجمع العلمي العربي بدمشق. قدّم لهذين المجمعين أبحاثاً لغوية متميزة في وضع المصطلحات، سواء كانت تتعلق بمتن اللغة نفسِها، أو تتعلق بالمدارس الأخرى؛ بتصحيح الروايات التي تتحدث عن مشافهة العرب، واستعمالاتها، وأوضاعها في اللغة.
فهو لا يقبل إلا ما كان صحيحاً في سنده وروايته، ولا يقبل أقوال بعض علماء اللغة الذين لا سند لهم بالطريقة التي يراها هو صحيحة تصل إلى كبار المصادر والموارد اللغوية القديمة؛ كسيبويه، ونفطويه، والسكاكي، والأخفش، ومن إليهم من كبار العلماء.
стр. 6928
هو جال جولة عظيمة، ودافع عن اللغة العربية، وعن الشعر الجاهلي ضد طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي"؛ لأنه شكَّ في هذا الشعر أنه منحول، ونسب إلى الجاهليين، ولا يمكن أن يستعمل في فهم القرآن؛ لأنه ليس مصدراً موثوقاً به، وهذا ما دفعه للدفاع عن اللغة العربية، والدفاع عن الشريعة في "نقض كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين"، وهو ليس أمراً سهلًا أن تعارض شخصية مثل هذه الشخصية الأدبية اللغوية، الأمر ليس من السهولة في مكان. ولكنه اقتحم، ومع أنه في مصر وليس مصرياً، بمعنى الكلمة، ومع ذلك اقتحم ذلك بجرأة، ولم يخش إلا الله.
وكذلك في كتابه "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وإن كان الجانب الشرعي غير الجانب اللغوي.
المذيع: أفهم من كلامكم هذا -فضيلةَ الدكتور-: أن العلامة محمد الخضر حسين أراد أن يطبق علمَ الجرح والتعديل على الأسانيد اللغوية؟
الدكتور الطالبي: منهجهُ هو منهج المحدثين في التوثق من رواية الأخبار والمتون اللغوية، أو المتون الحديثية. ولذلك نجده في تراجمه للرجال يعتمد على منهج المحدّثين أكثر مما يعتمد على منهج المؤرخين؛ لأن المؤرخين -كما تعلم- يتساهلون فيما لا يتساهل فيه أهل الحديث؛ لأن الحديث يترتب عليه أحكام شرعية، ولذلك يشترطون شروطاً قاسية ومضبوطة حتى يقبلوا رواية من الروايات. أما المؤرخون، فلا يترتب على الأخبار التي ينقلونها، والروايات التي يوردونها أشياء خطيرة، إلا في أخبار الفتن التي وقعت بين الصحابة، والأحداث الكبرى التي تحيط بالأمة. وسلك في هذا منهجاً هو في الحقيقة منهج أبي بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم".
стр. 6929
أنكر كثيراً من الروايات التاريخية، ولم يصدق إلا ما رواه الطبري، والثقات من المحدّثين؛ لأن السيرة -مثلاً- إما أن نأخذها من كتب التاريخ، وإما أن نأخذها من كتب الحديث، فالسيرة الصحيحة إنما تعتمد على السند الحديثي، وهو أكثر وثاقة من السند التاريخي، والمحدثون هم ابتدعوا هذا الطريق، وهذا المنهج النقدي، ثم تبعهم بعد ذلك المؤرخون، حتى الأدباء يروون النصوص الأدبية بطريق السند. أظن أن هذا منهج متشدد فيه.
المذيع: نتحول إلى الدكتور محمد مواعدة: لا شك أن الشيخ محمد الخضر حسين كانت نشأته الأولى في "نفطة" من الجنوب التونسي، ومعلوم أن هذا العلامة كان موسوعياً متعدد المواهب، كان شاعراً، مفكراً، رجل دين، وكان إعلامياً.
بتصوري هل هذه المواهب كانت قد تشكلت مع إقامته الأولى في الجنوب التونسي، أو في تونس بالأحرى، وحتى درس في جامعة الزيتونة؟
الأستاذ مواعدة: أشكر إذاعة "بسكرة" على هذا اللقاء الحميم مع نخبة من المثقفين من الجزائر الشقيقة، ومع نخبة ليست فقط مهتمة بالشيخ محمد الخضر حسين، بل مهتمة بقضية الهوية والانتماء.
