وقد يزيف أيضًا بأن التعرض لليوم المعين لابد منه وذلك يغنى عن كونه من هذا الشهر وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك. انتهى.
ورمضان المذكور في أول هذا الكلام مضاف إلى ما بعده وهو اسم الإشارة.
إذا علمت ذلك ففي كلامه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يصرح هنا بتصحيح في التقييد بالسنة ونحوها، وقد صحح في "الشرح الصغير" و"المحرر" أنه لا يشترط، وعبر فيهما بالظاهر، وصححه النووي أيضًا في "أصل الروضة" وغيرها من كتبه، وقد تلخص مما ذكره هو والرافعي أنه لا يشترط ذكر الأداء ولا كونه من السنة ونحوها كالشهر، بل يكفيه أن ينوى صوم الغد عن فرض رمضان، وفيه كلام سأذكره.
الثاني: أن ما ذكره أولًا في تزييف الوجوب بدخوله في الأداء صحيح لكن الأداء لا يجب أيضًا عنده.
وما ذكره ثانيًا في تزييفه من أن التعرض لليوم المعين -وهو الغد- يستلزم السنة والشهر ذهول عجيب؛ فإن من نوى صوم الغد من هذه السنة عن فرض رمضان يصح أن يقال له: صيامك لليوم المذكور هل هو عن فرض هذه السنة أو عن سنة أخرى؟ إذ هنا أمران؛ اليوم الذي يصومه واليوم الذي يصوم عنه؛ فالحاصل أن ذكر هذه السنة في قلب الناوي إنما ذكروه آخرًا ليعود إلى المؤدي عنه لا المؤدي به.
الثالث: أن البغوي قد عبر بقوله: فيقول: نويت أن أصوم غدًا من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غدًا من الفرض أو من فرض رمضان فالأصح أنه لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر، وقيل: يجوز؛
стр. 1542
لأن هذا الشهر لا يقبل غير فرضه.
هذه عبارة "التهذيب".
وقد علمت منها أن الوجه المرجوح عنده لا يوجب تقييد الفرض برمضان، بل لو قال من الفرض صح على خلاف المذكور في الرافعي و"الروضة".
وقد حذف في "الروضة" ما نقله عنه الرافعي من تصحيح البطلان في هذا التصوير، وأوهم كلامه تبعًا للرافعي أنها صورة واحدة، وليس تصحيح البغوي هذا لأجل التعرض للأداء؛ فإن الصحيح -عنده كما ذكره في الصلاة- عدم اشتراطه.
قوله: والتعيين واجب في صوم الفرض.
ثم قال: وأما صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة"، على إطلاق صحة التطوع بالنية المطلقة، لكنه قد تقدم في صفة الصلاة أن النفل إن كان راتبًا أو كان له سبب فلابد من تعيين النية فيه، وقياسه اشتراط التعيين أيضًا في الصوم الراتب كصوم عرفة، والذي له سبب كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام كما قلنا باشتراطه في الصلاة لاسيما وقد صرح الرافعي بإلحاق الصوم بها كما تقدم، وقد تعرض النووي في "شرح المهذب" لهذا البحث فقال: ينبغي وجوب ذلك، إلا أنه فرض الإشكال في النفل المؤقت ولم يتعرض لما له سبب.
قوله: الرابع: التبييت: وهو شرط في صوم الفرض. انتهى.
وتعبيره بالفرض تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، ويرد عليه صيام الصبي في رمضان فإنه نفل ومع ذلك لا يصح إلا بنية من الليل كما قاله الروياني والنووي، وكذلك ابن أبي الدم، وحكى الوجهين في أنه هل يقع نفلًا
стр. 1543
موصوفًا بصفة الرمضانية أو غير موصوف بها ولا إدخال للصبي، عبر الشيخ في "التنبيه" بقوله: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل فنص على رمضان بخصوصه، وقيل غيره بكونه واجبًا, وهو من محاسن كلامه، وهذا الاعتراض يأتي في المسألة السابقة أيضًا.
قوله في "الروضة": ولا تبطل النية بالأكل والجماع بعدها على المذهب، وحكى عن أبى إسحاق بطلانها، وأنكر ابن الصباغ نسبته إليه. وقال الإمام: رجع أبو إسحاق عن هذا عام حج وأشهد على نفسه.
فإن ثبت أحد هذين فلا خلاف في المسألة. انتهى ملخصًا.
وفيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كونه قائلا برجوع أبي إسحاق ليس كما نقله عنه، بل إنما حكاه الإمام في "النهاية" عن غيره حكاية مضعف له؛ فإن عبارته: وقيل: إنه رجع.
والسبب في حصول هذا الوهم في "الروضة" أن الرافعي عبر عن قول الإمام، وقيل بقوله وحكى الإمام، وهى عبارة مجملة.
ثم عبر النووي عن قول الرافعي، وحكى بقوله، وقال غير مراجع لما في "النهاية".
نعم قول الرافعي فإن ثبت يشير إلى المراد بقوله وحكى فإن الإمام لو جزم لم يحسن أن يقابل.
الأمر الثاني: أن الرجوع ثابت؛ فقد جزم به الفوراني في "الإبانة"، ورأيت في نسخة من "المقنع" للمحاملي أن الداركي قال: سمعت ابن القطان يقول: سمعت أبا سعيد القفال يقول: إن أبا إسحاق رجع عن هذا.
قال ابن القطان: فحججت فقلت لأبي إسحاق: حكى لى أبو سعيد
стр. 1544
القفال عنك أنك رجعت فقال: بلى كنت أذهب إليه ثم رجعت عنه. هذا كلامه.
الثالث: أنه لا يلزم من ثبوت أحد هذين نفي الخلاف في المسألة، بل لابد مع ذلك أن لا ينقل الوجه إلا عنه؛ ولهذا عبر الرافعي بقوله: فإن لم ينقل الوجه إلا عنه وثبت أحد الكلامين فلا خلاف، وفي المسألة إجماع سابق، ويثبت خلاف أبي إسحاق ثم رجوعه، فإنه يتخرج على الاتفاق بعد الاختلاف هل هو إجماع رافع للخلاف السابق أم لا؟
ومذهب الشافعي أنه لا يكون كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول"، وقد نقل الإصطخري أن مقالة أبي إسحاق مخالفة لإجماع المسلمين.
الرابع: لما تقرر أن الخلاف في هذه المسألة باطل مردود عبر في "الروضة" بالمذهب؛ إشارة إلى تصحيح طريقة القطع، لكنه ذكر عقبه أنه إذا نوى ثم نام لا يجب تجديد النية على الصحيح؛ فتعبيره بالصحيح جزم منه بإثبات الخلاف مع أن البطلان عند الأصحاب هنا أضعف من الأكل ونحوه؛ لأن النوم غير مناف.
قوله: ويصح النفل بنية قبل الزوال، وفيما بعده قولان:
أحدهما: يصح؛ تسوية بين أجزاء النهار كما سوينا بين أجزاء الليل في محلية نية الفرض.
والأصح: عدم الصحة.
وفرقوا بأن الناوي قبل الزوال مدرك لمعظم العبادة فجعل الأقل تبعًا له، بخلاف ما بعده.
قال الإمام: وإذا حسب النهار من شروق الشمس فالزوال منتصفه فتكون النية المتقدمة عليه مدركة للمعظم؛ لأن النهار الشرعي محسوب
стр. 1545
من طلوع الفجر فيتقدم منتصفه على الزوال. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلام الإمام من البطلان عند من يعلل بالمعظم كالرافعي وغيره صحيح.
وقد حذفه من "الروضة" بالكلية.
وأما ما أشار إليه من تخريجه على أول النهار، وتسليم الصحة عند من قال أوله طلوع الشمس فظاهر الفساد؛ فإن الكلام على جعل المعنى المعتبر هو اقتران النية بمعظم العبادة وأولها من طلوع الفجر بلا نزاع سواء سميناه نهارًا أو يومًا.
وقد نقل الإمام مع هذا تردد الشيخ أبي محمد في الصحة لفوات اقترانها بالمعظم، ثم قال: ولعل من اعتبر الزوال إنما اعتبره؛ لأنه مضبوط بنية.
الثاني: أن المحلية في كلامه بياء مشدودة ومعناه كونه محلًا، والشروق هو الطلوع؛ يقال: شرقت الشمس شروقًا أي: طلعت وأشرقت إشراقًا أي: أصاب.
