← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فطرته على الأقوال كلها؛ لأنه ليس فيه ملك محقق، والأول أشبه. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن الأصح من الوجهين المفرعين على الصحيح -وهو أن الملك لله تعالى- أنه لا فطرة، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة". الأمر الثاني: أنهما لم يبينا من الذي يجب عليه الإخراج على القول بالوجوب تفريعًا على أنه لله تعالى هل هو بيت المال أو الواقف أو الموقوف عليه؟ الأمر الثالث: أن الرافعي ﵀ لم يمعن النظر في هذه المسألة؛ ولهذا لم ينقل التخريج إلا عن "العدة"، والنفي مطلقًا إلا عن "التهذيب" في كتاب الوقف. والمعروف في المذهب هو الثاني وهو عدم التخريج؛ فقد جزم به أيضًا في "التهذيب" في هذا الباب. واقتصار الرافعي على ذلك الباب غريب مفهم بأنه لم يطلع عليه هنا وأن البغوي أيضًا لم يذكره إلا هناك، وصرح به أيضًا الخوارزمي في باب الوقف من "الكافي"، وصححه أيضًا صاحب "التتمة" ونقل أنه المذهب، ثم قال: ومن أصحابنا من بنى فطرته على أقوال الملك، وذكر مثله القاضي الحسين في "تعليقه" فقال: ولو وقف عبده على أقوام معينين فالمذهب أن صدقة الفطر لا تجب على أحد ويمكن بناؤه على أقوال الملك. هذا لفظه. وقد اغتر في "الروضة" بالترجيح الضعيف الذي وجده الرافعي -وهو

стр. 1507

الأشبه- فعبر عنه بالمذهب فزاد الأمر خللًا وغلطًا. قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا مات المؤدي عنه بعد دخول الوقت وقبل إمكان الأداء لم تسقط الفطرة على الأصح، وبه قطع في "الشامل". انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن هذين الوجهين حكاهما الرافعي ﵀ من غير تصحيح بالكلية لا تصحيحًا مطلقا ولا منقولًا عن غيره، والتصحيح من كلام النووي، وقد صححه أيضًا في "شرح المهذب"، والأمر كما ذكره من التصحيح، فقد قال سليم الرازي في "مجرده": إن المذهب من الوجهين عدم السقوط، وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" ما يدل [على] (١) أنه المشهور. الأمر الثاني: أن ما حكاه عن "الشامل" من القطع بالوجوب ذكره أيضًا في "شرح المهذب"، وهو غلط؛ فإن ابن الصباغ قد حكى الخلاف في ذلك فقال: فرع: إذا كان له عبد فأهل شوال ووجبت عليه زكاته فمات العبد قبل أن يتمكن من أداء زكاة الفطر عنه فهل تسقط زكاة الفطر؟ قال أبو العباس: فيه وجهان. هذا لفظه في "الشامل"، ولم يصرح الرافعي بهذا النقل عن "الشامل"، ولكن عبارته توهم ذلك فصرح به النووي، وهذه المسألة ذكرها الرافعي عند الكلام على فطرة العبد الغائب فنقلها النووي إلى هذا الموضع وعبر عنها بما أوقعه في الأمرين المذكورين. وقد ذكرت لفظ الرافعي هناك فراجعه.

стр. 1508

أين الطرف الأول الطرف الثاني: في صفات المؤدي قوله: وهى: الإسلام .. إلى آخرها. فيه أمران: أحدهما: أن المصنف ﵀ حصر شروط المؤدي في الإسلام، والحرية، واليسار. وهذا الكلام يقتضي أن الجنين إذا وضع مثلًا ليلة الفطر تجب عليه فطرة نفسه وعبيده الذين كانوا في ملكه وقت الغروب. لكن ذكر الرافعي عند الكلام على فطرة المطلقة البائن أن الجنين لا تجب عليه فطرة نفسه، فإذا لم يكلفوه الإخراج عن نفسه فبطريق الأولى عن غيره. وأيضًا فإن زكاة المال لا تجب عليه على الصحيح؛ فكذلك زكاة الفطر. وتلخص من ذلك أنه لابد من زيادة قيد في المسألة. الأمر الثاني: أن ما ذكره في الكافر محله في الأصلى، فأما المرتد فتأتي فيه الأقوال في زكاة ماله، كذا نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب. قوله: ولو كان في نفقة الكافر مسلم، ففي وجوب فطرته عليه خلاف في أنها هل تجب ابتداء أو بطريق التحمل. ثم قال: فإن قلنا بالوجوب فقد قال الإمام: لا صائر إلى أن المتحمل عنه ينوى والكافر لا تصح منه النية؛ وذلك يدل على استقلال الزكاة بمعنى المواساة. انتهى.

стр. 1509

ذكر مثله في "الروضة"، وهو كلام مجمل، وقد ذكر في الظهار في الكلام على الكفارات كلامًا لابد منه فقال في الكلام على تكفير الكافر: ويشترط أن ينوي الكافر بالإعتاق والإطعام نية التمييز دون نية التقرب. هذا كلامه. واعلم أن المتولي قد ذكر أن الإمام يأخذها من ماله كزكاة الممتنع وهذا الكلام يشعر بإلحاقه به في النية، والأصح [هناك] (١) وجوبها. قوله: ولو أسلمت ذمية تحت ذمي واستهل الهلال في تخلف الزوج ثم أسلم قبل انقضاء العدة؛ ففي وجوب نفقتها في مدة التخلف خلاف يأتى في موضعه. ثم ذكر بعد ذلك ما حاصله أن الفطرة كالنفقة. واعلم أن تقييده بما قبل العدة [حاصله أن الفطرة كالنفقة] (٢) ويوهم أن ما بعدها لا يجري فيه خلاف وليس كذلك بل فيه خلاف، والصحيح أيضًا أن حكمه حكم ما قبله؛ لأنها محبوسة بسببه فتفطن له. قوله في "الروضة": وفي المكاتب ثلاثة أقوال أو أوجه: أصحها: لا فطرة عليه ولا على سيده. والثاني: تجب على سيده. والثالث: تجب عليه في كسبه كنفقته. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن الإيجاب على السيد لم يحكه الرافعي وجهًا بل قولًا قديمًا عن رواية أبي ثور فقال: روى أبو ثور عن القديم: أنها تجب على السيد؛

стр. 1510

لأنه عبد ما بقي عليه درهم. وأنكر الشيخ أبو علي أن يكون هذا قولًا للشافعي وقال إنه مذهب أبي ثور نفسه، هذا لفظ الرافعي. وإنما تردد الرافعي في المقالتين النافيتين فنقل عن صاحب "التهذيب" أنهما وجهان، وعن الإمام وغيره أنهما قولان، وأن الإمام قال: إن الأول منصوص عليه، والآخر مخرج. وما ذكره الإمام من كون الأول منصوصًا عليه هو الصواب فقد نص عليه في "الأم" في موضعين، وقال في "شرح المهذب": إنه المنصوص عليه في كتب الشافعي. الأمر الثاني: أن هذا الكلام الذي نقله الرافعي عن الشيخ أبي علي حاصله حكاية طريقة قاطعة بنفي هذا القول حتى لا يبقى إلا قولان أو قول ووجه؛ لأن تفردات أبي ثور لا تعد وجهًا فأسقط النووي هذه الطريقة. الأمر الثالث: أن هذا الخلاف محله في المكاتب كتابة صحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة ففطرته على سيده. كذا جزم به الرافعي في باب الكتابة. وذكر قبله بقليل أن نفقته لا تجب على سيده؛ لأنه استقل بالكسب كذا نقله عن الإمام والغزالي ولم يخالفه، ذكر ذلك جميعه في الباب الثاني من أبواب الكتابة مفرقًا وقد علمت منه أن الفطرة في هذه الصور ليست تابعة للنفقة، فتفطن له. قوله: الأمر الثالث: اليسار؛ فالمعسر لا زكاة عليه وكل من لم يفضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فهو معسر، ومن فضل عنه ذلك فهو موسر. انتهى كلامه.

