[حي] (١) على الصلاة إلى هلموا إلى الصلاة، وأسقط جواب الأولى، وتصوير الثانية، ونقل عن الدارمي أن الحيعلة مكروهة، وكلام الشافعي يدفعه أيضًا.
قوله: وقول الغزالي: ثم يخطب بعد الصلاة، لو حذف بعد الصلاة لكان الباقي كافيًا لأن كلمة ثم تفيد التراخي. انتهى كلامه.
وتعبيره بالتراخي ذهول، بل صوابه الترتيب وأما التراخي فقد يكون مع الترتيب، وبدونه، كما لو قال: أكرم زيدًا وقت العصر وعمرًا أى وقت شئت.
قوله: ولو بدأ بالخطبة قبل الصلاة ففي الاعتداد بها احتمال للإمام. انتهى.
وقد نص الشافعي على المسألة، وصرح بأنه كما لو لم يخطب فقال: لو بدأ بالخطبة قبل الصلاة، رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة، ولا كفارة، كما لو صلى ولم يخطب. [انتهى] (٢) ونقله عنه صاحب "البحر"، وذكر في "البويطي" نحوه فقال ما نصه: فإن بدأ بالخطبة قبل الصلاة رأيت أن يعيد الخطبة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة.
قال النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، وغيرهما: الصواب -وهو ظاهر نص الشافعي: أنه لا يعتد بها.
[قوله] (٣): في التكبير وحكم الفوائت والنوافل في هذه المدة على هذا الوجه يقاس بما نذكره إن شاء الله تعالى في الأضحى. انتهى.
وتعبيره بقوله في هذه المدة إشارة إلى المدة السابقة، وهي من ليلة الفطر
стр. 1262
إلى الإحرام بالعيد فاعلمه.
قوله في "أصل الروضة": ويكبر في أيام التشريق عقب الجنازة على المذهب. انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: وقوله في العبارة على الوجه الأول عقب كل صلاة تشمل صلاة الجنازة أيضًا، لكن قال في "التتمة": لا يكبر خلفها لأنها مبنية على التخفيف.
هذا لفظه من غير زيادة عليه والمفهوم منه إنما هو الاستدراك على لفظ "الوجيز" حتى يكون الرافعي جازمًا بعدم التكبير، ولو اطلع على ما يعضده لكان يذكره على عادته، بل دخوله في لفظ الغزالي ضعيف، لأن المعهود في الصلاة والمفهوم منها عند إطلاق هذا اللفظ إنما هي ذات الركوع، والسجود، فإن تنزلنا وقلنا: ليس هذا استدراكًا فيكون حاكيًا لوجهين من غير ترجيح، واعلم أن في المسألة أربعة طرق:
أحدها: الجزم بعدم التكبير كما قاله صاحب "التتمة" ووافقه عليه الدارمي ونقله في "الحلية" عن القاضي حسين فقال: وحكى القاضي الحسين أنه لا يكبر خلفها وجهًا واحدًا.
والثاني: الجزم بالتكبير، قاله صاحب "الذخائر" فقال: والأشبه أن يقال: يكبر خلفها وجهًا واحدًا لأنها فريضة مؤداة، وقعت في وقت التكبير.
والثالث: حكاه الماوردي: أن فيها وجهين تفريعًا على قولنا: إن ما تشرع له الجماعة من النوافل يكبر خلفه.
والرابع: اختاره الشاشي -فقال: عندي ينبغي أن يبني على النفل، فإن قلنا: يكبر خلفه فهذه أولى، وإن قلنا: لا يكبر خلفه بنى على الفوائت المقتضية في أيام التشريق لأنه لا وقت لها.
стр. 1263
قوله: فلو شهد عدلان يوم الثلاثين من رمضان قبل الزوال، برؤية الهلال في الليلة الماضية أفطروا، فإن بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس، والصلاة فيها صلوها، وكانت أداءًا.
فإن لم يبق منه ذلك فهو كما لو شهدوا بعد الزوال حتى تفوت الصلاة على قول، ويجئ الخلاف في أنها هل تقضى أم لا؟ انتهى مخلصًا.
ذكر مثله في "الروضة" واشتراط جمع الناس إنما يأتي على القديم، وهو اعتبار شروط الجمعة سلمنا، لكن الصواب على هذا إنما هو اعتبار ركعة فقط بخلاف ما يقتضيه كلامه.
قوله في "أصل الروضة" في المسألة: وصارت الصلاة فائتة على المذهب، وقيل: قولان. انتهى.
جزم في "المنهاج" بطريقة القولين:
قوله: ولو شهدا بذلك بعد غروب الشمس لم تقبل شهادتهما إذ لا فائدة فيها إلا المنع من صلاة العيد، فلا يصغى إليها، ويصلون العيد من الغد أداء، هكذا قال الأئمة، واتفقوا عليه.
وفي قولهم: لا فائدة إلا ترك صلاة العيد إشكال بل لثبوت الهلال فوائد أخر كوقوع الطلاق والعتق المعلقين، وابتداء العدة منه، وغير ذلك فوجب أن يقبل هذه الفوائد، ولعل مرادهم بعدم الإصغاء في صلاة العيد جعلها فائتة لا عدم القبول على الإطلاق. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله في أول كلامه عن الأئمة من امتناع فعلها ليس كذلك، بل يفعل فضائل في وقت هو أسرع إلى التدارك من فعلها على القول بالأداء، فإنها تقضى بالليل، ولئن سلمنا فواتها فهو مقتضى شهادة البينة كما نقلتها في فوات الجمعة والحج، واستيفاء القصاص ورجم الزاني
стр. 1264
وغير ذلك، وكيف يترك العمل بها وينوي الأداء مع علمنا بانقضاء الوقت؟ وكيف يقولون عند بلوغ المخبرين عدد التواتر.
الأمرالثاني: أن ما ذكره الرافعي بحثًا قال النووي في "شرح المهذب" "وزيادات الروضة" وغيرهما: إنه المراد قطعًا؟ .
وقال ابن الرفعة: الوجه حمله على العموم، فإن التشاغل بذلك، ولا فائدة محققة في الحال عبث؟ والحاكم يشتغل بالمهمات.
نعم إن كان موجودًا فالوجه ما قاله. انتهى.
والذي قاله مردود.
قوله: ولو شهدوا قبل الغروب بعد الزوال أو قبله بيسير بحيث لا يمكن فيه الصلاة قبلت الشهادة في الفطر، ولكن تصير الصلاة فائتة، وفي قول: لا. فإن جعلناها أداءًا فلا يجوز فعلها في اليوم، وإن جعلناها قضاءًا جاز، وهل هو أفضل أم التأخير إلى ضحوة الغد؟ وجهان:
أصحهما: التقديم، وهذا إذا أمكن جمع الناس في يومهم لصغر البلد، فإن عسر فالتأخير أفضل قطعًا. انتهى.
تابعه في "الروضة" على استحباب التأخير، وهو مشكل، بل ينبغي استحباب فعلها عاجلًا مع من تيسر ومنفردًا إن لم يجد من يصلي معه، ثم يفعلها من الغد مع الإمام.
وقد سبق كلام آخر قريبًا متعلقًا بجمع الناس.
قوله: وإن جعلناها فائتة جاز تأخيرها عن الحادي والثلاثين، وفي قول: لا يجوز لأن الحادي والثلاثين يجوز أن يكون عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا بخلاف ما بعده، وحكى الإمام عن بعضهم أنَّا إذا قلنا تقضي بعد الحادي والثلاثين فيمتد إلى شهر على وجه، قال: ولعله في شهر شوال نقص أو كمل، وفي بقية ذي الحجة؛ ثم قال الرافعي بعد ذلك في الكلام على ألفاظ
стр. 1265
الغزالي: فإن قيل حيث قلنا بتخصيص القضاء بالحادي والثلاثين، فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الأضحى، قلنا: نعم، لأنه يجوز أن يفرض يوم عيد، إلا أن يقال: إن الشهادة بعد دخول ذي الحجة غير مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادي والثلاثون انتهى.
وهذا الكلام الأخير حذفه النووي جميعه، بل حذف أيضًا من كلام الإمام السابق التعرض إلى ذي الحجة فلم يبق في لفظه ما يشير إلى إلحاق صلاة الضحى بصلاة الفطر.
стр. 1266
باب صلاة الكسوف
قوله: وأقلها أن يحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ الفاتحة ويركع، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع ثانيًا ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلى ركعة ثانية كذلك. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لو أراد الاقتصار في كل ركعة على قيام واحد وركوع كسائر الصلوات لم يجز.
