ولا تُنيم، فعذراً للقائمين على تلك الجمعية العاملة عن ذلك الظن السيئ، والعذرُ عند كرام الناس مقبول ...
يشرف على هذه الجمعية النشيطة ويسيِّرها نخبة من الشباب الطموح المتسلح بالعلم، المتخلق بالحلم، المتدرع بالعزم، ولهذا لم يستنكف كبار السن فيها أن يكونوا -برغم سعة علمهم، وغناء تجربتهم- تابعين لأولئك الشبان، يمدونهم بصالح الدعوات، ويساندونهم بصادق التوجيهات، ويباهون بما يحققونه من إنجازات.
لقد أضاف أولئك الشبان الكرام البررة إلى جمال أم قرى الزيبان جلالَ الفكر، وطيب الذكر، وحلال السحر، فنالوا محبة الحميم، وانتزعوا احترام الخصيم، فلا يشنؤهم إلا من في قلبه مرض، وفي نفسه غرض.
تظهر جِدِّية هذه الجمعية، ويبدو عملها المنهجي فيما أقامت -لحد الآن- من ندوات وملتقيات وطنية ودولية، ومنها: بسكرة عبر التاريخ، والمقاومة الشعبية بمنطقة الزيبان، وتاريخ الحركة الوطنية بمنطقة الزيبان، والعلامة عبد الرحمن الأخضري، وعقبة بن نافع الفهري.
كما تتجلى جديتها فيما نشرته من كتب قيمة عن تاريخ المنطقة وأعلامها، ومنها: "تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة، وأعلام من بسكرة، وزهير الزاهري، وملحمة الزيبان، وغيرها"، ولم تنس هذه الجمعية فضل السابقين، فكرّمت ثلة من علماء الجزائر الذين خدموها بإخلاص، وناضلوا بصدق، لا يريدون من وراء ذلك جزاء ولا شكوراً، ومنهم: بقية السلف الصالح رمضان محمد الصالح، تلميذ الإمام ابن باديس، وخليفة الإمام الإبراهيمي في إدارة مدرسة دار الحديث بتلمسان، ومؤسس التعليم الديني في الجزائر المستقلة،
стр. 7002
وأول مُحْيٍ لتراث الإمام ابن باديس ... والأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي أحيا تاريخ الجزائر الثقافي، وأرّخ لحركتها الوطنية ... والمرحوم الدكتور يحيى بو عزيز، والشيخ الفاضل عبد القادر عثماني ...
إن نجاح هذه الجمعية يعود -في رأيي- إلى الانسجام الذي يسود بين مسيِّريها، فهم لا يتنافسون إلا في الجديات، ولا يسارعون إلا في الخيرات، لا يزدهيهم مدح، ولا يثبطهم قدح، كلٌّ قد وثق في نفسه وفي إخوانه، وكل قد علم مكانه ودوره، فلا سعي لنيل شهرة، أو إحراز لقب، أو تحقيق مكسب، فهمُّهم الدائم، وشغلهم الشاغل هو: تحريك الركود، وإيقاظ الرقود، ولذلك فلا تعرف منهم رئيساً من مرؤوس، ولا تميز تابعاً من متبوع، وميزتهم جميعاً أن كل واحد منهم ذو فكر جوَّال، ولسان قوَّال، وقلم سيَّال، يحسن إذا خطب، ويتقن إذا كتب، راحتهم في التعب، ولذتهم في النصَب.
لقد خصصت الجمعية بمناسبة ذكرى وفاته الخمسين (١)، وقد ألقيت في الملتقى عدة محاضرات من قبل أساتذة من الجزائر، وتونس، وسورية، ومصر، تناولت جوانب من شخصية الإمام، وإن لم توفِّها حقها؛ لتعدد جوانبها، وثرائها، ولضيق الوقت، ولعدم توافر كتابات الإمام في الجزائر.
وأغتنم هذه الفرصة لأُشيد بشخصيتين كريمتين لهما فضل كبير يُذكر وُيشكر، أولهما: الأخ الدكتور محمد مواعدة، من تونس الشقيقة، والأستاذ علي الرضا الحسيني الذي تتبع حياة الإمام محمد الخضر حسين، وهو مقيم بدمشق، ويتمثل فضلُه في حصر نشاطه، ووقف حياته على آثار الإمام
стр. 7003
جمعاً ونشراً، وقد طبع منها -حتى الآن- بضعاً وثلاثين أثراً ما بين كتاب ورسالة، ونطمع أن يزيد.
ولا يتم فضل هذا الأستاذ، ويكمل عمله إلا إذا سعى لإدخال هذه الكتب القيمة إلى الجزائر؛ باتخاذ وكيل لمؤسسته "الحسينية" في الجزائر، أو -على الأقل- بالمشاركة في معرض الكتاب الدولي.
وهل تستطيع "بسكرة" صبراً على الشعر؟
وأنَّى لها ذلك، وقد نسبت إليه، فقيل: "بسكرة الشعر" (١).
ولهذا لم يجد المنظمون للملتقى مناصاً من تخصيص الجزء الأكبر من أمسية الخميس (٢٧/ ١٢/ ٢٠٠٧ م) لثلة من الشعراء الشبان، الذين أحسنوا الغوص في بحور الشعر، وروَّضوا قوافيه، فأطربوا الآذان، وهيَّجوا الأشجان، ونبهوا الأذهان، فلا فُضَّت أفواههم، ولا عقمت قرائحهم.
وفي صباح يوم الجمعة (٢٨/ ١٢) توجه الركب إلى بلدة "بنْطيوس" لزيارة ضريح العلامة عبد الرحمن الأخضري، والترحم على روحه، وهو من أعلام القرن العاشر الهجري (١٦ م)، له تآليف قيّمة في البلاغة، والمنطق، والفقه، أشهرها؛ "الجوهر المكنون ... "، و"السلم المرونق"، و"الدرة البيضاء"، وقد وجدنا الضريح على غير ما تصورنا، ولو قُدّر الرجل حق قدره، وعرفت قيمته العلمية، لأقيم بجوار الضريح معهد علمي ينسِل إليه طلاب العلم من كل حدب، ويضم مؤلفاته وما كتب عنه.
إذا صحت العزائم، وصدقت النوايا، فما زال في الأمر مستدرك،
стр. 7004
وما على البلدية وكبراء المنطقة إلا السعي لدى أولي الأمر لإقامة صرح علمي ومركز ثقافي، فتحيا بهما "بنطيوس"، وتعود سيرتها الأولى في أيام الشيخ عبد الرحمن الأخضري.
ثم يمَّم الجمع تلقاء مدينة "طولقة"، ويالتحديد إلى الزاوية العثمانية (زاوية علي بن عمر) التي أسست في عام ١٧٨٩ م (١)، فكانت لبنة التمام، ومسك الختام.
كان في استقبال الزائرين فضيلة الشيخ عبد القادر عثماني شيخ الزاوية، وعضو المجلس الإسلامي الأعلى، وقد استولى على مجامع القلوب بتواضعه، وطلاقة وجهه، ودماثة خلقه.
