قوله: وتسطيح القبر أفضل من تسنيمه لما رواه القاسم بن محمد: قلت لعمتي عائشة: اكشفي [لي] (١) عن قبر رسول الله ﷺ ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (٢).
وقال ابن أبي هريرة: الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأن التسطيح صار شعار الروافض.
قال: ومثله ما حكي أن الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعارًا لهم، فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم. انتهى.
وما نقله الرافعي عنه في التسمية لم يذكره في "الروضة".
والمشرف: هو العالي علوًا كبيرًا.
واللاطئ: بالهمز هو اللاصق بالأرض يقول: لطئ بفتح الطاء وكسرها.
قوله: قال الأصحاب: والانصراف عن الجنازة أربع درجات:
إحداها: أن ينصرف عقب الصلاة فله من الأجر قيراط.
الثاني: أن يتبعها حتى توارى ويرجع قبل إهالة التراب.
الثالث: أن يقف إلى الفراغ من القبر، وينصرف من غير دعاء.
الرابع: يقف بعده عند القبر، ويستغفر الله تعالى للميت، وهذا أقصى الدرجات في الفضيلة، وحيازة القيراط الثاني تحصل لصاحب القسم الثالث.
стр. 1332
وهل تحصل للثاني؟ حكى الإمام فيه ترددًا، واختار الحصول. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا التردد وجهان للأصحاب حكاهما الماوردي.
وقال السرخسي في "الأمالي": فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بالوضع في اللحد.
والثاني: بنصب اللبن عليه.
والثالث: بالفراغ من الدفن.
الأمر الثاني: أن الأصح أنه لا تحصل إلا بالفراغ فقد قال الماوردي: إنه الأصح.
والنووي في "زيادات الروضة": إنه المختار.
وفي "شرح المهذب": إنه الصحيح.
قال: [ويحتج] (١) له برواية الصحيحين: "ومن تبعها حتى يفرغ من دفنها" (٢).
ويحتج الآخر برواية في "مسلم" (٣) أيضًا: "حتى توضع في اللحد".
الأمر الثالث: أن تقييد القسم الثاني بما إذا كان الرجوع قبل إهالة التراب ليس مطابقًا لكلام الإمام، فإنه يشعر بأنه إذا كان بعده، وقبل تمام الدفن لا يكون الحكم كذلك حتى يحصل جزمًا، وليس كذلك، بل هما سواء، وقد صرح الإمام بذلك فقال: وإن نضد اللبن، ولم يهل التراب بعد أو لم يستكمل بعد، تردد فيه بعض أئمتنا. هذا لفظه.
стр. 1333
قوله: المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وما ذكر من كونه مستحبًا لا واجبًا، محله إذا كان دفنهم في وقت واحد.
فأما إذا دفن واحد ثم أريد نبشه لدفن غيره فهذا حرام، وقد صرح بالتحريم في "شرح المهذب" فقال: لا يجوز أن يدفن ميت في موضع ميت حتى يبلى الأول، صرح به أصحابنا.
وأما قول الرافعي: المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل إنسان في قبر فمتأول على موافقة الأصحاب. هذا كلامه.
والتأويل الذي أشار إليه هو ما ذكرناه من دفنهم في وقت واحد، وقد ذكرها في الشرح المذكور بعد ذلك، وحكى فيها وجهين، واقتضى كلامه تصحيح الجواز.
قوله: ولا يجمع بين الرجال والنساء في القبر إلا عند شدة الحاجة. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ولم يبينا أن ذلك على سبيل التحريم أو الكراهة.
وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: إنه حرام، قال: حتى في الأم مع ولدها.
وذكر صاحب "التعجيز" في شرحه له أنه إذا كان بينهما زوجته أو محرمته فلا منع كحال الحياة، ونقله عن ابن الصباغ وغيره، والذي ذكره متجه.
بل في "حلية الروياني" ما حاصله الجواز مطلقًا.
قوله: وهل يجعل حاجز التراب بين الرجلين المدفونين في القبر، وكذا بين المرأتين؟
стр. 1334
قال العراقيون: لا يختص، بل يعم الجميع.
وأشار جماعة إلى الاختصاص. انتهى.
والصحيح كما قاله في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" هو قول العراقيين.
قال: ونص عليه الشافعي في "الأم".
قوله في أصل "الروضة": القبر يحترم توقيرًا للميت فيكره الجلوس عليه والإتكاء ووطؤه إلا لحاجة كوصوله إلى قبر ميته.
قلت: وكذا يكره الاستناد إليه، قاله أصحابنا، والله أعلم. انتهى كلامه "الروضة".
وما ذكره من كراهة هذه الأمور قد جزم به أيضًا في "شرح المهذب" في آخر باب الدفن، ثم أعادها في باب التعزية من الشرح المذكور، وجزم بكراهة الاستناد والاتكاء.
ثم قال: وكره الشافعي والجمهور الجلوس عليه ودوسه، وقال الشيخ في "المهذب"، والمحاملي في "المقنع": لا يجوز.
إذا علمت ذلك فقد قال في "شرح مسلم" في أواخر كتاب الجنائز قبيل كتاب الزكاة بثلاث أوراق ما نصه: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه، والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه. هذا لفظه، وهو اختلاف عجيب، ولا يخفى أن الفتوى على المذكور في "الروضة"، وذكر الصيمري في "شرح الكفاية" [مثل] (١) ما في "المقنع" و"المهذب" فقال: ولا يحل لأحد أن يمشي على قبر، ولا ينبغي أن يستند إليه. هذه عبارته.
قوله: الثانية: تستحب زيارة القبور للرجال، وأما النساء فهل تكره
стр. 1335
لهن؟ فيه وجهان:
أحدهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: نعم.
والثاني: وهو الأصح عن الرويانى: لا تكره إذا أمنت الفتنة. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن إطلاق الكراهة للنساء قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، بل يستثنى منه قبر رسول الله ﷺ فإن زيارته مستحبة لهن بلا نزاع كما اقتضاه كلامهم في كتاب الحج حيث قالوا: يستحب لكل من حج أن يزور قبره ﵊.
وصرح باستثنائه هاهنا بعض المتأخرين ممن تكلم على التنبيه وهو الدمنهوري الكثير الاعتراض على التنبيه، وأضاف إليه قبور الأولياء والصالحين والشهداء.
الأمر الثاني: أن الوجه الذي صححه الروياني وهو القائل بعدم الكراهة قد فهم النووي منه أن المراد به الإباحة، فصرح به في "المنهاج" من زوائده، وليس كذلك، فإني قد راجعت كلام الروياني في "البحر" فوجدت حاصله أن حكمهن على هذا الوجه حكم الرجال في الاستحباب، فإنه قال: تستحب زيارة القبور للرجال، ثم تكلم على كراهة ذلك للنساء فقال: وقيل: كانت الكراهة قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وهذا أصح عندي إذا أمنت الافتتان. هذه عبارته.
وحاصلها ما ذكرناه لا ما فهمه عنه النووي، ثم فحصت عن ذلك أيضًا فلم أرَ أحدًا قال بالإباحة.
ونقل أيضًا في "زوائد المنهاج" وجهًا لم يذكره في "الروضة" أنه حرام عليهن، وقد ذكره في "شرح المهذب" أيضًا، ونقل عن الشاشي
стр. 1336
تفصيلًا استحسنه فقال: إن كانت زيارتهن للبكاء وتجديد الحزن ونحوهما مما جرت به عادتهم حرم؛ فإن كانت للاعتبار كره للشابة دون العجوز، لكن الأحب لهما أيضًا حسم المادة.
الثالث: سكت المصنف على الخنثى، والظاهر أنه في ذلك كالمرأة.
قوله: ولا يجوز نبش القبر إلا في مواضع منها كذا. . . . إلى آخره.
أهمل التصريح هنا بمسائل:
إحداها -ذكرها في الطلاق: وهي ما إذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فطلقتين، فولدت ميتًا لم يعلم حاله ودفن ففي نبشه احتمالان حكاهما الرافعي عن الروياني، وصحح النووي من زياداته نبشه.
والثانية: إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل ونداوه فالأصح في "شرح المهذب" أنه يجوز النقل وذكر مثله في "زيادات الروضة" فقال: قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": إذا لحق الأرض سيل أو نداوة فقد جوز الزبيري نقله منها، وأباه غيره.