قوله في "الروضة": فرع: ينبغي أن تكون النية جازمة؛ فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غدًا إن كان من رمضان فله حالان: أحدهما: أن لا يعتقده من رمضان فينظر إن ردد نيته فقال: أصوم غدا عن رمضان إن كان منه، وإلا فأنا مفطر، أو أنا متطوع: لم يقع صومه عن رمضان إذا بان منه؛ لأنه صام شاكًا.
وقال المزني: يقع عنه.
وإن لم يردد نيته بل جزم بالصوم عن رمضان فلا يصح صومه؛ لأنه إذا لم يعتقد كونه من رمضان لم يتأت له الجزم بصوم رمضان حقيقة بل
стр. 1546
الحاصل حديث نفس، وقيل: يصح. انتهى كلامه.
وقد تحصل من تقسيمه المذكور في أول هذا الكلام أنه إذا نوى صوم الغد إن كان من رمضان لا ترديد فيه، بل إن زاد عليه فقال: وإلا فأنا مفطر أو فأنا متطوع كان ترديدًا، وإلا فلا؛ فلزم من كونه ليس بترديد سكوته عما إذا لم يأت بالشرط بالكلية، بل إيهامه الصحة في التصوير المذكور في الحالة المذكورة وهى ليلة الثلاثين من شعبان.
وذلك كله باطل نقلًا وعقلًا.
وهذا الخلل نشأ من تعبيره في أول الكلام بقوله إن كان من رمضان، وهو زيادة لم يذكرها الرافعي.
قوله: فإن اعتقد كون الغد من رمضان واستند عقده إلى ما شرطنا كما إذا اعتمد على قول من يثق به من حر أو عبد أو امرأة أو صبية ذوى رشد ونوى صومه عن رمضان أجزأه إذا بان أنه منه. انتهى كلامه.
فيه أمور.
أحدها: أن ما ذكره في هذه الأمثلة من صحة الصوم قد ذكر بعد ذلك في الشرط الرابع من شروط الصحة ما يناقضه مناقضة عجيبة فقال: وأما يوم الشك فلا يصح صومه عن رمضان ولا يجوز أن يصوم فيه التطوع الذي لا سبب له، فإن فعله لم يصح في أصح الوجهين.
ثم قال: ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في الألسن أنه رؤي ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قال ولم يقبل الواحد، أو قاله عدد من النساء أو العبيد أو الفساق وظن صدقهم.
وأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك.
وفي وجه لابن طاهر: يوم الشك ما تردد بين الحائرين من غير ترجيح،
стр. 1547
فإن شهد عبد أو صبي أو امرأة ترجح أحد الجانبين؛ فليس بشك. انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا الاختلاف الغريب كيف قطع أولًا بصحة الصوم عن رمضان إذا أخبره من يظن صدقه من حر أو عبد أو امرأة أو صبيان، وذكر ثانيًا أنه لا يصح بإخبار هؤلاء، بل ولا بإخبار العدل الواحد.
وذلك غريب جدًا، ولا ينفع في الجمع بينهما ذكره الاعتقاد أولًا، فإن إرادة معناه عند أهل المعقول مستبعد هنا قطعا، فإن إخبار العدل الواحد غايته أنه يفيد الظن.
ومما يستتبع هذا الاختلاف أنه قد قال في أول الباب: قال ابن الصباغ: والإمام إذا أخبر موثوق به بالرؤية لزم قوله إن قلنا: إنه رواية وإن لم يذكره عند القاضي.
وقالت طائفة: يجب، ولم يفرعوه على شيء، ومن هؤلاء ابن عبدان والغزالي في "الإحياء" وصاحب "التهذيب"، واتفقوا على عدمه في الفاسق. انتهى كلامه. وذكر البندنيجي أيضًا مثله.
واستفدنا منه أن القائلين بالوجوب أكثر عددًا من القائلين بخلافه؛ فصار متناقضًا من ثلاثة أوجه؛ ففي موضع: يجب، وفي موضع: يجوز، وفي موضع: يمتنع.
وقد وقعت المواضع الثلاثة في "الروضة" و"شرح المهذب"، والموضعان الأولان في "الشرح الصغير"، وكذلك في "المحرر" لكن بالإيماء لا بالتصريح.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر في موضعين من "شرح المهذب" أن الصبي الواحد يكفي على عكس ما اقتضاه كلامه في "الروضة" وغيرها.
والفتوى على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه، وما
стр. 1548
ذكره الرافعي هنا في صوم يوم الشك يأتي الكلام عليه مبسوطًا في موضعه.
الأمر الثالث: أن المراد بالرشد هو الاختبار بالصدق ولا يبعد اعتبار اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، ويدل عليه تعبير بعضهم بالموثوق به، والظاهر أن الرشد قيد في الصبيان ويحتمل عوده إلى البواقي.
قوله في الكلام على ما إذا استند اعتقاده إلى شرطنا: فإن قال في نيته -والحالة هذه-: أصوم عن رمضان فإن لم يكن من رمضان، أو تطوع فقال الإمام: ظاهر النص أنه لا يصح صومه إذا بان رمضان للتردد.
وقيل: يصح لاستناده إلى أصله. انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من رجحان عدم الصحة قد خالفه في "المحرر" فجزم بالصحة، وهو الذي اقتصر عليه الرافعي في أواخر الكلام على المسألة نقلًا عن "الوجيز"، وهو المتجه؛ فإن النية معنى قائم بالقلب لا يشترط فيه التلفظ.
ولا شك أن التردد في هذه الحالة حاصل في القلب ذكره أم لم يذكره، وقصده للصوم إنما هو على تقدير كونه من رمضان فصار كالتردد الواقع في القلب بعد حكم الحاكم.
قوله: ويدخل في قسم انتقاد الاعتقاد إلى ما شرطنا بناء الأمر على الحساب حيث جوزنا على التفصيل الذي سبق. انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الإجزاء على القول بالجواز قد تابعه عليه النووي في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" في هذا الموضع وصححه في الشرح المذكور في الكلام على ثبوت رمضان عكس ما جزم به هاهنا فقال في الكلام على المنجم والحاسب ما نصه: فيه خمسة أوجه:
أصحها: لا يلزمهما ولا غيرهما بذلك -يعني بالتنجيم والحساب-
стр. 1549
ولكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
والثاني: يجوز لهما ويجزئهما.
والثالث: يجوز للحاسب ويجزئه، ولا يجوز للمنجم.
والرابع: يجوز لهما ويجوز أيضًا لغيرهما تقليدهما.
والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم. انتهى كلامه، ونظير المسألة ما إذا عرف المنجم دخول وقت الصلاة بالحساب، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في كتاب الصلاة، وما ذكره النووي من عدم الإجزاء مع القول بالجواز بعيد مخالف لكلامهم؛ ولهذا اقتصر ابن الرفعة على الإجزاء نقلًا عن جماعة.
قوله: فرعان: أحدهما: لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم لم ينتقل.
وهل يبطل صومه أم يبقى نفلًا؟ فيه وجهان، كذا لو رفض نية الفرض عن الصوم الذي هو فيه. انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام يقتضي الجزم ببطلان صوم الفرض إذا كان فيه وإنما الخلاف في أنه هل يبطل أم ينقلب نفلًا؟ ، وهذا لا يستقيم مع ما قاله في أول صفة الصلاة من أن نية الخروج من الصوم لا تبطله على الصحيح.
ثم إن الرافعي قد نقله بعدها عن "التهذيب" وليس هو في "التهذيب" كذلك فإنه قال: لو نوى الصائم الخروج عن الصوم أو قال: أبطلت الصوم وترك النية هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يبطل كالصلاة.
والثاني: لا يبطل.
стр. 1550
ثم قال: فإن قلنا: يبطل، فإن كان هذا في خلال الصوم قضاء أو منذورًا فرفض نية الفرضية هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان.
وكذلك لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم آخر لا ينتقل إليه.
هل يبطل ما هو فيه؟ فيه وجهان. فإن قلنا: يبطل الصوم، فإن كان في غير رمضان هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان. انتهى كلام "التهذيب".
والبغوي ﵀ -فرع الوجهين في انقلابه نفلًا على الوجه القائل ببطلان الصوم -وهو كلام صحيح- فحذف الرافعي المفرع عليه وجعلها مسألة مستقلة فوقع في الغلط، وحذف أيضًا تخصيص الوجهين بما عدا رمضان.
وقد تفطن النووي للأمرين فقال عقب الكلام الذي تقدم: قلت: الأصح بقاؤه على ما كان عليه.