يتميز الشيخ عبد القادر بأنه لا يحيط نفسه بهالة من الغموض كما يفعل كثير من أدعياء التصوف، فمظهره ينبئ عن مخبره، وقد انعكس ذلك على مريديه، فلا تراهم يتصرفون أمامه كأنه هبط من كوكب آخر؛ لأنه علّمهم أنه -مثلُهم- ابنُ امرأة تأكل القديد.
وقد زار الوفد مكتبة الزاوية الزاخرة بآلاف الكتب المخطوطة والمطبوعة، وتفضل الشيخ فكان مرشداً ودليلاً، شرح للزوار ما تحتويه المكتبة، منبِّهاً إلى بعض الكتب المتميزة في موضوعها أو منهجها، فالزاوية زاوية علم، لا زاوية رقص السَّمَاح (٢).
وقد كرم الشيخ ضيوفه، فأقام لهم وجبة غداء، وأبى إلا أن يظل
стр. 7005
واقفاً يطوف على ضيوفه، ويؤنسهم بلطف حديثه، معتبراً ذلك شرفاً له.
وتمتاز الزاوية العثمانية باتساع رحابها، ونظافة أرجائها، وجمال تنسيقها، فهذه أزهار، وتلك أشجار، ويتوسط ساحتها نافورة ماء، قد أدينا صلاة الجمعة في مسجدها البسيط النظيف، ثم ودَّعَنا الشيخ بمثل ما استقبلنا به من اللطافة والبشاشة، ملحاً على إعادة الزيارة جميعاً أو أشتاتاً.
وأما الأمر الذي أدهشنا وعقدَ ألسنتنا، فهو ما رُقِم في لوح الإعلانات في مدخل الزاوية، وهو أن "الزاوية لا تقبل هدايا ولا عطايا، لا من الأشخاص، ولا من الهيئات".
وهذه بدعة حسنة انفردت بها هذه الزاوية؛ لأن أكثر الزوايا ليس لها من عمل إلا جمع المال، دون إلقاء بال لمصدر ذلك المال، أمن حرام هو أم من حلال، حتى صح فيها قول القائل: "إنها فراج لجمع الخراج".
وقد اقترحت أن يتبرع الحاضرون بما استطاعوا من كتب لمكتبة الزاوية، يستفيد منها الباحثون الذين يقصدونها لإنجاز أبحاثهم، ولم يعترض الشيخ على هذا الاقتراح.
بارك الله في عمر الشيخ الجليل، ومتَّعه بسمعه وبصره ما أبقاه، وهدى به إلى الصراط المستقيم، والخلق القويم، وعَمَر زاويته بالذكر الحكيم.
وشكر الله للجمعية الخلدونية سعيها، وجعلها نوراً تنير "بسكرة"، وتضيء ما حولها، وجعل اسمها للخلود، وأعضاءها للخُلْد، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس المتنافسون.
стр. 7006
على هامش الملتقى
تذكرة ملتقى الإمام العلامة محمد الخضر حسين (١)
للدكتور محمد بن سمينة
جامعة بن يوسف بن خدة - الجزائر
كنت قد حللت بمدينة "بسكرة" -في زيارة إلى الأهل- يوم ٢٤ ديسمبر المنصرم، وكنت وأنا بمدخل المدينة قد لفت نظري الإعلان عن عزم الجمعية الخلدونية ببسكرة على تنظيم ملتقى (الإمام العلامة محمد الخضر حسين) في الأيام (٢٥، ٢٦، ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٧ م)، فسعدت بهذه المصادفة الطيبة، وشعرت أن هذه الزيارة ستكون -إن شاء الله- مباركة ومثمرة؛ لأنها ستمكنني من حضور هذه التظاهرة الثقافية الهامة التي لم يكن لي سابقُ علم بها، مع أنني أحرص على أن لا تفوتني قراءة الصفحة الثقافية في بعض الجرائد، ومع ذلك، فقد فاتني الاطلاع على خبر الملتقى.
وقد يعود ذلك لأني لم أقرأ الجريدة ذلك اليوم، أو يعود لما يميز وسائل إعلامنا -بوجه عام- من ضعف عنايتها بما يجري في الحقل الثقافي والأدبي - بالمقارنة مع اهتمامها البالغ، وحرصها الكبير بما يجري في المجال الترفيهي (غناء كان ذلك، أو موسيقى، أو فلكلوراً، أو رياضة، وما إلى ذلك).
стр. 7007
باستثناء ما كان من بعض الاهتمام بشيء من النشاط الثقافي الجاد هذه السنة، سنة الجزائر عاصمة الثقافة العربية.
ومهما يكن من ذلك، فقد حرصت على أن أحضر جلسات هذا الملتقى، وإن كنت غير مدعو لحضوره.
كان افتتاح الملتقى برعاية السيد والي ولاية "بسكرة"، ويحضور السلطات المحلية، وعدد من السادة الأساتذة المحاضرين والمدعوين، وجمعٍ من المواطنين المهتمين.
وكان السيد الوالي قد افتتح هذا الملتقى بكلمة ترحيبية، متمنياً لهذا الملتقى النجاح والتوفيق، ثم أعقبه رئيس الجمعية الخلدونية مرحباً بالحاضرين، شاكراً لهم استجابتهم للدعوة، ثم تلاه الشيخ عبد القادر عثماني رئيسُ الزاوية العثمانية بطولقة، ممثلاً لأسرة الشيخ محمد الخَضِر، فأشاد بعلم الشيخ، وجهاده وجهود أسلافه من رجالات الأسرة في خدمة الدين والعلم والوطن.
ثم جاء دور كلمة سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيسِ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد تعذر عليه الحضور جسدياً -لمهامه وظروفه الصحية- إلى هذا الملتقى، ولكنه كان حاضراً بأفكاره وتوجيهاته بين الذين حضروه، فقد أناب عنه الدكتور عمار الطالبي في إلقاء كلمته التي نوه سماحته فيها بعلم الإمام محمد الخَضِر، مشيداً بجهوده، مقدراً إسهاماته، مُكْبِراَ جهاده في خدمة الإسلام والعربية وقضايا الأمة.
ثم أُعطيت الكلمة للأساتذة المحاضرين الذين جاؤوا من عدد من جامعات الوطن، ومن بعض البلاد العربية الشقيقة: الأستاذ علي الرضا الحسيني
стр. 7008
ابن أخ الإمام من سورية، والدكتور مواعدة من تونس، والدكتور مجاهد توفيق الجندي من مصر.
لقد تناول الأساتذة المحاضرون في هذا الملتقى بالدرس والتحليل جوانب عديدة من حياة الشيخ تتصل بشخصيته، وبما اضطلع به من مهام ومسؤوليات، وبما قام به من جهود وجهاد في مختلف المجالات العلمية والإصلاحية والفكرية والأدبية.
١ - معالم شخصية، وحياة جهاد في سطور:
يقول الشيخ محمد الخضر:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن وادٍ أعيش به وحدي
ينتسب الشيخ محمد الخَضِر إلى أسرة عريقة في الدين والعلم والتصوف، من أهل مدينة "طولقة" ولاية "بسكرة". رحل والده الشيخ الحسين إلى تونس، واستقر لإحدى حواضرها مدينة "نفطه" وفيها ولد ابنه الإمام محمد الخَضِر في (١٢٩٣ هـ / ١٨٧٣ م).