وقول الزبيري أصح. هذا كلام "الروضة".
فقوله: (إن قول الزبيري أصح) ليس من كلام الماوردي، بل هو من كلام النووي، فإن المسألة مذكورة في آخر "الأحكام السلطانية" بدون هذا التصحيح.
وقد أحسن في "شرح المهذب" حيث صرح بأن التصحيح له.
الثالثة: ذكرها الغزالي في كتاب الشهادات: وهي إذا شهد عليه بشهادة في حياته وكان يعرفه بصورته لا بالنسب، جاز نبشه إذا عظمت الواقعة واشتدت الحاجة، ولم يتغير الميت.
قوله: منها لو وقع في القبر خاتم أو غيره نبش ورد. انتهى.
стр. 1337
ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يطلبه صاحبه أم لا، وهو مقتضى إطلاق الأصحاب كما قاله في "شرح المهذب"، قال: وقيده في "المهذب" بحالة الطلب ولم يوافقه الأصحاب على التقييد.
قلت: ووافقه عليه ابن عصرون.
قوله: ولو ابتلع في حياته مالًا ثم مات، وطلب صاحبه الرد شق جوفه ورد.
قال في "العدة": إلا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا يخرج، ولا يرد في أصح الوجهين. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن صاحب "العدة" وسكت عليه قد ذكر مثله في "الروضة" ولم يبينا أنه استدراك معمول به، أو مقالة مرجوحة.
والمراد هو الثاني وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: وهذا النقل غريب، والمشهور للأصحاب إطلاق الشق من غير تفصيل. هذا كلامه.
قوله: ولو ابتلع مال نفسه ومات، فهل يخرج؟ فيه وجهان:
قال الجرجاني في "الشافي": الأصح أنه يخرج. انتهى.
وهذا الذي صححه الجرجاني صححه أيضًا العبدري في "الكفاية"، لكن المشهور خلافه، فقد جزم به المحاملي في "المقنع"، وصححه الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب في "المحرر"، والنووي في "زيادات الروضة"، وهو مفهوم كلام صاحب "التتمة".
قوله: فرع:
لو مات إنسان في السفينة، فإن كان بقرب الساحل أو بقرب جزيرة انتظروا ليدفنوه في البر، وإلا شدوه بين لوحين كيلا ينتضح وألقوه في البحر ليلقيه البحر إلى الساحل لعله يقع إلى قوم يدفنونه.
فإن كان أهل الساحل كفارًا ثقل بشئ ليرسب. انتهى.
стр. 1338
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله الرافعي في ما إذا كان أهل الساحل كفارًا خلاف مذهب الشافعي، وقد أوضحه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" فقال: العجب من الإمام الرافعي مع جلالته كيف حكى هذه المسألة على هذا الوجه، وكأنه قلد فيه صاحبى "المهذب" و"المستظهري"، وهو خلاف نص الشافعي، وإنما هو مذهب المزني لأن الشافعي قال: يلقى بين لوحين ليقذفه البحر.
قال المزني: هذا الذي قاله الشافعي محله إذا كان أهل الساحل مسلمين، فإن كانوا كفارًا ثقل بشئ ليرسب إلى القرار.
قال أصحابنا: الذي قاله الشافعي أولى لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة.
وعلى قول المزني يتيقن ترك الدفن، وذكر الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" وغيرهما أن المزني ذكر ذلك في "جامعه الكبير" وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم وقال: إنما ذكرها المزني في "جامعه" كما قالها الشافعي.
الأمر الثاني: أن الإلقاء بين اللوحين لا يجب، بل يجوز لهم تثقيله وإلقاؤه في البحر. كذا نقله الأصحاب عن الشافعي.
قال النووي: وعبارة الشافعي رجوت أن يسعهم قال: وهو بمعناه.
قوله من زياداته: قال أصحابنا: ولا يكره الدفن بالليل.
قالوا: وهو مذهب العلماء كافة إلا الحسن البصري.
قالوا: لكن المستحب أن يدفن نهارًا. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تمكين الذمي من الدفن نهارًا فيه كلام يأتيك في بابه.
الثاني: أن الذي قاله من اتفاق العلماء وأنه لم يخالف إلا الحسن ليس
стр. 1339
كذلك، وقد رأيت في "الذخيرة" للبندنيجي أن الداركي من أصحابنا قال بالكراهة.
الثالث: أن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار لا من الليل، ولا شك في لحاقة بالليل لوجود المعنى، وهو مشقة الإجماع، بل هو في المشقة أشد مما بعد الغروب لاسيما إذا جهز وحمل قبل الغروب، ولم يبق بعد الغروب إلا الدفن أو كان البيت مثلًا في المقبرة لأن البيت لا يؤخر لكثرة المصلين.
ولقائل أن يمنع استحباب التأخير إلى النهاية في الصورتين المذكورتين طلبًا للإسراع بالجنازة.
قوله: ولا يكره الدفن في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها بالإجماع، وأجابوا عن حديث عقبة بن عامر في "صحيح مسلم": ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ عن الصلاة فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا (١). وذكر وقت الاستواء والطلوع والغروب.
وأجاب القاضي أبو الطيب وصاحب "التتمة" بأن الحديث محمول على تحري ذلك، وقصده بخصوصه دون ما قبله وبعده. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الجواب قد نقله في "شرح المهذب" عن غيرهما أيضًا، واستحسنه فدل ذلك على موافقته على الكراهة عند القصد المذكور.
الثاني: أن المراد بالأوقات التي يكره تحريها، إنما هي الثلاثة المذكورة في الحديث لا الوقتان الآخران المتعلقان بالفعل، وهما ما بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، وإن كانت الصلاة فيهما مكروه أيضًا، فاعلمه، وكلام الكتاب والحديث والمعنى يدل على ذلك والمذكور في "المنهاج" في هذا
стр. 1340
الموضع غير مستقيم كما ذكرته في شرحه فتفطن له.
وقوله في الحديث (نقبر) يجوز فيه ضم الباء وكسرها، قاله الجوهري.
قوله فيها: وأما نقل الميت من بلد إلى بلد فقال الشافعى: لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيجاز.
وقيل: يكره.
وقيل: يحرم وهو الأصح. انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يتغير أم لا، وينبغي القطع بالتحريم عند التغيير.
الثاني: أن التعبير بالبلد لا يمكن الأخذ بظاهرها لا تصريحًا ولا مفهومًا، فإن الصحراء كذلك بلا شك وحينئذ فينتظم منها مع البلد أربع مسائل وهي النقل من بلد إلى بلد، أو إلى صحراء، ومن صحراء إلى بلد أو صحراء.
ثم إن البلدين المتصلين أو المتقاربين يجوز فيهما ذلك بلا شك، ولهذا نقل سعد وسعيد من العقيق إلي المدينة لاسيما أن العادة جارية بالدفن خارج البلد، ولعل الاعتبار في كل بلد بمسافة مقبرتها إلا إذا نقل إلى ما هو أقل منها.
قوله أيضًا من زياداته: قال الشافعي: ولو أن مجتازين مروا بميت عليه أثر الغسل والكفن والحنوط دفنوه، فإن أرادوا الصلاة عليه صلوا بعد دفنه على قبره، لأن الظاهر أنه صلى عليه. انتهى.
لقائل أن يقول: الأصل عدم ذلك كله، فلم لا يخرج على الأصل، والغالب.
وحينئذ فيكون المرجح وجوب الغسل والصلاة، وهذا البحث في الصلاة أقوى منه في الغسل.
стр. 1341
قال ﵀ القول في التعزية
قوله: لكن تأخير التعزية إلى ما بعد الدفن أحسن لاشتغال أهل الميت بتجهيزه. انتهى.
وما قاله من استحباب التأخير ليس على إطلاقه بل يستثني منه ما إذا رأى من أهل الميت جزعًا شديدًا، فإنه يختار تقديم التعزية ليصبرهم، هكذا قاله الأصحاب، واستدركه النووي في "زيادات الروضة".
قوله: وإلى متى تشرع التعزية؟ .
فيه وجهان: أظهرهما إلى ثلاثة أيام، فلا يعزى بعدها إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائبًا.