стр. 1511

وهو يقتضي أن القدرة على الكسب لا تخرجه عن الإعسار، وقد صرح بذلك في الكلام على الاستطاعة في الحج فقال: كما أن القدرة على الكسب في يوم الفطرة لا تجعل كحصول النصاب، هذه عبارته. قوله: وهل يشترط كون الصاع فاضلًا عن مسكنه وعبده الذي يحتاج إليه للخدمة؟ فيه وجهان. انتهى ملخصًا. تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير تصحيح، والأصح هو الاشتراط، كذا صححه الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير". وكلامه في "الكبير" في بيع جزء من العبد في فطرته يدل عليه، وصححه أيضًا النووي في "المنهاج" و"شرح المهذب" و"نكت التنبيه". واعلم أن النووي في "الروضة" نقل الاشتراط عن الإمام، ثم قال: وإذا نظرت كتب الأصحاب لم تجد ما ذكره. وهذا التعبير مع حكاية الخلاف عقبه تعبير متهافت. وكلام الرافعي صحيح؛ فإنه عبر بقوله وجدت أكثرهم ساكتين فاعلم ذلك. قوله: وربما استشهدت بكونهم لم يذكروا دست ثوب يلبسه، ولا شك في اعتباره. انتهى. وهذا الكلام من الرافعي يوهم أنه لم يجد لأحد تصريحًا باعتبار الكسوة، وهو غريب فقد صرح به في "التتمة" فقال: المعتبر عندنا أن يملك صاعًا فاضلًا عن قوته وقوت من تلزمه نفقته في يوم العيد وكسوتهم. وصرح به أيضًا في "النهاية" فقال: ولا شك أنه لا يحسب عليه دست ثوب يليق بمنصبه ومروءته. هذا لفظه، وكذا النووي في "نكت التنبيه"،

стр. 1512

وعبر بقوله: قال أصحابنا، إلا أن تعبير الرافعي يحتمل عود الضمير فيه إلى الأكثر. قوله: وهل يعتبر الدين؟ إلى آخره. اعلم أن الرافعي قد ذكر في ذلك خلافًا بعضه هنا وبعضه في آخر الباب، ولم يصرح فيه بترجيح. وكذا النووي في "الروضة"، وقد رجح في "الشرح الصغير" أنه لا يعتبر فقال: في كلام الشافعي والأصحاب ما يدل على أن الدين لا يمنع وجوب الفطرة، وهو الأشبه بالمذهب، وكلامه في "المحرر" يقتضيه أيضًا، فإنه لم يشترطه ورجح صاحب "الحاوي الصغير" اعتباره وهو الذي جزم به النووي في "نكت التنبيه" ونقله عن الأصحاب. قوله: حتى لو انتهى في الكفارة إلى المرتبة الأخيرة وهى الإطعام ولم يجد إلا إطعام ثلاثين قال الإمام: يتعين عندى إطعامهم قطعًا. انتهى. وهذه المسألة التى اقتضى كلامه عدم الخلاف فيها قد ذكرها في آخر الظهار، وحكى فيها خلافًا وتفريعًا مع أمور أخرى تتعلق بها؛ ولهذا أسقطها من "الروضة" هنا، فاعلم ذلك وراجعه. قوله: وإذا فضل صاع وله عبد صرفه عن نفسه، وهل يلزمه أن يبيع في فطرة العبد المحتاج إليه جزءًا منه في فطرته -أي: في فطرة العبد-؟ فيه وجهان. ثم قال: ويحسن أن يرتب فيقال: إن قلنا: إنه لا يباع في الفطرة فلا يباع الجزء المذكور، وإن قلنا: يباع فهاهنا وجهان. انتهى. وهذا الذي ذكره قد صرح به في "التتمة"، ونقله عنه في "الكفاية".

стр. 1513

قوله في المسألة: ويتلخص في بيع جزء من العبد لفطرته ثلاثة أوجه: أصحها: الفرق بين أن يحتاج إليه أو يستغنى عنه، وصور المسألة في "الوسيط" بما إذا كان العبد مستغن عنه, والخلاف ليس مختصًا به بلا شك. انتهى. واعلم أن هذا الثالث لا يأتي مع التصوير المنقول عن "الوسيط"، بل حكى الثالث على كيفية غريبة فقال: هل له أن يبيع جزءه فيها؟ ثالثها: الأعدل إن استغرق الصاع قيمته لم يخرج عنه، وإن كان عشره مثلًا يشتري تسعة أعشار صاع فليخرجه عن الباقي بعد بيع العشر؛ لأن من لا يملك إلا تسعة أعشار عبد إنما يلزمه تسعة أعشار صاع، ثم وجه المنع باتحاد المخرج والمخرج عنه. انتهى. وهذا قد ذكره الإمام احتمالًا. قوله: ولو فضل صاع وله زوجة وأقارب فأراد أن يوزع الصاع لم يجز في أصح الوجهين. ثم قال: وأورد المسعودي وجه التوزيع إيرادًا يشعر بأنه يتعين ذلك محافظة على الجواب. انتهى. وهذه الطريقة التي للمسعودي أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة"، ثم إنها هى الطريقة المعروفة فقد نقله الإمام عن الصيدلاني، وجزم بها القاضي الحسين، والفوراني، وصاحب ["البحر"] (١) و"التتمة" و"البيان" و"الذخائر"، وابن يونس شارح "التنبيه" (٢).

стр. 1514

قوله: فإن فضل صاع واحد واجتمع في نفقته جماعة واستووا فهل يتخير بينهم أو يقسط؟ فيه وجهان. ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة فإنها توزع في مثل هذه الحالة, ولم يتعرضوا للإقراع هاهنا وله مجال في نظائره. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن تأييد الرافعي لوجه التقسيط فيه إشعار برجحانه، ولم يذكره في "الروضة" أعني [التأييد] (١) -بل صحح من زياداته، وفي "شرح المهذب" أنه يتخير، وكذلك صاحب "الحاوي الصغير". الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من كونهم لم يتعرضوا للقرعة قد تابعه عليه في "الروضة". وليس كذلك، فقد جزم به أبو الحسن منصور التميمي تلميذ الربيع صاحب الشافعي؛ كذا رأيته في كتابه المسمى "بالمسافر" مستدركًا به على ما نقله عن الشافعي فقال: وإذا كان عنده بعد نفقة يومه ما يزكي به عن [بعض من يمون زكى به عن من شاء منهم، قال منصور: بل يقرع بينهم فيزكي عمن] (٢) قرع أصحابه منهم؛ لأن كلًا ذو حق. هذه عبارته. قوله: ولو كان في نفقته جماعة وفضل عن كفايتهم ما يؤدى في فطرة بعضهم قدم فطرة من تقدم نفقته على الوفاق والخلاف المذكور في كتاب النفقات. ثم قال: وظاهر المذهب من الخلاف الذي ذكرناه وما أجريناه إلى النفقات أنه يقدم نفسه ثم زوجته ثم ولده الصغير ثم الأب ثم الأم ثم ولده الكبير.

