أما الأستاذة نجاة بو ملالة، فقد تطرقت في محاضرتها إلى قضايا الإصلاح من خلال دراسة مستفيضة لمجلة "السعادة العظمى".
وألقى الأستاذ جمال الدين دراويل محاضرة رصد فيها تطور الخطاب الديني لدى الشيخ من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية". ولم تكن الجلسة العلمية الثالثة أقل أهمية من الجلستين الأوليين؛ فقد تناولت مساجلات الشيخ الفكرية، فجاءت محاضرة الأستاذ فوزي المصمودي (الجزائر) لتبين النشاط الصحفي الذي قام به الشيخ منذ بداية مسيرته العلمية إلى حين وفاته.
وعن تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى" ارتجل الأستاذ كمال عمران محاضرة متميزة بيّن فيها إسهامات الشيخ في هذا المجال.
أما الأستاذ فتحي القاسمي، فقد تناولت محاضرته نقائض العلامة محمد الخضر حسين من خلال دراسته لكتابيه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين.
وفيما يخص تجربة الشيخ الشعرية، فقد تناولها الأستاذ محجوب عون في محاضرة بيّن فيها رسوخ قدم الشيخ في مجال الشعر من خلال دراسته لقصائده.
وفي اليوم الثالث من أيام الندوة، قدّم الأستاذ مصدق الجليدي محاضرة حول الإصلاح التربوي في فكر الشيخ، وبعدها أتم الأستاذ الجندي عرض بعض الوثائق والأدوات التي جلبها من رواق المغاربة بالأزهر الشريف، ثم دارت مداولات حول دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية
стр. 7247
خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين أنموذجاً.
* اختتام الندوة:
اختتمت الندوة بكلمة ألقاها الأستاذ أبو بكر الأخزوري وزير الشؤون الدينية، أكد فيها على مقومات الهوية وثوابتها، وبارك أعمال الندوة، كما تولى تكريم الأستاذ المنجي الشملي، بمنحه شهادة تقدير؛ اعترافاً بمساهمته العلمية في الندوة، وكرم السادةُ: والي توزر، معتمدُ نفطة، المندوب الجهوي للثقافة والمحافظة على التراث، والكاتبُ العام للجنة التنسيق بتوزر، كرموا المحاضرين والمساهمين في إنجاز الندوة.
وإلى جانب النجاح العلمي الذي حققته الندوة، وثقت عرا التواصل والتعاون الثقافي بين تونس والجزائر بالإعلان عن توءمة بين (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، (والجمعية الخلدونية بالجزائر).
وعلى هامش الندوة أقامت الفنانة التشكيلية روضة يحيى معرضاً لمجموعة من لوحاتها، كما احتفت (المدرسة الأساسية الخضر حسين) بنفطة بضيوف الندوة؛ إذ قدم كورال أطفالها مجموعة من الأناشيد والأغاني.
стр. 7248
على هامش الندوة
الفن يحتفي بخريج الزيتونة - شيخ الأزهر (١)
من الأمور التي سعت إليها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) ضمن ندوتها العشرين، والتي خصصتها للعلامة محمد الخضر حسين، بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته، وذلك أيام ١٦ - ١٧ - ١٨ جانفي ٢٠٠٩ م، إلى جانب تتبع الوعي الإصلاحي لدى الرجل، هو: محاولة استعادة عناصر الحياة بكل تفاصيلها في الفترة التي عاش فيها هذا المفكر الفذّ، سواء في تونس، أو في الشرق العربي، أو في الغرب.
ويتجلى ذلك -بالنسبة إلى مصر- في العرض الذي قدمه الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، الذي حمل للندوة الأدوات التي كان للأزهر، بالإضافة إلى عديد الوثائق والملبوسات وغيرها.
كما مثلث المعارض التي أقيمت بالمناسبة مظاهر من تلك الحياة منذ تأسيسه لأول مجلة عربية في تونس بعنوان "السعادة العظمى" سنة ١٩٠٤ م، وحتى سنة ١٩٥٨ م شهر فيفري؛ حيث نشر آخر مقال له في مجلة "لواء الإسلام"، وهو الشهر نفسه الذي توفي فيه.
стр. 7249
وتؤكد المعارض التذكارية التي أقيمت حول حياة الشيخ في نفطة، والجريد، ومعرض بيت البناني، ومعرض مؤلفاته: أن الرجل يمثل مؤسسة عتيدة، سيكون موضوع أكثر من ندوة في المستقبل.