والثاني: لا أمد لها. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" ابتداء هذا الباب، وقد حكى الخوارزمي في "الكافي" وجهين:
أحدهما: من حين الموت.
والثاني: من حين الدفن.
وصحح الأول ونقله في "الكفاية" عن الماوردي واقتصر عليه، وجزم في "شرح المهذب" بالثاني ونقله عن الأصحاب.
الأمر الثاني: أن كلامهما يوهم مشروعية الثلاث عند قدوم الغائب، فهل هو كذلك أم يختص بحالة الحضور؟ قال المحب الطبري شيخ مكة: لم أرَ فيه نقلًا، والظاهر مشروعية الثلاث بعد الحضور، ذكره في "شرح التنبيه".
стр. 1342
قلت: وقولهم في البيع: إن الخيار يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر، يؤيده.
قوله: ويجوز للمسلم أن يعزي الذمي بقريبه الذمي فيقول: أخلف الله عليك ولا نقص عددك. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وعلله الأصحاب بأن فيه تكثيرًا للجزية.
إذا تقرر ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بالجواز يشعر بعدم الاستحباب وبه صرح في "شرح المهذب" وبالغ فقال: وما قالوه مشكل لأنه دعاء ببقاء الكافر ودوام كفره، والمختار تركه. هذه عبارته.
وكلام جماعة منهم الشيخ في "التنبيه" و"المهذب" كالصريح في أن المسلم تستحب له هذه التعزية بهذا اللفظ فتأمله.
الأمر الثاني: أن مقتضى التصوير بالذمي والتعليل بتكثير الجزية عدم المشروعية إذا كان الكافر حربيًا إما تحريمًا، وهو الظاهر، وإما كراهة، فتفطن له.
وقد استثناه الجيلي شارح "التنبيه".
قوله: والبكاء على الميت جائز قبل الدفن وبعده، وقبله أولى لقوله ﵊: "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" (١).
وجعل ﵇ ولده إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فذرفت
стр. 1343
عيناه. . . . إلى آخره.
فيه [أمور]:
أحدهما: أن تعبيره بالجواز يشعر بعدم الكراهة بعد الموت وهو كذلك، فإن الجمهور كما قاله في "شرح المهذب" قالوا بأنه خلاف الأولى.
وقيل: يكره للحديث.
الثاني: أن تعبيره بقوله: (قبل الموت أولى) ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه طلب البكاء وبه صرح ابن الصباغ فقال: إنه مستحب، وفيه نظر.
وعبر الشافعي في "الأم" بعبارة حسنة فقال: أرخص فيه.
الثالث: في بيان الألفاظ والأحاديث منها.
البكاء: وهو بالقصر اسم للدمع، وبالمد لرفع الصوت، قاله الجوهري.
وكلام الرافعي يحتمل الأمرين.
ومنها حديث: "فإذا وجبت. . . ." رواه جماعة بأسانيد صحيحة منهم مالك في "الموطأ" (١).
ومعنى وجبت: أي خرجت روحه؛ وقد ورد الحديث بهذا التفسير.
ومنها حديث إبراهيم رواه الشيخان من رواية أنس.
ومعنى يجود بنفسه أى: يخرجها كالذي يجود بماله فيخرجه، قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ (٢) ومصدره على وزن فعول.
وذرفت: بالذال المعجمة أي سالت، يقال: ذرف يذرف ذرفًا كضرب يضرب ضربًا.
قوله: والندب حرام، وهو أن يعد شمائل الميت فيقال: والهفاه واجبلاه
стр. 1344
ونحو ذلك. انتهى.
الشمائل: جمع شِمال بكسر الشين المعجمة على وزن هلال وكتاب، وهو ما اتصف به الشخص من الطباع كالكرم والبخل والشجاعة والجبن ونحو ذلك.
قال الشاعر:
ألم يعلما أن الملامة نفعها قليل ... وما لومي أخي من شماليا
أي من طباعي والبيت ليغوث الحارثى (١)، وغلط الجوهري فنسبه لجرير.
إذا تقرر هذا فاعلم أيضًا أن مجرد تعداد الشمائل لا يمكن وصفه بالتحريم، وإلا لدخل المؤرخ والمادح ونحو ذلك، بل لابد معه من شئ آخر كبكاء ونحوه.
وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" أعني بتقييده مع البكاء، وذكر الشيخ في "التنبيه" نحوه أيضًا فقال: ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة إلا أنه نص على جواز البكاء الغير المقترن بالندب أو النياحة.
والنووي عكس، نعم النياحة لا يشترط في تحريمها مقارنتها لشئ، وقد استفدنا من كلام "التنبيه" تحريم البكاء أيضًا عند انضمامه إلى الندب، وإن كان كل منهما جائزًا على انفراده.
وما نقلناه عن "شرح المهذب" من اشتراط ضم البكاء إلى الندب في التحريم قد خالفه في "الأذكار" فقال: والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت.
стр. 1345
قوله: ويستحب لجيران الميت والأباعد من قرابته تهيئة طعام لأهل الميت يشبعهم في يومهم وليلتهم والأباعد. انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: لو كان الميت في بلد وأهله في غيره استحب لجيران أهله اتخاذ الطعام لهم قال: فلو عبر بقوله: يستحب لجيران أهله اتخاذ الطعام لهم لدخلت هذه الصورة.
والتعبير باليوم والليلة هو عبارة الشافعي، وهو ظاهر إذا مات في أوائل اليوم، فإن مات ليلًا فيتجه اعتبار يوم وليلة مستقبلتين، وإن كان في آخر اليوم فقياسه كذلك أيضًا مع الليلة الثانية لاسيما إذا تأخر الدفن تلك الليلة.
стр. 1346
باب تارك الصلاة
قوله: فنقول: تارك الصلاة ضربان أحدهما: تركها جحدًا لوجوبها فهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام يجوز أن يخفى عليه وجوبها، ويجري هذا الحكم في جحود كل مجمع عليه. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الجحد كافٍ في الحكم بالردة حتى لو أتى بالصلاة، ولكن قال: إنها غير واجبة حكمًا بأنه مرتد.
الثاني: أنه يرد على حصره من نشأ [منفردًا] (١) في بادية بعيدة فإنه لا يكفر أيضًا، وهكذا سائر أركان الإسلام.
وهذا الذي ذكرناه قد استثناه النووي في "تصحيح التنبيه" في الصلاة، وذكر في "شرح المهذب" قبيل صدقة المواشي أنه لا حاجة إلى استثناء الصورتين معًا لأنهما خارجان بلفظ الجحود، فإن أهل اللغة قالوا: إن الجحد إنكار ما اعترف به المنكر.
وذكر أيضًا في الصلاة نحوها أيضًا، وهذا يوقع في اعتراض آخر، وهو استثناء ما لا حاجة إلى استثنائه.
فالصواب تركها [بناءًا] (٢) على ما نقله أو ذكرهما [بناء على أن الجحد قد يعم مجازًا.
الثالث: أطلق الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه.
قال في "الروضة" و"شرح المهذب": وليس هو على إطلاقه، بل
стр. 1347
من جحد مجمعًا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة أو الزكاة ونحو ذلك فهو كافرا، ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وغيره من الحوادث التي يجمع عليها أهل العصر فليس كافر، ومن جحد مجمعًا عليه ظاهرًا لا نص فيه، ففي الحكم بتكفيره خلاف يذكر إن شاء الله تعالى -هذا كلامه ﵀.
لكن تعليل الرافعي قريب العهد بالإسلام بكونه يجوز أن يخفى عليه يخرج إيراد نحو السدس.
ونقل الرافعي في باب حد الخمر عن الإمام أنه خالف في ذلك فقال: ولم يستحسن الإمام إطلاق القول بتكفير المستحل، وقال: كيف يكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله وأَوَّل ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع، ثم حلله فإنه يكون رادًا للشرع وهذا إن صح فليجر مثله في سائر ما حصل الاجماع على افتراضه وتحريمه. هذا كلامه، ولم يحكه في "الروضة" هناك.
قوله: ومتى يقتل؟ فيه أوجه:
الصحيح: بترك صلاة واحدة إذا ضاق وقتها.
والثاني: إذا ضاق وقت الثانية.
والثالث: إذا ضاق وقت الرابعة.
والرابع: إذا ترك أربع صلوات.