وقد ذكر بعده ما هو أصرح منه فقال: لو تمادى الكسوف فهل يزيد ركوعًا ثالثًا فصاعدًا حتى تنجلي الشمس؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع، ولو كان في القيام الأول فانجلى الكسوف لم تبطل صلاته؛ وهل له أن يقتصر على قومة واحدة، وركوع واحد في كل ركعة؟ وجهان [بناء] (١) على الزيادة عند التمادي. انتهى كلامه.
وهو كما قلناه يدل على امتناع الاقتصار على مقدار سائر الصلوات.
إذا علمت ذلك فقد ذكر النووي في "شرح المهذب" في آخر الباب ما يخالف ذلك، فإنه ذكر عن أبي حنيفة وجماعة أنهم قالوا: إنها ركعتان كالجمعة والصبح.
واستدل لهم بحديثين صحيحين، ثم قال ما نصه: واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما.
وأجابوا عن هذين الحديثين بجوابين:
أحدهما: أن أحاديثنا أشهر وأوضح وأكثر رواة.
والثاني: أنا نحمل أحاديثنا على الاستحباب، والحديثين على بيان الجواز.
стр. 1267
هكذا ذكر هذين الجوابين أبو إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، وسائر الأصحاب، وفيه تصريح منهم بأنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر، ونحوها صحت صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل. هذا كلامه في "شرح المهذب" وهو تباين فاحش.
نعم الأصحاب مختلفون في ذلك، وممن منعه القاضي الحسين، وممن جوزه الجرجاني في "تحريره".
قوله: فلو تمادى الكسوف فهل يجوز أن يزيد ركوعًا ثالثًا ورابعًا وخامسًا حتى تنجلي؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لأنه ورد أنه ﵊ صلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات (١)، وروى خمسة ولا يحمل له إلا التمادي.
وأظهرهما: المنع، كما لا تجوز الزيادة في سائر الصلوات. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن اقتصاره على الخمسة ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه المنع في ما عداها جزمًا، ويؤيده أنها وردت دون ما زاد كما سبق الآن، والصلاة المذكورة على خلاف القياس، فلا يتعدى بها ما ورد، وتعبير الرافعي بقوله: حتى تنجلي لا ينافي المنع في ما زاد على الخمس، كما أن علة أصل الصلاة هو الانجلاء مع قولنا: لا تجوز الزيادة.
وذكر في "الكفايهّ" ما يقتضي عدم الحصر، فإنه قال: هل يجوز أن يزيد في كل ركعة قيامًا وركوعًا فأكثر؟ هذه عبارته؛ والأول أوجه.
الأمر الثاني: أن تعليل الزيادة بتمادى الكسوف إنما يتجه في الركعة الثانية، وأما الأولى فكيف يعدم فيها التمادي بعد فراغ الركعتين، ولعل صورته أن يكون من أهل هذا العلم، واقتضى حساب علمه ذلك.
стр. 1268
نعم الأحاديث الدالة على الجواز في الركعة الأولى وإن كانت دلالتها واضحة، لكنا لا نسلم ما ذكروه من استنادها إلى ذلك، بل إلى أنه لا حصر لعددها كالوتر والضحى إلى اثنى عشر.
قوله: ويقول في الاعتدال من كل ركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. انتهى.
تابعه في "الروضة" على استحباب ذلك كله، فأما استحبابه في الاعتدال الذي يتلوه السجود فصحيح وأما الاعتدال الذي تليه القراءة وهو الاعتدال الأول من كل ركعة، فقد ذكر الماوردي في "الحاوي" أنه لا يذكر ذلك بالكلية، بل يرفع منه مكبرًا لأنه ليس باعتدال، ونقله عن النص، ولهذا عبر في "المنهاج" عنه بالرفع، وعن الثاني بالاعتدال وبتقدير استحباب ذكره، وهو ظاهر كلام الرافعي فيستحب أن يقول فيه: سمع الله لمن حمده، لأنه ذكر الانتقال.
وأما استحباب ما بعدها، وهو ربنا لك الحمد، فقد صرح به الشافعي في "المختصر" وغيره، وهو مشكل لأنه ذكر الاعتدال نفسه لا ذكر الانتقال إلى الاعتدال، ولهذا قال في "التنبيه": فإذا استوى قائمًا [قال] (١): ربنا لك الحمد.
وقال أيضًا النووي في "شرح المهذب" في باب صفة الصلاة: إن المبلغ خلف الإمام يجهر بسمع الله لمن حمده، ولا يجهر بقوله: ربنا لك الحمد، قال: لأنه ذكر الاعتدال فلم يجهر به كسائر الأذكار المستحبة في الأركان، فإذا تقرر أنه ذكر الاعتدال، فهذا الاعتدال محله القراءة، وليس في الصلاة قيام يستحب فيه الجمع بين ذكر الاعتدال وبين القراءة حتى يلحقه به، وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا ما ذكره الرافعي، وزاد فقال: إنه يستحب ربنا لك الحمد. . . . إلى آخره. هذا لفظه. فقوله: "إلى آخره"
стр. 1269
إشارة إلى أنه يقول أيضًا معه: ملء السموات وملء الأرض. . . . إلى آخر الذكر المعروف، وهو أبلغ في الإشكال، وذكر أنه ورد في الصحيحين، لكن الوارد فيهما إنما هو ربنا لك الحمد.
واعلم أن كلام الرافعي قد يحمل على ما قاله الماوردي بأن يقال: الرفع الأول قيام، وليس باعتدال في الاصطلاح، إنما الاعتدال هو الثاني.
وأغرب العجلي فحكى الخلاف في الاعتدال من الركوع الثاني، وصحح أنه يقوله لصحة الحديث فيه.
قوله في "أصل الروضة": وهل يطول السجدة؟ فيه قولان:
أظهرهما: لا كما لا يطول التشهد ولا الجلوس بين السجدتين. انتهى.
وما جزم به من جعل الخلاف قولين قد خالفه في "المنهاج" فجعله وجهين، والصواب هو المذكور هنا، فإن التطويل منصوص عليه في "البويطي" ومقابله في "الأم" و"المختصر"، والغريب أن الرافعي في "المحرر" قد عبر بالأظهر فعدل عنه إلى لفظ الأصح، وما ذكره الرافعي من عدم التطويل قد خالفه في "الروضة" فقال: الصحيح المختار أنه يطوله، وصححه أيضًا في "شرح المهذب"، وفي "المنهاج" من زياداته، واقتصر في "تصحيح التنبيه" على أنه المختار، وهو يقتضي أن الصحيح خلافه عملًا بما اصطلح عليه في ذلك الكتاب.
قوله من زوائده: فإذا قلنا بإطالته فالمختار فيها ما قاله صاحب "التهذيب" أن السجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني [كالركوع] (١) الثاني، وقال الشافعي في "البويطي": يكون نحو الركوع الذي قبله. انتهى كلامه.
واعلم أن البويطي قد عبر بقوله: "فيسجد سجدتين تامتين طويلتين
стр. 1270
يقيم في كل سجدة نحو ما أقام في ركوعه". هذه عبارته من غير زيادة ولا نقص.
ولا شك أن هذا بيان لما يفعله في الركعة الواحدة والسجدتان اللتان في الركعة الأولى قبلهما ركوعان مختلفان في الطول، وظاهر هذا أنه يطول كلًا منهما بقدر الركوع الأول منهما، وهكذا السجدتان في الركعة الثانية يطولهما كذلك، أي كل واحدة بقدر الركوع الأول من تلك الركعة، وكلام "التهذيب" يحتمل أن يريد به ما قاله الشافعي.
وحينئذ فيكون مراده بالأول هو الأول من كل ركعة لا الأول مطلقًا، وإلا لزم تطويل سجود الثانية على ركوعها، ويحتمل -وهو الظاهر- أن يريد أن السجدتين من كل ركعة كالركوعين اللذين فيهما فالسجود الأول من الركعة الأولى كركوعها الأول والثاني منه كالثاني، وهكذا الركعة الثانية، وجزم في "المنهاج" بكلام البويطي على إجماله.
قوله في "أصل الروضة": ولنا وجه أن الجماعة فيها شرط، ووجه أنها لا تقام إلا في جماعة واحدة، وهما شاذان. انتهى.
اعلم أن الأول قد حكاه الرافعي عن الإمام [ثم] (١) أنكره عليه فقال: حكاه الإمام عن الصيدلاني، ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خَرَّجَ أصحابنا وجهين في أنها هل تصلى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة كالقولين في العيد؟ هذا كلام الرافعي.
قوله: وذكر أبو سليمان الخطابي أن الذي يجئ على مذهب الشافعي ﵁ هو الجهر في صلاة كسوف الشمس. انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على هذا النقل عن الخطابي ثم قال -أعني النووي- في "شرح المهذب": إن ما نقله عن الخطابي لم أره في كتاب له.