الملاحظة الأولى: أن قيمة الشيخ محمد الخضر حسين هو بحر، وكما قال أحد الإخوان في الندوة: هو رجال في رجل. ولكن أقول شيئاً آخر: إنه من الشخصيات العديدة بين الجزائر وتونس التي وحَّدت، تجاوزت الحدود المصطنعة الاستعمارية، وأكدّت أن هذه الشعوب هي شعب واحد، هي أمة واحدة.
ومن "طولقة" كأصول، إلى "نفطة" نشأة وتكوين، إلى تونس، إلى
стр. 6930
الأزهر؛ يعني: أنه أصبح رجل الأمة الإِسلامية انطلاقاً من إطار محدود جداً. هذا نوع من الشخصيات التي تتجاوز الإطار الجغرافي إلى الإطار الحضاري.
الذي أثر أولاً في شخصيته، أعتقد: الأساس الجذور، هو مثل النخلة، النخيل جذورها عميقة، ورؤوسها في السماء مرتفعة إلى أبعد الحدود، وهذا هو نوع الشخصية التي يرمز إليها الشيخ الخضر حسين.
لا شكَّ أن انتماءه إلى جذوره له أثره: الشيخ مصطفى بن عزوز جدّه لجهة الأم، وعلي بن عمر من جهة الأب، العائلة في جذورها في مدينة "طولقة" بسكرة عاصمة الزيبان، له أهمية كبيرة أن ينشأ الإنسان في عائلة محاطة بجو ديني شرعي، ثم باهتمام لغوي. والاهتمام اللغوي -كما قال الدكتور عمار- هو أساس الاهتمام بالنصوص الدينية.
وحوله خاله المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز في "نفطة".
قلت للإخوان ونحن أطفال صغار، ونسمع بالشيخ محمد الخضر حسين، ومن منا لا يزور زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز؟!. ونعرف أن الشيخ مصطفى ابن عزوز جاء من منطقة "طولقة"، والعائلة كلها منحدرة منها.
إن العلاقات العائلية بين "نفطة" في الجريد -مثلاً- وبين هذه المنطقة -الزيبان- علاقات لا تحصى. بل يستحيل أن لا تجد هنا وهناك عائلة من هنا وهناك.
المذيع: حتى بعض العلماء هنا -في منطقة الزاب الكبير-، كانوا قد درسوا في "نفطة"، ومنهم: العلامة الشيخ العربي التبسّي، وغيره. ومؤسس (زاوية الهامل).
стр. 6931
الأستاذ مواعدة: صحيح، كثيرون من الجزائريين تلقوا العلم في زاوية "نفطة". ثم بعد ذلك البيئة التي عاشها في "نفطة"، وتسمى: الكوفة الصغرى في ذلك الوقت نتيجة الدروس والمعاهد العلمية. عندنا مثل يقول: بين كل جامع وجامع هناك جامع، وبين كل مسجد ومسجد هناك مسجد. وهذا طبعاً له تأثيره.
ثم الانتقال إلى جامع الزيتونة في تونس في المرحلة الموالية، مع إخوته بطبيعة الحال. والعائلة انتقلت إلى تونس للتمكين، والمزيد من التعمق في جامع الزيتونة. وقد سبقه قبل ذلك خالهُ الشيخ محمد المكي بن عزوز، والعديد من أقاربه.
عاش الشيخ الخضر، واستفاد من ذلك الجو العلمي، وليس فقط العلمي، بل العلمي والأدبي؛ لأنه هو يذكر عن نفسه في تاريخه: أنه من الطفولة اهتم بالشعر، وبدأ يقول الشعر، ويقول: عندما كبرت، اهتممت بالجانب العلمي أكثر من الجانب الأدبي الذوقي الشعري، إضافة إلى الجانب الأدبي، وإضافة إلى الجانب العلمي. ووصل في جامع الزيتونة إلى درجة رفيعة -كما هو معلوم - فهو من كبار علماء جامع الزيتونة، قبل أن ينتقل -طبعاً- إلى الشرق.
ومن المعلوم: أنه أحدث أول مجلة عربية في الساحة المغربية، هي مجلة "السعادة العظمى"، التي تعتبر نموذجاً لذلك الوقت، نموذجاً للمحتوى العلمي، ولمحتواها العقائدي والفكري، والمحتوى الأدبي. كانت تنشر الشعر، وكان في ذلك الوقت نوع من الشعر العصري الذي هو شعر رصين رقيق، ومن النوع الرفيع من حيث الصياغة، ولكن في الوقت نفسه من حيث
стр. 6932
المضمون هو حداثي، يدعو للاستفادة من الجانب الحديث. وكانت من بين المجلات القليلة التي نشرت هذا النوع من الشعر الذي يسمى بالشعر العصري.