واعلم أن انقلابه نفلًا على أحد الوجهين إنما يصح في غير رمضان، وإلا فرمضان لا ينقلب نفلًا عندنا ممن هو من أهل الفرض بحال، والله أعلم. هذا كلامه.
إلا أنه لم يصحح واحدًا من الوجهين.
وأيضًا فما ذكره من تخصيص الوجه بغير رمضان لا يستقيم إلا على تقدير الاتفاق على عدم صيروة رمضان نفلًا.
وليس كذلك فقد حكى الرافعي بعد هذا قبل الكلام على إيجاب الكفارة على المجامع أن أبا إسحاق ذهب إلى أن من أصبح غير ناو في رمضان فنوى التطوع قبل الزوال صح صومه.
ثم حكى عن إمام الحرمين أن قياس هذا الوجه أنه يجوز للمسافر التطوع به.
قوله في "أصل الروضة": فرع: لو قال: إذا جاء فلان خرجت من
стр. 1551
صومي فهل يخرج عند مجيئه؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يخرج، فهل يخرج في الحال؟ وجهان، والمذهب: لا يبطل في الحالين كما سبق بيانه في صفة الصلاة.
انتهى كلامه، وفيه أمور:
أحدها: أن ما جزم به من حكاية الوجهين: في المسألة الأولى قد ضعفه في صفة الصلاة من "الروضة"، وصحح طريقة القطع بعدم البطلان فقال: لو تردد الصائم في الخروج من صومه أو علقه على دخول شخص ونحوه لم يبطل على المذهب الذي قطع به الجماهير وقيل: وجهان. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالمذهب بعد حكاية الوجهين لا يستقيم؛ فإن المذهب عنده من الطريقين، ولم يتعرض لهما هاهنا، وكأنه أخذ الترجيح من صفة الصلاة ذاهلًا عن صدر المسألة.
الأمر الثالث: أن المسألة الثانية وهى حكاية الخلاف في البطلان عند مجيئه لم يسبق لها ذكر في صفة الصلاة بالكلية لا من كلامه ولا من كلام الرافعي، وليس في كلام الرافعي هنا ما يقتضي تقدم ذكره، فإنه قال: الثاني لو قال: إذا جاء فلان خرجت من صومي فهل هو خارج عن الصوم عند مجيئه؟ فيه وجهان.
إن قلنا: نعم فهل يخرج في الحال؟ فيه وجهان، وكل ذلك كما في الصلاة، أورده في "التهذيب" وغيره. هذا لفظ الرافعي.
ومراده بالتشبيه بالصلاة إنما هو في جريان الخلاف لا في الصحيح.
وهذا الترتيب الذي نقله الرافعي عن البغوي، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو ذكر الخلاف عند مجيء زيد.
стр. 1552
فإن أبطلناه فهل يبطل في الحال؟ فيه خلاف، وقد ذكره -أعني البغوي- في هذا الباب، وذكر أيضًا -أعنى: البغوي- هذه المسألة بعينها في كتاب الصلاة ورتب الخلاف بالعكس فإنه حكى في البطلان خلافًا ثم قال: فإن قلنا: لا يبطل، فهل يبطل إذا وجدت الصفة؟ فيه خلاف وعليه اقتصر في "شرح المهذب" هنا.
стр. 1553
الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات
قوله في "أصل الروضة": ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه. انتهى.
وما ذكره من كون الحلق من الباطن قد خالفه بعد ذلك في الكلام على قلع النخامة فقال: منعتها لكلام الرافعي.
قلت: المختار أن الحاء المهملة أيضًا من الظاهر، وعجب كونه ضبطها بالمهملة التى هى من وسط الحلق ولم يضبطه بالهاء أو الهمزة؛ فإنهما من أقصى الحلق. انتهى.
فانظر كيف جعل الحاء المهملة من وسط الحلق وحكم مع ذلك بأنها من الظاهر حتى لا يفطر بالوصول إليه، وهو عكس ما جزم به أولًا, والرافعي نقله عن البغوي وابن القاص.
قوله: ثم في الفصل صور: إحداها: الحقنة مبطلة للصوم لحصول الواصل إلى الجوف المعتبر، وعن القاضي الحسين: أنها لا تبطله، وهو غريب. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن القاضي الحسين لم يثبت؛ فقد صرح القاضي في تعليقه بعكس ذلك فقال: أما إذا احتقن سواء احتقن في قبله أو دبره أفطر.
وقال أبو حنيفة: من ناحية القبل لا يفطر ومن ناحية الدبر يفطر.
هذا لفظه في إحدى "تعليقتيه".
وما ذكره الرافعي أخذه من "المعتمد" للشاشي على عادته في كثرة النقل عنه؛ فإنه قال -أعني الشاشي: ذكر القاضي الحسين أن الحقنة لا تفطر، وهذا الذي ذكره القاضي سهو؛ فإنه اعتقد أن الحقنة التقطير في الإحليل، وليست كذلك وإنما الحقنة عبارة عما يدخل في الدبر من الدواء وذلك ينفذ إلى الجوف، وما يحصل في الإحليل يقال له تقطير. هذا لفظه، وهو أيضًا إنما يقتضي الخلاف في القبل خاصة، والخلاف فيه مشهور، ذكره الرافعي وغيره.
стр. 1554
وذكر القاضي الحسين في "تعليقه" أيضًا أنه لو أدخل أصبعه في دبره أفطر، وهو يؤيد ما ذكرناه عنه في الحقنة.
نعم اختار في "تعليقته" الأخرى التفصيل كما قاله أبو حنيفة فقال: لو قطر شيئًا في إحليله أو أدخل فيه قطنه: قال أصحابنا: يبطل صومه كما لو احتقن.
وعندي أنه لا يفسد؛ لأنه لم يصل إلى جوف التغذي؛ إذ لا منفذ له إلى الجوف.
وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا. هذا كلامه.
ولا شك أن الوهم وقع للشاشي من هذا الموضع.
وذكر الرافعي هنا الغلصة وهى بغين معجمة مفتوحة ولام ساكنة وصاد مهملة.
قال الجوهري: هذا الموضع الثاني في الحلق.
قوله: السادسة: لا يفسد الصوم بالفصد والحجامة, لكن يكرهان. انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على الجزم بالكراهة وبه جزم في "التنبيه"، وأقره عليه النووي في تصحيحه، ثم جزم -أعني: النووي- في "شرح المهذب" بأنهما خلاف الأولى ولم يذكر الكراهة أصلًا.
وقد نص الشافعي في "البويطي" على ما يعضد هذا فإنه قال: وللصائم أن يحتجم وتركه أحب إلى. هذا لفظه بحروفه، وكذلك في "الإملاء" في باب نهى المعتكف فقال: ولا بأس أن يحتجم الصائم.
هذا لفظه أيضًا، ومن "البويطي" و"الإملاء" نقلته.
وعن "الأم" كما في "البويطي"، وذكر الروياني في "البحر" مثله فقال: ظاهر المذهب أن الحجامة لا تكره، وقال بعض أصحابنا بكراهتها، وجزم الجرجاني في "التحرير" بأنهما لا تكرهان، وصرح به أيضًا في كتابه "الشافي" لكنه اقتصر على ذكر الحجامة.
وذكر مثله الماوردي أيضًا؛ فثبت أن الفتوى على خلاف المذكور في الرافعي و"الروضة".
стр. 1555
قوله: ولو وجأ نفسه فوصل السكين إلى جوفه أفطر.
وحكى الحناطي وجهين في من دخل طرف الخيط في دبره أو في جوفه وبعضه خارج هل يفطر؟ فيجوز أن يعلم لأجله قول الغزالي وإن كان بعض السكين خارجًا بالواو. انتهى.
وهذا الوجه قد أسقطه من "الروضة" حتى ادعى لأجل ذلك في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه مع حكايته للخلاف في نظيره من الخيط، وليت شعري ما الفرق الذي تخيله بينهما، وقد صرح في "الشرح الصغير" بالوجه فيهما.
وأما وجأ -فبالجيم وبالهمز في آخره، ومعناه: ضرب؛ تقول: وجأت عنقه وجًا بالسكون أي: ضربته.
قوله في "الروضة": ولو ابتلع طرف خيط بالليل وطرفه الآخر خارج فأصبح كذلك، فإن تركه لم تصح صلاته وإن نزعه أو ابتلعه لم يصح صومه فينبغي أن يبادر غيره أو هو إلى نزعه وهو عاقل، فإن لم يتفق ذلك فالأصح أنه يحافظ على الصلاة فيبتلعه أو ينزعه.
والثاني: يتركه محافظة على الصوم. انتهى.