стр. 1271
قلت: بل نقل المذكور في "معالم السنن" عن الشافعي عكسه وهو الإسرار.
قوله: ولو طلع الفجر وهو خاسف أو خسف بعد الفجر صلى على الجديد، وعلى هذا لو شرع في الصلاة بعد الفجر فطلعت الشمس في أثنائها لم تبطل صلاته كما لو انجلى الكسوف في أثنائها.
وذكر القاضي ابن كج أن هذين القولين في ما إذا غاب خاسفًا بين الفجر وطلوع الشمس، فأما إذا لم يغب، وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة بلا خلاف. انتهى.
وما قاله ابن كج قد خالفه فيه جماعات كثيرة فقالوا: إن القولين جاريان مطلقًا منهم الشيخ أبو حامد والبندنيجي والدارمي وغيرهم قال في "شرح المهذب": وهو مقتضى إطلاق الجمهور وتعليلهم، وذكر في "الروضة" قريبًا من ذلك.
قوله في "الروضة": وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد قدم ما يخاف فوته، ثم الأوكد، فلو اجتمع عيد وكسوف، أو فرض وكسوف، وخيف فوت العيد أو الفرض لضيق وقته قُدِّم، وإن لم يخف فالأظهر تقديم الكسوف.
والثاني: العيد والفرض لتأكدهما. انتهى.
وما ذكره من الجزم بطريقة القولين هو المذكور في "المنهاج" أيضًا تبعًا للرافعي في كتبه، وخالف في "شرح المهذب" فقال: الصحيح وبه قطع الاكثرون القطع بتقديم الكسوف.
قوله: وروى البيهقي عن أبي قبيل: إن الشمس كسفت لما قتل الحسين. انتهى.
قبيل: بقاف مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء مثناة، ثم لام
стр. 1272
ضبطه ابن ماكولا وغيره.
قال الذهبي: واسمه حيي مصغرًا، وقيل: حي -مكبرًا- ابن هانيء بن ناصر المعافري المصري، وثقه أحمد وابن معين.
قال ابن يونس في "تاريخ مصر": توفي بالبرلس سنة ثمان وعشرين ومائة.
стр. 1273
باب صلاة الاستسقاء
قوله: أو عارت العيون أو انبثقت الأنهار. انتهى.
والكلام هنا في أمرين:
أحدهما: في كلمة عارت، ومعناها: ذهاب الماء وهي بالعين المهملة.
قال الجوهري في الكلام على عور التي هي بالعين المهملة: وقد عارت العين تعار، قال الشاعر:
وسائله بظهر الغيب عني ... أعارت عينه أم لم تعارا
والألف في "تعارا" بدل من نون التوكيد الحقيقية، وإن كان إدخالها بعد "لم" شاذًا.
وعرت عينه أعورها، وفلاة عوراء لا ماء بها واعورت عينه لغة في عرتها، وعورتها تعويرًا مثله عورت عين الماء إذا كبستها حتى نضب الماء. انتهى ملخصًا.
وحاصله أن هذه المادة ثابتة للعين الباصرة، والفوارة، وذكر بعده في الكلام على عير ما يؤيده فقال: وعار في الأرض يعير أي ذهب. وذكر السهيلي في "الروض الأنف" في الكلام علي غزوة بدر في قوله في السيرة فأمر بتلك القلب -أي المياه- التي احتفرها المشركون فعورت كذلك أيضًا فإنه جعله من مادة المهملة، ثم قال: ومن الشاهد بوصف القلب بالعور قول الزاجر:
ومنهل أعور إحدى العينين بصيرة الأخرى أصم الأذنين.
واعلم أن الغور بالغين المعجمة هو قعر الشيء، والغائر هو الذي سفل وبعد قعره.
قال الجوهري: غار الماء غورًا وغؤورًا أي على وزن قعودًا أي سفل في الأرض. هذا لفظه، وهو صحيح لكنه قال بعده: وغارت عينه تغور غورًا وغؤورًا دخلت في الرأس، وغارت تغار لغة فيه، قال الشاعر:
стр. 1274
أغارت عينه أم لم تغارا.
هذا لفظه، وقد تقدم منه في فصل العين المهملة جعل هذا البيت منها على خلاف المذكور هنا فكان وهم.
الأمر الثاني: في الكلام على قوله: انبثقت فاعلم أنه يقال: بثق السيل موضع كذا أي جرفه، وهو بالباء الموحدة والثاء المثلثة والقاف.
قوله: وإذا استسقوا فتأخرت الإجابة صلوا ثانيًا وثالثًا حتى يسقيهم الله تعالى. انتهى.
والتقييد بالثلاث ذكر مثله في "الروضة"، وهو يوهم عدم الزيادة، وإن كان التعبير بحتى قد يشعر بخلافه، وقد صرح في "شرح المهذب" بأنه لا يتقيد بها، وسبقه إليه الماوردي وغيره.
قوله في المسألة: وهل يعودون من الغد أم يصومون ثلاثة أيام قبل الخروج كما يفعلون في الخروج الأول؟ قال في "المختصر": من الغد، وفي القديم: يصومون وقيل: قولان: أظهرهما: الأول.
وقيل: على حالين، فإن لم يشق على الناس، ولم ينقطعوا عن مصالحهم عادوا غدًا، وبعد غد، وإن اقتضى الحال التأخير أيامًا صاموا، زاد في "الروضة" فقال: نقل القاضي أبو الطيب عن عامة الأصحاب أن المسألة على قول واحد، فنقل المزني محمول على الجواز، والقديم على الإيجاب. انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن الجمهور على الطريقة الأولى، وهي الحمل علي الحالتين، كذا ذكره في "شرح المهذب" في آخر كلامه على المسألة فتفطن له.
стр. 1275
وأما تصحيح الرافعي و"الروضة" ونقل "المختصر" فهو تفريع على طريقة إثبات الخلاف فتأمل ذلك، وتفطن له.
الأمر الثاني: أن اقتصاره في إعادة الصوم على القديم غريب فقد نص عليه في "الأم" أيضًا، وممن نقله عنها النووي في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: إذا قلنا بالخروج في الغد وفي الذي يليه ويكون صائمًا، نبه عليه في "الكفاية".
قوله: منها أن يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيام قبل اليوم الذى ميعاد الخروج، وبالتقرب إلى الله تعالى بما يستطيعون من الخير، ثم يخرجون في اليوم الرابع صيامًا. انتهى.
ومقتضى هذا الكلام أنهم مأمورون في الاستسقاء بصوم أربعة أيام، وهو كذلك، ولهذا عبر في "البحر" بقوله: ويأمر الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثًا، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صيامًا، نص عليه الشافعي في "الأم" لا ما إذا استجبنا لهم أن يقدموا الصيام، فالأولى يوم المسألة. هذه عبارته.
وذكر نحوه خلائق كثيرون منهم الشيخ في "المهذب" وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد"، وأوضحه الشيخ نصر المقدسي في كتابه المسمى "بالمقصود" قال: ويأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، واليوم [الذي يستسقون] (١) فيه. هذه عبارته.
ثم إن صيام هذه الأيام التي يأمرهم الإمام بها واجب، كذا ذكره النووي في "فتاويه" لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢).
стр. 1276
لكن هل يتعدى ذلك إلى كل ما يأمرهم به من الصدقة وغيرها أم يختص ذلك بالصوم؟ فيه نظر.
قوله: وفي إخراج البهائم قصدًا وجهان ذكرهما الإمام أصحهما: أنه يستحب إخراجها لما روى أنها تستسقى، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "لولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبًا" (١) انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ادعاه من حكاية الإمام لوجهين ليس كذلك، بل إنما حكاهما قولين صريحين، فإنه عبر بقوله: وفي استحباب إخراج البهائم تردد في النص. وكذا عبر به أيضًا الغزالي في "البسيط"، ولا شك أن الشافعي قد نص في "الأم" وغيرها على كراهة إخراجهم كما سيأتي إيضاحه.
ونقل القفال عن النص أنه يستحب إخراجهم فتبعه على ما نقله تلميذه القاضي الحسين، ثم إمام الحرمين على عادته، وهذا النص غير معروف، حتى أن الروياني في "البحر" لما نقله عنه أنكره مع أن الروياني مشهور بين أهل المذهب بكثرة الاطلاع على نصوص الشافعي حتى حكوا عنه أنه قال: لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري.
والقفال ﵀ وكثير من أنظاره مع جلالة قدرهم لم يكونوا في النصوص بهذه المثابة إلا صاحب "التقريب" فإنه أعظم من الروياني في ذلك كما تقدم إيضاحه في مقدمة الكتاب.