والخامس: إذا ترك من الصلوات قدرًا يظهر به لنا اعتياده الترك، وتهاونه بالصلاة.
والمذهب الأول، والاعتبار بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة، فإذا
стр. 1348
ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشمس، وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، حكاه الصيدلاني، وتابعه الأئمة عليه. انتهى ملخصًا.
وما ذكره في أول كلامه من تصحيح القول بالقتل إذا ضاق وقت الأول مع ما نقله في آخر كلامه قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو ظاهر التناقض بديهي التنافي، فإن مقتضى الأول أنه يقتل بترك الظهر إذا بقى من وقت العصر مقدارًا يسعها فقط اعتبارًا بالضيق، ولا يتوقف على خروج الوقت، حتى لو بادر شخص فقتله في تلك الحالة فلا قود عليه ولا دية وآخر كلامه يدفع ذلك.
وقد اقتصر في "التحقيق" على اعتبار الضيق، ولم يعرج على الإخراج، وفي "المحرر" و"المنهاج" على الإخراج، وعلى هذا فلو أخرجها شرعًا كما لو بقى مقدار لا يسع ركعة فهل هو كالإخراج الحسى؟ فيه نظر، فتلخص أن هنا ثلاث أمور وهي: ضيق الوقت بحيث لا يبقى إلا مقدار الفعل، ونقصانه عن الركعة، وخروجه بالكلية.
وللنظر مجال في المعتبر منها، والأوجه الثاني وقد جزم به في "الكفاية" في ذيل كلام نقله عن القاضي أبي الطيب فقال: على أنا نقول: إذا ضاق وقت الصلاة بحيث يتحقق فواتها إذا لم يؤدها توجب عليه القتل في تلك الحالة. هذه عبارته بعد أن نقل عبارة تقتضى الأول، وأخرى تقتضى الأخير.
قوله: الثانية: على اختلاف الوجوه لابد من الاستتابة قبل القتل، فإنه ليس أشد حالًا من المرتد، والمرتد يستتاب، وهل تكفي الاستتابة في الحال أم يمهل ثلاثة أيام؟ قولان: قال في "العدة": المذهب أنه لا يمهل، والقولان في الاستحباب، وقيل: في الإيجاب. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تارك الصلاة يقتل حدًا، والحدود لا تسقط في ظاهر الحكم
стр. 1349
بالتوبة، والمقتول عليه هنا إنما هو التأخير عن الوقت عمدًا كما صرح به هنا في "الروضة" من زياداته، وإن كان ظاهرًا.
وحينئذ فكيف تنفع فيه التوبة؟ وهذا لمن سرق نصابًا ثم رده، فإن القطع لا يسقط.
الثاني: أن تعبيره بقوله: (لابد. . . . إلى آخره) قد ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وهو يشعر بأن الصحيح وجوب استتابة تارك الصلاة، ويدل عليه أيضًا دلالة صريحة ما ذكره في آخر المسألة أن القولين في الاستحباب، وقيل: في الإيجاب.
إذا علمت ذلك فقد خالف فيه النووي في "التحقيق" فقال: ويستتاب ندبًا، وقيل: وجوبًا في الحال، وقيل في قول: ثلاثة أيام. هذا لفظه.
وعلى ما قاله في "التحقيق" فالفرق بينه وبين المرتد حيث صححوا وجوب استتابته أن الردة مقتضية للخلود في النار، فأوجبنا الاستتابة فيها إنقاذًا له من العذاب الأبدي بخلاف ترك الصلاة.
واذا علمت هذا علمت أن ما حاوله الرافعي من كون هذا أولى من المرتد بوجوب الاستتابة ممنوع.
الثالث: قد تقرر أن تارك الصلاة يقتل حدًا لا كفرًا، والحدود إذا أقيمت كانت مسقطة للعقاب في الدار الآخرة كما صرح به جماعة منهم النووي في "فتاويه"، وحينئذ فلا يبقى على التارك بعد قتله إثم بسبب الترك فاعلمه، فإن كلامهم هنا قد يوهم خلافه، وهذا البحث يؤيد الفرق المتقدم وينفع في الكلام على مسائل من هذا الباب كغسله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وطمس قبره وغير ذلك.
قوله: وعن صاحب "التلخيص": أنه ينخس بحديدة ويقال: قم فصل، فإن قام ترك، وإلا زيد في النخس حتى يصلي أو يموت لأن المقصود حمله على الصلاة، فإن فعل فذاك وإلا عوقب كما يعاقب الممتنع من سائر الحقوق ويقاتل. انتهى كلامه.
стр. 1350
وهو يقتضي أن الامتناع من الحقوق كالديون والودائع وغيرها يبيح المقاتلة عليها، والعقاب إلى الموت وهو كلام عجيب مخالف للمذكور في التعزير وغيره فليتأمل، ولم يذكر التعليل المذكور في "الروضة".
قوله: فرعان:
أحدهما: قال حجة الإسلام في "الفتاوي": لو امتنع من صلاة الجمعة وقال: أصليها ظهرًا بلا عذر، لم يقتل لأنه لا يقتل بترك الصوم، فالجمعة أولى لأن لها بدلًا، وتسقط بأعذار كثيرة. انتهى.
وهذا الذي نقله عن الغزالي وسكت عليه فقد خالفه فيه الشاشي فجزم في "فتاويه" بأنه يقتل، واختاره ابن الصباغ في "فتاويه" أيضًا لأنه لا يتصور قضاؤها، وليست الظهر قضاء عنها هكذا ذكره في "شرح المهذب" حكمًا وتعليلًا، وذكر في "الروضة" نحوه أيضًا، واقتضى كلامه فيهما [الميل] (١) إليه، وصرح باختياره في "التحقيق" فقال: ولو امتنع من الجمعة وقال: أصليها ظهرًا فالأقوى قتله. هذا كلامه.
وقد ذكر ابن الصلاح في "فتاويه" أن القتل يجب بمجرد ترك الجمعة سواء صلى الظهر أم لا، ولا يسقط القتل إلا بالتوبة لأنه لا قضاء لها بخلاف سائر الصلوات، فإن القتل وإن وجب بمجرد الترك حتى لا يقاد المبادر إلى قتله قبل استتابته لكن يسقط بالقضاء.
قوله من زوائده: ولو قال: تعمدت ترك الصلاة بلا عذر، ولم يقل: ولا أصليها، قتل أيضًا على المذهب لتحقق خيانته، وفيه وجه أنه لا يقتل ما لم يصرح بالامتناع من القضاء. انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب الحج في الكلام على الجماع، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
стр. 1351
كتاب الزكاة
وهي ستة أنواع:
زكاة الغنم ، ولها شروط:
قوله: الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها جاحدًا كفر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور، يتعين ذكرها قد سبق إيضاحها في الباب الذي قبله.
قوله: قال الأصحاب: الزكاة نوعان: زكاة الأبدان وهي الفطرة، ولا تعلق لها بمال، إنما يراعى فيها إمكان الأداء. انتهى.
تابعه في "الروضة" على اعتبار هذا الشرط في زكاة الفطر وهذا يقتضي أن المال لو تلف قبل إمكان أدائها منه لم تستقر في الذمة والمسألة فيها وجهان في باب زكاة الفطر من "شرح المهذب" و"الكفاية" وغيرها.
والصحيح منها على ما نقله في "شرح المهذب" عن غيره ولم ينكره هو عدم الاستقرار كما دل عليه كلام الرافعي هنا، ولكن مقتضى كلام ابن الرفعة أن المشهور عدم السقوط، وبه جزم في الكتاب المذكور أيضًا قبيل باب صدقة المواشي، ويؤيده أن الصحيح في موت المخرج عنه قبل التمكن هو عدم السقوط على ما قاله في "الروضة".
قوله في "الروضة": وأما العبد القني فلا يملك بغير تمليك السيد قطعًا، ولا بتمليكه على المشهور. انتهى.
وما ذكره من عدم الخلاف ذكره في مواضع منها الوقف والظهار، ويأتي الكلام عليه في الوقف.
стр. 1352
قوله أيضًا في "الروضة": فإن ملكه السيد مالًا زكويًا، وقلنا: لا يملك، فالزكاة على سيده.
وإن قلنا: يملك. فالزكاة على العبد قطعًا لضعف ملكه، ولا على السيد على الأصح. انتهى.