فهذه المسألة قد ذكرها في نواقض الوضوء من "شرح المهذب"، واقتضى كلامه رجحان المحافظة على الصوم؛ فإنه قال: فيه وجهان: أرجحهما عند القاضي وغيره: أن مراعاة صحة الصوم أولى؛ لأنها عبادة دخل فيها فلا يبطلها. هذا لفظه من غير معارض له بالكلية، وحكى معه وجهًا آخر أن الطاهر الواصل إلى محل النجاسة لا يضر حمله.
قوله: بل لو فتح فاه عمدًا حتى وصل الغبار إلى جوفه فقد قال في "التهذيب": في أصح الوجهين أنه يقع عفوًا، وشبهوا هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمدًا وتلوث بدمائها هل يقع عفوًا؟ انتهى.
فأما ما ذكره صاحب "التهذيب" فقد صححه النووي في "فتاويه"، وعبر في "الروضة" و"شرح المهذب" كما عبر الرافعي.
стр. 1556
وأما قتل البراغيث عمدًا فقد أسقطه من "الروضة" هنا ولم يذكره أيضًا في موضعه، وكأنه توهم تقديمه إياه فأسقطه، وقد صرح به في "التحقيق" في أبواب الصلاة فقال بعد تصحيحه: إن دم البراغيث لا يضر قليله ولا كثيره ما نصه: ولو قتل قملا ونحوه في ثوبه أو بدنه أو حمل ثوب براغيث أو صلى عليه إن كثر ضر وإلا فلا في الأصح. هذا لفظه، وذكر قريبًا منه في "شرح المهذب" فاعلمه.
قوله: نعم لو كان مغمي عليه فأوجر معالجة وإصلاحًا ففيه وجهان: أحدهما: أنه يفطر؛ لأنه لمصلحته فكأنه بإذنه.
وأصحهما: لا يفطر كإيجار غيره بغير اختياره، وهذا الخلاف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عولج بدواء فيه طيب هل تلزمه الفدية؟ انتهى.
وظاهر هذا الكلام أن الثانية كالأولى في إلحاقه بفعل الغير حتى لا تلزمه الفدية.
إذا علمت ذلك فقد ذكر المسألة قبيل باب محرمات الإحرام، وصحح أنه كفعله حتى تلزمه الفدية ثم شبه بهما الوجهين في الصوم وهو عكس ما ذكره هنا، وستعرف لفظه إن شاء الله تعالى هناك.
قوله: ولو أخرج لسانه وعليه الريق ثم رده وابتلع ما عليه ففيه وجهان: أظهرهما -وهو المذكور في "النهاية"- أنه لا يبطل صومه. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح البطلان على عكس المذكور هنا، وعبر بالأصح.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على الجزم بطريقة الوجهين، ثم إنه في "شرح المهذب" حكى فيه طريقين وصحح
стр. 1557
طريقة القطع بعدم الإفطار فقال فيه طريقان حكاهما البغوي وغيره: المذهب وبه قطع المتولي أنه لا يفطر وجهًا واحدًا؛ لأنه لم ينفصل.
والثاني: في إفطاره وجهان.
هذا لفظه.
وقد جزم الغزالي في "البسيط" بأنه لا يفطر، وكذلك الإمام في "النهاية"، ونقله عن الأئمة، وما نقله في "شرح المهذب" عن البغوي من حكاية الطريقين ليس كذلك، بل فيه الجزم بحكاية وجهين فاعلمه، إلا أن يريد أن "المجموع" حكى المجموع.
قوله: قال الشافعي: وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم.
قال بعض الشارحين: كأنه حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة، وقال آخرون: أراد بقوله يحلب الفم أنه يطيب النكهة ويزيل الخلوف فلذلك كرهه.
وهذا كله إذا كلان العلك صلبًا مستعملًا لا ينفصل منه شئ، فإن كان جديدًا متفتتًا فوصل منه شيء إلى الجوف أفطر. انتهى ملخصًا.
والعلك: بفتح العين مصدر علك يعلك بضم اللام أي: مضغ، كذا قاله النووي في "لغات التنبيه"، وفي "الكفاية": أن التقدير مضغ العلك.
قال: وهو كما قال البندينجي: أي الذي كلما مضغته صلب وقوي. هذا كلامه. ومقتضاه أنه اسم للشيء لا مصدر.
وقد جمع النووي في "شرح المهذب" بينهما فقال: العلك بكسر العين هو هذا المعروف، ويجوز بفتح العين ويكون المراد الفعل وهو مضغ العلك وإدارته. هذا كلامه.
стр. 1558
وأما قول الشافعي: يحلب، فنقل النووي في "تهذيبه" و"شرح المهذب" عن "البحر" أنه يروى بالجيم وبالحاء المهملة؛ فمن قال بالجيم فمعناه: يجمع الريق فربما ابتلعه وذلك يبطل الصوم في أحد الوجهين ومكروه في الآخر.
وقيل: معناه يطيب الفم ويزيل الخلوف.
ومن قال بالحاء قال معناه: يمص الريق ويجهد الصائم.
وأما قوله: حاذر بالحاء المهملة: أي: خشى منه.
وهذا الكلام الذي ذكره الرافعي قد أسقطه في "الروضة" ثم ذكر بعد هذا استحباب ترك العلك، وسأذكر لفظه هناك.
قوله: الثانية: النخامة إذا حصلت في حد ظاهر الفم بانصبابها من الدماغ ثم نزلت إلى الباطن، فينظر إن لم يقدر على ردها لم يضر، وإن قدر ولكن ابتلعها قصدًا ضر، وإن تركها حتى نزلت بنفسها ففيه وجهان؛ أوفقهما لكلام الأئمة أنه يضر.
ثم قال: ونقل عن "الحاوي" وجهان مطلقًا في الإفطار بالنخامة، والوجه تنزيلهما على الحالة التي حكينا الخلاف فيها. انتهى كلامه.
وما حاوله الرافعي من رد هذا الخلاف إلى النزول بنفسها، والجزم بالبطلان عند الابتلاع ليس كذلك؛ فقد صرح الماوردي بهما في حال الابتلاع وزاد على ذلك وصحح أنه لا يضر فإنه قال: فأما النخامة إذا ابتلعها ففيه وجهان، ثم قال: والصحيح أنه أخرجها من صدره ثم يبلعها فقد أفطر كالقيء، وإن أخرجها من حلقه أو دماغه لم يفطر كالريق. هذا كلامه.
стр. 1559
ثم إن شيخه الشيخ أبا حامد قد صرح بحكايتهما في هذه الحالة ونقله عن الغزالي في "الزوائد" وكذلك في "البيان" أيضًا، وعلل عدم البطلان بأن جنسهما معفو عنه.
وحذف النووي مقالة "الحاوي" ظنًا منه أن الأمر على ما فهمه الرافعي، وقد تبين بطلانه.
وهذه المسألة قد ذكر في "شرح المهذب" ما يشكل عليها فقال: فرع: لو طعنه غيره طعنة وصلت جوفه فغير أمره لكن أمكن دفعه فلم يدفعه ففي فطره وجهان حكاهما الدارمي، أقيسهما: أنه لا يفطر؛ لأنه لا فعل له.
قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا تمضمض ذاكرًا للصوم فسبق الماء إلى جوفه. أو استنشق فسبق إلى دماغه فالمذهب أنه إن بالغ فيهما أفطر وإلا فلا.
وقيل: يفطر مطلقًا، وقيل عكسه. انتهى كلامه.
اعلم أن منقول المزني أنه يفطر، ومنقول الربيع عكسه، والمذهب على اصطلاح النووي من الطرق لا من الأقوال ولا من الوجوه، وكلامه يقتضي أن في المسألة ثلاث طرق كل منها يأتي للخلاف: أصحها حمل النصين على حالين.
والثانية: القطع بالفطر بالغ أم لا.
والثالثة: القطع بعدمه مطلقًا.
فهذا الاختصار مخالف لكلام الرافعي زيادة ونقصانًا فإنه ذكر ما ملخصه منقول المزني في "المختصر" أنه يفطر، ومنقول الربيع في اختلاف العراقيين عدم الفطر؛ فقال بعضهم: ولا يفطر قطعا وأول من نقله المزني.
стр. 1560
وقال بعضهم: إن بالغ أفطر قطعًا وإلا فلا قطعًا، وحمل النصين عليهما.
والأصح أن المسألة على قولين، وفي محلهما طرق:
أصحها: أنه عند المبالغة، وإن لم يبالغ لم يفطر جزمًا.