стр. 1277
وكأن قول الشافعي: لا أمنعهم. قد اشتبه على بعضهم فتوهم منه استحباب خروجهم، فقلده القفال فيه.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" قد جزم باستحباب إخراج أهل الذمة أيضًا.
وذكر الرافعي في شرحه له أن الجمهور سكتوا عنه، وحذف النووي مقالة الغزالي فلم يذكرها في "الروضة" بالكلية.
الأمر الثالث: أن تصحيح استحباب إخراج البهائم قد تابعه عليه النووي في "الروضة" والمنهاج، وجزم به في التأليف الذي جمعه في آداب الاستسقاء، وهذه المقالة قد نقلت عن أبي إسحاق المروزي وابن أبي هريرة على كلام فيه يأتي، ورأيتها في تعليق القاضي الحسين وفي الكتاب المسمى "بالطريق السالم" لابن الصباغ، وصرح في هذا الموضع بحوالة فروع وأدعية على كتابه "الشامل"، وفي "التهذيب" للبغوي، و"الوجيز" للغزالي و"الحلية" للروياني، و"الانتصار" لابن عصرون على اختلاف وقع أيضًا في كلام ابن الصباغ والروياني ولم أرَ بعد الفحص من قال بهذه المقالة من المعتبرين غيرها، ولا الثمانية على كلام فيه وقع لثلاثة منهم كما تقدم، وسيأتي ذكره.
إذا علمت ذلك فقد نص الشافعي في "الأم" وغيرها على أنه لا يستحب إخراجهم، وذهب إليه جمهور الأصحاب ما بين مقتصر على عدم الاستحباب، ومبالغ يقول بالكراهة، فمنهم الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"، وأبو القاسم الصيمري في "الكفاية"، وفي شرحها له أيضًا، وأبو على البندنيجي في التعليقة المشهورة المسماة "بالجامع"، وعبر بقوله: السنة أن لا يخرجها، فإن فعل فلا بأس، والمحاملي في "المجموع"، وغيره ناقلًا له عن النص، وجازمًا به، والدارمي في "الاستذكار"، وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح"، وسليم الرازي في "المجرد"، وغيره.
стр. 1278
وعبر في "المجرد" بنحو عبارة البندنيجي فقال: وليس في إخراجها استحباب، فإن فعل فلا بأس، والقاضي أبو الطيب في تعليقه، وحكاه عن الأصحاب، وعن نص الشافعي، والماوردي في "الحاوي" فقال: نص عليه الشافعي، وقال به سائر أصحابنا إلا ابن أبي هريرة، ومنهم الشيخ في "المهذب"، وهو مقتضى كلامه، وفي "التنبيه" أيضًا وابن الصباغ والمتولي في "التتمة" وأبو عبد الله الحسين الطبري في "العدة" والروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" ناقلين له عن النص أيضًا، والجرجاني في "الشافي" وذكر في "البحر" نحوه أيضًا، والخوارزمي في "الكافي" ونقله أيضًا عن النص، وأبو نصر البندنيجي في كتاب "المعتمد"، والعمراني في "البيان"، واقتضاه أيضًا كلام ابن أبي هريرة في "شرح المختصر" الذي علقه عنه أبو علي الطبري، فإنه استحب إخراج الشيوخ والعجائز والصبيان، واقتصر على ذلك.
وصنع مثله أبو على الزجاجي في "التهذيب" والشيخ نصر في كتابه المسمى "بالمقصود".
فهذه نقول الأصحاب متظافرة بعدم الاستحباب على تصريح كثير منهم بالكراهة كما سبقت الإشارة إليه، والقائلون بالاستحباب بالنسبة إليهم في غاية القلة، ولو تساووا لرجحنا بنص إمام المذهب بل يجب المصير إلى النص، ولو كان المخالفون له أكثر، فكيف عند القلة، وكلام النووي هنا في "شرح المهذب" في غاية الاقتصاد أيضًا، ولا شك أن الرافعي والنووي لو اطلعا على هذه النقول لم يذكرا ما ذكراه، إلا أن أكثر هذه الكتب لم يقفا عليها، ومن استقرأ كلامهما وتأمل الكتب التي ينقلان عنها قطع بذلك واعترف به إن كان منصفًا، وأما المعاند أو من لا اطلاع له، المقلد لما يسمعه أو لبعض ما يقف عليه المستريح من مشقة التعب فلا كلام معه، ولله الحمد على التوفيق للصواب.
стр. 1279
قال العلماء: والمراد "بالركع" في الحديث: هم الذين قد انحنت ظهورهم من الكبر، ولهذا ورد في رواية أخرى: "لولا شيوخ" بدلًا عن "رجال". وقد نظم بعضهم (١) هذا المعنى الوارد في الحديث فقال:
لولا عباد للإله ركع ... وصبية من اليتامى رضع
ومهملات في الفلاة رتع ... صب عليكم العذاب الأوجع
قوله: واختلفوا في وقتها فقيل: تختص بوقت العيد، وقيل: تبقى ما لم يصلي العصر، وقيل: لا تختص بوقت. وقد قدمنا عن الأئمة وجهين في كراهتها في الأوقات المكروهة، ومعلوم أن الأوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة العيد، ولا مع انضمام ما بين الزوال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاستسقاء منحصرًا في ذلك. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يصرح بتصحيح هنا، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وأشبههما أن جميع الليل والنهار وقت لها.
وقال في "الروضة": إنه الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأكثرون، وصححه الرافعي في "المحرر" وما نقله عن تصحيح "المحرر" ليس كذلك، فإنه قال: والأشبه أن وقتها لا ينحصر في وقت صلاة العيد. هذه عبارته.
ولا يلزم من عدم اختصاصها بوقت صلاة العيد أن لا تختص بوقت، فإن وراء ذلك وجهين آخرين كما تقدم.
أحدهما: لا تختص بوقت ويبقى وقتها ما لم يصل العصر، بل مقتضى نقل الرافعي أن القائلين بالأخير أكثر عددًا من القائلين بأنها لا تختص.
الأمر الثاني: أن ما قاله من كونه يلزم عدم الانحصار، غريب، فإن
стр. 1280
وقت الاستواء من أوقات الكراهة بلا نزل، وهو وقت العيد بلا خلاف.
وأيضًا فإن الأصح أن وقت العيد يدخل بطلوع الشمس وقد جزم هو به في "المحرر" ووقت الطلوع من أوقات الكراهة.
قوله: ويكون في الخطبة الأولى وصدر الثانية مستقبل الناس ومستدبر القبلة، ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرًا وجهرًا. انتهى.
لم يبين الرافعي ولا ابن الرفعة في كتبهم المراد بالصدر الذي يستقبل عنده، وكذلك النووي في كتبه المطولة وقد بينه في "الدقائق" فقال: هو نحو الثلث.
ورأيت في "الكافي" للزبيري أنه عند بلوغ النصف، وقال الروياني في "البحر": يكون عند الفراغ من الاستغفار.
واعلم أنه قد ذكر في الدعاء ألفاظًا تحتاج إلى الضبط فنقول:
الغيث: المطر، والمغيث: بضم الميم هو المنقذ من الشدة، والهنئ: ممدود مهموز هو الطيب الذي لا ينقصه شئ، وقيل: هو المنمى للحيوان من غير ضرر، والمرئ: بفتح الميم وبالمد والهمز أيضًا هو المحمود العاقبة.
والمريع: بميم مفتوحة وراء مكسورة وياء بنقطتين من تحت: هو الذي يأتي بالريع، وهو الزيادة، والنماء: مأخوذ من المراعة وهو الخصب، ويروي بضم الميم مع الباء الموحدة من قولهم: اربع البعير يربع إذا أكل الربيع، ومع التاء المثناة من فوق من قولهم: رتعت الماشية إذا أكلت ما شاءت، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ (١) وتقول العرب: ارتع المطر، إذا أنبت ما ترتع فيه الماشية.
والغدق: بالغين المعجمة: الكثير.
قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ (٢).
стр. 1281
والمجلل: بالجيم المفتوحة وكسر اللام وهو الساتر للأفق لعمومه، مأخوذ من تجليل الفرس، أو الساتر للأرض بالثياب.
والسيح: بسين مهملة مفتوحة وحاء مهملة أيضًا مشددة هو الشديد الواقع على الأرض أي يسمع له صوت شديد، يقال: سح الماء يسيح إذا سال من فوق إلى أسفل، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض.
وأما طبقًا: فهو بفتح الطاء والباء أى مطبقًا على الأرض يعني مستوعبًا لها يقال: طبق البلاد يطبقها إذا عمها وهو مطابق الدال أي مساوٍ له، والقنوط الناس.
واللأواء بالمد: شدة الجوع والجهد، قلة الخير وسوء الحال وهو بفتح الجيم والضم لغة.