وتعبيره بالأصح يقتضى أن في المسألة وجهين، وقد خالف في "شرح المهذب" فصحح القطع بعدم الوجوب فقال: فيه طريقان: الصحيح منهما، وهو المشهور، وبه قطع كثيرون: لا يلزمه.
والثاني: فيه وجهان، وقد جزم الرافعي أيضًا وتبعه عليه في "الروضة" بأنه إذا ملكه عبدًا وقلنا: يملكه أن زكاة الفطر لا تجب على سيده ولم يذكر فيه هذا الخلاف فيحتاج إلى الفرق. وقد خرجه عليه الماوردي وغيره.
قال في "شرح المهذب": إن جريان الخلاف شاذ باطل.
قوله: اعلم أن الناقة أول ما تلد يسمى ولدها ربعًا، والأنثى ربعة، ثم يقال لها هيع وهيعة، ثم فصيلا إلى تمام سنة، فإذا طعن في السنة الثانية سمى ابن مخاض. . . إلى آخر ما ذكر.
اعلم أن هذه الألفاظ الأربعة أولها مضموم، وثانيها مفتوح، وما ذكر الرافعي هنا قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية"، وفي غير ذلك من الكتب.
وحاصله أن المولود يسمى أولًا ربعًا، فإذا كبر قيل له: هيع، وكذلك الأنثى.
كما يسمى بعد ذلك ابن مخاض ثم ابن لبون. . . . إلى آخر الأسنان.
وهذا الذي اقتضاه كلامه غلط صريح، بل الذي نص عليه أهل اللغة، ومنهم الأزهري في كلامه على "المختصر"، والجوهري في فصل الراء،
стр. 1353
وفصل الهاء من باب العين أن الربع هو الذي ينتج في أول زمان النتاج، وهو زمان الربيع، وجمعه رباع بكسر الراء، وأرباع.
والهيع هو الذي ينتج في آخر النتاج في زمان الصيف وسمى بذلك كما قاله الجوهري من قولهم: هيع إذا استعان بعنقه في مشيه، وذلك أن الربع أقوى منه لكونه ولد قبله، فإذا سار الهيع معه احتاج أى الهيع إلى الاستعانة بعنقه حتى لا ينقطع عنه.
قال: وهو في جميع السنة يسمى حوارًا أى بضم الحاء وبالراء المهملتين، وسمى فصيلًا لأنه فصل من أمه.
قوله: ثم إذا استوفى الولد ثلاث سنين وطعن في الرابعة سمى الذكر حقًا والأنثى حقة. ولم سمى بذلك؟
اختلفوا فيه، منهم من قال: لاستحقاقه الحمل عليه وركوبه، ومنهم من قال: لأن الذكر استحق أن ينزو والأنثى استحقت أن يُنزى عليها. انتهى.
وحاصله أن المعنى الذي يحصل معه اسم الحقة الواجبة في هذا العدد الخاص، وهو استحقاق الحمل والنزوان يحصل بالطعن في الرابعة.
وجزم في أوائل الأضحية بأن هذا الحيوان لا يهيأ لذلك إلا باستكمال الخامسة، والطعن في السادسة وهو غريب، فإنه إذا انتفى التهيؤ له قبل ذلك ابتغى الاستحقاق بطريق الأولى، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى فراجعه، ولم يتعرض في "الروضة" لبيان ذلك في الموضعين ولا في الأضحية من "شرح المهذب" فسلما من الاختلاف وقد وقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير".
قوله: عن سويد بن غفلة، هو بغين معجمة وفاء مفتوحتين.
قوله: واختلفوا في تفسير الجذعة والثنية على أوجه:
أظهرها: أن الجذعة ما استوفت سنة، ودخلت في السنة الثانية، والثنية ما استوفت سنتين سميت الجذعة جذعة، لأنها تجذع السن أى ليسقط.
стр. 1354
والثاني: أن الجذعة ما لها ستة أشهر، والثنية ما لها سنة، وهو الذي ذكره في الثنية.
والثالث: أن الجذعة هى التى لها ثمانية أشهر والثنية لها ستة، وهو اختيار الروياني في "الحلية" ويقال: إذا بلغ الضأن سبعة أشهر، وكان بين شاتين فهو جذع، لأنه ينزو على الأنثى، وإن كان بين هرمين فلا يسمى جذعًا حتى يستكمل ثمانية أشهر. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن النووي في "الروضة" قد أسقط الوجه الثالث بالكلية، وجعل بدله ما ذكره الرافعي في آخر كلامه معبرًا عنه بقوله: ويقال. . . . إلى آخره وكأنه سقط من النسخة التى وقف عليها من الرافعي فلما حصل هذا السقط مع كون الرافعي قد عبر في أول المسألة بأوجه احتاج إلى تكميلها بقوله: ويقال، مع أن مثل هذا لا يعد وجهًا للأصحاب، ولهذا لم يعده الرافعي، وقد وقع هذا الغلط للنووى في "شرح المهذب" أيضًا بزيادة أخرى، وهو أنه عزى ما نقله الرافعي عن "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق إلى "حلية الروياني"، وتابعه ابن الرفعة في "الكفاية" على هذا الغلط، ونبهت عليه في كتاب "الهداية".
الأمر الثاني: أن ما نقله في آخر كلامه وهو يقال. . . . إلى آخره. نقله اللغويون وأصحابنا عن ابن الأعرابى، وممن حكاه عنه ابن الرفعة في "الكفاية" فقالوا: إنه إذا كان بين شاتين فيجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، وهو مخالف لما ذكره الرافعي، وتابعه عليه في "الروضة" من كونه لا يحصل إلا بسبعة.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من الاختلاف محله إذا لم يحصل الإجذاع قبل هذا السن، فإن حصل أجزأت كما هو مقتضى كلامه في كتاب الأضحية فإنه بعد أن ذكر ما حكاه هنا قال ما نصه: نعم.
стр. 1355
ذكر أبو الحسن العبادي أنه لو أجذع قبل تمام الستة كان مجزءًا كما لو تمت السنة قبل الجذع، ونزل ذلك منزلة البلوغ بالسن أو الاحتلام إن استوفى السن، ولم يحتلم كان بلوغًا، وإن احتلم قبل استيفاء السن كان بلوغًا، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" فقال: الجذعة هي التي استكملت سنة وطعنت في الثانية، أو جذعت سنها من قبل ذلك. هذا كلامه.
واعلم أن الجذعة: بالذال المعجمة.
قوله: والوقص: منهم من يفتح قافه، ومنهم من يسكنها، والشنق بمعناه. . . . إلى آخره.
الفصيح من هاتين اللغتين هو الفتح، وهو المشهور في كتب اللغة، وقد نبه عليه النووي في كتبه والشنق: بشين معجمة ونون مفتوحتين.
قوله في "الروضة": والأصح أنه يتخير في شياه الإبل بين الضأن والمعز، ثم قال بعد ذلك: والمذهب أنه لا يجوز العدول عن غنم البلد. وقيل: وجهان. انتهى.
مراده بالثاني في أنواع الضأن وأنواع المعز فاعلمه.
ثم إن الرافعي لم يصرح في هذه المسألة بحكاية طريقين، ولا بتصحيح.
نعم عبر بقوله: يشبه كذا.
قوله: فإذا أخرج بعيرًا عن خمس، فهل نقول: كله فرض أم الخمس فقط، والباقي تطوع؟ فيه وجهان. . . . إلى آخره.
هذا قد سبق الكلام عليه مبسوطًا في صفة الصلاة وعلى نظائره، وما وقع فيه من الاختلاف في التصحيح فراجعه.
قوله: واعلم أن الشاة الواجبة في الإبل يجب أن تكون صحيحة، وإن
стр. 1356
كان الإبل مراضًا لأنها في الذمة. ثم فيها وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده كثيرون: أنه يؤخذ من المراض صحيحة بمراعاة القيمة.
والثاني: يجب فيها ما يجب في الإبل الصحاح بلا فرق، قال في "المهذب": وهذا ظاهر المذهب، ونسب الأول لأبي على بن خيران. انتهى.
والصحيح هو الثاني، كذا صححه في "شرح المهذب".
قوله: وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم يجدها وعنده ابن اللبون جاز دفعه عنها، فإن لم يكن في إبله بنت مخاض ولا ابن لبون فالأصح أنه يشترى أيهما شاء ويخرجه.
والثاني: تتعين بنت مخاض. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومحل الوجهين إذا لم يرد الصعود إلى فرض أعلى منه، ويأخذ الجبران، فإن أراد ذلك جاز، كذا نقله ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: الثانية: لو كانت عنده بنت مخاض كريمة، فأراد إخراج ابن اللبون فوجهان:
أظهرهما عند الأكثرين، وبه أجاب الشيخ أبو حامد أنه لا يجوز. انتهى ملخصًا.
وتبعه عليه في "الروضة"، وهذا الذي نقله عن الشيخ أبي حامد هو الذي كان يراه أولًا، ولكنه قد رجع عنه، وجوز إخراج ابن اللبون، كذا ذكره تلميذه سليم الرازي في "تعليقه" قبيل باب زكاة البقر.
قوله: ولو فقد بنت المخاض ووجد ابن اللبون وبنت اللبون، فأراد إخراج بنت اللبون وأخذ الجبران لم يكن له ذلك في أصح الوجهين. قاله في "العدة". انتهى كلامه.
стр. 1357
والصحيح ما قاله صاحب "العدة"، فقد قال البندنيجي في "تعليقه" والروياني في "البحر": إنه المذهب. وصححه النووي في "شرح المهذب"، وفي أصل "الروضة" أيضًا.
قوله: الرابعة: لو أخرج حقًا بدلًا عن بنت مخاض عند فقدها فلا شك في جوازه، لأن إخراج ابن اللبون جائز، فالحق أجوز وأولى. انتهى كلامه.
وما اقتضاه تعبيره من عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، ففيه وجه أنه لا يجوز إخراجه لأنه لا مدخل له في الزكاة. كذا حكاه الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر"، ونقله عنهما في "الكفاية"، وخصص الوجهين بحالة وجود ابن اللبون.
قال: وجزم الأصحاب عند فقده بالجواز، والذي قاله مردود، فراجعه من "الهداية".
قوله: ولو ملك مائتين من الإبل فقد نص في الجديد على أن الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون، لأن المائتين أربع خمسينات، وخمس أربعينات، ونص في القديم على أنه يجب أربع حقاق، فمنهم من أثبت قولين، ومنهم من قطع بالجديد. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: لم يصحح في "الروضة" شيئًا من الطريقين، والأصح طريقة القولين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وقال في "شرح المهذب": إنها أصح الطريقين وأشهرهما، ولا يؤخذ من "المحرر" و"المنهاج" ترجيح لشئ من الطريقين.
الثاني: أن القائلين بتعين الحقاق اختلفوا، فمنهم من قال: يعينها سواء وجدا النوعان أو فقدا وهو الصحيح، ومنهم من قال: محل ذلك إذا وجدا خاصة، فإن فقدا، أخرج ما شاء. كذا حكاه الرافعي في آخر
стр. 1358
المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز"، ولم يحك في "الروضة" الوجه الثاني.
قوله: فإذا أوجبنا في المائتين من الإبل إخراج الأغبط من الحقاق أو بنات اللبون فأخرج [غيره] (١)، نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحالة أو أخذه من غير اجتهاد، ونظر في أن الأغبط ماذا أو أخذه بتقصير من المالك بأن دلس، وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن الزكاة، وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع. انتهى كلامه.
واعلم أن النووي قد عبر في "الروضة" بقوله: إن كان بتقصير إما من الساعي بأن أخذه مع علمه أو أخذه بلا اجتهاد، وظن أنه الأغبط، وإما من المالك بأن دلس وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن الزكاة، وإن لم يقصر واحد منهما وقع. هذا لفظه وذكر مثله في "شرح المهذب" بقوله: وظن أنه الأغبط لا يفهم منه المعنى الذي ذكره، فينبغي حمل ظن على أنه مصدر إما منون أو مضاف، لا على أنه فعل.
قوله: وإن لم يوجد منه تقصير أجزأ ويجب قدر التفاوت، ثم إن شاء أخرجه دراهم، وإن شاء اشترى به شقصًا، فإن أخرج الشقص صرفه إلى الساعي على قولنا: يجب الصرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة.
وإن أخرج الدراهم فوجهان:
أحدهما: لا يجب الصرف إليه لأنها من الأموال الباطنة.
والثاني: يجب لأنها جبران المال الظاهر. انتهى ملخصًا.
والأصح الثاني، وهو الوجوب، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله في المسألة: وإطلاق الأصحاب الدراهم هنا يشبه أن يكون مرادهم
стр. 1359
به نقد البلد سواء كان دراهم أو دنانير، وبه صرح الشيخ إبراهيم المروروذي. انتهى.
وهذا الذي قاله الرافعي بحثًا ونقله عن المروروزي فقط قد صرح به القاضي الحسين، والقاضي أبو الطيب في "المجرد" وإمام الحرمين والماوردي والروياني في "البحر".
قوله: ولو أخرج عن أربعمائة أربع حقاق وخمس بنات لبون فالأصح وبه قال الجمهور: يجوز، لأن كل مائتين أصل على الانفراد.
وقال الاصطخري: لا يجوز كما في المائتين، ثم قال بعد ذلك: ولعلك تقول: قد سبق أن الساعي يأخذ الأغبط عند اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
وإذا كان أغبط الصنفين هو المخرج فكيف يخرج البعض من هذا، والبعض من ذاك؟
وأجاب ابن الصباغ: بأنه يجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة في اجتماع النوعين، وهذا يفيد معرفة شئ آخر، وهو أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة وحينئذ فإذا كان التفاوت لا من جهة القيم يتعذر إخراج [القصد] (١). انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة"، والاعتراض المذكور باطل من أصله لا يحتاج معه إلى الحمل المذكور.
وإن كان الحكم الذي تضمنه صحيحًا فقد يكون عنده أربع حقاق مما يؤمر بإخراجها هي خير من كل خمس يخرجها مما عنده من بنات اللبون، ويكون في بنات اللبون خمس هي خير من كل أربع يخرجها مما بقى عنده من الحقاق، والعجب من توهم الرافعي ثم النووي صحة الاعتراض على أن اللفظ الذي نقله الرافعي عن الشامل لا ينافي الجواب الذي ذكرناه، إلا
стр. 1360
أننى راجعت الشامل فوجدت فيه زيادة تأبي ذلك، وتقتضي ما فهمه الرافعي من عدم إرادته، ولو ذكرها الرافعي لكان أصوب.
قوله: ومن وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده جاز أن يخرج بنت لبون، ويأخذ شاتين أو عشرين درهمًا. . . . إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا الفصل بنحو ورقتين كلامًا يقتضي أن الانتقال والحالة هذه إلى بنت لبون غير واجب، بل يجوز أن يعطي قيمة بنت المخاض فقال في الكلام على إجماع الحقاق وبنات اللبون عند ملكه لمائتين ما نصه: وقد يعدل إلى غير جنس الواجب لضرورة تعرض.
ألا ترى أنه لو وجبت عليه شاة في خمس من الإبل، ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها، ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله، ولا بالثمن يعدل إلى القيمة. هذا لفظه، وذكر في "الروضة" مثله أيضًا.
وإذا ثبت هذا في بنت المخاض لزم القول به في سائر أسنان الزكاة.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي ذلك -أعني الإعطاء- مع الجبران عند وجود ابن لبون.
والمسألة فيها وجهان: أصحهما في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة": المنع.
قوله: إحداها: لو وجب عليه جذعة فأخرج مكانها ثنية ولم يطلب جبرانًا جاز، وقد زاد خيرًا، ولو طلبه فوجهان:
أحدهما: يجوز، وإليه ميل العراقيين، وهو ظاهر النص.
وأظهرهما عند الغزالي وصاحب "التهذيب": المنع. انتهى.
стр. 1361
ومقتضاه رجحان الجواز لكنه رجح عكسه في "الشرح الصغير" فقال: أظهر الوجهين: المنع، وكذلك في "المحرر" فقال: إنه أحسن الوجهين. ورأيته في "التقريب" منقولًا عن الأكثرين، لكن صحح النووي في كتبه كلها الجواز، ونقله عن الجمهور كما يشعر به كلام الرافعي.
قوله: الثانية: يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع جبرانين.
نعم لو رقا من بنت لبون إلى الجذعة، أو نزل عن الجذعة إلى بنت لبون مع وجود الحقة في الصورتين فلا يجوز ذلك في الأصح عند الأكثرين، ثم قال: ولو لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ولا حقه، وفي ماله جذعة وبنت مخاض، فهل يجوز أن يترك النزول إلى بنت المخاض، ويرقا إلى الجذعة؟
فيه وجهان مرتبان وأولى بالجواز، وبه أجاب الصيدلاني، لأن بنت المخاض وإن كانت أقرب إلا أنها ليست في الجهة المعدول إليها. انتهى كلامه.
والتعبير بالأولوية ذكره في "الروضة" أيضًا، ولا يؤخذ من ذلك تصحيح في المسألة، كما صرح به الرافعي في مواضع من هذا الكتاب، بل حاصلها أنا إن جوزنا هناك [جوزنا هنا] (١)، وإن منعنا هناك فهاهنا وجهان، فاعلمه. نعم الأصح في المسألة هو الجواز. كذا ذكره في "شرح المهذب"، ولكن مقتضى كلام "المحرر" و"المنهاج" هو المنع.
قوله من زياداته: ولو وجبت عليه بنت مخاض فلم يجدها، ووجد ابن لبون وبنت لبون فأخرجها، وطلب الجبران لم يقبل على الأصح. انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع في الكلام على ما إذا ملك خمسًا وعشرين من الإبل، وحكى فيها وجهين، وصحح عدم القبول كما هو مذكور هنا من زياداته.
стр. 1362
قوله: روى أن عمر ﵁ قال لساعيه: لا تأخذ الأكولة والربا، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية فذلك عدل بين غذاء المال، وخياره (١).
فالأكولة هي المسمنة للأكل في قول أبي عبيد، وقال شمر: إنها الخصي والهرمة العاقر.
والربا: هي الشاة الحديثة العهد بالنتاج، يقال: هي في رباها، كما يقال: المرأة في نفاسها، والجمع: رباب بالضم.
والماخض: الحامل.
والغذاء: السخال الصغار جمع غذى.
نعم لو تبرع المالك بشئ من هذه فإنها تؤخذ. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الأربعة المنهي عن أحدها لم يذكرها في "الروضة"، [مع] (٢) ذكره لها في "المنهاج"، وكذلك كرائم الأموال، حتى إنه حذف أيضًا ما يفرع عليها. وهو جواز الأخذ عن تبرع المالك، وقد حكى في الكفاية وجهين في جواز أخذ الكريمة عند التراضي للنهي عن أخذها، وكذلك في جواز أخذ الربا لما يحصل لها من الهزال عقب الولادة.
الثاني: أن ما ذكره من تفسير الهرمة بالعاقر أى التي لا تحمل عجيب، فإنه لم يتقدم للهرمة ذكر بالكلية، وكأنه نسى ذكرها أولًا، أو سقطت من الناقل من المسودة.
نعم وقع ذكرها في حديث آخر في الصحيحين، وهو "لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار" (٣) فيجوز أن يكون سري ذهنه إليه، وهو
стр. 1363
الظاهر.
الثالث: في إيضاح ما وقع فيه من الألفاظ:
فأما شمر: فبشين مكسورة وميم ساكنة وراء مهملة، وهو من أئمة اللغة.
وأما قولهم: (هي في رباها) فهو مصدر على وزن الكتاب وأما الواقع جمعًا فإنه على وزن البكاء والدعاء كما أشار إليه بقولهم: بالضم.
وأما الغذا: الواقع جمعًا فبغين معجمة مكسورة، وذال معجمة بعدها ألف ممدوة مفردة غذى لفصال وفصيل وصغار وصغير.
قوله: ولو كانت غنمه صغارًا ففي ما يؤخذ وجهان. وقال صاحب "التهذيب" وغيره: قولان:
الجديد: جواز أخذ الصغيرة. انتهى.
ومقتضاه ترجيح كون الخلاف وجهين، وخالف في "المحرر" فجزم بأنه قولان، وتابعه في "الروضة" و"المنهاج" على الموضعين.
قوله: والماشية إن اتخذ نوعها بأن كانت إبله كلها أرحبية أو مهرية أو كانت غنمه كلها ضأنًا أو معزًا أخذ الفرض منها، وذكر في "التهذيب" ثلاثة أوجه في أنه هل يجوز أخذ ثنية [من] (١) المعز باعتبار القيمة عن أربعين ضأنًا أو جذعة من الضأن عن أربعين معزًا، أصحها الجواز لاتفاق الجنس كالمهرية مع الأرحبية.
والثاني: المنع كالبقر مع الغنم.
والثالث: لا يؤخذ المعز عن الضأن، ويجوز العكس كما يؤخذ في الإبل المهرية عن المجيدية ولا عكس. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو ظاهر أو كالظاهر في مخالفة البغوى،
стр. 1364
ولهذا منع إجزاء المجيدية عن المهرية ولم يجوزها باعتبار القيمة، لكنه في "المحرر" و"المنهاج" جزم بطريقة صاحب "التهذيب".
قوله: وإن اختلف نوع الجنس الذي يملكه كالمهرية والأرحبية، والمجيدية من الإبل، والعراب والجواميس من البقر، والضأن والمعز من الغنم ففيه قولان:
أحدهما: أن الزكاة تؤخذ من الأغلب، فإن استويا فكاجتماع الحقاق، وبنات اللبون حتى يؤخذ الأغبط على المشهور.
وأظهرهما: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط، ثم قال: وليس معناه أن يؤخذ شقص [من هذا، وشقص] (١) من ذاك، فإنه لا يجزئ بالاتفاق، ولكن المراد النظر إلى الأصناف باعتبار القيمة كما سيأتي. انتهى ملخصًا.
وما ذكره من الاتفاق على امتناع التبعيض في الزكاة قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، فقد حكى الخلاف جماعة كثيرة من أصحابنا منهم الجرجاني في كتاب الزكاة من المعاياه فقال:
مسألة: لا يجوز إخراج نصفي شاتين عن شاة في الزكاة على أصح الوجهين، ويجوز مثله في الهدي والأضحية وكفارات الحج.
ثم بعد أن فرق قال: وأما إخراج نصفي رقبتين في الكفارة، فإن كان باقيها حرًا جاز، وإن كان الباقي رقيقًا فإنه يجوز أيضًا علي أصح الوجهين. هذا لفظه ومنهم الروياني في كتاب الظهار من "البحر" في الكلام على الكفارة فقال:
فرع: لو أخرج في الزكاة نصفي شاتين بدل شاة هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو قول عامة أصحابنا.
стр. 1365
والثاني: يجوز. وهو اختيار الاصطخري. هذا لفظه.
ومنهم الماوردي في الموضع المذكور من "الحاوي" فقال: ففي إجزائه ثلاثة أوجه، ثم قال: والثالث: إن كان باقي الشاتين للفقراء أجزأه لارتفاع الضرر عنهم؛ وإن كان لغيرهم لم يجز لدخول الضرر عليهم. هذا لفظه.
والأرحبيه: بالحاء المهملة والباء الموحدة منسوبة إلى أرحب قبيلة من همذان.
والمهرية: بفتح الميم جمعها مهاري منسوبة إلى مهرة بن حيدان أبو قبيلة. قاله الجوهري.
وأما المجيدية فميم مضمومة وجيم بعدها ياء بنقطتين من تحت، ودال مهملة، وهي إبل دون المهرية منسوبة إلى فحل إبل يقال له مجيد؛ والجميع لقبائل من اليمن كما قاله في "البحر".
قوله في المسألة: ويوضح القولين بمثالين:
أحدهما له خمس وعشرون من الإبل، عشرة مهرية وعشر أرحبيه وخمس مجيدية، فعلى القول الأول تؤخذ بنت مخاض أرحبية أو مهرية بقيمة نصف أرحبيه ونصف مهرية، لأن هذين النوعين أغلب ولا ينظر إلى المجيدية.
وعلى الثاني يؤخذ بنت مخاض من أى الأنواع أعطى بقيمة خمس مهرية وخمس أرحبية وخمس مجيدية.
فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة، وقيمة بنت مخاض أرحبية خمسة، وبنت مخاض مجيدية دينارين ونصفا أخذ بنت مخاض من أي أنواعها شاء قيمتها ستة ونصف. انتهى كلامه.
وما ذكره في التفريع على القولين تابعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم، فإنه قد تقدم عند حكاية القولين أنا إذا فرعنا على القول الأول
стр. 1366
وهو اعتبار الغالب فاستويا فإنا نوجب الأغبط على المشهور.
وحينئذ فقياس ذلك هنا أنا ننظر إلى الأغبط منها فنأخذها، لا إلى ما ذكره، وهو إعطاء ما شاء باعتبار التوزيع على قيمتها.
فائدة: ذكر في الباب ألفاظًا منها:
العوار: وهو العيب، وهو بفتح العين والراء المهملتين.
وحكى أبو زيد ضم العين.
ومنها ألفاظ سبق ذكرها.
стр. 1367
باب صدقة الخلطاء
وفيه فصول:
الفصل الأول: في حكم الخلطة
قوله: ثم الخلطة قد تكثر الزكاة كما لو كان جملة المال أربعين من الغنم يجب فيها شاة، ولو انفرد كل بنصيبه لم يجب شئ، وقد يقال. . . . إلى آخره.
اعلم أن الخلطة قد توجب الزكاة، وقد تكثرها، وقد تقللها، وهذا المثال الذي ذكره الرافعي مثال لإيجاب الزكاة لا لتكثيرها، فإنها لم تجب على واحد منهما قبل الخلطة حتى يقال: كثرت بها. بل الخلطة هى الموجبة والصواب أن تمثل الكثرة بما إذا خلط مائة شاة وشاة بمثلها، فإنه يجب على واحد شاة ونصف، ولو انفرد لزمه شاة فقط.
وكذلك إذا خلط خمسًا وخمسين بقرة بمثلها لزم كل واحد مسنة ونصف تبيع، ولو انفرد كفاه مسنة، وقد وقع في "الروضة" هنا بعض تغيير لكلام الرافعي.
قوله: وأما شروط خلطة الجوار فأربعة متفق عليها منها اتحاد المشرب بأن يسقي غنمها من ماء واحد نهر أو عين أو بئر أو حوض أو مياه متعددة حيث لا يختص غنم أحدهما بالشرب من موضع، وغنم الآخر من غيره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما حكاه من الاتفاق في الشرب ليس كذلك، ففي "البحر" وجه أنه إن لم يكن بين المنهلين مسافة فهما كالمنهل الواحد.
الأمر الثاني: أنه يشترط أيضًا شرطان عدم التمييز في الموضع الذي تجتمع فيه إذا أريد سقيها والذي تنحى إليه إذا شربت ليشرب غيرها، ذكره
стр. 1368
المتولي في "التتمة"، وهو في المعنى نظير المسرح وهو الموضع الذي تجتمع فيه لتستاق إلى المرعى وقد شرطه الرافعي.
الشرط الثاني: أن يكون الذهاب من الموضع الذي تجتمع عند خروجها، وهو المسمى بالمسرح إلى أن تصل إلى المرعى واحد، كذا جزم به النووي في "شرح المهذب".
قوله: ومنها اشتراك المالك في الراعى، حكى المصنف وشيخه فيه وجهين:
أظهرهما: أنه يشترط. ويجوز أن يعلم كلامه بالواو لأن كثيرًا من الأصحاب نفوا الخلاف في اشتراطه. انتهى.
لم يصرح بالأصح من هاتين الطريقتين، وإن كان كلامه ربما يؤخذ منه رجحان طريقة القطع، لكون القائلين بها أكثر عددًا.
والأصح عند الرافعي طريقة الوجهين، كذا صححها في "الشرح الصغير"، وجزم بها في "المحرر".
وأما النووي فاختلف كلامه، فذكر في "شرح المهذب" أن الأكثرين على القطع باشتراطه، ولم يخالفهم.
وجزم في "المنهاج" بطريقة الوجهين، وكذلك في "الروضة" أيضًا، ونسى طريقة القطع فأسقطها من كلام الرافعي، فتوجه على "الروضة" ثلاث اعتراضات المناقضة والإسقاط وتصحيح ما لم يصححه الرافعي، بل في كلامه إشعار برجحان خلافه.
قوله: ومنها الاشتراك في الفحل، وفيه وجهان كما في الراعي:
أظهرهما -ولم يذكر الجمهور سواه: أنه يعتبر.
والمراد أن تكون الفحول مرسلة بين ماشيتها لا يختص أحدهما بفحل سواء كانت الفحول مشتركة أو مملوكة لأحدهما أو مستعارة.
стр. 1369
وفيه وجه يشترط أن تكون مشتركة بينهما. انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن اتخاذ الفحول محله إذا كانت الماشية من نوع واحد، فإن اختلفت كالضأن والمعز، لم يشترط ذلك لأن فحل كل واحد منهما لا ينزو على غنم الآخر، كذا جزم به النووي في "شرح المهذب"، وزاد فقال: لا خلاف فيه للضرورة كما لو خلط ذكورًا بإناث وكلام ابن الرفعة يوهم جريان خلاف فيه، وليس كذلك كما أوضحته في "الهداية".
الأمر الثاني: أنه قد تلخص مما قاله أن الجمهور على القطع لا على إثبات الوجهين، وقد خالف "المحرر" و"الشرح الصغير" فجزم بطريقة الوجهين وقد تبعه النووي على هذا الاختلاف، وعبر بلفظ هو أصح من لفظ الرافعي فقال في "المنهاج": وكذا الراعي والفحل في الأصح.
وقال في "الروضة": السادس اتخاذ الفحل، والمذهب أنه شرط، وبه قطع الجمهور.
وقيل: وجهان [أصحهما] (١) اشتراطه. هذا لفظه، وذكر مثله في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: أن حاصل كلامه في حكاية الوجه المذكور آخرًا أنه لا يكفي المستعار ولا المملوك لأحدهما. وهو غلط، تابعه عليه في الروضة وغيرها.
ويوضح الغلط عبارة الإمام فإنه ذكر أن بعضهم يشترط الاشتراك في الراعي على معنى أنه لا يختص راعٍ برعاية غنم أحد الخليطين، بل إن اتخذ الراعي راعي المالين، وإن تعدد راعي كل واحد جميعه على العادة. ثم ذكر الفحل فقال ما نصه: فذهب بعضهم إلى أنه يجب أن يكون مشتركًا
стр. 1370
بين الخليطين، وقال: إن كان مملوكًا فليكن مشتركًا، وإن لم يكن مملوكًا يجب أن يشتركا في استعارته، وإن تعدد الفحل فالمطلوب الاشتراك كما ذكرناه في الراعي. انتهى كلامه.
فعبر بعضهم بالمشترك، ولم يوضحه كما أوضحه الإمام فقلده فيه الرافعي، وإلا فأى فرق بين المملوك والمستعار والموقوف مع اشتراكهما في المعنى.
قوله: أما موضع الحلب فلابد من الاشتراك فيه، فلو حلب هنا ماشيته في أهله وذاك ماشيته في أهله فلا خلط. انتهى.
تابعه عليه النووي في أكثر كتبه "كالروضة" و"شرح المهذب" وخالف في "تهذيب الأسماء واللغات" مخالفة عجيبة، فإنه جزم بعدم الوجوب، وزاد فادعى نفي الخلاف فقال في باب الحاء ما نصه: المحلب المذكور في زكاة الخلطة هو بفتح الميم وهو موضع الحلب، وهذا لا يشترط الاتخاذ فيه في ثبوت الخلطة بلا خلاف.
وأما المحلب بكسر الميم فهو الإناء الذي يحلب فيه وفي اشتراط الإيجاد فيه لثبوت الخلطة وجهان:
أصحهما: لا يشترط. هذا لفظه.
وقد عبر النووي في "تحرير التنبيه" وتصحيحه بقوله: الأصح اشتراطه.
قال في "الكفاية": وظاهر كلام النووي يفهم خلافه فيه حيث عبر بالأصح. انتهى.
وهذا الوجه الذي حاول ابن الرفعة إثباته، ولم يقف على التصريح به، قد صرح به الروياني في "البحر".
قوله: كما يخلط المسافرون أزوادهم، وفيهم الزهيد والرغيب. انتهى.