والثانية: إذا لم يبالغ فإن بالغ أفطر قطعًا والثالثة: أنهما جاريان في الحالين. انتهى ملخصًا، وقد علمت منه أن القطع بالفطر -أي: عند المبالغة وعدمها- ليس في الرافعي وأن في الرافعي طرق أخرى ليست في "الروضة".
منها: أن المسألة على قولين إذا لم يبالغ، فإن بالغ أفطر قطعًا.
ومنها: أن محلهما إذا بالغ وإلا لم يفطر قطعا.
ومنها: أن القولين جاريان مطلقًا.
فإن كان مراد النووي بما صدر به كلامه أولا هي طريقة القولين فيرد عليه أن القولين ليسا في الحالين كما بيناه، هذا مع أن اللفظ أيضًا لا يقتضي هذا الحمل بل تتعذر إرادته، وبالجملة فقد صرح بعد هذا من زوائده بما اقتضاه كلامه فقال: المختار في الرابعة الجزم بالإفطار كالمبالغة هذه عبارته.
نعم الذي ذكره في "الروضة" هو حاصل الأقوال، المستفادة من هذه الطرق، فلو عبر بقوله، ففيه طرق حاصلها أقوال ثم يذكر ما ذكر فيها لاستقام.
وكأنه أراد أن يذكر هذا فنسيه في الاختصار ثم اغتر به فذكر بعد هذا من "زوائده" ما نقلناه عنه.
واعلم أن الرافعي في "المحرر" قد جزم بأن القولين فيما إذا لم يبالغ،
стр. 1561
فإن بالغ أفطر قطعًا على عكس ما صححه الرافعي في "الشرح الكبير" و"الشرح الصغير".
قوله: وسبق الماء عند غسل الفم لنجاسة كسبقه في المضمضة والمبالغة هاهنا للحاجة ينبغي أن تكون كالسبق في المضمضة أي: لا مبالغة. انتهى.
وهذا الذي ذكره هنا بحثا قد جزم به في "الشرح الصغير".
قوله من "زوائده": ولو جعل الماء فيه لا لغرض فسبق فقيل: يفطر، وقيل بالقولين. انتهى.
ومراده بالقولين هما القولان في مسألة المضمضة، وقد تقدم أن كلامه لا يدل على قولين فيهما بالكلية، وقد تبين في "شرح المهذب" أن ناقل الطريقين هو المتولي، والمتولي لما حكاهما جعل الطريقة الثانية على الخلاف الذي في المضمضة ولم يخصه بقولين، وهذا هو الصواب.
قوله: لو بقي طعام في خلل أسنانه فجرى به الريق من غير قصد فمنقول المزني أنه لا يفطر، ومنقول الربيع أنه يفطر؛ وقيل: قولان، والأصح أن المسألة ليست على القولين، واختلف القائلون بهذا، فمنهم من قال ورواية المزني: ، فيما إذا لم يقدر على تمييزه ومجه، ورواية الربيع: فيما إذا قدر. وتوسط الإمام والغزالي فقالا: إن لم يتعهد تنقية الأسنان ولم يخلل فهو كصور المبالغة في المضمضة، وإن نقاها على الاعتياد فهو كغبار الطريق. انتهى ملخصًا.
والأصح من الطريقين المفرعين على الطريقة الثانية هى الطريقة الأولى -أعني: المفصلة بين القدرة على التمييز وعدمه- فقد صححها في "الشرح الصغير" وجزم بها النووي في "أصل الروضة" ولم يذكر المقالة الثانية فتوجه عليه اعتراضان: إسقاط طريقة، وزيادة تصحيح.
стр. 1562
قوله: الخامسة: إذا خرج المني بالاستمناء أفطر، وإن خرج بمجرد الفكر والنظر بشهوة لم يكن مفطرا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن خروجه بالنظر وإن لم يكن مفطرا لكنه يأثم بتكرر النظر كذا جزم به القاضي الحسين والشيخ أبو حامد في "تعليقه" الذي علقه عنه البندنيجي، والماوردي في "الحاوي"، والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والروياني في "البحر" وفي "المختصر" المسمى "بكتاب المبتدئ" -بكسر الدال- ونقله في "شرح المهذب" عن الماوردي فقط ولم ينقل خلافه، وجزم البندنيجي في "الذخيرة" وأبو الخير سلامة بن جماعة المقدسي في "شرح المفتاح" بأن التكرار مكروه.
الثاني: أن ما ذكره في إنزال المني محله في الواضح، أما المشكل فلا يفطر بإنزاله من أحد الفرجين لاحتمال الزيادة، قاله في "البيان"، ونقله النووي في باب نواقض الوضوء من "شرح المهذب".
وهكذا حكم الجماع والحيض، وقد أوضحته في "كتاب الإيضاح".
قوله: وإن خرج بمباشرة فيما دون الفرج أو لمس أو قبلة أفطر، وحكى إمام الحرمين عن شيخه أنه حكى وجهين فيما إذا ضم امرأة إلى نفسه وبينهما حائل فأنزل قال: هو عندي كسبق ماء المضمضة.
فإن ضاجعها متجردًا فكمبالغة في المضمضة. انتهى ملخصًا.
وقد علمت منه أنه إذا تعاطي هذه الأمور بلا حائل فأنزل أفطر، وفيه الخلاف الذي ذكره الإمام، وإن كان مع الحائل، فإنه لا يفطر على الترجيح الذي ذكره الإمام ولم يذكر ما يوافقه ولا ما يخالفه.
стр. 1563
والذي اقتضاه كلام الإمام من عدم الفطر عند الحائل قد ذكر الغزالي أيضًا نحوه، وجزم به أيضًا المتولي والروياني ونقله في "الكفاية" عن الجمهور، فتفطن لما ذكرته، والتعبير بالمباشرة يدل عليه؛ فإن مدلولها التقاء البشرة.
قوله: وتكره القبلة للشاب الذي تحرك القبلة شهوته ولا يأمن على نفسه، ولا تكره لغيره، وإن كان الأولى الاحتراز.
ومن كرهنا له القبلة فهل ذلك على سبيل التحريم أو التنزيه؟
حكى في "التتمة" فيه وجهين؛ والأول هو المذكور في "التهذيب". انتهى.
لم يرجح شيئًا منهما أيضًا في "الشرح الصغير" ولا تعرض لبيان هذه الكراهة في "المحرر".
والأصح أنها كراهة تحريم، كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وفي غيرها من كتبه، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له؛ فإن هذا الوهم قد سرى إليه هو في "شرح المهذب" فقال: قال الرافعي وغيره: الأصح أنها كراهة تحريم.
وما صححه النووي من التحريم قد نص عليه الشافعي كما نقله القاضي أبو الطيب في "تعليقه" فإنه قال ناقلًا عن المزني: مسألة قال -يعني الشافعي: ومن حركت القبلة شهوته كرهناها له، وإن فعل لم ينتقض صومه، وتركها أفضل.
وهذا الكلام ليس على ظاهره، وقد ذكره الشافعي في "الأم".
ثم إن المزني نقل بعضه وأخل بالبعض؛ وذلك أن الشافعي قال في
стр. 1564
"الأم": ومن حركت القبلة شهوته فالقبلة محرمة عليه، ومن لم تحرك القبلة شهوته كرهناها له وإن فعل لم ينتقض صومه.
فنقل المزني المسألة الأولي دون حكمها ونقل حكم الثانية هذا كلام القاضي.
وقد علم منه أيضًا كراهتها عند الأمن على خلاف ما جزم به الرافعي والنووي.
واعلم أن ذكر الشاب إنما هو؛ لأن الغالب أن خوف الإنزال إنما يحصل له، ولا فرق في الحكم بين الشاب والشيخ كما قاله في "شرح المهذب"؛ ولذلك حذف لفظ الشاب من "الشرح الصغير" و"الروضة".
وإسقاطه يؤخذ منه أيضًا التسوية بين الرجل والمرأة، وهو متجه.
وقوله: ولا يأمن على نفسه أي: من الجماع أو من الإنزال كما صرح بهما في "التتمة"، وإن كان في كلام بعضهم الاقتصار على أحدهما، ولكن المراد ما ذكرناه.
قوله: السادسة: لو أكره حتى أكل بنفسه، ففيه قولان:
أحدهما: لا يفطر؛ لأن حكم اختياره ساقط وأكله ليس منهيًا عنه؛ فأشبه الناسي.
والثاني: يفطر؛ لأنه أتى بضد الصوم ذاكرًا له غايته أتى به لدفع الضرر عن نفسه، ولا أثر له في دفع الفطر كما لو أكل لدفع الجوع، وهذا أصح عند صاحب الكتاب. انتهى كلامه.
وقد اختصر هذا الكلام في "الروضة" بقوله: فلو أكره على الأكل لم يفطر على الأظهر.
стр. 1565
هذه عبارته، وحاصله أنه انعكس عليه تصحيح الغزالي، ثم إنه أطلق التصحيح على عادته في عدم الإعزاء فوقع الغلط.
وقد ذكر في "المحرر" أيضًا نحو ما ذكره في "الشرح" فقال: قولان رجح منهما البطلان، وقال في "الشرح الصغير": أصح القولين عند الغزالي أنه يفطر، ولا يبعد ترجيح الصحة. انتهى.
وهذا النقل عن الغزالي هو في "الوجيز" خاصة، وجزم في "الخلاصة" في الكلام على الجماع بأنه لا يفطر، وحكى في "البسيط" و"الوسيط" قولين من غير ترجيح.
وقد نقل -أعني النووي- في "شرح المهذب" عن الرافعي أنه صحح عدم الفطر فقال ما نصه: أصح القولين أنه لا يبطل وممن صححه الرافعي في "الشرح الكبير"، ولا يعتبر بتصحيح الرافعي في "المحرر" البطلان وقد نبهت عليه في "مختصر المحرر". انتهى.
وكلا النقلين عن الرافعي غير مسلم، أما نقله عن "الشرح" فغلط صريح، وأما عن "المحرر" فقريب من ذلك؛ لأن عبارة "المحرر": رجح بالبناء للمفعول كما تقدم؛ فكأنه قال رجحه بعضهم.
وسبب وقوع هذا الوهم للنووي أنه لما صنف "الروضة" وحصل له فيها هذا الوهم وصنف "المنهاج" فعبر فيه بالصحيح بدلًا عن قول الرافعي رجح صار يأخذ منهما ويعزوه للرافعي.
قوله في المسألة: ويجري القولان في ما لو أكرهت المرأة حتى مكنت، وكذلك في ما إذا أكره الرجل حتى وطأ إن قلنا بتصور الإكراه على الوطء نعم لا تجب الكفارة وإن حكمنا بالإفطار للشبهة، فإن قلنا: لا يتصور، بطل الصوم ولزمته. انتهى.
стр. 1566
فيه كلام مذكور في الجنايات يتعين الوقوف عليه.
قوله: ولو نسى فأكل أكلًا قليلًا لم يفطر، وإن كثر ففيه وجهان كالوجهين في بطلان الصلاة بالكلام الكثير. انتهى.
وما ذكره من كون الوجهين هنا كالوجهين هناك قد سبق منه في الصلاة ما يخالفه؛ فإنه جعل الوجهين مرتبين فراجعه.
قوله في المسألة: قلت: الأصح هنا أنه لا يفطر، والله أعلم. انتهى كلامه.
وما جزم به في هذه المسألة من إثبات الخلاف وقد خالفهما معًا في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه طريقين: أحدهما: هذه.
والثانية، القطع بعدم الفطر، ثم صححها فقال: المذهب المنصوص الذي قطع به الجمهور: أنه لا يفطر وجهًا واحدًا، وقيل: وجهان.
قوله: فإن أكل جاهلًا بكونه مفطرًا، فإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية، وكان يجهل مثل ذلك لم يفطر، وإلا أفطر. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بالجهل بالإفطار قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهي عبارة مدخولة؛ فإنها تقتضي أن من جهل الإفطار به لم يفطر وإن علم التحريم، وليس كذلك؛ فإن نظيره من الكلام في الصلاة مبطل لها كما تقدم في موضعه، وبه صرح الإمام هناك فقال: لو تكلم الرجل عالمًا بأن الكلام محرم في الصلاة ولكن لم يعلم كونه مفسدًا؛ فتفسد صلاته به وفاقًا.
وهذا يطرد في الصوم وغيره. هذا لفظ "النهاية".
стр. 1567
فثبت أنه دائر مع الجهل بالتحريم لا مع الجهل بالإفطار، وبذلك عبر في "شرح المهذب".
نعم إن علم أن جنس الأكل محرم ولم يعلم أن ما أتى به محرم من ابتلاع درهم أو حصاة أو تراب أو نحوها مفطر فهو نظير ما إذا علم المصلي أن جنس الكلام محرم ولم يعلم أن ما أتى به محرم، وقد قال النووي في "أصل الروضة": إنه معذور على الأصح، وقد صرح القاضي حسين في "تعليقه" في الكلام على خيط الخياطة بحكاية وجهين في أمثال هذه الأشياء فقال: كل مسألة تدق وتغمض معرفتها هل يعذر فيها العامي؟ على الوجهين.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلام الرافعي أنه لا فرق في عدم الفطر في حق الجاهل بين قليل الأكل وكثيره، وهو متجه.
وكلامه في "الشرح الصغير" يقتضي جريان الخلاف المذكور في الناسى؛ فإنه قال بعد حكايته: والجاهل القريب العهد بالإسلام كالناسي.
هذا لفظه، ومقتضاه البطلان بالكثير على الصحيح عنده.
وقد صرح بذلك في نظير المسألة وهو الجاهل بتحريم الأكل في الصلاة، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
بل بطلان الصوم به أولى من بطلان الصلاة؛ لأنه عكسه، وحقيقة الصوم وهو الإمساك، وحقيقة الصلاة أفعال وأقوال والإمساك ليس منها.
قوله: ولو جامع ناسيًا لم يفطر، وقيل قولان كجماع المحرم ناسيًا. انتهى.
стр. 1568
تبعه عليه في الروضة، وهو يقتضي أنه لا فرق بين أن يطول زمن الجماع أم لا.
وقياس ما سبق في الأكل عند الرافعي من التفصيل المذكور أن يأتي هنا أيضًا، بل أولى؛ لأنه دائر بين اثنين إن نسى أحدهما فيذكره الآخر، بخلاف الأكل.
وقد عبر في "المحرر" بعبارة صريحة في مجيء التفصيل، فإنه بعد إيضاحه في الأكل عبر بقوله: والجماع كالأكل على الأصح.
وذكر مثله في "المنهاج" إلا أنه عبر بالمذهب.
قوله في "أصل الروضة": ولو كل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعة، أو ظن أن الفجر لم يطلع فبان طالعًا أفطر على الصحيح. انتهى.
وتعبيره في المسألة الثانية بقوله أفطر تعبير غير مستقيم فإنه لم يزل مفطرًا؛ إذ لم ينعقد صومه، وتعبير الرافعي صحيح، فإنه عبر بقوله: لم يجزئه.
قوله فيها أيضًا: فلو هجم في الطرفين فأكل بلا ظن فإن تيقن الخطأ فحكمه ما سبق في الفرع قبله. انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا.
ويعني بالفرع الذي قبله ما إذا أكل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعة، لكنه قد تقدم فيه خلاف في أنه هل يفطر أم لا؟
ولا يمكن القول به فيما إذا هجم في آخر النهار وبان أنها لم تغرب؛ لأن الرافعي قد جزم في الحال المذكور وهو الهجوم في آخر النهار بأن
стр. 1569
القضاء يجب إذا لم يتبين الحال فكيف يجئ مع الجزم عند الجهل أن يتردد مع تبين الخطأ؟ .
قوله من "زوائده": والأكل هجوما بلا ظن حرام في آخر النهار وجائز في أوله, وقال الغزالي في "الوسيط": لا يجوز، ومثله في "التتمة"، وهو محمول على أنه ليس مباحًا مستوي الطرفين بل الأولى تركه.
ثم قال: ولا خلاف في الجواز لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾. . . . إلى آخره.
وهذا التأويل الذي ذكره النووي مع كونه مخالفًا لمدلولات الألفاظ ومؤديًا إلى عدم الوثوق بما يقع في عبارتهم ذهول عما ذكره في "التتمة": فإن هذه المسألة قد ذكرها في المسألة الثانية من الباب الثالث من كتاب الصوم وبعد ذكره لها ذكر في المسألة الثالثة ما ينفي هذا التأويل فإنه ذكر أن القضاء يجب على كل من أكل شاكًا في طلوع الفجر ثم تبين له طلوعه، وعلله بقوله: لأن التقصير منه حيث اشتغل بالأكل مع علمه بأن الأكل بالنهار حرام من غير أن يتحقق بقاء الليل.
هذا لفظه، فصرح بالتحريم.
ونقل ابن الرفعة عن البغوي أنه يكره، وحينئذ فيكون فيه ثلاثة أوجه.
قوله: ولو طلع عليه الفجر وفي فيه طعام فلفظه في الحال فسبق شيء إلى جوفه بغير اختياره فوجهان مخرجان من سبق الماء في المضمضة. انتهى ملخصًا.
والأصح منهما أنه لا يفطر، كذا صححه في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
стр. 1570
قوله في "أصل الروضة": أما إذا طلع الفجر وعلمه بمجرد الطلوع فمكث بطل صومه قطعًا وتلزمه الكفارة على المذهب، وقيل: قولان. انتهى.
واعلم أن الرافعي أيضًا قد عبر بقوله: فسد صومه، وكلا العبارتين مشعرة بانعقاد الصوم وطروء الفساد عليه، وهو الذي جزم به أبو علي الطبري في "الإفصاح"، والقاضي الحسين في "تعليقه"، ونقله في "النهاية" عن شرذمة وادعى أنه خيال ومحال، والمعروف في المذهب أنه لم ينعقد، فقد قال في "النهاية": الذي ذهب إليه معظم الأئمة في المذهب أن الصوم لم ينعقد، وسبب وجوب الكفارة منع عقد الصوم بالجماع، والمنع في معنى القطع. . . . إلى آخر كلامه.
وقال الشيخ أبو حامد: إن من قال: انعقد ثم فسد لا يعرف في مذهب الشافعي.
وذكر مثله البندنيجي ونقله عنه في "شرح المهذب" واقتصر عليه، وصرح أيضًا بأن الكفارة لأجل عدم الانعقاد جماعة كثيرة منهم: الماوردي في "الحاوي"، والمتولي في "التتمة"، وسليم الرازي في "رؤوس المسائل"، وذكر القاضي أبو الطيب في "تعليقه" نحوه أيضًا.
وهذا الخلاف الذي ذكرناه في انعقاد الصوم، وقد صرح به أيضًا الرافعي في كتاب الحج قبيل الكلام على سنن الإحرام بنحو ورقة وصفحة، وسوف أذكره هناك إن شاء الله تعالى.
стр. 1571
القول في شرائط الصوم:
وهى أربعة:
الأول: النقاء من الحيض والنفاس:
فلا يصح صوم الحائض ولا النفساء. انتهى.
هذا الكلام يوهم أن الصائمة إذا ولدت ولم تر نفاسًا لا يبطل صومها، والصحيح بطلانه كما قاله في "شرح المهذب" هنا وفي باب الغسل.
قوله: ولو نوى بالليل ثم شرب دواء فزال عقله نهارًا، قال في "التهذيب": إن قلنا: لا يصح الصوم في الإغماء فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والأصح: لا يصح؛ لأنه بفعله. انتهى.
وقد أطلقوا هذا الكلام ولم يفصلوا بين أن يكون الشرب لحاجة أو لا لحاجة، وقد جعلوا في الصلاة شرب الدواء للحاجة بمثابة الإغماء حتى إن القضاء؛ فينبغي هنا أيضًا إلحاقه به حتى يصح الصوم، إلا أن يقال: الفارق بينهما مشقة قضاء الصلاة دون الصوم؛ ولهذا الفرق أوجبوا القضاء هنا في الإغماء إذا استغرق الوقت، بخلاف الصلاة، وهذا أيضًا خيال ضعيف؛ فإنهم لم يجعلوا المدرك هنا المشقة وعدمها بل عللوه بكونه من فعله.
وقد صرح في "التتمة" بأنه يعذر كما ذكرته؛ فيتعين المصير إليه، وسأذكر لفظه.
هذا التصحيح السابق من كلام البغوي لا من كلام الرافعي فاعلمه.
وقد ذكر مثله الخوارزمي في "الكافي" حكمًا وتعليلًا وتصحيحًا، وفيه
стр. 1572
كلام آخر يأتي عقب هذا.
قوله: قال في "التتمة": ولو شرب المسكر ليلًا وبقي سكره جميع النهار لزمه القضاء، وإن صحا في بعضه فهو كالإغماء في بعض النهار. انتهى.
وإطلاق النقل السابق يقتضي أن زوال العقل بشرب الدواء في بعض النهار ليس كالإغماء يقتضي الإبطال؛ والقول به مع القول بما صرح به هنا؛ وهو أن زواله في بعض النهار بالسكر كالإغماء في غاية التباين، اللهم إلا أن تكون المسألة السابقة مفروضة فيما إذا كان الزوال في جميع النهار، فإن حمل على هذا استقام، وهذا هو الكلام الذي تقدم الوعد بذكره، وهذا الكلام الذي نقله الرافعي عن "التتمة" ذكره في المسألة السادسة من الباب الخامس فقال: إذا شرب بالليل وبقي سكران طول نهاره فعليه قضاء الصوم، وإن امتد السكر في بعض النهار فهو كالإغماء.
فأما إذا شرب دواء حتى زال عقله فإن شربه للتداوي فهو كالمجنون، وإن شربه سفاهة فهو كالسكران. هذا كلامه.
وقد تقدم الوعد في المسألة السابقة بذكر ما ذكره في الدواء، وهذا الذي ذكره فيه -أعني في الدواء- يقتضي أنه إذا زال العقل به في بعض النهار فإن كان لحاجة أبطل لأنه جعله كالمجنون، وإن كان لا لحاجة بل سفهًا صح الصوم؛ لأنه جعله كالإغماء، وهذا واضح الإشكال.
والمسألة جميعها مشكلة؛ فقد رأيت مسألة السكر في جميع النهار في "فتاوى القفال"، وجزم بأن القضاء لا يجب، على عكس ما نقله الرافعي عن "التتمة" وسكت عليه، وعلله -أعني: القفال- بأن السكران مخاطب.
قوله: أما إذا ارتد ثم جن أو سكر ثم جن، ففي وجوب القضاء وجهان.
ولعل الظاهر الفرق بين اتصاله بالردة وإتصاله بالسكر كما سبق في
стр. 1573
الصلاة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بقوله: ولعل الظاهر، وصرح في "شرح المهذب" بأنه الصحيح.
قوله: وذكر الإمام أن القاضي الحسين سلك مسلكًا يفضي إلى تنزيل يوم العيد منزلة يوم الشك.
قال: وما يراه قاله عن عقد. انتهى.
وهذه المقالة تقتضي إثبات خلاف في صحة صومه، وقد حذفها النووي من "الروضة".
وقوله: عن عقد: هو بالدال بعد القاف؛ أي: عن اعتقاد بلا شك وإظهارًا للملكة في المباحث فاعلمه.
فإن نسخ الرافعي وقع فيها عقل باللام، وعبارة الإمام ترشد إلى ما قلنا، وصرح به الغزالي في "البسيط" فقال: إن قاله القاضي عن اعتقاد فعلى خلاف المذهب.
قوله: وهل يجوز للمتمتع العادم للهدى صوم أيام التشريق عن الثلاثة اللازمة عليه؟ فيه قولان: القديم: أنه يجوز؛ لما روى عن عائشة أن النبي ﷺ أرخص للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة في العشر أن يصوم أيام التشريق (١).
والجديد -وبه قطع بعضهم-: أنه لا يجوز؛ لما روي أنه ﷺ قال: "لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال" (٢). انتهى ملخصًا.
стр. 1574
وهذه الطريقة النافية للقديم نقلها الرافعي في أواخر الكلام؛ لأجل ذلك لم يتفطن لها النووي فأسقطها من "الروضة".
والحديث الأول رواه البخارى، والحديث الثاني -وهو النهى عن صيامها- رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية عمرو بن العاص، وفي "صحيح مسلم" (١): "إنها أيام أكل وشرب وذكر لله" والبعال: بكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة: هو الجماع؛ ومن هاهنا نقل ابن حزم عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج والسيد.
ذكر ذلك في حديث النهى عن صوم المرأة إلا بإذن بعلها إذا كان حاضرًا.
ولكن المعروف في كتب اللغة أن البعل هو الزوج، على خلاف ما قاله.
قوله: وإذا جوزنا للمتمتع العادم للهدي صوم أيام التشريق فهل يجوز صومها لغيره؟ فيه وجهان: الأكثرون على أنه لا يجوز. . . . إلى آخره.
استدرك عليه في "الروضة" فقال من "زياداته": وإذا جوزناه لغير المتمتع، فهو مختص بصوم له سبب من واجب أو فعل.
فأما ما لا سبب له فلا يجوز عند جمهور من ذكر هذا الوجه.
هذا الذي استدركه قد صرح به الرافعي عند الكلام على صوم المحبوس إذا اجتهد فوافق ذا الحجة؛ فالغريب أن الرافعي قد صرح به أيضًا هنا في التعليل فإنه قال ما نصه: قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن تجويز صومها للمتمتع إنما كان؛ لكونه صومًا له سبب، فيجوز مثل هذا الصوم لكل أحد دون التطوعات المحضة.
стр. 1575
هذا لفظه فحذفه النووي حالة الاختصار ظنًا منه أنه تعليل محض لا تقييد للمسألة، ثم رأي بعد ذلك أنه لابد منه فاستدركه على الرافعي ظنًا أنه لم يذكره.
قوله: وأما يوم الشك فقد روي عن عمار بن ياسر أنه قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم (١).
ثم قال: فلا يجوز صومه عن رمضان ويجوز صومه عن قضاء ونذر وكفارة، وكذا إذا وافق ورده في التطوع بلا كراهة.
روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تستقبلوا رمضان بيوم أو يومين إلا أن يوافق ذلك صيامًا كان يصومه أحدكم" (٢).
وعن القاضي أبي الطيب أنه يكره أن يصومه عما عليه من فرض.
قال ابن الصباغ: هذا خلاف القياس، لأنه إذا لم يكره فيه ما له سبب من التطوعات فلأن لا يكره فيه الفرض كان أولى. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين الورد، وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: فإن
стр. 1576
كان له سبب بأن كان عادته صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه جاز صومه بلا كراهة. انتهى.
وفي تجويزه في القسم الأول نظر.
الثاني: أن مقتضى كلامه رجحان عدم الكراهة في قيامه عن الفرض، وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: إنه مقتضى كلام الجمهور.
واعلم أن ما قاله القاضي أبو الطيب من الكراهة ظاهر، وما نقله الرافعي عن ابن الصباغ من قياسه على التطوع وأقره عليه، عجيب؛ لأنه إذا صام فيه الفرض لم تبرأ ذمته بيقين لاحتمال أن يكون من رمضان ورمضان لا يقبل غيره.
وهذا المعنى لا يأتي في التطوع؛ ولأجل هذا جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" بالكراهة، وقال في "الحاوي": إنه مذهب الشافعي، وجزم به أيضًا الجرجاني في "الشافي" والماوردي في "المقنع"، وعزاه إلى التطوع أيضًا.
وأظن أن القائلين به أكثر عددًا وهذا على تقدير تفرقة القاضي بين الفرض والنفل ذي السبب، وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي أنه لا فرق، وابن الصباغ في نقله هنا عن القاضي قد صرح بأنه ينقل عن "تعليقه".
الأمر الثالث: أن الرافعي قد ذكر في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لو أخر الفائتة ليقضيها فيها كره له ذلك، وقياسه أنه يأتى مثله هنا في قضاء الصوم وفي المنذور والكفارة.
الأمر الرابع: أن إطلاقه جواز القضاء فيه يقتضي أنه لا فرق بين قضاء الواجب والمستحب، وهو نظير ما قالوه في الأوقات المكروهة للصلاة أن
стр. 1577
قضاء الفائتة فيها جائز، وإن كانت نافلة من صور قضاء المستحب هنا أن يشرع في نافلة صوم ثم يفسده فإنه يستحب قضاؤه كما قال في "الروضة".
الأمر الخامس: قد تقرر أن تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ممتنع وإطلاق الفرض يقتضي استثناء هذا اليوم وأنه يجوز التأخير عنه، وقد صرح به الروياني في "البحر" فحكى عن القاضي أبي الطيب أنه يكره أيضًا؛ لأن المقصود بالقضاء هو القربة ولا قربة في ذلك، وعن غيره عدم الكراهة، ثم قال: وهذا أصح عندي، وبالغ في "البيان" فحكى في تحريم الفرض مطلقًا وجهين.
والحديث الأول أخرجه الترمذي وصححه، والثاني أخرجه الشيخان.
قوله: ولا يجوز أن يصوم فيه -أي: يوم الشك- تطوعًا لا سبب له، فإن فعل لم يصح في الأصح. انتهى.
اعلم أن ما جزم به الرافعي من التحريم قد قال به البغوي، والشاشي، وصاحب "التهذيب" و"التتمة" و"البيان"، وجزم به أيضًا النووي في "شرح المهذب" تبعًا لأصله، والمعروف إنما هو الكراهة؛ فقد صرح بكراهته البندنيجي في "الذخيرة"، و"التعليقة" ونصر المقدسي في "المقصود" وابن الصباغ في "الشامل"، والروياني في "البحر" و"الحلية"، والقاضي الحسين في إحدى "تعليقتيه"، والفوارني في "الإبانة"، والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والجرجاني في كتابيه "الشافي" و"البحر"، والمحاملي في "المقنع". وقال الماوردي في "الحاوي": النهي عن صومه للكراهة لا التحريم، وقال الدارمي في "الاستذكار": لا يجب صوم يوم الشك ونكرهه، فإن صامه جاز.
стр. 1578
وقسم الصيمري في "شرح الكفاية"، وأبو حامد في "الرونق"، والمحاملي في "اللباب"، والبيضاوي في "التبصرة" و"شرح الكفاية"، والماوردي في "الإقناع" الصوم إلى حرام وغيره، وجعلوا هذا من قسم المكروه لا من الحرام.
وذكر نحوه الشافعي في "مختصر البويطي" فقال: ولا أحب أن يعمد أحد إلى صوم يوم الشك نافلة.
ومن كان يسرد الصوم أو كان يصوم أيامًا جعلها على نفسه فوافق ذلك اليوم فلا بأس أن يصومه، ومن نواه لرمضان أجزأه، وقد قيل. يعيده وإن كان من رمضان، هذا لفظه بحروفه.
ولم يعبر الإمام في "النهاية" بالتحريم بل قال: اعتماد صومه من غير سبب منهي عنه.
وكذلك عبر الغزالي في كتبه الثلاثة: "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، وكلام الزجاجي في "التهذيب" يقتضي جوازه أيضًا.
قوله: فإن نذر صومه ففي صحة نذره الوجهان -أي: المتقدمان في الصحة، وإن قلنا يصح فليصم يومًا آخر، فإن صامه خرج من نذره، قاله في "التهذيب". انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه ولم يسند النقل المذكور إلى "التهذيب"، ونقله في "شرح المهذب" عن الخراسانيين.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن قول الرافعي فليصم لا شك أنه على سبيل الإيجاب؛ لأن التفريع على أن صومه حرام، والمحرم يجب العدول عنه.
وذكر بعض المتأخرين من شراح "الوسيط" أنه على سبيل الأولوية،
стр. 1579
وكأنه أخذه من نذر الصلاة في الأوقات المكروهة، وقد سبق إيضاحه مع أمور أخرى تتعلق بما نحن فيه فراجعه.
الثاني: أنه كيف يصح نذره والخروج عن العهد به مع القول بتحريمه.
قوله: ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن أن يرى الهلال من خلالها وأن يخفي تحتها ولم يتحدث برؤيته أحد، فقال الشيخ أبو محمد: هو يوم شك، وقال غيره: إنما يكون كذلك بشرط أن يتحدث برؤيته من لا يقبل قوله. وتوسط الإمام .. إلى آخره.
والأصح أنه ليس بيوم شك، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".
стр. 1580
القول في السنن
قوله: والسنة أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء؛ لقوله ﷺ : "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد فليفطر على الماء؛ فإنه طهور" (١).
ثم قال: وعن القاضي الحسين أن الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة. انتهى.
واعلم أن القاضي لم يتعرض في "فتاويه" للمسألة وذكرها في "تعليقه"، وصرح بخلاف ذلك فقال بعد الكلام على أن الصائم ينزه صومه من الكلام القبيح: إن من سنن الصوم الإفطار على تمر، فإن لم يكن فمذقة لبن، فإن لم يكن فشربة من نهر، وإلا فليصب من الكوز على اليد، هذا كلامه.
نعم ذكر ذلك في آخر الصيام من إحدى "تعليقتيه" فقال: والأولى في هذا الزمان أن يفطر على شربة ماء يأخذه من النهر أو يصبه من الكوز على يده حتى يكون أبعد من الشبهة.
هذه عبارته، ومع ذلك فليس مطابقًا.
الثاني: أنه قد ورد في الحديث ما يقتضي أن تأخر التمر عن الرطب، وهو ما رواه أنس قال: كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن رطبات فتمرات، وإن لم يكن حسا حسوات من