والضنك: بالضاد المعجمة والنون: هو الضيق.
ونشكوا: بالنون في أوله.
وبركات السماء: المطر.
وبركات الأرض: المرعى.
وأما العري: فبعين مضمومة وراء ساكنة ثم ياء مخففة ويجوز فيه كسر الراء وتشديد الياء. قاله الجوهري والمدرار: ففعال من الدر أي القطر، وهو من أبنية المبالغة ومعناه: كثير الدر.
قوله من زوائده: قال الشافعي والأصحاب ﵏: إذا ترك الإمام الاستسقاء لم يتركه الناس. انتهى.
وهذا النص قد بينه في "شرح المهذب" فقال: قال الإمام: إذا صلت الأمصار عن الولاة قدموا أحدهم للجمعة، والعيد والكسوف والاستسقاء. هذا لفظه، ومقتضاه أنهم لا يفعلونه مع وجود الوالي في المصر إذا تركه، وهو متجه للخوف من فوران فتنة.
стр. 1282
قوله أيضًا: ولو خطب قبل الصلاة، قال في "التتمة": يجوز، وتصح الخطبة. انتهى.
وما نقله عن "التتمة" قد نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب، وجزم به في "المنهاج"، وأشار ابن المنذر إلى استحبابه.
قوله أيضًا من زوائده: ويستحب أن يغتسل في الوادي إذا سال أو يتوضأ. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بأو ذكر مثله في "المنهاج" أيضًا، وخالف ذلك في "شرح المهذب" فجزم باستحباب الأمرين معًا فقال: يستحب إذا سال الوادي أن يتوضأ منه ويغتسل، فإن لم يجمعهما فليتوضأ. هذه عبارته.
والمتجه الجمع، ثم الاقتصار على الغسل ثم على الوضوء.
الأمر الثاني: أن الوضوء والغسل هل هما عبادتان في هذه الحالة حتى ينوي ويغتسل ويتوضأ من لم يكن محدثًا لا ولا جنبًا سواء أدى به صلاة أم لا؟ فيه نظر.
والمتجه أن الجملة في ذلك هو الجملة في كشف البدن ليصيبه أول مطر السنة وتناله بركته لأن الاغتسال في السائل كالتكشف للنازل وذاك لا تشرع فيه نية، فكذلك هذا. وإما تشرع فيه النية إذا صادف وقت الوضوء أو غسل، فهل تتوقف النية على الاغتسال فيه ولا تحصل بالاغتسال منه؟ ظاهر الحديث الأول، وقد تقدم الوعد بذكر هذه المسألة.
قوله في الزوائد: والسنة أن يقول عند نزول المطر: "اللهم صيبًا نافعًا". رواه البخاري في "صحيحه" (١).
وفي رواية ابن ماجة: "سيبًا نافعًا" (٢) مرتين أو ثلاثًا، فيستحب الجمع
стр. 1283
بينهما. انتهى كلامه.
الصيب: بصاد مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحت مكسورة ثم باء موحدة هو المطر. كذا نقله البخاري في "صحيحه" (١) عن ابن عباس.
وقال الواحدي: إنه المطر الشديد، وهو مأخوذ من قولهم: صاب يصوب إذا نزل من علو إلى أسفل، وقيل: الصيب: السحاب.
والسيب: بسين مفتوحة وياء مثناة ساكنة بعدها باء موحدة هو العطاء.
أو المراد بقوله: "يستحب الجمع بينهما" أى بين رواية البخاري وابن ماجة. كذا ذكره النووي في "شرح المهذب".
قوله فيها أيضًا: ويستحب أن يقول بعد المطر: مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته، ويكره أن يقول: مطرنا بنوء كذا، فإن اعتقد أن النوء هو الممطر الفاعل حقيقة كفر فصار مرتدًا. انتهى.
النوء بنون مفتوحة وواو ساكنة بعدها همزة، وقد تكلم الجوهري عليه كلامًا حسنًا فقال: النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع الذي يرقبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يومًا، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها.
وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول: مطرنا بنوء كذا، والجمع: أنواء، ونوآن، أى مثل عبد وعُبدان. انتهى كلام الجوهري.
وأراد بالمنازل: النجوم وهي ثمانية وعشرون نجمًا.
стр. 1284
كتاب الجنائز
قوله: يستحب لكل أحد ذِكْرُ الموت، قال ﷺ : "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" (١). يعني: الموت. انتهى.
الهاذم: بالذال المعجمة هو القاطع كما قال الجوهرى، وهو المراد هنا.
وقد صرح السهيلي في "الروض الأنف" بأن الرواية بالذال المعجمة، ذكر ذلك في غزوة أحد في الكلام على قتل وحشي لحمزة.
واعلم أن الأصحاب قالوا: إنه يستحب لكل أحد الإكثار من ذكر الموت، وعبارة الرافعي تقصر عن إفادة هذا المعنى.
قوله: والمختصر يستقبل به القبلة، وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: يلقى على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة.
والصحيح: أنه يضطجع على جنبه الأيمن كالموضوع في اللحد، فإن لم يكن لضيق الموضع أو سبب آخر، فعلى قفاه ووجهه وأخمصاه إلى القبلة. انتهى كلامه.
وقد خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: إذا تعذر الوضع على الأيمن وضع على الأيسر، فإن تعذر فعلى قفاه، وحيث وضع على قفاه فيرفع رأسه قليلًا، كذا ذكره البندنيجى، وجزم به في الشرح المذكور.
قوله: ويستحب أن يكفنه غير الورثة. انتهى.
стр. 1285
قال في "شرح المهذب"، هكذا قالوه، وينبغي أن لا يكفنه من سهمه مطلقًا ليدخل فيه الوارث والحاسد والعدو.
قوله: واستحب بعض التابعين قراءة سورة الرعد أيضًا عند المحتضر. انتهى.
واقتصاره على نقل ذلك عن من ذكره قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يوهم أنه لا يستحب عندنا، أو أن أصحابنا سكتوا عنه، وليس كذلك، فقد [صرح] (١) بها من أصحابنا البندنيجي وصاحب "البيان" وأبو عبد الله الطبري صاحب "العدة"، وصاحب "البحر" وغيرهم.
قوله: غسل الميت فرض كفاية، وكذا تكفينه والصلاة عليه ودفنه بالإجماع.
اعلم أن هذا الكلام يشعر بأن الغسل مجمع عليه، وليس كذلك، فإن [في] (٢) وجوبه خلافًا، وقد حكى ابن الحاجب قولين في وجوبه عند المالكية.
قوله: وهل يجب غسل الغريق؟ فيه وجهان: الظاهر منهما وهو الذي نص عليه الشافعي أنه يجب لأنا مأمورون بالغسل فلا يسقط الفرض عنا إلا بفعلنا. انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" فقال: المرجح وجوبه، ثم عكس ذلك في "المحرر" فقال: ولا يشترط فيه الغسل في أصح الوجهين حتى يجوز أن يغسل الكافر المسلم ولا يجب غسل الغريق. انتهى لفظه بحروفه.
وقد استدرك النووي في "المنهاج" على "المحرر" وصحح فيه الوجوب.
[قوله] (٣) ويكره للغاسل أن ينظر إلى شئ من بدنه إلا لحاجة بأن يريد
стр. 1286
معرفة المغسول. انتهى.
تابعه في "الروضة" على الكراهة، وخالف في "شرح المهذب" فقال: وإن نظر إليه أو مسه بلا شهوة لم يكره، بل هو تارك للأولى.
وقال بعض أصحابنا: يكره. هذه عبارته.
قوله: ولا يفغر فاه.
هو بالفاء والغين المعجمة أى يفتحه. يقال: فغر فاه، أى فتحه، وفُغِر فوه أى انفتح فيستعمل متعديًا وقاصرًا. قاله الجوهري.
قوله: والغسلة التي بالماء والسدر، والغسلة الواقعة بعدها، وهي المزيلة لذلك هل يحسبان من الثلاث؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، بل الثلاثة المحسوبة إنما هي بالماء الصرف. انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وجزم في "المحرر" بما حاصله الحسبان فقال: ويستحب التثليث وأن يستعان في الأولى بالسدر والخطمي. هذا لفظه، وهو صريح فيما قلناه.
وذكر النووي الموضعين كذلك في "الروضة" و"المنهاج" وصحح في "شرح المهذب" كما في "الروضة" وهو الصواب.
قوله: ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كافورًا. انتهى.
هذه العبارة قاصرة، فإنها لا تقتضي أن تركه مكروه مع أنه يكره الترك كما نص عليه الشافعي في "الأم" فقال في باب عدد غسل الميت وهو بعد أبواب القرعة بين العبيد ما نصه: ولا يغسله بشئ من الماء إلا ألقى فيه كافورًا للسنة فإن لم يفعل كرهته. هذا لفظه بحروفه.