إذن. بيئته وأصوله وجذوره، ينتمي إلى عائلة لها قيمة في "طولقة" منها أجداده وأخواله. ثم البيئة في "نفطة" هي نفس البيئة -تقريباً- مع البيئة في المدينة التي عاش فيها، كل ذلك له تأثير كبير جداً، وله تأثير -فيما بعد - على مستقبله العلمي ومكانته.
المذيع: نتحول إلى الدكتور نجيب بن خيرة من جامعة الأمير عبد القادر في قسنطينة:
بلا شك -دكتور نجيب - أن العالم أو الدارس الذي يستطيع أن يعلق ويشرح كتاب "الموافقات" للشاطبي، لا شك أنه وصل إلى هامة عالية من العلم، وما بلغني، وما أطلعت عليه: أن فضيلة الشيخ الخضر حسين كان قد علّق، أو لديه تعليقات على كتاب "الموافقات" في عام ١٩٢٣ م؟
الدكتور بن خيرة: الحقيقة ما أجيب به لن يكون أكثر مما يقوله الدكتور عمار الطالبي، وهو متخصص في مجال الفقه والأصول والفلسفة. ما كتبه الشيخ الخضر حسين عندما كتب عن "الموافقات" للشاطبي، هذا دليل على الزاد الشرعي الذي كان يحمله من خلال الرحلة العلمية التي تلقاها عبر جامع الزيتونة، وقبل ذلك في الكتاتيب.
كانت المعارف اللغوية، والمعارف الفقهية التي تعتبر آليات لفهم علم الأصول. . . ونعرف أن الإمام الشاطبي كان من أواخر من كتب في المقاصد الشرعية، بعد أن استكمل دراسة علم الأصول، كتب كتاب "الموافقات" الذي
стр. 6933
هو في مقاصد العلوم الشرعية. والذي يشرح هذا الكتاب يعني: ألمَّ بعلوم، الفقه، وأصول الفقه، والمنطق، ودلالة الألفاظ، وأقيسة اللغة. كل هذه درسها، وتمكن فيها، ورسخت قدمه في جوانبها، ثم بعد ذلك يتناول كتاباً مثل "الموافقات" للإمام الشاطبي.
وأظن أن هذه الكتابة، وهذا التخصص يأتي دائماً كتتويج للمعارف الشرعية التي يدرسها العالم، ويدرِّسها. وبعد جهد جهيد يؤلف في ميدان مثل ميدان المقاصد، أو يشرح كتاب "الموافقات" للشاطبي الذي نحن الآن في هذا العصر هناك "أطروحات دكتوراه" كثيرة في جامعات إسلامية في جوانب من الشاطبي. ولا يكتب عن الشاطبي إلا ضليع في الفقه والأصول. وليس في نظرية المقاصد فقط. والخضر حسين كان سباقاً في شرح "الموافقات" للشاطبي، وشرح الموافقات التي يلدّ فهمها إلا على الألبّاء من العلماء الفطاحلة والفقهاء.
الدكتور الطالبي: ما تفضل به بن خيرة. كتاب "الموافقات" طبع أول ما طبع في تونس، لجنة من العلماء صحّحوه على مخطوطات موجودة في تونس، ولكنه لما ذهب إلى مصر الشيخ محمد الخضر حسين، أراد أن ينشر هذا النص المحقق؛ لأن عبد الله دراز كان قد علق عليه، وطبعه، ولكن هذه النشرة يتولاها هو والشيخ بخيت المطيعي، وهو مفتي الديار المصرية، والذي أجاز الشيخ ابن باديس في منزله في حلوان.
أنا قرأت هذه التعليقات، وأعجبت بأسلوبه، ليس كأسلوب القدماء في التعليق، بل أسلوب حديث، وأسلوب التعبيرات السياسية، تشمّ منه رائحة النضال السياسي في أصول الفقه ومقاصده. تجد هذه التعليقات في غاية القوة،
стр. 6934
وفي غاية الحداثة. لهذا يختلف تماماً عن تعليقات اللجنة التي حققته في تونس. وكان لهذا الكتاب الذي أوحى بالاهتمام به الشيخُ محمد عبده نفسه، وقدم له بمقدمات مهمة مع تعليقات، ولكن تعليقات الشيخ لها طابعها الخاص. كما لاتجاهه طابعه الخاص، ليس هو اتجاه البخيتي، والشيخ البخيتي مفتي وفقيه، ولكن طريقة القدماء. أما صاحبنا، فهو واقعي، عينه في الواقع أكثر من عينه في النص.