استهل تعلمه بنفطة، ثم انتقلت أسرته إلى تونس العاصمة، فأتم حفظ القرآن الكريم وتعليمه الابتدائي بها، ثم التحق بجامع الزيتونة العامر ١٨٨٩ م، فتخرج منه بشهادة التطويع ١٨٩٨ م، وهي أعلى شهادة علمية يمنحها جامع الزيتونة يومئذ للخريجين منه، وتعادل آنذاك شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، ولا تعادل شهادة الدكتوراه؛ كما جاء في كراس الملتقى الموزع على الحاضرين.
٢ - جهود الأمام وجهاده في الحياة العملية:
استهل الشيخ حياته العملية (العلمية والإصلاحية والاجتماعية والثقافية)
стр. 7009
بالتدريس في جامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية، ثم دخل ميدان الإعلام ١٩٠٤ م، فأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عرفتها تونس في تاريخها الحديث. ثم تولى ١٩٠٥ م مسؤولية القضاء. وكان الشيخ إلى جانب هذه المهام يسهم في الميدان السياسي، ما جعله عرضة لمضايقات سلطات الاحتلال الفرنسي في تونس، فاضطر للارتحال إلى الشرق العربي، فنزل بدمشق الشام إبان الحرب العالمية الأولى، ولم يلبث أن اندمج فيها بحركة النهضة العلمية والفكرية والسياسية، فجعله ذلك متابعاً من سلطات جمال باشا حاكم دمشق، فزجَّ به في السجن، ولم يخرج منه إلا بعد عام ونيف، ثم سافر إلى ألمانيا. وفي أعقاب الحرب رجع إلى سورية، واستأنف بها نشاطه العلمي والإصلاحي، فعين عضواً بالمجمع العلمي العربي في دمشق، وقد أدى به نشاطه ذلك أن حكم عليه الاحتلال الفرنسي في سوريا بالإعدام ١٩٢٠ م. فنجاه الله من ذلك.
فارتحل إلى مصر، والتحق بالأزهر الشريف، فنال منه الشهادة العالمية ١٩٢٨ م، وعين على إثر ذلك أستاذاً به في كلية أصول الدين.
اندمج الشيخ فيما تشهده مصر يومئذ من حركة علمية وفكرية نشطة، فأسس في السنة نفسها "جمعية الهداية الإسلامية"، ثم عين ١٩٣٢ م عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. تفرغ في هذه الفترة إلى تأليف مجموعة من المصنفات، أسهم بها فيما يجري يومئذ في مصر من مناقشات وحوارات في الساحة الفكرية والأدبية.
وكان من بين مؤلفاته: كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" ضَمَّنه نقدَه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
стр. 7010
وكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" تصدى فيه بالرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين.
كما أصدر في هذه الفترة ١٩٢٨ م مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم مجلة "نور الإسلام" في سنة ١٩٣٢ م.
كان الشيخ قد ترقى بهذه المكانة العلمية السامية أعلى مرتبة علمية ودينية في العالم الإسلامي، وهي تعيينه على رأس مشيخة الأزهر الشريف ١٩٥٢ م، فمكث في هذه المهمة يشرف على تسيير شؤون هذه المؤسسة، وَيسُوس أمورها قرابة حولين، فاضطربت الأوضاع العامة بعدهما في مصر، وكان قد بلغ من الكبر عتياً (تجاوز الثمانين من عمره)، فآثر حينئذ أن يقدم استقالة من هذه المسؤولية، فكان له ذلك، وأُعفي منها في شهر جانفي ١٩٥٤ م. تفرغ الإمام بعد ذلك إلى استئناف نشاطه العلمي والإصلاحي الذي بدأ به حياته في شبابه، وظل ينهض بذلك إلى وفاته (في رجب ١٣٧٧ هـ / فيفري ١٩٥٨ م) ﵀، وأسكنه فسيح جنانه إلى جانب عباده المؤمنين الصالحين المصلحين والشهداء الأكرمين -.
ترك الشيخ مجموعة من الأعمال العلمية والفكرية يرجع القضل في جمعها وتصنيفها إلى ابن أخيه الأستاذ علي الرضا الحسيني -جازاه الله عن ذلك أحسن الجزاء، وأجزل المثوبة -.
стр. 7011
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٣٠)
«الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين وإصْلاَحُ المُجْتَمَعِ الإسلامِي - تُونس»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 7012
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 7013
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
أصبحتِ (نفطةُ) فوقَ كلِّ لسانِ ... وفَخَرْتِ بـ (الخِضْرِ) عظيمِ الشّانِ
وغدوتِ جوهرةَ الثقافةِ منذ أنْ ... وُلِدَ الإمامُ بحضنِكِ الريّانِ
و (الكوفةُ الصُّغرى) تُسمَّى بعدَهُ ... بـ (الكوفةِ الكبرى) مِنَ الأوطانِ
تتوجّهُ الأنظارُ نحوكِ كلَّما ... ذُكِرَ الإمامُ بمجلسِ الإيمانِ
لكِ في القلوبِ وفي العيونِ مكانةٌ ... ما حازَها بلدٌ من البلدانِ (١)
زهت مدينة "نفطة" أو (الكوفة الصغرى) -كما عُرفت عبر تاريخها العريق - خلال أيام ١٦ - ١٧ - ١٨ جانفي كانون الثاني من عام ٢٠٠٩ م التي انعقدت فيها (الندوة العلمية العالمية الأولى للإمام العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي)، وارتدت، وتزيّنت بأبهى وأحلى وأجمل حللها القشيبة، وتعلقت على جدرانها العتيقة البديعة لافتاتٌ احتوت ما جَمُلت قراءتُه، وجلّت معانيه من أقوال الإمام الخضر حسين - رضوان الله تعالى عليه -، وبدت في بهجة عيد انتظرته طويلاً.
أقول: برزت "نفطة" من بلاد الجريد - مولد الإمام محمد الخضر حسين - وضاءةَ الوجه، رافعةَ الجبين، تتباهى وتجرُّ ذيول الفخر والاعتزاز بوليدها
стр. 7014
وابنها البارّ الإمام، الذي أجمع العالَمان العربي والإسلامي على مكانته السامية، وفضله وعلمه الوفير، ونضاله من أجل تونس والعرب والإسلام، وأوقف حياته في هذا الميدان -محتسباً أوّاباً صدّيقاً- إلى رب العالمين، إلى الله - جل وعلا - الذي لم يعبد سواه، ولم يمالئ أو يدارِ أحداً من الخلق في دنياه، مردِّداً قوله في بيته الشعري الشهير:
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمةِ الإسلامِ آثرتُ الحِماما
وقوله الذي كان كثيراً ما يردّده:
ولولا ارْتياحي للنضالِ عن الهدى ... لَفَتَّشتُ عن وادٍ أعيشُ به وَحْدي
هذا قوله الصادق، وقلبه السليم، وعمله الدؤوب طوال حياته المباركة، وكتابُه الذي حمله بيمينه للقاء رب العالمين.
إن مبادرة (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) بإقامة هذا الملتقى الإسلامي الجامع، عملٌ أُكبره وأُجِلُّه، وأُثني وأُحَيي القائمين عليه، فقد آن لتونس أن تكرِّم عظماءها وعلماءها، ورجالها المناضلين المخلصين بحق وأمانة، وأن ترفعهم إلى مكانتهم اللائقة والمستحقة لهم، لاسيما أولئك الذين هاجروا من ديارهم، وانتقلوا في آفاق الدنيا حاملين رسالة الوطن الكبرى، رسالَة الاستقلال وطرد الغاصب المحتل؛ من أجل أن تتبوّأ تونس مكانها بين كواكب الدول في سماء الحرية والسيادة ... وأن يتطلع إليها العالم كأمة أنجبت الأفذاذ والنبغاء وروّاد الكفاح، وزاحمت بمنكبيها سائر الأقطار المتقدمة والمتطلعة دوماً إلى المستقبل؛ لتقول: إن فيها رجالاً مفكرين ومبدعين، ومناضلين أحراراً وأشرافاً يستحقون أن ينالوا بفضل علمهم وعملهم أعلى المناصب السياسية والدينية، وأرفعَها منزلة؛
стр. 7015
كمشيخة الأزهر التي ارتقى إليها الإمام محمد الخضر حسين بقوة إيمانه وتقواه وورعه، وعلومه التي زوّده بها الجامع الأعظم - جامع الزيتونة في تونس -، وضم إليها علوم الجامع الأزهر، فتوّجته إرادة الله شيخاً للجامع الأزهر.
والله يكافئ رجاله الصادقين المخلصين في دنياهم قبل أن يثيبهم في آخرتهم أولئك ﴿لَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]. والحديث عن سالف الزمن لم يعد من المفيد ذكرُه في هذه المقدمة. عندما حاول الطغيان والجهل والغباء أن يطمس وجه تونس المشرق، ورجالاتها وزعماءها المخلصين. والله عنده الجزاء والحساب.
ولكن بعد زوال الغمّة، وانكشاف العسر والهيمنة والضياع، عادت تونس إلى تاريخها الصحيح الصادق، وفتحت صفحاتها الناصعة المضيئة والحمد لله.
لقد كان من حق الجزائر أن تحتفل بالإمام محمد الخضر حسين من خلال الملتقى الهام الذي أقامته (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) في مدينة "بسكرة") أيام ٢٥ - ٢٦ - ٢٧ ديسمبر كانون الأول ٢٠٠٧ م. كذلك من حق تونس أن تقيم المهرجان العلمي العالمي الأول خلال أيام ١٦ - ١٧ - ١٨ جانفي كانون الثاني ٢٠٠٩ م ... بل ومن الجدير بالعالم الإسلامي أن يقيم الندوات والدراسات حول الإمام.
إن هذه الندوات والملتقيات حافز للمثقفين والدارسين والباحثين لاستكشاف آراء الإمام الإصلاحية، ودعوته الإسلامية، ونضاله السياسي. لا للدراسة والقراءة، بل للعمل بموجبها في كافة مناحي الحياة، وهي في
стр. 7016
حقيقتها منارة من منارات الشريعة الإسلامية، هذه الشريعة التي هي صالحة لكل زمان ومكان.
إن ميزات هذه التظاهرات العلمية، تعبير عما تكنه الأمة من تقدير واحترام لرجالها الأوفياء، وإن ما ننَشده هو الانتفاع، والاستثمار لتراث الإمام وأفكاره وعلومه المبثوثة في الكتب التي نشرناها له، والتي يأمل الإمام أن تكون دعوة صالحة عند الله تعالى.
ليس من المهم مطلقاً أن نكتفي بإطلاق الصفات عليه، سواء كان إصلاحياً، أو تجديدياً، أو تنويرياً، فإن فكر الإمام -بمواهبه المتعددة في كل ميدان من ميادين العمل الإسلامي- يدعونا إلى الأخذ به، والسير على منهاجه؛ لأن النهج الذي دخله من باب الإسلام، ولخدمة الإسلام، ولا غاية من وراء ذلك إلا أن يرى الإسلام عزيز الجانب؛ لأنه الدين الذي اختاره الله لعباده.
والحمد لله على ما هدى. والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
стр. 7017
الجلسة الافتتاحية
كلمة اللجنة التنظيمية (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يشرفني أن أكون معكم في هذه الندوة، وفي هذه الجلسة، باسم اللجنة التنظيمية والعلمية لهذه الندوة التي تنعقد بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاة أحد أعلام تونس والعالَم الإسلامي: الشيخِ العلامة محمد الخضر حسين.
ويشرفنا جميعاً أن يكون بيننا المثقف والمبدع المتميز والأصيل والأخ العزيز عبدُ الرؤوف الباسطي وزيرُ الثقافة والمحافظة على التراث، والذي أصر على أن يكون معنا في هذه الجلسة؛ إذ كانت الجلسة بعد الظهر، فاضطر أن يأتي هذا الصباح، وسيعود مباشرة بطائرة خاصة لمواكبة نشاطه الوطني في البلد، وهذا الإصرار نعتبره تشريفاً لنا بكل صراحة، وشكراً له.
طبعاً الشكر له، والشكر للسيد الوالي الذي لقيته وزرته، وأكدت له أننا نساعد وندعم كل الجهود التي تتم في هذه المنطقة.
وإني أوجه الشكر الخاص لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي الذي دعَّم هذه الندوة أدبياً ومادياً، وساندها، ويكفي أن أشير إلى أمرين:
стр. 7018
الأول: أن سيادة الرئيس في عام ١٩٩٦ م من القرن الماضي، وسّم، وقام بتقليد وسام ثقافي لأخينا علي الرضا التونسي الحسيني ابن أخ العلامة الخضر حسين.
وهذا الوسام للجهود التي قام بها الأخ علي الرضا في طبع مؤلفات الخضر حسين.
لا غرابة أن يكون هذا من رئيس الدولة، ونحن في سنة ٢٠٠٩ م حيث القيروان -يعني: تونس- عاصمة الثقافة الإسلامية، وفي عام ٢٠٠٩ م مئويةُ أبي القاسم الشابي. إذن، كل هذه الأجواء فيها يتضمن هذا العمل الثقافي، هذه الندوة.
وإني أشكر كل الإخوة الذين حضروا معنا.
أبدأ بالإخوة من الجزائر الشقيقة: الدكتور العربي الزبيري، وهو مؤرخ، والأستاذ فوزي المصمودي، ومعه نخبة من الجمعية الجزائرية (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) في "بسكرة"، وهذه الجمعية نظمت قبل سنة ندوة عن الخضر حسين، وتشرفتُ بالمشاركة فيها، وهم الآن يشاركوننا في هذه الندوة، وسينتظم عمل مشترك تونسي جزائري في هذا الاتجاه.
أوجه شكري -أيضاً- بالإضافة إلى الإطارات الإدارية والجهوية والتجمع، إلى الأساتذة الذين شرفونا بالحضور، أذكر في مقدمتهم: أستاذنا الكبير الأستاذ المنجي الشملي، والأخ فؤاد قرقوري، وهو أستاذ ودكتور وأمين عام مساعد بالتجمع، مسؤول عن الثقافة، ورئيس اللجنة الثقافية والتربوية في مجلس النواب التونسي، والدكتور أحمد الطويلي.
стр. 7019
ونرحب بالأساتذة الذين شاركوا معنا، وعددهم كبير جداً، ونُجلّهم جميعاً.
هذا العمل تقوم به (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، ويمثلها الأخ العزيز الدكتور فتحي القاسمي الكاتب العام للجمعية، ورئيس الجمعية الدكتور كمال عمران مدير إذاعة الزيتونة بتونس، ولاعتبارات تنظيمية جامعية سيكون معنا بعد الظهر -إن شاء الله-.
هذه الندوة -كما قلت- بمناسبة الخمسين، وتنتظم في جلسات اليوم بعد الظهر، وغداً، ويوم الأحد، يشارك فيها نخبة من المثقفين من تونس والجزائر، وستكون اللحمة بين هذين الشعبين الشقيقين. و-أيضاً - يشارك معنا بداية من الغد شيخٌ من الأزهر، هو العلامة الدكتور مجاهد توفيق الجندي، يأتي هذا المساء، وهو مؤرخ الأزهر، وعضو في الجمعية التاريخية الإسلامية والعربية والدولية.
في هذه الندوة، هناك كفاءات تونسية وجزائرية، وطبعاً من سورية الأخ علي الرضا، وإن كان هو سورياً تونسياً جزائرياً، فهو يجمع بين هذه الأصول جميعاً.
هذه أجواء الندوة الدولية، وكان في نيتنا مشاركة كفاءات من الخارج من أوروبا.
ما قلته للسيد الوزير، وللسيد الوالي: إن الكفاءات الوطنية في تونس من هذه الجهة -ولاية "توزر" وغيرها- مطالبة بالمشاركة في هذا المجال. هذه الندوة بداية لعمل آخر ستشارك فيه كل كفاءات أبناء الجريد بدون استثناء، هذا الجريد الذي أنجب ابن الشباط، وأبا علي السني، وأبا العباس الدرجيني
стр. 7020
صاحب "طبقات الدرجيني " ... إلى آخره، بالإضافة إلى الشعراء الجدد؛ كالشابي، والميداني بن صالح، والخريف، وغيرهم.
يعني: نحن مطالبون بدعم ومساندة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، ووزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية، وا لإطارات المعتمدية والجهوية أن تشارك في إثراء هذا الحوار وتعريفه؛ ولأن في ذلك تأصيلاً لهذا الإطار، وهناك الكلمة السابقة التي ألقاها السيد الرئيس عن قيمة الثقافة، وقيمة الثقافة التونسية في تأصيل ودعم الثقافة الإنسانية.
دون أن أطيل، أحب أن أؤكد التقدير لكل الإطارات الإدارية، والجهوية والتجمع في هذا العمل المشترك. وتونس تحتاج إلى الجميع دون استثناء. والسلام عليكم.
стр. 7021
الجلسة الافتتاحية
كلمة السيد والي توزر الترحيبية (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- السيد الكاتب العام للتنسيق بالتجمع التونسي الديمقراطي!
- السادة أعضاء لجنة التنظيم، وأعضاء الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
- حضرات السيدات والسادة!
في البداية أرحب بكل ضيوف مدينة "نفطة" بولاية توزر الوافدين من الدول الشقيقة: مصر، وسورية، والجزائر، وكل الأساتذة والباحثين الأجلاء من الجامعة التونسية.
أرحب الترحاب الحار بالسيد عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث، الذي يشرف على افتتاح هذه الندوة الفكرية، والتي تنظم ببادرة من الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، بدعم من وزارتي: الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية، حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي.
стр. 7022
هذه الندوة تقام في مدينة "نفطة" بولاية توزر المشهورة عبر التاريخ برسا لاتها، ويمخزونها وموروثها الثقافي، ولاية توزر التي تعتبر ولاية التغيير، وتحظى بعناية موصولة من الرئيس زين العابدين بن علي. ولاية توزر، هذا القطب السياحي، والقطب الفِلاحي، والقطب الجامعي والثقافي. هذه الولاية التي تعيش حركية وتنمية شاملة.
أحب بالمناسبة أن أتمنى لكم إقامة طيبة في هذه الربوع، وهناك فرصة سواء للإطارات التونسية من مختلف الولايات، أو من الدول الشقيقة؛ من الاطلاع عن كثب على ما تشهده ولاية توزر، مثلها مثل مختلف الولايات الأخرى في العهد الجديد من تنمية شاملة، متمنياً لكم طيب الإقامة، ومتمنياً لكم ولأشغال ندوتكم هذه النجاح والتوفيق، والسلام عليكم.
стр. 7023
الجلسة الافتتاحية
كلمة السيد وزير الثقافة والمحافظة على التراث الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي بافتتاح أعمال الندوة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
- السيد والي توزر!
- الكاتب العام للتنسيق بالتجمع التونسي الديمقراطي!
- السيد المعتمد الأول!
- أعضاء مجلس النواب، وأعضاء مجلس المستشارين، وأعضاء اللجنة المركزية للتجمع!
- السيد فتحي القاسمي الكاتب العام للجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
- الأستاذ محمد مواعدة عن الهيئة التنظيمية لهذه الندوة!
- الأساتذة الأجلاء!
-أيها السيدات والسادة!
يسعدني أن كون بينكم اليوم في هذه المدينة الجميلة، هذه المدينة العريقة التي تعتز بعطائها المستمر في المجال الثقافي والفكري، وفي بناء
стр. 7024
الوطن، وإلى مزيد من التقدم، مدينة "نفطة" الجميلة.
يسعدني أن أكون بينكم في هذه المدينة لافتتاح هذه الندوة الدولية حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاخ المجتمع الإسلامي. هذه الندوة التي تنظمها الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، والتي تندرج في سياق سعي دؤوب انطلق منذ فجر التغيير المبارك بهدي من سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، وسعي متصل الحلقات على درب تحقيق المصالحة، مصالحة التونسي مع مقومات هويته، ومع تراثه الإصلاحي السَّرِيِّ والثريّ.
ولا شك بأن بلادنا قد أنجبت أعلاماً أفذاذاً، ومصلحين روّاداً، كان لهم -منذ القدم- إسهام بارز في إنماء الثقافة العربية الإسلامية، وتغييرِ الفكر الإنساني. وإن المتتبع لتاريخ الأفكار، وللتاريخ الثقافي في تونس عموماً، يتبين -من خلال محطات هذا التاريخ ومناراته- خصوصيةَ المدرسة التونسية التي اتسمت على مرّ العصور بالنظر العميق، وبالرؤية المتزنة، وبالتيقظ المبكّر للقضايا المحورية والفكرية. وياستشراف منعطفات الصيرورة التاريخية، وبالانفتاح على الآخر، انفتاح التكافؤ والحوار، مع نبذ الانكفاء والانغلاق والتصادم والتعصب.