قوله في "أصل الروضة": فإن خرجت من الميت نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها وجب غسل النجاسة قطعًا بكل حال. انتهى كلامه.
стр. 1287
ليس كما قال من دعوى القطع، فقد جزم البغوي في "فتاويه" بأنه لا يجب غسلها إذا كان الخروج بعد التكفين، ولم يصرح الرافعي بدعوى القطع، وإن كان في كلامه إشعار بذلك.
قوله في المسألة: وهل يجب مع غسلها شئآخر؟ فيه أوجه:
أصحها: لا.
والثاني: يجب الوضوء.
والثالث: يجب الغسل.
ثم قال: فإن أوجبنا الوضوء اختص بالخارجة من السبيلين، وإن أوجبنا الغسل ففي إعادة الغسل لسائر النجاسات احتمال لإمام الحرمين. انتهى.
وهذا الاحتمال ضعيف أو باطل كما قاله في "شرح المهذب" لأنه لا فرق بين هذه النجاسة ونجاسة أجنبية تقع عليه.
وقد اتفقوا على أنه يكفي غسلها، وذكر في "الروضة" أيضًا أن الصحيح الجزم بأنه لا تجب إعادة الغسل.
قوله: ولو وطئت بعد الغسل فإن قلنا بإعادة الغسل أو الوضوء للنجاسة وجب هنا الغسل، وإن قلنا بالأصح لم يجب هنا شئ. انتهى.
هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي كما قال النووي في زيادات "الروضة" و"شرح المهذب": أن يكون فيه خلاف ينبني على نجاسة باطن فرجها فإنها خرجت على الذكر وتنجس بها ظاهرًا الفرج.
قوله: ولم يتعرض الجمهور للفرق بين أن تخرج النجاسة قبل الإدراج في الكفن أو بعده.
وأشار صاحب "العدة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الغسل والوضوء بما قبل الإدراج. انتهى كلامه.
стр. 1288
وما قاله صاحب "العدة" قد صرح به أيضًا المحاملي في "التجريد" والقاضي أبو الطيب في "المجرد" والسرخسي في "الأمالي" والروياني في "البحر" فاحتج له السرخسي بأنا لو أمرناه بإعادة ذلك لم يأمن مثله في المستقبل فيؤدي إلى ما لا نهاية له.
قال في "شرح المهذب" بعد نقله عن بعض من تقدم: إن إطلاق من أطبق محمول عليه.
قوله: والثاني: المحرمية، وسياق الكلام في الكتاب يقتضي تجويز الغسل للرجال المحارم مع وجود النساء؛ لكن لم أرَ لعامة الأصحاب تصريحًا بذلك، وإنما يتكلمون في الترتيب ويقولون: إن المحارم بعد النساء أولى. انتهى كلامه.
وحاصله إقرار الغزالي على الجواز، وأنه لم يرَ التصريح بها لأحد، والذي ذكره غريب، فقد صرح هو بعد ذلك بدون ورقتين بنقل المسألة عن جماعة واقتضى كلامه الجزم بالمنع فقال قبيل الكلام على ما يصنع بالمحرم: ولو أن المقدم في أمر الغسل سلمه لمن بعده جاز له تعاطيه بشرط اتحاد الجنس، فليس للرجال كلهم التفويض إلى النساء، وبالعكس ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وقد حكاه المصنف في "الوسيط" بعد إطلاق الغسل المتأخر، وأشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشرط المذكور. هذا لفظه.
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير"، وفي "الروضة" نقلهما ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه للتعجيز وقال: إن الصحيح منهما هو الجواز.
وقال الإمام: عندي في جواز تفويض المقدم إلى غيره احتمالان.
قوله: وإذا غسل أحد الزوجين صاحبه لف على يده خرقة ولا يمسه، فإن خالف، قال القاضي الحسين: يصح الغسل ولا يبني على الخلاف في
стр. 1289
انتقاض طهر الملموس. انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: وأما وضوء الغاسل فينتقض. قاله القاضي الحسين.
وهذا الذي ذكره مكرر ناقص، فقد ذكر الرافعي في باب النواقص أن مس الميتة ناقض على الصحيح.
قوله: فإن كن -يعني الإماء- متزوجات أو معتدات لم يكن للسيد غسلهن. انتهى.
استدرك في "الروضة"، "وشرح المهذب" فقال: والمستبرأة كالمعتدة في ذلك. هذا كلامه.
وما ذكر في المستبرأة غير مستقيم، فإن كان استبراؤها لأجل ملكه لها بالسبي من بلادها فإن الأصح أنه يجوز له أن يستمتع بها جميع الاستمتاعات ما عدا الوطء كالقبلة واللمس والنظر بشهوة.
وحينئذ فيجوز له غسلها بطريق الأولى، وإن ملكها بغير ذلك فلا تحرم عليه الخلوة بها ولا اللمس، والنظر بغير شهوة كما ذكروه في بابه.
وحينئذ فلا يمتنع أيضًا الغسل.
وحكى الرافعي في باب الطهارة وجهًا أنه يجوز للزوج أن يستمتع بزوجته المعتدة عن شبهة غيره.
نعم حكى في "البحر" وجهين في جواز تغسيل السيد لهذه الأمة.
قوله: وهل يجوز لأم الولد والمدبرة والأمة غسل السيد؟ وفيه وجهان: أظهرهما: المنع.
ثم قال: وليس للمكاتبة غسل السيد فإنها كانت محرمة عليه قبل الموت. انتهى.
стр. 1290
وهذا التعليل يقتضى أن تكون الزوجة والمعتدة والمستبرأة كالمكاتبة حتى يمتنع جزمًا، وقد صرح به الشيخ أبو على في "شرح التلخيص" والبغوي وغيرهما، واستثناه في "شرح المهذب"، و"زيادات الروضة".
قوله: الثانية: الخنثى المشكل إذا مات، وليس هناك محرم له، نظر فإن كان كبيرًا فهل يغسل؟ فيه وجهان كالوجهين في ما إذا مات رجل، وليس هناك إلا امرأة أجنبية أو بالعكس. انتهى.
وهذه العبارة مشعرة بأن الصحيح في الخنثى أنه لا يغسل؛ لأنه الصحيح عند الأكثرين في الصورة المشبهة بها.
وقد تعرض الرافعي لحكم الخنثي في كتاب النكاح، وصرح بتصحيح الأخذ بالأغلظ في حقه، كما دل عليه كلامه هنا، فيجعل في حق الرجال امرأة، وفي حق النساء رجلًا فقال: فرع: في الخنثى المشكل وجهان:
أظهرهما: الأخذ بالاحتياط فيجعل بالإضافة إلى النساء رجلًا، وبالإضافة إلى الرجال امرأة.
وعن القفال: الحكم بالجواز استصاحبًا لما كان في الصغر. انتهى.
وقد وافق النووي في "الروضة" على ما قاله الرافعي في الموضعين إلا أنه في النكاح نقل من زياداته عن جماعة أنهم قالوا بمقالة القفال.
إذا علمت ذلك فقد خالف في "شرح المهذب" فقال بعد حكاية الخلاف والبناء ما نصه: الصحيح منهما باتفاق الأصحاب، أنه يغسل.
قال: وإذا قلنا به جاز للرجال والنساء غسله على الصحيح. انتهى.
وهذا الذي قاله هو المذكور في "الحاوي الصغير"، ورأيت في "شرح التعجيز" لابن يونس مصنف الكتاب وجهًا أنه لا يغسل، ولا يُيمم وعزاه إلى "البحر"، ولا ذكر له في "البحر" في كتاب الجنائز.
نعم في زوائد "الروضة" وجه كذلك في ما إذا مات رجل، وليس
стр. 1291
هناك إلا امرأة أجنبية وبالعكس وحينئذ فيجري في مسألتنا عند من ألحقها بذلك.
قوله في أصل "الروضة": فإن كان الميت رجلًا غسله أقاربه، وهل تقدم الزوجة عليهم؟ وجهان، ثم ذكر من زياداته أن فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يقدم رجال العصبات ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم. . . . إلى آخر ما قال.
فية أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر كلامًا يؤخذ منه الترجيح في مسألة الزوجة فحذفه النووي فإنه قال: فيه وجهان سنظهر توجيههما، وأشار بذلك إلى عكسه، وهو تقديم الزوج على نساء القرابة، ثم صحح الرافعي فيها -أى في مسألة العكس- عدم التقديم.
الأمر الثاني: أنه أهمل ذكر الوالي، والصواب أن يقول: ثم الوالي ثم الرجال الأجانب.