الدكتور بن خيرة: اطلعت بالأمس على مجلة "نور الإِسلام"، فوجدت أن مقالات الشيخ التي يستهل بها المجلة كلها في الأخلاق، وفي تربية النشء؛ لأن الجيل يتعرض للمسخ، والهوية تتعرض للطمس، فهو ليس لديه الوقت على أن يتتبع دقائق التفسير، ودقائق الأقوال والأدلة والمذاهب.
الأستاذ الحسني: ربما حصل في هذا الوقت التيار التغريبي، لم يستطع أن يواجه الأمة بالتنكر للإسلام مباشرة، وإنما هذا التيار بمصطلح المثالية: مثالية الإِسلام، والمقصود: أن هذا الكلام الذي تقولونه جميل جداً، لكنه لا يصلح للواقع، فكان الشيخ الخضر وغير الشيخ الخضر ردّ عليهم.
المذيع: الأستاذ محمد الهادي الحسني! باعتباركم أنكم إعلامي كبير، لا شك أنكم مهتمون بالجانب الإعلامي: فضيلة الشيخ الخضر حسين -إلى جانب أنه عالم- كان قد أسس بعض المجلات. . . مجلة "السعادة العظمى"، مجلة "الشبان المسلمين"، مجلة "نور الإِسلام"، مجلة "الهداية الإِسلامية"، وغيرها، وكنت اطلعت له على مقال له في مجلة "الهداية الإِسلامية" في المجلد السابع، كان قوياً في كتابته، وكان رقيقاً، كان إعلامياً يوصل المعلومة إلى قارئها من حيث لا يدري؟
стр. 6935
الأستاذ الحسني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يظهر لي أولاً بالتعليق على "السعادة العظمى" حتى خاله محمد المكي بن عزوز قال له: هذه مستواها عالي كثيراً -عندما راسله-. لكن يظهر لي هناك أمران: يريدان أن يثبت؛ كما يقول المثل العربي: (إن في بني عمك رماحاً)، يريد أمرين: هذا تحليل، وليس نتيجة دراسة واستنتاج، يريد أن يضع المنبهرين بمجلة "المنار" أننا يمكن أن ننشئ منارنا هنا، ويمكن أن يضع الذين يعارضون اتجاهه وتياره بأن ما أعرضه عليكم فيه جدوى، وفيه فائدة من حيث المبنى، ومن حيث المعنى، يعني: من حيث الشكل، وإلا من حيث المضمون.
لكن صراحة نقول: إنني لم أطلع على كل ما كتب، لكن "السعادة العظمى" قرأتها من أولها إلى آخرها، والكثير منها استغلق عليَّ فعلاً، حتى الذين جاؤوا من بعده، وأتيحت لهم ظروف للانفتاح، لم يصلوا إلى مستوى دقة كثير من المقالات تقرؤها في الجرائد في الثلاثينات والأربعينات، لا ترقى أبداً لمستواها. ويبدو لي أن هذه اللغة مطواعة له، يكتب في الشعر، يكتب في الدين، يكتب في الأمور الاجتماعية، في الأخلاق، فمستواه لا ينزل، لا يُسِفّ، هذا يعني: أن فيه الاستعداد الفطري، وفيه اكتساب، الرجل درَس وقرأ. . . هذا درسٌ لنا ولأبنائنا الشبان: أن الثقافة لا تأتي من صحيفة، ولكن من أمهات الكتب، أن تقضي معها الأوقات. فتقدر أن تقول ما يقول ابن مالك على ابن معطي. حتى ولو الذين جاؤوا بعد الشيخ الخضر حسين نبغوا وكتبوا، ولكنه الرائد له الريادة، فهو أول من أصدر مجلة في شمال إفريقيا، ولذلك -كما قال ابن مالك- فهو مستحق التفضيلة بهذه الريادة. ولكن حتى الريادة، من طبيعة الأشياء: أن الرائد دائماً يكون عمله فيه نقص،