إن التراث الفكري الثري والمتنوع الذي أنتجته هذه المدرسة العريقة المتأصلة، جدير بأن يعكف عليه أهل العلم والبحث؛ نظراً وتحقيقاً وتمحيصاً وتحليلاً وتأليفاً؛ من أجل مزيد استكمال جوهره الثمين، وأبعاده المتعددة، ومن أجل تبيان تراكمية البناء في مراحله المتعاقبة، وتوجهات المنزع التنويري والتحقيقي الذي كان من أهم ثوابته؛ حتى يدرك الجيل الصاعد من المثقفين
стр. 7025
أن لحركة الإصلاح في بلادنا مرجعياتٍ فكرية وثقافية متينةَ الأسس، وضاربة الجذور في قرار مكين من ذاكرتنا ومن موروثنا. وحتى يدرك -أيضاً-، وبالخصوص: أن حفظ هويتنا وخصوصيتنا من الذوبان في عصر العولمة، وتحقيق الحضور الفاعل، والانخراط النشيط في مجتمع المعلومات يقتضيان -بالضرورة- حرصاً مستمراً على إحياء الذاكرة، وسعياً لا يكلّ، وتعهداً هدْياً. لعلاقتنا بالمرجعيات، نستقرئها ونسائلها، ونجدد تمثلنا لها، ووضعها في كل آنٍ وحين على محك البحث والتمحيص، وهو ما تعمل (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) بجدّ ومثابرة من أجل تحقيقه، وهو جهد يستحق منا كل الشكر والثناء والتقدير، جهد نحييه في هذه المناسبة.
حضرات السيدات والسادة، أيها الأساتذة الأجلاء!
لقد ظهرت في البلاد التونسية - منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإلى الثلث الأول من القرن العشرين - كوكبةٌ من رجال الإصلاح والتنوير، برّزوا في العلم، وحققوا ودققوا، ووصلوا مجد الأسلاف بمبتكرات الأخلاف، وأسهموا بقسط وافر في نشر مبادئ العقلانية والواقعية والفكر الاجتهادي، وإشاعة قيم التسامح والانفتاح والحوار، وكانوا منارات مضيئة في تاريخ تونس الفكري والثقافي.
وُيعدّ الشيخ العلامة محمد الخضر حسين الذي تعلّم في جامع الزيتونة، وعلّم فيه، ركناً من أركان الحركة الإصلاحية، وعلَماً من أعلام النهضة الفكرية والأدبية، ورمزاً من رموز النضال الوطني التونسي خلال العقد الأول من القرن العشرين.
стр. 7026
وقد سطع هذا النجم الثاقب في سماء تونس في فترة مخاض عسير، مثّلت منعطفاً حاسماً في التاريخ الفكري والأدبي والسياسي لبلادنا، وأجمع الكلّ على تثمين قيمة الرجل العلمية، ومنزلته الإصلاحية، وتوجهاته الوطنية. وشهدت تآليفه الحجّة -في العلوم الإسلامية، وفي اللغة، وفي الأدب، والتراجم- على رسوخ قدمه وعلوها.
ولم تكن هجرته إلى الشام أولاً، ثم إلى مصر حيث استقر وبلغ قمة المجد العلمي خلال توليه مشيخة الأزهر عام ١٩٥٢ م لتنسيه واجب الوفاء لتونس، والاعتزاز بالانتماء إليها، أو تثنيه عن النضال من أجل استقلالها.
فقد كان دائم الاتصال والتواصل مع أهل العلم والأدب في تونس، واحتضن العديد من الطلبة الذين أتموا دراساتهم الجامعية في مصر، وأسس سنة أربع وأربعين وتسع مئة وألف (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا) وكان من خلالها سنداً ونصيراً للقضية التونسية، وللوطنيين الذين ولّوا وجوههم قبَل القاهرة؛ للتعريف بهذه القضية لدى الرأي العام العربي، كما كان سنداً لقضايا التحرر في شمال إفريقية عموماً.
وإن من دواعي مزيد اعتزازنا بهذا الشيخ الجليل، التونسي المنشأ: إشعاعَه العربي والإسلامي الذي لم يُنسه يوماً أصوله ومنبته، وحرصه على أن يكون فاعلاً في حركة التحرر في شمال أفريقية بشكل عام.
حضرات الأساتذة الموقرين!
إن تونس التغيير بقيادة سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، اختارت منذ فجر التحوّل بلا مواربة طريقَ المصالحة مع هويتها وتراثها، وأكدت، وتؤكد كل يوم وشائجَ الاعتزاز بأعلامنا الروّاد الذين سطروا بمداد من ذهب
стр. 7027
التاريخَ المجيد في المجالات الفكرية والأدبية، والعلمية والوطنية، وحرصت على تكريم هؤلاء الأعلام، وإحياء ذكراهم، والعمل على مزيد التعريف بآثارهم ومآثرهم.
وما تفضّل سيادة الرئيس زين العابدين بن علي سنة ست وتسعين بتوسيم الأستاذ علي الرضا الحسيني الذي تولى الاعتناء بتراث عمه العلامة محمد الخضرحسين، وتحقيقه، وإخراجه إلى أهل العلم والبحث، وإعادة نشره، إلا دليلٌ قاطعٌ على هذا التوجّه، وشهادة معبرة عن وفاء سيادة الرئيس وتكريمه لكل من تفانى ويتفانى في خدمة الوطن، وأخلص له.
وإني لمتأكد من أن ما سيتفضل به الأساتذة الأجلاء - بهذه المناسبة نود أن نحيي الأشقاء من بين الأساتذة الذي يشاركون في أعمال هذه الندوة من الأقطار الشقيقة من الجزائر، من سورية، من مصر - إني متأكد، قلت: إن ما سيتفضل به الأساتذة الأجلاء من تونس، ومن هذه الأقطار الشقيقة في هذه الندوة من أبحاث، سينير السبيل، ويسلط مزيد الأضواء على جوانب عديدة ثرية متصلة بهذا العَلمَ الفذّ الذي كان من أعلام الإصلاح الديني والاجتماعي، ومن أقطاب النهضة اللغوية والأدبية، ومن رموز النضال الوطني.
أشكر كل المساهمين في هذه الندوة على حُسن إعدادها، وعلى ما بُذل، وكل ما بذلوه من جهود من أجل إعدادها وتنظيمها، وأتمنى لأعمالكم كل النجاح والتوفيق.
وأجدد الترحاب والشكر، الترحاب بالأشقاء، والشكر لهم على حضورهم معنا، ومشاركتهم في هذه الندوة حول هذا الرجل الذي نعتبره
стр. 7028
تونسياً، وعربياً، وإسلامياً، وهو من الرجالات، ومن المنارات التي حققت إشعاعاً يجعل انتماءها انتماءً واسعاً إلى الأقطار العربية الإسلامية.
أشكركم جزيل الشكر على حسن استماعكم وصبركم، والسلام عليكم.
стр. 7029
الجلسة الافتتاحية
كلمة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي (١)
يسر الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي في مفتتح هذه السنة الإدارية ٢٠٠٩ م أن تستهل أنشطتها العلمية في رحاب (الكوفة الصغيرة) مدينة "نفطة" الساحرة ببنائها، وهندسة بنائها، والآسرة بدفء الحياة فيها، وبحرارة الاستقبال الذي عودنا به أهله.
"نفطة" درة الجنوب في بلاد الجريد، ومولد العلماء والشعراء، وممن نفاخر بأنهم أفادوا وأجادوا، ومنهم: العلامة محمد الخضر حسين، الذي تربى في أرض الجريد، وأُشرب قلبه في "نفطة" حب العلم وأهله.
وكان يخطو خطواته الأولى في "نفطة" في الزاوية العزوزية، زاويةِ جده الشيخ مصطفى بن عزوز، المنحدرِ كما يقول ابن أبي ضياف في "الإتحاف" من بيت فضل وعلم وصلاح، أتى من الجزائر الشقيقة، واستقر بنفطة.
وقد سدّد خطا الشيخ الخضر، العلامةُ محمد المكي بن عزوز، وهو خاله، وهو -أيضاً- نزيل إستنبول، وسراج العلماء في عصره.
وإن مرور نصف قرن على وفاة العلامة محمد الخضر حسين فرصة
стр. 7030
سانحة لنكرَّم هذا العَلَم في رأسه نار، نال الشهرة في المغرب والمشرق وأوروبا، وتعددت مواهبه، وسطع نجمه في تونس مع مطلع القرن العشرين، عندما كان مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ الضرير محمد شاكر، ومع ثلة من خريجي (لصادقية)، منهم الأخوان: علي، ومحمد باش حانبة، يبذر في المجتمع التونسي روح المبادرة والتجديد والتنوير من خلال مجلته "السعات العظمى"، ومحاضراته ومسامراته المجذّرة للهوية التونسية، والمدافعة عن الأصالة، والمواجهة بكل أشكال الطمس والمراقبة والمعاقبة التي كان يفرضها نظام الحماية الفرنسية.
دافع عن الحرية، ودعا عالياً إلى الإصلاح، وردَّ على متهم اللغة العربية بالجمود والموت. وعندما ضاقت به السبل، شدّ الرحال إلى الشام، فكان في العقد الثاني من القرن العشرين إلى جانب الشيخ صالح الشريف خير مدافع عن العروبة والإسلام، الأمر الذي عرّضه للسجن، وهدده بالإعدام.
ثم رحل إلى مصر، وانتسب إلى الأزهر، فانضمت إلى ما نهله في الزيتونة لَبِناتٌ أزهرية، زادته رسوخاً في العلم، وبوّأته مكانة كبرى في أرض الكنانة.
فاختير شيخاً للأزهر، وجد د فيه الحياة، وأحدث في الإسلام طفرة من التجديد، وكذلك -كما قال عنه عبد العظيم الزرقاني-: جدّد بعزمه من شباب الإسلام.
لقد جمع الشيخ العلامة بين التدريس والمحاضرة، والتحرير والإفتاء. وكان بيته بالقاهرة قبلة القصّاد، ومحط رحال التونسيين الوافدين إلى مصر، ومنهم: الرئيس الراحل الحبيب بورقيية، والشيخان: محمد الفاضل بن عاشور،
стр. 7031
ووالده محمد الطاهربن عاشور.
وإن عشرات الكتب التي تركها، والتي جمع شتاتها ونشرها اينُ أخيه الأمين على ذلك التراث الفكري الهام الأستاذ علي الرضا الحسيني.
إن ذلك لمادة ثرية تحتاج إلى الدراسة والإبراز، ولعل ندوتنا هذه ستسلط الأضواء على جوانب كثيرة من سيرة الشيخ محمد الخضر حسين، وسيعمق الأساتذة الأجلاء والمحاضرون النظرَ في المشروع الإصلاحي التونسي، انطلاقاً من الشيخ، ومن مساجلاته الفكرية، ومجادلاته العلمية التي دلت على انخراط رجال الإصلاح في تونس في الجدل الديني والحضاري، الذي تأجج في النصف الأول من القرن العشرين.
وكانت الأطروحات التونسية متجاوزة القطرية، والنظرة الدينية الضيقة، نزاعةً إلى الاختراق، والاستشراف والانفتاح على الآخر.
أيها السادة الكرام!
إن جمعيتنا لفخورة منذ انبعاثها سنة أربع وألفين على التعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، التي ما انفكت تدعمها، وتيسر لها نشاطها الذي امتد إلى تسع ولايات في البلاد التونسية.
كما أن تعاوننا متصل مع مؤسسة بيت الحكمة، وتكفلها بطبع الندوات التي تعقدها بالاشتراك مع الجمعية لدليلٌ على أهمية التعاون من أجل إشاعة المعرفة الدقيقة برجالات الفكر والثقافة في تونس.
إنه إذا كان الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وزيرُ الثقافة والمحافظة على التراث قد شرفنا بافتتاح ندوتنا، فإننا نتشرف بالتعاون مع وزارة الشؤون الدينية، والسيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري الذي سيتولى
стр. 7032
الإشراف على اختتام هذه الندوة ... وقد تفضل إلى جانب السيد وزير الثقافة عبدِ الرؤوف الباسطي باستقبالها استقبالاً حاراً في مكتبيهما.
كما أن حضور الوفد الجزائري في الندوة لجديرٌ بمواصلة الفكر والرؤية بين الشقيقتين: تونس، والجزائر منذ عشرات القرون.
ولا يفوتنا التنويهُ بما بذله الأستاذ محمد مواعدة من عناية فائقة؛ لتكون ندوتنا في مستوى ما نطمح إليه جميعاً.
وإن شكرنا متجددٌ للسيد والي توزر، والمندوب الجهوي للثقافة من إنجاح هذا الحدث العلمي.
كما أن حضور الباحث المصري الشيخ مجاهد توفيق الجندي تجذير -أيضاً- لما أرساه الشيخ الخضر حسين، الذي ليس إلا فرداً من كوكبة الأعلام التونسيين الذين شدوا الرحال من تونس إلى مصر، مثل: العلامة ابن خلدون، والشيخ محمد بيرم الخامس، فكان مقامنا بها طريقاً للاتصال التاريخي والروحي والعلمي.
أيها السادة الكرام!
إننا -أيضاً- سعداء بتكريم ثلة من أعلام تونس ممن خدموا الثقافة، وهم حاضرون بيننا، بمبادرة من الجمعية، شهادة سنوزعها على كل من الأساتذة: المنجي الشملي، الحبيب الجنحاني، ومحمد مواعدة، ومحمد صالح الجابري، وعلي الرضا الحسيني، الذين أكدوا بتآليفهم إلى هذه اللحظة في خدمة الثقافة التونسية أنهم جديرون بكل تكريم. وهذا غيض من فيض؛ لأن الكثيرين -أيضاً- سنحاول أن نكرمهم في مناسبات لاحقة.
وإن جمعيتنا بندوتها العشرين تأمل الانتقال إلى بقية الولايات في
стр. 7033
الجمهورية التونسية؛ للتعريف بأعلام منسيين، والنبش على آثار المتقدمين، وإبراز مضامين أفكارهم الخالدة. ولا شك أن وزارة الثقافة ستكون لنا -كالعادة- خير سند في ذلك.
نأمل أن تكون سنة تسع وألفين زاخرة بالأنشطة النافعة للفكر، ومدعمة للحياة الثقافية التونسية، وسيكون لنا -قريباً- موقع على الأنترنت، وندوتان: الأولى: حول الحكيم أحمد بن ميلاد في عشرين مارس تسع وألفين، والثانية مغاربية حول مفدي زكرياء، وسوف يحتضنهما قصر بيت الحكمة.
كما أننا نأمل في نشر أبحاث لطلبتنا المنخرطين في الجمعية، ممن يُعدُّون ماجستير ودكتوراه حول التراث الفكري التونسي.
ولا شك أن كل عمل جماعي سندٌ لها؛ لتحقيق مثل هذه الرهانات في بلد راهنَ -منذ القديم- على الإتيان بما لم تستطعه الأوائل. وشكراً.
стр. 7034
الجلسة الافتتاحية
كلمة رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية (١) بسكرة - الجزائر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
- السيد معالي وزير الثقافة والمحافظة على التراث الفكري التونسي!
- السيد والي توزر!
- السادة الإطارات بتونس الشقيقة!
- السادة من الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
من خارج مصر يتقلد مشيخةَ الأزهر الشريف عن جدارة واستحقاق هذا الرجلُ الفذ، وإن كان تونسيَّ المولد والنشأة، والتعلّم والنبوغ، فإن دولاً أخرى تشترك فيه، على غرار الجزائر بلدِ أجداده، وسوريةَ التي لبث فيها بضع سنين، ومصر التي تقلد مشيخة أزهرها، وتوفي ودفن فيها، وهو رجل عالمي بامتياز ولولاه -بعد الله- لما اجتمعنا بعد خمسين عاماً على رحيله في هذه البلدة، بلدة "نفطة" التي شهدت ميلاد هذا النور ذاتَ يوم من عام ألف وثمان
стр. 7035
مئة وثلاثة وسبعين، بلدة "نفطة" التي لا يخلو كتاب في التاريخ، وأدبِ الرحلات في الجزائر وفي غيرها، إلا وكان اسمها بين دفتيه؛ فقد كانت ملاذاً آمناً للمقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر ميلادي، هؤلاء الذين قاوموا المحتل، وتصدوا لجبروت احتلال استيطاني، ومن هؤلاء: الشيخ مصطفى بن عزوز المولود في "برج ابن عزوز" التابعة لولاية "بسكرة"، وهو جد العلامة الشيخ محمد الخضر حسين لأمه. والشيخ محمد الصغير ابن الحاج، خليفة الأمير عبد القادر على "الزبيان" الولاية الثامنة في دولة الأمير عبد القادر، هذه الولاية التي جئناكم منها، ومازال أحفاده إلى اليوم في "نفطة"، وفي غيرها من المدن التونسية. وبعضهم يحضر معنا في هاته الندوة.
أفاضل السيدات والسادة!
جئنا من الجزائر للمشاركة في هذه الندوة؛ لمواصلة درب آبائنا وأجدادنا الذين كانت -وما زالت- تربطهم وشائج القربى والأخوة والتعاون في السراء والضراء بأبناء تونس الشقيقة.
وإن كنا ننسى، فلن ننسى أبداً ما حيينا -لأننا أهل للوفاء- لن ننسى وقفاتِ الشعب التونسي إلى جانب الشعب الجزائري في أحلك ليالي الاحتلال الفرنسي، فكم من معركة ومحطة امتزجت فيها دماء الشعبين، واستضافت حكومتها المؤقتة، مع جيش من الطلبة الجزائريين الذين تخرجوا في جامع الزيتونة الزاهر، وفي مختلف المعاهد والمدارس التونسية؛ كالمدرسة الصادقية، والخلدونية، التي تتشرف جمعيتنا الخلدونية الجزائرية بحمل اسمها؛ تيمناً بدورها الطلائعي والمتميز.
стр. 7036
وفي الختام -أيها السادة الكرام- وباسم وفد الجزائر، وعلى رأسه عميد المؤرخين الجزائريين البحاثة الدكتور محمد العربي الزبيري، كذلك رئيس الجمعية الخلدونية، والأستاذ محمد قويدري المستشار بالمحكمة العليا الجزائرية، والسيد علي الأخضري حاضر معنا كذلك، وهو حفيد العلامة عبد الرحمن الأخضري.
باسم هؤلاء جميعاً، وياسم الجزائر إن شئتم، أتقدم إلى الجميع بأحر الشكر والتقدير، وخاصة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث المنظمة لهذه الندوة العلمية الشيقة، والتي ستربطها بنهاية أشغال الندوة توءمة مع الجمعية الخلدونية الجزائرية.
وعاشت تونس والجزائر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7037
الجلسة الافتتاحية
كلمة عائلة الإمام محمد الخضر حسين (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها السادة الكرام!
إن عائلة الإمام محمد الخضر حسين في تونس ودمشق والجزائر ومصر، يسرها أن ترفع آيات الشكر والامتنان والاحترام الصادق إلى السيد الرئيس زين العابدين بن علي، الذي دأب على مباركة وتشجيع الأعمال التي من شأنها التنويهُ بعظماء ورجال تونس الحبيبة.
وقد شرّفني -كرّمه الله- بوسام الجمهورية؛ من أجل عنايتي بتراث العم الإمام محمد الخضر حسين.
كما أشكر الأستاذ الفاضل عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث على رعايته هذه الندوة، وحضوره بالذات للمشاركة بنفسه في هذا الملتقى.
والشكر إلى الأساتذة والدكاترة والمحاضرين، وكل من شارك وساهم
стр. 7038
وآزر في أعمال الندوة بأي وجه من الوجوه.
وإني أُتوِّج هذا الشكر والامتنان بأبيات قلتها أولَ أمسِ تحيةً إلى "نفطة"، والجريد.
تحية إلى نفطة والجريد
شَدْوِي (لِنَفْطَةَ) أُمِّ النُخْبَةِ الصِّيدِ ... دَأْبِي وَ (لِلْكُوفَةِ الصُّغْرَى) (١) أَناشيدي
رَصَّعْتُ فيها قَصيدي وَهْيَ مُلْهِمَتي ... جَواهراً منْ نفيسِ الدُّرِّ مَنْضُودِ
كَمْ أَنجَبتْ للدُّنى مِنْ عالِمٍ عَلَمٍ ... واللهُ بارَكَ فيها كلَّ مَوْلودِ
نورُ (ابْنِ عَزُّوزَ) (٢) يَسْري في جَوانِحِها ... هدْيَ المدائنِ والآفاقِ والبيد
والطُّهْرُ في الواحةِ المِعْطاءِ ساكِنُها ... (أبو عَليٍّ) (٣) بِتسْبيحِ وتَحْميد