وقد ذكره كذلك الجرجاني في "التحرير" وفي "الشافي" أيضًا.
الثالث: أن هذا الترتيب الذي ذكره غلط، فإن الترتيب هنا كترتيبهم في الصلاة كما صرح به الرافعي في "المحرر" وأشعر به كلامه هنا.
وحينئذ فإذا فقدنا العصبات قدمنا المعتق [ثم عصبته ثم ذوي الأرحام فيقدم أبو الأم ثم الأخ للأُم ثم الخال] (١) ثم العم للأم. انتهى.
فيكون الأجانب متأخرين عن الجميع.
قوله: وإن كان الميت امرأة قدم النساء فتقدم نساء القرابة وأولاهن ذات رحم [محرم] (٢). انتهى.
стр. 1292
ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي أن بنت العم البعيدة إذا كانت أُمًا من الرضاع مثلًا تقدم على بنت العم القريبة، وكلامهم يشعر بخلاقه، وبأن المراد بتحريمها أن يكون من جهة الرحم، ولهذا لم يعتبروا هنا الرضاع بالكلية.
قوله في المسألة: وبعد نساء القرابة تقدم الأجنبيات. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، ويرد عليه ذات الولاء، فإنها مقدمة على الأجنبيات، نص عليه الشافعي، وجزم به في "شرح المهذب".
قوله في المحرم: ولا بأس بالتجمير عند غسله كما لا بأس بجلوسه عند العطار. انتهى.
هذا الكلام يشعر بعدم الكراهة في المسألتين، فإن [الغالب] (١) استعمال هذه الصيغة في نفي الكراهة وليس كذلك فقد ذكر الرافعي أن المحرم إذا جلس في دكان عطار أو في موضع تجمير بقصد الرائحة أنه يكره في أصح القولين وأما تجمير الميت المحرم فقياس ما تقدم أن يكره أيضًا لأنهم أقاموا فعلهم به بعد الإحرام مقام فعله في حال الحياة، إلا أن يقال: اغتفر ذلك للرائحة الكريهة.
قال في "الروضة": قال أصحابنا: وإذا طيب المحرم أو ألبسه مخيطًا عصى ولا فدية، كما لو قطع عضوًا من ميت.
قوله: وهل تقلم أظفار غير المحرم من المولى ويؤخذ من شاربه وشعر إبطه وعانته؟ فيه قولان:
القديم: لا كما لا يختن.
والجديد: نعم.
ثم قال: والقولان في الكراهة، ولا خلاف في أن هذه الأمور لا
стр. 1293
تستحب، كذلك ذكره القاضي الروياني. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم الاتفاق على عدم الختان وليس كذلك، بل فيه ثلاثة أوجه مشهورة:
أصحها: ما قاله.
والثاني: نعم.
والثالث: يختن البالغ دون الصبي، وقد حكى النووي هذه الأوجه.
الأمر الثاني: أن ما قاله الروياني من كون القولين في الكراهة قد عزاه في "الروضة" إلى الرافعي نفسه ذهولًا ثم استدرك عليه وبالغ في الاستدراك فقال: قلد الرافعي الروياني في قوله: لا يستحب بلا خلاف، وإنما الخلاف في الكراهة وعدمها وكذا قاله أيضًا الشيخ أبو حامد والمحاملي، ولكن صرح الأكثرون أو الكثيرون بخلافه فقالوا: الجديد أنه يستحب، والقديم يكره؛ ممن صرح بهذا صاحب "الحاوى" والقاضي أبو الطيب، والغزالي في "الوسيط" وغيرهم، وقطع أبو العباس الجرجاني بالاستحباب.
وقال صاحب "الحاوي": القول الجديد أنه مستحب، وتركه مكروه، وعجب من الرافعي كيف يقول ما قال، وهذه الكتب مشهورة لاسيما "الوسيط"؟
وقال جماعة: إن القديم هنا أصح، وهو المختار؛ إذ لم ينقل عن النبي ﷺ والصحابة فيه شئ معتمد، وأجزاء الميت محترمة فلا تنتهك بهذا. انتهى كلامه في "الروضة".
فانظر كيف لم ينقله عن الروياني كما نقله الرافعي عنه، بل أوهم أن الرافعي هو قائل ذلك -ثم شنع عليه هنا وفي "شرح المهذب" وهو
стр. 1294
اختصار عجيب، وسببه أنه حالة تصنيف "الروضة" حذف الإعزاء إلى "الروضة" ظنًا منه أن الأمر كما قاله، ثم بعد ذلك نظر فوجد الأمر بخلافه فاستدرك على الرافعي ظنًا منه أنه لم يغير كلامه.
نعم صرح بذلك في "الشرح الصغير" ولم ينقله عن الروياني، وما ذكره في "الروضة" أيضًا من كون الإبقاء هو القديم قد عزاه البندنيجي إلى نصه في "الأم" وعامة كتبه.
قوله: ونقل -يعني الروياني- تفريعًا على الجديد أنه يتخير الغاسل في شعر الإبط بين النتف والإزالة بالنورة، ويأخذ شعر العانة بالجلم أو الموسى أو النورة.
وحكى عن بعض الأصحاب أنه لا يزال إلا بالنورة احترازًا عن النظر إلى الفرج. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح في شعر العانة هو التخيير أيضًا كذا صححه النووي في أصل "الروضة" فافهمه، وصححه أيضًا من زياداته.
الأمر الثاني: أنه احترز بشعر الإبط والعانة عن الشارب فإنه يقصه كالحياة ويكره حفه في الحى والميت وقد نبه عليه في "الروضة" أيضًا قال: وتفعل هذه الأمور قبل الغسل، قال: ولم يتعرض الجمهور لدفن هذه الأجزاء معه.
وقال صاحب "العدة": ما يأخذه منها يُصَرُّ في كفنه، ووافقه القاضي الحسن، وصاحب "التهذيب" في الشعر المنتف في تسريح الرأس واللحية كما تقدم، وقال به غيرهم.
وقال صاحب "الحاوي": الاختيار عندنا أنه لا يدفن معه إذ لا أصل له.
стр. 1295
والجلم: بجيم ولام مفتوحتين هو المقص الذي يحز به ما على البهائم من صوف وشعر ووبر، ونقول لمجموع الشفرتين: الجلمان كقولك مقصان.
قال ﵀: القول في التكفين
قوله: وجنسه في حق كل ميت ما يجوز له لبسه في حال الحياة فيجوز تكفين المرأة بالحرير، لكنه يكره لأنه سرف غير لائق بالحال. انتهى كلامه.
ويؤخذ من هذا التعليل بمقتضى كراهة المزعفر، والمعصفر أيضًا، والأمر فيه كذلك على المذهب وقد نبه عليه النووي في "الروضة" فقال: وأما المزعفر والمعصفر فلا يحرم تكفينها فيه، لكن يكره على المذهب، وفيه وجه: لا يكره. هذا كلامه.
وذكر مثله في "شرح المهذب" وليس فيها بيان حكم الرجل، ومذهب الشافعي أنه يجوز تكفينه بالمعصفر دون المزعفر، وقد سبق بيان ذلك في باب ما يجوز لبسه وما لا يجوز من "الروضة" على كلام فيه للبيهقي.
قوله: ثم شرط صاحب الكتاب في الثوب الأقل أن يكون ساترًا لجميع البدن، وهكذا ذكر الإمام وكثير من الأصحاب، وحكى آخرون من العراقيين وغيرهم أن الواجب قدر ما يستر العورة، وعلى هذا فيختلف الحال باختلاف حال الميت في الذكورة والأنوثة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الراجح هو الوجه الثاني وهو ساتر العورة فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أولاهما لنص الشافعي، وصححه النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة"، ونقله عن الجمهور، ولم يتعرض لبيان ذلك في "المحرر".
واختار صاحب "الحاوي الصغير" الوجه الأول، وما رجحه الرافعي
стр. 1296
والنووي هناك يشكل على ما جزما به في كتاب النفقات من أنه لا يجوز الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة، وإن كان لا يتأذى بالحر والبرد، وعلله الرافعي بقوله: لأن ذلك يعد تحقيرًا وإذلالًا، فإذا امتنع ذلك في الحي الرقيق فامتناعه في الميت الحر بطريق الأولى لأن الناس يتكلفون للميت ما لا يتكلفون للحي، ويعدون ترك [ذلك] (١) إزراء بالميت لكونه خاتمة أمره.
الأمر الثاني: أن تقييده الاختلاف المتقدم بالذكورة والأنوثة يشعر بأن الاختلاف في الرق والحرية لا أثر له حتى يستوى كفن الحرة والأمة، قال ابن الرفعة في "الكفاية": وهذه المسألة سكت عنها الأصحاب.