ويقدم معرض الرسم حول مدينة تونس أيام العلامة محمد الخضر حسين، للرسامة الناشئة روضة يحيى، مظهراً من مظاهر الحياة العامة إذ ذاك، وخاصة من حيث العمارة التي تعكس هدوء الحياة وبساطتها، ولا تنسى الأعمال بما يتحرك في الأعماق من ردود فعل تجاه ما يجري في مواجهة المستعمر، ومن طابور المحافظين على تكريس الاستسلام والقبول بما يأتيه الأجنبي، إلا أن الشيخ محمد الخضر حسين مزّق الصمت، ونبش في الضمائر، وحرك السواكن بمجلته "السعادة العظمى"، وبما استحدثه من أساليب في التناول والطرح وما إليهما.
ففي معرض اشتمل على ١٧ لوحة من أحجام متوسطة -غالباً-، جميعها تتناول العمارة من خلال الزوايا والكتاتيب والمساجد والأسواق القديمة، وفيها تتجلى خصوصيات العمارة والفضاءات؛ كأماكن العبادة بأقواسها وصوامعها.
كما أنجزت هذه الرسامة صورة الشيخ محمد الخضر حسين جاءت ألوانها تتميز بالهدوء، ومتماهية مع المظهر العام، وناهلة منه، وهو ما يمكن مشاهدته في بعض البناءات المتداعية، أو التي في حالة ترميم، هنا أو هناك في البلاد التونسية. وفيها يستذكر المشاهد، أو ربما تحمله تلك الألوان إلى سنوات بداية القرن العشرين، وما ينتشر فيها من البناءات البسيطة، ولكنها تتمتع بجمال خاص، وتحمل طابعاً معمارياً متميزاً، وبتلك المعارض كان
стр. 7250
للفن حضور الاحتفاء بالشيخ محمد الخضر حسين.
كانت مدينة "نفطة" بكل ما فيها، تذكرنا بشخصية الشيخ محمد الخضر حسين، وقد أسهم عدد من أبنائها في فتح فضاءاتهم لتكون امتداداً للتظاهرة؛ مثل: المتاحف الخاصة، والمحلات، وغيرها.
وباعتبار أن أصل عائلة الشيخ من الجزائر، فقد أسهم وفد هام من الأساتذة الجزائريين في الندوة، وكان تداخلهم لافتاً ومؤثراً، ومؤكداً: أن الشيخ شخصية عربية تؤسس للإصلاح، وتتصدى لمعوقات التطور والنمو الفكري، والتحرر من الاستعمار، والبناء الحضاري.
يذكر أن ابن أخي المحتفى به الأستاذ علي الرّضا الحسيني قد قام بطباعة جميع آثاره في دمشق حيث يقيم، وينتظر أن تصدر طبعة بأعماله الكاملة في تونس. وتوجد بنفطة مدرسة باسمه تتميز بتفوق تلاميذها، وحصولهم على عديد الجوائز التي تؤكد نبوغهم وإبداعهم، خاصة من خلال نشريتهم، علماً بأن للمدرسة فرقة أطفال للإنشاد، ساهمت بعدد من الأغاني والأناشيد في أمسية اليوم الثاني من الندوة التي استمرت ثلاثة أيام.
وليس هنا التعرض إلى ما أسهم به بعض المشاركين من أفكار حركت في الجميع روح التحفز الإيجابي؛ مثل: الأساتذة المنجي الشملي، ومحمد مواعدة، والحبيب الجنحاني، وكمال عمران من تونس، والعربي الزبيري من الجزائر، وغيرهم.
مع ذلك، نلاحظ أن ثلاثة عناصر أساسية ميزت هذه الندوة، أشار إليها أحد الأساتذة بالجامعات الجزائرية، هي: الوضوح في الأهداف، وهدوء الخطاب، واتباع المناهج العلمية. وهذه العناصر إذا ما توفرت، تنتج عملاً
стр. 7251
أو أعمالاً هادفة، وذات فوائد جمة. وهو ما يُجمع على توفره فيها كل من حضر هذه الندوة، أياً كانت مشاربهم.
وقد افتتح الندوة وزير الثقافة والمحافظة على التراث، واختتمها وزير الشؤون الدينية، وقدم كل منهما بحثاً يتعلق بالمحتفى به الشيخ محمد الخضر حسين، والمدرسة التونسية في الفكر الإصلاحي، وهي المدرسة التي كان من أهم مميزاتها: النظر العميق في المسائل الفكرية، والانفتاح، وهي المميزات التي طبعت فكر الزيتوني التونسي وشيخِ الأزهر المصلح الفذ.
ومروراً بكل من حضر فعالياتها، وانتهاءً بما تمخض عنها من بحوث، ارتفعت الندوة بالطرح إلى مستوى لفت الأنظار إلى خصوصيات العلامة، وتأثيره الفعلي في الحياة العربية مشرقاً ومغرباً.
وقد ارتأى المنظمون أن موضوع المائدة المستديرة "دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين نموذجاً" سيكون موضوع الندوة المقبلة بحول الله.
стр. 7252
على هامش الندوة
شيخ الأزهر العلامة التونسي محمد الخضر حسين محل ندوة علمية في "نفطة " (١)
نظَّمت "الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي" بالتعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية ندوةً علمية أولى بنفطة من ولاية توزر حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاحِ المجتمع الإسلامي، وذلك بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته.
وافتتح الجلسة العلمية الأولى وزير الثقافة والمحافظة على التراث الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي، الذي أكد أن هذه الندوة التي تنظمها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، والتي تندرج في سياق سعي دؤوب انطلق بهدي من سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، على درب تحقيق المصالحة، مصالحة التونسي مع هويته الحضارية، ولا شك أن بلادنا قد أنجبت أعلاماً أفذاذاً، ومصلحين رواداً أسهموا في تغذية الفكر الإنساني، وإن المتتبع لتاريخ الأفكار يتبين خصوصية المدرسة التونسية التي اتسمت بالرأي العميق، والرؤية المتزنة، وباستشراف منعطفات السيرورة التاريخية،
стр. 7253
وبالانفتاح على الآخر، ونبذ الانغلاق والتعصب.
ثم ألقى الأستاذ فتحي القاسمي كلمة (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، وبين أن مرور نصف قرن على وفاة العلامة محمد الخضر حسين يمثل فرصة سانحة لتكريم هذا العَلَم الذي تعددت مواهبه، وسطع نجمه، وقد كان بَثَّ في المجتمع التونسي روح المبادرة والتجديد والتنوير، دافع عن الحرية، ودعا عالياً إلى الإصلاح، وعندما ضاقت به السبل، شدّ الرحال إلى الشام، فكان خير مدافع عن العروبة والإسلام، ثم رحل إلى مصر أين اختير شيخاً للأزهر الذي جدد فيه الحياة، وأحدث في الإسلام طفرة من التجديد.
وقد تخللت هذه الجلسة الترحيبية بالضيوف كلمة اللجنة التنظيمية، ألقاها الأستاذ محمد مواعدة، وكلمة السيد والي توزر، وكلمة العائلة ألقاها علي الرضا الحسيني، وكلمة (الجمعية الخلدونية بالجزائر)، وكلمة الأستاذ منجي الشملي باسم المشاركين.
وقدم الأستاذ محمد مواعدة مداخلة حول المرحلة التونسية في حياة الشيخ محمد الخضر حسين، خاصة وأنه أول من أنجز بحثاً جامعياً حول الخضر حسين منذ أكثر من ربع قرن تحت إشراف الدكتور المتميز منجي الشملي، وقد ركز على أهمية الفترة التونسية في ثقافة الشيخ الذي استطاع أن يساهم في الحراك الثقافي التونسي ببعثه أول مجلة تنويرية في مطلع القرن العشرين (١٩٠٤ م)، وبالرغم من استقراره في الشرق، فإنه ظل وفياً لتونس، تدل على ذلك العديد من كتاباته.
كما أن بيته في القاهرة كان قبلة القصّاد من تونس، بل إن له الفضل
стр. 7254
على بورقيبة عندما كان نكرة بالنسبة إلى المصريين؛ فقد تدخل الشيخ لتمكينه من اجتياز الحدود المصرية، كما جسم الشيخ وهو في مصر شخصية متعددة الأبعاد، فهو جزائري الأصول، تونسي التكوين والنشأة، رحل إلى الشرق، فكان له التميز، وسطع نجمه في مصر خصوصاً، وكانت له مساهمات في الثقافة الكونية في عصره.
ثم تحدث الأستاذ علي الرضا الحسيني عن المرحلة السورية في حياة الخضر حسين؛ حيث تتلمذ على يديه في سورية كثير من العلماء والأدباء، وكان له دور في (مجمع اللغة العربية) بدمشق، كما تركت أسرته كثيراً من الآثار الأدبية والعلمية، منها: مؤلفات شقيقه زين العابدين، وقدم الحسيني معرضاً يضم جلّ مؤلفات الشيخ الخضر، وقد اختص بطبع كتب الشيخ والمهاجرين التونسيين الذين استقروا في الشرق؛ من أمثال: محمد المكي ابن عزوز خالِ الإمام الخضر، وإسماعيل الصفايحي، وصالح الشريف، والشيخ الكافي.
أما الدكتور حسين بن عزوز، الذي قدم مداخلة حول زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز وأشهر أعلامها، وكانت حرمه الرسامة روضة يحيى قدمت على هامش الندوة معرضاً ضم لوحات تشكيلية استلهمتها من بيئة الشيخ في الحاضرة التونسية.
لقد لفت الدكتور ابن عزوز الانتباه إلى جذور الشيخ خضر حسين، وإلى عائلته التي وفدت من الجزائر، واستقرت بالجنوب التونسي مع عميدها الشيخ مصطفى بن عزوز، الذي تربى على يديه الشيخ الخضر حسين، ونهل من علمه، كما تتلمذ على خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة.
стр. 7255
وفي الجلسة العلمية الثانية التي كان محورها: (العلامة محمد الخضر حسين والإصلاح الديني والاجتماعي)، وترأسها الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، فقد افتتحها الأستاذ الحبيب الجنحاني بمحاضرة عنوانها: "الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث"، وقد أكد أنه اطلع على نصوص أخرى للشيخ الخضر تعتبر جديدة، وهي باللغة الألمانية، بحوث تناولت شخصيات متعددة من رواد الحركة الإصلاحية، واعتمدت على مجموعة من مذكرات أشخاص عرفوا مباشرة الخضر حسين، منهم: شكيب أرسلان، وإن من أبرز ملامح الفكر الإصلاحي رحلات هؤلاء الرواد إلى أوروبا، ومن أبرزهم: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، والخضر حسين، ومحمد باش حامبة، وقد كتبوا هذه الرحلات عن وعي، وهي ليست مجرد تسجيلات، بل أرادوا من خلال هذه النصوص نقل صورة التقدم في أورويا إلى مجتمعاتهم، وتحدثوا عن الأفكار الإصلاحية.
وإنّ من أبرز هذه التيارات الإصلاحية:
١ - تيار يهدف إلى تجديد الفكر الديني، ونشر التعليم والتربية، والخضر حسين يندرج ضمن هذا التيار.
٢ - تيار يرى أنه لا يمكن التفكير في التحديث والحداثة قبل إنجاز مرحلة الإصلاح السياسي، قسم من هؤلاء سعى هذا المسعى التحديثي من داخل السلطة (ليس من الصدفة أن أبرز تيارات الفكر الإصلاحي انطلقت من إسطنبول ومصر وتونس، فمشروعات التحديث لهؤلاء الثلاثة انطلقت من داخل السلطة)، وقد تفطّن "حكيمُ السياسة" خيرُ الدين التونسي إلى أنه لا إمكان لمشاريع تحديثية تقدمية ضمن سلطة استبدادية.
стр. 7256
٣ - تيار يختلف عن البقية، ويؤمن بضرورة الإصلاح الفكري والسياسي، والإفادة من الجوانب المضيئة والمشرقة في التراث العربي الإسلامي في مرحلة معينة.
أما المحاضرة الثانية، فقد كانت للدكتور كمال عمران، وهي بعنوان: تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى".
وقد أكد في مستهل محاضرته: أن قدوم هذا "الآفاقي" إلى الحاضرة انطلق من "نفطة" حيث الشجاعة والجرأة والفطرة، وأن هؤلاء العلماء من أمثال العلامة الخضر حسين قد أهاجوا في الحاضرة نوعاً من التفكير غيّر الوجهة الثقافية؛ فقد جاؤوا إلى تونس، وفتحوا فتحاً مبيناً، وحملوا نسقاً فكرياً فيه من الجرأة والشجاعة الشيء الكثير، وأن الجامع الأعظم حين جاءه الشيخ الخضر كان فيه نزعتان:
أ - نزعة يترأسها الشيخ سالم بو حاجب.
ب - نزعة يترأسها الشيخ أحمد بن الخوجة، شيخ الإسلام.
فكيف شارك محمد الخضر حسين في هذه البيئة؟
١ - فكرة العقل: كيف عاد الخضر حسين إلى فكرة العقل لتطوير المنظومة الدينية؟
إن العقل عنده هو المؤسس لكل تطوير في المنظومة الدينية، فهو أداة للتأسيس، ولمراجعة الثقافة العربية الإسلامية.
٢ - التطوير بالعودة إلى الأصل، والأصل عنده مقتضى حديث نبوي شريف: "خير القُرونِ قَرني، ثم الذين يلونَهُم، ثم الذين يلونهم"، فإذا أردت أن تستصلح أحوال الدين، ينبغي أن تعود إلى هذه الفترة من الزمان.
стр. 7257
٣ - التطوير بالتفقه في الدين انطلاقاً من آلية الاجتهاد.
٤ - التطوير انطلاقاً من القيم الحديثة، وهذا لافت في نظر الشيخ. نستنتج إذن: أن للشيخ الخضر حسين:
أ - فكراً يدعو إلى تطوير المنظومة الدينية عبر القيم الإسلامية البحتة، وبيّن ذلك من خلال مقالاته في مجلته "السعادة العظمى".
ب - الشيخ اهتدى لأول مرة في تونس إلى الصحافة الدينية.
ج - الشيخ لم يكن من الإصلاحيين، بل كان من التطويريين، وحسبه أنه نفخ في البلاد التونسية هذه النسمات التي سيجني الفكر التونسي ما به يُرسي ثوابت الفكر الديني.
أما المحاضرة الثالثة، فقد كانت للأستاذة نجاة بو ملّالة، وهي بعنوان: "مجلة السعادة العظمى وقضايا الإصلاح"، ويينت فيها: أن هناك رغبة شخصية من الشيخ الخضر حسين، واقتناعاً بقيمة الصحافة، ودورها في تقدم الأمة ونحت شخصيتها، وقد تعرضت إلى ظروف نشأة هذه المجلة في وقت كانت تعيش فيه تونس طفرة وحركة إصلاحية، واهتمت بدور مجلة "السعادة العظمى" في نشر الوعي الإصلاحي، وقد كان من أبرز أهدافها: إصلاح وضع المسلمين، وإعادة مجدهم الضائع، ودعوة إلى الاتحاد والتعاون من أجل قضايا العصر، والدعوة إلى نهضة جديدة، وقد حاولت أن تقاوم انتشار الطرق والزوايا، وتطوير الشريعة الإسلامية، وتطهيرها من الأفكار البالية.
أما المحاضرة الرابعة، فقد كانت للأستاذ جمال الدين دراويل، وهي بعنوان: تطور الخطاب الديني لدى الشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية".
стр. 7258
لقد كان الشيخ ركناً من أركان النهضة الفكرية والأدبية؛ كما بيّن ذلك محمد الفاضل بن عاشور، وقد كان من أبرز ناشطي شيوخ الزيتونة في العقد الأول من القرن العشرين، وكان من أبرز محاضري الجمعية الخلدونية (١٨٩٦ م) والجمعية الصادقية (١٩٠٥ م)، وتأسست تحت إشرافه وتوجيهه أول جمعية طالبية بتونس، وهي (جمعية طلبة جامعة الزيتونة).
لقد أسس الشيخ الخضر مجلة (السعادة العظمى) وهو في مرحلة الشباب، وكان اقتحامه مجال الصحافة الفكرية دليلاً على سعة أفق الرجل ونشاطه.
لقد صدع الشيخ منذ المقال الافتتاحي بدور الاجتهاد في تطوير منظومة الشريعة الإسلامية، إنها نبرة معتبرة عن تحدّي الجمود والمحافظة، وهو ما سبب له الكثير من الاضطهاد والنكاية طوال مقامه في تونس، خصوصاً أنه كان ينتهج في فكره فهمَ مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد عبرت مقالاته في المجلة عن نظر فسيح، ورؤية عميقة، ومنزع إصلاحي، وعالج الشيخ فيها قضايا الحرية والتقدم والتمدن.
أما المحاضرة الخامسة، فقد كانت للأستاذ أنور بن خليفة، وهي بعنوان: "الشيخ محمد الخضر حسين مفسراً"، وقد تعرض فيها إلى منهج الشيخ في تفسير القرآن الكريم، ومصادره، وإنتاجه في التفسير، وقد كانت له بصمته الخاصة في تفسير بعض آيات القرآن تدل على سعة اطلاع الرجل على مدونة التفسير في حقب زمنية مختلفة.
أما الجلسة العلمية الثالثة، فقد كان محورها: العلامة محمد الخضر حسين ومساجلاته الفكرية، ترأسها الأستاذ محمد مواعدة، وافتتحها الأستاذ
стр. 7259
فوزي المصمودي (الجزائر) بمحاضرة عنوانها: الشيخ محمد الخضر حسين صحفياً.
لقد كانت مجلة "الهداية الإسلامية" مجلة مغاربية بامتياز، دافعت عن القضايا الإسلامية والوطنية والعربية، مدير المجلة الخضر حسين خصص افتتاحية العدد للدولة الحسينية بتونس، معرّجاً على الدول التي تعاقبت على تونس، وقد كان الشيخ محمد النيفر، والطاهر بن عاشور، والمكي بن عزوز من محرري هذه المجلة، وقد كانت تصل إلى الجزائر عن طريق عبد الحميد ابن باديس، وأسندت مشيخة الأزهر رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" للخضر حسين، وهي مجلة شهرية تصدر عن الأزهر الشريف تعمل على إنارة سبيل المسلمين، ومكافحة الطرق المنحرفة التي تنشرها مختلف التيارات الدينية، وقد أضاف إليه الشيخ الخضر قسماً بالإنجليزية وهو ما يحسب له.
مجلة "لواء الإسلام" كان للشيخ نصيب في إخراجها سنة ١٩٤٥ م، وهي إحدى المجلات المصرية التي قامت بدور كبير في التثقيف الإسلامي، وأسندت له رئاسة تحريرها، وتصدت إلى الملحدين، ولأفكارهم الدخيلة، وعزفت حقيقة الإسلام.
إن الشيخ الخضر حسين لم تقتصر مواكبته للحركة الصحفية على هذه المجلات، بل كان مواكباً للكثير من المجلات والجرائد، فقد كتب في جريدة "الزهرة" اليومية، و"الفجر" للحزب الدستوري، وراسل مجلة "البدر" الزيتونية، أما بمصر، فقد كتب في مجلة "الفتح"، وكتب في مجلة "مجمع اللغة العربية"، إضافة إلى مجلة "مجمع اللغة العربية" بدمشق.
أما الدكتور فتحي القاسمي، فقد كانت محاضرته بعنوان: "نقائض
стр. 7260
العلامة محمد الخضر حسين"، وقد عرف بكثرة ردوده ومجادلاته، وتمحور حديثه حول ثلاثة آثار هامة للشيخ:
١ - "حياة اللغة العربية"، وهو رد على أحد الفرنسيين الذي تساءل بقوله: هل العربية لغة حيّة؟ وقد انتصب له هذا العالِم، وردَّ عليه رداً فيه كثير من العمق والدقة.
٢ - ردّه على كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بمؤلف: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
٣ - رده على كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" بمؤلف: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
وما نلاحظه: مركزية المجادلة في المدرسة الإصلاحية عموماً؛ إذ كثير من هذه المؤلفات موسومة بروح جدالية أثارت كثيراً من الخبر، وقد انكبت نقائض الخضر حسين على معالجة مسائل وقضايا ترتبط بالآنية، وبين في رده على مقال (شارل نويل) أن الذي يتهم الإسلام ولغته بالعقم له رصيد كبير من الجهل بأسرار اللغة العربية وبحقائقها، وقد كان رده على هذه الدعوى قوياً، ومشبعاً بالدليل والحجة، ويرى أنه لابد من تضافر الجهود من أجل الدفاع عن اللغة العربية، وربطَ الشيخ بين الدفاع عن اللغة والوطن؛ حيث اعتبرها قضية وطنية، وبيّن بالحجة والدليل من واقع بيئته قدرة اللغة العربية على مواكبة الحداثة، وهي مسكونة بهاجس التطور.
أما فيما يخص الكتاب الثاني: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، فما نلاحظه: أن الشيخ الخضر انخرط في دوامة الولاء السياسي؛ لأنه أهدى الكتاب إلى الملك فؤاد الأول، وقد كتب في ذلك المفكر محمد عمارة "أجود
стр. 7261
دراسة كتبت وقتذاك، إلا أن صاحبها ساقها في الموكب الملكي"، وقد وظّف الشيخ ثقافته الزيتونية المتينة، والأزهرية العميقة لنقض هذا الكتاب، وإبطال آراء علي عبد الرازق، وجادل هذا المؤلف بدقة متناهية، فكان عالماً ثبتاً، متمكناً من المنظومة الفقهية والسياسية في حقب زمنية متلاحقة، وفيما يتعلق بمؤلفه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فما نلمسه أن الشيخ الخضر حسين كان مهتماً بالأدب، وتمرس بالآداب، وعرف شواردها، وقد بيّن أن طه حسين تلقّف أفكاراً وافدة تطعن في الإسلام والعربية، وقد كان متأثراً بأطروحات بعض المستشرقين الذين ناصبوا الإسلامَ العداء، وندّد الخضر بمن ينادون ويلهجون بحرية الفكر، وهم ينالون من الشريعة الإسلامية، وقد كانت الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب: تفنيد مطاعن طه حسين، وكان من أهم ما جادل به الشيخ طه حسين هو: ضرورة أن ينطلق من النص التأسيسي؛ أي: من القرآن، وليس مما كتبه الرواة.
إن اطّلاع الشيخ الدقيق على فرائد العربية ودقائقها اقترن بردّ من منطق دفاعي.
إن الشيخ الخضر حسين في ردوده ونقائصه الكثيرة خزانة علم، وأحد العلماء الذين اقتنعوا بضرورة المجادلة لتقديم إضافة معرفية دقيقة، وقد تميّز بالجدل العنيد، والحصر الشديد على المخاطرة الدقيقة، والحجة الصارمة.
لئن كان جدل الشيخ قائماً على روح تحررية نزاعة إلى الاعتدال، فإننا نلاحظ في مقابل ذلك -من خلال نقائضه- تضييقه الخناق على العقل.
أما الأستاذ محجوب عون، فكانت محاضرته بعنوان: الشيخ محمد
стр. 7262
الخضر حسين شاعراً، وبين فيها: أن الشيخ نشر شعره قبيل وفاته بعقد من الزمان، وبإلحاح من المقربين منه، وذكر أن شعر الخضر حسين حَكَمَه أمران اثنان: أمر الشيخ العالم من جهة، والذي يجد حرجاً في قرض الشعر؛ كما كان الحال مع الإمام الشافعي، والأمر الثاني: هو أمر الناقد؛ فقد كان الخضر حسين ناقداً من طراز رفيع، فقد رد على طه حسين في كتابه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي"، وردّ على علي عبد الرازق بكتاب: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وألف كتابه المهم في التنظير للشعر، وهو كتاب: "الخيال في الشعر العربي".
وهذه الشخصية العلمية النقدية كان لها تأثير كبير في الشخصية الشعرية للشيخ الخضر حسين، ولذلك كان شعره صدى لروح العالم، فلم يعالج من القضايا إلا ما ارتبط بالأخلاق، وإصلاح المجتمع، وخلا شعر الشيخ "خواطر الحياة" من الغزل، وحضرت فيه الإخوانيات، والتغني بالأوطان، والرثاء ... وختم الأستاذ محجوب عون مداخلته بالإشارة إلى أن الشيخ كان شاعراً ملتزما بقضايا الوطن والأمة، حتى وهو في ديار الغربة، ولكن هذا الشعر لم يكن شغل الشاعر الشاغل، فعملت فيه أصابع الشيخ الملتزم كما أصابع الشاعر المسكون بعواصف العواطف.
ثم كانت الجلسة العلمية الثالثة محورها: "دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين أنموذجاً"؛ بإشراف السيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري، وقد ركّز الأستاذ العربي الزبيري (الجامعة الجزائرية) في تدخله على الأمانة المنوطة بعهدة المثقف المغاربي لجبر
стр. 7263
ما كسرته السياسة، والاضطلاع بدور طلائعي في صلب الفضاء المغاربي الذي يعاني من الأزمات، وعدم تكتّل رجال الفكر من أجل كسب الرهان، ومواجهة أسباب الصراع.
كما دعا المثقفين في المغرب العربي خصوصاً إلى الاضطلاع بدورهم المنشودة لإنقاذ الوضع الذي تردّى فيه الواقع المغاربي؛ نتيجة استقلال المفكر، وعدم انخراطه في اتجاه التحرير والتنوير، وبناء صرح الأفكار الجديرة بإصلاح الواقع المغاربي.
أما الأستاذ مجاهد توفيق الجندي (مصر)، فقد أحضر بعض معدات الشيخ الخضر حسين، والأدوات التي كان يستعملها في حياته اليومية، وأكد أن الشيخ عالم من أعلام الإسلام، فريد عصره، ووحيد دهره، سياسي قاد السفينة إلى برّ الأمان، صحفي لا يشق له غبار، شاعر وأديب وخطيب، وأشار الأستاذ مجاهد إلى كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وقال: إن هذا الكتاب ليس له، ولكنه لطه حسين، فقط أكد فيه أن الخلاقة ليست من الدين في شيء، وهذا أسلوب طه حسين؛ لأنه يريد تصفية حسابه مع شيوخ الأزهر، ولا يمكن لمثل علي عبد الرازق أن يصدر منه هذا الكتاب، بل ذهب أكثر من ذلك، وقال: إن طه حسين أعطاه الفرنسيون الدكتوراه في جلسة شاي، ثم تحدث عن انتساب الخضر حسين إلى أعلى هيئة علمية في مصر، وعن سبب اختياره لمشيخة الأزهر الشريف سنة ١٩٥٢ م، والتي مثلت نقطة تحول كبيرة في حياته، وقال: إن ملفه موجود في رئاسة الجمهورية، ولم يفرج عنه إلى الآن، لذلك كانت المصادر -ولا زالت- شحيحة حول فترة مشيخته للأزهر.
стр. 7264
واختتم الندوة العلمية وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبو بكر الأخزوري بمداخلة قيّمة، أشار فيها إلى أهمية هذه الندوة المتأتية من كونها حلقة من حلقات السلسلة الإصلاحية التونسية من بداية القرن ١٩ إلى التغيير، فقد تناولت البحوث القيّمة بالدرس فكرَ عَلَمٍ من أعلامنا الأفذاذ، حريّ بنا جميعاً أن نستلهم من فكره ومواقفه ما يدفع بنا إلى الأفضل، وهناك جوانب كثيرة من شخصية الشيخ جديرة بالاعتبار، ولعل أبرزها: منهجه التنويري في تناول قضايا الفكر الإصلاحي، وقد سلك سبيل الدرس المعمّق، والنظر الشامل، قوام بحثه: النقد والتعريف والتعليل، منهجه أَهَّله لأن يكون مستنيراً، رافضاً لكل فكر ماضوي، كان متفتحاً، يعتمد الرأي المستند إلى دليل، رفض القول بغلق باب الاجتهاد، واستدلّ بمقتضى المنطق.
وبيّن السيد الوزير أننا اليوم نتمسك بهذا المنهج العقلاني الذي لا غنى عنه في تحقيق تطلّع المجتمعات الإسلامية إلى الرقي الحضاري، مستدلاً بنُبذ من خطب الرئيس زين العابدين بن علي، وأشار إلى أن الخضر حسين كان واعياً بضرورة تربية الشخصية الفردية والجماعية على التمسك بالهوية المتشبثة بالثوابت؛ إذ يجب علينا أن نصل إلى مرحلة صنع المعرفة، وصنع التاريخ، وذلك استناداً إلى هويتنا.
ويضيف الأستاذ أبو بكر الأخزوري: أن كل منطلقات الشيخ منطلقات إصلاحية مبنية على النصوص التأسيسية، وعلى العلوم الشرعية، وعلى الفكر الديني النيّر المؤسس على الاجتهاد، وبيّن -أيضاً-: أن الشيخ الخضر حسين لم يكتف بطرح المسألة اللغوية في محاضراته، بل تجاوز ذلك إلى العمل الميداني من خلال الجمعيات الثقافية، ومن خلال العمل المؤسساتي؛ فقد
стр. 7265
أدرك أن اللغة وعاء حضاري ولابد أن تواكب تطور المجتمعات العربية، وهو ممّن حرص على حذق اللغة الأجنبية، والتفتح على الآخر، فاكتسب الخصال الثورية لمعرفة الواقع المتجدد ...
стр. 7266
الجمعية التونسية للدراسات
والبحوث حول التراث
الفكري التونسي
شهادة تقدير
سلّمت إلى الأستاذ: على الرضا الحسيني بمناسبة
تكريم الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي له, اعترافا بفضله على تونس وبدور أبحاثه ومؤلفاته وأنشطته الفكريةُ والمتنوعة في تحقيق مزيد من الإشعاع والتميُّز.
حرّرت بتونس في ١٨/ ٠١/ ٢٠٠٩
الرئيس د. كمال عمران