وفي الختام -أيها السادة الكرام- وباسم وفد الجزائر، وعلى رأسه عميد المؤرخين الجزائريين البحاثة الدكتور محمد العربي الزبيري، كذلك رئيس الجمعية الخلدونية، والأستاذ محمد قويدري المستشار بالمحكمة العليا الجزائرية، والسيد علي الأخضري حاضر معنا كذلك، وهو حفيد العلامة عبد الرحمن الأخضري.
باسم هؤلاء جميعاً، وياسم الجزائر إن شئتم، أتقدم إلى الجميع بأحر الشكر والتقدير، وخاصة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث المنظمة لهذه الندوة العلمية الشيقة، والتي ستربطها بنهاية أشغال الندوة توءمة مع الجمعية الخلدونية الجزائرية.
وعاشت تونس والجزائر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7037
الجلسة الافتتاحية
كلمة عائلة الإمام محمد الخضر حسين (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها السادة الكرام!
إن عائلة الإمام محمد الخضر حسين في تونس ودمشق والجزائر ومصر، يسرها أن ترفع آيات الشكر والامتنان والاحترام الصادق إلى السيد الرئيس زين العابدين بن علي، الذي دأب على مباركة وتشجيع الأعمال التي من شأنها التنويهُ بعظماء ورجال تونس الحبيبة.
وقد شرّفني -كرّمه الله- بوسام الجمهورية؛ من أجل عنايتي بتراث العم الإمام محمد الخضر حسين.
كما أشكر الأستاذ الفاضل عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث على رعايته هذه الندوة، وحضوره بالذات للمشاركة بنفسه في هذا الملتقى.
والشكر إلى الأساتذة والدكاترة والمحاضرين، وكل من شارك وساهم
стр. 7038
وآزر في أعمال الندوة بأي وجه من الوجوه.
وإني أُتوِّج هذا الشكر والامتنان بأبيات قلتها أولَ أمسِ تحيةً إلى "نفطة"، والجريد.
تحية إلى نفطة والجريد
شَدْوِي (لِنَفْطَةَ) أُمِّ النُخْبَةِ الصِّيدِ ... دَأْبِي وَ (لِلْكُوفَةِ الصُّغْرَى) (١) أَناشيدي
رَصَّعْتُ فيها قَصيدي وَهْيَ مُلْهِمَتي ... جَواهراً منْ نفيسِ الدُّرِّ مَنْضُودِ
كَمْ أَنجَبتْ للدُّنى مِنْ عالِمٍ عَلَمٍ ... واللهُ بارَكَ فيها كلَّ مَوْلودِ
نورُ (ابْنِ عَزُّوزَ) (٢) يَسْري في جَوانِحِها ... هدْيَ المدائنِ والآفاقِ والبيد
والطُّهْرُ في الواحةِ المِعْطاءِ ساكِنُها ... (أبو عَليٍّ) (٣) بِتسْبيحِ وتَحْميد
ومَوطني تونسُ الخَضْراءُ مَفْخَرتِي ... والجذْرُ في (طُولْقَةِ) (١) مَأْوى الصَّناديدِ
وفي الشَّآمِ سَقاني المَجْدُ أَكْؤُسَةُ ... فَيْضاً وفي مِصْرَ قدْ بُلِّغْتُ مَقْصودي
стр. 7041
الجلسة الافتتاحية
كلمة المشاركين في الندوة (١)
باسم الله، وبه نستعين.
- حضرة السيد الوزير المحترم صديقي العزيز الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي!
- حضرة السيد الوالي المحترم والصديق العزيز -أيضاً-!
- حضرة السادة المسؤولين السياسيين والمثقفين أجمعين!
تحيتي لكم، وتقديري لكم جميعاً.
ماذا أقول بعد ما قيل؟ وكل شيء قد قيل، وقد أتيت متأخراً، والحقيقة أني أريد أن أحييكم باسمي الخاص أولاً، وياسم جميع المشاركين في الندوة ثانياً.
في نفسي تختلج خواطر كثيرة؛ لأني أزور أول مرة (الكوفة الصغيرة) "نفطة" ذاتَ الخمائل والواحات الرائعة الجميلة. ولو كان هنا كاتب ألماني، لبقي هنا طول حياته؛ لأن كاتباً ألمانياً أحب الشرق، وأحب الواحات،
стр. 7042
وأحب الخمائل، وكتب في ذلك ديواناً عظيماً خالداً يسمى: "الديوان الشرقي للأديب الغربي" أنا الآن بصدد دراسته.
أتيت إلى هنا طبعاً لأحييكم، وأقول ذلك تخليداً للذكرى الخمسين لوفاة العلامة المرحوم محمد الخضر حسين، أصيلِ نفطة، وأصيلِ -أيضاً- الجزائر من جهة أمه، وحبيب دمشق، وحبيب مصر، وحبيب العالم كله، إذن هو عربي بالمعنى الحقيقي.
وهذه الأصول وهذه المراجع، رفعته ليس بالعلم فقط، ولكن داخل السياسة بالعلم، وأي مثقف أصيل لا يكون سياسياً؟! فإن الثقافة الأصيلة هي سياسة عميقة، اعترف بذلك العلماء، واعترف بذلك رجال السياسة الكبار.
واعترف بها -أيضاً- رئيسنا زين العابدين بن علي الذي جعل هذه الندوة العلمية مؤطّرة بوزيرين مهمين، أولاً: الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي في الافتتاح، والأستاذ الأخزوري في الاختتام، إني أعتبر هذا التأطير عملية ثقافية سياسية بعيدة المدى. نذكر بها الرئيس ابن علي، ويشكر عليها، وتحيتي إليه من هذا المنبر.
هذا من وجه. ومن وجه آخر: أنا أحس بقلق في نفسي؛ لأني عندما ألقيت دروسي في الجامعة التونسية عن الحركة الإصلاحية الإسلامية في البلاد العربية، كنت مقصراً؛ لأني لم أذكر الشيخ الخضر حسين؛ لأني لم أكن أعرفه تماماً معرفة جيدة، والاعتراف بالفضل دون الفضل فضيلة.
لقد أفادني محمد مواعدة حقاً؛ لأنه هو الذي اقترح عليَّ موضوعَ دراسته الجامعية أن تكون عن الخضر حسين، ففرحت بما قاله لي، وخشيت
стр. 7043
-أيضاً- مما قاله لي، وأشرفت على عمله العلمي، كان عملاً ممتازاً، ونوقشت سنة ١٩٧٢ م.
وكان محمد مواعدة -حقيقة- عالماً بحاثة، كان عالماً علامة بحاثة جيداً، أتعبني وأتعبته، لكن ذلك التعب كان تعباً لذيذاً، وإن لهذا الكتاب الذي هو بين أيديكم اليوم قصة، إن له قصة وهو يُعد البحث فيه، وله قصة -أيضاً- بعد أن تم البحث، والقصتان سياسيتان:
القصة الأولى: أشير إليها في إيجاز؛ لأنه لم يحن الحين لتفصيلها، وإن كان في العمر فضل، فستكون في مذكراتي: كنت يوماً مع محمد مواعدة في قهوة (الشيلينك) (١) يوم كانت قهوة ممتازة، فرأيت شخصاً ينظر إلينا بنظارتين سوداوين، قال لي محمد مواعدة: إنه من الشرطة، ومن حق الدولة التونسية أن يكون لها شرطة سرية مثل كل دولة، ومن الغد دُعيت إلى الداخلية، دعاني السيد وزير الداخلية شخصياً، وانتهت هذه القضية، وحُفظت القضيةُ -كما يقال- إدارياً.
وبعد أن نوقش بحث محمد مواعدة، دُعينا إلى رئاسة الجمهورية من قِبل الرئيس الراحل الزعيم بورقيبة، وقضينا معه أربع ساعات في القصر، والحديث كان عن محمد الخضر حسين، فيه الصحيح، وفيه الذي ينظر فيه -أيضاً-. إذن هذا الكتاب خطير جداً الذي بين يديكم، أول كتاب -في رأيي- علمي أكاديمي عن المرحوم محمد الخضر حسين -حسبما أعلم -.