قال: والظاهر أنه لا فرق بين الحرة والأمة لأن الرق يزول بالموت؛ والذي قاله من التسوية ظاهر، وما ادعاه من كون الرق يزول بالموت والذي قاله قد صرح به الرافعي في كتاب الإيمان في الباب الثاني المعقود للكفارة، غير أن النووي قد ذكر في "شرح المهذب" كلامًا يشعر بعدم التسوية فإنه قال: والأصح أن الواجب هو ساتر العورة وهو جميع بدن الحرة إلا وجهها وكفيها.
فانظر كيف قيد التعميم بكونها حرة، إلا أن يقال: إن الأمة لا تخرج عن كلامه لأنها بعد الموت حرة كما قلناه، غير أنه على هذا التقدير لا يبقى معنا شئ خط يخرج بهذا التقييد، ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي الجزم بأن الرق لا يزول بالموت يقال ما نصه: لأن السيد يغسل أمته ومدبرته أم ولده إذا متن لا يختلف أصحابنا فيه لأنهن متن في ملكه فيستبيح غسلهن بعد الموت كما كان يستبيح في حال الحياة، والدليل على بقاء الملك بعد الموت أن على السيد الكفن ومؤنة القبر. هذا لفظه
стр. 1297
بحروفه.
قوله: الثالثة: الثوب الواحد على ما وصفناه حق الله تعالى لا تنفذ وصية الميت بإسقاطه [والثاني والثالث حق الميت. انتهى.
وحاصله أن الذي لا تنفذ الوصية بإسقاطه] (١) إنما هو المقدار الواجب حتى إذا قلنا بالصحيح، وهو الواجب ساتر العورة فقط نفذنا وصيته بإسقاط الزائد.
وقد أوضحه في "الروضة" فعبر بقوله: والثوب الواجب -أعني بالجيم والباء- كذا رأيته في "الروضة" التي هي بخطه، وهو القياس أيضًا.
ووقع في "شرح المهذب" أنه إذا [أوصى] (٢) بساتر العورة أنه لا تنفذ وصيته، وكأنه اغتر بجواب الإمام والغزالي بذلك، وهما إنما أجابا به، لأن الواجب عندهما هو ما يعم البدن فتفطن له.
قوله: ولو لم يوصِ وأراد بعض الورثة الاقتصار على ثوب واحد فقيل: لا يجاب قطعًا، وقيل: فيه وجهان.
وظاهر المذهب أنه لا يجاب.
ثم قال: فلو اتفق الورثة على تكفينه في ثوب واحد فقد قال في "التهذيب" يجوز. وطرد صاحب "التتمة" الخلاف فيه. انتهى كلامه.
لم يرجح شيئًا من هاتين المقالتين في "الشرح الصغير" أيضًا وقال في "شرح المهذب"، و"زيادات الروضة": إن قول "التتمة" أقيس. ولم يذكر غيره.
ومقتضاه ترجيح التكفين في الثلاث، وهو الذي اختاره صاحب "الحاوي الصغير" أيضًا.
стр. 1298
قوله: الرابعة: محل الكفن رأس مال التركة إن ترك الميت مالا يقدم على الديون والوصايا والميراث.
نعم لا يباع المرهون في الكفن ولا العبد الجاني ولا المال الذي فيه الزكاة فإنه كالمرهون، ثم استدرك النووي على هذا الكلام فقال: يلحق بالثلاثة المبيع إذا مات المشترك مفلسًا وقد ذكره الرافعي في الفرائض. انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الاستثناء خاص بهذه الصورة ولأجل ذلك استدرك النووي صورة أخرى، وليس الأمر على هذا الحصر، فإنهما قد صرحا في كتاب الفرائض بأن كل حق تعلق بعين المال فإنه يقدم.
وصرح به أيضًا النووي في "المنهاج" و"تصحيح التنبيه" وحينئذ فتدخل فيه مسائل أخرى.
إحداها: ما أورده على الرافعي وهو المبيع إذا مات المشتري مفلسًا.
الثانية: إذا مات [رب الدين] (١) قبيل قسمة مال القراض فإنه يقدم حق العامل على الكفن لأن الرافعي في كتاب القراض قد صرح بأن حقه متعلق بالعين.
الثالثة: المعتدة عن الوفاة بالحمل سكناها مقدم على التجهيز، لأن الرافعي قد نص في كتاب العدد على امتناع بيعها للجهل بمقدار زمن العدة.
الرابعة: نفقة الأمة المزوجة وإن كانت ملكًا للسيد قال الرافعي: إلا أن حقها يتعلق بها.
قال: كما أن كسب العبد ملك للسيد، ويتعلق به نفقة زوجته.
الخامسة: كسب العبد بالنسبة إلى نفقة زوجته كما ذكرناه.
السادسة: إذا قبض السيد نجوم الكتابة، ثم مات قبل الإيتاء ومال الكتابة باقٍ، ففي "الشرح" و"الروضة" أن حق العبد يتعلق بعينه.
стр. 1299
وحينئذ فيقدم.
السابعة: إذا أعطى الغاصب قيمة العبد أو غيره للحيلولة ثم قدر على العبد، فإنه يرده ويرجع بما أعطاه.
فإن كان المعطي تالفًا تعلق حقه بالعبد وقدم به كما نص عليه في "الأم" في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر فقال: وإذا أحضر الغاصب العبد الذي غصبه إلى سيده جبرت سيده على قبضه منه، وزاد الثمن عليه، فإن لم يكن عند سيده ثمنه، قلت له: بعه إياه بيعًا جديدًا إن رضيتما حتى يحل له ملكه، فإن لم يفعل بعت العبد على سيده، وأعطيت الغاصب مثل ما أخذ منه، وإن كان لسيده غرمًا لم أشركهم في ثمن العبد لأنه عبد قد أعطى الغاصب قيمته هذا لفظه، ونقله في "المطلب" في الغصب.
قوله: وهل يجب على الزوج تكفين الزوجة ومؤنتها؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، لأنها في نفقته في حال الحياة، فعلى هذا لو لم يكن للزوج مال فحينئذ يجب في مالها. انتهى.
وكلامه في "الشرح الصغير" كالصريح أنه إنما يجب على الزوج إذا لم يكن لها مال، على عكس ما جزم به في "الكبير"؛ وذكر مثله أيضًا في "المحرر"، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" فقال: ومحله أصل التركة فإن لم يكن فعلى من عليه نفقته من قريب وسيد، وكذا زوج في الأصح. هذا لفظ "المنهاج"، وهو صريح فيما قلناه، مع أنه قد جزم بعكسه في "الروضة"، وكذلك في "شرح المهذب" وبالغ فيه فقال: قيد الغزالي وجوب الكفن على الزوج بشرط إعسار المرأة، وأنكروه عليه. هذا لفظه.
وإذا علمت ما تقدم علمت أن ما وقع في "الكبير" و"الروضة" هو الصواب.
стр. 1300
قوله: قد ذكرنا أن العدد المستحب في كفن الرجل ثلاثة أثواب، ثم قال: وأما المرأة فيستحب أن تكفن في خمسة أثواب. انتهى.
واتفقوا على أن الخمسة في حق المرأة ليست كالثلاثة في حق الرجل حتى نقول: يجبر الورثة على الخمسة كما يجبرون على الثلاثة. كذا قاله إمام الحرمين، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، وارتضاه.
قوله: وإن كفنت المرأة في خمسة فقولان:
الجديد: إزار وخمار وثلاث لفائف.
والقديم: وهو الأظهر عند الأكثرين: إزار وخمار وقميص ولفافتان. وهذه المسألة مما يفتى فيه بالقديم. انتهى ملخصًا.
وجعله هذه المسألة من المأخوذ فيها بالقديم ليس كذلك فقد قال الشيخ أبو حامد والمحاملي: المعروف للشافعي في عامة كتبه أنه يكون فيها قميص.
قالا: والقول الآخر لا يعرف إلا عن المزني، فعلى هذا الذي نقلاه لا يكون التكفين في القميص مختصًا بالقديم، وقد نبه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" على ذلك.
قوله: ويبسط أحسن اللفائف وأوسعها، ويدر عليها حنوط، ويبسط الثانية فوقها، ويدر عليها الحنوط، ويبسط الثالثة التي تلي الميت فوقها، ويدر الحنوط أيضًا عليها. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وإنما كان البسط لأحسن اللفائف أولًا لأنه الذي يعلوا على الكفن إذا لف على الميت والحي يجعل أحسن ثيابه أعلاها، فيفعل ذلك بالميت وأما الأوسع فلإمكان لفه على الأضيق بخلاف العكس.
إذا تقرر هذا ففيه أمران: