الجزائر، أو في تونس، أو ليبيا، هؤلاء لا يعرفون ما يجري حتى في بلدانهم، لماذا؟ لأنهم حبسوا أنفسهم فيما يمكن أن نسميه: الوظيفة، أو العمل الرسمي، أو الجري وراء أشياء أخرى لا علاقة لها بالثقافة؛ لأن الثقافة -كما قلت- هي الوعي.
ثم إن الثقافة هي مواقف، عندما يكون الإنسان واعياً، لا بد له من مواقف تجسد ذلك الوعي، والمواقف -اسمحوا لي- لها أثمان تدفع لكي تتجسد على أرض الواقع.
ما هي مواقف المثقف في الوقت الحالي؟ مواقف المثقف -على الأقل- هي أن يؤاخي، هي أن يفتح طريق الوحدة، هي أن يعمل على تحقيق ما يصبو إليه المجتمع ككل، الشعب هنا، والشعب هناك.
لكن -مع الأسف- عندما نرى المثقف، أو ما نسميه مثقفاً يسعى دائماً لتحقيق ما يصدر عن الجهات الرسمية، هذا لم يعد مثقفاً. المفروض أن المثقف هو الذي يخط الطريق للجهات الرسمية، وليست الجهات الرسمية هي التي تخط الطريق للمثقف.
ولقد أكبرت بالأستاذ الجليل الشيخ المنجي موقفه مع وزير الداخلية، الذي أراد أن يملي عليه موقفاً من تلميذه في ذلك الوقت، هذا هو المثقف. كان يدرك، وكان يعرف أنه سيدفع ثمن موقفه هذا مع وزير الداخلية يجر عليه أتعاباً؛ لأنه كان يعرف ويدرك، فكان مستعداً لتقديم الثمن.
موضوع آخر في الجزائر جرى، هو عمر بن قدور، هذا هو زيتوني، وكان يكتب في الصحافة التونسية، والصحافة الجزائرية، وكان يظهر بموقفه المعادي للاستعمار، والداعي إلى اليقظة في أوساط المجتمع، دُعي ليغيّر
стр. 7212
مواقفه، ويغيّر كتابته، فرفض، وهُدد، فتحدى التهديد، وحُكم عليه بالحبس والنفي في مدينة "الأغواط"، وهو موجود في الجزائر، وكان في الحكم قرار أن ينتقل إلى منفاه مشياً على الأقدام ٤٥٠ كم. وبالفعل انتقل، وعندما وصل، وكان في حالة سيئة، سأله صحفي، فقال له: أنا مستعد إلى أكثر من هذا، وإلى أن أموت إن اقتضى الحال. وقع نفس الشيء مع الشيخ المكي بن شباح في بداية القرن عندما دعته السلطات الاستعمارية، وطلبت منه أن يتخلى عن النضال السياسي، ورفض، فحكم عليه بالنفي من "بسكرة" إلى "أولاد جلال"، وهو مربوط في ذيل الفرس التي كان يقودها التابع لدائرة الشرطة، هذه هي شروط المثقف.
لذلك كنت دائماً أقول للطلبة عندما يتحدثون عن الذين فجروا فتيلاً: هؤلاء لم يكونوا مثقفين. أقول لهم: لا، لم يكونوا حاملي شهادات، ولكنهم كانوا مثقفين؛ بدليل أنهم أدركوا: أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأدركوا -أيضاً- أنه ما ينبغي أن نسترجعه إن كان ثميناً يجب أن نقدم له ما هو أسمى، وهي أنفسنا، فهؤلاء هم المثقفون.
نعود إلى دور المثقف في توثيق العلاقات بين الشعب الجزائري والشعب التونسي، ما دام أرغمنا على هذه التسمية، وأرغمنا على التنازل عن كثير من المفاهيم. كنا -نحن المثقفين- نتحدث عن الإمبريالية، وكنا نتحدث عن الاستعمار، وأرغمنا على التخلي عن كثير من المفاهيم، وأتمنى أن يأتي مثقفون حقيقيون يعيدون المياه إلى مجاريها.
فالعلاقات كانت أمتن في الفترة الاستعمارية بين مثقفي الجرائر ومثقفي تونس مما عليه الآن. لم تعد هناك علاقات.
стр. 7213
كنت أتمنى أن أرى أساتذة أجلاء من تونس يزورون الجزائر مثلما كان يقع في السابق. وعندما تقع اللقاءات، وعندما تقع الاحتكاكات والحوارات، فهذا هو سبب تطور وتقدم للمجتمع. أما إذا انزوى كل على نفسه، وتقوقع، فإننا نبقى دائماً ندور في حلقة مفرغة، ومع الأسف بدلاً من أن نتقدم، فإننا نتقهقر. كنا نعتبر نفسنا شخصاً واحداً، شعباً واحداً، أصبحنا نعتبر نفسنا شعبين، وحدود تقام بيننا تمنع.
هذه الحدود لم تمنع انتقال الجزائريين إلى تونس، والتونسيين إلى الجزائر في عهد الاستعمار، ولو كنا مثقفين بالفعل، ونقوم بدورنا، فإننا نرفع هذه الحقائق إلى من يهمه الأمر، ونطالب بإزالة هذه الحدود؛ لكي يتمكن المثقفون من الاتصال فيما بينهم، ويتمكنوا من معرفة ما يجري هنا، وما يجري هناك.
والمعرفة هي التي تساعد على حل المشاكل. وما لم نعرف، لا يمكن أن نصل إلى ذلك بالطبع. أعود إلى المثقفين بالفعل، أعرف في الجزائر مثقفين ليست لهم شهادات، باعوا أملاكهم ليؤسسوا جريدة. الجريدة يأتون بمقالاتها إلى تونس، وتطبع في تونس، ويعودون بها إلى الجزائر، ويوزعونها هناك، هذه العائدات لا تفي بالمصاريف اللازمة لإعادة طبع العدد الآخر، فكانوا يبيعون أملاكهم لكي يستمروا في طبع هذه الجرائد، وهذه موجودة، وشارك في تحريرها كثير من التونسيين، وشارك كثير من الجزائريين في تحرير الكثير من الجرائد التونسية.
ويبدو لي أن الجريدتين اللتين كان يشرف عليهما كل من عمر بن قدور، وعمر راسم كانتا متنفساً بالنسبة إلى المثقفين التونسيين، وقد اطلعت على
стр. 7214
كثير من المقالات، عندما تقرأ لهذا لا تكاد تفرق بين مقال هنا، ومقال هناك. لماذا؟ لأن الهدف واحد، ولأن التكوين واحد، وليست هناك مصالح شخصية تدفع هؤلاء المثقفين.
إذن، نعود إلى إعطاء الوصف، وإعطاء المعنى الصحيح للمثقف، من هو المثقف؟
عندما أصل إلى من هو المثقف، في هذه الحالة. وهذا يتطلب منا أن نعود إلى الثقافة، ما هي الثقافة؟ فنحن اليوم -مع الأسف- نجلس إلى جانب ثقافتنا، ولا ننشط في داخلها؛ لأنها ممسوخة بتأثيرات خارجية كثيرة. ولست أدري إذا كانت الجامعة التونسية تتألم مما تتألم منه الجامعة الجزائرية.
فأنا لا يمكن أن أطلب من طلبة جامعيين يُعِدّون رسائل دكتوراه، أو رسائل ماجستير في موضوعات فلسفية، أو في موضوعات تاريخية أو اجتماعية، أو في علم النفس من دون وجود مدارس وطنية.
إذا كنا نطلب من المثقف أن يكون له دور. يجب أن نحدد ما هو نوع الثقافة، قبل أن نتحدث عن دور المثقف؛ لأنه إذا كان يرتوي من مَعين ليس هو ثقافة، فلا يمكن أن تطلب منه أن يقوم بدور المثقف. والسلام.
стр. 7215
الجلسة الختامية
كلمة وزير الشؤون الدينية الدكتور أبي بكر الأخزوري في اختتام أعمال الندوة (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
يطيب لي -في البداية- أن أعبّر لكم عن عميق سعادتي بوجودي بين هذه النخبة الفكرية النيِّرة، هذه النخبة المشهود لها بالارتباطات بالعلم، وجودة البحث.
كما أعبّر عن كبير اغتباطي باختتام هذه الندوة العلمية الدولية ذاتِ الموضوع الهام: (العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، وإصلاح المجتمع الإسلامي).
أهمية هذه الندوة متأتية -أساساً- من كونها حلقة من حلقات السلسلة الإصلاحية التونسية من بداية القرن التاسع عشر إلى التغيير المبارك بقيادة رائد الإصلاح والتغيير سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، الذي انطلق في مشروعه الحضاري من فكره الثاقب من المخزون الوطني، ومن ثوابت المرجعية الفكرية لرّواد الإصلاح. يقول سيادته ما يأتي: "إن التغيير مسار متواصل،
стр. 7216
والإصلاخ استشراف مستمر للمستقبل، لا يكتفي بمواكبة التحولات، بل يعدّ لها، ولما بعدها.
وقد اخترنا الإصلاح منهجاً؛ لأننا انطلقنا من مخزون وطني عميق، واستلهمنا ثوابتنا ومراجعنا من فكر روّاده، ونضال شعبنا، ومقومات شخصيته الوطنية، وحضارته المتميزة. ونحن نذكر -بهذه المناسبة- بكل اعتزاز وإكبار روادَ الإصلاح في بلادنا، وزعماء الحركة الوطنية وقادتها، وشهداءها ومناضليها، ونحيى مآثرهم وتضحياتهم، وننزّلها المكانة اللائقة بها، لتبقى مراجعَ لأجيالنا القادمة، ومحطاتٍ وضاءة في تاريخنا الوطني". هذا من خطاب سيادته الذي ألقاه بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم سنة (١٤٢٣ هـ , الموافق ٢٠٠٢ م).
كلمة المفاتيح تحدد أغراضنا من مثل هذه الملتقيات، هذه الملتقيات التي تتناول بالدرس أعلام الفكر والثقافة، والتغيير والإصلاح، ومواكبة التحولات، الهوية، الثوابت، وليس من أغراضنا إطلاقاً التبرير والتنديد. إنما نروم الإسهام في بناء الشخصية المتميزة المشدودة إلى خلفية فكرية تاريخية، المعتزة بالتمسك بالهوية، وبالانتماء الحضاري، والانتماء إلى الوطن، الوطن لا كحيّز جغرافي فقط، إنما ككيان روحي حضاري بغايته السامية، وقيمه النبيلة، بما يمكّن تلك الشخصية الأصيلة المتجذّرة من التماس أسباب التحديث والارتقاء بالفرد والمجموع إلى أسمى ما يمكن أن يتحقق من المناعة والسؤدد، تلك هي المعادلة التي تتآخى فيها الأصالة والحداثة، التاريخيُّ والآنيُّ، والتي نراها في عهدنا السعيد تتحقق، بل قل: تنمو وتينع.
إن كل سعي إلى هذا الغرض مطلوب محمود، نطرب له وندعمه،
стр. 7217
ويقيني: أن غطاء الثقافة والمحافظة على التراث، و (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) قد نزّلت هذه الندوة في هذا الإطار بالذات، والشاهد إنما يتمثل في هذه المداخلات القيمة، وفي هذا الخيط الجامع الذي يؤلف بينها جميعا.
ولا يسعني هنا إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل المستحق إلى السادة الأساتذة الأجلاء من تونس، ومن أشقائنا الوافدين من الجزائر ومصر وسورية ومن الكويت؛ لأنني رأيت كويتياً بيننا والحمد لله، بغية الإسهام في طرق الموضوع على النحو المنهجي الذي يضمن موضوعية الاستنتاج والنتائج.
كما لا يفوتني أن أشكر الذين بذلوا جهداً ملحوظاً بالإعداد والتنظيم المحكمين، والسلط الجهوية والمحلية على اختلاف مواقعها التي دعمت العمل، وأسهمت بالتالي في إنجاح فعالياته، وعلى رأسها السيد والي "توزر".
أيها السادة والسيدات!
لقد تناولت البحوث القيّمة التي تفضلتم بإعدادها بالدرس، تناولت بالدرس فكر عَلَمٍ من أعلامنا الأفذاذ، حريٌّ بنا جميعاً أن نستلهم من فكره ومواقفه ما به نستحث الخطا للأفضل. نعم إننا لا نشرب من النهر مرتين كما يقول بعض الفلاسفة، فلا نقر الماضوية والتشبث بالقديم، لكن التاريخ مثقل بالمعاني والعبر، ورحم الله ابن خلدون الذي سمى كتابه في التاريخ: "العبر".
إن جوانب كثيرة من شخصية محمد الخضر حسين جديرة بالانضباط، ولعل أبرزها -على الإطلاق- منهجه التنويري في تناول قضايا الإصلاح الاجتماعي، وليس غريباً أن يوصف بكونه رصيناً عقلانياً، فبالتتبع والاستقراء
стр. 7218
ندرك أنه سلك سبيل الدرس المعمق، والنظر الشامل السديد.
فقد كان يعرض القضايا التي يتقبلها على معيار البحث العلمي الرصين، الذي قوامه النقد والتحليل والتعريف. يقول المرحوم الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور في كتابه "الحركة الأدبية والفكرية في تونس": "اقتضت هذه الحيرة ظهور شهاب ثاقب من شهب العلم والأدب، يهدي الحائرين، يتناول قضية الإصلاح، فيعرضها على معيار البحث العلمي الرصين، والنقد المنطقي الرزين".
إن منهجه هذا أهّله إلى أن يكون مستنيراً، رافضاً لكل فكر خرافي أسطوري، لكل فكر ماضوي، كان متفتحاً غير متعصب لقديم، يعتمد الرأي المستند إلى دليل، حتى أدبه الرائق جاء غنياً بسديد الأنظار، وبمزيد الحكم المتعلقة بالخصوص بالإصلاح الاجتماعي.
لقد رفض الشيخ الخضر حسين القول بغلق باب الاجتهاد -وأقول هذا وبأعلى الصوت لأننا بحاجة ماسة إلى ما التمسه من الاجتهاد-, واستدل بمقتضى المنطق، فقال في أول مقال كتبه في أول مجلة عربية في بلادنا أسسها هو بنفسه "السعادة العظمى" قال ما يأتي: "إن دعوى أن الاجتهاد قد أغلق هي دعوى لا تُسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن بقوته الدليل الذي انفتح به باب الاجتهاد أولاً".
إننا اليوم نتمسك بهذا المنهج العقلاني، الذي لا غنى عنه في تحقيق تطلعات المجتمعات الإسلامية إلى الرقي الحضاري المتوازن. ومن حق أبنائنا علينا أن نطلعهم على هذه الشواهد مثال الحصافة والجدّ والنبوغ، بما هي لحظات وضاءة تنير السبيل، وتعطي الخطوة الصحيحة. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
стр. 7219
الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
لقد تولدت عن هذا المنهج قيم خالدة (نعضّ عليها بالنواجذ) كما جاء في حديث رسول الله ﷺ ؛ كحرية النقد، واحترام التفكير، والوسطية والاعتدال، واعتبار النسبية لضبط الظواهر والمواقف؛ بحيث لا إفراط في فكره. ولعل قمة نبوغه في مواقفه من نزوعات عصره وأحداثه، فما إن ظهرت "العروة الوثقى" إلى تونس، ظهر اضطراب بالأفكار، ولّد -كما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور- تناحراً وتنابذاً، واهتزت الألباب دهشة من جراء ذلك الاضطراب.
ووقف الشيخ الخضر حسين في الوسط العدل، ونأى بنفسه الانحياز إلى نزعة من النزعات المتقابلة، رافضاً الإغراء في الحكم، معايشاً القضايا بكل هدوء وموضوعية، موجهاً الرأي إلى ما فيه الصلاح العام، وما يقتضيه من قيم زكية ينبغي أن تسود، وكل خلق قويم يجب أن يكون الرابط بين الطرفين.
ومما يزيدنا إكباراً لفكر محمد الخضر حسين، ويعمم رغبتنا في الاستزادة من دراسته بالعمق اللازم -وقد سمعت نباً أطرب له: أنه ستتناول هذه القضايا التي تقبلها مراراً وتكراراً في المستقبل إن شاء الله تحقيقاً-: وعيُه الكبير لضرورة تربية الشخصية الفردية والجماعية على التمسك بالهوية، الهوية المتحركة، المتشبثة بالثوابت، المعتبرة لمتغيرات الزمان والمكان، ولا تعارض بين هذه وتلك، آملة في مستقبل تواكب حركة المجتمع ومواقعه من علوم ومعارف وتقنيات كفيلة بتيسير إنجاز التقدم، وتحقيق النمو، ودعم القدرة على الإسهام في صنع التاريخ. كفانا استهلاكاً، لا بد أن نصل إلى
стр. 7220
مرحلة صنع المعرفة، صنع التاريخ، وهذا لا يتأتى إلا بالاستناد إلى هويتنا.
إن موضوع الهوية، ويناء الشخصية المتميزة القادرة على مواكبة التطورات والتغيرات الطارئة، مازال مركز اهتمام. اليوم بحاجة ماسة إلى أن نحث الخطا حتى نجذّر أبناءَنا في هويتنا، بل أقول: اقتضى الأمر مع العولمة في جوانبها جميعاً وخاصة منها الثقافية، وهذا ما أكد عليه رئيس الدولة سيادة الرئيس زين العابدين بن علي غير ما مرة، منها قوله: "إننا نتقدم على درب الحداثة والرقي متمسكين بمقومات هويتنا الوطنية، مستلهمين من ثرائها العريق ما يدفعنا إلى مزيد الإنجاز والإضاءة، لقد اخترنا لبلادنا سبيل العمل والكد، والجد والتنوير والتحديث في مدارج المعرفة والعلوم والرخاء والنماء، لتبقى تونس واحة أمان واستقرار، وأرض تسامح واعتدال، ومنارة حضارية مشعة على الدوام".
إننا عندما نتحدث عن الهوية، نعني -بالطبع- مقوماتها المتماثلة من تاريخ، ودين، ولغة، ومصالح مشتركة، هذا تعريفنا للهوية.
في خصوص التاريخ: كما نوهنا -سابقاً-: أن لذاكرة الشعوب أهمية كبرى في تحريك الثوابت، ومن هنا تأكدت ضرورة معرفة أبنائنا لتاريخ بلادهم بكل ما يتسع له من احتمالات الظواهر والأحداث، على اختلاف دروبها، ودرجات أهميتها، ولا يتأتى ذلك إلّا بقراءة موضوعية نقدية للوقائع وعللها ومتطلباتها، ومن لا تاريخ له، لا حاضر له، ولا مستقبل له.
جاء في كلمة رئيس الدولة بتصديره البريد لكتاب "تونس عبر التاريخ" ما يأتي: "التاريخ بنظامه ورموزه ومراميه هو مبنى الهوية، والعمود الفقري للشخصية الوطنية، نرى فيه دلالات تكرس تعلقنا بهويتنا وأمجادنا التاريخية،
стр. 7221
ونستلهم مآثر أجدادنا، ومكانتهم السامية". هنا أذكر أن الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ اشترك في لجنة (تدوين التاريخ) بتونس؛ مما يظهر فهمه الصحيح للتاريخ، والرأي عندي: أن له في ذلك بعض ما يذكّر بالمنهج الخلدوني، إنه كان واعي التأثر بقواعد علم العمران البشري، ويشهد بذلك اهتمامه بحياة الرجل الذي تخرج مثله في جامع الزيتونة المعمور، واستقر مثله في مصر حيث مجاله، وقد ألقى محاضرة بعنوان: (حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية).
ومن الكتّاب المعاصرين من شبّه الشيخَ محمد الخضر حسين بابن خلدون، حتى في تنقلاته وأغراضه، سواء في هجرته إلى مصر، أو إلى البلاد المغربية، نقول اليوم: المغاربية.
بخصوص الدين كمقوّم من المقومات: كل منطلقات الشيخ هي منطلقات إصلاحية، كانت مبنية على النصوص التأسيسية، على العلوم الشرعية، على الفكر الديني النيّر المؤسَّس على الاجتهاد والقيم السمحة، ومن مآثره هنا -زيادة على ما أسلفنا- يدعو إلى الاجتهاد المنضبط، إنه يعتمد الرأي حيث يثبت بالدليل، ولا يثق بالمرويات إلا بعد نقدها وعرضها على معقول المعنى. وهذا هو علم المنهج المستنير الذي ننشده اليوم، والذي به نسلم من هذه الفتاوى المضحكة المبكية التي اتسع سوقها هذه الأيام، وضمتها مذهبية مقيتة.
نعم، إن ديننا الحنيف هو عصمة أمرنا، وقوام مسارنا الحضاري، كما يقول سيادة الرئيس، والدين عقيدة وقيم ومُثل، وقراءة مقاصدية، وسند للتنمية، التنمية تستغرق كل سبل التنمية ... الدين لا ينضب معينه، وليس
стр. 7222
الدين تشبثاً -كما قلنا- بالماضي، وبأقوال رجال عبّروا عن واقعهم الذي ولّى ولن يعود. وهؤلاء رجال، ونحن رجال -كما يقول علماؤنا-. وعلينا أن نجتهد كما اجتهدوا، وأن نفهم نصوصنا لنعبّر عن واقعنا كما عبّروا، ونجدّد كما جدّدوا بكنف التمسك الواعي في ثوابت شخصيتنا.
والمقوم الثالث اللغة: - وأرى لافتة كُتب عليها: اللغة مقوّم أساسي من المقومات - يجدر القول هنا: إن الشيخ محمد الخضر حسين لم يكتف بطرح المسألة اللغوية في محاضرته التي ألقاها في نادي الجمعية الصادقية بعنوان: (حياة اللغة العربية)، لم يكتف بتدريس اللغة، بل تجاوز ذلك إلى العمل الميداني من خلال الجمعيات الثقافية ... وأقصد: هنا هذه الجمعيات الثقافية، ومن خلال العمل المؤسساتي، وأقصد هنا: المجمع العلمي العربي في دمشق، الذي يعد محمد الخضر حسين من أعضائه الأولين، كما أنه كان من أبرز الأعضاء الذين تأسس بهم مجمع اللغة العربية بمصر، فقد أبرز أن اللغة وعاء حضاري، ولابد أن تواكب حركة المجتمعات العربية، وذلك يتأتى بالانفتاح على العلوم الأخرى، واستيعاب العلوم والمعاني الجديدة. وهو ممن حرص على حذق اللغة الأجنبية، والتفتح على الآخر. وزار ألمانيا مرتين، ومن فرط ذكائه ونبوغه: أنه حفظ اللغة في أشهر معدودة، فاكتسب الخصال الثورية لمعرفة الواقع المتجدد.
هذا المقوم نحرص عليه اليوم، ومن أغلب الدلالات على ذلك: ما تفضل به سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بإطار المرجع الذي ألقاه يوم ٧ نوفمبر ٢٠٠٨ م دعا فيه إلى إحكام الإحاطة بالشباب، وتجنيبهم الاغتراب الحاصل من التحولات المتسارعة، وإلى الاهتمام باللغة العربية.
стр. 7223
وإن الإحاطة بالشباب اليوم من أدق المهام المطروحة على المجتمعات والبلدان، بحكم ما يشهده عالمنا من تطور، وما تعيشه الحضارة البشرية من تحولات متسارعة تفتح آفاقاً وفرصاً جديدة، مما يحتم حسنَ تهيئة الشباب للتأقلم معها، ومواكبتها، والاستفادة منها حتى يكون فاعلاً فيها، وحتى نجنبه ما قد ينشأ عنها من مخاطر الاغتراب، وفقدان التوازن، وغياب الوعي بالهوية. الهوية التي حرصنا دوماً على حماية مقوماتها، ومن بينها: اللغة العربية، التي ندعو وسائل الإعلام -وخصوصاً المرئية منها والمسموعة- بحكم انتشارها إلى أن تكون أول من يحافظ على سلامتها، ويعزز من حيويتها.
أيها السادة والسيدات!
إن تعلقنا بمقومات هويتنا، وحرصنا عليها لا يحتاجان إلى دليل، هنا لابد أن نرد على من أراد أن يمس من شخصيتنا، أو من انتمائنا، إننا أمناء أوفياء، نحتضن مدارك مصلحينا، وتونس لم تعد قاصرة عن كفاية عظمائها -كما سجل زين العابدين السنوسي في ترجمة لمحمد الخضر حسين- بل أضحت -وخاصة من فجر التغيير المبارك- أضحت معروفة بدائم اعتزازها بعظمائها، والنابغين من أبنائها، وأنها تذكرهم اليوم، وتكرمهم أحياء وأمواتاً، فحمداً لله.
إذن، نتجاوز هذا الاحتضان؛ لنؤسس ما به نحقق الرغبة الملحة لجميع المصلحين والمناضلين، ومن بينهم: الشيخ المصلح محمد الخضر حسين. بماذا؟ بالتواصل مع الأشقاء مغرباً ومشرقاً. إن الشيخ محمد الخضر حسين رحل إلى الجزائر؛ حيث وجد التبجيل أينما حلَّ، وحَسَناً فعل المنظمون للندوة حين أدرجوا في فعاليتها دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية
стр. 7224
الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية عامة. كما رحل إلى مصر، وإلى سورية، وإلى تركيا، ولقي في جميعها الاحترام والتقدير. وهنا -فعلاً- كانت الندوة دولية.
نعم، إن الفكر هو القاطرة، فلنعمق الصلة الثقافية والعلمية في مجتمعاتنا، وهنا أثمّن هذه التوءمة التي قامت البارحة بين جمعيتنا، والجمعية الجزائرية. وهذا مكسب كبير نريد أن يتوسع؛ لأن وحدة الفكر هو الأسّ الذي يمكن أن نبني عليه مصيرنا المشترك، فلنعمق الصلة الثقافية والعلمية بين مجتمعاتنا؛ فهي الطريق الأمثل لكشف عقول أبنائنا على قيمنا المشتركة، أملاً في بلوغ أعلى درجات النماء والتقدم.
وإننا نرجو أن تتكرر مثل هذه الملتقيات، وستتكرر -إن شاء الله- تحقيقاً، لتناول هذا العَلَم وأعلاماً آخرين من أعلامنا الذين كان لهم الفضل في النهج الإصلاحي الذي نعتز به ونفتخر.
وإن ساعدت الأبحاث والدراسات التي تناول بها أصحابها عدداً غير قليل من المواضيع المتصلة بسيرة الشيخ محمد الخضر حسين ومواقفه وفكره، فإن المرتجى هو: أن يمضي البحث في فكر الرجل إلى أعماق ما أفضى فيه إلى الآن من نتائج ومعين لا ينضب؛ تأكيداً للحقيقة، واعتباراً لتمثيل رؤاه ومواقفه في سياقها التاريخي والسياسي بما يوسع مدى نقدها من جديد.
قلت: أن نجلي أسباب ما نشاهد من تطوير في مراحل حياته على أساس من الاعتصام بالقيم الخالدة، والثوابت التي لا مهرب منها.
أجدد الشكر للجمعية، والأساتذة الأجلاء، والوافدين، والمنظمين الأكفاء، والسلط الجهوية والمحلية، أشكر كل أهل الجريد. عندما أنشد
стр. 7225
الأستاذ علي الرضا تلك الأبيات، انقدح في ذهني أن العامل الجيني له دور كبير جداً.
أشكر كل أهل الجريد الذين كان لهم -على الدوام- دور كبير، ومفترق هام في بناء الوطن وتماسكه وإشعاعه، بفضل ما أنجب من نبغاء تجاوزت حدود بعضهم حدود البلاد؛ ليقيموا جسور المحبة والإخاء والتضامن والتعاون، وبناء المصير المشترك بيننا وبين إخوتنا في المغرب والمشرق.
سدّد الله الخطا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7226
اختتام الندوة
تعقيب الأستاذ محمد مواعدة (١) على خطاب السيد وزير الشؤون الدينية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكراً للأخ العزيز، وللأستاذ المتميز الدكتور أبي بكر الأخزوري وزيرِ الشؤون الدينية.
لا أقول: على هذه الكلمة، ولكن على هذا البحث الدقيق والعميق، وليس كلمة. هو بحث من أستاذ جامعي متميز معروف بتواضعه، فهذه الكلمة الآن عميقة تمثل إضاءة جوهرية في هذه الندوة. والإخوة يعرفون أن مثل هذه الندوات العلمية، هناك بحث في الافتتاح، وبحث في الاختتام، وهذا بحث الاختتام، وليس كلمة.
وأشكركم -أيضاً- على التركيز في قضية جوهرية هي قضية الهوية، خاصة وأنتم تعلمون أن قضية الهوية الوطنية والحضارية هي الآن محل مهاجمة.
نحن نعيش الآن مرحلةَ، الهويةُ معرضة فيها للأخطار، ولذا قلت: ندوتُنا هدفها هدفنا هذا، وهو أن المساهمة في الحفاظ على الهوية وحمايتها، من
стр. 7227
بينها: العودةُ إلى مثل هذه الشخصيات التي تمثل ركائز للهوية.
إننا في هذه الندوة جعلنا العنوان: (الندوة العلمية الأولى للعلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي). وهذا الاقتراح جاء من قبل رئيس الجمعية الذي قال: "الندوة العلمية الأولى" ثم إن اللجنة التنظيمية باركت هذا التوجه؛ أي: إن هناك ندوات، وهذه الندوات -كما قال السيد الوزير- ستكون في تعميق القضايا التي تناولها الشيخ خضر حسين طوال حياته.
وبهذه المناسبة أبين للسيد الوزير ما يلي: خلال لقائي بالسيد الوالي المحترم أشرت إلى مبادرة هي الآن في دور التطور، وهي أن هدف هذه الندوة، أهميتها إلى غيرها من الندوات ستسعى إلى تكوين هيئة تهتم بأبناء الجريد قديماً وحديثاً، ونحن الآن -بالاتفاق مع الجمعية وأهل الجريد- سنسعى إلى هذا التوجيه.
وأشكر أهل الجريد، وأهل "نفطة"، وآل عزوز، والذين تعاونوا بشكل مباشر وكامل مشاركة أدبية ومادية.
وشكراً للسيد الوزير، وأطلب إبلاع السيد الرئيس زين العابدين بن علي كامل تقديرنا، وستوجه الندوةُ برقية إلى سيادته؛ لاهتمامه بصفة شخصية في هذه الندوة، هذا التوجه الذي يسعى إلى تأصيل الكيان الوطني والحضاري، وشكراً.
стр. 7228
تحية إلى نفطة والجريد في ختام الندوة (١)
ثلاثةُ أعيادٍ على ندوةِ (الِخضْرِ) ... توالتْ سِراعاً في محاورةِ الفِكْرِ
وشاهدتُ أيامَ السُّرورِ قصيرةً ... وياليتَها دامتْ إلى آخرِ العُمْرِ
و"نفطةُ" فَرْحى إذْ أعدتُمْ إمامَها ... مُعافى من الإهمالِ والنَّسْيِ والنُّكْرِ
ولو تَنطِقُ الأحجارُ عمّا تُكِنُّهُ ... لَدَوَّتْ بشكرٍ وامتنانٍ إلى الفَجْرِ
وآمنْتُ بعدَ اللهِ أنَّ اْرتقاءَنا ... بتونسَ في خيرٍ ونمضي إلى خيرِ
وآمنتُ أنَّ الله سدَّدَ خَطْوَها ... وَحفَّتْ بها الأملاكُ بالسِّرِّ والجَهْرِ
ومن يجعلِ الإخلاصَ نورَ طريقهِ ... مُنيباً إلى الرحمن واصلَ للنَّصْرِ
رأيتُ وجوهاً ترسم العِلْمَ صورةً ... وأنصَتُّ للأَفواهِ تنثر بالدرِّ
فطاحلُ، بلْ أفذاذُ، بلْ خيرُ نخبةٍ ... تجودُ بها الأيامُ في زَمنِ العُسْرِ
وقولوا إلى الشَّرْقِ الحبيبِ بحكمةٍ ... ألا فاْنظروا الأمجادَ في المغْرب الحُرِّ
تَعالوا جميعاً نَبْتني خيرَ أمَّةٍ ... بوحدَةِ أوطانٍ تُنَوِّرُ كالبَدْرِ
وننقذُ هذا الدِّينَ من كفِّ ظالمٍ ... وعالَمَنا المجنونَ من سُلْطةِ الكُفْرِ
стр. 7229
ولَمْ امْتدِحْ بالشِّعْرِ يوماً وإنَّما ... (مواعدةٌ) (١) أهديهِ شعري مع النَّثْرِ
وأُهدي إلى (عِمران) (٢) تَمَّ (كمالُه) ... وفاءً لما أبداه في ساحةِ النَّشْرِ
تحيةَ تقديرٍ تُزَفُّ كريمةً ... لجمعيةٍ تُحيي التُّراث مِنَ الهَجْرِ
علي الرّضا الحسيني
стр. 7230
ملاحظة واعتذار
ألفت نظر القارئ الكريم إلى أني استنسخت المحاضرات والكلمات والمداخلات التي ألقيت في الندوة من أقراص (D.V.D)، وقد عانيت الكثير من الاستنساخ لسببين:
أ - أن المتكلم من وراء (الميكروفون) قد يلتفت يمنة أو يُسرة دون قصد منه، فيغيب وضوح بعض الكلمات، وبعضها لا يُسمع إطلاقاً، لذا يكون التسجيل مطموساً.
ب - هناك أحد الحاضرين في جميع جلسات الندوة كان مصاباً بالسعال الحاد، ويبدو أنه اختار الجلوس بالقرب من (كاميرا) التصوير والتسجيل، وسعاله يطمس بعض الكلمات التي لم أتمكن من استيضاحها.
ولئن كانت الكلمات المطموسة معدودة على الأصابع، ولم تؤثر على المضمون، إلا أنه اقتضى التنويه والاعتذار.
ونشير إلى أن بعض المحاضرات لم تكن مسجلة على أقراص (D.V.D)، ويرغم طلبنا من أصحابها ليبعثوا بها، فلم يستجيبوا -للأسف-.
стр. 7231
الورقة العلمية (١)
ظهرت في البلاد التونسية مع مطلع القرن العشرين كوكبة من رجال الإصلاح والتنوير، تخرّج أفرادها من الجامعة الزيتونية، ونهلوا مما كانت تقدّمه (الجمعية الخلدونية) من دروس في شتّى المعارف باللسان العربي، وتعاضدوا مع أقرانهم الصادقيين.
وقد اضطرت فئة منهم إلى شد الرّحال إلى الشّرق نتيجة ملابسات وإكراهات، وسعت إلى التعريف بالقضيّة التونسية، والاستزادة من المعارف والعلوم؛ مما بوّأهم أعلى المراتب العلمية والثقافية.
وقد كان الشيخ محمد الخضر حسين في مقدّمة هؤلاء، بعد أن سعى إلى إشاعة مبادئ الإصلاح والحرية في تونس، وأصدر مجلة "السعادة العظمى". ثم سطع نجمه عند انتقاله إلى الشرق في الشام ومصر، وقد بوّأه علمه الغزير، وشهادة أولي العلم له بالمعرفة الواسعة، للعضوية في مجمع اللغة العربية في كل من دمشق والقاهرة، وبالخصوص: تولّيه منصب مشيخة جامع الأزهر، وهو مركز جليل لا يُعهد إلّا لمن رسخت قدمُه في العلم.
وقد تميّزت شخصية هذا العلامة بالمساهمة الميدانية في الحركة التحريرية
стр. 7232
لبلدان المغرب والمشرق والعالم الإسلامي، وكانت له صلات وروابط فكرية مع جمّ من علماء الشرق والمغرب، وطائفة من المستعربين.
وألّف كثيراً من الكتب في شتى الأغراض؛ مما جعل آراءه في حاجة إلى البحث والمساءلة؛ ذلك أنها تثير عدداً من الإشكاليات المتعلّقة بدور العلماء التونسيين المهاجرين والمغاربيين عموماً إلى الشرق والغرب، في حركة التحرير الوطني والإصلاح الفكري في النصف الأول من القرن العشرين.
كما تكشف آراؤه عن ملامح المشروع الفكري التنويري الذي عرضه الشيخ محمد الخضر حسين ومعاصروه من ذوي الأفكار المناوئة للاستعمار من ناحية، وللعقول المتحجّرة ودعاة التقليد من ناحية أخرى، ما يرتبط بالمناهج المبتكرة لدى العلماء الزيتونيين لإصلاح مؤسسة التعليم (مناهج ومقررات)، وتطوير الفكر الديني في المغرب والمشرق العربيّين.
وتثير شخصية الشيخ الخضر حسين - من خلال ردوده على كلٍّ من علي عبد الرّازق، وطه حسين، ومقالاته الكثيرة حول مسائل أدبيّة وفكرية واجتماعيّة - تساؤلاتٍ جوهريةً ترتبط بخصوصيّات التفكير الديني لدى العلماء التونسيين المهاجرين والمغاربة عموماً، ومدى التزامهم بالأطروحات والمواقف المتعلقة بقضايا الدين والدنيا.
كما يطرح السؤال حول مدى مساهمة نشاطهم في الشرق والغرب في إغناء آفاقهم الذهنية، وتسديد تجاربهم النضالية، وترسيخ معارفهم العلمية.
وتطمح هذه الندوة إلى تبّين أهم ما يُميّز الفكر الإصلاحي الإسلامي، انطلاقاً من هذا العالم الذي ارتبط اسمه بمسيرة الحركة الفكرية الإصلاحيّة،
стр. 7233
والنظر في مدى إشعاعها وتأثيرها في فترة تاريخية هامة وحسّاسة، مثّلت منعطفاً في تاريخ العالم العربي والإسلامي. ونظراً إلى أصول العلامة محمد الخضر حسين الجزائرية، ونشأته وتكوينه التونسي، وبروز شخصيته العلمية والثقافية، وبلوغ أوجها في كل من سورية ومصر، حسب تعبير العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، فإن هذه الندوة تطمح -أيضاً- إلى المساهمة في ترسيخ العلاقات الثقافية والفكرية بين المغرب والمشرق العربييّن، وبالخصوص بين الجارتين الشقيقتين تونس والجزائر. وهو ما ستسعى المائدة المستديرة - حول دور المثقف في توثيق العلاقات التونسيّة الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة، من خلال شخصية الشيخ محمد الخضر حسين - إلى إبرازه.
стр. 7234
برنامج الندوة
* اليوم الأول - الجمعة ١٦ جانفي ٢٠٠٩:
- صباحاً:
١٠,٠٠: ١١,٣٠ - الجلسة الافتتاحية:
١٠,٠٠: ١٠,١٠ - كلمة اللجنة التنظيمية يلقيها الأستاذ محمد مواعدة.
١٠,١٠: ١٠,٢٠ - كلمة السيد والي توزر الترحيبية.
١٠,٢٠: ١٠,٣٠ - كلمة السيد وزير الثقافة والمحافظة على التراث الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي.
١٠,٣٠: ١٠,٤٠ - كلمة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي.
١٠,٤٠: ١٠,٥٠ - كلمة العائلة يلقيها الأستاذ علي الرّضا الحسيني.
١٠,٥٠: ١١,٠٠ - كلمة الجمعية الخلدونية بالجزائر يلقيها الأستاذ فوزي المصمودي.
١١,٠٠: ١١,١٠ - كلمة الأستاذ المنجي الشملي باسم المشاركين.
١١,١٠: ١١,٣٠ - استراحة، وزيارة المعارض المقامة على هامش الندوة (مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين - صور تذكارية له - صور حول نفطة والجريد - كلمات مأثورة للشيخ محمد الخضر حسين - معرض تشكيلي حول مدينة تونس أيام العلّامة محمد الخضر حسين - معرض بيت البناني حول الشيخ محمد الخضر حسين).
стр. 7235
- بعد الظهر:
١٦. ٠٠: ١٨. ٢٠ - الجلسة العلمية الأولى:
محورها: شخصية الشيخ محمد الخضر حسين.
رئيس الجلسة الأستاذ العربي الزبيري (الجامعة الجزائرية).
٠٠. ١٦: ١٦.٢٠ - المحاضرة الأولى: المرحلة التونسية في حياة محمد الخضر حسين. الأستاذ محمد مواعدة. (تونس).
١٦.٤٠: ١٦.٢٠ - المحاضرة الثانية: المرحلة السورية في حياته، الأستاذ علي الرضا الحسيني (سورية).
١٧.٠٠: ١٦.٤٠ - المحاضرة الثالثة: المرحلة المصرية في حياته، الأستاذ مجاهد توفيق الجندي (مصر).
٠٠. ٢٠: ١٧. ١٧ - المحاضرة الرابعة: عرض حول زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز وأشهر أعلامها، الدكتور حسين بن عزوز.
* اليوم الثاني - السبت ١٧ جانفي ٢٠٠٩ م:
- صباحاً:
٣٠. ٩: ١٢.٣٠ الجلسة العلمية الثانية:
محورها: العلّامة محمد الخضر حسين والإصلاح الديني والاجتماعي.
رئيس الجلسة: الأستاذ مجاهد توفيق الجندي.
٩.٣٠: ٩.٥٠ - المحاضرة الأولى: الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث، الأستاذ الحبيب الجنحاني (تونس).
٥٠. ٩: ١٠.١٠ - المحاضرة الثانية: الإصلاح التربوي في فكر العلامة محمد الخضر حسين، الأستاذ مصدق الجليدي (تونس).
стр. 7236
١٠.١٠: ٣٠. ١٠ - المحاضرة الثالثة: مجلة "السعادة العظمى"، وقضايا الإصلاح، الأستاذة نجاة بو ملالة (تونس).
٣٠. ١٠: ٥٠. ١٠ - المحاضرة الرابعة: تطوّر الخطاب الديني للشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية"، الأستاذ جمال الدين دراويل (تونس).
٥٠. ١٠: ١١.١٠ - المحاضرة الخامسة: العلامة محمد الخضر حسين فقيهاً مُجدّداً، الأستاذ مختار الجبالي (تونس).
١٠. ١١: ١٢.٣٠ - نقاش.
- بعد الظهر:
٣٠. ١٥: ١٨.٠٠ - الجلسة العلمية الثالثة:
محورها: العلّامة محمد الخضر حسين ومساجلاته الفكرية.
رئيس الجلسة: الأستاذ محمد مواعدة.
٣٠. ١٥: ٥٠. ١٥ - المحاضرة الأولى: الشيخ محمد الخضر حسين صحفياً، الأستاذ فوزي المصمودي (الجزائر).
٥٠. ١٥: ١٦.١٠ - المحاضرة الثانية: تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى"، الأستاذ كمال عمران (تونس).
١٠. ١٦: ١٦.٣٠ - المحاضرة الثالثة: نقائض الشيخ محمد الخضر حسين، الأستاذ فتحي القاسم (تونس).
٣٠. ١٦: ١٦.٥٠ - المحاضرة الرابعة: الشيخ محمد الخضر حسين شاعراً، الأستاذ محجوب عون (تونس).
٥٠. ١٦: ١٧.١٠ - المحاضرة الخامسة: الشيخ محمد الخضر حسين مُفسّراً، الأستاذ أنور بن خليفة (تونس).
١٠. ١٧: ١٨.٠٠ - نقاش.
стр. 7237
* اليوم الثالث - الأحد ١٨ جانفي ٢٠٠٩ م:
- صباحاً:
٣٠. ٩: ١٢.٠٠ - مائدة مستديرة بإشراف السيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري، يُديرها الأستاذ الحبيب الجنحاني، ويُقدّمها الأستاذان: محمد الصالح الجابري، والعربي الزبيريّ.
٠٠. ١٢: ٣٠. ١٢ - اختتام الندوة، وتكريم المحاضرين والمساهمين في إنجازها.
- تكريم ثلة ممن خدموا التراث الفكري التونسي.
- غداء على شرف المحاضرين والضيوف.
٥٠. ١٥: ١٨. ٣٠ - زيارات ميدانية إلى الواحة، وسيدي بو علي، وزاوية الشيخ مصطفى ابن عزوز، وضريح الشاعر مصطفى خريف.
- زيارة جماعية إلى توزر، ودار شريط ...
стр. 7238
شهادات حول العلامة محمد الخضر حسين
* الشيخ محمد الطاهر بن عاشور:
"قد عرفت الحكومة من صديقنا هذا، وعرف الناس عنه بما جاءت مجلته العلمية العظمى "السعادة العظمى" (...) من البرهان على أنَّ في الطبقة العلمية العربية التونسية المتهمة بالبعد عن الشعور بالحاجات القومية رجالاً يقتاد الواحد منهم الأفكار، ويأتي بالآيات والأعمال الكبار، هكذا جعل رفيقنا هذا بمجلته لهاته الفئة اسماً شهيراً في النهضة".
* محبّ الدين الخطيب صاحب مجلة "الفتح" المصرية:
"نزل مصر، ومع تحاميه الإعلان عن نفسه، فإن عارفي فضله ونبله أحلُّوه المحلّ اللائق بكرامته، وانتدب للعمل خمسة أعوام في دار الكتب المصرية (...)، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادته بتفوق (...)، ولا جدال في أن تجنس السيد الخضر بالجنسية المصرية غُنمٌ لمصر، وجوهرة يزدان بها تاج علماء الدين".
* عبد العظيم الزرقاني:
"الأستاذ الخضر نفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد به الجواد على هذا العالم العقيم، فأحيا به من أموات الإسلام، وجدّد بعزمه من شباب الدّين".
стр. 7239
* جريدة "الوزير" التونسية (العدد ٧٧٣ الصادر في ٢٥/ ١٢/ ١٩٥٢ م):
"لأول مرة في تاريخ الأزهر، أو في تاريخ شيوخ الأزهر يذهب ثلاثة من الوزراء يطرقون باب شيخ، شيخ يبعد كل البعد عن الأزهر، وسياسة الأزهر، وأزمة الأزهر، ومناصب الأزهر، ذهب ثلاثة من الوزراء إلى شارع خيرت؛ ليطرقوا باب الشيخ الخضر حسين التونسي الأصيل، المصري الجنسية، وذهبوا إليه ليقولوا له: أنت شيخ الأزهر".
* الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:
"كان في شبابه بتونس على ما عرف من الشرق في كهولته وشيخوخته اعتدالاً، وهدوء طبع، وخلوص نية، وسعة علم، وبراعة قلم".
* د. صلاح الدين المنجد السّوري:
"كانت داره في حي الميدان مجمعَ الأفاضل، وكانت له دروس عامة يلقيها، ويجتمع فيها الكثيرون، ويفيدون منها، وكان في منتهى الذكاء، يخاطب كلاً على قدر عقله وفهمه، وكان لطيف المعشر، خفيف الظل، مع صلاح ووقار".
* الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو:
"كان أحد الذين ساهموا في بعث الثورات المسلحة بالجنوب ... وكان هو والشيخان: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي القادةَ الحقيقيين للنضال التونسي في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى".
* خير الدين الزركلي:
"كان هادئ الطبع، وقوراً، خصّ قسماً كبيراً من وقته لمقاومة الاستعمار، وانتخب رئيساً لجبهة الدفاع عن شمال إفريقيا".
стр. 7240
ترجمة الشيخ مصطفى بن عزّوز (١) في كتاب (الإتحاف) لابن أبي الضياف
العالم الوليّ، العارف بالله، أبو النخبة، سيدي مصطفى بن عزوز.
هو من بيت فضل وعلم وصلاح، وزاويتهم بصحراء الزاب من عمل "بسكرة". ومحل زاويتهم ببلدة صغيرة تسمى بالبرج. ولآل بيته شجرة بتلك النواحي؛ كما له بهذا القطر الإفريقي. ودخل هذا الولي للقطر التونسي، وبث الطريقة الرحمانية في العروش، وجدد لهذه الأمة أمر دينهم، وطريقته لا تشديد فيها لمن أراد التوغل في السلوك والخلوة، ويأمر الناس بأداء فريضة الصلاة، وذكر لا إله إلا الله بقدر الإمكان.
وطار صيته، وظهرت كرامته في العربان، لاسيما في الجهة الغربية، وأنشأ زاوية بنفطة للصادر والوارد. وكان المشير أبو العباس أحمد باي يعظم شأنه، ويجلُّه، واجتمع به غير مرة ... وسافر لأداء فريضة الحج، ورجع لتونس.
ومنّ الله به على هذا القطر، فأطفأ نار فتنة تأجّجت في سنة ثمانين؛ لأجل مغرم الاثنين وسبعين. وضمن للناس الأمان، وطوّع العاصي، وقرب القاصي، واستنزل أهل المنعة من الصياصي، ساق لذلك من بيده النواصي،
стр. 7241
ورجع لزاويته بنفطة. وكان ما كان من الاغترار بالأمان، فتغير الشيخ، وأصبح من النادمين من أجل ذلك، والمؤمن لا يلدغ من جُحْر مرتين.
وكان تقياً، نقياً، فقيهاً، صوفياً، قسم حياته بين تلاوة وذكر، ونظر في الملكوت بإعمال فكر، ووعظ وإفادة، وإخلاص في التهجّد والعبادة، وهداية إلى طرق السعادة، وإصلاح ذات البين، داعانة المحتاجين، ورحمة المساكين، وهداية الضالين، وإلى غير ذلك من أخلاق الصالحين.
وكان ﵀ فصيح اللسان، بليغ البيان في أسرار آي القرآن، صاحب ذوق في مقام العرفان، متواضعاً على رفعة هذا الشأن. يرشح وعاؤه بالرحمة والرأفة والحنان، يحب الخير لكل إنسان، داعياً لعباد الله بالهداية والإيمان والإحسان، ما شئت من محاضرات أبرار، ومطالع أسرار وأنوار، وزهد أخيار.
ولم يزل على حاله، ناظراً لمآله، يحاسب نفسه عن دقائق أعماله، ولقاءُ الله أحبُّ آماله، إلى أن أحب الله لقاءه ليلة الاثنين، آخر ذي الحجة سنة (١٢٨٢ هـ، ١٤ ماي ١٨٦٦ م)، ودفن بزاويته بنفطة. وترك الدنيا وأهل عصره يثنون عليه بخير. والآخرة خير ﵀.
* حول مدينتي "نفطة"، و "توزر":
"بَلدَان صِنْوان، وأختان توءمان جاثمان وسط رمال الصحراء، بين شط الجريد وشط الغرسة، ودُورُهُما مبنية بالآجر، وقد خطت على جدرانهما أشكال هندسية تجدها مرسومة بالزاربي، والمناطق (ج نطاق) الحريرية المزركشة التي تصنع هناك. يشرب أهلها من العيون النضاخة المنبجسة من الرمال، فتسقي واحتيهما الفاتنتين (...).
стр. 7242
وقد امتازت الوديان (منطقة دقاش) (فيهما) بالخصب وطيب الثمر، بفضل السد الجبلي الذي يحمي واحتهما من ريح الرمال والزمهرير. كما أن بلاد الجريد -عامّة- تنتج أحسن ثمار العالم طعماً وجمالاً (...).
حامة الجريد: واحة ذات مياه حارّة، فيها عدّة حمّامات طبيعية عمومية، يؤمها سكان الجريد خاصة في فصل الصيف؛ لطيب هوائها، وعذوبة مائها، وحمّاماتها المعدنية.
واشتهرت بلاد الجريد -عامة- بنسج البرانس الرفيعة، والجبب الحريرية والصوفية الدقيقة".
(انتهاء النشرة الإعلامية عن الندوة)
إبراهيم بن علي العبيدي النفطي
جغرافية تونس الحديثة
تونس: مطبعة الشريف (المقدمة ١٩٥٠) ص: ١١
стр. 7243
على هامش الندوة
نفطة (الكوفة الصغرى) تحتضن ندوة علمية حول العلامة محمد الخضر حسين (١)
بين أحضان واحات الجريد في أحد نزل "نفطة"، التأمت الندوة العلمية الأولى حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي، بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته، وذلك أيام ١٦ - ١٧ - ١٨ جانفي ٢٠٠٩ م.
هذه الندوة نظمتها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، بالتعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية.
* العلامة محمد الخضر حسين في سطور:
محمد الخضر حسين، تونسي، ينحدر من عائلة جزائرية الأصل، ولد بنفطة سنة ١٨٧٣ م، حصل على شهادة التطويع من جامع الزيتونة ١٨٩٨ م، أنشأ أول مجلة في تونس أسماها: "السعادة العظمى" ناطقة بالفصحى، ومزاحمة لمجلة "المنار" المصرية، وفي سنة ١٩٠٥ م تولى خطة القضاء ببنزرت، واستقال منه بعد شهور قليلة.
كما شارك الشيخُ في تأسيس (جمعية تلامذة جامع الزيتونة) قبل هجرته
стр. 7244
إلى الشرق سنة ١٩١٢ م. وهناك في دمشق وقع اختياره عضواً في (مجمع اللغة العربية) سنة ١٩١٩ م. وانتقل إلى مصر، واستقر بها سنة ١٩٢٠ م، تألق نجم الشيخ في الأوساط العلمية بعد ردّه على كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وذلك سنة ١٩٢٦ م، كما ردّ على كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" بكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" سنة ١٩٢٧ م.
أسس العلامة محمد الخضر حسين مجلة "الهداية الإسلامية" سنة ١٩٢٨ م، بالتعاون مع ثلة من علماء الأزهر، وكان أول رئيس لها، تواصل صدورها سنوات، ثم توقفت في أثناء الحرب العالمية الثانية، وشارك كذلك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين) بمصر في نفس السنة.
عُين الشيخ عضواً بجماعة كبار الأزهر، تولى مشيخته سنة ١٩٥٢ م، واستعفى من ذلك المنصب لتقدم سنه بعد سنتين، واستمر يمارس نشاطه العلمي دون انقطاع إلى أن توفي في شهر فيفري ١٩٥٨ م، ودفن ﵀ في التربة التيمورية بالقاهرة.
* افتتاح الندوة:
في صباح الجمعة ١٦ جانفي ٢٠٠٩ م، افتتحت الندوة بحضور السيد عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث، الذي ألقى كلمة بعد اللجنة التنظيمية والكلمة الترحيبية للسيد والي توزر، وبعد ذلك ألقى الأستاذ فتحي القاسمي كلمة (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث التونسي).
وقد حضر الندوة من سورية: الأستاذ علي الرضا الحسيني "ابن أخي الشيخ"، ومن الجزائر: الأستاذ فوزي المصمودي عن (الجمعية الخلدونية)،
стр. 7245
والأستاذ العربي الزبيري (الجامعة الجزائرية).
وحضر من مصر: الأستاذ مجاهد توفيق الجندي (جامع الأزهر)، ومن الكويت: الأستاذ فهد سالم الراشد.
* محاضرات الندوة:
تمحورت محاضرات ومداخلات الندوة حول ثلاثة محاور رئيسية:
- شخصية الشيخ محمد الخضر حسين.
- العلامة محمد الخضر حسين والإصلاح الديني والاجتماعي.
- العلامة محمد الخضر حسين ومساجلاته الفكرية.
في الجلسة العلمية الأولى سلطت محاضرة الأستاذ مواعدة الضوء على المرحلة التونسية من حياة الشيخ، وجاءت المحاضرة الثانية التي ألقاها علي الرضا الحسيني (سورية) مبينة المرحلة السورية من حياته.
أما المحاضرة المتعلقة بالمرحلة المصرية، فقد أُجلت إلى الغد؛ بسبب تأخر قدوم الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، وفي ختام الجلسة قدم الأستاذ حسين بن عزوز محاضرة حول زاوية مصطفى بن عزوز، وأشهر أعلامها، خاصة: المكي بن عزوز خال العلامة الخضر حسين.
وفي اليوم التالي ١٧ جانفي ٢٠٠٩ م تناولت الجلسة العلمية الثانية محور الإصلاح الديني والاجتماعي عند العلامة؛ فقد نزل الأستاذ الحبيب الجنحاني تجربة الشيخ الإصلاحية في سياقها التاريخي والفكري بمحاضرة متميزة عنوانها: "الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث"، كما تناول الأستاذ أنور ابن خليفة في محاضرته "تجربة التفسير عند الشيخ"، فأبرز منهجه في ذلك المجال من خلال تفسيره لسورة "البقرة"، وبعض السور الأخرى.
стр. 7246
أما الأستاذة نجاة بو ملالة، فقد تطرقت في محاضرتها إلى قضايا الإصلاح من خلال دراسة مستفيضة لمجلة "السعادة العظمى".
وألقى الأستاذ جمال الدين دراويل محاضرة رصد فيها تطور الخطاب الديني لدى الشيخ من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية". ولم تكن الجلسة العلمية الثالثة أقل أهمية من الجلستين الأوليين؛ فقد تناولت مساجلات الشيخ الفكرية، فجاءت محاضرة الأستاذ فوزي المصمودي (الجزائر) لتبين النشاط الصحفي الذي قام به الشيخ منذ بداية مسيرته العلمية إلى حين وفاته.
وعن تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى" ارتجل الأستاذ كمال عمران محاضرة متميزة بيّن فيها إسهامات الشيخ في هذا المجال.
أما الأستاذ فتحي القاسمي، فقد تناولت محاضرته نقائض العلامة محمد الخضر حسين من خلال دراسته لكتابيه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين.
وفيما يخص تجربة الشيخ الشعرية، فقد تناولها الأستاذ محجوب عون في محاضرة بيّن فيها رسوخ قدم الشيخ في مجال الشعر من خلال دراسته لقصائده.
وفي اليوم الثالث من أيام الندوة، قدّم الأستاذ مصدق الجليدي محاضرة حول الإصلاح التربوي في فكر الشيخ، وبعدها أتم الأستاذ الجندي عرض بعض الوثائق والأدوات التي جلبها من رواق المغاربة بالأزهر الشريف، ثم دارت مداولات حول دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية
стр. 7247
خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين أنموذجاً.
* اختتام الندوة:
اختتمت الندوة بكلمة ألقاها الأستاذ أبو بكر الأخزوري وزير الشؤون الدينية، أكد فيها على مقومات الهوية وثوابتها، وبارك أعمال الندوة، كما تولى تكريم الأستاذ المنجي الشملي، بمنحه شهادة تقدير؛ اعترافاً بمساهمته العلمية في الندوة، وكرم السادةُ: والي توزر، معتمدُ نفطة، المندوب الجهوي للثقافة والمحافظة على التراث، والكاتبُ العام للجنة التنسيق بتوزر، كرموا المحاضرين والمساهمين في إنجاز الندوة.
وإلى جانب النجاح العلمي الذي حققته الندوة، وثقت عرا التواصل والتعاون الثقافي بين تونس والجزائر بالإعلان عن توءمة بين (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، (والجمعية الخلدونية بالجزائر).
وعلى هامش الندوة أقامت الفنانة التشكيلية روضة يحيى معرضاً لمجموعة من لوحاتها، كما احتفت (المدرسة الأساسية الخضر حسين) بنفطة بضيوف الندوة؛ إذ قدم كورال أطفالها مجموعة من الأناشيد والأغاني.
стр. 7248
على هامش الندوة
الفن يحتفي بخريج الزيتونة - شيخ الأزهر (١)
من الأمور التي سعت إليها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) ضمن ندوتها العشرين، والتي خصصتها للعلامة محمد الخضر حسين، بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته، وذلك أيام ١٦ - ١٧ - ١٨ جانفي ٢٠٠٩ م، إلى جانب تتبع الوعي الإصلاحي لدى الرجل، هو: محاولة استعادة عناصر الحياة بكل تفاصيلها في الفترة التي عاش فيها هذا المفكر الفذّ، سواء في تونس، أو في الشرق العربي، أو في الغرب.
ويتجلى ذلك -بالنسبة إلى مصر- في العرض الذي قدمه الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، الذي حمل للندوة الأدوات التي كان للأزهر، بالإضافة إلى عديد الوثائق والملبوسات وغيرها.
كما مثلث المعارض التي أقيمت بالمناسبة مظاهر من تلك الحياة منذ تأسيسه لأول مجلة عربية في تونس بعنوان "السعادة العظمى" سنة ١٩٠٤ م، وحتى سنة ١٩٥٨ م شهر فيفري؛ حيث نشر آخر مقال له في مجلة "لواء الإسلام"، وهو الشهر نفسه الذي توفي فيه.
стр. 7249
وتؤكد المعارض التذكارية التي أقيمت حول حياة الشيخ في نفطة، والجريد، ومعرض بيت البناني، ومعرض مؤلفاته: أن الرجل يمثل مؤسسة عتيدة، سيكون موضوع أكثر من ندوة في المستقبل.
ويقدم معرض الرسم حول مدينة تونس أيام العلامة محمد الخضر حسين، للرسامة الناشئة روضة يحيى، مظهراً من مظاهر الحياة العامة إذ ذاك، وخاصة من حيث العمارة التي تعكس هدوء الحياة وبساطتها، ولا تنسى الأعمال بما يتحرك في الأعماق من ردود فعل تجاه ما يجري في مواجهة المستعمر، ومن طابور المحافظين على تكريس الاستسلام والقبول بما يأتيه الأجنبي، إلا أن الشيخ محمد الخضر حسين مزّق الصمت، ونبش في الضمائر، وحرك السواكن بمجلته "السعادة العظمى"، وبما استحدثه من أساليب في التناول والطرح وما إليهما.
ففي معرض اشتمل على ١٧ لوحة من أحجام متوسطة -غالباً-، جميعها تتناول العمارة من خلال الزوايا والكتاتيب والمساجد والأسواق القديمة، وفيها تتجلى خصوصيات العمارة والفضاءات؛ كأماكن العبادة بأقواسها وصوامعها.
كما أنجزت هذه الرسامة صورة الشيخ محمد الخضر حسين جاءت ألوانها تتميز بالهدوء، ومتماهية مع المظهر العام، وناهلة منه، وهو ما يمكن مشاهدته في بعض البناءات المتداعية، أو التي في حالة ترميم، هنا أو هناك في البلاد التونسية. وفيها يستذكر المشاهد، أو ربما تحمله تلك الألوان إلى سنوات بداية القرن العشرين، وما ينتشر فيها من البناءات البسيطة، ولكنها تتمتع بجمال خاص، وتحمل طابعاً معمارياً متميزاً، وبتلك المعارض كان
стр. 7250
للفن حضور الاحتفاء بالشيخ محمد الخضر حسين.
كانت مدينة "نفطة" بكل ما فيها، تذكرنا بشخصية الشيخ محمد الخضر حسين، وقد أسهم عدد من أبنائها في فتح فضاءاتهم لتكون امتداداً للتظاهرة؛ مثل: المتاحف الخاصة، والمحلات، وغيرها.
وباعتبار أن أصل عائلة الشيخ من الجزائر، فقد أسهم وفد هام من الأساتذة الجزائريين في الندوة، وكان تداخلهم لافتاً ومؤثراً، ومؤكداً: أن الشيخ شخصية عربية تؤسس للإصلاح، وتتصدى لمعوقات التطور والنمو الفكري، والتحرر من الاستعمار، والبناء الحضاري.
يذكر أن ابن أخي المحتفى به الأستاذ علي الرّضا الحسيني قد قام بطباعة جميع آثاره في دمشق حيث يقيم، وينتظر أن تصدر طبعة بأعماله الكاملة في تونس. وتوجد بنفطة مدرسة باسمه تتميز بتفوق تلاميذها، وحصولهم على عديد الجوائز التي تؤكد نبوغهم وإبداعهم، خاصة من خلال نشريتهم، علماً بأن للمدرسة فرقة أطفال للإنشاد، ساهمت بعدد من الأغاني والأناشيد في أمسية اليوم الثاني من الندوة التي استمرت ثلاثة أيام.
وليس هنا التعرض إلى ما أسهم به بعض المشاركين من أفكار حركت في الجميع روح التحفز الإيجابي؛ مثل: الأساتذة المنجي الشملي، ومحمد مواعدة، والحبيب الجنحاني، وكمال عمران من تونس، والعربي الزبيري من الجزائر، وغيرهم.
مع ذلك، نلاحظ أن ثلاثة عناصر أساسية ميزت هذه الندوة، أشار إليها أحد الأساتذة بالجامعات الجزائرية، هي: الوضوح في الأهداف، وهدوء الخطاب، واتباع المناهج العلمية. وهذه العناصر إذا ما توفرت، تنتج عملاً