стр. 1515

هذا لفظه. فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله من كون المذكور في النفقات أن الأب يقدم في النفقة على الأم ليس كذلك؛ بل الذي صححه هناك هو العكس. والذي قاله هنا من تقديم الأب قد وقع أيضًا في "الروضة" وفي "المحرر" و"مختصره" و"تصحيح التنبيه". وتفطن النووي في "شرح المهذب" لهذه المناقضة فحاول [الجمع] (١) بينهما فقال: إنما قدموا في النفقات الأم لعجزها، وأما الفطرة فإنها لتطهير المخرج عنه وتشريفه، والأب أحق بهذا؛ فإنه منسوب إليه ويشرف بشرفه، ومراد الأصحاب بقولهم كالنفقة أي: في الترتيب، وقد شاركته في المعظم. انتهى كلامه. وهذا الطريق الذي سلكه في الجمع بين الكلامين فاسد لوجوه: أحدها: أن المعنى الذي ذكره وهو مراعاة الشرف ذهول عجيب؛ فإنا لو راعيناه لم نقدم فطرة الابن الصغير على الأبوين؛ فدل على إلحاقها بالنفقة في تقديم الأحوج فالأحوج. ثانيها: أن هذا الطريق إنما يستقيم التمسك به لو تكلموا هنا على المقدم منهما في الفطرة ولم يتكلموا في النفقة، وليس كذلك، بل قد صرحوا تصريحًا لا احتمال فيه ولا وقفة بأنا إنما قدمنا الأب في الفطرة؛ لأنه المقدم في النفقة، بل صرحوا بأنه المقدم فيها فراجع العبارة المتقدمة. ثالثها: أن الرافعي لما تكلم هنا في "الشرح الصغير" على المقدم في الفطرة ذكر أن الأصح أنه يقدم فيها من تقدم نفقته، ولم يذكر مراتب من

стр. 1516

يقدم بل أحاله على الترتيب المذكور في النفقات من غير استثناء، إلا أن الشيخ محيي الدين لم يطالع "الشرح الصغير"، ولهذا فاته منه مواضع كثيرة من مقاصده في "الروضة" وغيرها، ولو وقف عليه لم يذكر هذا التأويل، واختار صاحب "الحاوي الصغير" تقديم الأب في الموضعين. رابعها: أن الشاشي قد صرح في "الترغيب" بتقديم فطرة الأم على فطرة الأب. الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي أيضًا أنه صحح في كتاب النفقات تقديم الأب على الابن الكبير، وليس كذلك، بل حكى فيها ثلاثة أوجه: ثالثها: التساوي، ثم قال: والتساوي هو اختيار القفال. ولم يذكر هو ولا النووي كلامًا آخر. وهذا إن لم يشعر بترجيح الثالث فلا ترجيح فيه أصلًا.

стр. 1517

الطرف الثالث: في صفات المخرج قوله من زياداته: والصواب ما قاله أبو الفرج الدارمي من أصحابنا أن الاعتماد في الصاع على الكيل دون الوزن. . . . إلى آخره. وهذا الذي استدركه قد صححه الرافعي في زكاة المعشرات، وعجب من إعزائه إلى الدارمي مع التصريح بالتصحيح منه ومن الرافعي. وفي المسألة كلام آخر أذكره إن شاء الله تعالى -في كفارة الظهار يتعين الوقوف عليه فراجعه. قوله: أما الأول فلأن الأقوات النادرة كالفث .. إلى آخره. هذه اللفظة قد تكررت في هذا الباب، وهى بالفاء والثاء المثلثة، وقد سبق إيضاح ذلك في زكاة المعشرات. قوله: وحكى الموفق ابن طاهر أن صاحب "الإفصاح" حكى عن القديم قولًا: إنه لا يجزئ إخراج العدس والحمص في الفطرة؛ لأنهما إدامان. انتهى كلامه. واعلم أن صاحب "الإفصاح" لم يحكه عن القديم، بل ولا جزم بحكايته، بل تردد في إثباته فقال: وقد حكى أصحابنا أن الشافعي قال في موضع آخر: وإن كان قوته عدسًا أو حمصًا لم أر أن يخرج منه الزكاة لأني أراهم يقتاتونه؛ فيحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: لم أستحب له ذلك، لا أنه إذا أراد إخراجه لم يجز، فهذا موافق لما ذكرنا. ويحتمل أن يكون معناه لم [يجزئه] (١) ذلك ويكون الاعتبار بغالب

стр. 1518

الأقوات التي تجري فيها الزكاة دون ما لم يكن غالبا. هذا لفظ "الإفصاح" بحروفه، ومنه نقلت. قوله في "الروضة": وفي الأقط طريقان: أحدهما: القطع بجوازه، والثاني: على قولين؛ أظهرهما جوازه. انتهى. لم يبين الأصح من الطريقتين؛ والأصح هى طريقة القولين. كذا صححه الرافعي في الشرحين "الكبير"، و"الصغير"، وجزم به في "المحرر"، وحذفه النووي في "الروضة". وعبارته في "الكبير": أظهرهما أنه على قولين. قوله في "الروضة": فإن جوزنا الأقط، فالأصح أن اللبن والجبن في معناه، والثاني: لا يجزئان. والوجهان في إخراج من قوته الأقط: اللبن والجبن. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما جزم به من حكاية الوجهين قد خالفه في "شرح المهذب"؛ فإنه حكى طريقين وصحح القطع بالجواز فقال: فيه طريقان: أصحهما -وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وآخرون-: يجزئه؛ لأن الجبن مثلة واللبن أكمل منه. والثاني: حكاه الخراسانيون على وجهين: أصحهما: يجزئه. الأمر الثاني: أن ما ذكره في اللبن من الجواز قد ذكر في "تصحيح التنبيه" في الظهار ما يخالفه، وقد بسطت الكلام عليه هناك فراجعه. الثالث: أن تخصيص الوجهين في إجزاء اللبن والجبن بمن قوته الأقط يقتضي أنهما [لا] (١) يأتيان فيمن قوته اللبن، وأنه يجوز إخراجهما جزمًا؛

стр. 1519

تفريعًا على ما نحن نفرع عليه؛ وهو إجزاء الأقط، وقد صرح به في "شرح المهذب" فقال: الخلاف مخصوص بمن قوته الأقط هل له إخراج اللبن والجبن؟ هكذا قاله الماوردي والرافعي وغيرهما. هذا لفظه، وليس الأمر على ما اقتضاه كلام "الروضة" وسرى منها إلى "شرح المهذب" فإن في الرافعي نقلًا عن البغوي من غير مخالفة: أن الوجهين جاريان فيمن قوته اللبن أيضًا؛ فكان صوابه أن يقول: والوجهان في إخراج من قوته الأقط واللبن اللبن والجبن أي: بتكرار اللبن. الأمر الرابع: إذا صححنا إجزاء الجبن فكيف نصنع بالمقدار الذي هو الكيل؟ والذي يظهر هاهنا أنه يتعين الرجوع إلى الوزن. وقد ذكر الرافعي في زكاة المعشرات عند ذكره الاختلاف في أن المعتبر الكيل أو الوزن قال أبو العباس الجرجاني: إلا العسل إذا أوجبنا فيه الزكاة فالاعتبار فيه الوزن. قوله: واتفقوا على أن إخراج المختض والمصل والسمن لا يجزئ. انتهى. والمصل: بميم مفتوحة وصاد مهملة ساكنة بعدها لام، قال في "المجمل": هو ماء الأقط. وقال النووي في "لغات التنبيه" وغيرها: إذا أرادوا أقطا أو غيره جعلوا اللبن في وعاء من صوف أو خوص أو كرباس ونحوه فينزل مائيته منه فهى المصل. وفي "الاستقصاء" و"البيان": أن المصل لبن منزوع الزبد. وفي "النهاية": أن المصل هو المختض.

стр. 1520

قوله: ولا يجزئ المسوس. اعلم أن المسوس والمدود بكسر الواو. قال الجوهري: في باب السين: السوس: دود يقع في الصوف والطعام، تقول منه: ساس الطعام يساس سوسًا بالفتح إذا وقع ذلك فيه، وكذلك أساس الطعام بالهمز وسوس. قال الراجز: قد أطعمتني دقلًا حولنا ... مسوسًا مدودا حجرنا وذكر نحوه في باب الدال فقال: داد الطعام يداد، وكذلك أداد بالهمز، ودود بالتشديد إذا وقع فيه السوس وأنشد البيت السابق وضبطه فيهما بالكسر، وصرح به -أعني بالكسر- من الفقهاء جماعة منهم صاحب "الاستقصاء"، وابن الصلاح. قوله: ويجزئ القديم وإن قلت قيمته بسبب القدم ما لم يتغير طعمه ولونه. انتهى. تابعه في "الروضة" على التعبير في التعبير بما ذكره؛ وهو يقتضي أن الرائحه لا اعتبار بها، وأنه لابد من اجتماع الطعم واللون، وليس كذلك، بل كل واحد من الثلاثة مانع من الإجزاء وحده، وقد صرح في "شرح المهذب" بذلك ونقله عن الماوردي وغيره، ولم يحك فيه خلافًا, وجزم به أيضًا الروياني في "البحر" ناقلًا له عن نص الشافعي، وذكر نحوه في "الكفاية". قوله ناقلًا عن "الوجيز": ثم يتعين من الأقوات القوت الغالب يوم الفطر في قول، وجنس قوته على الخصوص في قول، وقيل: يتخير في الأقوات.

стр. 1521

ثم قال: ودليل الأول قوله ﵊: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" (١). انتهى. اعترض الرافعي بعد هذا بنحو ورقتين على كلام "الوجيز" فقال: وتسمية الأول والثاني قولين لا يكاد يوجد لغيره، وإنما حكاهما الجمهور وجهين، وإنما قوله: وقيل: يتخير فمنهم من حكاه قولًا على ما سبق. انتهى كلامه. وما ذكره من الإنكار على الغزالي وأنه غير موجود لغيره فليس كذلك؛ فقد صرح الماوردي في "الحاوى" بحكايته وبحكاية جميع الخلاف أقوالًا؛ فقال: اختلف قول الشافعي في الأقوات المدخرة هل هى على الترتيب أو التخيير فيه قولان، ثم قال: فعلى هذا -أي: الترتيب- هل يعتبر غالب قوت بلده أو غالب قوته في نفسه؟ على قولين. هذا لفظه. والحديث المذكور رواه البيهقي، وقال: إنه ضعيف. قوله: وأما لو عدل إلى القوت الأعلى فهو جائز بالاتفاق. انتهى. تابعه في "الروضة" أيضًا على دعوى الاتفاق. وليس كذلك؛ بل في الجواز وجهان مشهوران حكاهما الماوردي في "الحاوى"، والروياني في "البحر"، والشاشي في "الحلية"، وابن يونس في "شرح التنبيه". وحكى أيضًا -أعني الماوردي- في الكفارات وجهين في ما إذا عدل عن الواجب إلى ما هو دونه في الكفارة. ثم جعل الفطرة كالكفارة، وهذا هو الخلاف الذي حكاه الشيخ في

стр. 1522

"التنبيه" في هذا الباب وأنكروه عليه إلا أنه جعله قولين. وإنكاره باطل؛ فقد حكاهما أيضًا أبو إسحاق المروزي في "الشرح"، والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "البحر". قوله: والنظر في الأعلى إلى الاقتيات وقيل: إلى القيمة؛ لأنه أرفق بالمساكين وأشق على المالك. وعلى هذا يختلف الحال باختلاف البلاد والأوقات، إلا أن تعتبر زيادة القيمة في الأكثر. انتهى. وما ذكره تفريعًا على الثاني معناه أن الاختلاف المذكور إنما نأخذ به إذا لم يكن المعتبر عند الأصحاب زيادة القيمة في أكثر الأوقات بل وقت الإخراج، فإن كان الأكثر هو المعتبر عندهم أخذنا به، وهو الذي ذكره بحثا متوقفًا فيه، وتابعه عليه في "الروضة" قد جزم به النووي في "شرح المهذب"، وخالف فيه القاضي حسين في "تعليقه"، ونقله عنه في "الكفاية". قوله: ورجح صاحب "التهذيب" الشعير على التمر، وعن الشيخ أبي محمد: أن التمر خير منه، وله في الزبيب مع الشعير أو التمر تردد، قال الإمام: والأشبه تقديم التمر على الزبيب. انتهى كلامه. لم يرجح النووي في "الروضة" شيئا في هذه المسائل أيضًا، والراجح أن الشعير خير من التمر، وأن التمر خير من الزبيب، كذلك رجحه الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وعبر فيهما بالأشبه. وقال النووي في "المنهاج" و"شرح المهذب": إنه الأصح، وبالغ في الشرح المذكور بالنسبة إلى تقديم التمر [والشعير] (١) على الزبيب فقال: إنه الصواب.

стр. 1523

واختاره أيضًا فيهما صاحب "الحاوي الصغير"، ولم يزد في "الروضة" في الشعير مع الزبيب على أنه فيه تردد للجويني. قوله: ولا يجوز عن شخص واحد فطرة من جنسين وإن كان أحدهما أعلى من الواجب. هذا هو المعروف، ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه. انتهى كلامه. تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي عدم الوقوف على الجواز، إلا لهذا المتأخر الذي لم يصرح باسمه لعدم شهرته؛ ففي المسألة وجوه مشهورة: أحدها: هذا الوجه صرح به إمام الحرمين، والغزالي في "البسيط"، وكلاهما قبل كتاب الصيام بقليل نظرًا إلى المعنى، لكن لو استوى الجزءان امتنع عند هذا القائل كما قاله الإمام. والثاني: إن كان عنده صاع من جنس واحد لم يجز البعض وإلا جاز تكميله بالأعلى. حكاه السرخسي في "الأمالي" وحكاه عنه النووي في "شرح المهذب". والثالث: يجوز مطلقا، حكاه ابن يونس شارح "التنبيه". قوله في "أصل الروضة": وإن كان السيدان في بلدين مختلفي القوت، أو اعتبرنا قوت الشخص بنفسه فاختلف قوتهما فأوجه: أصحها: يخرج كل واحد نصف صاع من قوته، وقيل: من قوت بلد العبد. انتهى. وهذا الوجه الذي ضعفه هو الصحيح في المسألة فاعلمه.

стр. 1524

وأما الأول فمخالف لما ذكره قبل ذلك فإنه قال: ولو ملك رجلان عبدًا وأوجبنا الغالب من قوت البلد ومكان العبد في بلد آخر بني على أن الفطرة تجب على المالك ابتداء أم بطريق التحمل؟ انتهى. ومقتضاه أن الصحيح وجوبها من بلد العبد على عكس ما سبق نقله الآن عن "الروضة". وقد ذكر الرافعي المسألة على الصواب؛ فإنه بعد ذكره لما قاله النووي نقل عن الشيخ أبي عليّ أن هذا إذا قلنا بوجوبها على المخرج ابتداءا، فإن قلنا بالتحمل تعين قوت بلد العبد، وهكذا ذكره الرافعي في "الشرح الصغير" من غير نقله عن الشيخ أبي عليّ؛ بل جزم به. وكذلك النووي في "شرح المهذب"، ولكنه في "الروضة" أهمل ذكر هذا التفريع نسيانًا، وجعلها مسألة مستقلة فحصل من الغلط ما حصل، ثم إنه أخذ مما قرره في "الروضة" وجعله في "المنهاج" من زياداته، وفي "تصحيح التنبيه". وذلك كله خطأ فاعلمه، ولم يتفطن له في شيء من كتبه إلا في "شرح المهذب" كما أشرنا إليه. قوله: فهل يتخير بين الأقوات؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لظاهر حديث أبي سعيد. وأصحهما: لا؛ بل يتعين الغالب؛ لقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" (١)، ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان يغني عن الطلب؛ فإن الظاهر أنه يطلب القوت الغالب في البلد. ثم قال: وقول الغزالي في "الوجيز"، ثم يتعين من الأقوات القوت

стр. 1525

الغالب يوم الفطرة: التقييد بيوم الفطر لم أظفر به في كلام غيره، وبين لفظه هاهنا [ولفظ] (١) "الوسيط" بعض المباينة؛ لأنه قال: المعتبر فيه غالب قوت البلد في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة. انتهى كلامه. وذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه النووي على ذلك في "الروضة"، وليس فيه بيان للوقت المعتبر. وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا، إلا أنه تعرض لبيان الوقت بكلام لا إيضاح فيه أيضًا فقال ما نصه: هذا النقل غريب كما قال الرافعي، والصواب: أن المراد قوت السنة كما سنوضحه في الفرع الذي بعد هذا، انتهى كلامه. ثم ذكر بعده الفرع الذي أشار إليه فقال: فرع إذا اعتبرنا قوت البلد أو قوت نفسه وكان القوت مختلفا باختلاف الأوقات ففي بعضها يقتاتون أو يقتات جنسًا وفي بعضها جنسًا آخر. قال السرخسي في "الأمالي": إن أخرج من الأعلى أجزأه وكان أفضل، وإن أخرج من الأدنى فقولان: أحدهما: لا يجزئه احتياطًا للعبادة. قال: وأصحهما: يجزئه؛ لدفع الضرر عنه، ولأنه يسمى مخرجًا من قوت البلد أو من قوته هذا كلامه. وحاصله: تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، والتقييد الذي ذكره الغزالي في "الوسيط" قد ذكره أيضًا صاحب "الذخائر" وهو القياس.

стр. 1526

والاستدلال الذي تقدم الآن نقله عن الرافعي كالصريح فيه. قوله: وإن مات بعد استهلال الهلال عن عبد؛ فتقدم فطرة العبد على [الوصايا] (١) والميراث. وفي تقديمها على الديون طريقان: أظهرهما: أنه على ثلاثة أقوال على ما قدمناها في زكاة المال. والثانى: القطع بتقديم الفطرة [لأنها] (٢) متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كأرش جنايته. وأما فطرة نفسه فهى على الأقوال، وحكى القاضي الروياني ﵀ طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضًا لقلتها في الغالب. انتهى كلامه. والذي حكاه الروياني في "البحر" وسبقه إليه الماوردي أن أبا الطيب ابن سلمة قال: زكاة الفطر تقدم على الديون قولًا واحدًا لقلتها في الغالب وتعلقها بالرقبة، وزاد الماوردي على هذا: فاستحقت كأرش الجناية. وهذا الطريق هو غير الطريق السابق المذكور في العبد، ولا يتصور أن يكون في المالك كما فهمه الرافعي؛ لأن التعليل بالتعلق بالرقبة وبالتشبيه بأرش الجناية يدفع ذلك، ولم يتعرض له في "الحلية". قوله من زوائده: ولو أخرج الأب من ماله فطرة ولده الصغير الغني جاز كالأجنبي إذا أذن، بخلاف الابن الكبير. انتهى.

стр. 1527

فيه أمران: أحدهما: أن محل المنع في الكبير ما إذا كان عاقلًا رشيدًا، فإن كان مجنونًا جاز. وكذلك السفيه على ما دل عليه كلامه في "شرح المهذب"؛ لأن الفارق بين الصغير والكبير هو استقلال الأب بتمليك الصغير، وهذا موجود في المجنون والسفيه، وما ذكره في السفيه هو قياس ما ادعاه من كونه ينوي عنه وفيه كلام سبق. وعلل المحب الطبري في "ألغازه" عدم الإجزاء عن الكبير بكونه قادرًا على النية، وهذا يقتضي التفرقة بين السفيه والمجنون. الأمر الثاني: أنه سكت عن الوصي وحكمه أنه لا يجوز له ذلك إلا بإذن القاضي. كذا قاله البغوي، ونقله أيضًا الماوردي.

стр. 1528

كتاب الصيام قوله: ويجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما باستكمال شعبان، أو برؤية الهلال؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (١). [انتهى] (٢). وما نقله من إكمال العدة ثلاثين ليست في رواية ابن عمر، والذي رواه: "فإن غم عليكم فاقدروا له". قوله: وإن شهد واحد فقولان: أحدهما: أن الرؤية لا تثبت. وهى رواية البويطي؛ لما روي أنه ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا إلا أن يشهد شاهدان" (٣). وأصحهما وهو الذي نص عليه في كتبه وقطع به بعضهم: أنها تثبت؛ لما روي عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال فقال: "تشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم. قال: "وأن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم. قال: "فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا" (٤).

стр. 1529

وعن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس" (١). انتهى ملخصًا. وما صححه الرافعي وغيره من قبول قول الواحد خلاف مذهب الشافعي فإن المجتهد إذا كان له قولان وعلم المتأخر منهما كان مذهبه هو المتأخر، وقد نص في "الأم" على أن اشتراط الاثنين متأخر عن هذا فقال في أول كتاب الصيام الصغير ما نصه: قال الشافعي ﵀: وبهذا نقول، فإن لم ترى العامة هلال رمضان ورآه رجل عدل أن أقبله للأثر والاحتياط. قال الشافعي (٢) ﵀: أخبرنا الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين ﵇ أن رجلًا شهد عند على رؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان. قال الشافعي ﵀ بعد: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان.

стр. 1530

هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن "الأم" نقلته. واعلم أن من جملة الفوائد المهمة الجليلة التي اشتمل عليها [مقدمة] (١) هذا الكتاب وسبق هناك إيضاحه أن "الأم" رواية البويطي عن الشافعي وأن البويطي مات قبل ترتيبها فرتبها الربيع واستدرك فيها أشياء فصرح فيها باسمه تارة فيقول: قال الربيع، وتارة لا يصرح به اعتمادًا على القرينة. ومنه هذا الموضع. والحديث الأول: ما عدا الاستثناء -رواه الشيخان عن اختلاف في بعض الألفاظ وهو إلى لفظ البخاري أقرب، وأما الاستثناء فضعيف، ويغني عنه ما رواه حسين بن الحارث قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية، فإن لم نره فشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما. رواه أبو داود، والدارقطني والبيهقي. وقالا: هذا إسناد صحيح متصل. وينسك: بضم السين وكسرها من النسك وهو العبادة. وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، صححه ابن حبان والحاكم، وقال النسائي: والأولى بالصواب أنه مرسل. وأما حديث ابن عمر فرواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الدارقطنى: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب، وهو ثقة، كذا نقله في "شرح المهذب" وأقره، وما ادعاه من التفرد ليس كذلك؛ فقد تابعه هارون بن سعيد الأيلي فرواه عن ابن وهب، كما أخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قوله: فإن قبلنا الواحد فهو شهادة في أصح الوجهين، وقيل:

стр. 1531

رواية، ثم قال: وهل يشترط لفظ الشهادة؟ قال الشيخ أبو علي وغيره: هو على الوجهين، ومنهم من قدر اشتراطه متفقًا عليه. انتهى. لم يبين هنا ما صيغة هذه الشهادة فهل يقال يشهد بطلوع الهلال ونحوه لا بالرؤية؛ لكونها من فعله أو تصح الشهادة وإن كانت بالرؤية، وقد تعرض هو لذلك في صلاة العيدين في الكلام على لفظ "الوجيز"، وذكر ما حاصله أن الشهادة بصيغة الرواية صحيحة فقال ما نصه: فنقول: لو شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان [إننا] (١) رأينا الهلال البارحة، وكان ذلك قبل الزوال، وقد بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة أفطروا. انتهى لفظه. ورأيت في "شرح الفروع" للقفال المروزي الجزم بمثله أيضًا فقال في هذا الباب: إذا كانت السماء مصحية فشهد شاهدان: إننا رأينا الهلال ليلة الثلاثين قبلنا قولهما وأفطرنا. هذا لفظه. ورأيت في "أدب الشهود" لابن سراقة ما هو أصرح منه فقال: يقول: أشهد أيها القاضي أني رأيته. هذه عبارته، ذكر ذلك في باب تأدية الشهادة. وخالف ابن أبي الدم فقال: إن الشهادة برؤيته لا تقبل؛ لأنها شهادة على فعل نفسه. وقد اشتهرت هذه المقالة على الألسنة غير مستحضرين لخلافها؛ فلذلك صرحت بهذه النقول. قوله: وهل يقبل قول الصبي المميز الموثوق به إذا جعلناه رواية؟ قال الإمام: فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصبيان، وجزم في

стр. 1532

"التهذيب" بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته، وهو المشهور. انتهى كلامه. وحاصله: أن في المسألة طريقين: المشهور: طريقة القطع، والثاني: التخريج على الخلاف. وقد صرح النووي بذلك في "الروضة". إذا علمت ذلك فالمذكور هنا قد خالفه الرافعي في "الشرح الصغير" فجزم بطريقة الوجهين. ثم إنه أيضًا يشكل على سائر الإخبارات، فقد حكى الرافعي وجهين في قبول إخباره بنجاسة الماء وبالمرض المخوف وبجهة القبلة وغيرها، ولم يحك طريقة قاطعة بالمنع فضلا عن تصحيحها فأي فرق بين ما يجئ فيه وبين هذه الأبواب. نعم إن أشار الرافعي بقوله وهو المشهور إلى عدم القبول لا إلى الجزم به استقام وتوجه على "الروضة" اعتراضان، لكنه بعيد جدًا. وفي المسألة أمور أخرى سبق ذكرها في باب الاجتهاد في المياه فراجعها. قوله: وإذا أخبر موثوق به بالرؤية فهل يجب الصوم مطلقا أم يتخرج على هذا الخلاف؟ .. إلى آخره. فيه كلام يتعين الوقوف عليه مذكور في الكلام على النية. قوله في "أصل الروضة": واتفقوا على أنه لا يقبل قول الفاسق على القولين جميعًا. اعلم أن في قبول إخبار الفاسق بجهة القبلة وجهين مذكورين في الرافعي فإما أن نقول بجريانهما هاهنا، وإما أن نلزمه أن يفرق، بل سبق في

стр. 1533

التيمم أن في قبوله خبر الكافر بالمرض المخوف وجهين أيضًا. ولم يصرح الرافعي هنا بالقطع بعدم القبول وإنما جزم به. قوله أيضًا في "أصل الروضة": ولكن إن اعتبرنا العدد اشترطنا العدالة الباطنة. انتهى. لم يبين المراد هنا بالعدالة الباطنة وهو أمر مهم ضروري، وقد بينه الرافعي عقب هذا الكلام فقال: وهى التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين. هذا لفظه. والعجب من حذف النووي له. قوله: وإن لم يعتبر العدد ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان [جاريان] (١) في رواية المستور. قال الإمام: وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، وهو بعيد. نعم قد تقول: يأمر القاضي بالصوم بظاهر العدالة كى لا يفوت الصوم ثم يبحث بعد ذلك. انتهى كلام الرافعي. فيه أمور: أحدها: أن الأصح من هذين الوجهين هو القبول، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: الأصح قبول رواية المستور، والأصح قبول قوله هنا والصيام به، وبه قطع صاحب "الإبانة"، و"العدة"، والمتولي. هذا كلامه، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا. وتصحيح القبول متجه على القول بأنه رواية، وأما على القول بالشهادة فبعيد.

стр. 1534

الأمر الثاني: أن نقل الرافعي عن الإمام يقتضي أن البحث لابد منه. وليس كذلك بل المذكور في "النهاية" ما حاصله أنهم إن صاموا ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال فلابد من البحث وإلا ففيه تردد؛ فإنه قال عقب ما نقله الرافعي ما نصه: ولا يبعد أن يقال: إذا أمر استمروا ولم يبحث. نعم إذا استكملنا العدة ثلاثين فلم يروا هلال شوال فلابد الآن من البحث عن العدالة فتأملوا ترشدوا. انتهى كلامه. الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد أسقط ما نقله الرافعي عن الإمام فلم يذكره بالكلية، وجزم الغزالي في "البسيط" بأنه ينبغي للإمام أن يأمر وبأن يبحث أيضًا، ولم يفصل. قوله في "أصل الروضة": ولو صمنا بقول عدلين ولم نر الهلال بعد ثلاثين فإن كانت السماء مغيمة أفطرنا قطعًا، وإن لم تكن مغيمة أفطرنا أيضا على المذهب الذي قطع به الجماهير. انتهى كلامه. وما ذكره هاهنا من قطع الجمهور قد خالفه في "شرح المهذب" مخالفة عجيبة فحكى أن الأشهر طريقة الخلاف فقال: وإن كانت مصحية فطريقان أحدهما: نفطر قولًا واحدًا، وبه قطع كثيرون. وأشهرهما -وبه قطع المصنف وكثيرون: فيه وجهان: الصحيح- وقول جمهور أصحابنا المتقدمين: نفطر. قوله: فالأصح القطع بثبوت الهلال بالشهادة على الشهادة كالزكاة وإتلاف بوارى المسجد؛ فعلى هذا إذا فرعنا على الصحيح وهو عدم العدد، فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية ففي الاكتفاء بواحد وجهان: أصحهما في "التهذيب": لا يكفي؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه. وإن قلنا: طريقه طريق الشهادة فهل يكفي واحد أم لابد من

стр. 1535

اثنين؟ فيه وجهان؛ المذكور في "التهذيب" منهما هو الثاني. انتهى ملخصا. تابعه في "الروضة" على ذلك. فأما المسألة الأولى: فالأصح فيها هو الاكتفاء بالواحد؛ فقد قال ابن الرفعة في "الكفاية": إنه المشهور. وذكر النووي في "شرح المهذب" نحوه؛ فإنه قال بعد ذكره ما ذكره هاهنا من غير زيادة عليه، وقال الشيخ أبو علي، وإمام الحرمين: الأصح الاكتفاء بواحد عن واحد، وبها قطع الدارمي. هذا كلامه. وهذا الخلاف كالخلاف السابق في قبول رواية الصبي. والبغوي بنى على قاعدة واحدة في الموضعين. وأما في المسألة الثانية فالأصح فيها ما قاله البغوي، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالأصح. والبواري: بالباء الموحدة والراء المهملة والياء المشددة المثناة من تحت: نوع ينسج من القصب كالحصير. قوله: وما يقتضيه حساب المنجم لا يوجب الصوم عليه ولا على غيره. قال القاضي الروياني: وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به في أصح الوجهين. انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والذي صححه الروياني هو الصحيح، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير". قال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": ومعرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلة، وهو غير [المعرفة] (١) بالحساب على ما أشعر به كلام الغزالي

стр. 1536

في الدرس؛ فالحساب أمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في دركه الجمهور ممن يراقب النجوم. هذا كلامه. وقد سبق في كتاب الصلاة فيما إذا علم المنجم دخول وقتها بالحساب كلام آخر فلينظر مع هذا. قوله: وأما الجواز فقد قال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حسابه لا في الصوم ولا في الإفطار. وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف إلى غيره. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن الأصح في هذه المسألة هو الجواز في حق الحاسب والمنجم، والمنع في حق غيرهما، كذا صححه النووي في "شرح المهذب". وسنذكر لفظه مع زيادة أخرى في الكلام على جزم [النية] (١)، لكن نقل ابن الصلاح أن الجمهور على المنع في حق أنفسهما أيضًا. الثاني: أن هذا الذي نقله عن بعض المسودات المجهولة، وتابعه عليه النووي هو مذكور في عدة من الأصول المشهورة منها "الشامل" لابن الصباغ وكذلك ["التهذيب"] (٢) و"التعليق" للشيخ أبي حامد حتى جعله بمنزلة الشهادة في حقه وحق غيره. قوله: واعلم أن صاحب "التهذيب" ذكر تفريعًا على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به الطلاق والعتق المعلقين بهلال رمضان، ولا نحكم بحلول الدين المؤجل إليه.

стр. 1537

ولو قال قائل: هلا ثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج الفرق. انتهى كلامه. تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب"، وما نقله الرافعي عن البغوي ذكر مثله الخوارزمى، وفي ما ذكره الرافعي أمور: أحدها: أن الطلاق والعتق المعلقين إنما لا يحكم بوقوعهما إذا سبق التعليق على الشهادة، فأما إذا وقعت الشهادة أولًا وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق المذكور فقال: إن كان قد ثبت رمضان فعبدي حر أو فأنت طالق فإن الطلاق والعتق يقعان، وذلك لأن الرافعي في الباب الثاني من كتاب الشهادات نقل عن ابن سريج والجمهور هذا التفصيل فيما إذا علق العتق أو الطلاق على الغصب، فثبت بشهادة رجل وامرأتين. ثم قال: وقياسه أن يكون الحكم هكذا إذا علق برمضان فشهد به واحد. انتهى. واعلم أن ابن سريج قد نص على هذا التفصيل الذي ذكرناه في "التعليق" بالغصب فتابعه عليه الأصحاب. وقد نص -أعني: ابن سريج- على التفصيل المذكور في التعليق برمضان أيضًا هكذا، حكاه عنه القاضي الحسين في هذا الباب من "تعليقه". وكلام الرافعي يقتضي أنه لم يجده منقولًا؛ ولهذا أثبته قياسًا. الأمر الثاني: أن الرافعي قد أشار بقوله: كما سبق نظيره: [أي] (١) فيما إذا صمنا بقول الواحد ثلاثين ولم نر هلال شوال فإنا نفطر على الأصح وإن كان شوال لا يثبت بالواحد، ومثله النسب والميراث فإنهما لا يثبتان بشهادة النساء إلا عند شهادتهن بالولادة فإنهما يثبتان تبعًا وضمنا.

стр. 1538

وقد ذكر الرافعي في كتاب الشهادات أن في الموضع السابق ذكره قريبًا فرقًا بين ثبوت النسب والميراث، وبين عدم حلول الدين وعدم وقوع الطلاق والعتاق بما حاصله أن النسب ونحوه لازم للمشهود به، والطلاق والعتاق والحلول ليس بلازم لاستهلال الشهر، وقد ذكرت لفظه هناك. الأمر الثالث: [(١) أن عدم حلول الدين ونحوه محله إذا لم يتعلق ذلك بالشاهد، فإن تعلق به ثبت بلا شك؛ لاعترافه بذلك. قوله: وإذا رؤي الهلال في بلد ولم ير في أخرى فإن تقاربتا تعدى الحكم إليها، وإن تباعدتا فلا في أظهر الوجهين؛ لما روي عن كريب قال: رأينا الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة. قال: أنت رأيت الهلال؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه. قلت: أو لا يكتفى برؤية معاوية؟ فقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ .. (٢) انتهى. والحديث المذكور رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وكريب: بكاف مضمومة على التصغير، وفي آخره باء موحدة، وهو مولى ابن عباس. واعلم أن الذي صححه الرافعي قد سبقه إليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق والغزالي والشاشي، لكن ذهب إلى الوجوب القاضي أبو

стр. 1539

الطيب، والروياني وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جمع من أصحابنا، ونقله ابن المنذر عن أكبر الفقهاء، ونقله البغوي عن الشافعي. قوله: وضبط العراقيون والصيدلانى وغيرهم البعد باختلاف المطالع، وضبطه الغزالي وصاحب "التهذيب" بمسافة القصر، وتحدى الإمام وادعى أنه لا قائل بالأول قال: وقد يوجد ذلك مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاورتها لها. ومنهم من ضبطه -يعني: البعد- باختلاف الإقليم. انتهى ملخصًا. وفيه أمور: أحدها: أنه ليس فيه تصريح بترجيح، وقد صرح بترجيح الثاني وهو مسافة القصر في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وكذلك في "المحرر" فقال: إنه أشهر الوجهين. واختلف تصحيح النووي فقال من زياداته في "الروضة" و"المنهاج": الأصح أن العبرة باختلاف المطالع، وذكر نحوه في "شرح المهذب"، ثم صحح عكسه في "شرح مسلم" في الباب الثالث من أبواب الصيام فقال ما نصه: والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة كما يقوله أبو حنيفة، وكأنه ظفر به بعد ذلك فألحقه ذاهلًا عما سبق فقدم في "الروضة" هذا الوجه فذكره مع المسألة. الأمر الثاني: أن الرافعي قد نقل في الظهار في آخر الخصلة الثانية أنه إذا صام رمضان عن فرض رمضان وعن الكفارة أجزأه عنهما عند ابن خربويه. قال: والمعروف أنه لا يجزئه عن واحد منهما. إذا علمت ذلك فإن أراد الرافعي بالتعرض لكونه من رمضان خلوص

стр. 1540

الصوم له وحده، وهو الظاهر لم يستقم نفي الخلاف لمقالة ابن خربويه. وإن أراد التعرض له سواء كان مع غيره أو وجه كان أفحش في الاعتراض؛ لكونه خلاف المشهور. الثالث: أن يعتبر العد أيضًا من الواجبات لا من الكمال فكان ينبغى أن يقول: فأما قصد صوم العد والتعرض .. إلى آخره. قوله: وأما الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى ففيها الخلاف المذكور في الصلاة. انتهى كلامه. وذكر مثله في "الشرح الصغير" و"المحرر"؛ ومقتضاه أن الأصح وجوب التعرض للفرضية؛ لأنه الأصح في الصلاة. وقد تابعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" عليه وعبر بعبارته، وخالف في "شرح المهذب" فقال ما نصه: والأصح عند البغوي اشتراطها، والأصح عند البندنيجي وصاحب "الشامل" والأكثرين عدم الاشتراط وهو الأصح، بخلاف الصلاة. والفرق أن صوم رمضان من البالغ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر من البالغ قد تكون نفلًا في حق من صلاها ثانيا. هذا كلامه. وإذا علمت ذلك علمت أن الفتوى على خلاف ما يقتضيه كلام الشرحين و"الروضة" وفروعهما ترجيحًا بكلام الأكثرين. قوله: وأما رمضان هذه السنة فقد حكى الإمام، والغزالي وجهًا أنه لابد منه، ويغرب منه وجهان حكاهما البغوي في أنه هل يجب أن يقول: من فرض هذا الشهر أو يكفي أن يقول: من فرض رمضان؟ وقال: الأصح الوجوب، وزيفه الإمام بأنه إذا حصر الأداء بالليالى فقد حصر التعرض للوقت المعين.

стр. 1541

وقد يزيف أيضًا بأن التعرض لليوم المعين لابد منه وذلك يغنى عن كونه من هذا الشهر وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك. انتهى. ورمضان المذكور في أول هذا الكلام مضاف إلى ما بعده وهو اسم الإشارة. إذا علمت ذلك ففي كلامه أمور: أحدها: أن الرافعي لم يصرح هنا بتصحيح في التقييد بالسنة ونحوها، وقد صحح في "الشرح الصغير" و"المحرر" أنه لا يشترط، وعبر فيهما بالظاهر، وصححه النووي أيضًا في "أصل الروضة" وغيرها من كتبه، وقد تلخص مما ذكره هو والرافعي أنه لا يشترط ذكر الأداء ولا كونه من السنة ونحوها كالشهر، بل يكفيه أن ينوى صوم الغد عن فرض رمضان، وفيه كلام سأذكره. الثاني: أن ما ذكره أولًا في تزييف الوجوب بدخوله في الأداء صحيح لكن الأداء لا يجب أيضًا عنده. وما ذكره ثانيًا في تزييفه من أن التعرض لليوم المعين -وهو الغد- يستلزم السنة والشهر ذهول عجيب؛ فإن من نوى صوم الغد من هذه السنة عن فرض رمضان يصح أن يقال له: صيامك لليوم المذكور هل هو عن فرض هذه السنة أو عن سنة أخرى؟ إذ هنا أمران؛ اليوم الذي يصومه واليوم الذي يصوم عنه؛ فالحاصل أن ذكر هذه السنة في قلب الناوي إنما ذكروه آخرًا ليعود إلى المؤدي عنه لا المؤدي به. الثالث: أن البغوي قد عبر بقوله: فيقول: نويت أن أصوم غدًا من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غدًا من الفرض أو من فرض رمضان فالأصح أنه لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر، وقيل: يجوز؛

стр. 1542

لأن هذا الشهر لا يقبل غير فرضه. هذه عبارة "التهذيب". وقد علمت منها أن الوجه المرجوح عنده لا يوجب تقييد الفرض برمضان، بل لو قال من الفرض صح على خلاف المذكور في الرافعي و"الروضة". وقد حذف في "الروضة" ما نقله عنه الرافعي من تصحيح البطلان في هذا التصوير، وأوهم كلامه تبعًا للرافعي أنها صورة واحدة، وليس تصحيح البغوي هذا لأجل التعرض للأداء؛ فإن الصحيح -عنده كما ذكره في الصلاة- عدم اشتراطه. قوله: والتعيين واجب في صوم الفرض. ثم قال: وأما صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة"، على إطلاق صحة التطوع بالنية المطلقة، لكنه قد تقدم في صفة الصلاة أن النفل إن كان راتبًا أو كان له سبب فلابد من تعيين النية فيه، وقياسه اشتراط التعيين أيضًا في الصوم الراتب كصوم عرفة، والذي له سبب كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام كما قلنا باشتراطه في الصلاة لاسيما وقد صرح الرافعي بإلحاق الصوم بها كما تقدم، وقد تعرض النووي في "شرح المهذب" لهذا البحث فقال: ينبغي وجوب ذلك، إلا أنه فرض الإشكال في النفل المؤقت ولم يتعرض لما له سبب. قوله: الرابع: التبييت: وهو شرط في صوم الفرض. انتهى. وتعبيره بالفرض تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، ويرد عليه صيام الصبي في رمضان فإنه نفل ومع ذلك لا يصح إلا بنية من الليل كما قاله الروياني والنووي، وكذلك ابن أبي الدم، وحكى الوجهين في أنه هل يقع نفلًا

стр. 1543

موصوفًا بصفة الرمضانية أو غير موصوف بها ولا إدخال للصبي، عبر الشيخ في "التنبيه" بقوله: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل فنص على رمضان بخصوصه، وقيل غيره بكونه واجبًا, وهو من محاسن كلامه، وهذا الاعتراض يأتي في المسألة السابقة أيضًا. قوله في "الروضة": ولا تبطل النية بالأكل والجماع بعدها على المذهب، وحكى عن أبى إسحاق بطلانها، وأنكر ابن الصباغ نسبته إليه. وقال الإمام: رجع أبو إسحاق عن هذا عام حج وأشهد على نفسه. فإن ثبت أحد هذين فلا خلاف في المسألة. انتهى ملخصًا. وفيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كونه قائلا برجوع أبي إسحاق ليس كما نقله عنه، بل إنما حكاه الإمام في "النهاية" عن غيره حكاية مضعف له؛ فإن عبارته: وقيل: إنه رجع. والسبب في حصول هذا الوهم في "الروضة" أن الرافعي عبر عن قول الإمام، وقيل بقوله وحكى الإمام، وهى عبارة مجملة. ثم عبر النووي عن قول الرافعي، وحكى بقوله، وقال غير مراجع لما في "النهاية". نعم قول الرافعي فإن ثبت يشير إلى المراد بقوله وحكى فإن الإمام لو جزم لم يحسن أن يقابل. الأمر الثاني: أن الرجوع ثابت؛ فقد جزم به الفوراني في "الإبانة"، ورأيت في نسخة من "المقنع" للمحاملي أن الداركي قال: سمعت ابن القطان يقول: سمعت أبا سعيد القفال يقول: إن أبا إسحاق رجع عن هذا. قال ابن القطان: فحججت فقلت لأبي إسحاق: حكى لى أبو سعيد

стр. 1544

القفال عنك أنك رجعت فقال: بلى كنت أذهب إليه ثم رجعت عنه. هذا كلامه. الثالث: أنه لا يلزم من ثبوت أحد هذين نفي الخلاف في المسألة، بل لابد مع ذلك أن لا ينقل الوجه إلا عنه؛ ولهذا عبر الرافعي بقوله: فإن لم ينقل الوجه إلا عنه وثبت أحد الكلامين فلا خلاف، وفي المسألة إجماع سابق، ويثبت خلاف أبي إسحاق ثم رجوعه، فإنه يتخرج على الاتفاق بعد الاختلاف هل هو إجماع رافع للخلاف السابق أم لا؟ ومذهب الشافعي أنه لا يكون كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول"، وقد نقل الإصطخري أن مقالة أبي إسحاق مخالفة لإجماع المسلمين. الرابع: لما تقرر أن الخلاف في هذه المسألة باطل مردود عبر في "الروضة" بالمذهب؛ إشارة إلى تصحيح طريقة القطع، لكنه ذكر عقبه أنه إذا نوى ثم نام لا يجب تجديد النية على الصحيح؛ فتعبيره بالصحيح جزم منه بإثبات الخلاف مع أن البطلان عند الأصحاب هنا أضعف من الأكل ونحوه؛ لأن النوم غير مناف. قوله: ويصح النفل بنية قبل الزوال، وفيما بعده قولان: أحدهما: يصح؛ تسوية بين أجزاء النهار كما سوينا بين أجزاء الليل في محلية نية الفرض. والأصح: عدم الصحة. وفرقوا بأن الناوي قبل الزوال مدرك لمعظم العبادة فجعل الأقل تبعًا له، بخلاف ما بعده. قال الإمام: وإذا حسب النهار من شروق الشمس فالزوال منتصفه فتكون النية المتقدمة عليه مدركة للمعظم؛ لأن النهار الشرعي محسوب

стр. 1545

من طلوع الفجر فيتقدم منتصفه على الزوال. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلام الإمام من البطلان عند من يعلل بالمعظم كالرافعي وغيره صحيح. وقد حذفه من "الروضة" بالكلية. وأما ما أشار إليه من تخريجه على أول النهار، وتسليم الصحة عند من قال أوله طلوع الشمس فظاهر الفساد؛ فإن الكلام على جعل المعنى المعتبر هو اقتران النية بمعظم العبادة وأولها من طلوع الفجر بلا نزاع سواء سميناه نهارًا أو يومًا. وقد نقل الإمام مع هذا تردد الشيخ أبي محمد في الصحة لفوات اقترانها بالمعظم، ثم قال: ولعل من اعتبر الزوال إنما اعتبره؛ لأنه مضبوط بنية. الثاني: أن المحلية في كلامه بياء مشدودة ومعناه كونه محلًا، والشروق هو الطلوع؛ يقال: شرقت الشمس شروقًا أي: طلعت وأشرقت إشراقًا أي: أصاب. قوله في "الروضة": فرع: ينبغي أن تكون النية جازمة؛ فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غدًا إن كان من رمضان فله حالان: أحدهما: أن لا يعتقده من رمضان فينظر إن ردد نيته فقال: أصوم غدا عن رمضان إن كان منه، وإلا فأنا مفطر، أو أنا متطوع: لم يقع صومه عن رمضان إذا بان منه؛ لأنه صام شاكًا. وقال المزني: يقع عنه. وإن لم يردد نيته بل جزم بالصوم عن رمضان فلا يصح صومه؛ لأنه إذا لم يعتقد كونه من رمضان لم يتأت له الجزم بصوم رمضان حقيقة بل
следующие страницы →