الأستاذ مواعدة: صحيح، كثيرون من الجزائريين تلقوا العلم في زاوية "نفطة". ثم بعد ذلك البيئة التي عاشها في "نفطة"، وتسمى: الكوفة الصغرى في ذلك الوقت نتيجة الدروس والمعاهد العلمية. عندنا مثل يقول: بين كل جامع وجامع هناك جامع، وبين كل مسجد ومسجد هناك مسجد. وهذا طبعاً له تأثيره.
ثم الانتقال إلى جامع الزيتونة في تونس في المرحلة الموالية، مع إخوته بطبيعة الحال. والعائلة انتقلت إلى تونس للتمكين، والمزيد من التعمق في جامع الزيتونة. وقد سبقه قبل ذلك خالهُ الشيخ محمد المكي بن عزوز، والعديد من أقاربه.
عاش الشيخ الخضر، واستفاد من ذلك الجو العلمي، وليس فقط العلمي، بل العلمي والأدبي؛ لأنه هو يذكر عن نفسه في تاريخه: أنه من الطفولة اهتم بالشعر، وبدأ يقول الشعر، ويقول: عندما كبرت، اهتممت بالجانب العلمي أكثر من الجانب الأدبي الذوقي الشعري، إضافة إلى الجانب الأدبي، وإضافة إلى الجانب العلمي. ووصل في جامع الزيتونة إلى درجة رفيعة -كما هو معلوم - فهو من كبار علماء جامع الزيتونة، قبل أن ينتقل -طبعاً- إلى الشرق.
ومن المعلوم: أنه أحدث أول مجلة عربية في الساحة المغربية، هي مجلة "السعادة العظمى"، التي تعتبر نموذجاً لذلك الوقت، نموذجاً للمحتوى العلمي، ولمحتواها العقائدي والفكري، والمحتوى الأدبي. كانت تنشر الشعر، وكان في ذلك الوقت نوع من الشعر العصري الذي هو شعر رصين رقيق، ومن النوع الرفيع من حيث الصياغة، ولكن في الوقت نفسه من حيث
стр. 6932
المضمون هو حداثي، يدعو للاستفادة من الجانب الحديث. وكانت من بين المجلات القليلة التي نشرت هذا النوع من الشعر الذي يسمى بالشعر العصري.
إذن. بيئته وأصوله وجذوره، ينتمي إلى عائلة لها قيمة في "طولقة" منها أجداده وأخواله. ثم البيئة في "نفطة" هي نفس البيئة -تقريباً- مع البيئة في المدينة التي عاش فيها، كل ذلك له تأثير كبير جداً، وله تأثير -فيما بعد - على مستقبله العلمي ومكانته.
المذيع: نتحول إلى الدكتور نجيب بن خيرة من جامعة الأمير عبد القادر في قسنطينة:
بلا شك -دكتور نجيب - أن العالم أو الدارس الذي يستطيع أن يعلق ويشرح كتاب "الموافقات" للشاطبي، لا شك أنه وصل إلى هامة عالية من العلم، وما بلغني، وما أطلعت عليه: أن فضيلة الشيخ الخضر حسين كان قد علّق، أو لديه تعليقات على كتاب "الموافقات" في عام ١٩٢٣ م؟
الدكتور بن خيرة: الحقيقة ما أجيب به لن يكون أكثر مما يقوله الدكتور عمار الطالبي، وهو متخصص في مجال الفقه والأصول والفلسفة. ما كتبه الشيخ الخضر حسين عندما كتب عن "الموافقات" للشاطبي، هذا دليل على الزاد الشرعي الذي كان يحمله من خلال الرحلة العلمية التي تلقاها عبر جامع الزيتونة، وقبل ذلك في الكتاتيب.
كانت المعارف اللغوية، والمعارف الفقهية التي تعتبر آليات لفهم علم الأصول. . . ونعرف أن الإمام الشاطبي كان من أواخر من كتب في المقاصد الشرعية، بعد أن استكمل دراسة علم الأصول، كتب كتاب "الموافقات" الذي
стр. 6933
هو في مقاصد العلوم الشرعية. والذي يشرح هذا الكتاب يعني: ألمَّ بعلوم، الفقه، وأصول الفقه، والمنطق، ودلالة الألفاظ، وأقيسة اللغة. كل هذه درسها، وتمكن فيها، ورسخت قدمه في جوانبها، ثم بعد ذلك يتناول كتاباً مثل "الموافقات" للإمام الشاطبي.
وأظن أن هذه الكتابة، وهذا التخصص يأتي دائماً كتتويج للمعارف الشرعية التي يدرسها العالم، ويدرِّسها. وبعد جهد جهيد يؤلف في ميدان مثل ميدان المقاصد، أو يشرح كتاب "الموافقات" للشاطبي الذي نحن الآن في هذا العصر هناك "أطروحات دكتوراه" كثيرة في جامعات إسلامية في جوانب من الشاطبي. ولا يكتب عن الشاطبي إلا ضليع في الفقه والأصول. وليس في نظرية المقاصد فقط. والخضر حسين كان سباقاً في شرح "الموافقات" للشاطبي، وشرح الموافقات التي يلدّ فهمها إلا على الألبّاء من العلماء الفطاحلة والفقهاء.
الدكتور الطالبي: ما تفضل به بن خيرة. كتاب "الموافقات" طبع أول ما طبع في تونس، لجنة من العلماء صحّحوه على مخطوطات موجودة في تونس، ولكنه لما ذهب إلى مصر الشيخ محمد الخضر حسين، أراد أن ينشر هذا النص المحقق؛ لأن عبد الله دراز كان قد علق عليه، وطبعه، ولكن هذه النشرة يتولاها هو والشيخ بخيت المطيعي، وهو مفتي الديار المصرية، والذي أجاز الشيخ ابن باديس في منزله في حلوان.
أنا قرأت هذه التعليقات، وأعجبت بأسلوبه، ليس كأسلوب القدماء في التعليق، بل أسلوب حديث، وأسلوب التعبيرات السياسية، تشمّ منه رائحة النضال السياسي في أصول الفقه ومقاصده. تجد هذه التعليقات في غاية القوة،
стр. 6934
وفي غاية الحداثة. لهذا يختلف تماماً عن تعليقات اللجنة التي حققته في تونس. وكان لهذا الكتاب الذي أوحى بالاهتمام به الشيخُ محمد عبده نفسه، وقدم له بمقدمات مهمة مع تعليقات، ولكن تعليقات الشيخ لها طابعها الخاص. كما لاتجاهه طابعه الخاص، ليس هو اتجاه البخيتي، والشيخ البخيتي مفتي وفقيه، ولكن طريقة القدماء. أما صاحبنا، فهو واقعي، عينه في الواقع أكثر من عينه في النص.
الدكتور بن خيرة: اطلعت بالأمس على مجلة "نور الإِسلام"، فوجدت أن مقالات الشيخ التي يستهل بها المجلة كلها في الأخلاق، وفي تربية النشء؛ لأن الجيل يتعرض للمسخ، والهوية تتعرض للطمس، فهو ليس لديه الوقت على أن يتتبع دقائق التفسير، ودقائق الأقوال والأدلة والمذاهب.
الأستاذ الحسني: ربما حصل في هذا الوقت التيار التغريبي، لم يستطع أن يواجه الأمة بالتنكر للإسلام مباشرة، وإنما هذا التيار بمصطلح المثالية: مثالية الإِسلام، والمقصود: أن هذا الكلام الذي تقولونه جميل جداً، لكنه لا يصلح للواقع، فكان الشيخ الخضر وغير الشيخ الخضر ردّ عليهم.
المذيع: الأستاذ محمد الهادي الحسني! باعتباركم أنكم إعلامي كبير، لا شك أنكم مهتمون بالجانب الإعلامي: فضيلة الشيخ الخضر حسين -إلى جانب أنه عالم- كان قد أسس بعض المجلات. . . مجلة "السعادة العظمى"، مجلة "الشبان المسلمين"، مجلة "نور الإِسلام"، مجلة "الهداية الإِسلامية"، وغيرها، وكنت اطلعت له على مقال له في مجلة "الهداية الإِسلامية" في المجلد السابع، كان قوياً في كتابته، وكان رقيقاً، كان إعلامياً يوصل المعلومة إلى قارئها من حيث لا يدري؟
стр. 6935
الأستاذ الحسني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يظهر لي أولاً بالتعليق على "السعادة العظمى" حتى خاله محمد المكي بن عزوز قال له: هذه مستواها عالي كثيراً -عندما راسله-. لكن يظهر لي هناك أمران: يريدان أن يثبت؛ كما يقول المثل العربي: (إن في بني عمك رماحاً)، يريد أمرين: هذا تحليل، وليس نتيجة دراسة واستنتاج، يريد أن يضع المنبهرين بمجلة "المنار" أننا يمكن أن ننشئ منارنا هنا، ويمكن أن يضع الذين يعارضون اتجاهه وتياره بأن ما أعرضه عليكم فيه جدوى، وفيه فائدة من حيث المبنى، ومن حيث المعنى، يعني: من حيث الشكل، وإلا من حيث المضمون.
لكن صراحة نقول: إنني لم أطلع على كل ما كتب، لكن "السعادة العظمى" قرأتها من أولها إلى آخرها، والكثير منها استغلق عليَّ فعلاً، حتى الذين جاؤوا من بعده، وأتيحت لهم ظروف للانفتاح، لم يصلوا إلى مستوى دقة كثير من المقالات تقرؤها في الجرائد في الثلاثينات والأربعينات، لا ترقى أبداً لمستواها. ويبدو لي أن هذه اللغة مطواعة له، يكتب في الشعر، يكتب في الدين، يكتب في الأمور الاجتماعية، في الأخلاق، فمستواه لا ينزل، لا يُسِفّ، هذا يعني: أن فيه الاستعداد الفطري، وفيه اكتساب، الرجل درَس وقرأ. . . هذا درسٌ لنا ولأبنائنا الشبان: أن الثقافة لا تأتي من صحيفة، ولكن من أمهات الكتب، أن تقضي معها الأوقات. فتقدر أن تقول ما يقول ابن مالك على ابن معطي. حتى ولو الذين جاؤوا بعد الشيخ الخضر حسين نبغوا وكتبوا، ولكنه الرائد له الريادة، فهو أول من أصدر مجلة في شمال إفريقيا، ولذلك -كما قال ابن مالك- فهو مستحق التفضيلة بهذه الريادة. ولكن حتى الريادة، من طبيعة الأشياء: أن الرائد دائماً يكون عمله فيه نقص،
стр. 6936
ولكنه كان في مستوى رفيع جداً وعالي.
وننبه على فكرة: الشيخ الخضر لم يدرس على الشيخ الطاهر بن عاشور، بل درسا معاً، وهما زميلان، وإنما الشيخ ابن باديس تتلمذ على الاثنين.
الدكتور الطالبي: الأسلوب الجديد عنده في الصحافة والكتابة نتحرى فيه أمرين: الأمر الأول: المحسنات اللفظية، والأسلوب اللفظي. والأمر الثاني: المضامين. مضامين جديدة تتناول الحياة السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والأخلاقية، والدفاع عن اللغة العربية. هذا شيء مهم، وحرر الصحافة بشمال إفريقيا بهذا الأسلوب، وابن باديس حررها هنا. وأتى بأسلوب جديد يخالف أسلوب القدماء. .
المذيم: الدكتور عويمر! كأني بالرجل يتقن الفنون الثلاثة: علم البيان، علم المعاني، وعلم البديع.
الدكتور عويمر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قضية الصحافة في المشروع الإصلاحي للشيخ محمد الخضر. هو لم يدخل الصحافة كصحافي، هو عالم ومصلح، واستغل هذه الآلة الجديدة التي ابتكرت في الغرب وسيلة يستطيع من خلالها أن يوصل أفكاره إلى شعوب، وإلى أقوام، وإلى المسلمين، لا يستطيع أن يحققها من خلال الكتب، أو من خلال المسجد. هذا الخطاب الذي يحمله يمكن أن يمر عن قناة ووسيلة أنجح.
وعندما يكتب الشيخ الخضر المقالة، يكتب وهو يحافظ على هويته، هويته المثلى، هوية العالم، هوية المفكر، ولا يتقمص شخصية الصحافي. بدليل: أن هذه الصحافة في الحقيقة هي صحافة علمية. هو لم يؤسس جريدة، هو أسس مجلة، المجلة هي علم، هي كتاب. المجلة طابعها أنها تحمل
стр. 6937
مقالات ليست مقالات صحفية، ولكن مقالات علمية بشكل مبسط.
الأستاذ مواعدة: المجلة -أحياناً- كان يكتبها وحده كاملة. العدد الأول يحدد وجهة المجلة وسياستها. فنجده كتب العدد الأول كاملاً فيه مجموعة من الاستطلاعات، هو رجل كان يريد إصلاح المجتمع من خلال نظرته للشريعة. فاستعمل كل الوسائل: المجلة، والجرائد، والمحاضرات، والكتب، واللقاءات. في كل المجالس يتحدث عن الإِسلام، والشريعة، وإصلاح المجتمع. حتى اللقاءات الخاصة في البيوت، وإلي آخره.
المذيع: أتحول إليك الدكتور عويمر مرة أخرى. ما لاحظته من خلال أعمال الخضر حسين أنها تنقسم إلى شقين: هناك الجانب الإصلاحي الذي تناول الشريعة، وهناك الجانب اللغوي. وربما حذا في دربه هذا حذو محمد عبده، أليس كذلك؟
الدكتور عويمر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. في الحقيقة أن الشيخ محمد الخضر حسين ابنُ زمانه، لا يمكن أن نفصل أي عالم من زمانه، فليس هناك فاصل بين الاهتمام باللغة، وبين الاهتمام بالإصلاح، فاللغة هي وسيلة.
وكما تفضل الدكتور عمار الطالبي أن هذه اللغة كانت مهددة، لا ننسى أنه في فترة العشرينات والثلاثينات قامت صيحات داخل العالم العربي تنادي إلى القضاء على اللغة العربية، وتعميم ونشر العامية، وفيه جدال وسجال كبير في داخل الأزهر، وفي الساحة الثقافية العربية، وخاصة بعد أن حاول كمال أتاتورك أن يقضي عليها، ويضع اللغة اللاتينية بدل اللغة العثمانية المكتوبة بالحروف العربية.
إذن. فإن مسألة اللغة كانت مطروحة بقوة في العالم العربي، وهي
стр. 6938
موضوع اشتغل به المصلحون، اللغة والهوية والتربية والتاريخ والقرآن والتفسير، كل هذه المواضيع دخل منها العلماء والمصلحون في بداية النصف الأول من القرن العشرين للاشتغال بالإصلاح، ومحاولة تغيير هذا المجتمع الإِسلامي.
فليس هناك فاصل بالاهتمام باللغة العربية؛ بحيث يهتم باللغة العربية فترة معينة، ثم يشتغل بقضايا اجتماعية وسياسية، ثم يعود إلى اللغة العربية، فلا أرى فاصلًا، وإنما فيه تكامل. هذه النظرة هي نظرة شمولية تكاملية إلى القضايا الأساسية المطروحة على الساحة الفكرية. . . وهذه هي رسالة المفكر، كلما طرحت قضية شائكة ومهمة في المجتمع، لا بدَّ أن يتصدى لها، ويناقشها، ويقدّم تصوره حول هذه المشكلة، خاصة إذا تزاحمت الأفكار، وغلبت الأفكار الخاطئة الأفكار الصحيحة، وكان هذا هو دور الشيخ محمد عبده، ودور الشيخ ابن باديس، ودور الشيخ محمد الخضر حسين.
المذيع: نتحول إلى فضيلة الشيخ الدكتور عمار الطالبي. يبدو من أن الذي يدرس فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، من الوهلة الأولى، يبدو أنه كان حضارياً، أي: بكلمة أخرى: حدثياً؛ أي: بمعنى أنه كان مسايراً إلى ما يحدث في الغرب، وهكذا العلامة محمد الخضر حسين، أليس كذلك؟
الدكتور الطالبي: أعتقد بأن محمد الخضر حسين متأثر بابن خلدون، كما كان ابن باديس أيضاً، ويدرِّسه لطلبته. وابن خلدون رجل واقعي، ويهتم بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس رجلاً يحلق في المستوى الخيالي. وهذه الواقعية التي أكسبته هذا المنهج التجريدي التاريخي النقدي.
نجد أن هناك قدراً مشتركاً -كما أشار الإخوان-: محمد عبده لم
стр. 6939
يهتم بإصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية، اهتم بإصلاح اللغة، فرجع، وأصدر قرارات في التعليم بالأزهر، وأدخل "نهج البلاغة" و"شرحه"، كما أدخل العديد من الكتب -أيضاً- من عبد القادر الجرجاني، ومنها: "مقدمة ابن خلدون"، عرضها على الأزهريين، وبعضهم امتنع من تدريسها. والشيخ له هذا الجانب -أيضاً- اهتم باللغة، وبالقياس اللغوي، وبمصادر اللغة. وهو أول من أراد أن يجعل الحديث حجة في اللغة العربية، الحجة في الشعر الجاهلي، وصدر الإسلام، والجماعة الذين رووا عن العرب في البادية، وعن المناطق البعيدة عن التأثر بالرومان والفرس.
وابن خلدون أتى بمنهج جديد في التاريخ، نقد الأخبار، ولم يقبل كثيراً من الروايات التاريخية التي تعتمد على الخرافة، وعلى ما لا حجة فيه ولا سند. وهو يريد أن يعيد المؤرخين إلى الناحية الواقعية، وإلى الأسباب، كما أنه أكد في دراسة الظواهر الاجتماعية، منهج واقعي يقوم على المشاهدة، وليس على التخيل. وفيه شبه بين ابن خلدون والشيخ الخضر: ابن خلدون كان يرحل ويكتب، وهذا الرجل كان يرحل، رحّالة ينتقل في بلاد الله، وكلاهما استقر به المقام في مصر، وانتهى أمره في البلاد المصرية، ودفن هناك.
فهذا المنهج الواقعي الاجتماعي والتربوي لابن خلدون؛ لأن ابن خلدون تحدث عن التربية، وتأثيرها في تكوين الذهنيات العلمية، وأما صاحبنا الشيخ محمد الخضر حسين، فهو متصل بالتربية العلمية في النوادي، ويخاطب الشباب، ويعطيهم التوجيهات، إن في الواقع، وإن في التاريخ، وإن في السلوك الأخلاقي والسلوك اللغوي.
стр. 6940
فكان الرجل لا يتكلم عن التربية، وإنما يطبقها. نجد -مثلاً-: أن محمد عبده تكلم عن التربية، وتغيير المناهج في تونس، وحاول أن يطبق دراسته ومنهجه في الأزهر، إلا أنه فشل إلى حد ما. والشيخ الطاهر بن عاشور كتب "أليس الصبح بقريب" في التربية، نهج منهج محمد عبده، ولكن تفسيره يختلف عن تفسير محمد عبده. ابن عاشور رجل مهندس اللغة، ويأتي بأشياء مبتكرة لا تجدها في القواميس، رجل بحاثة، ويغوص في هذا.
والشيخ محمد الخضر حسين يناقش القدماء، ويناقش المحدثين في مناهجهم اللغوية، وآرائهم اللغوية، كما ناقش طه حسين، وله صولة وجولة في مصر، لا يسمع لمن ينتقده. ولم يخشى الشيخ الخضر القوى التي كانت وراء طه حسين. ولكن دافع بجوأة عن اللغة، وعن الشعر الجاهلي، واعتبره مصدراً من مصادر اللغة العربية يحتج به.
وتجوُّله في أوريا أعطى له بعداً حضارياً، ورأى أشياء لم يعهدها شيوخ الأزهر. ولعل تكلمه اللغة الألمانية ساعده على معرفة ما يكتبه الغربيون. ولذلك نحمد لشيخنا دفاعَه المستميت عن اللغة وصحة متونها وصحة أساليبها، والدفاع ضد كل من يحاول أن (يخربش) فيها.
المذيع: نتحول للدكتور مواعدة. فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين كان قد درس في جامع الزيتونة في عام ١٨٨٩ م، وفي ذلك الوقت كان جامع الزيتونة منارة تضاهي جامع الأزهر الشريف؛ أي: بمعنى أن الخضر حسين لما انتقل إلى مصر، كان قد شبع علماً، أليس كذلك؟
الأستاذ مواعدة: ملاحظة أحببت الرجوع إليها. هل كان يعرف ما يدور في الغرب؟ أعتقد أن الشيخ الخضر حسين ومن معه كانوا يواجهون تيارين
стр. 6941
متناقضين، والاثنان سلبيان، أحدهما: الغرب الذي كان يشكك في الحضارة العربية الإسلامية واللغة، وله أنصاره، والتيار الآخر: التقليد والانغلاق. هناك تياران متناقضان، وليسا في صالح الأمة العربية الإسلامية؛ لأنه إذا انتصر أحدهما على الآخر -لا سمح الله- لا يمكن لهذه الأمة أن تواصل وتحافظ على هويتها. طبعاً جامع الزيتونة جامع معروف، ولكن الإطار الزيتوني وقتها كان إطاراً تقليدياً، ولذلك نجد الشيخ الخضر حسين اعتبرها قضية جوهرية، ومع علاقته بالطاهر بن عاشور، هما كانا معاً يقودان هذا التيار، وهو تيار للمطالبة بإصلاح التعليم الزيتوني، كان هذًا الهاجس هو تطوير التعليم، درس في جامع الزيتونة، ولكنه وجد أن هذا الإطار إذا بقي على هذه الصورة، لا يمكن أن يساهم في التطوير والمحافظة على الهوية، خاصة إزاء هذه الهجومات من جانب الاستعمار الغربي، وما حوله من مثقفين وأنصار، ومن جانب أن الإطار التقليدي ليس قادراً على هذه المواجهة. هنا يأتي دوره في إصلاح النظام التعليمي.
أعطيك مثالاً: وهو ما زال في طور الدراسة، وجه الشيخ الخضر رسالة، قال: لماذا الإنشاء غير موجود في التعليم؟ وأهمية القلم عنده في توجيه الإصلاح أساسية؛ لأن الذي ساعده في الإصلاح هو الإنشاء والتحرير والكتابة الجيدة.
المذيع: نتحول إلى الدكتور نجيب بن خيرة من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة. ربما حتى لا أقول بأن الرجل كان متصلباً، بل كان متشبثاً بأسلوب فكره، وبهويته، وبدفاعه عن القضية الإسلامية. لذلك زُجَّ به في السجن، أليس كذلك؟
стр. 6942
الدكتور بن خيرة: زُجَّ بالعلماء في السجون في أواخر الحكم العثماني في بلاد العالم الإسلامي، وخاصة في مصر والشام، وليس الشيخ محمد الخضر حسين لوحده. كثير من العلماء بقسنطينة عارضوا نماذج رديئة للحكام العثمانيين الأواخر، الذين كانت سياستهم السبب في سقوط الخلافة العثمانية الإسلامية. وهذا السجن ضريبة يدفعها كل عالم حر، وكل أبيٍّ شهم، عندما يعرض آراءه بقوة، ويريد أن يواجه تيارات التغريب، بل الامتيازات التي كانت تعطى للدول الأجنبية في العالم الإسلامي، هذه الامتيازات التي وقف ضدها العلماء الأحرار؛ لأن هذه الامتيازات الأجنبية هي التي كانت في العالم الإسلامي مطايا ذُلُلاً ركبها الاستعمار، ودخل بها، ووجد الأبواب مشرعة أمامه للدخول إلى بلاد العالم الإسلامي.
لذلك؛ الشيخ محمد الخضر حسين، سواء في بلاد الشام، أو غيرها، ظل صليب الرأي، شامخاً في مواقفه؛ مما جعله يدفع ثمن ذلك بدخوله إلى السجن في بلاد الشام، وهي فترة ليست طويلة جداً، وإنما هي فترة قليلة، بعدها غادر إلى مصر، واستقر به المقام هناك. كانت مصر أكثر حرية من بلاد الشام من ناحية التيارات الفكرية والوطنية والثقافية، والرأي والرأي الآخر.
الدكتور الطالبي: اتهم في الشام بالمؤامرة ضد السلطة التركية، مع أنه -في واقعه- يريد أن يجمع بين العرب والأتراك، ويتشبث بالخلافة العثمانية، ويدافع عن الجامعة الإسلامية، ولكن هذا خلط للأوراق، واتهم باطلاً.
المذيع: نتحول إليكم الأستاذ محمد الهادي الحسني: بما أنكم إعلامي،
стр. 6943
الشيخ محمد الخضر حسين ربما إتقانهُ لثلاث لغات -كما بلغتي أمس: أنه يتضمن اللغة الألمانية، والتركية، والفرنسية- هذا ما مكنه على التفتح على الحضارة الغربية، والإعلام الغربي، وما جعل هذا الرجل يكون متمكناً إعلامياً؟
الأستاذ الحسني: هو هكذا -كما أشار الإخوة - هو لم يهيئ نفسه ليكون إعلامياً؛ كما أنه لم يقرأ عن الإعلام ... القضية في رأيي ليست قراءة فن من الفنون، فالإنسان إخلاصُه، وإيمانه بالقضية التي يدافع عنها، وإخلاصه لها. ولذلك لو غير الشيخ الخضر حسين، ربما يستنكف أن يعترف بأنه ينهج نهجاً خاطئاً. أما الشيخ - الخضر، انتقد نفسه عندما حضر درس الشيخ عبد القادر المجاوي في "جوهرة التوحيد" ماذا يقول؟ يقول: نستحسن من دروس هذا الشيخ: اقتصاره في كل فن على تقرير مسائله التي يشملها موضوعه، وعدم خلط بعضها ببعض، وقد كنت -عافاكم الله- ممن ابتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ على أدنى مناسبة، حتى أفضى الأمر إلى أن لا أتجاوز في الدرس شطر بيت من "ألفية ابن مالك" -مثلاً-، ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة عن الإنتاج، وأقلع عنها.
فالرجل كان بين أمرين: الشيء الذي يهمه، وأعز شيء عنده هو الإسلام، ولغة هذا الإسلام، ويرى أن هذا الشيء العزيز الثمين النفيس يتعاوره خصمان: خصم من الداخل، والآخر من الخارج، وكلا الخصمين -حتى الخصم الداخلي- مدعوم من الخارج الذي هو ذو بأس شديد. عندما يجد (مارسينيون) إلى جانبه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ويكيد للغة العربية.
стр. 6944
لكن الجوهر الذي نستفيده من الشيخ محمد الخضر حسين وأمثاله، هؤلاء الذين بفضلهم - والحمد لله - الأمة أولاً. زرع رغم ما أحاطه من مصاعب وقوى، وربما لو رأى أحد هذه القوى تناوشه من كل جانب، ربما ييأس ويستسلم. أما هذا الرجل الشيخ الخضر، يواجه علي عبد الرازق، وما أدراك بعائلة ثرية مدعومة؟! ويواجه طه حسين، وهو لا عصبة له. فالشيخ ثقته بنفسه، ثقته بمصير الأمة قوية، وبعض الناس وقفوا مع الشيخ؛ لأنهم يعرفون أنه يحاول ويدافع عن مشروع مشترك للأمة كلها.
ولكن النقطة التي نحب أن أشير إليها: هي السجن. في هذه الفترة ظهرت نبتة، جرثومة، ميكروب، هي: القومية الطورانية. ولهذا جنح كل الجزائريين الموجودين في المشرق، والذين قرأت عنهم وعرفتهم، نبذوا ضد هذه الفكرة دون أن يمسوا الدولة العثمانية، حاربوا جماعة الطورانيين القومية التركية، لكنهم -في الوقت نفسه- حافظوا، ودعوا إلى الجامعة الإسلامية، ويتردد أسماء الشيخ محمد الخضر حسين، وصالح الشريف، وغيرهم، حتى الأمير خالد في المؤتمر العربي في عام ١٩١٣ م لم يحضر مع الذين حضروا في فرنسا، وبعث برسالة قال: أرجو أن لا يكون هذا المؤتمر ضد الدولة العثمانية، ننتقد تجاوزات المسؤولين الحكام والولاة في الأقاليم، أما أن نضرب الدولة العثمانية، فهذا سيقلب الأمر علينا.
المذيع: نتحول إلى الدكتور عويمر. ما يلحظه القارئ -في تاريخ تلك الحقبة التي كان قد عاش فيها فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين-: أنه كان مستنداً للحركات التحررية في المغرب العربي بصورة أخص، فكان قد ساعد الجهاد في ليبيا، واتصل بالزعيم المغربي عبد الكريم الخطابي،
стр. 6945
وربما تلقى عبد الكريم الخطابي توجيهات، أو ربما نصائح من قِبَل الشيخ الخضر حسين، وحتى إن الشيخ الخضر كتب كتاباً عن تاريخ الاحتلال في تونس، يبدو لي أن الرجل كان سياسياً -أيضاً-؟
الدكتور عويمر: نعم، بالنسبة للشيخ محمد الخضر حسين، أنا لا أقول: سياسي، وإنما أقول: المصلح السياسي، أو المفكر السياسي. وهو لم يؤسس حزباً، ولم يدخل الانتخابات، وإنما كان يطرح أفكاراً سياسية، ويدافع عن إصلاح السياسة. وكان أستاذ السياسة الشرعية في جامعة الأزهر عدة سنوات.
واهتمامه بقضايا المغرب العربي، سواء بالاحتلال البريطاني لليبيا، أو بحرب الريف في المغرب، أو مؤتمر أفخارست في تونس، أو الاحتفالات بالذكرى المئوية في الجزائر، والظهير البربري في المغرب عام ١٩٣٠ م، كل اهتماماته بهذه القضايا ليست اهتماماً بما تحمله هذه الكلمة من معنى، وإنما السياسة جزء من نشاطه، بمعنى: أنه يقدم تصوراً لهذه القضايا، ويساندها. لا يساندها فقط بخطاب، أو كلام مكتوب في الجرائد أو الكتب، وإنما أيضاً بتأسيس جمعيات. فهو عندما أسس جمعية "الهداية الإسلامية" في القاهرة في جانفي ١٩٢٢ م، وأسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، هذه المؤسسات جعلها منابر لكل الزعماء السياسيين المغاربة، وغيرهم الذين كانوا في مصر، ومن بينهم: الحبيب بورقيبة، الذي عندما دخل مصر اعتُقل للتأكد من جنسيته، فتدخل الشيخ محمد الخضر حسين، وكان عنده وزن لدى السلطة المصرية، فأفرج عنه، وكان يبيت في دار الشيخ حتى هيا له مكاناً للإقامة.
و-أيضاً- الشيخ محمد الخضر حسين هو الذي استقبل الزعيم عبد الكريم
стр. 6946
الخطابي عندما جاء ماراً بمصر وأرادت فرنسا أن ترجعه من منفاه إلى المغرب، فكثير من الزعماء زاروه في الباخرة، وتعاونوا على تهريبه من الباخرة الفرنسية حتى لا يذهب، ويقع تحت الإقامة الجبرية في المغرب، ومن بينهم كان الشيخ الخضر في استقباله. وكان الزعيم الخطابي عضواً في (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، ويوجد بيانات ونشريات كلها تحمل إمضاءات الأمير عبد الكريم الخطابي، والحبيب بورقيبة، ومحيي الدين القليبي، والشاذلي المكي، والبشير الإبراهيمي، والفضيل الورتلاني.
فهو دائماً يعتبر النضال من أجل التحرر قضية من القضايا الأساسية في مشروعه الإصلاحي، الإصلاح ليس فقط إصلاح الأفكار، وإصلاح الأنظمة، وإنما كان عنصر التحرر في مشروعه الإصلاحي.
وكان يستعمل منابر أخرى؛ مثل: جمعية (الشبان المسلمين) التي كان العضو المؤسس لها في مارس ١٩٢٧ م. وأنا قرأت للدكتور أبي القاسم سعد الله: أنه في جمعية الشبان المسلمين كنا نتدرب على العمل العسكري.
فكان الشيخ الخضر، هذا الرجل كان حقيقة فعالاً في المجتمع، كان يحمل هموم هذه الأمة عبر عمره الطويل، هذا الرجل الموسوعة علمياً، وهذا الرجل الشامل نضالياً.
المذيع: أعلن انتهاء الندوة.
стр. 6947
على هامش الملتقى
أعلام من الزيبان (١) الحسين بن علي بن عمر (والد الإمام محمد الخضر حسين)
الأستاذ صيد: مستمعيَّ الكرام! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
مرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي (أعلام من الزيبان)، هؤلاء الأعلام الذين شرّفوا المنطقة بعملهم وعلمهم، منهم من مكث في الزيبان حتى توفي، ودفن فيها، ومنهم من هاجر إلى دول عربية أخرى، وذلك نظراً لأسباب سياسية واجتماعية.
من هؤلاء الأعلام: رجل عالم، وولي صالح من بلدة "طولقة"، ولد ونشأ وترعرع في هذه البلدة، ثم شاء له القدر الإلهي الهجرة إلى تونس الشقيقة، التي عاش فيها إلى آخر حياته.
هذا العالم -مستمعيَّ الأفاضل- هو الشيخ العالم الصالح الحسين بن علي بن عمر الطولقي النفطي والتونسي، ولأجل التعرّف عليه، والوقوف على أهم المحطات التاريخية في حياته، استضفتُ حفيدَه الأستاذ الفاضل علي الرضا الحسيني، وهو أديب وشاعر ومؤلف معروف، أصله من "طولقة"،
стр. 6948
وولد سنة ١٩٣٢ م في دمشق عاصمة سورية، وما يزال مقيماً بها.
للأستاذ الحسيني العديد من التآليف التاريخية، والروايات الأدبية، والدواوين الشعرية، أذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر-: "محمد المكي ابن عزوز حياته وشعره" - وديوان شعر بعنوان "تونسيات"، كما أن له كتاباً عن الشيخ محمد بن عزوز البرجي، وآخر عن زاوية الشيخ علي بن عمر في "طولقة".
الأستاذ الفاضل علي الرضا الحسيني! مرحباً بك في "بسكرة"، وإذاعة بسكرة.
الأستاذ الحسيني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
الحديث عن هذا الناسك المربي حديث يطول، ولكن سنختصر ما أمكننا الحديث عنه.
هو العالم الزاهد المرَبِّي السالك، شيخ شيوخ الطريقة الخلوتية، والرجل الفاضل الكامل، ولد عام ١٢٤٦ للهجرة في مدينة "طولقة" ما يعادل سنة ١٨٣٠ ميلادية، وتوفي عام (١٣٠٩ هـ -١٨٩٣ م) في مدينة تونس.
هذا التقي النقي الصالح كان هَمُّه في الحياة أن يدعو الناس إلى الموعظة الحسنة، واشتهر بسعيه لتأليف القلوب بالحسنى، والدعوة إلى الخير، ومساعدة الفقراء، إلى جانب هدفه السامي في نشر الطريقة الخلوتية في القطرين الجزائري والتونسي.
صحيح أنه انتقل إلى "نفطة"، وأقام بتونس، لكن له إقامات ورحلات متعددة إلى الجزائر، ويعرف كل الولايات الجزائرية، ومن الممكن أن نقول:
стр. 6949
إن إقامته في الجزائر هي أكثر من إقامته في تونس.
الأستاذ صيد: أي بعد هجرته من الجزائر لم ينقطع عنها؟
الأستاذ الحسيني: يقضي في الجزائر الأشهر الطوال، وهو يدعو إلى الطريقة، ويصلح بين الناس، ويبث العلم والفضيلة. ولد -كما قلنا- في مدينة "طولقة" بالجنوب الجزائري في بلاد الزاب، والدُه الولي الصالح الصادق الشيخ علي بن عمر صاحب الزاوية المشهورة، وفي رحاب تلك الزاوية - التي يتردد فيها ذكر الله ليلاً ونهاراً -كانت ولادته، وفيها تعلم القرآن الكريم، وأخذ عن كبار الشيوخ والعلماء، وخاصة علامة عصره الشيخ محمد المدني بن عزوز، أخذ عنه علوم التوحيد، والفقه، واللغة، والأدب. وفي ذاك البيت الطاهر نشأته، وتدرّجه ومعيشته التي يحيط بها الإيمان من كل جانب.
انتقل إلى مدينة "نفطة" عام ١٢٥٩ هـ برفقة شيخه مصطفى بن عزوز، واعتنى الشيخ عناية فائقة به، وأسكنه إلى جواره، واعتمد عليه في بناء الزاوية وعمرانها، وأدى فريضة الحج معه، واتخذه صاحباً ومعاوناً ورفيقاً في السفر والإقامة، ومبعوثاً له إلى كافة المريدين والمحبين في أنحاء البلاد، يظهر ذلك ملياً من رسائل الشيخ مصطفى بن عزوز إلى الشيخ الحسين، كان يراسله في أية ولاية جزائرية.
أعطيك فكرة عن هذا الرسائل: من الرسائل المخطوطة للشيخ مصطفى أبن عزوز - التي بعث بها إلى أهل "سوف" في الجزائر - يتحدث فيها عن أخلاق الشيخ الحسين، ومدى محبته واحترامه له: "الحمد لله. وصلى الله على سيدنا محمد كثيراً كثيراً. من محبكم في الله خديم الخلق مصطفى بن
стр. 6950
عزوز مقدّم علي بن عمر إلى كافة أهل المحبة الصافية في وطن "سوف". عمَّركم الله آمين، وأحسن عافيتكم دنيا وآخرى، وبعد:
بلغنا أن السيد وابنَ سيدنا ذا الرأي الرشيد، والرأي المستقيم، الأجلّ الذّاكر سيدي الحسين بن مولانا الزاهد الصادق بربه، مولانا علي بن عمر بلغكم، وفرح به وطن "سوف" كله، جازاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، وأنكم لم تقصّروا جميعاً، وحُقّ لكم ذلك؛ لأنه ولد المصطفى ﷺ أولاً، وثانياً ولد القطب الأكبر، والغوثِ الأشهر مولانا علي بن عمر ﵀".
هذه أمثولة من الرسائل التي كان يرسلها إلى الشيخ الحسين في أنحاء القطرين.
الأستاذ صيد: طيب، أستاذنا الحسيني! زاوية "نفطة" التي أسسها الشيخ مصطفى بن عزوز، نريد أن نعرف بعض النشاطات التي كانت تقوم بها، على اعتبار أن مؤسسها جزائري.
الأستاذ الحسيني: صحيح. هذه الناحية كانت تحتاج من سنوات إلى التحقيق والتوسع في معرفتها. استطعت من خلال البحث في الوثائق القومية الموجودة في المركز القومي بتونس أن أصل إلى أشياء عجيبة عن هذه الزاوية.
قد يكون من الظاهر: أن غاية هذه الزاوية: الدعوة إلى الدين، وإلى الطريقة، ولكن تبين لي أنها ليست فقط للتعليم، إنما اتخذ التعليم الديني غطاء لما كانت تهدف إليه هذه الزاوية من الأعمال الجهادية للجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، فكانت محطة. تعرف أن المُدافع والمجاهد يحتاج إلى خط خلفي يستريح فيه، ويتهيأ فيه، وأسس هذه الزاوية لهذه الغاية.
стр. 6951
حتى إن القنصل الفرنسي في تونس، هناك وثائق أرسلها بخطه إلى وزير خارجية فرنسا في باريس، يقول فيها ويؤكد: أن هذه الزاوية خطر على الوجود الفرنسي في الجزائر، وهناك تقارير أكثر من واحد.
الأستاذ صيد: مما يؤكد كلامكم هذا: أن المؤرخ الكبير في الجزائر الدكتور يحيى بوعزيز ﵀ ذكر في كتابه "ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين" أن زاوية "نفطة" -زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز - كانت ملجأ للهاربين والمضطهدين والمطلوبين من الجزائريين الذين هربوا من الاستعمار الفرنسي.
وحتى نربط الكلام بموضوع حلقتنا اليوم، وهو الحسين بن علي بن عمر، فقد كان هذا الشيخ الذراع الأيمن للشيخ مصطفى بن عزوز.
نواصل الحديث عنه: هل أضاف شيئاً جديداً إلى جانب الزاوية، أم لا؟
الأستاذ الحسيني: لديَّ بعض الرسائل التي كان يرسلها له الشيخ مصطفى، وأجد بين السطور أشياء لم يكتبها الشيخ مصطفى، ويفهم عليه الشيخُ الحسين. مثلاً: يقول له في إحدى رسائله: "أرسلنا لك عشرة أحمال من الجمال". ما اشتغل الشيخ مصطفى بالتجارة، ولا الشيخ الحسين غايتُه التجارة، والحمولة غير معروفة، "أرسلت لك مع فلان عشرة أحمال إلى المنطقة الفلانية في الجزائر، أو سبعة أحمال ... وهكذا".
أفترض إما أنها سلاح، أو ربما مواد تموينية تعين الثوار المجاهدين ..
ثم لا ننسى أن كثيراً من الإخوة الجزائريين درسوا في "نفطة": الشيخ العربي التبسّي، وعاشور الخنقي، والشيخ العربي كمجاهد وعالم، ومن كبار جمعية العلماء الجزائريين المسلمين، تربّى في "نفطة".
стр. 6952
أما عن أخلاق الشيخ الحسين، فقد قال فيه الشيخ محمد المكي بن عزوز بن الشيخ مصطفى: "كان طلق المحيا، جميل الملتقى، عارفاً بمقتضيات الأحوال، ليّن الجانب، كان ذا فطنة قوية، غيوراً على أهل الله".
أحببت أن أذكر هذه الأوصاف؛ لأخذ صورة عن هذا الرجل الصالح.
"حازماً في أموره، منصفاً، صاحب بلاغة في مراسلاته، ملاطفاً في مخاطباته، مهاباً، معظّم الجانب، حريصاً على إطفاء الفتن، مثابراً على إزالة الشحناء".
كان من مهمة رجال الدعوة الصالحة الصادقة المعتدلة أنهم يصلحون بين الناس وبين الأعراش، وخاصة في القبائل التي تصل فيها الأحقاد إلى درجة قد يستخدم فيها السلاح والقوة، وكان يتدخل الشيخ الحسين في هذا الخلاف، ويجري الموضوع صلحاً.
الأستاذ صيد: وذلك نظراً لمكانته الاجتماعية.
الأستاذ الحسيني: مثلما يقولون في الشام: إنه "تنطبش برأس كام خاروف" تذبح بعض الخرفان، وتتم الوليمة، فتزول الفتنة بين العشيرتين، وهذا نوع من إصلاح ذات البين، وُيستغنى عن القضاء، وإطالة الأعمال في القضاء.
الأستاذ صيد: إذن، أستاذ الحسيني! هناك زاوية "نفطة"، وأظن أن الشيخ الحسين أنشأ زاوية أخرى، أو مسجداً تقام فيه الصلوات في "نفطة".
الأستاذ الحسيني: بعد وفاة شيخه أحبَّ أن يترك زاوية مصطفى بن عزوز لأبناء الشيخ مصطفى، وهذا كرم أخلاق منه، وحتى لا يكون هناك
стр. 6953
شيء ما، فإن لكل شيخ من شيوخ الزاوية طريقه في الدعوة، وأسلوبه الخاص به.
فانتقل إلى مكان آخر مقابل الزاوية، واتخذ له مسجداً، وفي هذا المسجد الذي مازال قائماً حتى الآن في "نفطة" ولد في دار إلى جانبه الشيخُ محمد الخضر حسين، وما زال مدخل الدار نفس الدار والمسجد، وقد زرت هذا المسجد مراراً.
الأستاذ صيد: إذن، كل هذه الأعمال التي تحدثنا عنها تنبئ: أن هذه الشخصية العلمية والدينية والاجتماعية كانت تتمتع بهذه الصفات الجليلة.
(فاصل موسيقي).
الأستاذ صيد: ما زلنا معكم -مستمعيَّ الكرام- مع شخصية هذه الحلقة، وهو الحسين بن علي بن عمر الطولقي. وبعد أن تعرفنا على جوانبه العلمية، وومضات من حياته الاجتماعية -أيضاً-، والدور الذي كان يقوم به بالإصلاح بين ذات البين.
أستاذي الكريم الحسيني! ننتقل إلى الجانب العلمي في شخصية هذا الرجل. لا شك أنه كان رجلاً عالماً ومؤلفاً، فما هي الآثار التي تركها وراءه؟
الأستاذ الحسيني: في الواقع لم يترك آثاراً كثيرة؛ لأنه كان منصرفاً إلى التوجيه والإصلاح، إنما -حسب ما وصل إلينا- له رسالة لطيفة في التصوف، سماها: "فاكهة الحلقوم في نبذة قليلة من أحوال القوم"، رسالة في التصوف، فيها نوع من الهداية.
стр. 6954
لكن الشيخ لم يكن له آثار علمية كبيرة كأولاده -مثلاً- الذين تفرغوا للكتابة. هؤلاء الرجال الصالحون -غالباً- ما يكتفون بالتوجيه في اللسان. هذه الرسالة طويلة، ولكن أحب أن أقدم بعضاً منها.
الأستاذ صيد: هذه الرسالة أين نشرتها؟
الأستاذ الحسيني: نشرتها في كتاب: "أعلام زاوية مصطفى بن عزوز"، وجعلته هو من أحد الأعلام. وأغلب أعلام زاوية مصطفى بن عزوز هم جزائريون، ومن ولادات الجزائر، إلا النادر منهم.
ما كان هناك فرق بين تونس والجزائر، أو بين "نفطة" و"بسكرة"؛ أعني: أن الواحد كان يغادر صباحاً إلى نفطة، ويتغذى، ويعود إلى واد "سوف"، ويتعشى، ويبيت في "طولقة"، أو "بسكرة"؛ لقرب المسافة، وطبيعة وحدة العشائر.
وجدت كثيراً من العائلات في "نفطة" من أصول جزائرية من "بسكرة"، يأتي أحدهم، ويتزوج من بسكرة، ويعيش في نفطة، أو العكس. هناك علاقات وثيقة بين البلدين، وكأنهما مدينة واحدة. وبودّي أن تتم التوءمة بينهما.
الأستاذ صيد: هذه الرسالة كم عدد صفحاتها؟
الأستاذ الحسيني: عدد الصفحات لا تتعدى العشرين، هذه الرسالة وجدتها ناقصة، ويقول أبو القاسم سعد الله: إنه وجدها كاملة في مخطوطات المغرب.
الأستاذ صيد: ولكن الأستاذ أبا القاسم سعد الله ينسبها إلى الأب، وهو علي بن عمر.
стр. 6955
الأستاذ الحسيني: هذا خطأ. ومن المؤكد أنها للشيخ الحسين. من المؤكد للابن، والحكم بيننا قول الشيخ نفسه: "وبعد: فيقول العبد الفقير المضطر، الحسينُ بن علي بن عمر" إذن، هي لسيدنا الحسين. ويقول: "المقصود من كتابة هذه الرسالة: التعريفُ على سبيل الاختصار لمن أراد أن يعرف أحوال السند ورجاله".
تعرف -الأستاذ عبد الحليم- أن هناك أربع عشرة زاوية حصرتها في تونس، تابعة لزاوية "نفطة". يعني: أن الشيخ مصطفى ما قَصَر عمله على نفطة فقط، إنما انتشرت حتى العاصمة.
حتى إن سيدي الحسين أسس زاوية في العاصمة تونس، وعاش فيها الشيخ، وهاجر من نفطة إلى تونس وأولاده صغار، والشيخ الخضر عمره أربع عشرة سنة.
الأستاذ صيد: لعل هذه الهجرة سببها القرب من جامع الزيتونة.
الأستاذ الحسيني: السيدة حليمة بنت الشيخ مصطفى بن عزوز كانت ترغب أن يدرس أولادها في جامع الزيتونة، وهي السيدة التي أشرفت على تربية أولادها، وتعليمهم من الصغر، وتلقينهم مبادئ علوم الدين واللغة.
هناك طرفة لطيفة من المناسب أن نقولها في هذا اللقاء: إن السيدة حليمة والدةَ الإمام الخضر كانت تُرَبِّت على كتفه وهو صغير، وتقول: إن شاء الله يا أخضر، تكبر وتروح الأزهر. وهي قالت له ذلك عندما كبر، فاستجاب الله لدعاء تلك الأم النقية الصالحة. وأصبح الشيخ الطولقي الأصل، المولد نفطة، الدراسة في تونس، ثم انتقل في أنحاء
стр. 6956
العالم من دمشق إلى إستنبول إلى برلين، وكان جهاده الكبير فيها، وهذا يحتاج إلى شرح طويل، ثم عاد إلى دمشق، وانتقل إلى القاهرة، وإذ به يصبح شيخاً للأزهر، وهذا دليل على أن الله تعالى يكرم أولياءه في حياتهم، إلى جانب ما هو مكتوب لهم من الجزاء في الآخرة.
الأستاذ صيد: يذكر الأستاذ نويهض في كتابه: أن للشيخ الحسين كتاباً آخر اسمه: "دقائق النكت".
الأستاذ الحسيني: لم أطلع على هذا الكتاب، وإن كان قد سمعت به.
الأستاذ صيد: إن للشيخ الحسين تراجم في كثير من الكتب، له ترجمة في كتاب "معجم المؤلفين"، وغيره، وهذا دليل على أنه علم من الأعلام.
الأستاذ الحسيني: الشيخ الحسين علم من أعلام التصوف في عصره، وهو معروف.
الأستاذ صيد: يعني: أنه جمع بين العلم والتصوف.
الأستاذ الحسيني: أقول: إنه في التصوف أكثر، من أجل أن نكون صادقين في جلستنا.
هو رجل صالح فاضل، تقي نقي، إنما هو في التصوف متعمق، بينما أولاده أحرزوا التقدم البعيد في العلم، والإمام محمد الخضر حسين انتقل إلى دمشق سنة ١٩١٣ م مع كافة العائلة، ووضع هدفه أن تكون القاهرة إقامته، وميدان نشاطه العلمي والسياسي، وأن خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز كان قد سبقه في الهجرة إلى إستنبول، ووصل إلى رتبة علمية عالية، كادت أن توصله إلى شيخ الإسلام في تركيا، وكان مدرساً في دار الحديث
стр. 6957
التي هي بمثابة جامعة إستنبول اليوم، كما كان مدرساً في جامع (الفاتح)، ومساجد أخرى، وكان مقرباً من السلاطين من ناحية الاستشارات الدينية هو والشيخ إسماعيل الصفايحي، والشيخ صالح الشريف.
الأستاذ صيد: نعود الآن إلى أبناء الشيخ الحسين، من هم الأبناء الذين تركهم؟
الأستاذ الحسيني: منهم: الشيخ محمد الجنيدي، رجل فاضل صالح، وهو مدفون هنا في "طولقة" في زاوية سيدي علي بن عمر، والرجوع إلى الأصل فضيلة إن لم نقل فريضة، وأعتقد أن أغلب الشيوخ الذين هاجروا كانوا يرغبون بالعودة إلى المغرب، وكثير منهم عاد إليه، لكن إذا ارتبط بأسرة خارج المغرب، ولا سيما إذا استولد أولاداً، صار من الصعوبة العودة إلى بلده الأصلي.
ثم من أبناء الشيخ: الإمام محمد الخضر حسين، الذي وصل إلى إمامة الأزهر.
والأخ الآخر هو: الشيخ محمد المكي بن الحسين، عالم اللغة الشهير، وقد أصدرتُ له ثمانية كتب في اللغة من تأليفه، كان ينشر في الصحافة التونسية والمصرية، ولاسيما في مجلة "الهداية الإسلامية".
والشيخ المكي بن الحسين أقام أربع سنوات في دمشق، ودرّس في المعهد السلطاني، وله دراسات في بعض مجلات دمشق، وكلها دراسات لغوية، ولم يكتب بغير اللغة، كانت كل أبحاثه منصرفة إلى اللغة.
لقد زرت مرة تونس، وسألت: أين آثار العم الشيخ المكي بن الحسين؟ فقيل لي: في مدرسة في سيدي البشير، وهو حي من أحياء تونس، وقد ضاقت
стр. 6958
الدار عن هذه الأوراق، فأرسلناها إلى المدرسة. وانتقلت إلى المدرسة التي رحب مديرها، ووجدت في إحدى الغرف المهملة أكواماً من الأوراق، بدأ السوس يقرضها، وكلها مخطوطة غير مطبوعة، فنقلتها جميعاً إلى مكان آمن، وأصلحت فيها، وأصدرت له من الكتب: "عادات عربية - نوادر في اللغة - نوادر في الأدب - أسماء لغوية - أمثال عربية - حكم وأخلاق عربية - كلمات للاستعمال - لغويات - المستدرك"، وكل كتاب يزيد عن مئتي صفحة.
ومن أبنائه -أيضاً-: محمد العروسي، وعلي بن عمر، وعبد العلي، وله ولدان توفيا صغيرين: العروسي، وعبد اللطيف.
الأستاذ صيد: هذا مجهود كبير تُشكر عليه، وأريد أن أنتقل بك إلى الوالد الكريم، وهو ابن الشيخ الحسين -أيضاً- الأستاذ زين العابدين ﵀.
الأستاذ الحسيني: والله! أنا أخجل أن أتحدث كثيراً عن الوالد، والواقع أنه يحرج الإنسان أن يتحدث عن والده؛ لأنه في الشام قبل شهر دُعيت من قبل هيئة تبحث عن أعلام الرجال، وطلبوا مني أن أعمل محاضرة عن الشيخ الوالد زين العابدين، فقلت لهم: أفضِّل أن تجدوا شخصاً آخر يتحدث عنه؛ لأنني قد أخجل من قول الحقيقة كلها.
الأستاذ صيد: إن الذي أعرفه عن والدكم: أنه مؤلف كبير، ولغوي ونحوي، وله مؤلفات كثيرة، له معاجم في الصرف، وفي النحو، وفي اللغة، وغيرها.
الأستاذ الحسيني: سأقول لك عناوين مؤلفاتهِ: "المعجم المدرسي - المعجم في الكلمات القرآنية - المعجم في النحو والصرف - دروس الوعظ
стр. 6959
والإرشاد - الدين والقرآن - القرآن القانون الإلهي، وغيرها".
وسأترك لك الحكم والقول في الوالد.
الأستاذ صيد: هل قيل في الشيخ الحسين رثاء من بعض الشعراء؟ حبذا لو نسمع شيئاً منه.
الأستاذ الحسيني: رثاه الكثيرون من شعراء تونس، منهم: العلامة الشيخ محمد الصادق المحرزي، والشاعر أحمد الأمين بن عزوز، والشاعر الحسين بن الشيخ، والشاعر أحمد الأديب، وغيرهم.
ولعل أهم المرثيات: مرثية للعلامة محمد المكي بن مصطفى بن عزوز، أسمعك منها بعض الأبيات:
ما ثمَّ موعظةٌ لكلِّ مُشاهِدِ ... مثل المنيَّةِ وهي أَرْصَدُ راصدِ
وهو اليقين المشبهُ الشكَّ الذي ... عنه تغافَلْنا كأزهدِ زاهدِ
كمْ من أبٍ وأخٍ ونَجْلٍ منجب ... وأخي ودادٍ من رفاقِ شدائدِ
واراهُمُ المرُّ القسيُّ وراح في ... لهوٍ عن المنبوذِ تحت جلامدِ
يغدو المغفَّلُ باتِّباعِ جنازةٍ ... ويَبيت معتنقاً لصدرِ خرائدِ
يا وَيْحَ مَنْ وافاهُ يومُ حِمامِهِ ... ولقلبه غُلُفٌ كغُلْفِ الراقدِ
والفوزُ للمتأهبينَ على رجا ... مثل الرِّضا الأسنى الحُسَيْنِ الماجدِ
حاوي الفضائلِ من زكا جرثومةً ... من آلِ بيتٍ للمكارمِ شائدِ
جَمُّ الخلالَ الفاخراتِ يَحوطُها ... زينُ التواضعِ من شَكورٍ حامدِ
كم نالَ مضطرٌّ به ما يرتجي ... كم أرشدَ المحتارَ حسنَ مواردِ
فجزاؤه عدنٌ ومن هو في الورى ... زرعَ الرشادَ يكون أنجحَ حاصدِ
стр. 6960
آهٍ على تلك اللطافةِ والوفا ... آهٍ على الحزمِ النبيهِ السائدِ
آهٍ على مرضي الأحّبة أنسهم ... آهِ على حامي الذّمار الزائدِ
أَبَنيهِ صبراً والرّضا عند القضا ... سبَبٌ لرضوانِ الإلهِ الواحدِ
الخطبُ خطبٌ هائلٌ لا مسّكم ... أَسَفٌ يَشُقُّ من ارتحالِ الوالدِ
سيروا على منهاج أصلِكُمُ الذي ... منه سرَتْ في الناس خيْرُ محامدِ
لا تُشغلوا أوقاتكم بتأسّفِ ... عمَّنّ ثوى الفردوسَ بين فرائدِ
ربَّ البريّةِ كُنْ له في رَمْسهِ ... وابعثْ له بالفضل بُشرى الواردِ
وارْحَمْه رحمةَ من تحبُّ ورَقِّهِ ... في ظِلِّ عَرْشٍ يومَ حشرٍ حاشدِ
وأَنِلْهُ في الجنَّاتِ عَيْشاً ناعماً ... بدلاً عن الفاني بأفخر آبدِ
فجزيلُ فضلِكَ لا يُحدّ نهايةً ... لا سيّما في مُرْتجيكَ الوافدِ
الأستاذ صيد: في الختام نشكر الأستاذ علي الرضا الحسيني على هذه الإضاءة التي قدمنا فيها عالماً نقياً من "طولقة" في الجزائر، وامتدت آثاره ومعارفه إلى تونس.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6961
على هامش الملتقى
بعض عناوين الصحافة الجزائرية عن الملتقى
* العلامة محمد الخضر حسين يعود إلى بسكرة (١).
* الملتقى الوطني للعلامة محمد الخضر حسين ببسكرة: الجزائري الوحيد الذي تقلد مشيخة الأزهر (٢).
* بسكرة تحتفي بأول جزائري نال مشيخة الأزهر (٣).
* العلامة محمد الخضر حسين موضوع الملتقى الوطني: "بسكرة عبر التاريخ" (٤).
* انطلاق فعاليات الملتقى الوطني السادس "بسكرة عبر التاريخ" (٥).
* بحضور عدة مشايخ أزهريين، بسكرة تذكر شيخ الأزهر الجزائري محمد الخضر حسين (٦).
стр. 6962
* بمبادرة من الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية، انطلاق فعاليات الملتقى الوطني السادس "بسكرة عبر التاريخ" (١).
* شيخ الأزهر محمد الخضر حسين يعود إلى موطنه (٢).
* بسكرة تتذكر شيخ الأزهر محمد الخضر حسين (٣).
* انطلاق ملتقى عن العلامة محمد الخضر حسين (٤).
* اختتام ملتقى شيخ الأزهر محمد الخضر حسين ببسكرة - هدد باستنفار الشعب لزلزلة الحكومة - وبورقيبة اقترح نقل جثمانه عبر طائرة خاصة (٥).
стр. 6963
على هامش الملتقى
ملتقى الإمام محمد الخضر حسين (١)
للأستاذ محمد الهادي الحسني
كتبتُ في جريدة "الشروق" اليومي في ٢٨/ ٢/ ٢٠٠٧ م مقالاً عرَّفت فيه الشباب بأحد أعلام الجزائر الذين ولدوا خارجها، وعاشوا خارجها، ودفنوا خارجها؛ بسبب اللعنة الفرنسية التي نزلت على هذا الوطن، لم يكن ذلك العَلَم إلا الإمام محمد الخضر حسين، الذي رفعه الله بالإيمان والعِلْم، وبوَّأه علمُه أرفعَ منصب ديني في العالم الإسلامي، وهو مشيخة الأزهر الشريف، من غير رغبة فيها، ولا سعي إليها.
وقد دعوت في ذلك المقال إلى عقد ملتقى عن هذا الإمام؛ بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته ﵀، ولم أكتف في الدعوة إلى الملتقى بما كتبت، بل افترصت عدة فرص، التقيت فيها بعض الإخوة المسؤولين على مؤسسات دينية وثقافية، فأعلنت لبعضهم، وأسررت لبعضهم، فأعرض بعضهم، وأعطاني بعضهم من طرف اللسان حلاوة، وألقى معاذيره، ووعدني بعضهم خيراً، وما أظنه موفياً بما وعد، ولعله قال لمن حوله بعدما غادرته:
стр. 6964
ماذا قال آنفاً؟ ومهما يكن، فإنا لوعده لمنتظرون.
وأحمد الله أن صيحتي التي أذّنت بها في "الشروق اليومي" لم تكن صيحة في واد، ولم تكن نفحة في رماد، وَعَتهْا أُذُن خيرٍ واعية، هي: أُذُن (الجمعية الخلدونية) بمدينة "بسكرة" التي لم يثنها قلّة ما بيدها من إمكانات، وما يعترضها من مثبطات من عقد ملتقى دولي عن الإمام محمد الخضر حسين في أيام ٢٥ - ٢٦ - ٢٧ من هذا الشهر، وقد دعت إليه ثلّة من العلماء ومن الأساتذة من داخل الوطن، ومن خارجه؛ لاستعراض حياة هذا الإمام الغنية، ومناقشة جوانب شخصيته الثرية، فقد علم الله خيراً في هذه الجمعية، فأدّخر لها هذه المزية، وحتى لو وفّى من وعد بما وعد، فهي حائزة بالسبق تفضيلا، مستحقة الثناء الجميلا، ومن لا يشكر الناس، لا يشكر ربَّ الناس؛ كما صحَّ عن أخيَر الناس ﷺ .
لقد استسمَنَتْني هذه الجمعية، فتكرمت بدعوتي للمشاركة في هذا الملتقى، وحَمَّلتني أثقالاً مع أثقالي، فعهدت إليَّ بتناول الكلمة، وحددت لي موضوعاً يقصر عنه باعي، ويضؤل أمامه متاعي، وهو: "الإمام محمد الخضر حسين مصلحاً".
إن احتفاءنا بهذا العالم الجليل وأمثاله، قديماً وحديثاً، والتذكير بجليل أعمالهم، والإشادة بجميل فعالهم، إنما هو للتأكيد على ما قاله الشاعر الفحل محمد العيد آل خليفة، وهو:
إنّ الجزائرَ لم تزلْ في نَسْلها ... أمّاً وَلوداً خصبةَ الأرحامِ
وإنها بلد الرأي الحصيف، لا بلد الرأي السخيف، وبلد الجهاد الشريف، لا بلد العمل العنيف، وبلد الشُّمِّ الأماثل، لا بلد الأراذل، فإن طفا هؤلاء
стр. 6965
على حين غفلة من أهلها الكرام، فمثلهم كمثل الزبد الرابي الذي يحتمله السيل، لهم نَشَب (١)، وما لهم نسب ولا حسب، وسيذهب ذلك الزبد جُفاء، وأما الدرّ النفيس الذي ينفع الناس، فهو في الأعماق كامن، وسيجلّيه الله لوقته.
لقد علم الإمام محمد الخضر حسين، وآمن أن الله - جلّ وعلا - سائلُه يوم يقوم الناس: "ماذا عمل فيما علم؟ "، ولذلك ملأ حياته عملاً صالحاً، فما إن تخرج من جامع الزيتونة -أتمّ الله نوره- حتى راح يبلِّغ ما ورثه من ميراث محمد ﷺ من علم نافع، وحكمة بالغة، وأوتي رشداً، فلم يقعد مع القاعدين، ولم يتخلف مع الخوالف؛ متعللاً بظاهر الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، بل عمل بما فَقِهه منها ثاني اثنين، صِدّيقُ هذه الأمة، الذي رُوي عنه: أنه قال في شأن هذه الآية: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه، يوشك الله أن يعمّهم بعقابه" انظر: "تفسير ابن كثير" دار الأندلس (ج ٢ ص ٦٦٧).
ولهذا كان شعار الإمام محمد الخضر قوله:
ولولا ارتياحي للنِّضالِ عن الهدى ... لفتَّشتُ عن وادٍ أعيشُ به وَحْدي
لا يتسع المجال لتفصيل القول في آراء الإمام محمد الخضر حسين
стр. 6966
الإصلاحية التي بسطها، وأبدأ فيها وأعاد، في كتبه ومقالاته الكثيرة، ومنها: "رسائل الإصلاح"، و"الدعوة إلى الإصلاح". ولكني أودُّ التنبيه إلى نقطتين أنا مقتنع بهما: أولاهما: أن الإصلاح لا يَشْنأُ -كما يشاع- التصوفَ السنّي الخالي من البدع والخرافات والشطحات، وأن التصوف السنّي لا يشنأ الإصلاح.
وقد كان محمد العيد آل خليفة ﵀ متصوِّفاً أوَّاهاً، وكان في الوقت نفسه أحد عُمُد الإصلاح، الدّاعي إليه، المجادل عنه، حتى شُرِّف بلقب: (حسَّان الحركة الإصلاحية)؛ تشبيهاً له بحسّان بن ثابت ﵁.
ودليل آخر على أن الإصلاح لا يعادي، ولا يعارض التصوف السنّي: هو هذا الإمام محمد الخضر حسين، الذي ينتسب إلى عائلة صوفية، ونشأ في أجواء التصوف الصافي، لم يجد في صدره حرجاً من اعتناق الإصلاح، والدعوة إليه، ولهذا وجدت رموز الإصلاح في الجزائر، وقادته؛ كالإمامين: ابن باديس، والإبراهيمي، لا يجدان حرجاً ولا تناقضاً عندما يُكْبِران الإمام محمد الخضر حسين، ويشيدان به.
ومما قاله الإمام ابن باديس -تعليقاً على مقال للإمام محمد الخضر-: "دعاني إلى كتابة هذا: مقال نفيس نشرته مجلة "الهداية الإسلامية" بقلم أستاذنا العلامة الجليل محمد الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري، التونسي، ثم المصري ... وأحببت أن تكون مقدمتي هذه الصغيرة أمام ذلك المقام الكبير تذكرة لجلوسي لتلقي "تهذيب المنطق" بين يدي الأستاذ بجامع الزيتونة، وسماع دروس من صدر "تفسير الييضاوي" بدار الأستاذ بشارع باب منارة من تونس الخضراء".
стр. 6967
ويضيف الإمام ابن باديس قائلاً: "ولا يخفى أن الأستاذ -أبقاه الله- ابن أخت العلامة الجليل الشيخ المكي بن عزوز ﵀، وكلاهما من أبناء الطرقية، ولكن العلم سما بهما إلى بقاع التفكير والهداية والإصلاح. ولكليهما -أحسن الله جزاءهما- كتاباتٌ في التحذير مما عليه الطرقية اليوم، تارة بالتصريح، وتارة بالتلويح، وإلى القراء الكرام نص مقال الأستاذ -أبقاه الله-، وهو من ذلك الطراز". (انظر: الشهاب، ج ٨، مجلد ١٥، سبتمبر ١٩٣٩ م) وهذا آخر مقال كتبه الإمام ابن باديس في الشهاب؛ لأنها توقفت في هذا التاريخ. وقد عثر على هذا المقال في مطبعة الشهاب.
وأما الإمام الإبراهيمي، فقد كتب عن مجالس العلم في دمشق عندما كان مقيماً بها قبل عودته إلى الجزائر في عام ١٩٢٠ م، وذكر: "أن واسطة العقد في تلك المجالس: الأستاذ الجليل، والأخ الوفي الشيخُ الأستاذ محمد الخضر حسين -مدَّ الله في حياته-". (آثار الإمام الإبراهيمي، ج ٣، ص ٥٦٦. والمقال منشور في ٢٤ جانفي ١٩٤٩ م في جريدة البصائر).
ولو رأى الإمامان ابنُ باديس والإبراهيمي في أقوال الإمام محمد الخضر حسين وأفعاله ما يوجب النقد، لما ترددا في ذلك، وهو ما فعلاه مع الإمام محمد الطاهر بن عاشور، على قيمته العلمية، ومكانته الدينية، عندما اعتبر أحد مواقفه مناصرة للبدعة، منابذة للسنّة (انظر: آثار الإمام ابن باديس، ج ٣، ص ٢٧٠ - ٢٨٥. وآثار الإمام الإبراهيمي، ج ١، ص ٢٢١ - ٢٢٦).
أما النقطة الثانية، فهي أن الإصلاح لا يجعل الإسلام عِضين، ولا يراه تفاريق، بل يعتبره شاملاً، فيه العقيدة، والعبادة، والمعاملات، والتربية، والسياسة، والحرب. فالذين ينفون السياسة عن الإسلام يجهلونه أو يَكْفُرونه.
стр. 6968
والذين يرون الإصلاح عقيدة وعبادة وتربية فقط، يتجنّون عليه.
وها هو ذا الإمام محمد الخضر حسين الذي لا يرتاب أحد في سعة علمه، وانفتاح ذرعه، يخوض لُجج السياسة، فيكتب عن الحرية، ويتصدى لمن زعم أن الإسلام لا شأن له بالحكم وسياسة أمور الناس، ولا يكتفي في ذلك بالقول والكتابة، ولكنه يضرب بسهمه في تأسيس الجمعيات والهيئات السياسية، ويجري الاتصالات مع الدول، والمؤتمرات والمنظمات السياسية، ويؤمن بالحرب لدفع الظلم، وردّ العدوان، واسترجاع الحقوق المغتصبة، من غير تهوّر بإلقاء الناس إلى التهلكة، وزجِّهم في معركة لم يُعَدَّ لها، ولم تتَّخذ أسبابها.
إن الإصلاح عند الإمام محمد الخضر حسين وأمثاله من العلماء المصلحين فكرة ثابتة؛ لأنها لبّ الدين، وغايته، ولكن وسائل الإصلاح تتعدد بتعدد ميادينه، وتتجدد حسب الظروف المحيطة والإمكانات المتوفرة، والكيِّس من فَقِه ذلك، وعمل على ضوء ذلك الفقه.
لقد كان الإمام محمد الخضر حسين يجمع في انسجام تام، وفي تناغم جميل بين الإصلاح، السلفية المتنوِّرة، والتصوف السنّي، وهذا ما يحتاجه المسلمون في كل عصر، وخاصة في هذا العصر.
أمطر الله شآبيبَ رحمته على هذا الإمام الجليل، الذي لم يحضر ذكراه أحد من كبار المسؤولين؛ ربما لانشغالهم بالإعداد لـ ... ولعل عدم حضورهم من علامات قبول الله لهذا الصالح، وأمارات رضوانه عنه.
стр. 6969
على هامش الملتقى
في الذكرى الخمسين لوفاة العلامة التونسي محمد الخضر حسين شيغ الأزهر السابق (١)
الأستاذ محمد مواعدة (٢)
مرت خلال الأسبوع الأول من فيفري ٢٠٠٨ م، الذكرى الخمسون لوفاة العلّامة التونسي محمد الخضر حسين شيخِ جامع الأزهر السابق (٢ فيفري ١٩٥٨ - فيفري ٢٠٠٨).
وفي هذا الإطار تعتزم (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) بإشراف رئيسها المثقف، والجامعي المتميز الدكتور كمال عمران، تعتزم تنظيمَ ندوة علمية خلال هذه السنة بمشاركة باحثين تونسيين وجزائريين ومشارقة للتعريف بهذه الشخصية العلمية التي تجاوزت الحدود، وبلغت أوج الشهرة والمجد العلمي والثقافي خلال النصف الأول من القرن الماضي.
ولا يحتاج إلى تأكيد أهمية منصب علمي مثل مشيخة جامع الأزهر الشريف، هذه المؤسسة الدينية والعلمية التي كان مجرد الدراسة فيها، والتعلم
стр. 6970
بها يعتبر شهادة امتياز وتقدير.
ومما يستحق الإشادة في هذا المجال: أن الشيخ محمد الخضر حسين لم يطلبها ويعمل من أجلها، بل جاءته هذه الخطّة ساعية إليه من خلال الوفد الوزاري الذي أرسله إليه الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر ١٩٥٢ م بقيادة الوزير الشيخ الباقوري عارضاً عليه تولي هذه الخطة، فاعتذر، فألحَّ عليه، وهو صديقه القديم بما معناه: إن الثورة تهدف إلى بناء مجتمع جديد، وهو أحد جنودها، ولا يمكن له أن يعتذر عن المساهمة في هذا البناء ...
فقبل عندئذ تولي مشيخة الأزهر، وبقي يباشرها إلى سنة ١٩٥٤ م، ثم استقال منها متعللاً بكبر سنه ... لكن السبب الحقيقي كان اختلافه مع مجلس قيادة الثورة في قضايا عديدة، منها: وضع المحاكم الشرعية.
ومما يذكر عنه في هذه المرحلة من حياته: أن اللواء محمد نجيب قد زاره في بيته -بحكم العلاقة القائمة بين الرجلين قبل الثورة-، ثم طلب منه بعضُ الأصدقاء القيام بزيارة اللواء نجيب في مقر مجلس قيادة الثورة، فكان جوابه: "شيخ الأزهر لا ينتقل إلى مقر السلطة ... بل على السلطة أن تنتقل إليه؛ لأنها هي التي تحتاجه".
* حياته ثرية ونشيطة:
إن كل من تعرف على هذه الشخصية -من خلال البحث والدراسة- يتبين غزارة حياتها وثراءها، إذ هو العالم في القضايا الشرعية، وفي اللغة، والأدب، وهو الشاعر، والمحاضر، والرحالة، وكاتب المقالة، والمناضل المغاربي السياسي.
فقد قال عنه أحد علماء الأزهر الكبار -الشيخ اللبان- عند إلقائه درساً