وليس صدفة إذن أن يكون محمد مواعدة هو القطب الصلب لهذه
стр. 7044
العملية، إلى جانب أصدقائي الأعزاء (أصحاب الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، ورئيسها صديقي المعتز كمال عمران، وأخي -أيضاً- فتحي القاسمي.
إذن، محمد الخضر حسين قضية، قضية فكرية عظيمة، وقضية سياسية خطيرة؛ أي: مهمة.
كيف ندرسه؟ وقد نهج محمد مواعدة الطريقة، والعلماء الآخرون سيواصلون البحث.
وإني -حقيقةً- أحيي أصدقائي من الجزائر الذين أَعتز بحضورهم هنا.
كما أعتز بأخينا علي الرضا التونسي الحسيني لما بذل من مجهود عظيم جداً في تعريفنا بآثار الشيخ محمد الخضر حسين.
محمد الخضر حسين وصل إلى مصر، وقد ناهز الخمسين قليلاً، تماماً كما فعل ابن خلدون، وصل عالماً إلى هناك، وإخواننا المصريون أحبوه، وكرموه، وانتخبوه شيخاً في الأزهر، ثم رقوه إلى رتبة شيخ الأزهر، وما أدراك ما شيخ الأزهر؟! هو تونسي المنشأ، ولكن لا نقلل من شأن مصر؛ لأن تونس ومصر إخوة.
وإلى اللقاء.
стр. 7045
الجلسة الافتتاحية
كلمة الأمين العام للتجمع الدستوري الديمقراطي (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف الموسلين.
- الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث!
- الأستاذ صلاح رمضان والي توزر!
رجائي إليكم أن تسمحوا لي لأُعرب عن عميق الاعتزاز الذي يغمرني، وعن عظيم الشرف الذي نالني اليوم؛ إذ تتاح لي هذه الفرصة السعيدة لأكون معكم وبينكم في سياق حدث ثقافي كبير متميز.
وقد حصل هذا بدعوة كريمة من (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، تعهّدها تعهداً حريصاً أخي وصديقي وزميلي الأستاذ الجامعي وعضو مجلس المستشارين المحترم الأخ محمد مواعدة.
وإني أذ ألبي هذه الدعوة لممنونٌ؛ لأني -كما قلت- تتاح لي هذه الفرصة أن أعيش هذه اللحظات الاستثنائية، لحظات استثنائية نحتفي فيها بعَلَم من أعلام تونس، في شخصية فذّة من شخصيات تونس الفكر والحضارة،
стр. 7046
قلت: شخصية تونسية، لكنها -أيضاً- جزائرية، وهي كذلك سورية، وهي كذلك مصرية.
فالرجل مفرد في صيغة الجمع، رجل متعدد الأبعاد، ولا يكون الرجال الأفذاذ إلا كذلك متعددي الأبعاد حتماً.
وأحس بالنخوة والاعتزاز؛ إذ أجد نفسي معكم ويينكم أيها الملأ الكريم، أيها الإخوة والأصدقاء.
في سياق هذا الحدث، في سياق إبراز عمق الرصيد الفكري الإصلاحي في بلادنا، هذا الرصيد الفكري الإصلاحي الذي اختار رئيسُ بلادنا، رئيسُنا وقائد مسيرتنا الوطنية سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، اختار اختياراً سياسياً واعياً أن يكون هذا الفكر الإصلاحي مرجعية مشروعنا الإصلاحي الوطني، الذي يسهر على الوصول به قائدُ مسيرتنا الوطنية إلى أبعد الآفاق الممكنة.
فلا عجب أن يحظى هذا الحدث الكبير برعايته السامية، ولا عجب أن نهبَّ نحن تلبيةً لنداء جمعيتنا النشيطة التي ننوّه بمبادرتها، ولا عجب أن تحظى هذه الندوة وهذا اللقاء الكبير بإشراف متميز من وزبرنا، من والينا، من سلطتنا الإدارية والثقافية، وبحضوركم أنتم جميعاً.
فلا أقل من أن نرفع من رحاب هذه الندوة الكبيرة، التي تنعقد في "نفطة" بالذات، نفطة العراقة، ونفطة الخير، ونفطة العطاء، ونفطة التي أعطت الرجال والنساء، ولا تزال، ولن تزال.
قلت: لا أقلَّ من أن نرفع من "نفطة" اليوم، من رحاب هذه الندوة، أسمى مشاعر التقدير والاعتزاز لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي، نحن
стр. 7047
الذين نمثل النخبة المثقفة، فما أسعدَنا بقيادتنا الوطنية وهي ترعى مسيرتنا الثقافية؛ حيث الثقافةُ صنو الحضارة، وحيث السياسة موعدٌ مع التاريخ، يتفاعل فيه الماضي مع الحاضر، ويستثمر فيه الرصيد الحضاري الكبير من أجل الارتقاء بالواقع، ومن أجل تحقيق أهداف المستقبل.
وفي الخاتمة: لابد أن أشير إلى أننا نعتز بهذه الندوة المشتركة بين نخبة تونسية، ونخبة جزائرية. فبمثل هذا تؤسَّس المشاريع الحضارية، وبمثل هذا التعاون نبني مغربنا العربي الثقافي في إطار حرصنا على بناء مغربنا العربي الحضاري الديمقراطي في مختلف وجوهه.
أختم أيها -الحفل الكريم - بتأكيد اعتزازي وشكري وتقديري وإشادتي بهذه المبادرة، وكان الله في عوننا جميعاً.
الشكر كل الشكر للجمعية، والشكر كل الشكر للمسؤولين الذين ارتقوا بهذا الحدث إلى المستوى، وتمنياتي لهذه الندوة الكبيرة بوافر النجاح والتوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7048
محاضرات الندوة
المرحلة التونسية في حياة الإمام العلامة محمد الخضر حسين (١)
حضرات الأخوات والإخوة!
الإمام العلامة محمد الخضر حسين هو شخصيات متعددة بشخصية واحدة، شخصية متنوعة متكاملة ليست متناقضة، وهنا تبدو قيمة الرجل العلمية والأدبية والوطنية التي أوصلته إلى قمة المجد.
سأركِّز على القضية الأساسية في حياة الشيخ محمد الخضر حسين بتونس، وما سمي بالمرحلة التونسية، وهي تسميته هو، وتشمل الجزء الأول من حياته بالبلاد التونسية، وهي الفترة التي تكونت فيها شخصيته العلمية، ونعتبرها -من هذه الناحية- مرحلة أساسية؛ ككل شخصية في تكوينها الأساسي.
الجذور لها أهمية كبيرة جداً، الجذور جزائرية، وهذه العائلة -حتى في جذورها الجزائرية- هي جذور دينية وسياسية في آن واحد، ونعني بذلك: نشر الثقافة العربية الإسلامية، وإصلاح المجتمع الإسلامي، ومقاومة الاستعمار
стр. 7049
الفرنسي، نفس التوجه الذي كان قائماً في الجزائر انتقل إلى تونس، وبالذات إلى مدينة "نفطة".
ومنذ البداية فقد اهتممت بدراسة شخصية الشيخ محمد الخضر حسين؛ لأنه علم بارز من أعلام الإسلام في العصر الحديث، شارك مشاركة فعالة في الحركة الفكرية، سواء في المغرب، أو في المشرق العربيين، وارتبط اسمه بأسماء عدد كبير من رجالات الدين الذين قاموا بدور هام في ميادين مختلفة دينية ولغوية وأدبية وسياسية.
وفي كتابي "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" أوضحت أن المرحلة الأولى من حياته التي قضاها في تونس -منذ ولادته وطفولته، إلى تعلمه ثم تعليمه-، وهي فترة يمكن تسميتها بفترة (التعلم والتكوين)، وتمتد من سنة ١٨٧٣ سنة ولادته إلى سنة ١٩١٢ م، وهي السنة التي غادر فيها البلاد التونسية نهائياً إلى الشرق، ونميز فيها:
- حياته بنفطة.
- حياته بتونس العاصمة حتى سفره إلى المشرق العربي.
ومدة إقامته في "نفطة" هي مدة الطفولة، ولها أهمية كبيرة من ناحية الوسط العائلي الذي عاش فيه، وسط علمي ثقافي ديني، هذه البيئة العائلية، عائلة ابن عزوز، وما أدراك بابن عزوز؟ فيها العلم والثقافة، إلى جانب السياسة والجهاد الوطني. هذه البيئة التي عاش فيها، وهذا الوسط العائلي الذي تُلقن فيه الأم أبناءها علوم الشريعة واللغة، وتتحدث عن الأزهر. وكما روى الشيخ نفسه، ورواها أقاربه: أن أمه السيدة حليمة السعدية بنتَ الشيخ مصطفى بن عزوز كانت تربِّت على ظهره، وهي تداعبه وتقول له:
стр. 7050
الأخضر يا الأخضر ... تكبر وتولي شيخ الأزهر
وكان اسمه الأصلي: (محمد الأخضر)، ثم أبدلت منذ طفولته بـ (الخضر) اختصاراً، وفي نفس الوقت تيمناً بأحد أولياء المسلمين الذي كان يسمى: (الخضر).
وفي مدينة "نفطة" ذات واحات النخيل الجميلة الفيحاء، والمياه المتدفقة الصافية، في ذلك العهد، ومقر العلم والعلماء، وكان رجل العلم فيها هو النموذج الاجتماعي البارز في ذلك العهد، صاحب الكلمة المسموعة، والرأي الراجح، لقد تربى في هذه البيئة التي يسيطر عليها العلم، وتغمرها الثقافة، ويحيط بها الورع الديني من كل جانب، فحفظ القرآن الكريم على الشيخ عبد الحفيظ اللموشي، ودرس بعض العلوم الدينية واللغوية على عدد من العلماء، وخاصة منهم: خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، الذي كان مهتماً به اهتماماً خاصاً، ويرعاه رعاية كاملة.
وانتقلت العائلة -وقد بلغ الشيخ السنة الثالثة عشرة من عمره- إلى تونس العاصمة في أواخر سنة (١٣٠٦ هـ - ١٨٨٦ م). ويبدو أن سبب هذا الانتقال هو حرص العائلة على تمكين الشيخ الخضر من مواصلة الدرس والتعلم بجامع الزيتونة مع إخوته الآخرين؛ إذ كان جامع الزيتونة قبلة طلاب العلم من جميع الأمصار، ومن إخوته: العلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين، الذي استقر في تونس، والعلامة الشيخ زين العابدين بن الحسين، الذي استقر وتوفي بدمشق.
وبرغم انتقال عائلة الشيخ الخضر إلى مدينة تونس، فان مدينة "نفطة" وأهلها الأوفياء مازالوا فخورين ومعتزين بالشيخ حتى اليوم، وأذكر أنني في
стр. 7051
مطلع حياتي -وأنا طالب في مدارس "نفطة"- طلبت من صاحب مقهى قديم أن أستخدم المكان كقاعة محاضرات، وكانت مقهى مهدمة خراباً، هيأناها بإمكانياتنا البسيطة، وألقيت فيها محاضرة عن الشيخ محمد الخضر حسين نالت إعجاب أهل "نفطة".
كما أصدرت (جمعية شباب محمد الخضر حسين النفطي) نشرة اعتزازاً بابن نفطة.
ونجد أن طبيعة نفطة قد أثرت بالشيخ الخضر حتى آخر حياته؛ إذ كان يتمتع بصفات الإباء والشمم وعزة النفس، بالإضافة إلى سماحته وتواضعه، وأذكر -هنا- واقعة تنم عن هذه الصفات التي اكتسبها منذ طفولته: بعد اختيار الإمام شيخاً للأزهر زاره الرئيس محمد نجيب في مكتبه بالأزهر للتهنئة، وبعد مدة من هذه الزيارة، أتاه السيد حسين الشافعي عضو قيادة الثورة، وأخبره أن الرئيس محمد نجيب يطلبه لأمر ما، فغضب الإمام -وقلما يغضب إلا للحق-، وأخرج ورقة من درج مكتبه، وكتب عليها استقالته، وقال للشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم".
إن هذا الموقف هو تأثير تربيته في تونس.
وهناك خصلة أخرى تأثر بها من تونس، وخاصة من نفطة التي تنمي في المرء الكرم والإيثار وصلة الرحم، وغيرها من الفضائل، ففي أول حياته في القاهرة كان راتبه خمسة عشر جنيهاً شهرياً، كان يرسل خمسة جنيهات إلى ذوي القربى في دمشق، وخمسة جنيهات إلى ذوي القربى في تونس، وهذا الحال استمر معه إلى أن وصل إلى ما وصل إليه.
وفي جامع الزيتونة درس الشيخ محمد الخضر حسين منذ سنة (١٣٠٧ هـ -
стр. 7052
١٨٨٧ م) على كبار الشيوخ، ومنهم: خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، وسالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وتحصل على شهادة التطويع سنة (١٣١٦ هـ - ١٨٩٨ م).
ويلاحظ أن النشاط العملي الكبير الذي بذله إثر تخرجه من جامع الزيتونة يدل على أن هذا الرجل صاحب طموح كبير، فلم يقنع بالعمل في الإدارة والاستقرار فيها، بل اختار سبيلاً وعرة في حياته.
فهو -بالإضافة إلى الجهد العلمي الذي كان يبذله في سبيل نشر المعرفة عن طريق الدروس التي كان يلقيها على الطلاب الزيتونيين- لم تثنه عن خلق وسائل أخرى أكثر تأثيراً وانتشاراً؛ فقد أسس مجلة "السعادة العظمى" في شهر أفريل ١٩٠٤ م، وهي موضوع محاضرة الأخت نجاة بوملالة في هذه الندوة.
وقد تولى في أثناء تعيينه قاضياً في "بنزرت" الخطابةَ والتدريس بجامعها الكبير؛ لرغبته أن يكون دائماً على صلة بالناس مباشرة، كما ألقى في المدة محاضرته الشهيرة: "الحرية في الإسلام" بنادي (جمعية قدماء الصادقية) سنة ١٩٠٦ م، ونالت اهتمام جميع الأوساط الثقافية في ذلك العهد، واستقال من القضاء للعودة إلى التدريس بجامع الزيتونة، وكلفته إدارة الجامع بالإشراف على تنظيم المكتبة ضمن لجنة للقيام بهذا العمل، كذلك نجده ضمن شيوخ جامع الزيتونة الأوائل الذين تزعموا حركة إصلاح التعليم بتأسيس جمعية (تلامذة جامع الزيتونة) سنة (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٦ م).
تبين من ذلك: أن الشيخ محمد الخضر لم يقصر نشاطه على التدريس، بل كان له نشاط اجتماعي وثقافي، يتمثل بإلقاء المحاضرات، مثل محاضرته:
стр. 7053
(حياة اللغة العربية) التي ألقاها بنادي قدماء الصادقية. . . كما قام برحلتين علميتين إلى الجزائر، الأولى: سنة ١٩٠٣ م، والثانية: سنة ١٩٠٤ م، ونشر عن الرحلتين في مجلة "السعادة العظمى". وقد اهتم في أثناء ذلك بالميدان الثقافي والديني، فزار المساجد والمكتبات، وحضر بعض الدروس الدينية واللغوية، كما ألقى بعض المسامرات في الفقه والحديث والتفسير، وشارك في بعض المجالس الأدبية.
ومن خلال نشاطه السياسي، فقد شارك في التنديدِ بالحرب التي شنتها إيطاليا سنة ١٩١١ م ضد ليبيا، ودعوةِ المواطنين إلى مساعدة شعب ليبيا المسلم والحكومةِ العثمانية ضد الإيطاليين، ونشر قصيدته الشهيرة التي نجد فيها بوضوح حبه للحرية، وعواطفه الوطنية الجياشة، وقال في مطلعها:
رُدُّوا على مجدِنا الذّكْرَ الذي ذهبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ دهى حِقَبا
ولا تعودُ إلى شعبٍ مَجَادَتُهُ ... إلا إذا غامرت هماتُه الشُّهُبا
وكانت النخبة المثقفة التونسية تعيش في جو نفسي خانق في النصف الثاني من سنة ١٩١٢ م نتيجة ما سلطه على البلاد من إرهاب وتعسف النظامُ الاستعماري القائم، ولاشك أن الشيخ محمد الخضر حسين كان يعاني نفس الأزمة، ويشعر بنفس الشعور، وهو الوطني الحساس، وقد زاد في ضيق نفسه خيبتُه في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى التي اجتازها في أثناء تلك المدة، وسعى شيوخ النظارة إلى إسقاطه نتيجةَ وجود بعض العوامل الشخصية والميول الخاصة، جعلت هؤلاء الشيوخ (وخاصة منهم الشيخ بلحسن النجار) لا يعتمدون على مقاييس الكفاءة العلمية؛ مما أدى بالشيخ محمد الخضر إلى قول البيتين المشهورين:
стр. 7054
عَجَباً لهاتيكَ النظارةِ أصبحَتْ ... كالثوبِ بينَ أناملِ (القَصَّارِ)
وأناملُ (القصارِ) تعبثُ مثل آ ... لاتِ تحركُها يُد (النجَّارِ)
والقصار والنجار من كبار شيوخ جامع الزيتونة، وهما من هيئة نظارة الجامع الأعظم.
رأى الشيخ الخضر: "أن القيام بحق الإسلام يستدعي مجالاً واسعاً، وسماء صافية"، فقرر الارتحال إلى الشام نهائياً خلال شهر ديسمبر سنة ١٩١٢ م، (وكانت سنه تناهز الأربعين)، وقد تكونت فيه شخصيته العلمية، وغزرت معارفه؛ مما جعلها تبحث عن مجالات أوسع، وآفاق أرحب.
أنا سأقول جملة: "إن المرحلة التونسية استمرت مع الشيخ محمد الخضر حسين كامل حياته؛ من ناحية التأثير والتأثر، ومن ناحية مسيرته حتى وصل إلى مشيخة الأزهر"، والدليل على ذلك: لجوء الرئيس الحبيب بورقيبة إلى مصر، فقد أُوقف على الحدود الليبية المصرية، فاتصل وزير الداخلية اللواء صالح حرب -آنذاك- بالشيخ الخضر ليلاً ... وكانا معاً في جمعية (الشبان المسلمين)، فضمن الشيخ الخضر الرئيس بورقيبة الذي أنزله الشيخ في داره لمدة يومين حتى وفّر له غرفة في إحدى الجمعيات.
ثم إن دار الشيخ الخضر في القاهرة كانت محطة استقبال وترحيب بالتونسيين من علماء وساسة وأدباء.
وفي مقالاتي الأخيرة، ذكرت أن زوجته توفيت، وتزوج ابنة أختها التي كانت تعيش معه، للخدمة والعناية بالشيخ، ومازالت موجودة للآن، وكنا سنأتي بها، ولكنها مريضة، وقد ذهبتُ إليها السنة الماضية، ووافقت أن نقوم بتسجيل كامل حياتها مع الشيخ، ويكون هذا فصلاً من الكتاب الذي سأطبعه
стр. 7055
عن الشيخ فيما بعد، وسيكون في جزأين، وأنا في طور التحضير فيه، وإن شاء الله في الندوة القادمة للشيخ الخضر سيكون حاضراً، وهذا الكتاب تمَّ بدعم كامل من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي تربطه بالشيخ الخضر أخوة صادقة.
هذا باختصار ما سمي بالمرحلة التونسية من حياة العلامة محمد الخضر حسين، التي أعتبرها من الناحية التاريخية هامة جداً، شخصية لها أبعاد عديدة، تجاوزت الإطار، ولذا قررت (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي): أن هذه الندوة العلمية الأولى.
وهناك ندوات، وبالتعاون مع (الجمعية الخلدونية) ببسكرة، هذه الشخصية غنية جداً، ويمكن للجمعيتين أن تقوما بتنظيم ندوات مشتركة.
قلت في الجزائر، وقلت في مقالاتي، وأقول الآن: إن شخصية الشيخ محمد الخضر حسين، وابن خلدون، هي شخصيات تتجاوز الإطار الجغرافي إلى إطار عالمي، وهذه الشخصيات لها قيمة علمية وعالمية، والسلام.
стр. 7056
محاضرات الندوة
المرحلة السورية في حياة الإمام محمد الخضر حسين (١)
الأمم الماجدة العظيمة، تلك التي تعتز وتفاخر بمسيرة عظمائها، وتعقد الملتقيات والندوات بين الفينة والفينة؛ لتكون عبرة ومنهجاً لمن يريد أن يسلك مسلك العزة والشرف، وليكون بهما عظيماً في علمه وعلو همته.
وفي الندوات درْس إلى أفراد الأمة -وخصوصاً شبابها وطليعتها المتنوّرة المثقفة- ليستدلوا به إلى سبيل العمل الصادق الجاد لرفعة شأن الأمة وصلاح حالها، وارتقائها إلى أسمى درجات الكرامة ومراتب المجد.
في هذه الندوة التي تحتضنها مدينة "نفطة"، والتي تؤكد استمرارها لما سمّيت به آنفاً (بالكوفة الصغرى). تقدم ابناً لها، غزيرَ العلم والمعرفة، رائع الأدب، كامل الخلق، أودع الله تعالى فيه من المواهب ما لا نجدها في الكثير من أهل عصره، وممن لا يجود بهم الدهر إلّا قليلاً في النادر، في هذه الندوة يشرق فيها وجه الإمام الخضر حسين.
ومن حق تونس أن تفاخر بوليدها، ومن حق الجزائر أن تتباهى بأصيلها، ومن حق دمشق أن تعتز بمعلّمها وعالِمها، ومن حق مصر أن ترفع الرأس
стр. 7057
بشيخها وإمامها في مشيخة الأزهر، بل من حق أي بلد إسلامي أن يحتفل بالرجل العظيم.
فهو المصلح الاجتماعي، والمفسّر، والمحدث، والمناضل، والمدرّس، والقاضي، والإعلامي، والرّحالة، واللغوي، والشاعر، والأديب، وأكرمه الله أن يكون شيخاً للأزهر، وهكذا يكرّم الله رجاله في الحياة الدنيا قبل ثواب الآخرة.
والإمام محمد الخضر حسين من الرجال الذين صبروا وصابروا ورابطوا من أجل الدعوة إلى الإسلام، وإصلاح المجتمع، والدفاع عن حال الأمة، برغم ما لاقاه في سبيل ذلك من أذى، وترحال من بلد إلى بلد، وملاحقة من قبل المستعمر، إلا أنه كان عظيماً في علمه، عظيماً في خلقه، عظيماً في تقواه.
والمرحلة السورية في حياة الإمام محمد الخضر حسين تنحصر من تاريخ الرابع من شعبان (١٣٣١ هـ - الموافق ديسمبر ١٩١٢ م) عندما أقلعت الباخرة من مرساها في تونس إلى دمشق، حتى عام (١٩٣٩ هـ -١٩٢٠ م) خروجه من سورية إلى مصر.
غادر التراب التونسي وهو ينشد:
حادِي سَفينتِنا اطْوَحْ مِنْ حُمولَتِها ... زادَ الوقودِ فَما في طَرْحهِ خَطَرُ
وخُذْ إذا خمدَتْ أنْفاسُ مِرْجَلِهَا ... مِنْ لَوْعةِ البَيْنِ مِقْباساً فَتَسْتَعِرُ
عندما أخذ الحنو إلى الوطن يتزايد، وحر الآسف لمفارقة الأصحاب يتصاعد.
وفي هذه المرحلة نميز ثلاث ومضات هامة من حياته:
стр. 7058
أ - نشاطه العلمي الغزير، ومكانته السامية في الأوساط السورية.
ب - دخوله السجن في عهد السفاح جمال.
ج - نضاله السياسي في ألمانيا من أجل المغرب العربي والإسلام.
هاجر الشيخ الخضر إلى دمشق وفي صدره أسى، وفي نفسه لوعة على فراق وطنه تونس. وتجمعت عدة أسباب لديه لاتخاذ هذه الخطوة:
١ - رغبته في الالتحاق بأسرته التي انتقلت بكامل أفرادها إلى دمشق، بعد أن أرتأت والدته السيدة حليمة السعدية بنتُ مصطفى بن عزوز ضرورةَ الانتقال إلى بلد آمن، والمغاربة يعتقدون أن الشام بلد شريف.
٢ - أضف إلى هذا: عامل التضييق والمراقبة والملاحقة من قبل السلطة الاستعمارية الفرنسية، ووجد أن ميدان العمل أصبح ضيقاً لا يتناسب مع روحه الوثّابة، وطموحه وآماله الكبرى في العمل الإسلامي. وفي انتقاله إلى الشام فسحة من المكان، يجد فيه المجال الأوسع لرسالته العظمى.
* نشاطه العلمي الغزير، ومكانته السامية في الأوساط السورية:
دخل إلى دمشق على القطار القادم من بيروت، وعند مدخل مدينة دمشق حيث الغوطة الغربية الجميلة، والوادي الضيق بين جبلين، ونهر بردى يقطع الوادي عند (الربوة)، فاضت شاعريته ببيتين هما من أجمل ما قاله شعراً:
لجَّ القطارُ بنا والنارُ تَسْحَبُه ... ما بَيْنَ رائق أشْجارِ وأنهارِ
ومِنْ عجائبِ ما تَدْريهِ في ... سَفَرِ قَوْم يُقادوُنَ للجَنَّاتِ بالنّارِ
سبقته شهرته العلمية إلى الوسط الثقافي بدمشق، فبادر العلماء والأدباء
стр. 7059
للترحيب به في المجالس والنوادي، كما التف حوله طلبة العلم في حلقات الدرس والبحث، فأعطى كل فريق حقه، ووزّع أوقاته للتدريس بين الجامع الأموي، ونوادي دمشق - والمدرسة (السلطانية)، وفي مجالسه الخاصة التي كانت تُقصد على مدار الأسبوع.
يقول الإمام الخضر في إحدى رسائله إلى الشيخ محمد الصادق النيفر في تونس، والمؤرخة في ٢٠ محرم ١٣٣١ هـ: "لقينا من أهل دمشق حفاوة واحتراماً فوق ما نستحق، لاسيما الناشئة المتأدبة، وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار، وأقبلوا على تهنئتها عندما بلغهم تعيننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة في المدرسة السلطانية بدمشق".
والإمام -من خلال هذه الاحتفالات والمسامرات التي تتصل حلقاتها يوميا- لم ينسَ وطنه تونس، ولم يغب عن باله الأصحاب، ولاسيما صديق الوفاء والمحبة الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وها هو ذا يرسل له تحية شعرية:
أيَنْعمُ لي بالٌ وأَنتَ بَعيدُ ... وأَسْلو بطَيْفٍ والمنامُ شَريدُ
بَعُدْتُ بِجثماني ورُوحي رهينةٌ ... لَدَيْكَ وَلِلْودّ الصّميمِ قُيودُ
إلى أن يقول:
فأين ليالينا وأسمارنا التي ... تُبَلُّ بها عند الظِّماءِ كُبودُ
ليالٍ قَضَيناها بِتويسَ ليْتها ... تعودُ وَجيْشُ الغاصِبينَ طريدُ
ويقول في رسالة من دمشق بتاريخ ٢٩ جمادى الأول ١٣٣٢ هـ موجهة إلى الشيخ محمد الصادق النيفر: "أما سيرتنا بدمشق، فلم تتغير عن الطريقة التي كنا نسلكها في تونس، وهو أن معظم أدبائها وكبرائها يعرفوننا ونعرفهم،
стр. 7060
وبالجملة: فقد لقيت منهم أخلاقاً حسنة، وآداباً مؤنسة، وفيما بلغني أنهم راضون عن سيرتنا، ومعجبون بمسالكنا في التعليم.
كما أن للتلاميذ أدباً كامل معنا، وعواطف زائدة، ولاسيما نجباؤهم، وكثيراً ما أحادثهم بالحالة العلمية في تونس، وأحاضرهم بشؤون جامع الزيتونة. . . وعلمائه، فأصبحوا يجلّون التونسيين، ويدركون شيئاً من مقدراتهم العلمية".
إن عبارات الخطاب تشير إلى اهتمام الإمام محمد الخضر حسين ببلده تونس، والحرص على التعريف بها، وعن مكانتها العلمية.
عقد الشيخ الخضر صداقات مع كبار العلماء والمفكرين بدمشق، ومنهم: محمد كرد علي رئيس (المجمع العلمي العربى بدمشق)، وخير الدين الزركلي صاحب كتاب "الأعلام"، وعلامة الشام محمد بهجة البيطار، وشاعر الشام الأستاذ خليل مردم بك، وغيرهم الكثير.
وأصبح عضواً عاملاً في (المجمع العلمي العربي بدمشق) بجلسته الأولى في ٣٠/ ٧/ ١٩١٩ م.
وعندما عزم الإمام على الارتحال من دمشق، كتب له الشاعر الأستاذ خليل مردم بك وزيرُ خارجية سورية، ورئيس (المجمع العلمي العربي) في ذلك العهذ كتاباً رقيقاً، قال فيه: "سيدي! إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه، معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي.
فقد صحبتُ الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظَفَرها بهذا الكنز
стр. 7061
الثمين، حتى فاجأني خبرُ رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقةُ المثل: (بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل).
فلم يعد لي إلا الرجاء بأن يكون لي نصيب من الذكر في قلبه، وحظ من الخطور على باله، لذلك فأنا أتقدم إليه بهذه القصيدة؛ لتكون لي رتيمة عنده، وذكرى أحد المخلصين إليه. أمتع الله به، وأدام الكرامة، وكتب له السلامة في حله وترحاله". ومطلعها:
طَيْفٌ لِلَمْياءَ ما ينفك يبعثُ لي ... في آخرِ الليل إنْ هَوَّمْتُ أشجانا
وأجابه الشيخ الخضر بقصيدة طويلة، ومطلعها:
ما النّجْمُ تجري به الأفلاكُ في غَسقٍ ... كالدرِّ تقذفُه الأقلامُ في نسقِ
ويقول فيها:
وكيف أنْسى خليلاً قد تَضَوَّعَ في ... حُشاشتي ودُّه كالعنبرِ العَبِقِ
هذا مشهد نضربه لبيان المرتبة العلمية الرفيعة التي تبوأها الإمام في قلوب أهل العلم والأدب في دمشق.
ونظم خلال إقامته في دمشق قصائد رائعة في مناسبات عدة مختلفة، نكتفي بالإشارة إلى عنوان ومطلع بعضها:
عن الضجر من كثرة الأسفار يقول:
أنا كأسُ الكريمِ والأرضُ نادٍ ... والمطايا تطوفُ بي كالسُّقاةِ
كَمْ كؤوسٍ هَوَتْ إلى الأرضِ صَرْعى ... بين كفٍّ تديرها واللَّهاةِ
فاسمحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جفنُ ساقِيه طافحٌ بسُباتِ
ومن قصيدة في تهنئة أخيه الإمام محمد الطاهر بن عاشور عند ولايته
стр. 7062
القضاء بتونس ١٣٣٢ هـ:
بسطَ الهناءُ على القلوبِ جناحا ... فأعاد مُسْوَدَّ الحياةِ صباحا
ومنها:
أَوَ لَمْ نكُنْ كالفَرْقَدَين تَقارَبا ... والصَّفْوُ يملأُ بينَنا أَقْداحا
وله قصيدة تحت عنوان: (بكاء على مجد ضائع) قالها في دمشق سنة ١٣٢٢ هـ حين وجد للدولة العثمانية شيئاً من الضعف، ولقنصل فرنسا أمام قناصل الدول الأوروبية شيئاً من النفوذ، ومطلعها:
بين الجوانحِ همةٌ ... تسمو إلى أمدٍ بعيدِ
ومنها:
أدْمى فؤادي أَنْ أَرى الـ ... أَيامَ ترسُفُ في قيودِ
وأرى سياسةَ أمتي ... في قبضةِ الخَصْمِ العنيدِ
ومن أروع ما قاله في الحنين متشوقاً إلى تونس ومَنْ فارقهم فيها من الأصدقاء تحت عنوان: (تحية الوطن)، ومطلعها:
ماليَ لا ألمحُ من ذي الجمالْ ... سوى الخيالْ
إلى أن يقول:
يا موطني لم أنسَ عهدَ الشبابْ ... عذبَ الرُّضابْ
وريثما شمَّر يبغي الذهابْ ... صاح الغرابْ
بِنا وخُضْنا في غِمار الصِّعابْ ... بلا حسابْ
بيني وبين المجد عهدٌ يُهابْ ... فلا عتابْ
حيا رُبا تونسَ ذات الزهورْ ... عهدُ السرورْ
стр. 7063
وقال قصيدة تحت عنوان: (الشعور طليعة الفلاح) أيام الحرب العظمى في دمشق سنة ١٣٣٤ هـ، ومطلعها:
وإن ساورَتْ بعضَ القلوب ضغينةٌ ... وعادت من البغضاءِ كالحَشَفِ البالي
وفيها يقول:
لنا هممٌ تسمو إلى العِلْمِ رفعةً ... وهِمّاتُ بعضِ الناس تصبو إلى المالِ
وله قصيدة (بكاء على قبر) يرثي بها والدته البارة السيدة حليمة السعدية بنتَ مصطفى بن عزوز. وقد عاد إلى دمشق من ألمانيا، ووجدها ارتحلت إلى الله تعالى. وهي من أهم قصائده في الرثاء، ومطلعها:
قطَّبَ الدهرُ فأبديتُ ابتساما ... وانْتضى الخطبُ فما قلتُ سلاما
"بنتَ عزّوزٍ" لقد لقنْتِنا ... خشيةَ الله وأَنْ نرعى الذِّماما
ودَرَيْنا منكِ أن لا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حُطاما
ودَريْنا منكِ أن الله لا ... يخذُلُ العبدَ إذا العبدُ استقاما
ودَرينا كيف لا نعنو لمن ... حاربَ الحقَّ وإنْ سَلَّ الحساما
وقال عند سفره من دمشق:
كأنيِّ دينارٌ وجِلَّقَ راحةٌ ... تُنافِسُ في الإنفاق راحةَ حاتمِ
فكمْ سمحتْ بي للرّحيل وليتني ... ضربتُ بها الأوتادَ ضربةَ لازمِ
وخاطب صديقه الشاعر الأستاذ خير الدين الزركلي صاحب كتاب "الأعلام" بعد أن ألقى قصيدة من نظمه في مجلسى الإمام:
يا محضراً في بُردِ شعرٍ رائعٍ ... روحَ ابْنِ بُرْدٍ وهو يلفظ بالحِكَمْ
стр. 7064
من علّمَ الشعراءَ أن يتحضّروا ... روحاً تَرَذَّى جسْمُها ثوبَ العدمْ
هذه بعض أشعاره خلال المرحلة السورية في حياته التي قالها بدمشق، وله قصائد أخرى عن دمشق خلال زيارته لها قادماً من القاهرة.
* دخوله السجن في عهد السفاح جمال:
عندما نقرأ سيرة الإمام محمد الخضر حسين نجد صفحاتِ قاسيةً مؤلمة من جراء دفاعه عن الحق، وقد عانى الأذى والاضطهاد على يد السفاح التركي جمال باشا في دمشق، وقَبِلَ الابتلاء بكل إيمان وصبر، وبقلب مؤمن صادق.
اعتقل الشيخ الإمام مدة ستة أشهر وأريعة عشر يوماً في شهر رمضان سنة (١٣٣٤ هـ الموافق آوت آب ١٩١٦ م) حتى الرابع من شهر ربيع الثاني ١٣٣٥ هـ. وأحيل إلى المحاكمة أمام المجلس العرفي العسكري تحت رئاسة فخري باشا؛ بحجّة أنه حضر مجلساً خاض فيه المجتمعون في سياسة الدولة، وسعى فيه أحدُ المحامين إلى تناول الدولة بعبارات قاسية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، والخروج عليها، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية.
واعتبرت السلطة الطاغية في دمشق أن الشيخ يحمل المسؤولية لعدم إبلاغ الإدارة المختصة بهذا الاجتماع، وما جرى فيه من حديث يتعلق بسياسة الدولة، وأذنت باعتقاله حتى يرى المجلس العرفي رأيه.
وتم الاعتقال في (خان مردم بك) بمدينة دمشق، وهو مكان مُعَدٌّ لاعتقال رجال السياسة، وكان من رفاقه في السجن: الرئيس شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري أحد رؤساء الوزارة،
стр. 7065
وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزراء في لبنان، وكان سكرتيراً لشكري الأيوبي.
وحكم المجلس العرفي على الشيخ الإمام بالبراءة مما نسب إليه , وقرر مخاطبة الدولة بطلب إعطائه مكافأة بما لحقه من ضرر.
ويقول الإمام: "ولكني لم أتشبث بهذا القرار، وقنعت بما ظهر للدولة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى".
ومن شعر الإمام في السجن:
غلَّ ذا الحبْسُ يدي عن قلمٍ ... كانَ لا يصحو عن الطِّرْس فناما
هل يذودُ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعدَه الموتَ الزُّؤاما
أنا لولا همةٌ تدعو إلى ... خِدْمة الإسلام آثرتُ الحِماما
ومن روائع شعره في المعتقل: أن الأستاذ سعدي الملا كان رفيق الإمام في زنزانة واحدة، وجرت بينهما محاورة عن البداوة والحضارة، فقال الشيخ:
جَرَى سمرٌ يومَ اعْتُقلنا بفندقِ ... ضُحانا به ليلٌ وسامرُنا رَمْسُ
فقالَ رفيقي في شَقا الحبسِ إنَّ في الْـ ... ـحضارةِ أُنْساً لا يقاسُ به أُنسُ
فقلتُ له: فضلُ البداوة راجحٌ ... وحسْبُكَ أن البَدْوَ ليس به حَبْسُ
وله أشعار أخرى في المعتقل الذي لم يزِدْه إلا قوةً في العزيمة، وإصراراً على النضال والاستمرار بصلابة في طريق الحق، ودون أن تؤثر في إيمانه الراسخ حوادث الأيام العابرة.
ومن ذكريات السجن قال في دمشق:
ولقد ذكرتُكِ في الدّجى والجندُ قد .. ضربوا على دار القضاء نِطاقا
стр. 7066
وقضاةُ حربِ أرهفوا أسماعَهم ... وصدورُهم تغْلِي عَلَيَّ حِناقا
والمدّعي يُغري القضاةَ بمصْرَعي ... ويرى مُعاناتي الدفاعَ سِياقا
أتروعُ أهوالُ المنونِ متيَّماً ... جَرَّعْتِهِ بعدَ الوصالِ فِراقا
* نضاله السباسي في ألمانيا من أجل المغرب العربي والإسلام:
جند الاستعمار الفرنسي -بالترغيب والترهيب - الآلافَ من أبناء المغرب العربي في صفوف جيشه، وزجَّ بهم كالقطيع من الأغنام في مذابح الحرب، وألقى بهم في خطوط النار الأولى من المعارك التي خاضتها فرنسا ضد ألمانيا، ووقع منهم العدد الكبير أسرى لدى القوات الألمانية. وقد سافر الإمام إلى ألمانيا؛ للاتصال بهؤلاء الأسرى؛ ليحرضهم على القتال ضدَّ فرنسا، لأن بلادهم أحوجُ إليهم في هذا الموقف، ويحثهم على التطوع لمحاربة فرنسا.
أقام في ألمانيا على مرحلتين: تسعة أشهر في عام ١٩١٧ م، وسبعة أشهر في عام ١٩١٨ م، وكان رفاقه في النضال: الشيخ صالح الشريف، والشيخ إسماعيل الصفايحي من تونس، بالإضافة إلى مناضلين عرب؛ كالأستاذ عبد العزيز شاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى.
قام بتأليف (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير المغرب، وألقى المحاضرات على الجنود المغاربة الأسرى في المعتقلات، وسعى إلى ضمِّهم تحت لواء الثورة على الاستعمار من أجل الاستقلال والحرية لأوطانهم.
وكان يكتب مناشير التحريض؛ لتلقى بواسطة المدافع وراء خطوط القتال على الجنود المغاربة، يدعوهم فيها إلى التمرد والعصيان.
أتقن اللغة الألمانية خلال مدة إقامته في برلين، واطلع على أحوال
стр. 7067
المجتمع الألماني وعاداته وأخلاقه، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البرفسور الألماني (هاردر) أحدِ العلماء المستشرقين الألمان. وتقول بعض المصادر: إنه كان يخطب باللغة الألمانية في بعض المناسبات.
حتى تحت أزير الرصاص، وفي الأتون المشتعل لهيباً ودماراً، والحرب بضجيجها وعجاجها تقرع الأسماع ليل نهار، لم يترك الشيخ القلم جانباً، وإنما دوّن مشاهداته في برلين، ونشرها في جريدة "المقتبس" بدمشق، الجزأين السابع والثامن من المجلد الثامن، كما طبعت في كتاب مستقل، وله شعر بديع في مناسبات عدة في ألمانيا ضمن ديوانه "خواطر الحياة".
أصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريض المغاربة على الثورة ضد المستعمر الفرنسي. كما صدر الأمر المؤرخ في ١٥ حزيران ١٩١٧ م، والذي تضمن: "حُجزت بقصد بيعها أملاكُ الأخضر ابن الحسين المدرسِ السابق في الجامع الأعظم الذي ثبت عصيانه"، ونشر الأمر في "الرائد التونسي" - النسخة الفرنسية الصادرة ٢٠/ ٦/ ١٩١٧ م.
أقول في خاتمة هذه المحاضرة المقتضبة عن المرحلة السورية في سيرة الإمام الخضر التي تستغرق مجلداً لباحث ودارس، ولعلِّي بهذه العجالة أوجزت كثيراً، وأوفيت. أقول:
- إن الإمام محمد الخضر حسين خزانة علم متنقلة في حله وترحاله.
- إن الإمام محمد الخضر حسين نبع إلهي لا يغور ماؤه، ولا ينضب عطاؤه.
- إن الإمام محمد الخضر حسين -كما قال فيه الأستاذ محمد مواعدة-: هو رجال في رجل.
стр. 7068
- إن الإمام محمد الخضر حسين -كما قال فيه أحد كبار علماء الأزهر، ويردده الأزهريون من بعده-: هذا. بحر لا ساحل له.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7069
محاضرات الندوة
المرحلة المصرية في حياة الإمام محمد الخضر حسين (١)
أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضي الله عن صحابة رسول الله، وعن التابعين، وتابعي التابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ورضي الله عن مشايخنا ووالدينا والحاضرين، وجميع المسلمين، آمين يا رب العالمين.
وبعد:
الإمام الشيخ محمد الخضر حسين عَلَم من أعلام الإسلام، فريدُ عصوِه، ووحيدُ دهرِه، وهو فلتة من فلتات الزمن، لن يجود الزمن بمثل هذا الرجل.
صحيح اْن الأمة الاسلامية ولّادة، ولكن هذا الرجل يعتبر فعلاً فلتة
стр. 7070
من فلتات الزمن، فهو المصلح لهذه الأمة أمرَ دينها، وهو الذي أنار السبيل لها؛ لتنهض من كبوتها، لتحارب الاستعمار، وتخرجه من بلادها.
وهو السياسي الذي قاد السفينة إلى برِّ الأمان وسطَ الأمواج المتلاطمة، والأعاصير القاتلة، والرياح العاصفة، والبروق والرعود المدوية.
وهو الصحفي الذي لا يُشق له غبار، صاحب مجلة "السعادة العظمى" في تونس، ومجلة "الشبان المسلمين" في مصر، ومجلة "الهداية الإسلامية"، ومجلة "نور الاسلام" التي هي مجلة "الأزهر" بعد ذلك، ومجلة "لواء الإسلام" ومجلة "مجمع اللغة العربية"، وجريدة "الفتح".
ومجلات وصحف أخرى لا نستطيع أن نعرفها بالتحديد، نشر فيها الشيخ الخضر قصائده ومقالاته وبحوثه، سواء الصادرة منها في مصر، أو سورية، أو تونس، أو غيرها من البلاد، ومنها: مجلة "المجمع العلمي العربي" بدمشق. ومجلة "البدر" التونسية، والمجلة "الزيتونية" التونسية، وجريدة "الزهراء" الصادرة بتونس، ومجلة "الزهراء"، وهي علمية أدبية اجتماعية، منشئها محب الدين الخطيب.
وهو الشاعر، والأديب، والخطيب المفوّه الذي يهز المنابر.
والواقع أن الشيخ محمد الخضر حسين ابتدأ حياته الأدبية شاعراً قبل أن يبدأها ناثراً؛ حيث نجد آثاره الشعرية الأولى أكثر اهتماماً بالحياة العامة، وأطرفَ أسلوباً، وأميلَ إلى التجديدِ والمطالبةِ بالإصلاح من نثره.
ولكنه سرعان ما انقلب إلى النثر، فعبّر به عن قضايا الأمة والحياة، والمجتمع والفكر، تاركاً للشعر بعض المناسبات الخاصة، والجوانب الأكثر التصاقاً بالعاطفة والوجدان والإخوانيات، وقد ترك ديوانين كبيرين، أحدهما
стр. 7071
طبع، وهو "خواطر الحياة"، والثاني مازال مخطوطاً، لكن كثيراً منه منشور في الصحف. وكان قد أعدّ للطبع، ولكن وفاة الشيخ حالت دون ذلك.
وقد رثى والدته السيدة حليمة السعدية التي توفيت سنة (١٣٣٥ هـ - ١٩١٣ م) بقصيدة يقول فيها:
قَطَّبَ الدَّهْرُ فأَبْدَيْتُ ابتساما ... وانتضى الخطبُ فما قلتُ سَلاما
لستُ أدْري أنَّ في كفَّيكَ يا ... دهرُ رُزْءاً يملأُ العيْنَ ظَلاَما
إلى آخر القصيدة.
وقد رثى زوجته المصرية الأولى السيدة زينب مدكور -وهي من عائلة مدكور، وهي عائلة كبيرة في مصر تتبع قبيلة النجمة التي تعيش في منطقة الهرم، وأعتقد أنها قبيلة من أصول يمنية- بقصيدة منها:
أعاذلُ غُضَّ الطَّرْفَ عَنْ جَفْني الباكي ... فخَطْبٌ رمى الأكْبَاد مني بأشواكِ
ولي جارةٌ أَوْدى بها سَقَمٌ إلى ... نوًى دونَ منآها المحيطِ بأفْلاكِ
إلى آخر القصيدة.
* معارك الشيخ محمد الخضر حسين الأدبية والفكرية:
ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية سنة ١٣٢٢ هـ. وقد أثار هذا القرار ضجة كبرى في العالم الإسلامي، فعقدت المؤتمرات، وكتبت المقالات المعارضة للتشهير بهذا الإلغاء الذي يتعارض مع أهل السنّة والجماعة. وقد كان الملك فؤاد ﵀ ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار؛ لأنه كان يسعى لتولِّي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية.
وقام أنصار الملك فؤاد بترويج هذه الفكرة بوسائل عديدة، وفي خضم
стр. 7072
هذا الخلاف الشديد بين المناوئين للملك فؤاد، والموافقين له، والمدافعين عن هذه الفكرة، أصدر الشيخ علي عبد الرازق أحدُ علماء الأزهر كتابة "الإسلام وأصول الحكم" سنة ١٩٢٥ م.
في الحقيقة: أن الشيخ علي عبد الرازق ﵀، وهو من بيت علم قديم في قرية أبو جرج التابعة لمحافظة المنيا في مصر، وهذا الرجل قد وهبه أبوه مع ثلاثة من إخوته للأزهر الشريف، وهو من بيت أثرياء، بيتهم مفتوح لعابري السبيل، ولا يذهب أي قاصد لصدقة، أو لطلبة فيرجع خائباً.
في حديث لي مع المرحوم الشيخ أحمد إدريس وكيلِ لجنة الفتوى بالأزهر، عندما قلت له: عندنا ندوة غداً، أو بعد غد في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور سبعين سنة على كتاب "في الشعر الجاهلي"، وتحدثنا بشأن كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، قال: يا بني! هذا الكتاب ليس للشيخ علي عبد الرازق، ولكنه لطه حسين، أضافه إليه، ليأخذ به شهرة.
وكان بينه ويين طه حسين علاقة ما من النسب أو القرابة، فخجل الرجل، كان رجلاً طيبا جداً، لم يشأ أن يُحرج طه حسين، برغم أن هيئة كبار العلماء اجتمعت، ومحت اسمه من سجلات الأزهر، وأخرجته من زمرتها.
قلت للشيخ أحمد إدريس: ما الذي عَرفك؟ قال: كنت واعظاً لهذا المركز في محافظة المنيا، مركز يتبع بني مزار، وبني مزار بلدة بها العديد من الصحابة، صحابة رسول الله الذين استشهدوا بالمعارك، الذين صاحبوا عمرو بن العاص في الفتوحات الإسلامية.
بلدة أبو جرج هذه بلدة علي عبد الرازق، وآلُ عبد الرازق بيت كريم، الشيخ أحمد إدريس ذهب إلى هذا البيت، وكان واعظاً للمركز، ذهب ليتغذى
стр. 7073
هناك، وليبيت. وعندما انتصف الليل وأراد الرجل أن يذهب إلى الحمام، وجد الشيخ علي عبد الرازق يبكي، والدموع تُبلل لحيته في جوف الليل، يُصلّي في جوف الليل والناسُ نيام، والدموع تبلل لحيته، قال له: يا مولانا! ولماذا كتبت هذا الكتاب؟ قال: يا ابني! هذا الكتاب -والله- ليس لي، ولكنه لطه حسين، أضافه إليَّ؛ لشيء من القرابة، أو شيء من المصاهرة، لآخذ به شهرة، وهذا الكتاب ليس لي.
قال: لماذا لم تتبرأ من هذا الكتاب؟ قال: ما أردت أن أُحرج طه حسين، وتحمَّل الرجلُ ما حدث له، وأنا اليوم سعيد. هذا ما أؤكد عليه بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
في ندوة طه حسين في المجلس الأعلى للثقافة، قمن بمداخلة، وقلت هذا الكلام، فغضب عليَّ الدكتور جابر عصفور، وهو من العَلْمانيين المعروفين في مصر. ولكن هو لا يعوف الحقائق، وعندما قلت هذا الكلام، قام وثار وغضب، وقال: هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً، لوقف في وجه هيئة كبار العلماء الذين أخرجوه من زمرتهم، فقلت: اذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، والصحفيون تجمعوا حولي؛ لأن هذا الكلام جديد بعد مرور أكثر من سبعين سنة على هذا الكتاب. وذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، وأكد لهم ما قلته، ونشر ذلك في الصحف.
هذا بخصوص "الإسلام وأصول الحكم"، وقد عارضه مولانا وشيخنا الجليل الشيخ الخضر حسين، عارض هذا الكتاب، فأُعجب به الملك فؤاد؛ لأنه كان يريد أن يكون خليفة للمسلمين.
كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، يقول فيه طه حسين؛ لأنه ليس لعلي
стр. 7074
عبد الرازق، يقول: إن الحكومات الحديثة لا تحتاج إلى الخلافة، والخلافة ليست ضرورية، وليست من الدين، هذا كلام طه حسين، وهو كلام المستشرقين.
وطه حسين -بالطبع- حاقد على الأزهر الشريف، برغم أنه أكل من خيرات الأزهر، ولحم أكتافه من خيرات الأزهر الشريف، وجلس في زاوية العميان، يحترمونه، ويأكل ويشرب ويكتسي على نفقة الأزهر الشريف، حيث كان فقيراً، الأزهر الشريف خيرُه على أشداق الذين درسوا فيه، وبرغم هذا يشتمون الأزهر، ويلعنون المشايخ.
قال طه حسين يشتم اللجنة التي ناقشته في الدكتوراه، أو في العالمية، في قصيدة طويلة يشتم فيها المشايخ:
جلسةٌ في الضُّحى ... بين العمائمِ واللِّحَى
أتذكَّر هذا البيت.
وثار عليه المشايخ، وسألوه أسئلة عويصة كانت سبباً في أنه لم ينجح في العالمية، فغضب على الأزهر الشريف، واتجه إلى المستشرقين أربابِ النعمة عليه، وقيل: إنهم أعطوه الدكتوراه في جلسة شاي. هكذا يقولون.
وأنا أخذت في هذه الندوة، ندوةِ كتاب "في الشعر الجاهلي"، حصلت على ملف الدكتور طه حسين، اشتريته بثمن غالٍ، وليس ببخس، وجئت به إلى جابر عصفور. فقال لي: جبت الملف ده منين؟ قلت: أنا صحّيته من النوم، وقلت له: قم يا طه، هناك مؤتمر بالنسبة لك.
قال بعد أن قلّب الملف: أريد أصوّر هذه الأوراق، وهي الأوراق التي يدافع بها المستشرقون عن طه حسين، وهم أساتذة جامعة فؤاد الأول،
стр. 7075
أو الجامعة المصرية من الفرنسيين. يدافعون عنه، ويقولون: إن الأستاذ في الجامعة حرّ يقول ما يريد. وشهد شاهد من أهلها. هم أهلُه وأحبابه شهدوا له.
فقلت له: لا تصوِّر ولا ورقة واحدة، فاسوَدَّ وجهه، وامتقع، وقال لي: لماذا قلت: أنا لا أريد أن أصور شيئاً من هذا الملف؟ قال: أنا أريد أن أتفاوض مع وزارة الثقافة لأشتري منك هذا الملف بما تحب؛ لنضعه في (راماتان) -هي فيلا طه حسين-، فقلت: أنا لا أريد أن أبيع هذا الملف، أنا أريد أن بيقى عندي.
خُذْ صوِّر هذه الثلاث ورقات، هذه الثلاث ورقات قرأتها على الحاضرين. وفيها دفاع طبعاً عن طه حسين، المستشرقون الفرنسيون يدافعون عن طه حسين. هذا كلام أقوله أمام حضراتكم.
هذا بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي أُعجب به الملك فؤاد، واستدعاه إلى الإسكندرية ليقابله هناك، وأعطاه الجنسية المصرية، فرحاً وحباً في دفاعه عن الخلافة، ونقضه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي هو لطه حسين، وليس للشيخ علي عبد الرازق.
وقد كان الملك فؤاد ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار، قرارِ إلغاء الخلافة؛ لأنه كان يسعى لتولي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية.
وقد أثار هذا الكتاب ضجة في أوساط رجال الدين والأزهر، سواء من مؤلفه الذي هو من رجال الإسلام، ولا يمكن لمثله أن يصدر عنه كتاب من هذا النوع، أو بالنسبة لمحتواه المخالف لما يعتقده العلماء والشيوخ،